← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وشبّه العجير السّلوليّ شيوخا على باب بعض الملوك بالنسور، فقال [١] : [من الطويل] فمنهن إسآدي على ضوء كوكب ... له من عمانيّ النّجوم نظير [٢] ومنهن قرعي كلّ باب كأنّما ... به القوم يرجون الأذين نسور [٣] إلى فطن يستخرج القلب طرفه ... له فوق أعواد السّرير زئير [٤] وذكرت امرأة من هذيل قتيلا فقالت [٥] : [من البسيط] تمشى النسور إليه وهي لاهية ... مشي العذارى عليهنّ الجلابيب تقول: هي آمنة أن تذعر ومدح بعض الشّعراء عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ فقال [٦] : [من الطويل] وعند الكلابيّ الذي حلّ بيته ... بجوّ شخاب ماضر وصبوح [٧] ومكسورة حمر كأنّ متونها ... نسور إلى جنب الخوان جنوح [٨] مكسورة: يعني وسائد مثنيّة. وقال ابن ميّادة [٩] : [من الكامل] ورجعت من بعد الشّباب وعصره ... شيخا أزبّ كأنّه نسر [١٠] وقال طرفة: [من مجزوء الكامل] فلأمنعنّ منابت الضّ ... مران إذ منع النسور [١١]

стр. 1437

وفي كتاب كليلة ودمنة [١] : «وكن كالنّسر حوله الجيف، ولا تكن كالجيف حولها النسور» . فاعترض على ترجمة ابن المقفّع بعض المتكلّفين من فتيان الكتّاب فقال: إنما كان ينبغي أن يقول: «كن كالضّرس حفّ بالتّحف، ولا تكن كالهبرة تطيف بها الأكلة» : وأطنّه أراد الضّروس فقال الضّرس. وهذا من الاعتراض عجب. ويوصف النسر بشدّة الارتفاع، حتّى ألحقوه بالأنوق، وهي الرّخمة. وقال عديّ بن زيد [٢] : [من الخفيف] فوق علياء لا ينال ذراها ... يلغب النّسر دونها والأنوق [٣] وأنشدوا في ذلك: [من الكامل] أهل الدّناءة في مجالسهم ... الطّيش والعوراء والهذر يدنون ما سألوا وإن سئلوا ... فهم مع العيّوق والنّسر وقال زيد بن بشر التّغلبي، في قتل عمير بن الحباب: [من الخفيف] لا يجوزنّ أرضنا مضريّ ... بخفير ولا بغير خفير طحنت تغلب هوازن طحنا ... وألحّت على بني منصور [٤] يوم تردى الكماة حول عمير ... حجلان النسور حول جزور وقال جميل [٥] : [من الطويل] وما صائب من نابل قذفت به ... يد وممرّ العقدتين وثيق [٦] له من خوافي النّسر حمّ نظائر ... ونصل كنصل الزّاعبيّ رقيق [٧] على نبعة زوراء أمّا خطامها ... فمتن وأمّا عودها فعتيق [٨]

стр. 1438

بأوشك قتلا منك يوم رميتني ... نوافذ لم تظهر لهن خروق [١] فلم أر حربا يا بثين كحربنا ... تكشّف غمّاها وأنت صديق [٢] ١٨٥٠-[مسالمة النسر للضبع] وأما قوله: ٣٠- «يسالم الضّبع بذي مرّة ... أبرمها في الرّحم العمر» لأنّ النّسر طير ثقيل، عظيم شره رغيب نهم. فإذا سقط على الجيفة وتملأ لم يستطع الطّيران حتى يثب وثبات، ثمّ يدور حول مسقطه مرارا، ويسقط في ذلك، فلا يزال يرفع نفسه طبقة طبقة في الهواء حتى يدخل تحته الرّيح. فكلّ من صادفه وقد بطن وتملأ، ضربه إن شاء بعصا، وإن شاء بحجر، حتّى ربما اصطاده الضّعيف من الناس. وهو مع ذلك يشارك الضّبع في فريسة الضبع، ولا يثب عليه، مع معرفته بعجزه عن الطّيران. وزعم أنّ ثقته بطول العمر هو الذي جرّأه على ذلك. ١٨٥١-[استطراد لغوي] ويقال: هوت العقاب تهوي هويّا: إذا انقضّت على صيد أو غيره ما لم ترغه، فإذا أراغته قيل أهوت له إهواء. والإهواء أيضا التّناول باليد. والإراغة أن يذهب بالصيد هكذا وهكذا. ويقال دوّم الطائر في جوّ السّماء، وهو يدوّم تدويما: إذا دار في السماء ولا يحرك جناحيه. ويقال نسره بالمنسر [٣] . وقال العجّاج [٤] : [من الرجز] شاكي الكلاليب إذا أهوى ظفر ... كعابر الرؤوس منها أو نسر [٥]

стр. 1439

والنسر ذو منسر، وليس بذي مخلب، وإنما له أظفار كأظفار الدّجاج. وليس له سلاح، إنّما يقوى بقوّة بدنه وعظمه. وهو سبع لئيم عديم السّلاح، وليس من أحرار الطير وعتاقها. (ولوع عتاق الطير بالحمرة) ويقال إنّ عتاق الطير تنقضّ على عمود الرّحل وعلى الطّنفسة والنمرق [١] فتحسبه لحمرته لحما. وهم مع ذلك يصفونها بحدّة البصر ولا أدري كيف ذلك. وقال غيلان بن سلمة [٢] : [من الكامل] في الآل يخفضها ويرفعها ... ريع كأنّ متونه السّحل [٣] عقلا ورقما ثمّ أردفه ... كلل على ألوانها الخمل [٤] كدم الرّعاف على مآزرها ... وكأنّهنّ ضوامرا إجل [٥] وهذا الشّعر عندنا للمسيّب بن علس. وقال علقمة بن عبدة [٦] : [من البسيط] ردّ الإماء جمال الحيّ فاحتملوا ... وكلّها بالتّزيديات معكوم [٧] عقلا ورقما يظلّ الطّير يتبعه ... كأنّه من دم الأجواف مدموم [٨]

стр. 1440

١٨٥٢-[شعر في العقاب] وقال الهذليّ [١] : [من الكامل] ولقد غدوت وصاحبي وحشيّة ... تحت الرّداء بصيرة بالمشرف حتّى أتيت إلى فراش عزيزة ... سوداء، روثة أنفها كالمخصف [٢] يعني عقابا. وقوله: «بصيرة بالمشرف» يريد الرّيح من أشرف لها أصابته. وقال الآخر في شبيه بهذا: [من الكامل] فإذا أتتكم هذه فتلبّسوا ... إنّ الرّماح بصيرة بالحاسر [٣] وقال آخر [٤] : [من الكامل] كأنّي إذ عدوا ضمّنت بزّي ... من العقبان خائتة طلوبا [٥] جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا [٦] وقال طفيل الغنويّ [٧] : [من الطويل] تبيت كعقبان الشّريف رجاله ... إذا ما نووا إحداث أمر معطّب [٨]

стр. 1441

أي أمهلوا. وقال دريد [١] : [من الطويل] تعلّلت بالشّطّاء إذ بان صاحبي ... وكلّ امرئ قد بان إذ بان صاحبه [٢] كأني وبزّي فوق فتخاء لقوة ... لها ناهض في وكرها لا تجانبه [٣] فباتت عليه ينفض الطّلّ ريشها ... تراقب ليلا ما تغور كواكبه فلما تجلّى اللّيل عنها وأسفرت ... تنفّض حسرى عن أحصّ مناكبه [٤] رأت ثعلبا من حرّة فهوت له ... إلى حرّة والموت عجلان كاربه [٥] فخرّ قتيلا واستمرّ بسحره ... وبالقلب يدمى أنفه وترائبه [٦] ١٨٥٣-[جفاء العقاب] زعم صاحب المنطق أنّه ليس شيء في الطّير أجفى لفراخه من العقاب وأنّه لا بدّ من أن يخرج واحدا، وربما طردهنّ جميعا حتّى يجيء طائر يسمّى «كاسر العظام» فيتكفّل به. ودريد بن الصّمّة يقول: [من الطويل] كأني وبزّي فوق فتخاء لقوة ... لها ناهض في وكرها لا تجانبه ١٨٥٤-[ما يعتري العقاب عند الشبع] وقد يعتري العقاب، عند شبعها من لحم الصّيد، شبيه بالذي ذكرنا في النسر. وأنشد أبو صالح مسعود بن قند، لبعض القيسيّين: [من الطويل] قرى الطّير بعد اليأس زيد فأصبحت ... بوحفاء قفر ما يدبّ عقابها [٧] وما يتخطّى الفحل زيد بسيفه ... ولا العرمس الوجناء قد شقّ نابها [٨]

стр. 1442

وإن قيل مهلا إنّه شدنيّة ... يقطّع أقران الجبال جذابها [١] خبّر أنّه يعتري العقاب من الثّقل عند الطيران. من البطنة، ما يعتري النسر. ١٨٥٥-[شعر في العقاب] وقال امرؤ القيس- إن كان قاله [٢]-: [من البسيط] ١- كأنّها حين فاض الماء واحتملت ... فتخاء لاح لها بالقفرة الذّيب [٣] ٢- فأبصرت شخصه من فوق مرقبة ... ودون موقعها منه شناخيب [٤] ٣- فأقبلت نحوه في الجوّ كاسرة ... يحثّها من هويّ اللّوح تصويب [٥] ٤- صبّت عليه ولم تنصبّ من أمم ... إنّ الشّقاء على الأشقين مصبوب [٦] ٥- كالدّلو بتّت عراها وهي مثقلة ... إذ خانها وذم منها وتكريب [٧] ٦- لا كالتي في هواء الجوّ طالبة ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب [٨] ٧- كالبرق والريح مرآتاهما عجب ... ما في اجتهاد على الإصرار تغبيب [٩] ٨- فأدركته فنالته مخالبها ... فانسلّ من تحتها والدّفّ مثقوب [١٠]

стр. 1443

٩- يلوذ بالصّخر منها بعد ما فترت ... منها ومنه الصّخر الشآبيب [١] ١٠- ثمّ استغاثت بمتن الأرض تعفره ... وباللسان وبالشّدقين تتريب [٢] ١١- ما أخطأته المنايا قيس أنملة ... ولا تحرّز إلّا وهو مكثوب [٣] ١٢- يظلّ منجحرا منها يراقبها ... ويرقب اللّيل إنّ اللّيل محبوب [٤] وقال زهير [٥] : [من البسيط] تنبذ أفلاذها في كلّ منزلة ... تنتخ أعينها العقبان والرّخم [٦] تنتخ: أي تنزع وتستخرج. والعرب تسمّي المنقاش المنتاخ. ويقال: نقّت الرّخم تنقّ نقيقا. وأنشد أبو الجرّاح: [من الوافر] حديثا من سماع الدّلّ وعر ... كأنّ نقيقهنّ نقيق رخم والنقيق مشترك. يقال: نقّ الضفدع ينقّ نقيقا. ويقال: «أعزّ من الأبلق العقوق» [٧] ، و: «أبعد من بيض الأنوق» [٨] . فأمّا بيض الأنوق فربما رئي. وذلك أنّ الرّخم تختار أعالي الجبال، وصدوع الصّخر، والمواضع الوحشيّة. وأمّا الأبلق فلا يكون عقوقا. وأما العقوق البلقاء فهو مثل. وقال: [من الطويل] ذكرناك أن مرّت أمام ركابنا ... من الأدم مخماص العشيّ سلوب [٩] تدلّت عليها تنفض الرّيش تحتها ... براثنها وراحهنّ خضيب [١٠]

стр. 1444

خداريّة صقعاء دون فراخها ... من الطّود فأوبينها ولهوب [١] إذا القانص المحروم آب ولم يصب ... فمطعمه جنح الظّلام نصيب فأصبحت بعد الطير ما دون فارة ... كما قام فوق المنصتين خطيب وقال بشر بن أبي خازم [٢] : [من الوافر] فما صدع بخيّة أو بشرق ... على زلق زمالق ذي كهاف [٣] تزلّ اللّقوة الشّغواء عنها ... مخالبها كأطراف الأشافي [٤] وقال بشر أيضا [٥] : [من الطويل] تدارك لحمي بعد ما حلّقت به ... مع النّسر فتخاء الجناح قبوض [٦] فإن تجعل النّعماء منك تمامة ... ونعماك نعمى لا تزال تفيض تكن لك في قومي يد يشكرونها ... وأيدي النّدى في الصالحين قروض [٧] وعلى شبيه بهذا البيت الآخر. قال الحطيئة [٨] : [من البسيط] من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس وقال عقيل بن العرندس: [من الطويل] حبيب لقرطاس يؤدّي رسالة ... فيالك نفسا كيف حان ذهولها وكنت كفرخ النسر مهّد وكره ... بملتفّة الأفنان حيل مقيلها [٩]

стр. 1445

١٨٥٦-[التمساح والسمك] وأمّا قوله: ٣١- «وتمسح خلّله طائر ... وسابح ليس له سحر» فالتمساح مختلف الأسنان، فينشب فيه اللحم، فيغمّه فينتن عليه، وقد جعل في طبعه أن يخرج عند ذلك إلى الشط، ويشحا [١] فاه لطائر يعرفه بعينه، يقال إنه طائر صغير أرقط مليح. فيجيء من بين الطير حتى يسقط بين لحييه ثم ينقره بمنقاره حتّى يستخرج جميع ذلك اللحم، فيكون غذاء له ومعاشا، ويكون تخفيفا عن التّمساح وترفيها [٢] . فالطائر الصغير يأتي ما هنالك يلتمس ذلك الطّعم، والتمساح يتعرّض له، لمعرفته بذلك منه. وأمّا قوله: «وسابح ليس له سحر» . فإن السمك كلّه لا رئة له. قالوا: وإنما تكون الرّئة لمن يتنفس. هذا، وهم يرون منخري السّمك، والخرق النّافذ في مكان الأنف منه، ويجعلون ما يرون من نفسه إذا أخرجوه من الماء أن ذلك ليس بنفس يخرج من المنخرين، ولكنه تنفس جميع البدن. ١٨٥٧-[العث والحفاث] وأمّا قوله: ٣٢- «والعث والحفّاث ذو نفخة ... وخرنق يسفده وبر» فإنّ الحفّاث دابّة تشبه الحيّة وليست بحيّة، وله وعيد شديد، ونفخ وتوثّب، ومن لم يعرفه كان له أشدّ هيبة منه للأفاعي والثّعابين. وهو لا يضرّ بقليل ولا كثير، والحيّات تقتله. وأنشد [٣] : [من الكامل] أيفايشون وقد رأوا حفّاثهم ... قد عضّه فقضى عليه الأسود [٤]

стр. 1446

والعثّ: دويبة تقرض كلّ شيء، وليس له خطر ولا قوّة ولا بدن. قال الرّاجز [١] : [من الرجز] يحثّني وردان أيّ حثّ ... وما يحثّ من كبير عثّ إهابه مثل إهاب العثّ وأنشد: [من الوافر] وعثّ قد وكلت إليه أهلي ... فطاح الأهل واجتيح الحريم وما لاهى به طرف فيوحي ... ولا صكّ إذا ذكر القضيم [٢] وأنشد آخر [٣] : [من المتقارب] فإن تشتمونا على لؤمكم ... فقد يقرض العثّ ملس الأديم وقالوا في الحفّاث، هجا الكروبي أخاه فقال: [من الوافر] حبارى في اللّقاء إذا التقينا ... وحفّاث إذا اجتمع الفريق وقال أعرابي: [من الطويل] ولست بحفّاث يطاول شخصه ... وينفخ نفخ الكير وهو لئيم وقع بين رجل من العرب ورجل من الموالي كلام، فأربى عليه المولى، وكان المولى فيه مشابه من العرب والأعراب، فلم يشكّ ذلك العربيّ أن ذلك المولى عربيّ، وأنّه وسط عشيرته، فانخزل [٤] عنه فلم يكلمه، فلما فارقه وصار إلى منزله علم أنه مولى، فبكر عليه غدوة، فلما رأى خذلان جلسائه له ذلّ واعتذر، فعند ذلك قال العربيّ في كلمة له: [من الطويل] ولم أدر ما الحفاث حتّى بلوته ... ولا نفض للأشخاص حتّى تكشّفا [٥] وقد أدركت هذه القضية وكانت في البحرين، عند مسحر بن السكن عندنا بالبصرة. فهو قوله: «والعثّ والحفّاث ذو نفخة» لأن الحفاث له نفخ وتوثّب، وهو ضخم شنيع المنظر، فهو يهول من لا يعرفه.

стр. 1447

وكان أبو ديجونة مولى سليمان، يدّعي غاية الإقدام والشّجاعة والصّرامة، فرأى حفّاثا وهو في طريق مكة، فوجده وقد قتله أعرابيّ، ورآه أبو ديجونة كيف ينفخ ويتوعّد، فلم يشك إلا أنه أخبت من الأفعى ومن الثعبان، وأنه إذا أتى به أباه وادعى أنه قتله سيقضي له بقتل الأسد والببر والنمر في نقاب، فحمله وجاء به إلى أبيه وهو مع أصحابه، وقال: ما أنا اليوم إلا ذيخ [١] وما ينبغي لمن أحسّ بنفسه مثل الذي أحس أن يرمى في المهالك والمعاطب، وينبغي أن يستبقيها لجهاد أو دفع عن حرمة وحريم يذبّ عنه! وذلك أني هجمت على هذه الحيّة، وقد منعت الرّفاق من السّلوك، وهربت منها الإبل، وأمعن في الهرب عنه كلّ جمّال ضخم الجزارة [٢] ، فهزتني إليه طبيعة الأبطال، فراوغتها حتى وهب الله الظّفر. وكان من البلاء أنها كانت بأرض ملساء ما فيها حصاة، وبصرت بفهر على قاب غلوة، فسعيت إليه- وأنا أسوار كما تعلمون- فو الله ما أخطات حاقّ لهزمته [٣] حتى رزق الله عليه الظّفر. وأبوه والقوم ينظرون في وجهه، وهم أعلم النّاس بضعف الحفّاث، وأنّه لم يؤذ أحدا قط، فقال له أبوه: ارم بهذا من يدك، لعنك الله ولعنه معك، ولعن تصديقي لك ما كنت تدّعيه من الشّجاعة والجراءة! فكبّروا عليه وسمّوه قاتل الأسد. ومما هجوا به حين يشبّهون الرّجل بالعث، في لؤمه وصغر قدره قول مخارق الطائي، حيث يقول [٤] : [من الوافر] وإني قد علمت مكان عثّ ... له إبل معبّسة تسوم [٥] عن الأضياف والجيران عزّت ... فأودت والفتى دنس لئيم [٦] وإني قد علمت مكان طرف ... أغرّ كأنّه فرس كريم [٧] له نعم لعام المحل فيها ... ويروى الضّيف، والزّقّ العظيم [٨]

стр. 1448

١٨٥٨-[الوبر والخرنق] وأمّا قوله: ٣٢- «وخرنق يسفده وبر» فإنّ الأعراب يزعمون أنّ الوبر يشتهي سفاد العكرشة- وهي أنثى الأرانب- ولكنّه يعجز عنها، فإذا قدر على ولدها وثب عليه. والأنثى تسمى العكرشة، والذّكر هو الخزر، والخرنق ولدهما. قال الشاعر: [من الكامل] قبح الإله عصابة نادمتهم ... في جحجحان إلى أسافل نقنق أخذوا العتاق وعرّضوا أحسابهم ... لمحرّب ذكر الحديد معرّق ولقد قرعت صفاتكم فوجدتكم ... متشبّثين بزاحف متعلّق ولقد غمزت قناتكم فوجدتها ... خرعاء مكسرها كعود محرق ولقد قبضت بقلب سلمة قبضة ... قبض العقاب على فؤاد الخرنق ثمّ اقتحمت للحمه فأكلته ... في وكر مرتفع الجناب معلّق قالوا: إنه قالها أبو حبيب بعد أن قال جشم ما قال، وقد قدّم إليه طعامه. ١٨٥٩-[ما يشبه الخزز] ووصف أعرابيّ خلق أعرابيّ فقال: كأن في عضلته خززا، وكأنّ في عضده جرذا. وأنشدوا لماتح ووصف ماتحا، ورآه يستقي على بئره، فقال [١] : [من الرجز] أعددت للورد إذ الورد حفز ... دلوا جرورا وجلالا خزخز وماتحا لا ينثني إذا احتجز ... كأنّ تحت جلده إذا احتفز في كلّ عضو جرذين أو خزز وسنقول في الأرنب بما يحضرنا إن شاء الله تعالى.

стр. 1449

[باب في الأرانب] (القول في الأرانب) ١٨٦٠-[قصر كراع الأرنب] قال الشاعر [١] : [من الكامل] زعمت غدانة أن فيها سيّدا ... ضخما يوازنه جناح الجندب يرويه ما يروي الذّباب فينتشي ... سكرا ويشبعه كراع الأرنب وإنما ذكر كراع الأرنب من بين جميع الكراعات لأنّ الأرنب هي الموصوفة بقصر الذّراع وقصر اليد. ولم يرد الكراع فقط، وإنما أراد اليد بأسرها. وإنما جعل ذلك لها بسبب نحن ذاكروه إن شاء الله تعالى. والفرس يوصف بقصر الذّراع فقط. ١٨٦١-[التوبير] والتّوبير لكلّ محتال من صغار السّباع، إذا طمع في الصيد أو خاف أن يصاد، كالثّعلب، وعناق الأرض هي التي يقال لها التّفة، وهي دابّة نحو الكلب الصّغير، تصيد صيدا حسنا، وربّما واثب الإنسان فعقره، وهو أحسن صيدا من الكلب. وفي أمثالهم: «لأنت أغنى من التفة عن الرّفة» [٢] ، وهو التّبن الذي تأكله الدوابّ والماشية من جميع البهائم. والتّفة سبع خالص لا يأكل إلا اللحم. والتّوبير: أن تضمّ براثنها فلا تطأ على الأرض إلا ببطن الكفّ، حتى لا يرى لها أثر براثن وأصابع. وبعضها يطأ على زمعاته، [٣] وبعضها لا يفعل ذلك. وذلك كله في السهل. فإذا أخذت في الحزونة والصّلابة، وارتفعت عن السّهل حيث لا ترى لها آثار- قالوا: ظلفت الأثر تظلفه ظلفا. وقال النّميري: أظلفت الأثر إظلافا. ١٨٦٢-[بعض ما قيل في الأرنب] وعن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر: «ما الدّنيا في الآخرة إلّا كنفجة أرنب» [٤] .

стр. 1450

ويقال حذفته بالعصا كما تحذف الأرنب. وقال أبو الوجيه العكلي [١] : «لو كانت والله الضبّة دجاجة لكانت الأرنب درّاجة» . ذهب إلى أنّ الأرانب والدّرّاج لا تستحيل لحومها ولا تنقلب شحوما، وإنّما سمنها بكثرة اللّحم. وذهب إلى ما يقول المعجبون منهم بلحم الضّبّ؛ فإنّهم يزعمون أنّ الطعمين متشابهان. وأنشد [٢] : [من الرجز] وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضّبّ يسعى بالواد قال: والضبّ يعرض لبيض الظّليم؛ ولذلك قال الحجّاج لأهل الشّام [٣] : «إنّما أنا لكم كالظّليم الرّامح عن فراخه، ينفي عنها المدر [٤] ، ويباعد عنها الحجر، ويكنّها من المطر، ويحميها من الضّباب، ويحرسها من الذئاب. يا أهل الشّام أنتم الجنّة والرّداء، وأنتم العدّة والحذاء» . ١٨٦٣-[ما يشبه بالأرنب] ثم رجع بنا القول إلى الأرانب. فممّا في الخيل مما يشبه الأرنب قول الأعشى [٥] : [من الكامل] أمّا إذا استقبلته فكأنّه ... جذع سما فوق النّخيل مشذّب وإذا تصفّحه الفوارس معرضا ... فتقول سرحان الغضا المتنصّب أمّا إذا استدبرته فتسوقه ... ساق يقمّصها وظيف أحدب منه، وجاعرة كأنّ حماتها ... كشطت مكان الجلّ عنها أرنب وقال عبد الرّحمن بن حسّان: [من المتقارب] كأنّ حماتيهما أرنبا ... ن غيضتا خيفة الأجدل [٦] ١٨٦٤-[طول عمر الأغضف والأرنب] وأنشد الأثرم: [من الرجز]

стр. 1451

بأغضف الأذن الطّويل العمر ... وأرنب الخلّة تلو الدّهر [١] قد سمعت من يذكر أنّ كبر أذن الإنسان دليل على طول عمره، حتّى زعموا أنّ شيخا من الزّنادقة، لعنهم الله تعالى، قدّموه لتضرب عنقه فعدا إليه غلام سعديّ كان له، فقال: أليس قد زعمت يا مولاي أنّ من طالت أذنه طال عمره؟ قال: بلى! قال: فهاهم يقتلونك! قال: إنما قلت: إن تركوه! وأنا لا أعرف ما قال الأثرم، ولا سمعت شعرا حديثا ولا قديما يخبر عن طول عمر الأرنب. قال الشّاعر: [من الرجز] معبلة في قدح نبع حادر ... تسقى دم الجوف لظفر قاصر [٢] إذ لا تزال أرنب أو فادر ... أو كروان أو حبارى حاسر [٣] إلى حمار أو أتان عاقر ١٨٦٥-[لبن الأرنب] قال: ويزعمون أنه ليس شيء من الوحش، في مثل جسم الأرنب أقلّ لبنا ودرورا على ولد منها. ولذلك يضرب بدرّها المثل، فممّن قال في ذلك عمرو بن قميئة، حيث يقول [٤] : [من الخفيف] ليس بالمطعم الأرانب إذ قلّ ... ص درّ اللّقاح في الصّنّبر ورأيت الإماء كالجعثن البا ... لي عكوفا على قرارة قدر ورأيت الدّخان كالودع الأه ... جن ينباع من وراء السّتر حاضر شرّكم وخيركم د ... رّ خريس من الأرانب بكر ١٨٦٦-[قصر يدي الأرنب] والأرنب قصير اليدين، فلذلك يخفّ عليه الصّعداء [٥] والتوقّل في الجبال. وعرف أنّ ذلك سهل عليه. فصرف بعض حيله إلى ذلك، عند إرهاق الكلاب إيّاه. ولذلك يعجبون بكلّ كلب قصير اليدين، لأنه إذا كان كذلك كان أجدر أن يلحقها.

стр. 1452

١٨٦٧-[من أعاجيب الأرنب] وفي الأرانب من العجب أنها تحيض، وأنها لا تسمن، وأن قضيب الخزز ربّما كان من عظم، على صورة قضيب الثّعلب [١] . ومن أعاجيبها أنّها تنام مفتوحة العين، فربّما جاء الأعرابيّ حتّى يأخذها من تلقاء وجهها، ثقة منه بأنّها لا تبصر. وتقول العرب: هذه أرنب، كما يقولون: هذه عقاب ولا يذكّرون. وفيها التّوبير الذي ليس لشيء من الدوابّ التي تحتال بذلك، صائدة كانت أو مصيدة، وهو الوطء على مؤخر القوائم، كي لا تعرف الكلاب آثارها، وليس يعرف ذلك من الكلاب إلّا الماهر، وإنّما تفعل ذلك في الأرض اللّيّنة. وإذا فعلت ذلك لم تسرع في الهرب. وإن خافت أن تدرك انحرفت إلى الحزونة والصّلابة. وإنما تستعمل التّوبير قبل دنو الكلاب. وليس لشيء من الوحش، ممّا يوصف بقصر اليدين ما للأرنب من السرعة. والفرس يوصف بقصر الكراع فقط ١٨٦٨-[زعم في كعب الأرنب] وكانت العرب في الجاهليّة تقول [٢] : من علّق عليه كعب أرنب لم تصبه عين ولا نفس ولا سحر، وكانت عليه واقية؛ لأنّ الجنّ تهرب منها، وليست من مطاياها لمكان الحيض. وقد قال في ذلك امرؤ القيس [٣] : [من المتقارب] يا هند لا تنكحي بوهة ... عليه عقيقته أحسبا [٤]

стр. 1453

مرسّعة بين أرساغه ... به عسم يبتغي أرنبا [١] ليجعل في يده كعبها ... حذار المنيّة أن يعطبا [٢] وفي الحديث [٣] : «بكى حتّى رسعت عينه» مشدّدة وغير مشدّدة، أي قد تغيّرت. ورجل مرسّع وامرأة مرسّعة. ١٨٦٩-[تعشير الخائف] وكانوا إذا دخل أحدهم قرية من جنّ أهلها، ومن وباء الحاضرة، أشدّ الخوف، إلّا أن يقف على باب القرية فيعشّر كما يعشّر الحمار [٤] في نهيقه، ويعلّق عليه كعب أرنب. ولذلك قال قائلهم [٥] : [من الطويل] ولا ينفع التّعشير في جنب جرمة ... ولا دعدع يغني ولا كعب أرنب الجرمة: القطعة من النّخل. وقوله: «دعدع» كلمة كانوا يقولونها عند العثار. وقد قال الحادرة [٦] : [من الكامل] ومطيّة كلّفت رحل مطيّة ... حرج تنمّ من العثار بدعدع [٧] وقالت امرأة من اليهود [٨] : [من المتقارب] وليس لوالدة نفثها ... ولا قولها لابنها دعدع تداري غراء أحواله ... وربّك أعلم بالمصرع

стр. 1454

وقد قال عورة بن الورد، في التّعشير، حين دخل المدينة فقيل له: إن لم تعشّر هلكت! فقال [١] : [من الطويل] لعمري لئن عشّرت من خيفة الرّدى ... نهاق الحمير إنّني لجزوع ١٨٧٠-[نفع الأرنب] وللأرنب جلد ووبر ينتفع به، ولحمه طيّب؛ ولا سيّما إن جعل محشيا [٢] ؛ لأنّه يجمع حسن المنظر، واستفادة العلم مما يرون من تدبيرها وتدبير الكلاب، والانتفاع بالجلد وبأكل اللّحم. وما أقلّ ما تجتمع هذه الأمور في شيء من الطّير. وأما قوله [٣] : [من الطويل] إذا ابتدر النّاس المعالي رأيتهم ... قياما بأيديهم مسوك الأرانب فإنّه هجاهم بأنّهم لا كسب لهم إلّا صيد الأرانب وبيع جلودها. ١٨٧١-[الحلكاء] وأمّا قوله: ٣٣- «وغائص في الرمل ذو حدّة ... ليس له ناب ولا ظفر» فهذا الغائص هو الحلكاء. والحلكاء: دويبّة تغوص في الرمل. كما يصنع الطّائر الذي يسمّى الغمّاس في الماء. وقال ابن سحيم في قصيدته التي قصد فيها للغرائب: [من البسيط] والحلكاء التي تبعج في الرمل [٤] ١٨٧٢-[شحمة الأرض] وممّا يغوص في الرّمل، ويسبح فيه سباحة السّمكة في الماء، شحمة الرّمل، وهي شحمة الأرض، بيضاء حسنة يشبّه بها كفّ المرأة [٥] ، وقال ذو الرّمّة في تشبيه البنان بها [٦] : [من الطويل]

стр. 1455

خراعيب أمثال كأنّ بنانها ... بنات النقا تخفى مرارا وتظهر [١] وقال أبو سليمان الغنوي: هي أعرض من العظاءة بيضاء حسنة منقطة بحمرة وصفرة، [وهي] [٢] أحسن دوابّ الأرض. ١٨٧٣-[تشبيه أطراف البنان بالعنم] وتشبّه أيضا أطراف البنان بالأساريع وبالعنم، إذا كانت مطرّفة، وقال مرقّش [٣] : [من السريع] النّشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم وصاحب البلاغة من العامّة يقول: «كأنّ بنانها البيّاح [٤] والدّواج [٥] ، ولها ذراع كأنها شبّوطة [٦] » . ويشبه أيضا بالدّمقس. ١٨٧٤-[خرافات أشعار العرب] ومن خرافات أشعار الأعراب، يقول شاعرهم: [من الرجز] أشكو إلى الله العليّ الأمجد ... عشائرا مثل فراخ السرهد عشائرا قد نبّفوا بفدفد ... قد ساقهم خبث الزمان الأنكد وكلّ حرباء وكل جدجد ... وكلّ رام في الرّمال يهتدي وكلّ نفّاض القفا ملهّد ... ينصب رجليه حذار المعتدي [٧] وشحمة الأرض وفرخ الهدهد ... والفار واليربوع ما لم يسفد فنارهم ثاقبة لم تخمد ... شواء أحناش ولم تفرّد من الحبين والعظاء الأجرد ... يبيت يسري ما دنا بفدفد وكلّ مقطوع العرا معلكد ... حتّى ينالوه بعود أو يد [٨]

стр. 1456

منها وأبصار سعال جهّد ... يغدون بالجهد وبالتشرّد زحفا وحبوا مثل حبو المقعد ١٨٧٥-[الحرباء] وأمّا قوله: ٣٤- «حرباؤها في قيظها شامس ... حتّى يوافي وقته العصر ٣٥- يميل بالشّقّ إليها كما ... يميل في روضته الزّهر» قال: والحرباء دويبّة أعظم من العظاءة أغبر ما كان فرخا، ثم يصفرّ، وإنّما حياته الحر. فتراه أبدا إذا بدت جونة يعني الشّمس، قد لجأ بظهره إلى جذيل [١] ، فإن رمضت الأرض ارتفع. ثم هو يقلّب بوجهه أبدا مع الشّمس حيث دارت، حتّى تغرب، إلا أن يخاف شيئا. ثم تراه شابحا بيديه [٢] ، كما رأيت من المصلوب. وكلما حميت عليه الشّمس رأيت جلده قد يخضرّ، وقد ذكره ذو الرّمّة بذلك فقال [٣] : [من الطويل] يظلّ بها الحرباء للشّمس ماثلا ... على الجذل إلّا أنّه لا يكبّر إذا حوّل الظّلّ العشيّ رأيته ... حنيفا وفي قرن الضّحى يتنصّر غدا أصفر الأعلى وراح كأنّه ... من الضّحّ واستقباله الشّمس أخضر [٤] ١٨٧٦-[خضوع بعض الأحياء للشمس] وكذا الجمل أيضا يستقبل بهامته الشّمس، إلّا أنه لا يدور معها كيف دارت كما يفعل الحرباء. وشقائق النّعمان والخيريّ يصنع ذلك، ويتفتّح بالنهار. وينضمّ بالليل، والنّيلوفر الذي ينبت في الماء يغيب الليل كلّه ويظهر بالنهار، والسّمك الذي يقال له

стр. 1457

الكوسج. في جوفه شحمة طيّبة، وهم يسمّونها الكبد، فإن اصطادوا هذه السّمكة ليلا وجدوا هذه الشّحمة فيها وافرة، وإن اصطادوها نهارا لم توجد. وقد ذكر الحطيئة دوران النّبات مع الشمس حيث يقول [١] : [من الطويل] بمستأسد القريان حوّ تلاعه ... فنوّاره ميل إلى الشّمس زاهره وقال ذو الرّمة [٢] : [من الطويل] إذا جعل الحرباء يغبّر لونه ... ويخضرّ من لفح الهجير غباغبه ويشبح بالكفّين شبحا كأنّه ... أخو فجرة عالى به الجذع صالبه وقال ذو الرّمّة أيضا [٣] : [من الطويل] وهاجرة من دون ميّة لم يقل ... قلوصي بها والجندب الجون يرمح إذا جعل الحرباء ممّا أصابه ... من الحرّ يلوي رأسه ويرنّح وقال آخر [٤] : [من الطويل] كأنّ يدي حربائها متشمّسا ... يدا مجرم يستغفر الله تائب وقال آخر: [من الطويل] لظى يلفح الحرباء حتّى كأنّه ... أخو حربات بزّ ثوبيه، شابح [٥] وأنشدوا: [من الرجز] قد لاحها يوم شموس ملهاب ... أبلج ما لشمسه من جلباب [٦] يرمي الإكام من حصاة طبطاب ... شال الحرابيّ له بالأذناب [٧]

стр. 1458

وقال العباس بن مرداس [١] : [من الطويل] على قلص يعلو بها كلّ سبسب ... تخال به الحرباء أنشط جالسا وقال الشّاعر [٢] : [من الطويل] تجاوزت والعصفور في الحجر لاجئ ... مع الصّبّ والشّقذان تسمو صدورها وقال أبو زبيد [٣] : [من الخفيف] واستكنّ العصفور كرها مع الضّ ... بّ وأوفى في عوده الحرباء والشّقذان [٤] : الحرابي. وقوله: «تسمو» أي ترتفع في الشجرة وعلى رأس العود. والواحد من الشّقذان بإسكان القاف وكسر الشّين شقذ بتحريك القاف. وأنشد: [من الطويل] ففيها إذا الحرباء مدّ بكفّه ... قام مثيل الرّاهب المتعبّد وذلك أنّ الحرباء إذا انتصف النّهار فعلا في رأس شجرة صار كأنّه راهب في صومعته. وقال آخر [٥] : [من البسيط] أنّى أتيح لكم حرباء تنضبة ... لا يترك السّاق إلّا ممسكا ساقا [٦] ١٨٧٧-[التشبّه بالعرب] قال: وكان مولى لأبي بكر الشّيباني، فادّعى إلى العرب من ليلته فأصبح إلى

стр. 1459

الجلوس في الشمس، قال: قال لي محمد بن منصور: مررت به فإذا هو في ضاحية [١] ، وإذا هو يحكّ جلده بأظفاره خمشا وهو يقول: إنما نحن إبل! وقد كان قيل له مرّة: إنّك تتشبّه بالعرب، فقال: ألي يقال هذا؟ أنا والله حرباء تنضبة، يشهد لي سواد لوني، وشعاثتي، وغور عينيّ وحبي للشّمس. ١٨٧٨-[نفخ الحرباء والورل] قال [٢] : والحرباء ربّما رأى الإنسان فتوعّده، ونفخ وتطاول له حتّى ربّما فزع منه من لم يعرفه. وليس عنده شرّ ولا خير. وأمّا الذي سمعناه من أصحابنا فإنّ الورل السّامد [٣] هو الذي يفعل ذلك. ولم أسمع بهذا في الحرباء إلا من هذا الرجل. قال: والحرباء أيضا: المسمار الذي يكون في حلقة الدّرع؛ وجمعه حرابي. ١٨٧٩-[استدراك لما فات من ذكر الوبر] وقد كنا غفلنا أن نذكر الوبر في البيت الأول [٤] . قال رجل من بني تغلب: [من الرجز] إذا رجونا ولدا من ظهر ... جاءت به أسود مثل الوبر [٥] من بارد الأدنى بعيد القعر وقال مخارق بن شهاب: [من الطويل] فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... بني فالج حيث استقرّ قرارها هلمّوا إلينا لا تكونوا كأنّكم ... بلاقع أرض طار عنه وبارها وأرض التي أنتم لقيتم بجوّها ... كثير بها أوعالها ومدارها فهجا هؤلاء بكثرة الوبار في أرضهم، ومدح هؤلاء بكثرة الوعول في جبلهم. وقال آخر [٦] : [من الكامل]

стр. 1460

هل يشتمنّي لا أبا لكم ... دنس الثّياب كطابخ القدر جعل تمطّى في غيابته ... زمر المروءة ناقص الشّبر [١] لزبابة سوداء حنظلة ... والعاجز التّدبير كالوبر ويضرب المثل بنتن الوبر؛ ولذلك يقول الشاعر [٢] : [من الوافر] تطلّى وهي سيّئة المعرّى ... بوضر الوبر تحسبه ملابا [٣] ونتن الوبر هو بوله. ١٨٨٠-[مما يتمازح به الأعراب] ومما تتمازح به الأعراب، فمن ذلك قول الشاعر: [من الرجز] قد هدم الضّفدع بيت الفاره ... فجاء الرّبية والوباره [٤] وحلم يشدّ بالحجاره [٥] وهذا مثل قولهم: [من الرجز] اختلط النّقد على الجعلان ... وقد بقي دريهم وثلثان ١٨٨١-[الظربان] وأمّا قوله: ٣٦- «والظّربان الورد قد شفّه ... حبّ الكشي والوحر الحمر [٦] ٣٧-[يلوذ منه الضبّ مذلوليا ... ولو نجا أهلكه الذّعر] [٧] ٣٨- وليس ينجيه إذا ما فسا ... شيء ولو أحرزه قصر»

стр. 1461

قال أبو سليمان الغنويّ: الظّربان أخبث دابّة في الأرض وأهلكه لفراخ الضّبّة. قال: فسألت زيد بن كثوة عن ذلك فقال: إي والله وللضّبّ الكبير! والظّربان دابّة فسّاءه لا يقوم لشرّ فسوها شيء، قلت: فكيف يأخذها؟ قال: يأتي جحر الضّبّ، وهو ببابه يستروح، فإذا وجد الضّبّ ريح فسوه دخل هاربا في جحره، ومرّ هو معه من فوق الجحر مستمعا حرشه، وقد أصغى بإحدى أذنيه من فوق الأرض نحو صوته- وهو أسمع دابّة في الأرض- فإذا بلغ الضبّ منتهاه، وصار إلى أقصى جحره وكفّ حرشه استدبر جحره، ثم يفسو عليه من ذلك الموضع- وهو متى شمّه غشي عليه- فيأخذه. قال: والظّربان واحد، والظّربان: الجميع، مثل الكروان للواحد والكروان للجميع. وأنشد قول ذي الرّمّة [١] : [من الطويل] من آل أبي موسى ترى القوم حوله ... كأنّهم الكروان أبصرن بازيا والعامّة لا تشكّ [في] [٢] أنّ الكروان ابن الحبارى؛ لقول الشاعر [٣] : [من الطويل] ألم تر أنّ الزّبد بالتّمر طيّب ... وأنّ الحباري خالة الكروان وقال غيره: الظّربان يكون على خلقة هذا الكلب الصّينيّ، وهو منتن جدّا، يدخل في جحر الضبّ فيفسو عليه، فينتن عليه بيته، حتى يذلق الضبّ من بيته، فيصيده. والضّباب الدلالي أيضا، التي يدخل عليها السّيل فيخرجها. وأنشد [٤] : [من الرجز] ١- يا ظربانا يتعشّى ضبّا ... رأى العقاب فوقه فخبّا

стр. 1462

٣- كأنّ خصييه إذا أكبّا ... فرّوجتان تطلبان حبّا ٥- أو ثعلبان يحفزان ضبّا [١] وأنشد الفرزدق [٢] : [من الطويل] أبوك سليم قد عرفنا مكانه ... وأنت بجيريّ قصير قوائمه ومن يجعل الظّربى القصار ظهورها ... كمن رفعته في السّماء دعائمه ١٨٨٢-[سلاح بعض الحيوان] قال: والظّربان يعلم أنّ سلاحه في فسائه، ليس شيء عنده سواه، والحبارى تعلم أنّ سلاحها في سلحها ليس لها شيء سواه، قال: ولها في جوفها خزانة لها فيها أبدا رجع [٣] معدّ فإذا احتاجت إليه وأمكنها الاستعمال استعملته، وهي تعلم أنّ ذلك وقاية لها، وتعرف مع ذلك شدّة لزجه، وخبث نتنه، وتعلم أنها تساور بذلك الزّرّق [٤] ، وأنها تثقله فلا يصيد. ويعلم الدّيك أنّ سلاحه في صيصيته [٥] ، ويعلم أنّ له سلاحا، ويعلم أنّه تلك الشوكة، ويدري لأيّ مكان يعتلج، وأيّ موضع يطعن به. والقنافذ تعلم أنّ فروتها جنّة [٦] وأنّ شوك جلدها وقاية. فما كان منها مثل الدّلدل ذوات المداري [٧] فإنها ترمي فلا تخطئ، حتى يمرّ مرور السهم المسدّد. وإن كانت من صغارها قبضت على الأفعى وهي واثقة بأنّه ليس في طاقة الأفعى لها من المكروه شيء. ومتى قبضت على رأس الأفعى فالخطب فيها يسير. وإن قبضت على الذنب أدخلت رأسها فقرضتها وأكلتها أكلا، وأمكنتها من جسمها، تصنع ما شاءت؛ ثقة منها بأنّه لا يصل إليها بوجه من الوجوه. والأجناس التي تأكل الحيّات: القنافذ، والخنازير، والعقبان، والسّنانير،

стр. 1463

والشاهمرك [١] . على أن النّسور والشاهمرك لا يتعرّضان للكبار. ويعلم الزّنبور أن سلاحه في شعرته فقط، كما تعلم العقرب أن سلاحها في إبرتها فقط. وتعلم الذّبان والبعوض والقملة، أن سلاحها في خراطيمها. وتعلم جوارح الطّير أن سلاحها في مخالبها. ويعلم الذّئب والكلب أنّ سلاحهما في أشداقهما فقط. ويعلم الخنزير والأفعى أنّ سلاحهما في أنيابهما فقط. ويعلم الثّور أنّ سلاحه قرنه، لا سلاح له غيره. فإن لم يجد الثّور والكبش والتّيس قرونا، وكانت جمّا [٢] ، استعملت باضطرار مواضع القرون. والبرذون يستعمل فمه وحافر رجله. ويعلم التّمساح أنّ أحدّ أسلحته وأعونها ذنبه، ولذلك لا يعرض إلّا لمن وجده على الشريعة؛ فإنّه يضربه ويجمعه إليه حتى يلقيه في الماء. وذنب الضبّ أنفع من براثنه [٣] . ١٨٨٣-[لجوء بعض الحيوان إلى الخبث والحيلة والفرار] وإنما تفزع هذه الأجناس إلى الخبث، وإلى ما في طبعها من شدّة الحضر [٤] إذا عدمت السّلاح؛ فعند ذلك تستعمل الحيلة: مثل القنفذ في إمكان عدوّه من فروته، ومثل الظّبي واستعمال الحضر في المستوي، ومثل الأرنب واستعماله الحضر في الصّعداء [٥] . وإذا كان ممن لا يرجع إلى سلاحه ولا إلى خبثه كان إمّا أن يكون أشدّ حضرا ساعة الهرب من غيره، وإمّا أن يكون ممّن لا يمكنه الحضر ويقطعه الجبن، فلا يبرح حتّى يؤخذ. ١٨٨٤-[ما يقطعه الجبن من الحيوان] وإنما تتقرّب الشّاة بالمتابعة والانقياد للسّبع، تظنّ أن ذلك ممّا ينفعها؛ فإن

стр. 1464

الأسد إذا أخذ الشّاة ولم تتابعه، ولم تعنه على نفسها، فربما اضطرّ الأسد إلى أن يجرّها إلى عرينه. وإذا أخذها الذئب عدت معه حتّى لا يكون عليه فيها مؤونة، وهو إنما يريد أن ينحّيها [١] عن الراعي والكلب، وإن لم يكن في ذلك الوقت هناك كلب ولا راع، فيرى أن يجري على عادته. وكذلك الدّجاج إذا كنّ وقّعا على أغصان الشّجر، أو على الرّفوف، فلو مرّ تحتها كلّ كلب. وكلّ سنّور، وكلّ ثعلب، وكلّ شيء يطالبها، فإذا مرّ ابن آوى بقربها لم يبق منها واحدة إلّا رمت بنفسها إليه [٢] . لأنّ الذّئب هو المقصود به إلى طباع الشاة، وكذلك شأن ابن آوى والدّجاج، يخيّل إليها أن ذلك مما ينفع عنده. وللجبن تفعل كلّ هذا. ولمثل هذه العلّة نزل المنهزم عن فرسه الجواد؛ ليحضر ببدنه، يظنّ اجتهاده أنجى له، وأنّه إذا كان على ظهر الفرس أقلّ كدّا، وأنّ ذلك أقرب له إلى الهلاك. ولمثل هذه العلّة يتشبّت الغريق بمن أراد إنقاذه حتّى يغرقه نفسه، وهما قبل ذلك قد سمعا بحال الغريق والمنهزم، وأنّهما إنّما هما في ذلك كالرجل المعافى الذي يتعجّب ممن يشرب الدّواء من يد أعلم النّاس به، فإن أصابته شقيقة، أو لسعة عقرب، أو اشتكى خاصرته، أو أصابه حصر أو أسر [٣] شرب الدّواء من يد أجهل الخليقة، أو جمع بين دواءين متضادّين. فالأشياء التي تعلم أنّ سلاحها في أذنابها ومآخرها الزّنبور والثّعلب والعقرب والحبارى، والظّربان، وسيقع هذا الباب في موضعه إن شاء الله تعالى. وليس شيء من صنف الحيوان أردأ حيلة عند معاينة العدوّ من الغنم؛ لأنها في الأصل موصولة بكفايات النّاس، فأسندت إليهم في كل أمر يصيبها، ولولا ذلك لخرّجت لها الحاجة ضروبا من الأبواب التي تعينها. فإذا لم يكن لها سلاح ولا حيلة، ولم تكن ممن يستطيع الانسياب إلى جحره أو صدع صخرة، أو في ذروة جبل. كانت مثل الدّجاجة، فإنّ أكثر ما عندها من الحيلة إذا كانت على الأرض أن ترتفع إلى رفّ. وربّما كانت في الأرض، فإذا دنا المغرب فزعت إلى ذلك.

стр. 1465

١٨٨٥-[ما له ضروب من السلاح] وربّما كان عند الجنس من الآلات ضروب، كنحو زبرة [١] الأسد ولبدته، فإنّه حمول للسّلاح إلّا في مراقّ بطنه فإنّه [٢] من هناك ضعيف جدّا، وقال التغلبي [٣] : [من الطويل] ترى النّاس منّا جلد أسود سالخ ... وزبرة ضرغام من الأسد ضيغم [٤] وله مع ذلك بعد الوثبة واللّزوق بالأرض. وله الحبس باليد. وله الطّعن بالمخلب، حتى ربّما حبس العير بيمينه وطعن بمخلب يساره لبّته [٥] وقد ألقاه على مؤخره، فيتلقّى دمه شاحيا [٦] فاه وكأنه ينصبّ من فوّارة، حتى إذا شربه واستفرغه صار إلى شقّ بطنه. وله العضّ بأنياب صلاب حداد، وفكّ شديد، ومنخر واسع. وله مع البرثن والشكّ بأظفاره دقّ الأعناق، وحطم الأصلاب. وله أنه أسرع حضرا من كلّ شيء أعمل الحضر في الهرب منه. وله من الصّبر على الجوع ومن قلّة الحاجة إلى الماء مع غيره، وربّما سار في طلب الملح [٧] ثمانين فرسخا في يوم وليلة. ولو لم يكن له سلاح إلّا زئيره وتوقّد عينيه، وما في صدور النّاس له لكفاه. وربما كان كالبعير الذي يعلم أنّ سلاحه في نابيه وفي كركرته [٨] . والإنسان يستعمل في القتال كفّيه في ضروب، ومرفقيه ورجليه ومنكبيه وفمه ورأسه وصدره، كلّ ذلك له سلاح ويعلم مكانه، يستوي في ذلك العاقل والمجنون، كما يستويان في الهداية في الطّعام والشراب إلى الفم. ١٨٨٦-[سلاح المرأة] والمرأة إذا ضعفت عن كلّ شيء فزعت إلى الصّراخ والولولة؛ التماسا للرّحمة، واستجلابا للغياث من حماتها وكفاتها، أو من أهل الحسبة في أمرها.

стр. 1466

[باب في أسماء أولاد الحيوان] (باب) ١٨٨٧-[أسماء أولاد الحيوان] قال: ويقال لولد السّبع الهجرس والجمع هجارس، ولولد الضبع الفرعل والجمع فراعل. قال ابن حبناء: [من الطويل] سلاحين منها بالرّكوب وغيرها ... إذا ما رآها فرعل الضّبع كفّرا قال: والدّيسم ولد الذّئب من الكلبة. وسألت عن ذلك أبا الفتح صاحب قطرب فأنكر ذلك وزعم أنّ الدّيسمة الذّرة، واسم أبي الفتح هذا ديسم. ويقال إنّه دويبّة غير ما قالوا. ويقال لولد اليربوع والفأر درص، والجمع أدراص. ويقال لولد الأرنب خرنق، والجمع خرانق، قال طرفة [١] : [من الطويل] إذا جلسوا خيّلت تحت ثيابهم ... خرانق توفي بالضّغيب لها نذرا أشعار فيها أخلاط من السباع والوحش والحشرات قال مسعود بن كبير الجرمي، من طيئ، يقولها في حمار اشتراه فوجده على خلاف ما وصفه به النخّاس: [من الرجز] إنّ أبا الخرشن شيء هنب ... معجّب ما يحتويه العجب [٢] قد قلت لما أن أجدّ الرّكب ... واعتر القوم صحار رحب يا أجنح الأذن ألا تخبّ ... أهانك الله فبئس النّجب [٣] ما كان لي إذ أشتريك قلب ... بلى ولكن ضاع ثمّ اللّبّ إن الذي باعك خبّ ضبّ ... أخبرني أنّك عير ندب [٤]

стр. 1467

وشرّ ما قال الرّجال الكذب ... صبّ عليه ضبع وذئب سرحانة وجيأل قرشبّ ... ذيخ عدته رملة وهضب [١] كأنه تحت الظّلام سقب ... يأخذ منه من رآه الرّعب [٢] أبو جراء مسّهنّ السّغب ... حتّى يقال حيث أفضى السحب [٣] وأنت نفّاق هناك ضبّ ... وصبّح الراعي مجرّا وغب [٤] ورخات بينهنّ كعب ... وأكرع العير وفرث رطب [٥] تقول: أدنوني إلى شرائه، ويقال ثرية لقيك لغة طائيّة. وقال قرواش بن حوط [٦] : [من الكامل] نبّئت أن عقالا بن خويلد ... بنعاف ذي عدم وأنّ الأعلما [٧] ضبعا مجاهرة وليثا هدنة ... وثعيلبا خمر إذا ماء أظلما [٨] لا تسأماني من رسيس عداوة ... أبدا فلست بسائم إن تسأما [٩] غضّا الوعيد فما أكون لموعدي ... فيئا ولا أكلا له متخضّما [١٠] فمتى ألاقكما البراز تلاقيا ... عركا يفلّ الحدّ شاكا معلما [١١]

стр. 1468

١٨٨٨-[الوحر] قال: وقال العدبّس الكنانيّ: والوحرة دويبّة كالعظاءة حمراء إذا اجتمعت تلصق بالأرض، وجمع وحرة وحر، مفتوحة الحاء، ومنه قيل وحر الصّدر، كما قيل للحقد ضبّ؛ ذهبوا إلى لزوقه بالصّدر كالتزاق الوحرة بالأرض، وأنشد [١] : [من الرمل] بئس عمر الله، قوم طرقوا ... فقروا أضيافهم لحما وحر [٢] وسقوهم في إناء مقرف ... لبنا من درّ مخراط فئر [٣] يقال لحم وحر: إذا دبّت عليه الوحرة، مقرف: موبئ [٤] . ويقال فئر: إذا وقعت فيه فارة. وقال الحكميّ [٥] : [من مجزوء الوافر] بأرض باعد الرّحم ... ن عنها الطّلح والعشرا [٦] ولم يجعل مصايدها ... يرابيعا ولا وحرا ١٨٨٩-[الهيشة] وأمّا قوله: ٢٩- «وهيشة تأكلها سرفة ... وسمع ذئب همّه الحضر» فالهيشة أم حبين، وأنشد [٧] : [من البسيط] أشكو إليك زمانا قد تعرّقنا ... كما تعرّق رأس الهيشة الذّيب وأمّ جبين وأمّ حبينة سواء، وقد ذكرنا شأنها في صدر هذا الكتاب. ويقال إنّها لا تقيم بمكان تكون فيه هذه الدّودة التي يقال لها السّرفة، وإليها ينتهي المثل في الصّنعة، ويقال: «أصنع من سرفة» [٨] . ويقال إنّها تقوم من أمّ حبين مقام القراد من

стр. 1469

البعير، إذا كانت أمّ حبين في الأرض التي تكون فيها هذه الدّودة. ١٨٩٠-[ذكر من يأكل بعض أصناف الحيوان] قال [١] : وقال مدنيّ لأعرابي: أتأكلون الضّبّ؟ قال: نعم. قال: فاليربوع؟ قال: نعم. قال: فالوحرة؟ قال: نعم. حتّى عدّ أجناسا كثيرة من هذه الحشرات. قال أفتأكلون أمّ حبين؟ قال: لا. قال: «فلتهن أمّ حبين العافية» . قال ابن أبي كريمة [٢] : سأل عمرو بن كريمة أعرابيّا- وأنا عنده- فقال: أتأكلون القرنبى؟ قال: طال والله ما سال ماؤه على شدقي!. وزعم أبو زيد النحويّ سعيد بن أوس الأنصاريّ، قال [٣] : دخلت على رؤبة وإذا قدّامه كانون، وهو يملّ على جمره جرذا من جرذان البيت، يخرج الواحد بعد الواحد فيأكله، ويقول: هذا أطيب من اليربوع! يأكل التّمر والجبن، ويحسو الزّيت والسّمن. وأنشد [٤] : [من الوافر] ترى التّيميّ يزحف كالقرنبى ... إلى تيميّة كقفا القدّوم وقال آخر [٥] : [من الكامل] يدبّ على أحشائها كلّ ليلة ... دبيب القرنبى بات يعلو نقا سهلا ١٨٩١-[اليربوع] قال: واليربوع دابّة كالجرذ، منكبّ على صدره؛ لقصر يديه طويل الرّجلين، له ذنب كذنب الجرذ يرفعه في الصعداء [٦] إذا هرول. وإذا رأيته كذلك رأيت فيه اضطرابا وعجبا. والأعراب تأكله في الجهد وفي الخصب.

стр. 1470

١٨٩٢-[أخبث الحيوان] قال: وكلّ دابّة حشاها الله تعالى خبثا فهو قصير اليدين، فإذا خافت شيئا لاذت بالصّعداء فلا يكاد يلحقها شيء [١] . ١٨٩٣-[أكل المسيب بن شريك لليربوع] قال: وأخبرني ابن أبي نجيح وكان حجّ مع المسيّب بن شريك عام حجّ المهديّ [مع] [٢] سلسبيل، قال: زاملت المسيّب في حجّته تلك، فبينا نحن نسير إذ نظرنا إلى يربوع يتخلل فراسن [٣] الإبل، فصاح بغلمانه: دونكم اليربوع! فأحضروا في إثره فأخذوه. فلمّا حططنا قال: اذبحوه. ثمّ قال: اسلخوه واشووه وائتوني به في غدائي. قال: فأتي به في آخر الغداء، على رغيف قد رعّبوه فهو أشدّ حمرة من الزّهوة [٤] ،- يريد البسرة- فعطف عليه فثنى الرّغيف ثم غمزه بين راحتيه ثم فرج [٥] الرغيف، فإذا هو قد أخذ من دسمه، فوضعه بين يديه، ثمّ تناول اليربوع فنزع فخذا منه، فتناولها ثم قال: كل يا أبا محمد! فقلت: ما لي به حاجة! فضحك ثم جعل يأتي عليه عضوا عضوا. ١٨٩٤-[أم حبين] قال: وأمّا أمّ حبين فهي الهيشة، وهي أم الحبين، وهي دويبة تأكلها الأعراب مثل الحرباء، إلّا أنّها أصغر منها، وهي كدراء لسواد بيضاء البطن. وهو خلاف قول الأعرابيّ للمدني. ١٨٩٥-[وصية أعرابي لسهل بن هارون] وقال أعرابيّ لسهل بن هارون، في تواري سهل من غرمائه وطلبهم له طلبا شديدا؛ فأوصاه الأعرابيّ بالحزم وتدبير اليربوع، فقال [٦] : [من الطويل] انزل أبا عمرو على حدّ قرية ... تزيغ إلى سهل كثير السّلائق [٧]

стр. 1471

وخذ نفق اليربوع واسلك سبيله ... ودع عنك إني ناطق وابن ناطق وكن كأبي قطن على كلّ زائغ ... له منزل في ضيق العرض شاهق وإنّما قال ذلك لاحتيال اليربوع بأبوابه التي يخرج من بعضها، إذا ارتاب بالبعض الآخر. وكذا كانت دار أبي قطنة الخناق بالكوفة في كندة، ويزعمون أنّه كان مولى لهم. وأنشد أبو عبيدة قال: أنشدني سفيان بن عيينة [١] : [من الهزج] إذ ما سرّك العيش ... فلا تمرر على كنده وقد قتل أبو قطنة وصلب. ١٨٩٦-[الخناقون] وممّن كان يخنق النّاس بالمدينة عديّة المدنيّة الصّفراء، وبالبصرة، رادويه. والمرميّون بالخنق من القبائل وأصحاب النّحل والتأويلات هم الذين ذكرهم أعشى همدان في قوله [٢] : [من الطويل] إذا سرت في عجل فسر في صحابة ... وكندة فاحذرها حذارك للخسف وفي شيعة الأعمى خناق وغيلة ... وقشب وإعمال لجندلة القذف وكلّهم شرّ، على أنّ رأسهم ... حميدة والميلاء حاضنة الكسف متى كنت في حيّي بجيلة فاستمع ... فإنّ لها قصفا يدلّ على حتف إذا اعتزموا يوما على قتل زائر ... تداعوا عليه بالنّباح وبالعزف وذلك أن الخناقين لا يسيرون إلّا معا، ولا يقيمون في الأمصار إلّا كذلك. فإذا عزم أهل دار على خنق إنسان كانت العلامة بينهم الضرب على دفّ أو طبل، على ما يكون في دور الناس، وعندهم كلاب مرتبطة فإذا تجاوبوا بالعزف ليختفي الصّوت ضربوا تلك الكلاب فنبحت. وربّما كان منهم معلّم يؤدّب في الدّرب، فإذا سمع تلك الأصوات أمر الصّبيان برفع الهجاء والقراءة والحساب. ١٨٩٧-[المغيرية والغالية والمنصورية] وأما الأعمى فهو المغيرة بن سعيد صاحب المغيرية، مولى بجيلة والخارج على

стр. 1472

خالد بن عبد الله القسري. ومن أجل خروجه عليه قال: «أطعموني ماء» حتى نعى عليه ذلك يحيى بن نوفل، فقال [١] : [من الوافر] تقول من النّواكة أطعموني ... شرابا ثمّ بلت على السّرير لأعلاج ثمانية وشيخ ... كليل الحدّ ذي بصر ضرير وأمّا حميدة، فكانت من أصحاب ليلى الناعظية، ولها رياسة في الغالية. والميلاء حاضنة أبي منصور صاحب المنصوريّة، وهو الكسف، قالت الغالية: إيّاه عنى الله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ وإيّاه عنى معدان الأعمى حيث يقول [٢] : [من الخفيف] إنّ ذا الكسف صدّ آل كميل ... وكميل رذل من الأرذال تركا بالعراق داء دويّا ... ضلّ فيه تلطّف المحتال ١٨٩٨-[تفسير بيت] وأمّا قوله [٣] : [من الطويل] انزل أبا عمرو على حدّ قرية ... تزيغ إلى سهل كثير السّلائق فأراد الهرب؛ لأنه متى كان في ظهر فظّ [٤] كثير الجوادّ والطرائق [٥] . كان أمكر وأخفى. وما أحسن ما قال النابغة في صفة الطّريق إذا كان يتشعّب، حيث يقول [٦] : [من الطويل] وناجية عدّيت في ظهر لاحب ... كسحل اليماني، قاصدا للمناهل [٧] له خلج تهوي فرادى وترعوي ... إلى كلّ ذي نيرين بادي الشّواكل [٨]

стр. 1473

وهذا موضع اليربوع في تدبيره ومكره. ١٨٩٩-[أرجوزة في اليربوع وأكل الحشرات والحيات] وقال الآخر في صفة اليربوع، وفي حيلته، وفي خلقه، وفي أكل الحشرات والحيات: [من الرجز] يا ربّ يربوع قصير الظّهر ... وشاخص العجب ذليل الصّدر ومحكم البيت جميع الأمر ... يرعى أصول سلم وسدر ضحتّى تراه كمداد العكر باكرته قبل طلوع الفجر ... بكلّ فيّاض اليدين غمر وكلّ قنّاص قليل الوفر ... مرتفع النّجم كريم النّجر فعاذ منّي ببعيد القعر [١] ... مختلف البطن عجيب الظهر وتدمريّ قاصع في جحر [٢] ... في العسر إن كان وبعد العسر أطيب عندي من جنيّ التّمر ... وشحمة الأرض طعام المثري وكلّ جبار بعيد الذّكر ... وهيشة أرفعها لفطري ليوم حفل وليوم فخر [٣] ... وكلّ شيء في الظلام يسري من عقرب، أو قنفذ، أو وبر ... أو حيّة أملّها في الجمر فتلك همّي وإليها أجري [٤] ... في كلّ حال من غنى وفقر وكلّ شيء لقضاء يجري ... وكلّ طير جاثم في وكر وكلّ يعسوب وكلّ دبر ... والذّيخ والسّمع وذئب القفر والكلب والتّتفل بعد الهرّ [٥] ... والضّبّ والحوت وطير البحر والأعور النّاطق يوم الزّجر [٦] ... آكله غير الحرابي الخضر أو جعل صلّى، صلاة العصر [٧] ... يشكر إن نال قرى من جعر يا ويله من شاكر ذي كفر ... أفسد والله عليّ شكري

стр. 1474

فزعم أنّه يستطيب كلّ شيء إلّا الحرباء الذي قد اخضرّ من حرّ الشّمس وإلّا الجعل الذي يصلّي العصر. وزعم أنّه إنما جعل ذلك شكرا على ما أطعم من العذرة، وأنّ ذلك الشّكر هو اللّؤم والكفر. ولا أعرف معنى صلاة الجعل. وقد روى ابن الأعرابي عن زاهر قال: «يا بنيّ لا تصلّ فإنّما يصلّي الجعل، ولا تصم فإنما يصوم الحمار [١] » . وما فهمته بعد. وأراه قد قدّم الهيشة، وهي أمّ حبين، وهذا خلاف مارووا عن الأعرابي والمدني [٢] . ١٩٠٠-[اليرابيع] وأمّا قوله: وتدمريّ قاصع في جحر فقد قال الشاعر [٣] : [من الطويل] وإنّي لأصطاد اليرابيع كلّها ... شفاريّها والتّدمريّ المقصّعا [٤] واليرابيع ضربان: الشّفاريّ والتّدمري، مثل الفتّي والمذكّي [٥] . وقال جرير حين شبّه أشياء من المرأة بأشياء من الحشرات وغيرها وذكر فيها الجعل فقال [٦] : [من الوافر] ترى التّيميّ يزحف كالقرنبى ... إلى تيمية كعصا المليل تشين الزّعفران عروس تيم ... وتمشي مشية الجعل الدّحول [٧] يقول المجتلون عروس تيم ... شوى أمّ الحبين ورأس فيل [٨]

стр. 1475

١٩٠١-[شعر فيه ذكر اليربوع] وقال عبيد بن أيّوب العنبري [١] ، في ذكر اليربوع: [من الطويل] حملت عليها ما لو انّ حمامة ... تحمّله طارت به في الخفاخف [٢] نطوعا وأنساعا وأشلاء مدنف ... برى جسمه طول السّرى في المخاوف [٣] فرحنا كما راحت قطاة تنوّرت ... لأزغب ملقى بين غبر صفاصف [٤] ترى الطّير واليربوع يبحثن وطأها ... وينقرن وطء المنسم المتقاذف [٥] وقال ابن الأعرابيّ، وهو الذي أنشدنيه: «ترى الطير واليربوع» يعني أنّهما يبحثان في أثر خفّها ملجأ يلجآن إليه، إمّا لشدّة الحر، وإما لغير ذلك. وأنشد أصحابنا عن بعض الأعراب وشعرائهم أنّه قال في أمّه [٦] : [من الوافر] فما أمّ الرّدين وإن أدلّت ... بعالمة بأخلاق الكرام إذا الشّيطان قصّع في قفاها ... تنفّقناه بالحبل التؤام يقول: إذا دخل الشّيطان في قاصعاء قفاها تنفقناه، أي أخرجناه من النافقاء، بالحبل المثنّى، وقد مثّل وقد أحسن في نعت الشّعر وإن لم يكن أحسن في العقوق. وأنشد في قوس [٧] : [من الرجز] لا كّزة السّهم ولا قلوع ... يدرج تحت عجسها اليربوع [٨] القلوع من القسي: التي إذا نزع فيها انقلبت على كفّ النازع. وأما قوله: وأما قوله [٩] : [من الطويل]
следующие страницы →