← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

أقول لصالح لمّا دهته ... بنات الدّهر ويحك ما دهاكا شجاك العزل، لا بأخي نوال ... من الفتيان كربة ما شجاكا أتيتك زائرا فرجعت صفرا ... كذاك تكون أوبة من أتاكا أحبّ لك السلامة يا ابن أمّي ... وإن كنت امرأ بخلت يداكا حفاظا للعشيرة لا بعرف ... فإنّ العرف منّ به سواكا وقال الفرزدق: [من الطويل] ألا خبّروني أيّها الناس إنّني ... سألت ومن يسأل عن العلم يعلم سؤال امرئ لم يغفل العلم صدره ... وما العالم الواعي الأحاديث كالعمي وقال أيضا: [من الطويل] ألم تعلموا يا آل طوعة أنما ... تهيج جليلات الأمور دقيقها سأثني على سعد بما قد علمته ... وخير أحاديث الرّجال صدوقها ٢١٢٨-[بعض الأخبار العجيبة] قال أبو عثمان: ومما أكتب لك من الأخبار العجيبة التي لا يجسر عليها إلا كلّ وقاح أخبار بعض العلماء وبعض من يؤلّف الكتب ويقرؤها ويدارس أهل العبر ويتحفّظها. زعموا «١» أنّ الضبع تكون عاما ذكرا وعاما أنثى. وسمعت هذا من جماعة منهم ممّن لا أستجيز تسميته. قال الفضل بن إسحاق: أنا رأيت العفص والبلّوط في غصن واحد. قال: ومن العفص ما يكون مثل الأكر. وقد خبّرني بذلك غيره، وهو يشبه تحوّل الأنثى ذكرا والذّكر أنثى. وقد ذكرت العرب في أشعارها الضّباع والذّئاب والسّمع والعسبار، وجميع الوحوش والحشرات، وهم أخبر الخلق بشأن الضّبع، فكيف تركت ما هو أعجب وأطرف. وقد ذكرت العلماء الضّباع في مواضع من الفتيا لم نر أحدا ذكر ذلك. وأولئك

стр. 1647

بأعيانهم هم الذين زعموا أن النمر الأنثى تضع في مشيمة واحدة جروا وفي عنقه أفعى قد تطوّقت به، وإذا لم يأتنا في تحقيق هذه الأخبار شعر شائع، أو خبر مستفيض، لم نلتفت لفته، وقد أقررنا أن للسّقنقور أيرين، وكذلك الحرذون والضبّ، حين وجدناه ظاهرا على ألسنة الشّعراء وحكاية الأطبّاء. ٢١٢٩-[خرطوم الفيل] والخرطوم للفيل هو أنفه، ويقوم مقام يده ومقام عنقه «١» ، والخرق الذي هو فيه لا ينفذ، وإنما هو وعاء إذا ملأه الفيل من طعام أو ماء أولجه في فيه، لأنّه قصير العنق لا ينال ماء ولا مرعى. وإنما صار ولد البختيّ من البختيّة جزور لحم لقصر عنقه، ولعجزه عن تناول الماء والمرعى. ٢١٣٠-[خرطوم البعوضة] وللبعوضة خرطوم، وهي تشبّه بالفيل إلّا أنّ خرطومها أجوف فإذا طعن به في جوف الإنسان والبهيمة فاستقى به الدّم من جوفه قذفت به إلى جوفها، فهو لها كالبلعوم والحلقوم. وللذبابة خرطوم تخرجه إذا أرادت الدّم، وتدخله إذا رويت. فأمّا من سمّى خطم الخنزير والكلب والذّئب خرطوما فإنما ذلك على التشبيه. وكذلك يقولون لكلّ طويل [الخطم] «٢» قصير اللّحيين. وقد يقال للخطم خرطوم على قوله: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ «٣» . وأنشدنا ابن الأعرابي لفتى من بني عامر: [من البسيط] ولا أقوم على شيخي فأشتمه ... ولا أمرّ على تلك الخراطيم جعل سادة عشيرته في النّادي والمجالس كالخراطيم والمقاديم والهوادي، وعلى ذلك قالوا: بنو فلان أنف بني فلان ورؤوسهم وخراطيمهم، ومعنى العامريّ الذي ذهب إليه في شعره كأنّه عظّم المشيخة أن يمرّ بهم، وقد قال الشاعر «٤» : [من الوافر] هم الأنف المقدّم والسّنام

стр. 1648

والفيل والببر، والطّاوس والببغا، والدّجاج السّنديّ، والكركدّن، مما خص الله به الهند. وقد عدّد ذلك مطيع بن إياس، حين خاطب جارية له كانت تسمى «روقة» ، فقال «١» : [من الخفيف] روق أي روق كيف فيك أقول ... سادسنا دوني وأرمائيل «٢» وبعيد من بينه حيثما كا ... ن وبين الحبيب قندابيل «٣» روق يا روق لو ترين محلّي ... ببلاد معروفها مجهول ببلاد بها تبيض الطواوى ... س وفيها يزاوج الزّندبيل وبها الببّغاء والصّفر والعو ... د له في ذرى الأراك مقيل «٤» والخموع العرجاء والأيّل الأق ... رن واللّيث في الغياض النّسول «٥» وقال أبو الأصلع الهنديّ، يفخر بالهند وما أخرجت بلاد الهند: [من الهزج] لقد يعذلني صحبي ... وما ذلك بالأمثل وفي مدحتي الهند ... وسهم الهند في المقتل وفيه السّاج والعاج ... وفيه الفيل والدّغفل وإنّ التّوتيا فيه ... كمثل الجبل الأطول وفيه الدّارصينيّ ... وفيه ينبت الفلفل والمتشابه عندهم من الحيوان الفيل، والخنزير، والبعوضة، والجاموس. وقال رؤبة «٦» : [من الرجز] ليث يدقّ الأسد الهموسا ... والأقهبين الفيل والجاموسا «٧»

стр. 1649

٢١٣١-[هجاء أبي الطروق لامرأته] ولما هجا أبو الطّروق الضّبيّ امرأته، وكان اسمها شغفر بالقبح والشناعة فقال «١» : [من الرجز] جاموسة وفيلة وخنزر ... وكلّهنّ في الجمال شغفر جعل الخنزير خنزرا، فجمعها كما ترى للتّشابه. وقال الآخر: [من الطويل] كأنّ الذي يبدو لنا من لثامها ... جحافل عير أو مشافر فيل ٢١٣٢-[شعر في الفيل] والفيل يوصف بالفقم، ولذلك قال الأعرابيّ: [من الرجز] قد قادني أصحبي المعمّم ... ولم أكن أخدع فيما أعلم «٢» إذ صفق الباب العريض الأعظم ... وأدني الفيل لنا وترجموا وقيل إنّ الفيل فيل مرجم ... خبعثن قد تمّ منه المحزم «٣» أجرد أعلى الجسم منه أصحم ... يجرّ أرحاء ثقالا تحطم «٤» ما تحتها من قرضها وتهشم ... وحنك حين يمدّ أفقم «٥» ومشفر حين يمدّ سرطم ... يردّه في الجوف حين يطعم «٦» لو كان عندي سبب أو سلّم ... نجّيت نفسي جاهدا لا أظلم وقال آخر: [من الرجز] من يركب الفيل فهذا الفيل ... إنّ الذي يركبه محمول على تهاويل لها تهويل ... كالطّود إلّا أنّه يجول وأذن كأنها منديل

стр. 1650

وقال عمارة بن عقيل يضرب المثل بقوّة الفيل: [من البسيط] إذا أتانا أمير لم يقل لهم ... هيدا وجالت بنا منه الأحابيل وعضّ مجهودنا الأقصى وحمّله ... من المظالم ما لا يحمل الفيل وقال أبو دهبل «١» يمدح أبا الفيل الأشعريّ: [من البسيط] إنّ أبا الفيل لا تحصى فضائله ... قد عمّ بالعرف كلّ العجم والعرب ونظر ابن شهلة المدينيّ إلى خرطوم الفيل وإلى غرموله فقال: [من الطويل] ولم أر خرطومين في جسم واحد ... قد اعتدلا في مشرب ومبال فقد غلط لأنّ الفيل لا يشرب بخرطومه ولكن به يوصل الماء إلى فمه. فشبّه غرموله بالخرطوم، وغرموله يشبّه بالجعبة والقنديل والبربخ. وقال المخبّل «٢» في تعظيم شأن الفيل: [من الطويل] أتهزأ منّي أمّ عمرة أن رأت ... نهارا وليلا بلّياني فأسرعا فإن أك لاقيت الدّهاريس منهما ... فقد أفنيا النّعمان قبلي وتبّعا ولا يلبث الدّهر المفرّق بينه ... على الفيل حتى يستدير فيصرعا وقال مروان بن محمد وهو أبو الشّمقمق- وحدّثني صديق لي قال سألت أبا الشّمقمق عن اسمه ونسبه. فقال: أنا مروان بن محمد، مولى مروان بن محمد «٣» : [من البسيط] يا قوم إنّي رأيت الفيل بعدكم ... فبارك الله لي في رؤية الفيل رأيت بيتا له شيء يحرّكه ... فكدت أصنع شيئا في السراويل وقالت دودة لأمّها: [من البسيط] يا أمّ إنّي رأيت الفيل من كثب ... لا بارك الله لي في رؤية الفيل لمّا بصرت بأير الفيل أذهلني ... عن الحمير وعن تلك الأباطيل

стр. 1651

٢١٣٣-[خطبة بدوي فيها ذكر الفيل] وقال الأصمعي: جنى قوم من أهل اليمامة جناية فأرسل إليهم السّلطان جندا من بخاريّة ابن زياد، فقام رجل من أهل البادية يذمّر أصحابه فقال: «يا معشر العرب، ويا بني المحصنات، قاتلوا عن أحسابكم ونسائكم. والله لئن ظهر هؤلاء القوم عليكم لا يدعون بها لينة حمراء «١» ، ولا نخلة خضراء، إلّا وضعوها بالأرض. ولا أغرّكم من نشّاب «٢» معهم، في جعاب كأنّها أيور الفيلة، ينزعون في قسيّ كأنّها العتل «٣» تئط إحداهنّ أطيط الزّرنوق «٤» ، يمغط «٥» أحدهم فيها حتى يتفرّق شعر إبطيه، ثم يرسل نشّابة كأنها رشاء «٦» منقطع، فما بين أحدكم وبين أن تفضخ عينه «٧» ، أو يصدع قلبه منزلة» . قال: فخلع قلوبهم فطاروا رعبا. ٢١٣٤-[الفيل والزندبيل] قالوا «٨» : الفيلة ضربان: فيل وزندبيل. وقد اختلفوا في أشعارهم وأخبارهم. فبعضهم يقول كالبخت والعراب، والجواميس والبقر، والبراذين والخيل، والفأر والجرذان، والذّرّ والنمل. وبعضهم يقول: إنما ذهبوا إلى الذّكر والأنثى. قال خالد القنّاص، وفي قصيدته تلك المزاوجة والمخمّسة، التي ذكر فيها الصّيد فأطنب فيها، فقال حين صار إلى ذكر الفيل «٩» : [من الرجز] ذاك الذي مشفره طويل ... وهو من الأفيال زندبيل فذهب إلى العظم. وقال الذّكواني «١٠» : [من الرجز] وفيلة كالطّود زندبيل

стр. 1652

وقال الآخر: [من الرجز] من بين فيلات وزندبيل فجعل الزّندبيل هو الذكر. وقال أبو اليقظان سحيم بن حفص: إنّ الزّندبيل هو الأنثى. فلم يقفوا من ذا على شيء. ٢١٣٥-[الجنّ والحن] وبعض النّاس يقسم الجنّ على قسمين فيقول: هم جنّ وحنّ، ويجعل التي بالحاء أضعفها، وأما الرّاجز فقال «١» : [من الرجز] أبيت أهوي في شياطين ترنّ ... مختلف نجراهم جنّ وحنّ ففرق هذا بين الجنسين. ٢١٣٦-[الناس والنسناس] وسمع بعض الجهّال قول الحسن: «ذهب النّاس وبقيت في النّسناس» فجعل النّسناس جنسا على حدة. وسمع آخرون هم أجهل من هؤلاء قول فجعل النّسناس جنسا على حدة. وسمع آخرون هم أجهل من هؤلاء قول الكميت «٢» : [من الطويل] نسناسهم والنّسانسا فزعموا أنّهم ثلاثة أجناس: ناس، ونسناس، ونسانس. هذا سوى القول في الشّق، وواق واق، وذوال باي، وفي العدار، وفي أولاد السّعالي من الناس، وفي غير ذلك مما ذكرناه في موضعه من ذكر الجنّ والإنس «٣» . وقد علم أهل العقل أنّ النّسناس إنما وقع على السّفلة والأوغاد والغوغاء، كما سمّوا الغوغاء الجراد إذا ألقى البيض وسخف وخفّ وطار.

стр. 1653

٢١٣٧-[هياج الفيل] قال: وإذا اغتلم الفيل قتل الفيلة والفيّالين وكلّ من لقيه من سائر النّاس، ولم يقم له شيء، حتى لا يكون لسوّاسه همّ إلّا الهرب، وإلّا الاحتيال لأنفسهم. وتزعم «١» الفرس أنّ فيلا من فيلة كسرى اغتلم، فأقبل نحو النّاس فلم يقم له شيء، حتى دنا من مجلس كسرى فأقشع «٢» عنه جنده، وأسلمته صنائعه، وقصد إلى كسرى ولم يبق معه إلّا رجل واحد من فرسانه كان أخصّهم به حالا، وأرفعهم مكانا، فلمّا رأى قربه من الملك شدّ عليه بطبرزين «٣» كان في يده فضرب به جبهته ضربة غاب لها جميع الحديدة في جبهته، فصدف عنها وارتدع، وأبى كسرى أن يزول من مكانه، فلمّا أيقن بالسّلامة قال لذلك الرجل: ما أنا بما وهب الله لي من الحياة على يدك بأشدّ سرورا منّي بالذي رأيت من هذا الجلد والوفاء والصّبر في رجل من صنائعي، وحين لم تخطئ فراستي، ولم يفل رأيي «٤» فهل رأيت أحدا قطّ أشدّ منك؟ قال: نعم. قال: فحدّثني عنه. قال: على أن تؤمّنني. فأمّنه فحدّث عن بهرام جوبين بحديث شقّ على الملك وكرهه، إذ كان عدوّه على تلك الصّفة. قال: إذا اغتلم الفيل وصال وغضب وخمط «٥» خلّاه الفيّالون والرّوّاض، فربّما عاد وحشيّا. ٢١٣٨-[أهليّ الفيلة ووحشيّها] والفيلة من الأجناس التي يكون فيها الأهليّ والوحشيّ، كالسّنانير والظّباء والحمير وما أشبه ذلك. وأنشد الكرمانيّ لشاعر المولتان قوله: [من البسيط] فكنت في طلبي من عنده فرجا ... كراكب الفيل وحشيّا ومغتلما وهذه القصيدة هي التي يقول فيها: قد كنت صعّدت عن بغبور مغتربا ... حتى لقيت بها حلف النّدى حكما «٦» قرم كأنّ ضياء الشّمس سنّته ... لو ناطق الشّمس ألقت نحوه الكلما

стр. 1654

٢١٣٩-[خصال كسرى] وتقول الفرس: أعطي كسرى أبرويز ثمان عشرة خصلة لم يعطها ملك قطّ ولا يعطاها أحد أبدا، من ذلك أنّه اجتمع له تسعمائة وخمسون فيلا، وهذا شيء لم يجتمع عند ملك قطّ. ومن ذلك أنّه أنزى الذّكورة على الإناث. وأنّ فيلة منها وضعت عنده، وهي لا تتلاقح بالعراق، فكانت أوّل فيلة بالعراق وآخر فيلة تضع. قالو: ولقي رستم الآزريّ المسلمين يوم القادسيّة ومعه من الفيلة عشرون ومائة فيل، وكنّ من بقايا فيلة كسرى أبرويز. قالوا «١» : ومن خصاله أنّ النّاس لم يروا قط أمدّ قامة، ولا أتمّ ألواحا، ولا أبرع جمالا منه، فلما مات فرسه الشّبديز كان لا يحمله إلّا فيل من فيلته، وكان يجمع وطاءة ظهر الفيل وثبات قوائمه، ولين مشيته، وبعد خطوه، وكان ألطفها بدنا، وأعدلها جسما. ٢١٤٠-[أكثر خلفاء المسلمين فيلة] قالوا: ولم يجتمع لأحد من ملوك المسلمين من الفيلة ما اجتمع عند أمير المؤمنين المنصور، اجتمع عنده أربعون فيلا، فيها عشرون فحلا. ٢١٤١-[شرف الفيل] قالوا «٢» : والفيل أشرف مراكب الملوك. وأكثرها تصرّفا، ولذلك سأل وهرز الأسوار عن صاحب الحبشة، حين صافّهم في الحرب، فقيل له: ها هو ذاك على الفيل. فقال: لا أرميه وهو على مركب الملوك. ثم سأل عنه فقيل له: قد نزل عنه وركب الفرس. قال: لا أرميه وهو على مركب الحماة. قيل: قد نزل عنه وركب الحمار. قال: قد نزل عن مركبه لحمار! فدعا بعصابة رفع بها حاجبيه- وكان قد أسنّ حتى سقط جاجباه على عينيه- ثم رماه فقتله. ٢١٤٢-[ذكاء الفيل] وكان سهل بن هارون يتعجّب من نظر الفيل إلى الإنسان، وإلى كلّ شيء يمرّ به. وهو الذي يقول «٣» : [من الطويل]

стр. 1655

ولمّا رأيت الفيل ينظر قاصدا ... ظننت بأنّ الفيل يلزمه الفرض قال أبو عثمان: وقد رأيت أنا في عين الفيل من صحّة الفهم والتأمّل إذا نظر بها، وما شبهت نظره إلى الإنسان إلّا بنظر ملك عظيم الكبر راجح الحلم. وإذا أردت أن ترى من الفيل ما يضحك، وتراه في أسخف حالاته وأجهله فألق إليه جوزة، فإنّه يريد أن يأخذ بطرف خرطومه، فإذا دنا منها تنفّس، فإذا تنفّس طارت الجوزة من بين يديه، ثم يدنو ثانية ليأخذها فيتنفس أخرى، فتبعد عنه، فلا يزال ذلك دأبه. ٢١٤٣-[فضل الفيل على الفرس في الحرب] قالوا: ويفضل الفيل الفرس في الحرب أنّ الفيل يحمي الجماعة كلهم، ويقاتل ويرمي ويزجّ بالمزاريق «١» ، وله من الهول ما ليس للفرس، وهو أحسن مطاوعة، ولا يعرف بجماح ولا طماح ولا حران. والخيول العتاق ربّما قتلت الفرسان بالحران مرّة وبالإقدام مرّة، وبسوء الطّاعة وشدّة الجزع، وربّما شبّ الفرس بفارسه حتى يلقيه بين الحوافر والسيّوف، للسّهم يصيبه والحجر يقع به. وما يشبه ظهر الفرس من ظهره، وظهر الفيل منظرة من المناظر ومسلحة من المسالح. ٢١٤٤-[عمر الفيل] وفي الفيلة عجب آخر، وذلك أنّ قصر الأعمار مقرون بالإبل والبراذين وبكلّ خلق عظيم. وكلّ شيء يعايش النّاس في دورهم وقراهم ومنازلهم فالناس أطول أعمارا منها، كالجمل، والفرس والبرذون، والبغل والحمار، والثّور والشّاة، والكلب والدّجاج، وكلّ صغير وكبير، إلا الفيل فإنّه أطول عمرا. والفيل أعظم من جميع الحيوان جسما وأكثر أكلا، وهو يعيش مائة السنة ومائتي السنّة. وزعم صاحب المنطق في كتاب الحيوان أنّه قد ظهر فيل عاش أربعمائة سنة. فالفيل في هذا الوجه يشارك الضّباب والحيّات والنّسور، وإذا كان كذلك فهو فوق الورشان وعير العانة- وهو من المعمّرين وفوق المعمّرين- وهو مع ذلك أعظم الحيوان بدنا، وأطولها عمرا.

стр. 1656

٢١٤٥-[الأسد والفيل] وقال بعض من يستفهم ويحب التّعلم: ما بال الأسد إذا رأى الفيل علم أنّه طعام له، وإذا رأى النّمر والببر لم يكونا عنده كذلك؟ وكيف وهو أعظم وأضخم وأشنع وأهول؟ فإن كان الأسد إنما اجترأ عليه لأنّه من لحم ودم، واللّحم طعامه والدّم شرابه. فالببر والنّمر من لحم ودم، وهما أقلّ من هؤلاء وأقمأ جسما. قال القوم: ومتى قدّر الأسد في الفيل أنه إذا قاتله غلبه، وإذا غلبه قتله، وإذا قتله أكله؟ وقد نجد الببر فوق الأسد وهو لا يعرض له. والأسد فوق الكلب وهو يشتهي لحمه، ويشتهي لحم الفهد بأكثر ممّا يشتهي لحم الضّبع والذئب، وليست علّته المواثبة التي ذهبتم إليها. ٢١٤٦-[معرفة الحيوان] فأمّا علم جميع الحيوان بمواضع ما يعيشها، فمن علّم البعوضة أنّ من وراء ظاهر جلد الجاموس دما، وإنّ ذلك الدم غذاء لها، وأنّها متى طعنت في ذلك الجلد الغليظ الشّثن «١» ، الشديد الصّلب، أن خرطومها ينفذ فيه على غير معاناة «٢» . ولو أن رجلا منّا طعن جلده بشوكة لانكسرت الشّوكة قبل أن تصل إلى موضع الدم. وهذا باب يدرك بالحسّ وبالطبع وبالشبه وبالخلقة. والذي سخّر لخرطوم البعوضة جلد الجاموس، هو الذي سخّر الصخرة لذنب الجرادة، وهو الذي سخّر قمقم النّحاس لإبرة العقرب. ٢١٤٧-[علة عدم تلاقح الفيلة بالعراق] وقال بعض خصماء الهند: لو كانت الفيلة لا تتلاقح عندنا بالعراق لأنها هنديّة لتغيّر الهواء والأرض، فعقر ذلك أرحامها، وأعقم أصلابها لكان ينبغي للطواويس أن لا تتزاوج عندنا ولا تبيض ولا تفرخ. ونحن قد نصيد البلابل والدباسيّ، والوارشين، والفواخت والقمارى والقبج والدّرّاج، فلا تتسافد عندنا في البيوت، وهي من أطيار بساتيننا وضياعنا، ولا تتلاقح إذا اصطدناها كرارزة «٣» ، بل لا تصوّت ولا تغنّي ولا تنوح، وتبقى عندنا وحشيّة كمدة ما عاشت، فإن أخذناها فراخا زاوجت وعشّشت

стр. 1657

وباضت وفرّخت، فلعلّكم أن تكونوا لو أهديتم إلينا أولادها صغارا فنشأت عندنا وذهب عنها وحشة الخلاء، وجدت أنس الأهليّ، فإنّ الوحشة هي التي أكمدتها، ونقضت قوّتها، وأفنت شهوتها. ٢١٤٨-[وفاء الشفنين] وقد نجد الشّفنين الذّكر تهلك أنثاه فلا يزاوج غيرها أبدا، في بلادها كان ذلك أو في غير بلادها «١» ، ونحن لو جئنا بالأسد والذّئاب والنّمور والببور فأقامت عندنا الدّهر الطّويل لم تتلاقح. ٢١٤٩-[قصة الذئب والأعرابي] وقد أصاب أعرابيّ جرو ذئب فربّاه ورجا حراسته وأن يألفه، فيكون خيرا له من الكلب، فلما قوي وثب على شاة له فأكلها، فقال الأعرابي «٢» : [من الوافر] أكلت شويهتي وربيت فينا ... فما أدراك أنّ أباك ذيب ٢١٥٠-[تسافد حمير الوحش] وقد تتسافد عندنا حمير الوحش، وقد تلاقحت عند بعض الملوك. ٢١٥١-[تلاقح الظباء في البيوت] «٣» وكان جعفر بن سليمان أحضر على مائدته بالبصرة يوم زاره الرّشيد ألبان الظّباء وزبدها وسلاها «٤» ولبأها، فاستطاب الرشيد جميع طعومها. فسأل عن ذلك وغمز جعفر بعض الغلمان فأطلق عن الظّباء ومعها خشفانها «٥» ، وعليها شملها «٦» ، حتى مرّت في عرصة تجاه عين الرّشيد، فلما رآها على تلك الحال وهي مقرّطة مخضّبة استخفّه الفرح والتعجّب حتى قال: ما هذه الألبان؟ وما هذه السّمنان واللّبأ والرّائب والزّبد الذي بين أيدينا؟! قال: من حلب هذه الظّباء ألّفت وهي خشفان فتلاقحت وتلاحقت.

стр. 1658

٢١٥٢-[استنتاج الذئاب والأسد بالعراق] ولو أطلقوا الذّئاب والأسد في مروج العراق، وأقاموا لها حاجاتها لتسافدت وتلاقحت. فلعلّهم لو تقدّموا في اصطناع أولاد الفيلة واقتنائها صغارا أن تأنس حتى تتسافد وتتلاقح. وقد زعمتم أنّ كسرى أبرويز استنتج دغفلا واحدا «١» . ٢١٥٣-[احتجاج الهندي] قال الهندي: تكفينا هذه الحجّة، وهي بيننا وبينكم. أو ليس قد جهد في ذلك جميع الملوك من جميع الأمم في قديم الدهر، فلم يستنتجوا إلا واحدا. وعلى أنّ هذه الأحاديث من أحاديث الفرس، وهم أصحاب نفج «٢» وتزيد ولا سيّما في كلّ شيء مما يدخل في باب العصبيّة، ويزيد في أقدار الأكاسرة، وإن كانوا كذلك فهم أظنّاء، والمتهم لا شهادة له. ولكن هل رأيتم قطّ هنديا أقرّ بذلك، أو هل أقرّت بقايا سائر الأمم للفرس بهذا الأمر للفيل المعروف بهذا الاسم. ٢١٥٤-[استطراد لغوي] «٣» ويقال رجل فيل إذا كان في رأيه فيالة، والفيالة. الخطأ والفساد. وهم يسمّون الرّجل بفيل. منهم فيل مولى زياد. ويكنون بأبي الفيل، منهم أبو الفيل الأشعريّ الذي امتدحه أبو دهبل. وقال: الرّاجز غيلان يقال له راكب الفيل: ومنهم عنبسة الفيل، وكذلك يقال لابنه معدان وله حديث. وقال الفرزدق: [من الطويل] لقد كان في معدان والفيل راجر ... لعنبسة الرّاوي عليّ القصائدا وقال الأصمعيّ: إذا كان الرجل نبيلا جبانا قيل هذا فيل، وأنشد: [من الطويل] يقولون للفيل الجبان كأنّه ... أزبّ خصيّ نفّرته القعاقع وقال سلمة بن عيّاش: قال لي رؤبة: «ما كنت [أحبّ أن] «٤» أرى في رأيك فيالة» . ويقول الرّجل لصاحبه: لم يفل رأيك. وهو رأي فائل، ورجل فيل. وبالكوفة

стр. 1659

باب الفيل، ودار الفيل في السبابجة، وكذلك حمّام فيل، وفي حمّام فيل يقول بعض السّلف: [من الوافر] لعمر أبيك ما حمّام كسرى ... على الثلثين من حمّام فيل وقال الجارود بن أبي سبرة: [من الوافر] وما إرقاصنا خلف الموالي ... كسنّتنا على عهد الرّسول وأبو الفيل محمد بن إبراهيم الرافقي كان فارس أهل العراق. وفيلويه السّقطي هو الذي كان يجري لأمّه كلّ أضحى درهما. فحدثتني امرأة قالت قلت لأمّ فيلويه: أو ما كان يجري فيلويه في كلّ أضحى إلا درهما؟ قالت: إي والله، وربّما أدخل أضحى في أضحى «١» ! ٢١٥٥-[مثالب الفيل] وقال بعض من يخالف الهند: الفيل لا ينتفع بلحمه ولا بلبنه، ولا بسمنه ولا يزبده، ولا بشعره ولا بوبره ولا بصوفه، عظيم المؤونة في النفقة، شديد التّشزّن «٢» على الرّوّاض، وإن اغتلم لم تف جميع منافعه في جميع دهره بمضرّة ساعة واحدة. وهو مرتفع في الثمن، وإن أخطؤوا في تدبير مطمه ومشربه، وتعلّمه وتلقنه هلك سريعا، ولا يتصرّف كتصرّف الدّوابّ، ولا يركب في الحوائج والأسواق وفي الجنائز والزّيارات. ولو أنّ إنسانا عاد مريضا أو اتّبع جنازة على فيل لصار شهرة، وترك الميّت آية. ٢١٥٦-[رؤيا الفيل] وسئل ابن سيرين عن رجل رأى فيما يرى النّائم كأنه راكب على فيل، فقال: أمر جسيم لا منفعة له. قالوا: وقال رجل للحجّاج بن يوسف: رأيت في المنام رجلا من عمّالك قدّم فيلا فضرب عنقه، فقال: إن صدقت رؤياك هلك داهر بن بصبهرى. ٢١٥٧-[حكم أكل لحمه] وسئل الشّعبيّ عن أكل لحم الفيل، فقال: ليس هو من بهيمة الأنعام.

стр. 1660

٢١٥٨-[خرطوم الفيل] وخرطومه، الذي هو سلاحه والذي به يبطش وبه يعيش، من مقاتله. وقال زهرة بن جؤيّة يوم القادسية: أمّا لهذه الدابة مقتل؟ قالوا: بلى، خرطومه، فشدّ عليهم حتى خالطهم، ودنا من الفيل، فحمل كلّ واحد منهما على صاحبه فضرب خرطومه فبرك وأدبر القوم. ٢١٥٩-[بعض صفة الفيل] قال: والفيل أفقم قصير العنق، مقلوب اللسان، مشوّه الخلق، فاحش القبح. ولم يفلح ذو أربع قطّ قصير العنق في طلب ولا هرب. ولولا أنّ مسلوخ النّور يجول في إهابه، ولولا سعته وغببه، لما خطا مع قصر عنقه، ولذلك قال الأعرابي «١» : «ومن جعل الأوقص كالأعنق والمطبّق كالضابع» . وقال الشّاعر في غبب الثّور «٢» ، وهو إسحاق بن حسان الخريميّ «٣» : [من المتقارب] وأغلب فضفاض جلد اللّبان ... يدافع غبغبه بالوظيف وليس يؤتى البعير في حضره مع طول عنقه إلّا من ضيق جلده. والفيل ضئيل الصّوت، وذلك من أشدّ عيوبه. والفيل إذا بلغ في الغلمة أشدّ المبالغ أشبه الجمل في ترك الماء والعلف حتى تنضمّ أيطلاه ويتورّم رأسه. وقد وصف الرّاجز الجمل الهائج فقال: [من الرجز] سام كأنّ رأسه فيه ورم ... إذ ضمّ إطليه هياج وقطم «٤» وآض بعد البدن ذا لحم زيم «٥» ولو لم يكن في الفيلة من العيب إلا أن عدة أيام حملها كعمر بعض البهائم، لكان ذلك عيبا. وقد ترك أهل المدينة غراس العجوة، لمّا كانت لا تطعم إلّا بعد أربعين سنة.

стр. 1661

٢١٦٠-[قدرته على حمل الأثقال] قال: وليس شيء يحمل من عدد الأرطال ما يحمل الفيل، لأنّ الذي يفضل فيما بين حمل الفيل وحمل البختيّ أكثر من قدر ما يفضل بين جسم الفيل على جسم البختي. وقد قال الأعرابيّ الذي أدخل على كسرى ليعجب من جفائه وجهله، حين قال له: أيّ شيء أبعد صوتا؟ قال: الجمل. قال: فأيّ شيء أطيب لحما؟ قال: الجمل. قال: فأيّ شيء أنهض بالحمل؟ قال: الجمل. قال كسرى: كيف يكون الجمل أبعد صوتا ونحن نسمع صوت الكركيّ من كذا وكذا ميلا؟ قال الأعرابي: ضع الكركيّ في مكان الجمل، وضع الجمل في مكان الكركيّ حتى يعرف أيّهما أبعد صوتا. قال: وكيف يكون لحم الجمل أطيب من لحم البطّ والدّجاج والفراخ والدّرّاج والنّواهض والجداء؟ قال الأعرابيّ: يطبخ لحم الدّجاج بماء وملح، ويطبخ لحم الجمل بماء وملح، حتى يعرف فضل ما بين اللّحمين. قال كسرى: فكيف تزعم أنّ الجمل أحمل للثّقل من الفيل والفيل يحمل كذا وكذا رطلا؟ قال الأعرابيّ: ليبرك الفيل ويبرك الجمل، وليحمل على الفيل حمل الجمل، فإن نهض به فهو أحمل للأثقال. قال القوم: ليس في استطاعة الجمال النهوض بالأحمال ما يوجب لها فضيلة على حمل ما هو أثقل. ولعمري، إنّ للجمل بلين أرساغه وطول عنقه لفضيلة في النّهوض بعد البروك، فأمّا نفس الثقل فالذي بينهما أكثر من أن يقع بينهما الخيار. قالوا: وبفارس ثيران تحمل حمل الجمل باركة ثم تنهض به. فهذا باب الذمّ. ٢١٦١-[مناقب الفيل] فأمّا باب الحمد فقد حدّثنا عن شريك، عن جابر الجعفي، قال: رأيت الشعبيّ خارجا فقلت له: إلى أين؟ قال: أنظر إلى الفيل. قال: وسألت أبا عبيدة فقلت: ما لون الفيل؟ قال: جون. ٢١٦٢-[ما يحث به الفيل] ومن أعاجيب الفيل أن سوطه الذي به يحثّ ويصرّف، محجن حديد طرفه في جبهته، والطّرف الآخر في يد راكبه، فإذا راد منه شيئا غمز تلك الحديدة في لحمه، على قدر إرادته لوجوه التصرّف «١» .

стр. 1662

٢١٦٣-[قصة الفيل] وقد ذكر ذلك أبو قيس بن الأسلت في الجاهليّة. وهذا الشّعر حجّة في صرف الله الفيل والطّير الأبابيل، وصدّ أبي يكسوم عن البيت. وسنذكر من ذلك طرفا إن شاء الله تعالى. قال أبو قيس «١» : [من المتقارب] ومن صنعه يوم فيل الحبو ... ش إذ كلّما بعثوه رزم «٢» محاجنهم تحت أقرابه ... وقد كلموا أنفه فانخرم وقد جعلوا سوطه معولا ... إذا يمّموه قفاه كلم فأرسل من فوقهم حاصبا ... يلفّهم مثل لفّ القزم وقال أيضا صيفيّ بن عامر، وهو أبو قيس بن الأسلت «٣» ، وهو رجل يمان من أهل يثرب، وليس بمكيّ ولا تهام «٤» ولا قرشيّ ولا حليف قرشيّ، وهو جاهليّ: [من الكامل] قوموا فصلّوا ربّكم وتعوّذوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب «٥» فعندكم منه بلاء مصدّق ... غداة أبي يكسوم هادي الكتائب فلمّا أجازوا بطن نعمان ردّهم ... جنود الإله بين ساف وحاصب فولّوا سراعا نادمين ولم يؤب ... إلى أهله ملحبش غير عصائب ويدلّ على صحّة هذا الخبر قول طفيل الغنويّ، وهو جاهليّ، وهذه الأشعار صحيحة معروفة لا يرتاب بها أحد من الرّواة، وإنما قال ذلك طفيل لأنّ غنيّا كانت تنزل تهامة، فأخرجتها كنانة فيمن أخرجت، فهو قوله «٦» : [من البسيط] ترعى مذانب وسميّ أطاع له ... بالجزع حيث عصى أصحابه الفيل «٧»

стр. 1663

قال أبو الصّلت «١» ، واسمه ربيعة، وهو أبو أميّة بن أبي الصّلت، وهو ثقفيّ طائفيّ، وهو جاهليّ، وثقيف يومئذ أضداد بالبلدة وبالمال وبالحدائق والجنان، ولهم اللات والغبغب، وبيت له سدنة يضاهئون بذلك قريشا. فقال مع اجتماع هذه الأسباب التي توجب الحسد والمنافسة: [من الخفيف] إنّ آيات ربّنا بيّنات ... ما يماري فيهنّ إلّا الكفور حبس الفيل بالمغمّس حتّى ... ظلّ يحبو كأنّه معقور واضعا حلقة الجران كما قطّ ... ر صخر من كبكب محدور وقال بعضهم «٢» لأبرهة الأشرم: [من الرجز] أين المفرّ والإله الطالب ... والأشرم المغلوب غير الغالب وقال عبد المطّلب «٣» يوم الفيل وهو على حراء: [من مجزوء الكامل] لاهمّ إنّ المرء يم ... نع رحله فامنع حلالك لا يغلبنّ صليبهم ... ومحالهم أبدا محالك إن كنت تاركهم وقب ... لتنا فأمر ما بدا لك وقال نفيل بن حبيب الخثعميّ «٤» ، وهو جاهليّ شهد الفيل وصنع الله في ذلك اليوم: [من الوافر] ألا ردّي جمالك يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا فإنّك لو رأيت ولن تريه ... لدى جنب المحصّب ما رأينا أكلّ الناس يسأل عن نفيل ... كأنّ عليّ للحبشان دينا حمدت الله أن عاينت طيرا ... وحصب حجارة تلقى علينا

стр. 1664

وقال المغيرة بن عبد الله المخروميّ «١» : [من الرجز] أنت حبست الفيل بالمغمّس ... حبسته كأنّه مكردس محتبس تزهق فيه الأنفس قال الله ﵎: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ «٢» . وأنزل هذه السورة وقريش يومئذ مجلبون في الردّ على النبي ﷺ ، وما شيء أحبّ إليهم من أن يروا له سقطة أو عثرة أو كذبة، أو بعض ما يتعلّق به مثلهم، فلولا أنّه كان أذكرهم أمرا لا يتدافعونه ولا يستطيع العدوّ إنكاره، للذي يرى من إطباق الجميع عليه، لوجدوا أكبر المقال. فهذا باب يكثر الكلام فيه، وقد أتينا عليه في (كتاب الحجّة) . وقال: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ «٣» ، مثل قوله: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ «٤» ، وقال: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ «٥» . وهذا كلّه ليس من رؤية العين لنا. ٢١٦٤-[استطراد لغوي] وباب آخر من هذا، وهو قوله: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ «٦» . ويقول الرجل: رأيت الرجل قال كذا وكذا، وسمعت الله قال كذا، وفلان يرى السّيف، وفلان يرى رأي أبي حنيفة، وقد رأيت عقله حسنا. وقال ابن مقبل «٧» : [من الطويل] سل الدّار من جنبي حبرّ فواهب ... بحيث يرى هضب القليب المضيّح وإذا قابل الجبل الجبل فهو يراه، إذ قام منه مقام الناظر الذي ينظر إليه. وتقول العرب: دار فلان تنظر إلى دار فلان، ودور بني فلان تتناظر.

стр. 1665

وقال النبيّ ﷺ : «أنا بريء من كلّ مسلم مع مشرك» قيل: ولم يا رسول الله؟ قال: «لا تتراءى ناراهما» «١» . ويقولون: إذا استقمت تلقاء وجهك فنظر إليك الجبل فخذ عن يمينك. وقال الكميت «٢» : [من المتقارب] وفي ضبن حقف يرى حقفه ... خطاف وسرحة والأحدل ٢١٦٥-[جسامة الفيل] قال أبو عثمان: خرجت يوم عيد، فلما صرت بعيسا باذ «٣» إذا أنا بتلّ مجلّل بقطوع ومقطّعات «٤» ، وإذا رجال جلوس، عليهم أسلحتهم فسألت بعض من يشهد العيد فقلت: ما بال هذه المسلحة في هذا المكان وقد أحاط النّاس بذلك التّلّ؟ فقال لي: هذا الفيل! فقصدت نحوه وما لي همّ إلّا النّظر إلى أذنيه فرجعت عنه بعد طول تأمّل وأنا أتوهّم عامّة أعضائه بل جميع أعضائه إلّا أذنيه، وما كانت لي في ذلك علّة إلّا شغل قلبي بكلّ شيء هجمت عليه منه، وكلّه كان شاغلا لي عن أذنه التي إليها كان قصدي، فذاكرت في ذلك سهل بن هارون، فذكر لي أنّه ابتلي بمثلها، وأنشدني في ذلك بيتين من شعره، وهما قوله: [من الوافر] أتيت الفيل محتسبا بقصدي ... لأبصر أذنه ويطول فكري فلم أر أذنه ورأيت خلقا ... يقرّب بين نسياني وذكري ٢١٦٦-[أعجب الأشياء] قال: وقال رجل مرّة: أخزى الله الفيل فما أقبحه. فقال بكر بن عبد الله المزنيّ: لا تشتم شيئا جعله الله آية في الجاهليّة، وإرهاصا للنبوّة. وقال سعدان الأعمى النحوي: قلت للأصمعيّ: أيّ شيء رأيت أعجب؟ قال: الفيل. وقيل لابن الجهم: أيّ أمور الدنيا أعجب؟ قال: الشمّ. وقيل لإبراهيم النظّام: أيّ أمور الدّنيا أعجب؟ قال: الرّوح.

стр. 1666

وقيل لأبي عقيل بن درست: أيّ أمور الدّنيا أعجب؟ قال: النّوم واليقظة. وقيل لأبي شمر: أيّ أمور الدّنيا أعجب؟ قال: النّسيان والذّكر. وقيل لسلم الخلّال: أيّ أمور الدّنيا أعجب؟ قال: النار. وقيل لبطليموس: أيّ أمور الدنيا أعجب؟ قال: بدن الفلك. وقال مرّة أخرى: الضّياء. وقيل لأبي عليّ عمر بن فائد الأسواريّ: أيّ شيء ممّا رأيت أعجب؟ قال: الآجال والأرزاق. وكان إبراهيم بن سيّار النّظام شديد التعجّب من الفيل. وكان معبد بن عمر يقول: إنّ السرطان والنعامة أكثر عجائب من الفيل «١» . وهذا كله تفسير. ٢١٦٧-[قول الخضر في بعض الدواب] أبو عقيل السّوّاق، عن مقاتل بن سليمان، قال «٢» : قال موسى للخضر: أي الدوابّ أحبّ إليك، وأيّها أبغض؟ قال: أحبّ الفرس والحمار والبعير؛ لأنّها من مراكب الأنبياء، وأبغض الفيل والجاموس والثّور. فأمّا البعير فمركب هود وصالح وشعيب والنبيّين ﵈. وأما الفرس فمركب أولي العزم من الرّسل وكلّ من أمره الله بحمل السّلاح وقتال الكفّار. وأمّا الحمار فمركب عيسى بن مريم وعزيز وبلعم. وكيف لا أحبّ شيئا أحياه الله بعد موته قبل الحشر. قال «٣» : ولمّا نظر الفضل بن عيسى الرّقاشيّ إلى سلم بن قتيبة على حمار يريد المسجد قال: قعدة نبيّ وبذلة جبّار. وأبغض الفيل لأنّه أبو الخنزير، وأبغض الثّور لأنّه يشبه الجاموس، وأبغض الجاموس لأنّه يشبه الفيل. وأنشدني في هذا المعنى جعفر ابن أخت واصل، في منزل الفضل بن عاصم الباخرزيّ: [من البسيط]

стр. 1667

ما أبغض الخضر فيلا منذ كان ولا ... أحبّ عيرا وذاكم غاية الكذب وكيف يبغض شيئا فيه معتبر ... وكان في الفلك فرّاجا من الكرب والفيل أقبل شيء لو تلقّنه ... حاجات نفسك من جدّ ومن لعب ولو تتوّج فينا واحد فرأى ... زيّ الملوك لقد أوفى على الرّكب يغضي ويركع تعظيما لهيبته ... وليس يعدله النّشوان في الطرب وليس يجذل إلّا كلّ ذي فخر ... حرّ ومنبته من خالص الذّهب مثل الزّنوج فإنّ الله فضّلهم ... بالجود ... والتّطويل في الخطب قال: أنشدنيها يونس لابن رباح الشارزنجيّ. فمدح الفيل كما ترى بالطّرب والحكاية، وأنّه قد أدّب وعلّم السجود للملوك. ٢١٦٨-[سجود الفيل للملك] وزعموا أنّ أوّل شيء يؤدّبونه به السجود للملك؛ قالوا «١» : خرج كسرى أبرويز ذات يوم لبعض الأعياد، وقد صفّوا له ألف فيل، وقد أحدق به وبها ثلاثون ألف فارس، فلما بصرت به الفيلة سجدت له، فما رفعت رأسها حتى جذبت بالمحاجن وراطنها الفيّالون. وقد شهد ذلك المشهد جميع أصناف الدوابّ: الخيل فما دونها، وليس فيها شيء يفصل بين الملوك والرعيّة، فلما رأى ذلك كسرى قال: ليت أنّ الفيل كان فارسيّا ولم يكن هنديّا، انظروا إليها وإلى سائر الدوابّ، وفضّلوها بقدر ما ترون من فهمها وأدبها. وأما ما ذكر به الزّنج من طول الخطب فكذلك هم في بلادهم وعند نوائبهم، ولكنّ معانيهم لا ترتفع عن أقدار الدوابّ إلّا بما لا يذكر. ٢١٦٩-[ما قيل في تعظيم شأن الفيل] وأنشدوا في تعظيم شأن الفيل وصحة نظره وجودة تحديقه وتأمّله، وسكون طرفه، والشّعر لبعض المتكلّمين «٢» : [من الطويل] إذا ما رأيت الفيل ينظر قاصدا ... ظننت بأنّ الفيل يلزمه الفرض وقد قيل إن الشّعر لسهل بن هارون.

стр. 1668

٢١٧٠-[مثل النون والضب] وقال عبد الأعلى القاصّ: يقال في المثل: إنّ النون قال للضبّ حين رأى إنسانا في الأرض: إني قد رأيت عجبا. قال: وما هو؟ قال: رأيت خلقا يمشي على رجليه، ويتناول الطعام بيديه فيهوي به إلى فيه. قال: إن كان ما تقول حقا فإنّه سيخرجني من قعر البحر وينزلك من وكرك من رأس الجبل. ٢١٧١-[تناول الفيل والقرد طعامه] والفيل أعجب منه، لأنّ يده أنفه، وأيدي البهائم والسّباع على حال عاملة شيئا، والقرد يأكل بيديه وينقي الجوزة ويتفلّى ويفلي أنثاه. وليس شيء يكرع بأنفه ويوصل الطعام إلى فيه بأنفه غير الفيل. ٢١٧٢-[إطعام الدب ولدها] «١» والدب الأنثى تقيم أولادها تحت شجرة الجوز، ثم تصعد الشّجرة فتجمع الجوز في كفّها، ثم تضرب باليمنى على اليسرى فتحطم ذلك الجوز فترمي به إلى أولادها، فلا تزال كذلك حتى إذا شبعن نزلت. ٢١٧٣-[قوة الدب] «٢» وربّما قطع الدّبّ من الشجرة الغصن العبل الضّخم الذي لا يقطعه صاحب الفأس إلّا بالجهد الشديد، ثم يشدّ به على الفارس قابضا عليه في موضع مقبض العصا فلا يصيب شيئا إلّا هتكه. ٢١٧٤-[كثرة تصرف يدي الفيل] قال صاحب المنطق: ليس شيء من ذوات الأربع إلّا وتصرّف يديه في الجهات أقلّ من تصرّف يدي الفيل. ٢١٧٥-[شعر في وصف جلد الفيل والجاموس] وقال أبو عثمان: ويوصف جلد الفيل، وجلد الجاموس بالقوّة، قال جميل «٣» : [من الطويل]

стр. 1669

إذا ما علت نشزا تمدّ زمامها ... كما امتدّ نهي الأصلف المترقرق «١» وما يبتغي منّي العداة تفاقدوا ... ومن جلد جاموس سمين مطرّق «٢» وأبيض من ماء الحديد اصطفيته ... له بعد إخلاص الضريبة رونق ٢١٧٦-[شعر فيه ذكر الفيل] وقال كعب بن زهير «٣» في اعتذاره إلى النبيّ ﷺ : [من البسيط] لقد أقوم مقاما لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل لظلّ يرعد إلّا أن يكون له ... من الرّسول بأمر الله تنويل وذكر أمية بن أبي الصلت سفينة نوح فقال «٤» : [من الخفيف] تصرخ الطّير والبريّة فيها ... مع قويّ السبّاع والأفيال حين فيها من كلّ ما عاش زوج ... بين ظهري غوارب كالجبال وقال أميّة «٥» أيضا: [من الخفيف] خلق النّحل معصرات تراها ... تعصف اليابسات والمخضورا والتماسيح والثياتل والأيّ ... ل شتّى والرّيم واليعفورا وصوارا من النّواشط عينا ... ونعاما خواضبا وحميرا وأسودا عواديا وفيولا ... وسباعا والنّمر والخنزيرا ٢١٧٧-[طيب عرق الفيل] وتزعم الهند أنّ جبهة الفيل في بعض الزمان تعرق عرقا غليظا غير سائل، يكون أطيب رائحة من المسك. وهذا شيء يعتريه كلّ عام. وموضع ذلك الينبوع في جبهته «٦» .

стр. 1670

٢١٧٨-[فأرة المسك والإبل] والنّاس يجدون ريح المسك في بيوتهم في بعض الأحايين، وهي ريح فارة يقال لها فارة المسك. والذي يكون في ناحية خراسان الذي له فأر المسك ليس بالفأر «١» ، وهو بالخشف «٢» حين تضعه الظّبية أشبه «٣» . وتقول العرب في فارة الإبل صادرة «٤» : إنّ أرج ذلك العرق أطيب من المسك الأذفر في ذلك الزمان، وفي ذلك الوقت من اللّيل والنهار. قال الراعي «٥» : [من الطويل] لها فارة ذفراء كلّ عشيّة ... كما فتق الكافور بالمسك فاتقه قال الأصمعيّ «٦» قلت لأبي مهدية، أو قيل لأبي مهدية: كيف تقول لا طيب إلا المسك؟ قال: فأين أنت من البان. قال: فقيل له: فقل: لا طيب إلا المسك والبان. قال: فأين أنت عن أدهان بحجر. قالوا له: فقل: لا طيب إلّا المسك والبان وأدهان بحجر. قال: فأين أنتم عن فارة الإبل صادرة؟. قالوا «٧» : وربّما وجد النّاس في بيوتهم الجرذ يضرب إلى السّواد، يجدون من بدنه إذا عدا إلى جحره رائحة تشبه رائحة المسك، وبعض النّاس يزعم أنّ هذا الجنس هو الذي يخبأ الدّنانير والدراهم والحليّ، كما يصنع العقعق والغراب. وهذا الجرذ غير فارة المسك التي تكون بخراسان، وتلك بالخشف الصّغير أشبه، وإنما يأخذون سرّته وهي ملأى من دم عبيط. ٢١٧٩-[الآية في الفيل] قالوا: وقد جعل الله الفيل من أكبر الآيات وأعظم البرهانات للبيت الحرام

стр. 1671

ولقبلة الإسلام، وتأسيسا لنبوّة النبيّ ﷺ ، وتعظيما لشأنه ولما أجرى من ذلك على يدي جدّه عبد المطلب، حين غدت الحبشة لتهدم البيت الحرام وتذلّ العرب، فلم يذكر الله منهم ملكا ولا سوقة باسم ولا نسب ولا لقب وذكر الفيل باسمه المعروف، وأضاف السورة التي ذكر فيها الفيل إلى الفيل، وجعل فيه من الآية أنهم كانوا إذا قصدوا به نحو البيت تعاصى وبرك، وإذا خلّوه وسومه «١» صدّ عنه وصدف. وفي أضعاف ذلك التقم أذنه نفيل بن حبيب، وقال: «ابرك محمود» ، وكان ذلك اسمه. ٢١٨٠-[الطعن في قصة الفيل] وقد طعن في ذلك ناس فقالوا: قد يستقيم أن ينصرف عنه ويحرد دونه، كلّ ذلك بتصريف الله له. وكيف يجوز أن يفهم كلام العرب ويعرف معنى قول نفيل؟ فإن قلتم: قد يفهم الفيل عن الفيّال جميع الأدب والتقويم، وجميع ما يريد منه عند الحطّ والرّحيل والمقام والمسير. قلنا: قد يفهم بالهنديّة كما يعرف الكلب اسمه، ويعرف قولهم اخسأ. وقد يعرف السّنّور اسمه ويعرف الدّعاء والزّجر، وكذلك الطّفل والمجنون، وكذلك الحمار والفرس إذا كنّ قد عوّدن تلك الإشارة، وسماع تلك الألفاظ. فأمّا الفيل وهو هنديّ جلبه إلى تلك البلدة حبشيّ، فخرج من عجمة إلى عجمة، كيف يفهم مع ذلك لسان العرب وسرار نفيل بن حبيب بالعربيّة؟ قلنا: قد يستقيم أن يكون قال له كلاما بالهنديّة كان قد تعوّد سماعه من الفيّالين، فيكون ترجمته بالعربيّة هذا الكلام الذي حكوه، وقد يكون الذي أنطق الذّئب لأهبان بن أوس؛ وجعل عود المنبر يحنّ إلى النبي ﷺ ، أن يصوّر لوهم الفيل إرادة نفيل بن حبيب. وقد يستقيم مع لقن الفيل وذكائه وحكايته ومؤاتاته، أن يعرف ذلك كلّه وأكثر منه، لطول مقامه في أرض الحبشة واليمن، وليس يبعد أن يكون بأرض الحبشة جماعة كثيرة من العرب من وافد وباغ وتاجر، وغير ذلك من الأصناف، فيسمع ذلك منهم الفيل فيعرفه، وليس هذا المقدار بمستنكر من الفيل، مع الذي قد أجمعوا عليه من فهم الفيل ومعرفته. وكان منكه المتطبّب الهنديّ صحيح الإسلام، وكان إسلامه بعد المناظرة والاستقصاء والتثبّت، قالوا: فسمع مرّة من رجل وهو يقرأ: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ

стр. 1672

كَيْفَ خُلِقَتْ «١» ، وسمع بعض الجهال يقول: فكيف لو رأى الفيل؟ فعذله قوم، فقال منكه: لا تعذلوه فإنّه لا شكّ أنّ خلق الفيل أعجب، فقيل له: فكيف لم يضرب به الله تعالى المثل دون البعير؟ فقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظام، فقلت له: ليس الفيل بأعجب من البعير. واجعله يعجّب من البعير. وهو إنما خاطب العرب، وهم الحجة على جميع أهل اللغات، ثم تصير تلك المخاطبة لجميع الأمم بعد الترجمة على ألسنة هؤلاء العرب، الذين بهم بدأت المخاطبة لجميع الأمم. وكيف يجوز أن يعجّب جماعة الأمم من شيء لم يروه قطّ، ولا كان على ظهرها يوم نزلت هذه السورة رجل واحد كان قد شهد الفيل والحبشة. وعلى أنّ الفيل وافى مكّة وما بها أحد إلّا عبد المطلب في نفير من بقيّة النّاس، ولا كانوا حيث يتأمّلون الفيل. وقد قال ناس: كان النّاس رجلين، رجل قد سمع بهذا الخبر من رجالات قريش الذين يجترّون إلى أنفسهم بذلك التّعظيم، كما كانت السّدنة تكذب للأوثان والأصنام والأنصاب، لتجترّ بذلك المنافع، ورجل لم يكن عنده علم بأنّ هذا الخبر باطل فلم يتقدّم على إنكار ذلك الخبر، وجميع قريش تثبّته. قيل لهم: إنّ مكّة لم تزل دار خزاعة وبقايا جرهم وبقايا الأمم البائدة، وكانت كنانة منها النّسأة، وكانت مرّ بن أدّ من رهط صوفة والرّبيط منها أصحاب المزدلفة، وإليهم كانت السّدانة، وكانت عدوان وأبو سيّارة عميلة بن أعزل، تدفع بالنّاس، وقد كان بين خزاعة وبقايا جرهم ما كان حتى انتزعوا البيت منهم، وقد كان بين ثقيف وقريش لقرب الدار والمصاهرة، والتّشابه في الثروة والمشاكلة في المجاورة تحاسد وتنافر، وقد كان هنالك فيهم المولى والحلفاء والقطّان والنازلة، ومن يحجّ في كلّ عام، وكان البيت مزورا على وجه الدهر، يأتونه رجالا وركبانا وعلى كل ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق، وبشقّ الأنفس، كما قال الله تعالى: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ «٢» ، وكانوا بقرب سوق عكاظ وذي المجاز، وهما سوقان معروفان، وما زالتا قائمين حتى جاء الإسلام، فلا يجوز أن يكون السّالب والمسلوب، والمفتخر به والمفتخر عليه، والحاسد والمحسود، والمتديّن به والمنكر له، مع اختلاف الطبائع

стр. 1673

وكثرة العلل، يجمعون كلهم على قبول هذه الآية وتصديق هذه السّورة، وكلهم مطبق على عداوة النبي ﷺ ، والكفر به. والمحلّون من العرب ممّن كان لا يرى للحرم ولا للشّهر الحرام حرمة: طيّئ كلها، وخثعم كلّها، وكثير من أحياء قضاعة ويشكر والحارث بن كعب، وهؤلاء كلّهم أعداء في الدّين والنّسب. هذا مع ما كان في العرب من النّصارى الدين يخالفون دين مشركي العرب كلّ الخلاف، كتغلب، وشيبان، وعبد القيس، وقضاعة، وغسّان، وسليح، والعباد، وتنوخ، وعاملة، ولخم، وجذام، وكثير من بلحارث بن كعب، وهم خلطاء وأعداء، يغاورون ويسبون، ويسبى منهم، وفيهم الثّؤور «١» والأوتار والطوائل، وهي العرب وألسنتها الحداد، وأشعارها التي إنما هي مياسم، وهممها البعيدة، وطلبها للطّوائل، وذمّها لكلّ دقيق وجليل من الحسن والقبيح، في الأشعار والأرجاز والأسجاع، والمزدوج والمنثور، فهل سمعنا بأحد من جميع هؤلاء الذين ذكرنا أنكر شأن الفيل، أو عرض فيه بحرف واحد. ٢١٨١-[كلام الفيل والذئب] ورزين العروضيّ- وهو أبو زهير- لم أر قطّ أطيب منه احتجاجا، ولا أطيب عبارة قال في شعر له يهجو ولد عقبة بن جعفر، فكان في احتجاجه عليهم وتقريعه لهم أن قال «٢» : [من البسيط] تهتم علينا بأن الذّئب كلّمكم ... فقد لعمري أبوكم كلّم الذّيبا فكيف لو كلم اللّيث الهصور إذا ... تركتم الناس مأكولا ومشروبا هذا السّنيديّ لا أصل ولا طرف ... يكلّم الفيل تصعيدا وتصويبا ولو كان ولد أهبان بن أوس ادّعوا أنّ أباهم كلم الذئب، كانوا مجانين وإنما ادّعوا أنّ الذئب كلّم أباهم، وأنّه ذكر ذلك للنبيّ ﷺ وأنّه صدّقه. والفيل ليس يكلّم السنديّ، ولم يدّع ذلك السنديّ قطّ، وربّما كان السّنديّ هو المكلّم له، والفيل هو الفهم عنه. فذهب رزين العروضيّ من الغلط في كل مذهب.

стр. 1674

٢١٨٢-[ما يكلّم من ضروب الحيوان] والنّاس قد يكلّمون الطير والبهائم والكلاب والسّنانير والمراكب «١» ، وكلّ ما كان تحتهم من أصناف الحيوان التي قد خوّلوها وسخّرت لهم، وربّما رأيت القرّاد يكلّم القرد بكلّ ضرب من الكلام، ويطيعه القرد في جميع ذلك، وكذلك ربّما رأيته يلقّن الببغاء ضروبا من الكلام، والببغاء تحكيه، وإنّ في غراب البين لعجبا، وكذلك كلامهم للدب والكلب والشاة المكّيّة، وهذه الأصناف التي تلقن وتحكي. ٢١٨٣-[تكليم الأنبياء للحيوان] وقد روى الناس عن النبي ﷺ في كلام السّباع والإبل ضروبا، ولم يذهبوا إلى أنها نطقت بحروف مقطّعة، ولكنّ النبي ﷺ إما أن يكون الله أوحى إليه بحاجاتها، وإمّا أن تكون فراسته وحسّه وتثبّته في الأمور، مع ما يحضره الله من التوفيق، بيّن له معانيها وجلّاها له، واستدلّ بظاهر على باطن، وبهيئة وحركة على موضع الحاجة، وإمّا أن يكون الله ألهمه ذلك إلهاما. وأمّا جهة سليمان بن داود، صلى الله على نبينا وعليه، في المعرفة بمنطق الطير ومنطق كلّ شيء، فلا ينبغي أن يكون ذلك إلّا أن يقوم منها في الفهم عنها مقام بعضها من بعض، إذا كان الله قد خصّه بهذا الاسم، وأبانه بهذه الدّلالة. وأعلام الرّسل لا يكثر عددها، ولا تعظم أقدارها على أقدار فضائل الأنبياء؛ لأن أكثر الأنبياء فوق سليمان بن داود، وأدنى ذلك أنّ داود فوقه، لأن الحكم في الوارث والمورّث، والخليفة والذي استخلفه، أن يكون الموروث أعلى، والمستخلف أرفع. كذلك ظاهر هذا الحكم حتى يخصّ ذلك برهان حادث. وإنما تكثر العلامات وتعظم على قدر طبائع أهل الزمان، وعلى قدر الأسباب التي تتّفق وتتهيّأ لقوم دون قوم، وهو أن يكونوا جبابرة عتاة، أو أغبياء منقوصين، أو علماء معاندين، أو فلاسفة محتالين، أو قوما قد شملهم من العادات السيّئة وتراكم على قلوبهم من الإلف للأمور المردية «٢» ، مع طول لبث ذلك في قلوبهم، أو تكون نحلتهم وملتهم ودعوتهم تحتمل من الأسباب والاحتيالات أكثر ممّا يحتمل غيرها

стр. 1675

من ذلك، فإنّ من الكفر ما يكون عند المسألة، والجواب أسرع انتشارا وأظهر انتقاضا، ومنه ما يكون أمتن شيئا، وإن كان مصير الجميع إلى الانتقاض وإلى الفساد. ومنه شيء يحتاج من المعالجة إلى أكثر وأطول، وإنما يتفاضل العلماء عند هذه الحال، وقد يكون أن ينقدح في قلوب الناس عداوات وأضغان سببها التّحاسد الذي يقع بين الجيران والمتفقين في الصّناعة، وربما كانت العداوة من جهة العصبيّة، فإنّ عامّة من ارتاب بالإسلام إنما كان أوّل ذلك رأي الشّعوبية والتمادي فيه، وطول الجدال المؤدّي إلى القتال، فإذا أبغض شيئا أبغض أهله، وإن أبغض تلك اللغة أبغض تلك الجزيرة، وإذا أبغض تلك الجزيرة أحبّ من أبغض تلك الجزيرة. فلا تزال الحالات تنتقل به حتى ينسلخ من الإسلام، إذ كانت العرب هي التي جاءت به، وكانوا السّلف والقدوة. ٢١٨٤-[أثر الغلمة في الجسم والعمر] وتزعم الهند أنّ شدّة غلمة الفيل وطول أيّامه فيها وهجرانه الطّعام والشراب، وبقيّة تلك الطبيعة، وعمل ذلك العرق السّاري، هو الذي يمنع الفيل أن يصير في جسمه مرّتين، لأنّ ذلك من أمتن أسباب الهزال. وإذا تقادم ذلك في بدن وغبّ فيه، عمل في العظم والعصب، بعد الشّحم واللّحم. وإذا كان رفع الصوت والصّياح وكثرة الكلام والغضب والحدّة، إنما صار يورث الهزال لأنّ البدن يسخن عن ذلك، وإذا شاعت فيه الحرارة أحرقت وأكلت وشربت، ولذلك صار الخصيّ من الدّيوك والأنعام أسمن. وزعموا أنّه ليس فيما يعايش الناس من أصناف الحيوان أقصر عمرا من العصفور، ولا أطول عمرا من البغل. وللأمور أسباب، فليس يقع الظنّ إلّا على قلّة سفاد البغل وكثرة سفاد العصفور. قالوا: ونجد العمر الطّويل أمرا خاصا في الرّهبان، فنظنّ أيضا أنّ تركها الجماع من أسباب ذلك «١» . قالوا: وإذا اغتلم الذكر من الحيوان فهو أخبث ما يكون لحما، وإذا كثر سفاده تضاعف فيه ذلك، وصار لحمه أيبس ودمه أقلّ. قال الشاعر «٢» : [من الرجز]

стр. 1676

أحبّ أن أصطاد ضبّا سحبلا ... أو جرذا يرعى ربيعا أرملا فجعله أرمل لا زوجة له ليكون أسمن له؛ لأنّ كثرة السفاد مما يورث الهزال، ولا يكثر سفاده إلّا من شدّة غلمته. وهجا أعرابيّ صاحبه حين أكل لحم سوء غثّ فقال: [من الرجز] أكلته من غرث ومن قرم ... كالورل السافد يغنى بالنّسم «١» لأنّ لحم الورل لا يشبه لحم الضبّ، وهم لا يرغبون في أكله لأنه عضل مسيخ، ولأنهم كثيرا ما يجدون في جوفه الحيّات والأفاعي. وله ذنب سمين، وذلك عامّ في الأذناب، وإن رأيتها في العين كأنها عضل. فإذا كان لحمها كذلك، ثم كان في زمن هيجه وسفاده كان شرّا له. وللورل في السّفاد ما يجوز به حدّ الجمل والخنزير. قال: والنسم هو النّسيم في هذا المكان. وقالت أمّ فروة القرنية «٢» : [من الطويل] نفى نسم الرّيح القذى عن متونه ... فما إن به عيب تراه لشارب وأنا أعلم أني لو فسّرت لك معاني هذه الأشعار وغريبها، لكان أتمّ للكتاب وأنفع لمن قرأ هذه الأبواب، ولكني أعرف ملالة الناس للكتاب إذا طال. قال الشاعر «٣» يهجو من قراه لحم كلب: [من الطويل] فجاء بخرشاوي شعير عليهما ... كراديس من أوصال أعقد سافد «٤» فلم يرض أن جعله كلبا حتى جعله سافدا. فأما ابن الأعرابيّ فزعم أنّه إنما عنى تيسا. وقد أبطل، وعلى أنّ المعنى فيهما سواء.

стр. 1677

٢١٨٥-[أثر الخصاء في اللحم] قالوا: وإنما صار الخصيّ من كلّ جنس أسمن لأنّه لا يسفد ولا يهيج. ٢١٨٦-[السقنقور] قالوا «١» : والسقنقور إنما ينفع أكله إذا اصطادوه في أيام هيجه وسفاده؛ لأنّ العاجز عن النّساء يتعالج بأكل لحمه، فصار لحم الهائج أهيج له. ٢١٨٧-[أبو نواس والحرامي الكاتب] أقبل أبو نواس ومعه الحراميّ الكاتب، وكان أطيب الخلق، وقد كانا قبل ذلك قد نظرا إلى الفيلة فأبصرا غرمول فيل منها، وعلم الحراميّ أنّ غرمول الفيل يوصف بالجعبة، فوصف لنا غرموله، وأنشدنا فيه شعرا لنفسه: [من الرجز] كأنّه لمّا بدا للسّفد ... جعبة تركيّ عليها لبد قلنا له: أقويت واجتلبت ذكر اللّبد عن غير حاجة، قال: فإني قد قلت غير هذا. قلنا: فأنشدنا. فقال: [من الرجز] كأنه لمّا دنا للشدّ ... شمعة قيل لفّفت في لبد قلنا: فلا نرى لك بدّا من اللّبد على حال؟ قال: قال أبو نواس: فإني أقول عنك بيتين. قال: فهاتهما. فقال: [من الرجز] كأنه لما دنا للوثبه ... أيور أعيار جمعن ضربه قال الحرامي لأبي نواس: هبهما لي على أن لا تدّعيهما، فعسى أن أنتحلهما. قلت له: وما ترجو من هذا الضّرب من الأشعار؟ قال: قد رأيت غرموله، فما عذري عند الفيل إن لم أقل فيه شيئا. ٢١٨٨-[فهم الفيل الهندية] وحدّثني صديق لي قال: رأيت الفيّالين على ظهر فيل من هذه الفيلة، وأقبل صبيّ يريد السّنديّ الرّاكب، فكلّم الفيل بالهنديّة فوقف، ثم كلّمه فمدّ يده رافعها في الهواء حتى ركبها الغلام، ثم رفع يده حتى مدّ السنديّ يده، فأخذ بيد الصبيّ. ٢١٨٩-[أخلاف الحيوان وأطباؤه] وللبقر والجواميس أربعة أخلاف في مؤخّر بطونها، وللشاة خلفان، وللناقة

стр. 1678

أربعة في مؤخّر البطن. وللمرأة والرّجل والفيل ثديان في الصدر، وثدي الفيل يصغر جدّا إذا قرنته إلى بدنه. وللسّنّور ثمانية أطباء، وكذلك الكلبة في جميع بطونهما. والخنزيرة كثيرة الأطباء. وللفهدة في بطنها أربعة أطباء. وللّبؤة طبيان لا يصغران عن مقدار بدنها. والبقرة والأتان والرّمكة والحجر في ذلك سواء، إلّا أنها من الحافر أطباء، ومن الظّلف أخلاف. والسّباع في ذلك والحافر سواء. ٢١٩٠-[عضو الفيل] وقال صاحب المنطق: غرمول الفيل يصغر عن مقدار بدنه، وخصيته لاحقة بكليته لا ترى، ولذلك يكون سريع السّفاد. وزعم الهنديّ صاحب «كتاب الباه» أنّ أعظم الأيور أير الفيل، وأصغرها أير الظّبي. ٢١٩١-[الفيل في كتاب الحيوان] وما أعجب ما قرأت في كتاب الحيوان لصاحب المنطق، وجدته قد ذكر رأس الفيل وقصر عنقه، ولم يذكر انقلاب لسانه. وذلك أعجب ما فيه، ولم يذكر في كم يضع، ولا مقدار وزن أعظم الأنياب وكيف يخرج من بطن أمّه نابت الأسنان. ٢١٩٢-[خصائص الفيلة] والفيلة لا تلد التؤام. قال: وهي تفذّ وتفرد. قال: وقال بعض العلماء: لا يقال أفذّت ولا أفردت إلّا لما يجوز أن يتئم. قال: وأمراضها أقلّ من أمراض غيرها، إلّا أنّ النّفخ والرّياح يعرض لها كثيرا ويؤذيها أذى شديدا، وعامّة أمراضها من ذلك، حتى ربّما منعها البول وغير ذلك. قال: وإذا أكلت التّراب ضرّها ذلك، ولا سيّما إذا أكثرت منه فعاودته. ٢١٩٣-[علاج الفيلة] قال: وربّما ابتلعت منه الحجارة. قال: وإذا أصابها استطلاق سقيت الماء الحارّ وعلفت الحشيش المعسول. وإذا أتعبوها اعتراها السّهر، فتعالج عند ذلك بأن تدلك أكتافها بزيت وماء حار. قال: وبعضها يشرب الزّيت شربا ذريعا. ٢١٩٤-[تذليل الفيل] قال: وإذا تصعّب الفيل وكان في حدثان ما اقتطعوه من الوحش فإنهم ينزون عليه فيلا مثله، ويحتالون له في ذلك؛ فما أكثر ما يجدونه بعد ذلك قد لأن.

стр. 1679

قال: وهو مادام راكبه عليه فهو ألين من كلّ ذي أربع، وأحسن طاعة، ولكن لبعضها صعوبة عند نزوله عنه، فإذا شدّوا مقاديم قوائمها بالحبال شدّا قويّا لانت. قال: وهي على صعوبتها تأنس سريعا وتلقن سريعا، فأوّل ما يعلّم السّجود للملك، فإذا عرفه فكلما رآه سجد له. ٢١٩٥-[صدق حس الفيل] فأمّا صدق الحسّ فهو يفوق في ذلك جميع الحيوان، وهو والجمل سواء إذا علّما، لأنّ الأنثى إذا لقحت لم يعاوداها للضرّاب. فهذه فضيلة مذكورة في حسّ الجمل، وقد شاركه الفيل فيها وباينه في خصال أخر. ٢١٩٦-[بعض خصائص الفيل] وإناث الفيلة وذكورها متقاربة في السنّ، وكذلك النّساء والرّجال، وهو بحريّ الطّباع، ونشأ في الدّفاء، وهو أجرد الجلد، فلذلك يشتدّ جزعه من البرد. فإن كان أجرد الجلد، فما قولهم في أحاديثهم: طلبوا من الملك الفيل الأبيض والفيل الأبقع، وجاء فلان على الفيل الأسود. ٢١٩٧-[حقد الفيل] قال: وأخبرني رجل من البحريّين لم أر فيهم أقصد ولا أسدّ ولا أقلّ تكلّفا منه، قال: لم أجدهم يشكّون أنّ فيّالا ضرب فيلا فأوجعه فألحّ عليه، وأنّهم عند ذلك نهوه وخوّفوه وقالوا: لا تنم حيث ينالك؛ فإنه من الحيوان الذي يحقد ويطالب. ولمّا أراد ذلك السائس القائلة شدّه إلى أصل شجرة وأحكم وثاقه، ثم تنحّى عنه بمقدار ذراع ونام، ولذلك السائس جمّة. قال: فتناول الفيل بخرطومه غصنا كان مطروحا، فوطئ على طرفه حتى تشعّث، ثم أخذه بخرطومه، فوضع ذلك الطّرف على جمّة الهندي، ثم لواها بخرطومه، فلما ظنّ أنها قد تشبّكت به وانعقدت، جذب العود جذبة فإذا الهنديّ تحت قوائمه، فخبطه خبطة كانت نفسه فيها. فإن كان الحديث حقّا في أصل مخرجه فكفاك بالفيل معرفة ومكيدة. وإن كان باطلا فإنهم لم ينحلوا الفيل هذه النّحلة دون غيره من الدوابّ إلّا وفيه عندهم ما يحتمل ذلك ويليق به. ٢١٩٨-[طيب عرق الفيل] قال: والعرق الذي يسيل من جبهته في زمن من الزّمان يضارع المسك في طيبه، ولا يعرض له وهو في غير بلاده.

стр. 1680

٢١٩٩-[أثر المدن في روائح الأشياء] وقد علمنا أنّ لرائحة الطّيب فضيلة إذا كان بالمدينة، وأنّ الناس إذا وجدوا ريح النّوى المنقع بالعراق هربوا منه. وأشراف أهل المدينة ينتابون المواضع التي يكون فيها ذلك، التماسا لطيب تلك الرائحة. ويزعم تجّار التّبّت ممن قد دخل الصّين والزّابج «١» ، وقلّب تلك الجزائر، ونقّب في البلاد، أنّ كلّ من أقام بقصبة تبّت اعتراه سرور لا يدري ما سببه، ولا يزال مبتسما ضاحكا من غير عجب حتى يخرج منها. ويزعمون أنّ شيراز من بين قرى فارس، لها فغمة طيّبة. ومن مشى واختلف في طرقات مدينة الرّسول ﷺ ، وجد منها عرفا طيّبا وبنّة عجيبة لا تخفى على أحد، ولا يستطيع أن يسمّيها «٢» . ولو أدخلت كلّ غالية وكلّ عطر، من المعجونات وغير المعجونات، قصبة الأهواز أو قصبة أنطاكية لوجدته قد تغيّر وفسد، إذا أقام فيها الشّهرين والثّلاثة. ٢٢٠٠-[أثر بعض التمر في العرق] وأجمع أهل البحرين أنّ لهم تمرا يسمى النّابجيّ، وأنّ من فضخه وجعله نبيذا ثمّ شربه وعليه ثوب أبيض، صبغه عرقه، حتى كأنه ثوب أتحميّ «٣» . ٢٢٠١-[استعمال الفيلة] وزعم لي بعض البحريّين أنها بالهند تكون نقّالة وعوامل كعوامل البقر والإبل. والنّقالة التي تكون في الكلّاء «٤» والسّوق. وأنها تذلّ لذلك وتسامح وتطاوع، وأنّ لها غلّات من هذا الوجه. وزعم لي أنّ أحد هذه الفيلة التي رأيناها بسرّ من رأى، أنّه كان لقصّار بأرض سندان «٥» ، يحمل عليه الثّياب إلى الموضع الذي يغسلها فيه. ولا أعلمه إلا الفيل الذي بعث به ماهان أو زكريا بن عطية.

стр. 1681

٢٢٠٢-[العاج] قالوا: وعظام الفيل كلها عاج، إلّا أنّ جوهر النّاب أثمن وأكرم. وأكثر ما ترى من العاج الذي في القباب والحجال والفلك والمداهن إنما هو من عظام الفيل، يعرف ذلك بالرّزانة والملاسة. والعاج متجر كبير، ويتصرّف في وجوه كثيرة، ولولا قدره لما فخر الأحنف بن قيس فيما فخر به على أهل الكوفة، حيث قال: «نحن أكثر منكم عاجا وساجا، وديباجا، وخراجا» . ويقال إنّه من كلام خالد بن صفوان، ويقال إنه من كلام أبي بكر الهذلي. ٢٢٠٣-[موت الذباب] وإذا خفق بأذنه الفيل فأصاب ذبابا أو يعسوبا أو زنبورا لم يفلح. والفرس الكريم تقع الذّبابة على موقي عينيه، فيصفق «١» بأحد جفنيه، فتخرّ الذّبابة ميّتة. وقال ابن مقبل «٢» : [من الطويل] كأنّ اصطفاق مأقييه بطرفه ... صفاق أديم بالأديم يقابله ويصيح الحمار فتصعق منه الذبابة فتموت. قال العبشميّ: [من الرجز] من الحمير صعقا ذبّانه ... بكلّ ميثاء كتغريد المغنّ وقال عقبة بن مكدّم التّغلبي: [من الخفيف] وترى طرفها حديدا بعيدا ... أعوجيّا يطنّ رأس الذّباب وقال ابن مقبل «٣» : [من الطويل] ترى النّعرات الخضر تحت لبانه ... فرادى وشتّى أصعقتها صواهله «٤» وأنشد في غير هذا الباب «٥» : [من الطويل]

стр. 1682

وإنّي لقاض بين شيبان وائل ... ويشكر، إنّي بالقضاء بصير وجدنا بني شيبان خرطوم وائل ... ويشكر خنزير أدنّ قصير «١» وليس هذا موضع هذين البيتين. وأنشد «٢» : [من الكامل] أمسى المضاء ورهطه في غبطة ... ليسوا كما كان المضاء يقول لا تخرأ الذّبان فوق رؤوسهم ... فاليوم تخرأ فوقها وتبول ٢٢٠٤-[قول زياد في بناء داره] أبو الحسن قال: قال زياد ودخل داره، وكان بناها له فيل مولاه، فلم يرض بناءها، فقال: ادعوا لي فيلا. فلم يجدوه. فقال: ليتها في بطن فيل، وفيل في البحر. ٢٢٠٤-[قصة فيل مولى زياد] وكان فيل مولى زياد شديد اللّكنة، وأهدى بعضهم إلى زياد حمار وحش، فقال فيل «٣» : أصلح الله الأمير، قد أهدوا لنا همار وهش! فقال: أيّ شيء تقول ويلك؟ قال: أهدوا لنا أيرا. يريد عيرا فقال زياد: الأوّل أمثل. ٢٢٠٦-[العيثوم] وكان أبو مالك يقول: العيثوم الفيل الأنثى. وذهب إلى قول الشاعر «٤» : [من الكامل] وطئت عليك بخفّها العيثوم ويدلّ قول علقمة بن عبدة على أنّ العيثوم من صفات الفيل العظيم الضّخم. وقال «٥» : [من البسيط]

стр. 1683

تتبع جونا إذا ما هيّجت زجلت ... كأنّ دفّا على العلياء مهزوم إذا تزغّم من حافاتها ربع ... حنّت شعاميم من أوساطها كوم» يهدي بها أسجح الخدّين مختبر ... من الجمال شديد الخلق عيثوم «٢» ٢٢٠٧-[ضرب المثل ببعد ما بين الجنسين] وقد أكثروا في ضرب المثل ببعد ما بين الجنسين. وقال عبد الرحمن بن الحكم «٣» : [من الوافر] أتغضب أن يقال أبوك عفّ ... وترضى أن يقال أبوك زاني وأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان فجعل معاوية من نسل الفيل لشرفه، وجعل زيادا من نسل الحمار لضعته ولعمري لقد باعد؛ لأنّ الغنم وإن كانت من النعم من ذوات الجرّة والكروش فإنّ ما بين الغنم والإبل بعيد. وكذلك قول الكميت «٤» : [من الوافر] وما خلت الضّباب معطّفات ... على الحيتان من شبه الحسول قال: فهذا أبعد وأبعد، لأنه وإن ذهب إلى أنّ ولد نزار عرب فهم في معنى الضّباب وساكني الصّحارى، وأولئك عجم، فجعلهم كالسّمك الذي يعيش في الماء. ألا ترى أنّ معاوية بن أبي سفيان بن يزيد بن معاوية، لمّا قتلته ضبّة دسّت في استه سمكة. قال جرير «٥» : [من البسيط] ما بين تيم وإسماعيل من نسب ... إلّا قرابة بين الزّنج والرّوم فقال قطرب: الصّقالبة أبعد. قيل له: إنّ جريرا لا يفصل بين الصّقالبة والرّوم.

стр. 1684

وعلى معنى الكميت قال الآخر «١» : «حتى يؤلف بين الضّبّ والنّون» وتقول العرب «٢» : «لا يكون ذاك حتى يجمع بين الأروى والنّعام» لأنّ الأروى جبليّة والنّعام سهلية. وقد قال الكميت «٣» : [من الوافر] يؤلّف بين ضفدعة وضبّ ... ويعجب أن نبرّ بني أبينا وهذا هو معناه الأوّل. وأبعد من هذا قول الشاعر «٤» : حتّى يؤلّف بين الثّلج والنّار ٢٢٠٨-[قصة الجارية وأمها] وقال أبو الحسن المدائني: قال أبو دهمان الغلّابي عن الوقّاصي. قال وحدثني بذلك الغيداقيّ عن الوقّاصي قال: قالت جارية لأمّها ليلة زفافها: يا أمّه، إن كان أير زوجي مثل أير الفيل كيف أحتال حتى أنتفع به؟ قال: فقالت الأم: أي بنيّة قد سألت عن هذه المسألة أمي فذكرت أنّها سألت عنها أمّها فقالت: لا يجوز إلا أن يجعلك الله مثل امرأة الفيل. قال: فسكتت حولا ثم قالت لأمّها يا أمّه، فإنّي إن سألت ربّي أن يجعلني مثل امرأة الفيل أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت: يا بنيّة، قد سألت عن هذه المسألة أمّي فذكرت أنها سألت عنها أمّها فقالت: لا يجوز ذلك إلا أن يجعل الله جميع نساء الرّجال مثل نساء الفيلة. قال: فسكتت عنها حولا ثم قالت: فإن سألت ربّي أن يجعل نساء جميع الرّجال مثل نساء الفيلة أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت: يا بنيّة، قد سألت عن مثل هذه أمّي فذكرت أنها سألت أمّها عنها فقالت: لا يجوز ذلك إلا أن يجعل الله جميع رجال النساء مثل رجال نساء الفيلة. قال: فسكتت عنها حولا ثم قالت فإن سألت ربّي أن يجعل جميع رجال النساء مثل جميع رجال نساء الفيلة أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قال: يا بنيّة، قد سألت عن هذه المسألة أمّي فذكرت أنّها قد سألت أمّها عنها، وأنّها قالت: يا بنيّة، إنّ الله إن جعل جميع

стр. 1685

النّاس فيلة لم تجد امرأة الفيل مع عظم بدنها من اللّذة إلا مثل ما تجدين أنت اليوم مع زوجك من اللذّة، ثم تذهب عنك لذّة الشّمّ والتّقبيل والضمّ والتقليب، والعطر والصّبغ، والحلي والمشطة والعتاب والتفدية وجميع ما لك اليوم. قال: فسكتت حولا ثم قالت: يا أمّه، إن سألت ربّي أن يجعل أير الفيل أعظم أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت الأمّ: أي بنيّة، قد سألت عن هذه المسألة أمّي فذكرت أنها سألت عنها أمّها، وأنها قالت: أي بنيّة، إنّ الله إن جعل أير الفيل أعظم، جعل حر امرأة الفيل أوسع وأعظم، فيعود الأمر كلّه إلى الأمر الأول. قال: فسكتت عنها حولا ثم قالت: يا أمّه، فإن سألت ربّي أن يجعل أير الفيل أشدّ غلمة فيصير عدد أكوامه أكثر أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت: أي بنية، قد سألت عن هذه المسألة أمّي فذكرت أنها سألت أمّها عنها، وأنها قالت: أي بنية سلي الله أن يجعل زوجك أشدّ غلمة مما هو عليه، ولكن لا تسأليه ذلك حتى تسأليه أن يزيدك في غلمتك. قالت: يا أمّه، فإن سألت ربّي أن يجعله في غلمة التيس أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت: أي بنيّة، قد سألت عن مثل هذه المسألة أمّي فذكرت أنها سألت عنها أمّها، وأنها قالت: لا يجوز أن يجعله في غلمة التّيس حتى يجعله تيسا، قالت: يا أمّه فإن سألت ربّي أن يجعله تيسا أتطمعين في ذلك. قالت: أي بنيّة، إنه لا يجعله تيسا حتى يجعلك عنزا. قال: أي أمّه، فإن سألته أن يجعله تيسا ويجعلني عنزا أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت: أي بنيّة قد سألت عن هذه المسألة أمّي فذكرت أنها زارت أمّها لتسألها عن هذه المسألة فوجدتها في آخر يوم من الدّنيا وأوّل يوم من الآخرة، وما أشكّ أن يومي قد دنا. فلم تلبث الأمّ إلا أياما حتى ماتت. معناها في تسويف اللذة ودفعها بالحيلة.
следующие страницы →