ودخل قاسم منزل الخوارزمي النخّاس، فرأى عنده جارية كأنها جانّ، وكأنها خوط بان، وكأنّها جدل عنان، وكأنه الياسمين؛ نعمة وبياضا؛ فقال لها: أشتريك يا جارية؟ فقالت: «افتح كيسك تسرّ نفسك» ودخلت الجارية منزل النخّاس، فاشتراها وهي لا تعلم ومضى إلى المنزل ودفعها الخوارزميّ إلى غلامه، فلم تشعر الجارية إلا وهي معه في جوف بيت، فلما نظرت إليه وعرفت ما وقعت فيه قالت له: ويلك! إنك والله لن تصل إليّ إلا بعد أن أموت! فإن كنت تجسر على نيك من قد أدرجوه في الأكفان فدونك! والله إن زلت منذ رأيتك، ودخلت إلى الجواري، أصف لهنّ قبحك وبليّة امرأتك بك! فأقبل عليها يكلّمها بكلام المتكلمين، فلم تقبل منه، فقال: فلم قلت لي: «افتح كيسك تسرّ نفسك» ؟ وقد فتحت كيسي فدعيني أسرّ نفسي! وهو يكلّمها وعين الجارية إلى الباب، ونفسها في توهّم الطّريق إلى منزل النخّاس. فلم يشعر قاسم حتّى وثبت وثبة إلى الباب كأنّها غزال، ولم يشعر الخوارزمي إلّا والجارية بين يديه مغشيّ عليها. فكرّ قاسم إليه راجعا وقال: ادفعها إليّ أشفي نفسي منها.
فطلبوا إليه فصفح عنها، واشتراها في ذلك المجلس غلام أملح منها، فقامت إليه فقبّلت فاه، وقاسم ينظر، والقوم يتعجّبون ممّا تهيأ له وتهيّأ لها.
وأما عيسى بن مروان كاتب أبي مروان عبد الملك بن أبي حمزة فإنّه كان شديد التغزّل والتّصندل [١] ، حتّى شرب لذلك النبيذ وتظرّف [٢] بتقطيع ثيابه [٣] وتغنّى أصواتا، وحفظ أحاديث من أحاديث العشّاق ومن الأحاديث التي تشتهيها النساء وتفهم معانيها. وكان أقبح خلق الله تعالى أنفا، حتّى كان أقبح من الأخنس، ومن الأفطس، والأجدع، فإمّا أن يكون صادق ظريفة، وإما أن يكون تزوّجها فلما خلا معها في بيت وأرادها على ما يريد الرّجل من المرأة، امتنعت، فوهب لها، ومنّاها، وأظهر تعشقها، وأراغها بكلّ حيلة. فلما لم تجب قال لها: خبّريني، ما الذي يمنعك؟ قالت: قبح أنفك وهو يستقبل عيني وقت الحاجة، فلو كان أنفك في قفاك لكان أهون عليّ! قال لها: جعلت فداك؟ الذي بأنفي ليس هو خلقة وإنّما هو ضربة ضربتها في سبيل الله تعالى. فقالت واستغربت ضحكا: أنا ما أبالي. في سبيل الله كانت أو في سبيل الشّيطان. إنّما بي قبحه. فخذ ثوابك على هذه الضّربة من الله أمّا أنا فلا.
стр. 1402
باب الجدّ من أمر الجنّ
ليس هذا، حفظك الله تعالى، من الباب الذي كنّا فيه، ولكنّه كان مستراحا وجماما. وسنقول في باب من ذكر الجنّ، لتنتفع في دينك أشد الانتفاع. وهو جدّ كلّه.
والكلام الأوّل وما يتلوه من ذكر الحشرات، ليس فيه جدّ إلّا وفيه خلط من هزل، وليس فيه كلام صحيح إلا وإلى جنبه خرافة، لأن هذا الباب هكذا يقع.
وقد طعن قوم في استراق الشّياطين السمع بوجوه من الطّعن. فإذ قد جرى لها من الذّكر في باب الهزل ما قد جرى، فالواجب علينا أن نقول في باب الجدّ، وفيما يرد على أهل الدّين بجملة، وإن كان هذا الكتاب لم يقصد به إلى هذا الباب حيث ابتدئ. وإن نحن استقصيناه كنّا قد خرجنا من حدّ القول في الحيوان. ولكنا نقول بجملة كافية. والله تعالى المعين على ذلك.
١٨٢٥-[رد على المحتجّين لإنكار استراق السمع بالقرآن]
قال قوم: قد علمنا أن الشياطين ألطف لطافة، وأقلّ آفة، وأحدّ أذهانا، وأقلّ فضولا، وأخفّ أبدانا، وأكثر معرفة وأدقّ فطنة منّا. والدّليل على ذلك إجماعهم على أنّه ليس في الأرض بدعة بديعة، دقيقة ولا جليلة، ولا في الأرض معصية من طريق الهوى والشّهوة، خفيّة كانت أو ظاهرة، إلّا والشّيطان هو الدّاعي لها، والمزيّن لها، والذي يفتح باب كلّ بلاء، وينصب كلّ حبالة وخدعة. ولم تكن لتعرف أصناف جميع الشرور والمعاصي حتى تعرف جميع أصناف الخير والطّاعات.
ونحن قد نجد الرّجل إذا كان معه عقل، ثمّ علم أنّه إذا نقب حائطا قطعت يده، أو أسمع إنسانا كلاما قطع لسانه، أو يكون متى رام ذلك حيل دونه ودون ما رام منه- أنّه لا يتكلّف ذلك ولا يرومه، ولا يحاول أمرا قد أيقن أنّه لا يبلغه.
وأنتم تزعمون أنّ الشّياطين الذين هم على هذه الصّفة كلّما صعد منهم شيطان ليسترق السّمع قذف بشهاب نار، وليس له خواطئ، فإمّا أن يكون يصيبه،
стр. 1403
وإمّا أن يكون نذيرا صادقا أو وعيدا إن يقدم عليه رمى به. وهذه الرّجوم لا تكون إلا لهذه الأمور. ومتى كانت فقد ظهر للشّيطان إحراق المستمع والمسترق، والموانع دون الوصول ثمّ لا نرى الأوّل ينهي الثّاني، ولا الثّاني ينهي الثّالث، ولا الثّالث ينهي الرّابع عجب. وإن كان الذي يعود غيره فكيف خفي عليه شأنهم، وهو ظاهر مكشوف؟! وعلى أنّهم لم يكونوا أعلم منّا حتّى ميّزوا جميع المعاصي من جميع الطاعات. ولولا ذلك لدعوا إلى الطّاعة بحساب المعصية، وزيّنوا لها الصّلاح وهم يريدون الفساد. فإذا كانوا ليسوا كذلك فأدنى حالاتهم أن يكونوا قد عرفوا أخبار القرآن وصدقوها، وأنّ الله تعالى محقّق ما أوعد كما ينجز ما وعد. وقد قال الله : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[١] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
[٢] وقال تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ
[٣] وقال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ
[٤] مع قول الجنّ: أَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً
[٥] وقولهم: أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً
[٦] .
فكيف يسترق السّمع الذين شاهدوا الحالتين جميعا، وأظهروا اليقين بصحّة الخير بأنّ للمستمع بعد ذلك القذف بالشّهب، والإحراق بالنار، وقوله تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
[٧] وقوله تعالى: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ
[٨] في آي غير
стр. 1404
هذا كثير. فكيف يعودون إلى استراق السّمع، مع تيقنهم بأنّه قد حصّن بالشهب.
ولو لم يكونوا موقنين من جهة حقائق الكتاب، ولا من جهة أنّهم بعد قعودهم مقاعد السّمع لمسوا السّماء فوجدوا الأمر قد تغيّر- لكان في طول التّجربة والعيان الظّاهر، وفي إخبار بعضهم لبعض، ما يكون حائلا دون الطّمع وقاطعا دون التماس الصّعود.
وبعد فأي عاقل يسرّ بأن يسمع خبرا وتقطع يده فضلا عن أن تحرقه النّار؟! وبعد فأيّ خبر في ذلك اليوم؟! وهل يصلون إلى النّاس حتّى يجعلوا ذلك الخبر سببا إلى صرف الدّعوى؟ قيل لهم: فإنّا نقول بالصّرفة في عامّة هذه الأصول. وفي هذه الأبواب، كنحو ما ألقي على قلوب بني إسرائيل وهم يجولون في التّيه، وهم في العدد وفي كثرة الأدلّاء والتجّار وأصحاب الأسفار، والحمّارين والمكارين، من الكثرة على ما قد سمعتم به وعرفتموه؛ وهم مع هذا يمشون حتّى يصبحوا، مع شدّة الاجتهاد في الدّهر الطويل، ومع قرب ما بين طرفي التّيه. وقد كان طريقا مسلوكا. وإنّما سمّوه التّيه حين تاهوا فيه، لأنّ الله تعالى حين أراد أن يمتحنهم ويبتليهم صرف أوهامهم.
ومثل ذلك صنيعه في أوهام الأمة التي كان سليمان ملكها ونبيّها، مع تسخير الريح والأعاجيب التي أعطيها. وليس بينهم وبين ملكهم ومملكتهم وبين ملك سبأ ومملكة بلقيس ملكتهم بحار لا تركب، وجبال لا ترام. ولم يتسامع أهل المملكتين ولا كان في ذكرهم مكان هذه الملكة.
وقد قلنا في باب القول في الهدهد ما قلنا [١] ، حين ذكرنا الصّرفة، وذكرنا حال يعقوب ويوسف وحال سليمان وهو معتمد على عصاه، وهو ميّت والجنّ مطيفة به وهم لا يشعرون بموته، وذكرنا من صرف أوهام العرب عن محاولة معارضة القرآن، ولم يأتوا به مضطربا ولا ملفّقا ولا مستكرها؛ إذا كان في ذلك لأهل الشّغب متعلّق، مع غير ذلك، ممّا يخالف فيه طريق الدّهريّة، لأنّ الدّهريّ لا يقر إلّا بالمحسوسات والعادات على خلاف هذا المذهب.
ولعمري ما يستطيع الدّهريّ أن يقول بهذا القول ويحتجّ بهذه الحجّة، ما دام لا يقول بالتّوحيد، وما دام لا يعرف إلا الفلك وعمله، ومادام يرى أن إرسال الرسل يستحيل، وأن الأمر والنّهي، والثواب والعقاب على غير ما نقول، وأنّ الله تعالى لا يجوز أن يأمر من جهة الاختبار إلا من جهة الحزم.
стр. 1405
وكذلك نقول ونزعم أن أوهام هذه العفاريت تصرف عن الذكر لتقع المحنة، وكذلك نقول في النبي ﷺ أن لو كان في جميع تلك الهزاهز [١] من يذكر قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
[٢] لسقط عنه من المحنة أغلظها.
وإذا سقطت المحنة لم تكن الطاعة والمعصية. وكذلك عظيم الطاعة مقرون بعظيم الثّواب.
وما يصنع الدهري وغير الدّهري بهذه المسألة وبهذا التسطير [٣] ؟! ونحن نقول: لو كان إبليس يذكر في كلّ حال قوله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ
[٤] وعلم في كلّ حال أنّه لا يسلم لوجب أن المحنة كانت تسقط عنه، لأن من علم يقينا أنّه لا يمضي غدا إلى السوق ولا يقبض دراهمه من فلان، لم يطمع فيه. ومن لم يطمع في الشيء انقطعت عنه أسباب الدواعي إليه. ومن كان كذلك فمحال أن يأتي السّوق.
فنقول في إبليس: إنه ينسى ليكون مختبرا ممتحنا فليعلموا أن قولنا في مسترقي السمع كقولنا في إبليس، وفي جميع هذه الأمور التي أوجب علينا الدّين أن نقول فيها بهذا القول.
وليس له أن يدفع هذا القول على أصل ديننا، فإن أحبّ أن يسأل عن الدين الذي أوجب هذا القول علينا فيلفعل، والله تعالى المعين والموفّق.
وأما قولهم: «من يخاطر بذهاب نفسه لخبر يستفيده» فقد علمنا أن أصحاب الرّياسات وإن كان متبيّنا كيف كان اعتراضهم على أنّ أيسر ما يحتملون في جنب تلك الرّياسات القتل.
ولعلّ بعض الشّياطين أن يكون معه من النّفخ [٥] وحب الرّياسة ما يهوّن عليه أن يبلغ دوين المواضع التي إن دنا منها أصابه الرّجم، والرّجم إنما ضمن أنه مانع من الوصول، ويعلم أنه إذا كان شهابا أنه يحرقه ولم يضمن أنه يتلف عنه، فما أكثر من تخترقه الرّماح في الحرب ثم يعاود ذلك المكان ورزقه ثمانون دينارا ولا يأخذ إلا
стр. 1406
نصفه، ولا يأخذه إلا قمحا. فلولا أن مع قدم هذا الجنديّ ضروبا مما يهزّه وينجّده [١] ويدعو إليه ويغريه- ما كان يعود إلى موضع قد قطعت فيه إحدى يديه، أو فقئت إحدى عينيه.
ولم وقع عليه إذا اسم شيطان، ومارد، وعفريت، وأشباه ذلك؟! ولم صار الإنسان يسمّى بهذه الأسماء، ويوصف بهذه الصفات إذا كان فيه الجزء الواحد من كلّ ما هم عليه؟!.
وقالوا في باب آخر من الطّعن غير هذا، قالوا في قوله تعالى: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً
[٢] فقالوا: قد دلّ هذا الكلام على أن الأخبار هناك كانت مضيّعة حتّى حصّنت بعد. فقد وصفتم الله تعالى بالتّضييع والاستدراك!.
قلنا: ليس في هذا الكلام دليل على أنهم سمعوا سرّا قط أو هجموا على خبر إن أشاعوه فسد به شيء من الدّين. وللملائكة في السّماء تسبيح وتهليل، وتكبير وتلاوة، فكان لا يبلغ الموضع الذي يسمع ذلك منه إلا عفاريتهم.
وقد يستقيم أن يكون العفريت يكذب ويقول: سمعت ما لم يسمع ومتى لم يكن على قوله برهان يدلّ على صدقه فإنما هو في كذبه من جنس كلّ متنبئ وكاهن.
فإن صدقه مصدق بلا حجّة فليس ذلك بحجّة على الله وعلى رسوله ﷺ .
١٨٢٦-[المحتجون بالشعر لرجم الشياطين قبل الإسلام]
وذهب بعضهم في الطّعن إلى غير هذه الحجّة، قالوا: زعمتم أن الله تعالى جعل هذه الرّجوم للخوافي حجّة للنبي ﷺ ، فكيف يكون ذلك رجما، وقد كان قبل الإسلام ظاهرا مرئيّا، وذلك موجود في الأشعار. وقد قال بشر بن أبي خازم في ذلك [٣] : [من الطويل]
فجأجأها من أول الرّيّ غدوة ... ولمّا يسكّنه من الأرض مرتع [٤]
بأكلبة زرق ضوار كأنّها ... خطاطيف من طول الطريدة تلمع [٥]
стр. 1407
فجال على نفر تعرّض كوكب ... وقد حال دون النّقع والنّقع يسطع [١]
فوصف شوط الثّور هاربا من الكلاب بانقضاض الكوكب في سرعته، وحسنه، وبريق جلده. ولذلك قال الطّرمّاح [٢] : [من الكامل]
يبدو وتضمره البلاد كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
وأنشد أيضا قول بشر بن أبي خازم [٣] : [من الكامل]
وتشجّ بالعير الفلاة كأنّها ... فتخاء كاسرة هوت من مرقب [٤]
والعير يرهقها الخبار وجحشها ... ينقضّ خلفهما انقضاض الكوكب [٥]
قالوا: وقال الضّبّي: [من السريع]
ينالها مهتك أشجارها ... بذي غروب فيه تحريب [٦]
كأنّه حين نحا كوكب ... أو قبس بالكفّ مشبوب [٧]
وقال أوس بن حجر [٨] : [من الكامل]
فانقضّ كالدّريء يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا [٩]
يخفى وأحيانا يلوح كما ... رفع المشير بكفّه لهبا
стр. 1408
ورووا قوله [١] : [من الكامل]
فانقضّ كالدّرّي من متحدّر ... لمع العقيقة جنح ليل مظلم [٢]
وقال عوف بن الخرع: [من الطويل]
يردّ علينا العير من دون أنفه ... أو الثّور كالدّرّي يتبعه الدّم
وقال الأفوه الأودي [٣] : [من الرمل]
كشهاب القذف يرميكم به ... فارس في كفّه للحرب نار
وقال أميّة بن أبي الصّلت [٤] : [من الكامل]
وترى شياطينا تروغ مضافة ... ورواغها شتّى إذا ما تطرد [٥]
يلقى عليها في السّماء مذلّة ... وكواكب ترمى بها فتعرّد [٦]
قلنا لهؤلاء القوم: إن قدرتم على شعر جاهليّ لم يدرك مبعث النبي ﷺ ولا مولده فهو بعض ما يتعلّق به مثلكم، وإن كان الجواب في ذلك سيأتيكم إن شاء الله تعالى. فأما أشعار المخضرمين والإسلاميّين فليس لكم في ذلك حجّة. والجاهليّ ما لم يكن أدرك المولد، فإنّ ذلك ممّا ليس ينبغي لكم أن تتعلّقوا به. وبشر بن أبي خازم فقد أدرك الفجار، والنبي ﷺ شهد الفجار، وقال: «شهدت الفجار فكنت أنبل على عمومتي وأنا غلام» [٧] .
والأعلام ضروب، فمنها ما يكون كالبشارات في الكتب، لكون الصّفة إذا واقفت الصّفة التي لا يقع مثلها اتفاقا وعرضا لزمت فيه الحجة، وضروب أخر كالإرهاص للأمر، والتأسيس له، وكالتعبيد والترشيح [٨] ، فإنّه قلّ نبيّ إلّا وقد حدثت عند مولده، أو قبيل مولده، أو بعد مولده أشياء لم يكن يحدث مثلها. وعند ذلك
стр. 1409
يقول الناس: إنّ هذا لأمر، وإنّ هذا ليراد به أمر وقع، أو سيكون لهذا نبأ. كما تراهم يقولون عند الذوائب التي تحدث لبعض الكواكب في بعض الزمان. فمن التّرشيح والتّأسيس والتّفخيم شأن عبد المطلب عند القرعة، وحين خروج الماء من تحت ركبة جملة، وما كان من شأن الفيل والطير الأبابيل وغير ذلك، مما إذا تقدم للرّجل زاد في نبله وفي فخامة أمره. والمتوقّع أبدا معظّم فإن كانت هذه الشهب في هذه الأيام أبدا مرئيّة فإنما كانت من التأسيس والإرهاص، إلا أن ينشدونا مثل شعر الشعراء الذين لم يدركوا المولد ولا بعد ذلك، فإنّ عددهم كثير، وشعرهم معروف.
وقد قيل الشّعر قبل الإسلام في مقدار من الدهر أطول ممّا بيننا اليوم وبين أوّل الإسلام، وأولئكم عندكم أشعر ممن كان بعدهم.
وكان أحدهم لا يدع عظما منبوذا باليا، ولا حجرا مطروحا، ولا خنفساء، ولا جعلا، ولا دودة، ولا حية، إلا قال فيها، فكيف لم يتهيأ من واحد منهم أن يذكر الكواكب المنقضّة مع حسنها وسرعتها والأعجوبة فيها. وكيف أمسكوا بأجمعهم عن ذكرها إلى الزّمان الذي يحتجّ فيه خصومكم.
وقد علمنا أنّ النبي ﷺ حين ذكر له يوم ذي قار قال: «هذا أوّل يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا» .
ولم يكن قال لهم قبل ذلك إنّ وقعة ستكون، من صفتها كذا، ومن شأنها كذا، وتنصرون على العجم، وبي تنصرون فإن كان بشر بن أبي خازم وهؤلاء الذين ذكرتم قد عاينوا انقضاض الكواكب فليس بمستنكر أن تكون كانت إرهاصا لمن لم يخبر عنها ويحتجّ بها لنفسه. فكيف وبشر بن أبي خازم حيّ في أيّام الفجار، التي شهدها النبيّ ﷺ بنفسه، وأنّ كنانة وقريشا به نصروا.
وسنقول في هذه الأشعار التي أنشدتموها، ونخبر عن مقاديرها وطبقاتها. فأما قوله [١] : [من الكامل]
فانقضّ كالدّرّي من متحدّر ... لمع العقيقة جنح ليل مظلم
стр. 1410
فخبّرني أبو إسحاق أن هذا البيت في أبيات أخر كان أسامة صاحب روح بن أبي همّام، هو الذي كان ولّدها. فإن اتّهمت خبر أبي إسحاق فسمّ الشّاعر، وهات القصيدة، فإنّه لا يقبل في مثل هذا إلّا بيت صحيح صحيح الجوهر، من قصيدة، صحيحة لشاعر معروف. وإلّا فإن كلّ من يقول الشّعر يستطيع أن يقول خمسين بيتا كل بيت منها أجود من هذا البيت.
وأسامة هذا هو الذي قال له روح: [من مجزوء الخفيف]
اسقني يا أسامه ... من رحيق مدامه
اسقنيها فإنّي ... كافر بالقيامه
وهذا الشعر هو الذي قتله. وأمّا ما أنشدتم من قول أوس بن حجر [١] : [من الكامل]
فانقضّ كالدريء يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا
وهذا الشّعر ليس يرويه لأوس إلّا من لا يفصل بين شعر أوس بن حجر، وشريح ابن أوس. وقد طعنت الرّواة في هذا الشّعر الذي أضفتموه إلى بشر بن أبي خازم، من قوله [٢] : [من الكامل]
والعير يرهقها الخبار وجحشها ... ينقضّ خلفهما انقضاض الكوكب
فزعموا أنه ليس من عادتهم أن يصفوا عدو الحمار بانقضاض الكوكب، ولا بدن الحمار ببدن الكوكب. وقالوا: في شعر بشر مصنوع كثير، مما قد احتملته كثير من الرّواة على أنّه من صحيح شعره. فمن ذلك قصيدته التي يقول فيها [٣] : [من الوافر]
فرجّي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزيّ آبا [٤]
стр. 1411
وأما ما ذكرتم من شعر هذا الضّبّي، فإنّ الضّبّي مخضرم.
وزعمتم أنّكم وجدتم ذكر الشّهب في كتب القدماء من الفلاسفة، وأنّه في الآثار العلوية لأرسطاطاليس، حين ذكر القول في الشّهب، مع القول في الكواكب ذوات الذوائب، ومع القول في القوس، والطّوق الذي يكون حول القمر بالليل. فإن كنتم بمثل هذا تستعينون، وإليه تفزعون، فإنّا نوجدكم من كذب التّراجمة وزيادتهم، ومن فساد الكتاب، من جهة تأويل الكلام، ومن جهة جهل المترجم بنقل لغة إلى لغة، ومن جهة فساد النّسخ، ومن أنه قد تقادم فاعترضت دونه الدّهور والأحقاب، فصار لا يؤمن عليه ضروب التّبديل والفساد. وهذا الكلام معروف صحيح.
وأما ما رويتم من شعر الأفوه الأوديّ فلعمري إنّه لجاهليّ، وما وجدنا أحدا من الرّواة يشكّ في أن القصيدة مصنوعة. وبعد فمن أين علم الأفوه أنّ الشهب التي يراها إنما هي قذف ورجم، وهو جاهليّ، ولم يدّع هذا أحد قطّ إلا المسلمون؟ فهذا دليل آخر على أن القصيدة مصنوعة.
١٨٢٧-[رجع القول إلى تفسير قصيدة البهراني]
ثم رجع بنا القول إلى تفسير قصيدة البهرانيّ [١] :
وأما قوله: [من الخفيف]
٢٨- «جائبا للبحار أهدي لعرسي ... فلفلا مجتنى وهضمة عطر
٢٩- وأحلّي هرير من صدف البح ... ر وأسقي العيال من نيل مصر»
فإن الناس يقولون: إن السّاحر لا يكون ماهرا حتّى يأتى بالفلفل الرّطب من سرنديب. وهريرة: اسم امرأته الجنّيّة.
وذكر الظّبي الذي جعله مركبه إلى بلاد الهند، فقال:
٣٠- «وأجوب البلاد تحتي ظبي ... ضاحك سنّه كثير التّمرّي
٣٢- مولج دبره خواية مكو ... وهو باللّيل في العفاريت يسري»
يقول: هذا الظّبي الذي من جبنه وحذره، من بين جميع الوحش، لا يدخل حراه [٢] إلا مستدبرا، لتكون عيناه تلقاء ما يخاف أن يغشاه هو الذي يسري مع العفاريت باللّيل ضاحكا بي هازئا إذا كان تحتي.
стр. 1412
وأما قوله:
٣٣- «يحسب النّاظرون أني ابن ماء ... ذاكر عشّه بضفّة نهر»
فإن الجنّيّ إذا طار به في جوّ السماء ظنّ كلّ من رآه أنّه طائر ماء.
١٨٢٨-[قولهم: أروى من ضبّ]
وأما قولهم في المثل: «أروى من ضبّ» فإني لا أعرفه، لأنّ كلّ شيء بالدوّ والدّهناء والصّمّان، وأوساط هذه المهامه والصحاصح فإن جميع ما يسكنها من الحشرات والسّباع لا يرد الماء ولا يريده، لأنه ليس في أوساط هذه الفيافي في الصّيف كله وفي القيظ جميعا منقع ماء، ولا غدير، ولا شريعة، ولا وشل [١] . فإذا استقام أن يمرّ بظبائها وأرانبها وثعالبها وغير ذلك منها الصّيفة كلّها، والقيظ كله، ولم تذق فيها قطرة ماء، فهي له في الشتاء أترك، لأنّ من اقتات اليبس إذا لم يشرب الماء فهو إذا اقتات الرّطب أترك.
وليس العجب في هذا، ولكنّ العجب في إبل لا ترد الماء.
وزعم الأصمعيّ أنّ لبني عقيل ماعزا لم يرد الماء قطّ [٢] . فينبغي على ذاك أن يكون واديهم لا يزال يكون فيه من البقل والورق ما يعيشها بتلك الرّطوبة التي فيها.
ولو كانت ثعالب الدّهناء وظباؤها وأرانبها ووحشها تحتاج إلى الماء لطلبته أشدّ الطلب، فإن الحيوان كلّه يهتدي إلى ما يعيشه، وذلك في طبعه وإنما سلب هذه المعارف الذين أعطوا العقل والاستطاعة فوكلوا إليهما.
فأمّا من سلب الآلة التي بها تكون الرّويّة والأداة التي يكون بها التصرّف، وتخرج أفعاله من حد الإيجاب إلى حد الإمكان، وعوّض التمكين، فإن سبيله غير سبيل من منح ذلك، فقسم الله تعالى لتلك الكفاية، وقسم لهؤلاء الابتلاء والاختيار.
١٨٢٩-[قصيدتا بشر بن المعتمر]
أوّل ما نبدأ قبل ذكر الحشرات وأصناف الحيوان والوحش بشعري بشر بن المعتمر، فإن له في هذا الباب قصيدتين، قد جمع فيهما كثيرا من هذه الغرائب
стр. 1413
والفرائد، ونبّه بهذا على وجوه كثيرة من الحكمة العجيبة، والموعظة البليغة. وقد كان يمكننا أن نذكر من شأن هذه السّباع والحشرات بقدر ما تتسع له الرواية، من غير أن نكتبهما في هذا الكتاب، ولكنهما يجمعان أمورا كثيرة.
أمّا أوّل ذلك فإنّ حفظ الشّعر أهون على النّفس، وإذا حفظ كان أعلق وأثبت، وكان شاهدا. وإن احتيج إلى ضرب المثل كان مثلا.
وإذا قسمنا ما عندنا في هذه الأصناف، على بيوت هذين الشّعرين، وقع ذكرهما مصنّفا فيصير حينئذ آنق في الأسماع، وأشدّ في الحفظ.
١٨٣٠-[القصيدة الأولى]
قال بشر بن المعتمر [١] : [من السريع]
١- الناس دأبا في طلاب الغنى ... وكلهم من شأنه الختر [٢]
٢- كأذؤب تنهشها أذؤب ... لها عواء ولها زفر
٣- تراهم فوضى وأيدي سبا ... كلّ له في نفثه سحر [٣]
٤- تبارك الله وسبحانه ... بين يديه النّفع والضّرّ
٥- من خلقه في رزقه كلّهم ... الذّيخ والثّيتل والغفر [٤]
٦- وساكن الجوّ إذا ما علا ... فيه، ومن مسكنه القفر
٧- والصّدع الأعصم في شاهق ... وجأبة مسكنها الوعر
٨- والحيّة الصّماء في جحرها ... والتّتفل الرائغ والذّرّ [٥]
٩- وإلقة ترغث ربّاحها ... والسّهل والنّوفل والنضر [٦]
١٠- وهقلة ترتاع من ظلّها ... لها عرار ولها زمر [٧]
стр. 1414
١١- تلتهم المرو على شهوة ... أحبّ شيء عندها الجمر [١]
١٢- وضبة تأكل أولادها ... وعترفان بطنه صفر [٢]
١٣- يؤثر بالطّعم، وتأذينه، ... منجّم ليس له فكر
١٤- وكيف لا أعجب من عالم ... حشوته التأبيس والدّغر [٣]
١٥- وحكمة يبصرها عاقل ... ليس له من دونها ستر
١٦- جرادة تخرق متن الصّفا ... وأبغث يصطاده صقر
١٧- سلاحه رمح فما عذره ... وقد عراه دونه الذّعر
١٨- والدّبّ والقرد إذا علّما ... والفيل والكلبة واليعر [٤]
١٩- يحجم عن فرط أعاجيبها ... وعن مدى غاياتها السّحر
٢٠- وظبية تخضم في حنظل ... وعقرب يعجبها التّمر
٢١- وخنفس يسعى بجعلانه ... يقوتها الأرواث والبعر
٢٢- يقتلها الورد وتحيا إذا ... ضمّ إليها الرّوث والجعر
٢٣- وفأرة البيش إمام لها ... والخلد فيه عجب هتر [٥]
٢٤- وقنفذ يسري إلى حيّة ... وحيّة يخلى له الجحر
٢٥- وعضرفوط ماله قبلة ... وهدهد يكفره بكر
٢٦- وفرّة العقرب من لسعها ... تخبر أن ليس لها عذر
٢٧- والببر فيه عجب عاجب ... إذا تلاقى اللّيث والببر
٢٨- وطائر أشرف ذو جردة ... وطائر ليس له وكر [٦]
٢٩- وثرمل تأوي إلى دوبل ... وعسكر يتبعه النّسر [٧]
٣٠- يسالم الضّبع بذي مرّة ... أبرمها في الرّحم العمر
٣١- وتمسح خلّله طائر ... وسابح ليس له سحر [٨]
стр. 1415
٣٢- والعثّ والحفّاث ذو فحفح ... وخرنق يسفده وبر [١]
٣٣- وغائص في الرمل ذو حدّة ... ليس له ناب ولا ظفر [٢]
٣٤- حرباؤها في قيظها شامس ... حتّى يوافي وقته العصر [٣]
٣٥- يميل بالشّقّ إليها كما ... يميل في روضته الزّهر [٣]
٣٦- والظّربان الورد قد شفّه ... حبّ الكشى، والوحر الحمر [٤]
٣٧- يلوذ منه الضّبّ مذلوليا ... ولو نجا أهلكه الذّعر [٤]
٣٨- وليس ينجيه إذا ما فسا ... شيء ولو أحرزه قصر [٤]
٣٩- وهيشة تأكلها سرفة ... وسمع ذئب همّه الحضر [٥]
٤٠- لا ترد الماء أفاعي النّقا ... لكنما يعجبها الخمر [٦]
٤١- وفي ذرى الحرمل ظلّ لها ... إذا غلا واحتدم الهجر [٦]
٤٢- فبعضها طعم لبعض كما ... أعطى سهام الميسر القمر [٦]
٤٣- وتمسح النّيل عقاب الهوا ... والّليث رأس وله الأسر [٧]
٤٤- ثلاثة ليس لها غالب ... إلّا بما ينتقض الدّهر [٧]
٤٥- إنّي وإن كنت ضعيف القوى ... فالله يقضي وله الأمر
٤٦- لست إباضيّا غبيّا ولا ... كرافضيّ غرّه الجفر
٤٧- كما يغرّ الآل في سبسب ... سفرا فأودى عنده السّفر [٨]
٤٨- كلاهما وسّع في جهل ما ... فعاله عندهما كفر
٤٩- لسنا من الحشو الجفاة الأولى ... عابوا الذي عابوا ولم يدروا
٥٠- أن غبت لم يسلمك من تهمة ... وإن رنا فلحظه شزر [٩]
٥١- يعرض إن سالمته مدبرا ... كأنما يلسبه الدّبر [١٠]
٥٢- أبله خبّ ضغن قلبه ... له احتيال وله مكر
стр. 1416
٥٣- وانتحلوا جماعة باسمها ... وفارقوها فهم اليعر [١]
٥٤- وأهوج أعوج ذو لوثة ... ليس له رأي ولا قدر [٢]
٥٥- قد غرّه في نفسه مثله ... وغرّهم أيضا كما غرّوا
٥٦- لا تنجع الحكمة فيهم كما ... ينبو عن الجرولة القطر [٣]
٥٧- قلوبهم شتّى فما منهم ... ثلاثة يجمعهم أمر
٥٨- إلّا الأذي أو بهت أهل التّقى ... وأنّهم أعينهم خزر [٤]
٥٩- أولئك الدّاء العضال الذي ... أعيا لديه الصّاب والمقر [٥]
٦٠- حيلة من ليست له حيلة ... حسن عزاء النّفس والصبر
١٨٣١-[القصيدة الثانية]
قال: وأنشدني أيضا [٦] : [من السريع]
١- ما ترى العالم ذا حشوة ... يقصر عنها عدد القطر
٢- أوابد الوحش وأحناشها ... وكلّ سبع وافر الظّفر
٣- وبعضه ذو همج هامج ... فيه اعتبار لذوي الفكر
٤- والوزغ الرّقط على ذلّها ... تطاعم الحيّات في الجحر
٥- والخنفس الأسود في طبعه ... مودّة العقرب في السّرّ
٦- والحشرات الغبر منبثّة ... بين الورى والبلد القفر
٧- وكلها شرّ وفي شرّها ... خير كثير عند من يدري
٨- لو فكّر العاقل في نفسه ... مدّة هذا الخلق في العمر
٩- لم ير إلّا عجبا شاملا ... أو حجّة تنقش في الصّخر
١٠- فكم ترى في الخلق من آية ... خفيّة الجسمان في قعر
١١- أبرزها الفكر على فكرة ... يحار فيها وضح الفجر
١٢- لله درّ العقل من رائد ... وصاحب في العسر واليسر
١٣- وحاكم يقضي على غائب ... قضيّة الشّاهد للأمر
стр. 1417
١٤- وإنّ شيئا بعض أفعاله ... أن يفصل الخير من الشّرّ
١٥- بذي قوى، قد خصّه ربّه ... بخالص التّقديس والطّهر
١٦- بل أنت كالعين وإنسانها ... ومخرج الخيشوم والنّحر
١٧- فشرّهم أكثرهم حيلة ... كالذّئب والثّعلب والذّرّ
١٨- واللّيث قد جلّده علمه ... بما حوى من شدّة الأسر [١]
١٩- فتارة يحطمه خابطا ... وتارة يثنيه بالهصر
٢٠- والضعف قد عرّف أربابه ... مواضع الفرّ من الكرّ
٢١- تعرف بالإحساس أقدارها ... في الأسر والإلحاج والصّبر [٢]
٢٢- والبخت مقرون فلا تجهلنّ ... بصاحب الحاجة والفقر
٢٣- وذو الكفايات إلى سكرة ... أهون منها سكرة الخمر
٢٤- والضّبع الغثراء مع ذيخها ... شرّ من اللبوة والنّمر [٣]
٢٥- لو خلّي اللّيث ببطن الورى ... والنّمر أو قد جيء بالببر
٢٦- كان لها أرجى ولو قضقضت ... ما بين قرنيه إلى الصّدر [٤]
٢٧- والذئب إن أفلت من شره ... فبعد أن أبلغ في العذر
٢٨- وكلّ جنس فله قالب ... وعنصر أعراقه تسري
٢٩- وتصنع السّرفة فيهم على ... مثل صنيع الأرض والبذر
٣٠- والأضعف الأصغر أحرى بأن ... يحتال للأكبر بالفكر
٣١- متى يرى عدوّه قاهرا ... أحوجه ذاك إلى المكر
٣٢- كما ترى الذئب إذا لم يطق ... صاح فجاءت رسلا تجري [٥]
٣٣- وكلّ شيء فعلى قدره ... يحجم أو يقدم أو يجري
٣٤- والكيس في المكسب شمل لهم ... والعندليب الفرخ كالنّسر
٣٥- والخلد كالذّئب على خبثه ... والفيل والأعلم كالوبر [٦]
٣٦- والعبد كالحرّ وإن ساءه ... والأبغث الأغثر كالصّقر [٧]
стр. 1418
٣٧- لكنّهم في الدّين أيدي سبا ... تفاوتوا في الرّأي والقدر
٣٨- قد غمر التّقليد أحلامهم ... فناصبوا القيّاس ذا السّبر [١]
٣٩- فافهم كلامي واصطبر ساعة ... فإنّما النّجح مع الصّبر
٤٠- وانظر إلى الدّنيا بعين امرئ ... يكره أن يجري ولا يدري
٤١- أما ترى الهقل وأمعاءه ... يجمع بين الصّخر والجمر
٤٢- وفارة البيش على بيشها ... طيّبة فائقة العطر
٤٣- وطائر يسبح في جاحم ... كماهر يسبح في غمر
٤٤- ولطعة الذئب على حسوه ... وصنعة السّرفة والدّبر
٤٥- ومسمع القردان في منهل ... أعجب ممّا قيل في الحجر [٢]
٤٦- وظبية تدخل في تولج ... مؤخرها من شدّة الذّعر [٣]
٤٧- تأخذ بالحزم على قانص ... يريغها من قبل الدّبر [٤]
٤٨- والمقرم المعلم ما إنّ له ... مرارة تسمع في الذّكر [٥]
٤٩- وخصية تنصل من جوفه ... عند حدوث الموت والنّحر [٦]
٥٠- ولا يرى من بعدها جازر ... شقشقة مائلة الهدر
٥١- وليس للطّرف طحال وقد ... أشاعه العالم بالأمر
٥٢- وفي فؤاد الثور عظم وقد ... يعرفه الجازر ذو الخبر
٥٣- وأكثر الحيتان أعجوبة ... ما كان منها عاش في البحر
٥٤- إذ لا لسان سقي ملحه ... ولا دماغ السّمك النّهري
٥٥- يدخل في العذب إلى جمّه ... كفعل ذي النّقلة في البرّ [٧]
٥٦- تدير أوقاتا بأعيانها ... على مثال الفلك المجري
٥٧- وكلّ جنس فله مدّة ... تعاقب الأنواء في الشّهر
٥٨- وأكبد تظهر في ليلها ... ثمّ توارى آخر الدّهر [٨]
стр. 1419
٥٩- ولا يسيغ الطّعم ما لم يكن ... مزاجه ماء على قدر
٦٠- ليس له شيء لإزلاقه ... سوى جراب واسع الشّجر [١]
٦١- والتتفل الرائغ إمّا نضا ... فشطر أنبوب على شطر [٢]
٦٢- متى رأى اللّيث أخا حافر ... تجده ذا فشّ وذا جزر [٣]
٦٣- وإن رأى النّمر طعاما له ... أطعمه ذلك في النّمر
٦٤- وإن رأى مخلبه وافيا ... ونابه يجرح في الصّخر
٦٥- منهرت الشّدق إلى غلصم ... فالنّمر مأكول إلى الحشر [٤]
٦٦- وما يعادي النّمر في ضيغم ... زئيره أصبر من نمر
٦٧- لولا الذي في أصل تركيبه ... من شدّة الأضلاع والظّهر
٦٨- يبلغ بالجسر على طبعه ... ما يسحر المختال ذا الكبر [٥]
٦٩- سبحان ربّ الخلق والأمر ... ومنشر الميت من القبر
٧٠- فاصبر على التّفكير فيما ترى ... ما أقرب الأجر من الوزر
١٨٣٢-[تفسير القصيدة الأولى]
نقول بعون الله تعالى وقوته في تفسير قصيدة أبي سهل بشر بن المعتمر، ونبدأ بالأولى المرفوعة، التي ذكر في آخرها الإباضية، والرافضة، والنابتة. فإذا قلنا في ذلك بما حضرنا قلنا في قصيدته الثانية إن شاء الله تعالى.
١٨٣٣-[ما قيل في الذئب]
أمّا قوله:
٢- «كأذؤب تنهشها أذؤب ... لها عواء ولها زفر»
فإنّها قد تتهارش على الفريسة، ولا تبلغ القتل، فإذا أدمى بعضها بعضا وثبت عليه فمزّقته وأكلته. وقال الرّاجز [٧] : [من الرجز]
стр. 1420
فلا تكوني يا ابنة الأشمّ ... ورقاء دمّى ذئبها المدمّي
وقال الفرزدق [١] : [من الطويل]
وكنت كذئب السّوء لمّا رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدّم
نعم حتّى ربما أقبلا على الإنسان إقبالا واحدا، وهما سواء على عداوته والجزم على أكله، فإذا أدمي أحدهما وثب على صاحبه المدمى فمزّقه وأكله، وترك الإنسان وإن كان أحدهما قد أدماه [٢] .
ولا أعلم في الأرض خلقا ألأم من هذا الخلق، ولا شرّا منه، ويحدث عند رؤيته الدّم له في صاحبه الطمع، ويحدث له في ذلك الطمع فضل قوة، ويحدث للمدمّى جبن وخوف، ويحدث عنهما ضعف واستخذاء [٣] ، فإذا تهيأ ذلك منهما لم يكن دون أكله شيء. والله أعلم حيث لم يعط الذئب قوة الأسد، ولم يعط الأسد جبن الذئب الهارب بما يرى في أثر الدم من الضعف. مثل ما يعتري الهر والهرة بعد الفراغ من السّفاد، فإن الهر قبل أن يفرغ من سفاد الهرة أقوى منها كثيرا، فإذا سفدها ولّى عنها هاربا واتبعته طالبة له، فإنها في تلك الحال إن لحقته كانت أقوى منه كثيرا.
فلذلك يقطع الأرض في الهرب، وربّما رمى بنفسه من حالق. وهذا شيء لا يعدمانه في تلك الحال.
ولم أرهم يقفون على حدّ العلة في ذلك. وهذا باب سيقع في موضعه من القول في الذئب تامّا، بما فيه من الرّواية وغير ذلك.
١٨٣٤-[الذيخ والثيتل والغفر]
وأمّا قوله:
٥- «من خلقه في رزقه كلّهم ... الذّيخ والثّيتل والغفر
الذّيخ: ذكر الضّبع. والثّيتل شبيه بالوعل، وهو ممّا يسكن في رؤوس الجبال، ولا يكون في القرى. وكذلك الأوعال. وليس لها حضر [٤] ولا عمل محمود على البسيط، وكذلك ليس للظباء حضر ولا عمل محمود في رؤوس الجبال.
стр. 1421
وقال الشاعر [١] : [من المتقارب]
وخيل تكردس بالدارعين ... كمشي الوعول على الظاهره
وقال أيضا:
[من الكامل]
والظّبي في رأس اليفاع تخاله ... عند الهضاب مقيّدا مشكولا [٢]
والغفر: ولد الأروية: واحد الأروى، والأروى: جماعة من إناث الأوعال.
١٨٣٥-[الصّدع والجأب]
وأما قوله:
٧- «والصّدع الأعصم في شاهق ... وجأبة مسكنها الوعر»
فالصّدع: الشّاب من الأوعال. والأعصم: الذي في عصمته بياض، وفي المعصم منه سواد ولون يخالف لون جسده، والأنثى عصماء. والجأب: الحمار الغليظ الشّديد. والجأبة: الأتان الغليظة. والجأب أيضا، مهموز: المغرة [٣] . وقال عنترة [٤] : [من الكامل]
فنجا أمام رماحهنّ كأنّه ... فوت الأسنة حافر الجأب
شبّهه بما عليه من لطوخ الدّماء برجل يحفر في معدن المغرة. والمغرة أيضا المكر. ولذلك قال أبو زبيد [٥] في صفة الأسد المخمر بالدماء: [من الطويل]
يعاجيهم للشّرّ ثاني عطفه ... عنايته كأنّما بات يمكر
١٨٣٦-[الحية والثعلب والذر]
وأما قوله:
٨- «والحية الصماء في جحرها ... والتّتفل الرائغ والذّرّ»
стр. 1422
فالتتفل هو الثّعلب، وهو موصوف بالرّوغان والخبث، ويضرب به المثل في النّذالة والدناءة، كما يضرب به المثل في الخبث والرّوغان.
وقال طرفة [١] : [من السريع]
وصاحب قد كنت صاحبته ... لا ترك الله له واضحه [٢]
كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه اللّيلة بالبارحه
وقال دريد بن الصمّة [٣] : [من الطويل]
ومرّة قد أدركتهم فتركتهم ... يروغون بالغرّاء روغ الثّعالب
وقال أيضا [٤] : [من الوافر]
ولست بثعلب، إن كان كون ... يدسّ برأسه في كلّ جحر [٤]
ولمّا قال أبو محجن الثّقفي لأصحاب النبي ﷺ ، من حائط الطائف ما قال: قال له عمر بن الخطاب ﵁: «إنما أنت ثعلب في جحر، فابرز من الحصن إن كنت رجلا» !.
ومما قيل في ذلة الثعلب، قال بعض السّلف [٥] ، حين وجد الثّعلبان بال على رأس صنمه: [من الطويل]
إله يبول الثّعلّبان برأسه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
فأرسلها مثلا. وقال دريد في مثل ذلك [٦] : [من الطويل]
стр. 1423
تمنّيتني قيس بن سعد سفاهة ... وأنت امرؤ لا تحتويك المقانب [١]
وأنت امرؤ جعد القفا متعكّس ... من الأقط الحوليّ شبعان كانب [٢]
إذا انتسبوا لم يعرفوا غير ثعلب ... إليهم، ومن شرّ السّباع الثعالب
وأنشدوا في مثل ذلك [٣] : [من المنسرح]
ما أعجب الدّهر في تصرّفه ... والدّهر لا تنقضي عجائبه
يبسط آمالنا فنبسطها ... ودون آمالنا نوائبه
وكم رأينا في الدّهر من أسد ... بالت على رأسه ثعالبه
ففي الثّعلب جلده، وهو كريم الوبر، وليس في الوبر أغلى من الثعلب الأسود.
وهو ضروب، ومنه الأبيض الذي لا يفصل بينه وبين الفنك، [٤] ومنه الخلنجيّ [٥] ، وهو الأعمّ.
ومن أعاجيبه أن نضيّه، وهو قضيبه في خلقة الأنبوبة، أحد شطريه عظم في صورة المثقب، والآخر عصب ولحم، ولذلك قال بشر بن المعتمر [٦] : [من السريع]
والتّتفل الرائغ إمّا نضا ... فشطر أنبوب على شطر
وهو سبع جبان جدّا، ولكنّه لفرط الخبث والحيلة يجري مع كبار السّباع.
وزعم أعرابيّ ممن يسمع منه، أنّه طارده مرّة بكلاب له، فراوغه حتّى صار في خمر [٧] ، ومرّ بمكانه فرأى ثعلبا ميّتا، وإذا هو قد زكر [٨] بطنه ونفخه، فوهّمه أنّه قد مات من يوم أو يومين. قال: فتعدّيته وشمّ رائحة الكلاب فوثب وثبة فصار في صحراء.
وفي حديث العامّة أنّه لما كثرت البراغيث في فروته، تناول بفيه إمّا صوفة وإمّا ليقة، ثم أدخل رجليه في الماء، فترفّعت عن ذلك الموضع، فما زال يغمس بدنه أوّلا
стр. 1424
فأوّلا حتّى اجتمعن في خطمه، فلمّا غمس خطمه أوّلا فأوّلا اجتمعن في الصّوفة، فإذا علم أنّ الصّوفة قد اشتملت عليهنّ تركها في الماء ووثب، فإذا هو خارج عن جميعها.
فإن كان هذا الحديث حقّا فما أعجبه. وإن كان باطلا فإنّهم لم يجعلوه له إلّا للفضيلة التي فيه، من الخبث والكيس.
وإذا مشى الفرس مشيا شبيها بمشي الثعلب قالوا: مشى الثّعلبيّة قال الراعي [١] :
[من الطويل]
وغملى نصيّ بالمتان كأنّها ... ثعالب موتى جلدها قد تسلّعا [٢]
وقال الأصمعيّ: سرق هذا المعنى من طفيل الغنويّ ولم يجد السّرق [٣] .
وفي تشبيه بعض مشيته قال المرّار بن منقذ [٤] : [من الرمل]
صفة الثّعلب أدنى جريه ... وإذا يركض يعفور أشر [٥]
وقال امرؤ القيس [٦] : [من الطويل]
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
والبيت الذي ذكره الأصمعيّ لطفيل الغنوي، أنّ الرّاعي سرق معناه هو قوله [٧] :
[من الطويل]
وغملى نصيّ بالمتان كأنّها ... ثعالب موتى جلدها لم ينزع
وأنشدوا في جبنه قول زهير بن أبي سلمى [٨] : [من المنسرح]
стр. 1425
وبلدة لا ترام خائفة ... زوراء مغبّرة جوانبها [١]
تسمع للجنّ عازفين بها ... تصيح من رهبة ثعالبها [٢]
كلّفتها عرمسا عذافرة ... ذات هباب فعما مناكبها [٣]
تراقب المحصد الممرّ إذا ... هاجرة لم تقل جنادبها [٤]
والذي عندي أنّ زهيرا قد وصف الثّعلب بشدّة القلب، لأنهم إذا هوّلوا بذكر الظّلمة الوحشيّة والغيلان، لم يذكروا إلّا فزع من لا يكاد يفزع، لأنّ الشاعر قد وصف نفسه بالجراءة على قطع هذه الأرض في هذه الحال.
وفي استنذاله وجبنه قالت أمّ سالم لابنها معمر: [من الطويل]
أرى معمرا لا زيّن الله معمرا ... ولا زانه من زائر يتقرّب
أعاديتنا عاداك عزّ وذلّة ... كأنك في السّربال إذ جئت ثعلب
فلم تر عيني زائرا مثل معمر ... أحقّ بأن يجنى عليه ويضرب
وقال عقيل بن علفة: [من الطويل]
تأمّل لما قد نال أمّك هجرس ... فإنّك عبد يا زميل ذليل
وإني متى أضربك بالسّيف ضربة ... أصبّح بني عمرو وأنت قتيل
الهجرس: ولد الثّعلب. قال: وكيف يصطاد وهو على هذه الصّفة؟
فأنشد شعر ابن ميّادة [٥] : [من الطويل]
ألم تر أنّ الوحش يخدع مرّة ... ويخدع أحيانا فيصطاد نورها
بلى، وضواري الصّيد تخفق مرّة ... وإن فرهت عقبانها ونسورها [٦]
стр. 1426
قال: وسألت عنه بعض الفقهاء فقال [١] : قيل لابن عبّاس: كيف تزعمون أنّ سليمان بن داود ﵉ كان إذا صار في البراري، حيث لا ماء ولا شجر، فاحتاج إلى الماء، دلّه على مكانه الهدهد، ونحن نغطّي له الفخّ بالتراب الرّقيق، ونبرز له الطّعم، فيقع فيه جهلا بما تحت ذلك التراب، وهو يدلّ على الماء في قعر الأرض الذي لا يوصل إليه إلّا بأن يحفر عليه القيّم الكيّس؟
قال: فقال ابن عبّاس ﵄: «إذا جاء القدر لم ينفع الحذر» [٢] .
وأنشدوا: [من الكامل]
خير الصديق هو الصّدوق مقالة ... وكذاك شرّهم الميون الأكذب [٣]
فإذا غدوت له تريد نجازه ... بالوعد راغ كما يروغ الثّعلب
وقال حسّان بن ثابت ﵁ [٤] : [من الطويل]
بني عابد شاهت وجوه الأعابد ... بطاء عن المعروف يوم التّزايد
فما كان صيفيّ يفي بأمانة ... قفا ثعلب أعيا ببعض المراصد
وأنشد [٥] : [من الطويل]
ويشربه مذقا ويسقي عياله ... سجاجا كأقراب الثّعالب أورقا [٦]
وقال مالك بن مرداس: [من الرجز]
يا أيّها ذا الموعدي بالضرّ ... لا تلعبنّ لعبة المغترّ
أخاف أن تكون مثل هرّ ... أو ثعلب أضيع بعد حرّ
هاجت به مخيلة الأظفر ... عسراء في يوم شمال قرّ [١]
стр. 1427
يجول منها لثق الذعر ... بصرد ليس بذي محجر [١]
تنفض أعلى فروه المغبرّ ... تنفضّ منها نابها بشزر
نفضا كلون الشره المخمر
المخيلة: العقاب الذّكر الأشبث. صرد: مكان مطمئن.
وقال اليقطري: كان اسم أبي الضّريس دينارا فقال له مولاه: يا دنينير! فقال:
أتصغّرني وأنت من بني مخيلة، والعقاب الذّكر بدرهم، والأنثى بنصف درهم، وأنا ثمني عشرة دراهم
١٨٣٧-[سلاح الثعلب]
ومن أشدّ سلاح الثّعلب عندكم الرّوغان والتّماوت، وسلاحه أنتن وألزج وأكثر من سلاح الحبارى.
وقالت العرب: «أدهى [من ثعلب] [٢] ، وأنتن من سلاح الثّعلب» .
وله عجيبة في طلب مقتل القنقذ، وذلك إذا لقيه فأمكنه من ظهره بال عليه.
فإذا فعل ذلك به ينبسط فعند ذلك يقبض على مراقّ بطنه.
١٨٣٨-[أرزاق الحيوان]
ومن العجب في قسمة الأرزاق أنّ الذّئب يصيد الثّعلب فيأكله، ويصيد الثّعلب القنقذ فيأكله، ويريغ القنفذ الأفعى فيأكلها. وكذلك صنيعه في الحيّات ما لم تعظم الحيّة. والحيّة تصيد العصفور فتأكله، والعصفور يصيد الجراد فيأكله، والجراد يلتمس فراخ الزّنابير وكلّ شيء يكون أفحوصه على المستوي، والزّنبور يصيد النّحلة فيأكلها، والنّحلة تصيد الذبابة فتأكلها، والذبابة تصيد البعوضة فتأكلها.
١٨٣٩-[الإلقة والسهل والنوفل والنضر]
وأمّا قوله [٣] :
٩- «وإلقة ترغث ربّاحها ... والسّهل والنّوفل والنضر»
стр. 1428
فالإلقة ها هنا القردة. ترغث: ترضع. والرّبّاح: ولد القردة. والسّهل: الغراب.
والنّوفل: [البحر] [١] . والنّضر: [الذهب] [١] . وكلّ جريّة [٢] من النّساء وغير ذلك فهي إلقة. وأنشدني بشر بن المعتمر لرؤبة [٣] : [من الرجز]
جدّ وجدّت إلقة من الإلق
وقد ذكرنا الهقل وشأنه في الجمر والصّخر [٤] ، وأكل الضّبّ أولاده [٥] ، في موضعه من هذا الكتاب وكذلك قوله في العترفان [٦] ، وهو الديك الذي يؤثر الدّجاج بالحبّ، وكأنّه منجّم أو صاحب أسطرلاب [٧] . وذكرنا أيضا ما في الجراد في موضعه [٨] . ولسنا نعيد ذكر ذلك، وإن كان مذكورا في شعر بشر [٩] .
١٨٤٠-[الأبغث]
وأمّا قوله:
١٦- « [جرادة تخرق متن الصفا] [١٠] ... وأبغث يصطاده صقر»
ثم قال:
١٧- «سلاحه رمح فما عذره ... وقد عراه دونه الذعر»
يقول: بدن الأبغث أعظم من بدن الصقر، وهو أشدّ منه شدّة، ومنقاره كسنان الرّمح في الطول والذّرب. وربّما تجلّى له الصّقر والشّاهين فعلق الشّجر والعرار [١١] ، وهتك كلّ شيء. يقول: فقد اجتمعت فيه خصال في الظّاهر معينة له عليه. ولولا أنّه على حال يعلم أنّ الصّقر إنما يأتيه [قبلا] [١٢] ودبرا، واعتراضا، ومن عل، وأنه قد
стр. 1429
أعطى في سلاحه وكفّه فضل [١] قوّة لما استخذى [٢] له، ولما أطمعه بهربه، حتّى صارت جرأته عليه بأضعاف ما كانت.
قال بعض بني مروان [٣] في قتل عبد الملك عمرو بن سعيد: [من الطويل]
كأنّ بني مروان إذ يقتلونه ... بغاث من الطّير اجتمعن على صقر
١٨٤١-[ما يقبل التعليم من الحيوان]
وأمّا قوله:
١٨- «والدّبّ والقرد إذا علّما ... والفيل والكلبة واليعر»
فإن الحيوان الذي يلقن ويحكي ويكيس ويعلّم فيزداد بالتّعليم في هذه التي ذكرنا، وهي الدّبّ والقرد، والفيل، والكلب.
وقوله: اليعر، يعني صغار الغنم. ولعمري أنّ في المكّيّة والحبشيّة لعبا.
١٨٤٢-[حب الظبي للحنظل، والعقرب للتمر]
وأمّا قوله:
٢٠- «وظبية تخضم في حنظل ... وعقرب يعجبها التّمر»
ففي الظّبي أعاجيب من هذا الضرب، وذلك أنّه ربّما رعى الحنظل، فتراه يقبض ويعضّ على نصف حنظلة فيقدّها قد الخسفة [٤] فيمضغ ذلك النصف وماؤه يسيل من شدقيه، وأنت ترى فيه الاستلذاذ له، والاستحلاء لطعمه.
وخبرني أبو محجن العنزيّ، خال أبي العميثل الرّاجز، قال: كنت أرى بأنطاكية الظّبي يرد البحر، ويشرب المالح الأجاج [٥] .
والعقرب ترمي بنفسها في التّمر. وإنّما تطلب النّوى المنقع في قعر الإناء.
فأيّ شيء أعجب من حيوان يستعذب ملوحة البحر، ويستحلي مرارة الحنظل.
стр. 1430
وسنذكر خصال الظّبي في الباب الذي يقع فيه ذكره إن شاء الله تعالى. ولسنا نذكر شأن الضبّ والنّمل، والجعل والرّوث والورد لأنّا قد ذكرناه مرّة.
١٨٤٣-[فأرة البيش]
وأمّا قوله:
٢٣- «وفأرة البيش إمام لها ... والخلد فيه عجب هتر»
فإن فأرة البيش دويبة تشبة الفأرة، وليست بفأرة، ولكن هكذا تسمّى. وهي تكون في العياض والرّياض ومنابت الأهضام [١] . وفيها سموم كثيرة، كقرون السّنبل، وما في القسط [٢] . فهي تتخلّل تلك الأهضام، وتطلب السّموم وتغتذيها. والبيش:
اسم لبعض السّموم. وهذا ممّا يعجب منه.
وقد ذكرنا شأن القنقذ والحيّة في باب القول في الحيّات [٣] .
١٨٤٤-[العضرفوط والهدهد]
وأمّا قوله:
٢٥-
«وعضرفوط ما له قبلة»
فهو أيضا عندهم من مطايا الجنّ. وقد ذكره أيمن بن خريم فقال [٤] : [من المتقارب]
وخيل غزالة تنتابهم ... تجوب العراق وتجبي النّبيطا [٥]
تكرّ وتجحر فرسانهم ... كما أجحر الحيّة العضرفوطا [٦]
لأن العضرفوط دويبّة صفيرة ضعيفة، والحيّات تأكلها وتغصبها أنفسها.
وأنشدوا على ألسنة الجنّ [٧] : [من الطويل]
стр. 1431
ومن عضرفوط حطّ بي فأقمته ... يبادر وردا من عظاء قوارب
وأمّا قوله:
٢٥-
«وهدهد يكفره بكر»
فإنّما ذلك لأنّه كان حاجّ بكر ابن أخت عبد الواحد [صاحب] [١] البكريّة، فقال له [٢] : أتخبر عن حال الهدهد بخبر؟ إنه كان يعرف طاعة الله من معصيته، وقد ترك موضعه وسار إلى بلاد سبأ، وهو وإن أطرف سليمان بذلك الخبر وقبله منه فإنّ ذنبه في ترك موضعه الذي وكلّ به، وجولانه في البلدان على حاله. ولا يكون ذلك مما يجعل ذنبه السابق إحسانا. والمعصية لا تنقلب طاعة، فلم لا تشهد عليه بالنّفاق؟ قال: فإني أفعل! قال: فحكى ذلك عنه فقال: أمّا هو فقد كان سلم على سليمان وقد كان قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
[٣] ، فلمّا أتاه بذلك الخبر، رأى أنّه قد أدلى بحجّة، فلم يعذّبه، ولم يذبحه.
فإن كان ذنبه على حاله، فكيف يكون ما هجم عليه ممّا لم يرسل فيه ولم يقصد له حجّة؟ وكيف يبقي هذا عليه.
وبكر يزعم أن الأطفال والبهائم لا تأثم، ولا يجوز أن يؤثم الله تعالى إلّا المسيئين. فقال بشر لبكر: بأيّ شيء تستدلّ على أنّ المسيء يعلم أنه مسيء؟
قال: بخجله، واعتذاره بتوبته. قال: فإنّ العقرب متى لسعت فرّت من خوف القتل، وهذا يدلّ على أنّها جانية، وأنت تزعم أنّ كلّ شيء عاص كافر، فينبغي للعقرب أن تكون كافرة، إذا لم يكن لها عذر في الإساءة.
١٨٤٥-[الببر والنمر]
وأمّا قوله:
٢٧- «والببر فيه عجب عاجب ... إذا تلاقى الليث والنّمر»
لأنّ الببر مسالم للأسد، والنّمر يطالبه، فإذا التقيا أعان الببر الأسد.
стр. 1432
١٨٤٦-[الخفاش والطائر الذي ليس له وكر]
وأمّا قوله:
٢٨- «وطائر أشرف ذو جردة ... وطائر ليس له وكر» [١]
فإنّ الأشرف من الطّير الخفّاش، لأنّ لآذانها حجما ظاهرا. وهو متجرّد من الزّغب والرّيش، وهو يلد.
والطّائر الذي ليس له وكر، هو طائر يخبر عنه البحريّون أنّه لا يسقط إلّا ريثما يجعل لبيضه أدحيّا من تراب، ويغطّي عليه، ويطير في الهواء أبدا حتّى يموت. وإن لقى ذكر أنثى تسافدا في الهواء. وبيضه يتفقص من نفسه عند انتهاء مدّته، فإذا أطاق فرخه الطّيران كان كأبويه في عاداتهما.
١٨٤٧-[الثعالب والنسور والضباع]
وأمّا قوله:
٢٩- «وثرمل تأوي إلى دوبل ... وعسكر يتبعه النسر
٣٠- يسالم الضّبع بذي مرة ... أبرمها في الرحم العمر»
فالثرملة: أنثى الثّعالب، وهي مسالمة للدّوبل [٢] . وأمّا قوله:
وعسكر يتبعه النّسر
فإن النسور تتبع العساكر، وتتبع الرّفاق ذوات الإبل، وقد تفعل ذلك العقبان، وتفعله الرّخم. وقد قال النّابغة [٣] : [من الطويل]
وثقت له بالنّصر إذ قيل له قد غدت ... كتائب من غسّان غير أشائب [٤]
стр. 1433
بنو عمّه دنيا، وعمرو بن عامر ... أولئك قوم بأسهم غير كاذب [١]
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب [٢]
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب [٣]
تراهنّ خلف القوم خزرا عيونها ... جلوس الشّيوخ في مسوك الأرانب [٤]
والأصمعي يروي: «جلوس الشيوخ في ثياب المرانب» .
وسباع الطير كذلك في اتباع العساكر. وأنا أرى ذلك من الطمع في القتلى، وفي الرّذايا والحسرى، أو في الجهيض وما يجرح.
وقد قال النّابغة [٥] : [من الطويل]
سماما تباري الرّيح خصوما عيونها ... لهنّ رذايا بالطّريق ودائع [٦]
وقال الشاعر [٧] : [من الطويل]
يشقّ سماحيق السّلا عن جنينها ... أخو قفرة بادي السّغابة أطحل [٨]
وقال حميد بن ثور في صفة ذئب [٩] : [من الطويل]
إذا ما بدا يوما رأيت غياية ... من الطير ينظرن الذي هو صانع [١٠]
لأنّه لا محالة حين يسعى وهو جائع، سوف يقع على سبع أضعف منه أو على بهيمة ليس دونها مانع.
стр. 1434
وقد أكثر الشّعراء في هذا الباب حتّى أطنب بعض المحدثين وهو مسلم بن الوليد بن يزيد فقال [١] : [من البسيط]
يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذّبل
قد عوّد الطّير عادات وثقن بها ... فهنّ يتبعنه في كلّ مرتحل
ولا نعلم أحدا منهم أسرف في هذا القول وقال قولا يرغب عنه إلا النابغة، فإنّه قال [٢] : [من الطويل]
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
وهذا لا نثبته.
وليس عند الطّير والسّباع في اتّباع الجموع إلّا ما يسقط من ركابهم ودوابّهم وتوقّع القتل، إذ كانوا قد رأوا من تلك الجموع مرّة أو مرارا. فأمّا أن تقصد بالأمل واليقين إلى أحد الجمعين، فهذا ما لم يقله أحد.
١٨٤٨-[نسر لقمان]
وقد أكثر الشّعراء في ذكر النسور، وأكثر ذلك قالوا في لبد [٣] .
قال النّابغة [٣] : [من البسيط]
أضحت خلاء وأمسى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخني على لبد [٤]
فضربه مثلا في طول السّلامة. وقال لبيد [٥] : [من الكامل]
لما رأى صبح سواد خليله ... من بين قائم سيفه والمحمل [٦]
стр. 1435
صبّحن صبحا يوم حقّ حذاره ... فأصاب صبحا قائما لم يعقل
فالتفّ منقصفا وأضحى نجمه ... بين التراب وبين حنو الكلكل [١]
ولقد جرى لبد فأدرك جريه ... ريب الزّمان وكان غير مثقّل
لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل [٢]
من تحته لقمان يرجو نفعه ... ولقد رأى لقمان أن لم يأتل [٣]
وإن أحسنت الأوائل في ذلك فقد أحسن بعض المحدثين وهو الخزرجي في ذكر النّسر وضرب المثل به وبلبد وصحّة بدن الغراب، حيث ذكر طول عمر معاذ بن مسلم بن رجاء، مولى القعقاع بن شور [وكان من المعمرين، طعن في السن مائة وعشرين سنة] [٤] . وهو قوله [٥] : [من المنسرح]
إنّ معاذ بن مسلم رجل ... قد ضجّ من طول عمره الأبد
قد شاب رأس الزّمان واختضب ال ... دّهر وأثواب عمره جدد
يا نسر لقمان كم تعيش وكم ... تلبس ثوب الحياة يا لبد
قد أصبحت دار آدم خربت ... وأنت فيها كأنّك الوتد
تسأل عربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصّداع والرّمد
١٨٤٩-[شعر وخبر فيما يشبه بالنسور]
وما تعلق بالسّحاب من الغيم يشبّه بالنّعام، وما تراكب عليه يشبّه بالنسور. قال الشاعر [٦] : [من الطويل]
خليليّ لا تستسلما وادعوا الذي ... له كلّ أمر أن يصوب ربيع
حيا لبلاد أنفذ المحل عودها ... وجبر لعظم في شظاه صدوع
بمستنضر غرّ النّشاص كأنّها ... جبال عليهنّ النسور وقوع [٧]
عسى أن يحلّ الحيّ جزعا وإنها ... وعلّ النوى بالظّاعنين تريع
стр. 1436
وشبّه العجير السّلوليّ شيوخا على باب بعض الملوك بالنسور، فقال [١] : [من الطويل]
فمنهن إسآدي على ضوء كوكب ... له من عمانيّ النّجوم نظير [٢]
ومنهن قرعي كلّ باب كأنّما ... به القوم يرجون الأذين نسور [٣]
إلى فطن يستخرج القلب طرفه ... له فوق أعواد السّرير زئير [٤]
وذكرت امرأة من هذيل قتيلا فقالت [٥] : [من البسيط]
تمشى النسور إليه وهي لاهية ... مشي العذارى عليهنّ الجلابيب
تقول: هي آمنة أن تذعر ومدح بعض الشّعراء عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ فقال [٦] : [من الطويل]
وعند الكلابيّ الذي حلّ بيته ... بجوّ شخاب ماضر وصبوح [٧]
ومكسورة حمر كأنّ متونها ... نسور إلى جنب الخوان جنوح [٨]
مكسورة: يعني وسائد مثنيّة. وقال ابن ميّادة [٩] : [من الكامل]
ورجعت من بعد الشّباب وعصره ... شيخا أزبّ كأنّه نسر [١٠]
وقال طرفة: [من مجزوء الكامل]
فلأمنعنّ منابت الضّ ... مران إذ منع النسور [١١]
стр. 1437
وفي كتاب كليلة ودمنة [١] : «وكن كالنّسر حوله الجيف، ولا تكن كالجيف حولها النسور» . فاعترض على ترجمة ابن المقفّع بعض المتكلّفين من فتيان الكتّاب فقال: إنما كان ينبغي أن يقول: «كن كالضّرس حفّ بالتّحف، ولا تكن كالهبرة تطيف بها الأكلة» : وأطنّه أراد الضّروس فقال الضّرس. وهذا من الاعتراض عجب.
ويوصف النسر بشدّة الارتفاع، حتّى ألحقوه بالأنوق، وهي الرّخمة.
وقال عديّ بن زيد [٢] : [من الخفيف]
فوق علياء لا ينال ذراها ... يلغب النّسر دونها والأنوق [٣]
وأنشدوا في ذلك: [من الكامل]
أهل الدّناءة في مجالسهم ... الطّيش والعوراء والهذر
يدنون ما سألوا وإن سئلوا ... فهم مع العيّوق والنّسر
وقال زيد بن بشر التّغلبي، في قتل عمير بن الحباب: [من الخفيف]
لا يجوزنّ أرضنا مضريّ ... بخفير ولا بغير خفير
طحنت تغلب هوازن طحنا ... وألحّت على بني منصور [٤]
يوم تردى الكماة حول عمير ... حجلان النسور حول جزور
وقال جميل [٥] : [من الطويل]
وما صائب من نابل قذفت به ... يد وممرّ العقدتين وثيق [٦]
له من خوافي النّسر حمّ نظائر ... ونصل كنصل الزّاعبيّ رقيق [٧]
على نبعة زوراء أمّا خطامها ... فمتن وأمّا عودها فعتيق [٨]
стр. 1438
بأوشك قتلا منك يوم رميتني ... نوافذ لم تظهر لهن خروق [١]
فلم أر حربا يا بثين كحربنا ... تكشّف غمّاها وأنت صديق [٢]
١٨٥٠-[مسالمة النسر للضبع]
وأما قوله:
٣٠- «يسالم الضّبع بذي مرّة ... أبرمها في الرّحم العمر»
لأنّ النّسر طير ثقيل، عظيم شره رغيب نهم. فإذا سقط على الجيفة وتملأ لم يستطع الطّيران حتى يثب وثبات، ثمّ يدور حول مسقطه مرارا، ويسقط في ذلك، فلا يزال يرفع نفسه طبقة طبقة في الهواء حتى يدخل تحته الرّيح. فكلّ من صادفه وقد بطن وتملأ، ضربه إن شاء بعصا، وإن شاء بحجر، حتّى ربما اصطاده الضّعيف من الناس.
وهو مع ذلك يشارك الضّبع في فريسة الضبع، ولا يثب عليه، مع معرفته بعجزه عن الطّيران.
وزعم أنّ ثقته بطول العمر هو الذي جرّأه على ذلك.
١٨٥١-[استطراد لغوي]
ويقال: هوت العقاب تهوي هويّا: إذا انقضّت على صيد أو غيره ما لم ترغه، فإذا أراغته قيل أهوت له إهواء. والإهواء أيضا التّناول باليد. والإراغة أن يذهب بالصيد هكذا وهكذا.
ويقال دوّم الطائر في جوّ السّماء، وهو يدوّم تدويما: إذا دار في السماء ولا يحرك جناحيه.
ويقال نسره بالمنسر [٣] . وقال العجّاج [٤] : [من الرجز]
شاكي الكلاليب إذا أهوى ظفر ... كعابر الرؤوس منها أو نسر [٥]
стр. 1439
والنسر ذو منسر، وليس بذي مخلب، وإنما له أظفار كأظفار الدّجاج.
وليس له سلاح، إنّما يقوى بقوّة بدنه وعظمه. وهو سبع لئيم عديم السّلاح، وليس من أحرار الطير وعتاقها.
(ولوع عتاق الطير بالحمرة)
ويقال إنّ عتاق الطير تنقضّ على عمود الرّحل وعلى الطّنفسة والنمرق [١] فتحسبه لحمرته لحما. وهم مع ذلك يصفونها بحدّة البصر ولا أدري كيف ذلك.
وقال غيلان بن سلمة [٢] : [من الكامل]
في الآل يخفضها ويرفعها ... ريع كأنّ متونه السّحل [٣]
عقلا ورقما ثمّ أردفه ... كلل على ألوانها الخمل [٤]
كدم الرّعاف على مآزرها ... وكأنّهنّ ضوامرا إجل [٥]
وهذا الشّعر عندنا للمسيّب بن علس.
وقال علقمة بن عبدة [٦] : [من البسيط]
ردّ الإماء جمال الحيّ فاحتملوا ... وكلّها بالتّزيديات معكوم [٧]
عقلا ورقما يظلّ الطّير يتبعه ... كأنّه من دم الأجواف مدموم [٨]
стр. 1440
١٨٥٢-[شعر في العقاب]
وقال الهذليّ [١] : [من الكامل]
ولقد غدوت وصاحبي وحشيّة ... تحت الرّداء بصيرة بالمشرف
حتّى أتيت إلى فراش عزيزة ... سوداء، روثة أنفها كالمخصف [٢]
يعني عقابا. وقوله: «بصيرة بالمشرف» يريد الرّيح من أشرف لها أصابته.
وقال الآخر في شبيه بهذا: [من الكامل]
فإذا أتتكم هذه فتلبّسوا ... إنّ الرّماح بصيرة بالحاسر [٣]
وقال آخر [٤] : [من الكامل]
كأنّي إذ عدوا ضمّنت بزّي ... من العقبان خائتة طلوبا [٥]
جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا [٦]
وقال طفيل الغنويّ [٧] : [من الطويل]
تبيت كعقبان الشّريف رجاله ... إذا ما نووا إحداث أمر معطّب [٨]