Полный текст (2 028 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
٢٠٦-[تأويل رؤيا الكلب]
وقال ابن سيرين: الكلب في النوم رجل فاحش، فإن كان أسود فهو عربيّ، وإن كان أبقع فهو عجميّ «١» .
وقال الأصمعيّ عن حمّاد بن سلمة عن ابن أخت أبي بلال مرداس بن أديّة قال:
رأيت أبا بلال في النوم كلبا تذرف عيناه، وقال: إنّا حوّلنا بعدكم كلابا من كلاب النار.
قال «٢» : ولمّا خرج شمر بن ذي الجوشن الضّبابي لقتال الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما، فرأى الحسين فيما يرى النائم أنّ كلبا أبقع يلغ في دمائهم، فأوّل ذلك أن يقتلهم شمر بن ذي الجوشن. وكان منسلخا برصا.
قال: والمسلمون كلّهم يسمّون الخوارج: كلاب النار.
٢٠٧-[شعر في تشبيه الفرس بضروب من الحيوان ليس بينها الكلب]
وقال صاحب الديك: صاحب الكلب يصفه بالسّرعة في الحضر، وبالصّبر على طول العدو، وبسعة الإهاب، وأنّه إذا عدا ضبع وبسط يديه ورجليه حتى يمسّ قصصه الأرض، وحتى يشرط أذنيه بشبا «٣» أظفاره، وأنّه لا يحتشي ريحا مع ما يصيب الكلاب من اللهث. فإن كان كما تقولون فلم وصفت الشعراء الفرس وشبّهته بضروب من الخلق، وكذلك الأعضاء وغير ذلك من أمره، وتركوا الكلب في المنسأ لا يلتفت أحد لفته؟! وقال أبو دؤاد الإياديّ في ذلك: [من الخفيف]
عن لسان كجثّة الورل الأح ... مرمجّ النّدى عليه العرار «٤»
ولم يذكره في شيء. وقال خالد بن عجرة الكلابي: [من الوافر]
كأن لسانه ورل عليه ... بدار مضية مج العرار «٥»
стр. 177
وقال امرؤ القيس: [من الطويل]
وخدّ أسيل كالمسنّ وبركة ... كجؤجؤ هيق دفّه قد تموّرا
ولم يذكره في شيء. وقال عقبة بن سابق: [من الهزج]
عريض الخدّ والجب ... هة والصّهوة والجنب «١»
ولم يذكره في شيء. وقال امرؤ القيس: [من الطويل]
وسامعتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال عقبة بن سابق: [من الخفيف]
ولها بركة كجؤجؤ هيق ... ولبان مضرّج بالخضاب
ولم يذكره في شيء. وقال خفاف بن ندبة: [من السريع]
عبل الذّراعين سليم الشّظا ... كالسّيد يوم القرّة الصارد «٢»
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال امرؤ القيس: [من الطويل]
سليم الشّظا عبل الشّوى شنج النّسا ... أقبّ كتيس الحلّب الغذوان «٣»
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال عقبة بن سابق: [من الهزج]
وأرساغ كأعناق ... ظباء أربع غلب «٤»
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال الجعديّ: [من المتقارب]
كأن تماثيل أرساغه ... رقاب وعول لدى مشرب «٥»
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال امرؤ القيس: [من المتقارب]
لها متنتان خظاتا كما ... أكبّ على ساعديه النّمر «٦»
стр. 178
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال أبو دؤاد: [من مجزوء الكامل]
يمشي كمشي نعامتين ... تتابعان أشقّ شاخص «١»
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال ابن الصّعق: [من مجزوء الكامل]
بمحنّب مثل العقا ... ب تخاله للضّمر قدحا «٢»
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال ربيعة بن جشم النمري، ويروى لامرئ القيس: [من المتقارب]
وساقان كعباهما أصمعا ... ن لحم حماتيهما منبتر «٣»
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاري: [من المتقارب]
كأنّ حماتيهما أرنبان ... تقبّضتا خيفة الأجدل «٤»
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال خالد بن عبد الرحمن في مثل ذلك: [من الوافر]
كأنّ حماتها كردوس فحل ... مقلّصة على ساقي ظليم «٥»
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال الأعشى: [من الكامل]
أمّا إذا استقبلته فكأنّه ... جذع سما فوق النّخيل مشذّب «٦»
وإذا تصفّحه الفوارس معرضا ... فتقول سرحان الغضا المتصوّب
أما إذا استدبرته فتسوقه ... ساق يقمّصها وظيف أحدب
منه وجاعرة كأنّ حماتها ... لما كشفت الجلّ عنه أرنب
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال الأسعر الجعفي: [من الكامل]
أما إذا استقبلته فكأنّه ... باز يكفكف أن يطير وقد رأى «٧»
стр. 179
أما إذا استعرضته متمطّرا ... فتقول هذا مثل سرحان الغضا
أمّا إذا استدبرته فتسوقه ... ساق قموص الوقع عارية النّسا
ولم يذكره في شيء. وقال أبو داؤد: [من الكامل]
كالسّيد ما استقبلته وإذا ... ولّى تقول ململم ضرب «١»
لأم إذا استعرضته ومشى ... متتابعا ما خانه عقب
يمشي كمشي نعامة تبعت ... أخرى إذا هي راعها خطب
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال امرؤ القيس: [من الطويل]
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل «٢»
ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال ابن سنان العبديّ: [من الكامل]
أما إذا ما أقبلت فمطارة ... كالجذع شذّبه نفيّ المنجل
أما إذا ما أعرضت فنبيلة ... ضخم مكان حزامها والمركل
أما إذا تشتدّ فهي نعامة ... تنفي سنابكها صلاب الجندل
٢٠٨-[قول أبي عبيدة في تشبيه الفرس بضروب من الحيوان]
قال أبو عبيدة: ومما يشبه خلقه من خلق النعامة طول وظيفها وقصر ساقيها وعري نسييها. وممّا يشبه من خلقه خلق الأرنب صغر كعبيها. وممّا يشبه من خلقه خلق الحمار الوحشيّ غلظ لحمه، وظمأ فصوصه وسراته، وتمحص عصبه، وتمكّن أرساغه، وعرض صهوته.
قال صاحب الكلب: قد قال أبو عبيدة: إنّ مما يشبه من خلقه خلق الكلب هرت شدقه، وطول لسانه، وكثرة ريقه، وانحدار قصّه «٣» ، وسبوغ ضلوعه، وطول ذراعيه، ورحب جلده، ولحوق بطنه. وقال طفيل الغنويّ، يصف الخيل: [من الطويل]
تباري مراخيها الزّجاج كأنّها ... ضراء أحسّت نبأة من مكلّب «٤»
стр. 180
وقال طفيل أيضا: [من الطويل]
كأنّ على أعطافه ثوب مائح ... وإن يلق كلب بين لحييه يذهب «١»
وقال صاحب الديك: وأين يقع البيت والبيتان والثلاثة، من جميع أشعار العرب؟! وقال صاحب الكلب: لعلّنا إن تتبّعنا ذلك وجدناه كثيرا، ولكنك تقدّمت في أمر ولم تشعر بالذي تعني، فنلتقط من الجميع أكثر مما التقطت. والإنسان شريف الأعضاء وقد تشبه مواضع منه مواضع من الفرس العتيق. وما حضرنا من الأشعار إلّا قوله: [من مجزوء الكامل]
وترى الكميت أمامه ... وكأنّه رجل مغاضب
وقال الشاعر في ذلك: [من الكامل]
خوص تراح إلى الصراخ إذا غدت ... فعل الضّراء تراح للكلّاب «٢»
وقد شبهوا بالكلب كلّ شيء وكان اسم فرس عامر بن الطفيل، الكلب، والمزنوق، والورد.
٢٠٩-[شعر في وصف الناقة]
قال صاحب الديك: قد قال أوس بن حجر، ووصف الناقة ونشاطها والذي يهيجها فقال: [من البسيط]
كأنّ هرّا جنيبا عند مغرضها ... والتفّ ديك برجليها وخنزير «٣»
فهلّا قال: والتف كلب كما قال: والتفّ ديك!! وقال أبو حيّة «٤» : [من الكامل]
وتزاورت عنه كأن بدفّها ... هرّا ينشّب ضبعها بالأظفر
وقال الأعشى: [من الكامل]
بجلالة سرح كأنّ بدفّها ... هرّا إذا انتعل المطيّ ظلالها «٥»
стр. 181
وقال عنترة بن شدّاد العبسي: [من الكامل]
وكأنّما ينأى بجانب دفّها ال ... وحشيّ من هزج العشيّ مؤوّم «١»
هرّ جنيب كلّما عطفت له ... غضبى اتقاها باليدين وبالفم
وقال المثقّب العبديّ: [من الوافر]
فسلّ الهمّ عنك بذات لوث ... عذافرة كمطرقة القيون «٢»
بصادقة الوجيف كأنّ هرّا ... يباريها ويأخذ بالوضين
قال صاحب الكلب: إنما يذكرون في هذا الباب السّباع المنعوتة بالمخالب وطول الأظفار، كما ذكر الهرّ وابن آوى. والكلب ليس يوصف بالمخالب، وليس أنّ الهر أقوى منه. ألا ترى أوس بن حجر قال في ذلك: [من البسيط]
كأنّ هرّا جنيبا عند مغرضها «٣»
فذكر الموضع الذي يوصف بالخلب والخدش والخمش والتظفير، فلما أراد أن يفزّعها ويثوّرها حتى تذهب جافلة في وجهها، أو نادّة، أو كأنّها مجنونة من حاق المرح والنشاط قال: [من البسيط]
والتفّ ديك برجليها وخنزير «٤»
وقال أبو النجم: [من الرجز]
لو جرّ شنّ وسطها لم تحفل ... من شهوة الماء ورزّ معضل «٥»
ولو قال أوس:
والتفّ شنّ برجليها وخنزير
لكان جائزا، لولا يبس الشنّ وقحوله، وأنّه ليس مما يلتوي على رجليها. وقال آخر: [من الطويل]
كأنّ ابن آوى موثق تحت غرزها ... إذا هو لم يكلم بنابيه ظفّرا
стр. 182
٢١٠-[الرجوع في الهبة]
وقال صاحب الديك: حديث عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمر وعبد الله ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يحلّ لرجل أن يعطي عطيّة ويرجع فيها، إلّا الوالد فيما يعطي ولده. ومثل الذي يعطي العطيّة ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل، حتى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه» «١» .
وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يرجع في هبته إلّا الوالد من ولده. والعائد في هبته كالعائد في قيئه» .
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر، أنّ أبا بكر أمر بقتل الكلب. قال عبد الله بن جعفر: وكانت أمّي تحت أبي بكر، وكان جرو لي تحت سريره فقلت له: يا أبت، وكلبي أيضا؟ فقال: لا تقتلوا كلب ابني، ثمّ أشار بإصبعه إلى الكلب- أي خذوه من تحت السرير- وأنا لا أدري، فقتل.
وإسماعيل بن أميّة قال: أمّتان من الجنّ مسختا، وهما الكلاب والحيّات.
ابن المبارك قال: إذا عرف الرجل قدر نفسه صار عند نفسه أذلّ من الكلب.
٢١١-[لؤم الكلب]
قال صاحب الديك- وذكر الكلب فقال-: من لؤمه أنّه إذا أسمنته أكلك «٢» ، وإن أجعته أنكرك. ومن لؤمه اتّباعه لمن أهانه، وإلفه لمن أجاعه؛ لأنه أجهل من أن يأنس بما يؤنس به وأشره وأنهم وأحرص وألجّ من أن يذهب بمطمعته ما يذهب بمطامع السباع.
ومن جهله أيضا أنّا لم نجده يحرس المحسنين إليه بنباحه، وأربابه الذين ربّوه وتبنّوه إلا كحراسته لمن عرفه ساعة واحدة، بل لمن أذلّه وأجاعه وأعطشه.
بل ليس ذلك منه حراسة، وإنّما هو فيه من فضل البذاء أو الفحش، وشدّة التحرّش والتسرّع. وقد قال الشاعر في ذلك: [من الرجز]
إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت العين من غير عور «٣»
стр. 183
أبذى إذا بوذيت من كلب ذكر ... أسود قزّاح يعوّي في السّحر
وإنّما ذلك شكل من شكل الجبن، وكالذي يعتري نساء السّفلة من الصخب.
٢١٢-[جبن الكلب]
والكلب جبان وفيه جرأة ولؤم. ولو كان شجاعا وفيه بعض التهيّب كان أمثل.
ومن فرط الجبن أنّه يفزع من كلّ شيء وينبحه.
والبرذون ربّما رمح البرذون مبتدئا، وقلق وصهل صهيلا في اختلاط، وليس ذلك من فضل قوّة يجدها في نفسه على المرموح، ولكنّه يكون جبانا، فإذا رأى البرذون الذي يظنّ أنّه يعجز عنه أراه الجبن أنّه واقع به، فعندها يقلق وإذا قلق رمح.
وهذه العلّة تعرض للمجنون؛ فإنّ المجنون الذي تستولي عليه السّوداء، ربما وثب على من لا يعرفه. وليس ذلك إلّا لأنّ المرّة أو همته أنّه يريده بسوء، وأنّ الرأي أن يبدأه بالضرب. وعلى مثل ذلك يرمي بنفسه في الماء والنار.
٢١٣-[نفي اللحن عن النظام]
فأمّا الذي شهدت أنا من أبي إسحاق بن سيّار النظّام، فإنّا خرجنا ليلة في بعض طرقات الأبلّة، وتقدّمته شيئا، وألح عليه كلب من شكل كلاب الرّعاء، وكره أن يعدو فيغريه ويضرّيه «١» ، وأنف أيضا من ذلك- وكان أنفا شديد الشّكيمة أبّاء للهضيمة- وكره أن يجلس مخافة أن يشغر عليه أو لعلّه أن يعضّه فيهرت ثوبه، وألحّ عليه فلم ينله بسوء. فلمّا جزنا حدّه وتخلّصنا منه، قال إبراهيم في كلام له كثير، يعدّد خصاله المذمومة، فكان آخر كلامه أن قال: إن كنت سبع فاذهب مع السّباع، وعليك بالبراري والغياض، وإن كنت بهيمة فاسكت عنّا سكوت البهائم! ولا تنكر قولي وحياتي عنه بقول ملحون. من قولي: «إن كنت سبع» ولم أقل «إن كنت سبعا» !
٢١٤-[الإعراب واللحن]
وأنا أقول: إنّ الإعراب يفسد نوادر المولّدين، كما أنّ اللحن يفسد كلام الأعراب «٢» ؛ لأنّ سامع ذلك الكلام إنّما أعجبته تلك الصورة وذلك المخرج، وتلك
стр. 184
اللغة وتلك العادة؛ فإذا دخلت على هذا الأمر- الذي إنما أضحك بسخفه وبعض كلام العجميّة التي فيه- حروف الإعراب والتحقيق والتثقيل وحوّلته إلى صورة ألفاظ الأعراب الفصحاء، وأهل المروءة والنجابة انقلب المعنى مع انقلاب نظمه، وتبدّلت صورته.
٢١٤-[عود إلى الحديث عن الكلب]
ثم قال أبو إسحاق: إن أطعمه اللصّ بالنهار كسرة خبز خلّاه، ودار حوله ليلا.
فهو في هذا الوجه مرتش وآكل سحت «١» ؛ وهو مع ذلك أسمج الخلق صوتا، وأحمق الخلق يقظة ونوما، وينام النّهار كله على نفس الجادّة، وعلى مدقّ الحوافر، وفي كل سوق وملتقى طريق، وعلى سبيل الحمولة وقد سهر الليل كله بالصياح والصّخب، والنّصب والتّعب، والغيظ والغضب، وبالمجيء والذّهاب، فيركبه من حبّ النوم على حسب حاجته إليه، فإن وطئته دابّة فأسوأ الخلق جزعا وألأمه لؤما، وأكثره نباحا وعواء، فإن سلم ولم تطأه دابّة ولا وطئه إنسان، فليست تتمّ له السلامة؛ لأنّه في حال متوقّع للبليّة. ومتوقّع البليّة في بليّة. فإن لم يسلم فليس على ظهرها مبتلى أسوأ حالا منه؛ لأنّه أسوؤهم جزعا، وأقلّهم صبرا، ولأنّه الجاني ذلك على نفسه، وقد كانت الطّرق الخالية له معرضة، وأصول الحيطان مباحة.
وبعد فإنّ كلّ خلق فارق أخلاق النّاس فإنّه مذموم. والناس ينامون بالليل الذي جعله الله تعالى سكنا، وينتشرون بالنّهار الذي جعله الله تعالى لحاجات الناس مسرحا.
قال صاحب الكلب: لو شئنا أن نقول: إنّ سهره بالليل ونومه بالنهار خصلة ملوكيّة لقلنا، ولو كان خلاف ذلك ألذّ لكانت الملوك بذلك أولى. وأمّا الذي أشرتم به من النوم في الطرق الخالية، وعبتموه به من نومه على شارعات الطّرق والسّكك العامرة وفي الأسواق الجامعة، فكلّ امرئ أعلم بشأنه. ولولا أنّ الكلب يعلم ما يلقى من الأحداث والسّفهاء وصبيان الكتّاب، من رضّ عظامه بألواحهم إذا وجدوه نائما في طريق خال ليس بحضرته رجال يهابون، ومشيخة يرحمون ويزجرون السفهاء، وأنّ ذلك لا يعتريه في مجامع الأسواق- لقلّ خلافه عليك، ولما رقد في الأسواق. وعلى أنّ هذا الخلق إنّما يعتري كلاب الحرّاس، وهي التي في الأسواق مأواها ومنازلها.
стр. 185
وبعد فمن أخطأ وأظلم ممّن يكلّف السباع أخلاق الناس وعادات البهائم!! وقد علمنا أنّ سباع الأرض عن آخرها إنّما تهيج وتسرح وتلتمس المعيشة وتتلاقى على السفاد والعظال ليلا؛ لأنها تبصر بالليل.
٢١٥-[سبب اختيار الليل للنوم]
وإنما نام الناس بالليل عن حوائجهم، لأنّ التمييز والتفصيل والتبيّن لا يمكنهم إلّا نهارا، وليس للمتعب المتحرّك بدّ من سكون يكون جماما له. ولولا صرفهم التماس الجمام إلى الوقت الذي لو لم يناموا فيه والوقت مانع من التمييز والتبيّن، لكانت الطبائع تنتقض. فجعلوا النّوم بالليل لضربين: أحدهما لأنّ الليل إذ كان من طبعه البرد والرّكود والخثورة، كان ذلك أنزع إلى النوم وما دعا إليه، لأنّه من شكله.
وأمّا الوجه الآخر فلأنّ الليل موحش مخوف الجوانب من الهوامّ والسباع، ولأنّ الأشياء المبتاعة والحاجات إلى تمييز الدنانير، والدراهم، والحبوب، والبزور، والجواهر، وأخلاط العطر، والبربهار «١» وما لا يحصى عدده، فقادتهم طبائعهم وساقتهم غرائزهم إلى وضع النوم في موضعه، والانتشار والتصرف في موضعه على ما قدّر الله تعالى من ذلك وأحبّه. وأمّا السباع فإنها تتصرّف وتبصر بالليل، ولها أيضا علل أخرى يطول ذكرها.
٢١٦-[نوم الملوك]
وأمّا ما ذكرتموه من نوم الملوك بالنّهار وسهرهم بالليل، فإنّ الملوك لم تجهل فضل النوم بالليل والحركة بالنهار، ولكنّ الملوك لكثرة أشغالها فضلت حوائجها عن مقدار النهار ولم يتّسع لها، فلما استعانت بالليل ولم يكن لها بدّ من الخلوة بالتدبير المكتوم والسرّ المخزون، وجمعت المقدار الفاضل عن اتّساع النهار إلى المقدار الذي لا بدّ للخلوة بالأسرار منه؛ أخذت من الليل صدرا صالحا. فلمّا طال ذلك عليها أعانها المران، وخفّ ذلك عليها بالدّربة.
وناس منهم ذهبوا إلى التناول من الشراب وإلى أن سماع الصوت الحسن مما يزيد في المنّة «٢» ، ويكون مادّة للقوة. وعلموا أنّ العوامّ إذا كانت لا تتناول الشّراب
стр. 186
ولا تتكلّف السماع على هذا المعنى، أن ظنّها سيسوء، وقولها سيكثر؛ فرأوا أنّ الليل أستر وأجدر أن يتمّ به التدبير، وقال الراجز: [من الرجز]
اللّيل أخفى والنّهار أفضح «١»
وقالوا في المثل: «اللّيل أخفى للويل» «٢» .
٢١٧-[تلهي المحزون بالسماع]
وما زالت ملوك العجم تلهّي المحزون بالسماع، وتعلّل المريض، وتشغله عن التفكير، حتّى أخذت ذلك ملوك العرب عن ملوك العجم. ولذلك قال ابن عسلة الشيباني: [من الكامل]
وسماع مدجنة تعلّلنا ... حتّى ننام تنام تناوم العجم «٣»
فصحوت والنّمريّ يحسبها ... عمّ السّماك وخالة النّجم
النجم: واحد وجمع، وإنّما يعني في البيت الثريّا. ومدجنة: يعني سحابة دائمة.
٢١٨-[قول أم تأبط شرا في ولدها]
وفيما يحكى عن امرأة من عقلاء نساء العرب- وإذا كان نساء العرب في الجملة أعقل من رجال العجم، فما ظنّك بالمرأة منهم إذا كانت مقدّمة فيهم- فرووا جميعا أنّ أمّ تأبّط شرّا قالت: «والله ما ولدته يتنا، ولا سقيته غيلا ولا أبتّه على مأقة» «٤» .
فأمّا اليتن فخروج رجل المولود قبل رأسه، وذلك علامة سوء، ودليل على الفساد. وأما سقي الغيل، فارتضاع لبن الحبلى، وذلك فساد شديد.
стр. 187
٢١٩-[ما ينبغي للأم في سياسة رضيعها حين بكائه]
وأما قولها في المأقة، فإنّ الصبيّ يبكي بكاء شديدا متعبا موجعا، فإذا كانت الأمّ جاهلة حرّكته في المهد حركة تورثه الدّوار، أو نوّمته بأن تضرب يدها على جنبه. ومتى نام الصبيّ وتلك الفزعة أو اللّوعة أو المكروه قائم في جوفه، ولم يعلّل ببعض ما يلهيه ويضحكه ويسرّه، حتى يكون نومه على سرور، فيسري فيه ويعمل في طباعه، ولا يكون نومه على فزع أو غيظ أو غمّ؛ فإنّ ذلك ممّا يعمل في الفساد.
والأمّ الجاهلة والمرقّصة الخرقاء، إذا لم تعرف فرق ما بين هاتين الحالتين، كثر منها ذلك الفساد، وترادف، وأعان الثاني الأوّل والثالث الثاني حتّى يخرج الصبيّ مائقا.
وفي المثل: «صاحبي مئق وأنا تئق» «١» ، يضرب هذا المثل للمسافر الأحمق الرّفيق والزّميل، وقد استفرغه الضّجر لطول السفر فقلبه ملآن، فأوّل شيء يكون في ذلك المئق من المكروه لم يحتمله بل يفيض ضجره عليه، لامتلائه من طول ما قاسى من مكروه السفر.
٢٢٠-[القول في الصوت]
فاحتاج حذّاق الملوك وأصحاب العنايات التامّة، أن يداووا أنفسهم بالسماع الحسن، ويشدّوا من متنهم بالشراب، الذي إذا وقع في الجوف حرّك الدّم، وإذا حرك الدّم حرّك طباع السرور، ثمّ لا يزال زائدا في مكيال الدم، زائدا في الحركة المولّدة للسرور. هذه صفة الملوك. وعليه بنوا أمرهم، جهل ذلك من جهله، وعلمه من علمه.
وقال صاحب الكلب: أمّا تركه الاعتراض على اللّصّ الذي أطعمه أيّاما وأحسن إليه مرارا، فإنّما وجب عليه حفظ أهله لإحسانهم إليه، وتعاهدهم له. فإذا كان عهده ببرّ اللص أحدث من عهده ببرّ أهله، لم يكلّف الكلب النظر في العواقب، وموازنة الأمور. والذي أضمر اللصّ من البيات غيب قد ستر عنه؛ وهو لا يدري أجاء ليأخذ أم جاء ليعطي، أو هم أمروه أو هو المتكلّف لذلك؛ ولعلّ أهله أيضا أن يكونوا قد استحقّوا ذلك منه بالضّرب والإجاعة، وبالسبّ والإهانة.
وأمّا سماجة الصّوت فالبغل أسمج صوتا منه، كذلك الطاووس على أنّهم يتشاءمون به. وليس الصّوت الحسن إلّا لأصناف الحمام من القماريّ والدّباسيّ،
стр. 188
وأصناف الشّفانين والوراشين. فأمّا الأسد والذئب؛ وابن آوى والخنزير، وجميع الطير والسباع والبهائم فكذلك. وإنّما لك أن تذمّ الكلب في الشيء الذي لا يعمّ. والناس يقولون: ليس في الناس شيء أقلّ من ثلاثة أصناف: البيان الحسن، والصوت الحسن، والصورة الحسنة؛ ثمّ النّاس بعد مختلطون ممتزجون. وربّما كان من الناس بل كثيرا ما تجده وصوته أقبح من صوت الكلب، فلم تخصّون الكلب بشيء عامّة الخلق فيه أسوأ حالا من الكلب؟! وأما عواؤه من وطء الدّابّة وسوء جزعه من ضرب الصّبيان، فجزع الفرس من وقع عذبة السّوط، أسوأ من جزعه من وقع حافر برذون. وهو في هذا الموضع للفرس أشدّ مناسبة منه للحمار.
على أنّ الدّيك لا يذكر بصبر ولا جزع.
٢٢١-[نوادر ديسيموس اليوناني]
قال صاحب الديك: حدّثني العتبي قال: كان في اليونانيّين ممرور له نوادر عجيبة، وكان يسمّى ديسيموس «١» ، قال: والحكماء يروون له أكثر من ثمانين نادرة ما منها إلّا وهي غرّة؛ وعين من عيون النوادر: فمنها أنّه كان كلّما خرج من بيته مع الفجر إلى شاطئ الفرات للغائط والطهور، ألقى في أصل باب داره وفي دوّارته حجرا، كي لا ينصفق الباب، فيحتاج إلى معالجة فتحه، وإلى دفعه كلّما رجع من حاجته، فكان كلّما رجع لم يجد الحجر في موضعه، ووجد الباب منصفقا. فكمن له في بعض الأيّام ليرى هذا الذي يصنع ما يصنع. فبينا هو في انتظاره إذ أقبل رجل حتّى تناول الحجر، فلمّا نحّاه عن مكانه انصفق الباب، فقال له: ما لك ولهذا الحجر؟ وما لك تأخذه؟ فقال لم أعلم أنّه لك. قال: فقد علمت أنّه ليس لك! قال: وقال بعضهم: ما بال ديسيموس يعلّم الناس الشّعر ولا يقول الشعر؟ قال:
ديسيموس كالمسنّ الذي يشحذ ولا يقطع.
ورآه رجل يأكل في السّوق فقال: أتأكل في السوق؟ فقال: إذا جاع ديسيموس في السّوق أكل من السوق.
قال: وأسمعه رجل كلاما غليظا وسطا عليه، وفحش في القول، وتحلّم عنه فلم يجبه، فقيل له: ما منعك من مكافأته وهو لك معرض؟ قال: أرأيت لو رمحك حمار
стр. 189
أكنت ترمحه؟ قال: لا. قال: فإن ينبح عليك كلب تنبح عليه؟ قال: لا، قال: فإنّ السفيه إمّا أن يكون حمارا، وإما أن يكون كلبا؛ لأنّه لا يخلو من شرارة تكون فيه أو جهل، وما أكثر ما يجتمعان فيه.
٢٢٢-[أمثال أخرى في الكلب]
وقال صاحب الديك: يقال للسفيه إنّما هو كلب، وإنّما أنت كلب نبّاح، وما زال ينبح علينا منذ اليوم، وكلب من هذا؟ ويا كلب ابن الكلب، وأخسأ كلبا.
وقالوا في المثل: «احتاج إلى الصّوف من جزّ كلبه» «١» ، و «أجع كلبك يتبعك» «٢» ، و «أحبّ شيء إلى الكلب خانقه» «٣» ، و «سمّن كلبك يأكلك» «٤» ، و «أجوع من كلبة حومل» «٥» ، و «كالكلب يربض في الآريّ فلا هو يأكل ولا يدع الدابّة تعتلف» .
٢٢٣-[براقش]
وفي أمثالهم في الشؤم: «على أهلها دلّت براقش» «٦» .
وبراقش: كلبة نبحت على جيش مرّوا في جوف الليل وهم لا يشعرون بموضع الحيّ، فاستدلّوا عليهم بنباح الكلبة فاستباحوهم.
٢٢٤-[الجنّ والحنّ]
وقال صاحب الدّيك: روى إسماعيل المكي عن أبي عطاء العطاردي قال:
سمعت ابن عبّاس يقول: السّود من الكلاب الجنّ، والبقع منها الحنّ. ويقال إنّ الحنّ ضعفة الجنّ، كما أنّ الجنيّ إذا كفر وظلم وتعدّى وأفسد، قيل شيطان؛ وإن قوي على البنيان والحمل الثقيل، وعلى استراق السمع قيل مارد، فإن زاد فهو عفريت، فإن زاد فهو عبقريّ. كما أنّ الرجل إذا قاتل في الحرب وأقدم ولم يحجم فهو الشجاع،
стр. 190
فإن زاد فهو البطل، فإن زاد قالوا: بهمة، فإن زاد قالوا: أليس. فهذا قول أبي عبيدة.
وبعض النّاس يزعم أنّ الحنّ والجنّ صنفان مختلفان، وذهبوا إلى قول الأعرابي حين أتى بعض الملوك ليكتتب في الزّمنى، فقال في ذلك: [من الرجز]
إن تكتبوا الزّمنى فإنّي لزمن ... من ظاهر الدّاء وداء مستكنّ «١»
أبيت أهوي في شياطين ترنّ ... مختلف نجارهم حنّ وجنّ
٢٢٥-[ما ورد من الحديث والخبر في الكلاب]
[١- قتل الكلاب]
وعن أبي عنبسة عن أبي الزبير عن جابر: قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى أن المرأة لتقدم بكلبها من البادية فنقتله، ثم نهانا عن قتلها وقال:
«عليكم بالأسود البهيم ذي النكتتين على عينيه؛ فإنه شيطان» .
وعن أبي الزبير عن جابر قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، فكنا نقتلها كلها حتى قال: «إنها أمة من الأمم؛ فاقتلوا البهيم الأسود ذا النكتتين على عينيه؛ فإنه شيطان» .
وعبد الله وأبو بكر ابنا نافع عن ابن عمر، ونافع عن أبي رافع قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقتل الكلاب، فكنّا نقتلها؛ فانتهيت إلى ظاهر بني عامر، وإذا عجوز مسكينة معها كلب وليس قربها إنسان فقالت: ارجع إلى النبيّ ﷺ فأخبره أنّ هذا الكلب يؤنسني، وليس قربي أحد. فرجع إليه فأخبره، فأمر أن يقتل كلبها فقتله.
وقال في حديث آخر: إنّه لمّا فرغ من قتل كلاب المدينة وقتل كلب المرأة قال: الآن استرحت. قالوا: فقد صحّ الخبر عن قتل جميع الكلاب، ثمّ صحّ الخبر بنسخ بعضه وقتل الأسود البهيم منها، مع الخبر بأنّها من الجنّ والحنّ، وأنّ أمّتين مسختا، وهما الحيّات والكلاب.
ثم روى الأشعث عن الحسن قال: ما خطب عثمان خطبة إلّا أمر بقتل الكلاب وذبح الحمام.
وعن الحسن قال: سمعت عثمان بن عفّان يقول: اقتلوا الكلاب واذبحوا الحمام.
قال: وقال عطاء: في قتل كلب الصيد إذا كان صائدا أربعون درهما، وفي كلب الزرع شاة.
стр. 191
[٢- دية الكلب]
والحسن بن عمارة عن يعلى بن عطاء عن إسماعيل بن حسان عن عبد الله بن عمر قال: قضى رسول الله ﷺ في كلب الصّيد بأربعين درهما، وفي كلب الغنم بشاة، وفي كلب الزرع بفرق من طعام، وفي كلب الدار بفرق من تراب، حقّ على القاتل أن يؤدّيه، وحقّ على صاحب الدار أن يقبضه.
قالوا: والتراب لا يكون عقلا إذا كان في مقدار الفرق.
وفي قوله: وحقّ على صاحب الدار أن يقبضه، دليل على أنّه عقوبة على اتخاذه وأن ذلك على التصغير لأمر الكلب وتحقيره، وعلى وجه الإرغام لمالكه. ولو كان عوضا أو ثوابا، أو كان في طريق الأموال المحروص عليها، لما أكره على قبضه أحد، ولكان العفو أفضل.
[٣- شأن الكلاب]
قال: وسئل عن الكلب يكون في الدار وفي الدار من هو له كاره.
ابن أبي عروبة عن قتادة عن أبي الحكم: أنّ ابن عمر سئل عن ذلك فقال:
لمأثم على ربّ الدّار الذي يملكها.
وعن ابن عمر قال: من اتّخذ كلبا ليس بكلب زرع ولا ضرع ولا صيد نقص من أجره كلّ يوم قيراط. فقال رجل: فإن اتخذه رجل وهو كاره؟ قال: إنّما إثمه على صاحب الدار.
وصدقة بن طيسلة المازنيّ قال: سألت الحسن قلت: إنّ دورنا في الجبّان وهي معورة وليس عليها أبواب، أفترى أن نتّخذ فيها كلابا؟ قال: لا لا.
وعن ابن أبي أنيسة عن سالم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتنى كلبا إلّا كلب صيد أو كلب ماشية، نقص من أجره كلّ يوم قيراطان» .
وعن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ : «من اقتنى كلبا فإنّه ينقص من عمله كلّ يوم قيراط» .
ويونس عن أبيه عن إسحاق قال: حدثنا هنيدة بن خالد الخزاعي قال: انطلقت مع نفر من أصحاب النبي ﷺ ، نعود رجلا من الأنصار، فلمّا انتهوا إلى باب الدار ثارت أكلب في وجوه القوم، فقال بعضهم لبعض: ما يبقي هؤلاء من عمل فلان شيئا، كلّ كلب منها ينقص قيراطا في كلّ يوم.
стр. 192
هشام بن حسان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من اتخذ كلبا ليس بكلب صيد ولا زرع ولا ضرع، فإنه ينقص من أجره كلّ يوم قيراط، والقيراط مثل جبل أحد» .
يونس عن أبي إسحاق عن مجاهد قال: أقبل عبد الله بن عمرو بن العاص حتّى نزل ناحية مكّة، وكانت امرأة عمّ له تهاديه، فلما كانت ذات يوم قالت له: لو أرسلت إليّ الغنم فاستأنست برعائها وكلابها فقد نزلت قاصية! فقال: لولا كلابها لفعلت؛ إنّ الملائكة لا تدخل دارا فيها كلب.
الثوريّ عن سماك بن حرب، أنّ ابن عباس قال على منبر البصرة: إنّ الكلاب من الحنّ وإنّ الحنّ من ضعفة الجن، فإذا غشيكم منها شيء فألقوا إليها شيئا أو اطردوه، فإنّ لها أنفس سوء.
وهشيم عن المغيرة عن إبراهيم قالوا: لم يكونوا ينهوننا عن شيء من اللعب ونحن غلمان إلّا الكلاب.
قال صاحب الديك: روى إبراهيم بن أبي يحيى الأسلميّ، عن محمّد بن المنكدر، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: تقامر رجلان على عهد عمر بديكين، فأمر عمر بالديكة أن تقتل فأتاه رجل من الأنصار فقال: أمرت بقتل أمّة من الأمم تسبّح الله تعالى؟! فأمر بتركها.
وعن قتادة أنّ أبا موسى قال: لا تتّخذوا الدّجاج في الدّور فتكونوا أهل قرية، وقد سمعتم ما قال الله تعالى في أهل القرى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ
«١» .
وهذا عندي من أبي موسى ليس على ما يظنّه الناس، لأنّ تأويله هذا ليس على وجه، ولكنّه كره للفرسان ورجال الحرب اتخاذ ما يتّخذه الفلّاح وأصحاب التعيّش، مع حاجته يومئذ إلى تفرّغهم لحروب العجم، وأخذهم في تأهّب الفرسان وفي دربة رجال الحرب. فإن كان ذهب إلى الذي يظهر في اللفظ فهذا تأويل مرغوب عنه.
وقال صاحب الكلب لصاحب الديك: فقد أمر عمر بقتل الدّيكة ولم يستثن منها شيئا دون شيء، ونهى أبو موسى عن اتخاذ الدجاج ولم يستثن منها شيئا دون شيء، والدّيكة تدخل في هذا الاسم، واسم الدّجاج يجمعها جميعا. ورويتم في قتل الحمام مثل روايتكم في قتل الكلاب، ولم أركم رويتم أنّ الحمام مسخ، ولا أنّ بعضه من الجن وبعضه من الحن، ولا أنّ أمتين مسختا وكان أحدهما الحمام.
стр. 193
وزعمتم أنّ عمر إنّما أمر بقتل الدّيكة حين كره الهراش بها والقمار بها. فلعلّ كلاب المدينة في تلك الأيّام كثر فيها العقور وأكثر أهلها من الهراش بها والقمار فيها. وقد علمتم أنّ ولاة المدينة ربّما دمروا على صاحب الحمام إذا خيف قبله القمار وظنّوا أنه الشّرف «١» . وذكروا عنه الرّمي بالبندق وخديعة أولادهم بالفراخ. فما بالكم لم تخرّجوا للكلاب من التأويل والعذر، مثل الذي خرّجتم للحمام والديكة.
٢٢٦-[المسخ من الحيوان]
ورويتم في الجرّيّ «٢» والضّباب أنهما كانتا أمّتين مسختا. وروى بعضهم في الإربيانة أنّها كانت خيّاطة تسرق السّلوك، وأنّها مسخت وترك عليها بعض خيوطها لتكون علامة لها ودليلا على جنس سرقتها. ورويتم في الفأرة أنّها كانت طحّانة «٣» ، وفي سهيل أنّه كان عشّارا باليمن «٤» وفي الحيّة أنّها كانت في صورة جمل، وأنّ الله تعالى عاقبها حتى لاطها بالأرض، وقسم عقابها على عشرة أقسام، حين احتملت دخول إبليس في جوفها حتّى وسوس إلى آدم من فيها. وقلتم في الوزغة وفي الحكأة «٥» ما قلتم. وزعمتم أنّ الإبل خلقت من أعنان الشياطين «٦» ، وتأوّلتم في ذلك أقبح التأويل. وزعمتم أنّ الكلاب أمّة من الجنّ مسخت. والذئب أحقّ بأن يكون شيطانا من الكلب، لأنّه وحشيّ وصاحب قفار، وبه يضرب المثل في التعدّي، والكلب ألوف وصاحب ديار، وبه يضرب المثل. والذئب ختور غدّار، والكلب وفيّ مناصح. وقد أقام الناس في الدّيار الكلاب مقام السّنانير للفأر. والذئب مضرّة كلّه، والكلب منافعه فاضلة على مضارّه، بل هي غالبة عليها وغامرة لها، وهذه صفة جميع هذه الأشياء النافعة.
والناس لم يطبقوا على اتّخاذها عبثا ولا جهلا، والقضاة والفقهاء والعبّاد والولاة والنّسّاك، الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والمحتسبة وأصحاب التكلّف والتسليم جميعا، لم يطبقوا على ترك النّكير على ما يشاهدونه منها في دور من لا يعصيهم ولا يمتنع عليهم إلّا وقد علموا أنّه قد كان لقتل الكلاب بأعيانها في
стр. 194
ذلك الدّهر، معنى. وإلّا فالنّاس في جميع أقطار الأرض لا يجمعون على مسالمة أصحاب المعاصي، الذين قد خلعوا عذرهم وأبرزوا صفحتهم. بل ما ترى خصما يطعن على شاهد عند قاض بأنّ في داره كلبا، ولا ترى حكما يردّ بذلك شهادة. بل لو كان اتّخاذ الكلاب مأمورا به، لما كان إلّا كذلك.
ولو أنّكم حملتم حكم جميع الهداهد على حكم هدهد سليمان «١» ، وجميع الغربان على حكم غراب نوح «٢» ، وجميع الحمام على حكم حمامة السفينة «٣» ، وجميع الذئاب على حكم ذئب أهبان بن أوس، وجميع الحمير على حكم حمار عزير «٤» - لكان ذلك حكما مردودا.
٢٢٧-[أمور حدثت في دهر الأنبياء]
وقد نعرض لخصائص الأمور أسباب في دهر الأنبياء ونزول الوحي، لا يعرض مثلها في غير زمانهم «٥» : قد كان جبريل ﵇ يمشي في الأرض على صورة دحية الكلبيّ، وكان إبليس يتراءى في السّكك في صورة سراقة المدلجي، وظهر في صورة الشيخ النّجدي. ومثل هذا كثير.
٢٢٨-[ما يسمى شيطانا وليس به]
فإن زعمتم أنّ النبي ﷺ نظر إلى رجل يتبع حماما طيّارا فقال: «شيطان يتبع شيطانا» ، فخبّرونا عمن يتخذ الحمام من بين جميع سكان الآفاق ونازلة البلدان من الحرميّين والبصريّين ومن بني هاشم إلى من دونهم، أتزعمون أنّهم شياطين على الحقيقة، وأنّهم من نجل الشياطين؛ أو تزعمون أنّهم كانوا إنسا فمسخوا بعد جنّا؛ أم يكون قوله لذلك الرجل شيطان، على مثل قوله شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ
وعلى قول عمر: لأنزعنّ شيطانه من نعرته «٦» ، وعلى قول منظور بن رواحة: [من الطويل]
فلما أتاني ما تقول ترقّصت ... شياطين رأسي وانتشين من الخمر «٧»
стр. 195
وقد قال مرّة أبو الوجيه العكلي: «وكان ذلك حين ركبني شيطاني» «١» قيل له:
وأيّ الشياطين تعني؟ قال: الغضب.
والعرب تسمّي كلّ حيّة شيطانا. وأنشد الأصمعي: [من الطويل]
تلاعب مثنى حضرميّ كأنّه ... تعمّج شيطان بذي خروع قفر «٢»
وقالت العرب: ما هو إلّا شيطان الحماطة «٤» . ويقولون: «ما هو إلّا شيطان» «٣» يريدون القبح؛ و «ما هو إلّا شيطان» ، يريدون الفطنة وشدّة العارضة.
وروي عن بعض الأعراب في وقعة كانت: والله ما قتلنا إلّا شيطان برصا، لأنّ الرجل الذي قاتلهم كان اسمه شيطان، وكان به برص.
وفي بني سعد بنو شيطان. قال طفيل الغنوي: [من الطويل]
وشيطان إذ يدعوهم ويثوّب «٥»
وقال ابن ميّادة: [من الطويل]
فلما أتاني ما تقول محارب ... تغنّت شياطيني وجنّ جنونها «٦»
وقال الراجز: [من الرجز]
إنّي وإن كنت حديث السّنّ ... وكان في العين نبوّ عنّي «٧»
فإنّ شيطاني كبير الجنّ
وقال أبو النّجم: [من الرجز]
إنّي وكلّ شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر «٨»
стр. 196
وهذا كلّه منهم على وجه المثل، وعلى قول منظور بن رواحة: [من الطويل]
أتاني وأهلي بالدّماخ فغمرة ... مسبّ عويف اللؤم حيّ بني بدر «١»
فلما أتاني ما يقول ترقّصت ... شياطين رأسي وانتشين من الخمر
٢٢٩-[خرافات عن الجن]
[١] وقد رويتم عن عبد الله بن فايد بإسناد له يرفعه قال: خرافة رجل من بني عذرة استهوته الشياطين، فتحدّث رسول الله ﷺ يوما بحديث فقالت امرأة من نسائه: هذا من حديث خرافة قال: «لا وخرافة حقّ» «٢» .
[٢] ورويتم أنّ شريك بن خباسة دخل الجنّة وخرج منها ومعه ورقة من ورقها «٣» ، وأنّ عمر سأل الرجل المفقود الذي استهوته الجنّ فقال: ما كان طعامهم؟
قال: الفول والرّمّة. وسأل عن شرابهم فقال: الجدف «٤» . وقال الأعشى: [من الطويل]
وإني وما كلّفتموني وربّكم ... لأعلم من أمسى أعقّ وأحوبا «٥»
لكالثّور والجنيّ يضرب ظهره ... وما ذنبه أن عافت الماء مشربا
[٣] وزعمتم أنّ الجنّ خنقت حرب بن أمية، وخنقت مرداس بن أبي عامر، وخنقت الغريض المغنّي، وأنّها قتلت سعد بن عبادة، واستهوت عمرو بن عدي واستهوت عمارة بن الوليد، فأنتم أملياء بالخرافات «٦» أقوياء على ردّ الصحيح وتصحيح السقيم، وردّ تأويل الحديث المشهور إلى أهوائكم. وقد عارضناكم وقابلناكم وقارضناكم.
٢٣٠-[فضل الكلاب]
وقالوا: في الحديث أنّ «من اقتنى كلبا ليس بكلب زرع ولا ضرع ولا قنص
стр. 197
فقد أثم» . فهاتوا شيئا من جميع الحيوان يصلح للزرع والضّرع والقنص. وبعد فهل اتخذوا كلب الضّرع إلّا ليحرس الماشية وأولادها من السباع؟ وهل عند الكلب عند طروق الأسد والنمر والذئاب وجميع ما يقتات اللّحمان من رؤساء السباع، إلّا صياحه ونباحه وإنذاره ودلالته، وأن يشغلها بعض الشّغل، ويهجهج بها بعض الهجهجة، إلى أن يلحق بها من يحميها، ويتوافى إليها من يذود عنها، إذ ليس في هذا القياس أنّا متى وجدنا دهرا تكثر فيه اللصوص ويفشو فيه السّرّاق، وتظهر فيه النّقوب، ويشيع فيه التسلّق، ممّن إذا أفضى إلى منزل القوم لم يرض إلا بالحريبة «١» ليس دونها شيء، أو يأتي على الأنفس، وهو لا يصل إلى ما يريد حتى يمرّ على النساء مكشّفات، ومن عسى إذا أخذ المرأة أخذ يد ألّا يرضى أن يتوعّد بذبح الأولاد وأن يتّقى بالمال، حتّى يذبح، ومن عسى إن تمكّن شيئا أو أمن قليلا، أن يركب الحرم بالسّوءة العظمى وبالتي لا شوى لها. فهذا الحال أحقّ بالحراسة من تلك الأحوال.
وبعد فلم صار نساء الحرمين يتزاورن ليلا، ونساء المصرين يتزاورن نهارا، ونساء الحرمين لا يرين نهارا، ونساء المصرين لا يرين ليلا؛ إلّا للمكابرات ولمكان كثرة من يستقفي ويتحوّب للنقب والتسلّق. وإذا كان الأمر كذلك فأيّ الأمور أحقّ بالتحصين والحياطة، وأيّهما أشبه بالتغرير والإضاعة: اتخاذ الكلاب التي لا تنام عند نوم من قد دأب نهاره، أو ترك اتخاذها؟ ويقظة السّرّاق على قدر المسروقين.
وعلى أنّا لو حلنا بين حرس الأسواق وما تشتمل عليه من حرائب الناس، وبين اتّخاذ الكلاب، لامتنعوا من ضمان الحراسة، ولامتنع كلّ محروس من إعطائهم تلك الأجرة، ولوجد اللصوص ذلك من أعظم الغنم وأجود الفرص. أو ما تعلمون أنّ هذا الحريم، وهذه الحرمات وهذه العقائل من الأموال، أحقّ بالمنع والحراسة والدّفع عنها بكلّ حيلة، من حفظ الغنم وحريم الراعي وحرمة الأجير؟! وبعد فإنّ الذئاب لا تجتمع على قطيع واحد، والذي يخاف من الذئب السّلّة والخطفة، والاستلاب والاختلاس. والأموال التي في حوانيت التجار وفي منازل أهل اليسار يأتيها من العدد والعدّة، ومن نجب أصحاب النجدة، من يحتملها بحذافيرها، مع ثقل وزنها وعظم حجمها، ثمّ يجالدون دون ذلك بسيوف الهند وبالأذرع الطوال.
وهم من بين جميع الخليقة لولا أنّهم قد أحسّوا من أنفسهم الجراءة وثبات العزيمة، بما ليس من غيرهم، لكانوا كغيرهم، ولولا أنّ قلوبهم أشدّ من قلوب الأسد لما
стр. 198
خرجوا، على أنّ جميع الخلق يطالبونهم، وعلى أنّ السلطان لم يولّ إلّا لمكانهم.
والكلاب لم تتّخذ إلا للإنذار بهم، وعلى أنّهم إذا أخذوا ماتوا كراما.
ولعلّ المدينة قد كانت في ذلك الدهر مأمونا عليها من أهل الفساد وكان أكثر كلابها عقورا، وأكثر فتيانها من بين مهارش أو مقامر. والكلب العقور والكلب الكلب أشدّ مضرّة من الذئب المأمور بقتله.
وقد يعرض للكلاب الكلب والجنون لأمور: منها أن تأكل لحوم الناس، ومنها كالجنون الذي يعرض لسائر الحيوان.
٢٣١-[قتل العامة للوزغ]
وجهّال النّاس اليوم يقتلون الوزغ، على أنّ آباءها وأمهاتها كانت تنفخ على نار إبراهيم، وتنقل إليها الحطب. فأحسب أنّ آباءها وأمّهاتها قد كنّ يعرفن فصل ما بين النّبيّ والمتنبّي، وأنّهن اعتقدن عداوة إبراهيم، على تقصير في أصل النظر، أو عن معاندة بعد الاستبانة حتّى فعلن ذلك- كيف جاز لنا أن تزر وازرة وزر أخرى؟! إلّا أن تدّعوا أنّ هذه التي نقتلها هي تلك الجاحدة للنبوّة، والكافرة بالربوبيّة، وأنّها لا تتناكح ولا تتوالد.
وقد يستقيم في بعض الأمر أن تقتل أكثر هذه الأجناس، إمّا من طريق المحنة والتعبّد وإمّا إذ كان الله قد قضى على جماعتها الموت، أن يجري ذلك المجرى على أيدي الناس، كما أجرى موت جميع الناس على يد ملك واحد، وهو ملك الموت.
وبعد فلعلّ النبيّ ﷺ قال هذا القول إن كان قاله، على الحكاية لأقاويل قوم.
ولعلّ ذلك كان على معنى كان يومئذ معلوما فترك النّاس العلّة ورووا الخبر سالما من العلل، مجرّدا غير مضمّن.
ولعلّ من سمع هذا الحديث شهد آخر الكلام ولم يشهد أوّله، ولعلّه ﵊ قصد بهذا الكلام إلى ناس من أصحابه قد كان دار بينهم وبينه فيه شيء. وكلّ ذلك ممكن سائغ غير مستنكر ولا مدفوع.
٢٣٢-[قتل الفواسق]
وقد رويتم في الفواسق ما قد رويتم في الحيّة والحدأة والعقرب والفأرة
стр. 199
والغراب، ورويتم في الكلب العقور، وكيف يقتلن في الحل والحرم. فإن كنتم فقهاء فقد علمتم أنّ تسمية الغراب بالفسق، والفأرة بالفويسقة؛ أنّ ذلك ليس من شكل تسمية الفاسق، ولا من شكل تسمية إبليس.
وقد قالوا: ما فجرها إلّا فاجر، ولم يجعلوا الفاجر اسما له لا يفارقه. وقد يقال للفاسق من الرجال: خبيث. وقد قال ﷺ : «من أكل من هذه الشّجرة الخبيثة فلا يقربنّ مصلّانا» وهو على غير قوله الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ
«١» . وقد قال بعض الرّجّاز وذكر ذئبا: [من الرجز]
أما أتاك عنّي الحديث ... إذ أنا بالغائط أستغيث
والذئب وسط غنمي يعيث ... وصحت بالغائط يا خبيث
وهذا الباب كثير، وليس هذا موضعه، وقد ذكرناه في كتاب الاسم والحكم.
وقد يشبه الاسم الاسم في صورة تقطيع الصوت، وفي الخطّ في القرطاس، وإن اختلفت أماكنه ودلائله. فإذا كان كذلك فإنّما يعرف فضله بالمتكلّمين به، وبالحالات والمقالات، وبالذين عنوا بالكلام. وهذه جملة، وتفسيرها يطول.
وقالوا: قد أمرنا بقتل الحيّة والعقرب، والذئب والأسد، على معنى ينتظم معنيين: أحدهما الامتحان والتعبّد بفكر القلب وعمل الجارحة، لا على وجه الانتقام والعقوبة. وأمرنا بضرب الباغي بالسيف إذا كانت العصى لا تغني فيه على جهة الدّفع وعلى جهة العقاب، ولم نؤمر بالقصد إلى قتله، وإنّما الغاية في دفع بأسه عنا، فإن أتى إلى ذلك المقدار عليه، كان كسارق مات من قطع يده، وقاذف مات عن جلد ظهره.
وقد أمرنا بالقصد إلى قتل الحيّات والعقارب وإن لم تعرض لنا في ذلك الوقت؛ لأنّ جنسها الجنس المتلف متى همّ بذلك. وليس لنا أن نضرب الباغي بالسّيف إلّا وهو مقبل غير مدبر، ولنا أن نقتل الحيّة مقبلة ومدبرة، كما يقتل الكافر مقبلا ومدبرا؛ إلّا أنّ قتل الكافر يجمع الامتحان والعقوبة، وليس في قتل الحية إلّا الامتحان. وقد كان يجوز أن تمتحن بحبسها والاحتيال لمنعها، دون قتلها. وإذا ولّى الباغي من غير أن يكون يريد الرجوع إلى فئة، فحكمه الأسر والحبس أبدا إلى أن يؤنس منه النّزوع.
وسبيل الأحناش والسّباع وذوات السموم من الهمج والحشرات، القتل مقبلة ومدبرة.
وقد أبيح لنا قتل ضروب من الحيوان عند ما يبلغ من جناياتها علينا الخدش، فضلا من الجرح والقتل، كالبعوض والنمل، والبراغيث والقمل.
стр. 200
والبعير قتله فساد، فإن صال على الناس كان قتله صلاحا. والإنسان قتله حرام، فإن خيف منه كان قتله حلالا.
٢٣٣-[طائفة من المسائل]
والحديث عن مسخ الضّبّ والجرّيّ، وعن مسخ الكلاب والحكأة وأنّ الحمام شيطان، من جنس المزاح الذي كنّا كتبنا به إلى بعض إخواننا ممّن يدّعي علم كلّ شيء، فجعلنا هذه الخرافات وهذه الفطن الصغار، من باب المسائل.
فقلنا له: ما الشّنقناق والشّيصبان وتنكوير ودر كاذاب ومن قاتل امرأة ابن مقبل؟ ومن خانق الغريض؟ ومن هاتف سعد؟ وخبّرنا عن بني أقيش وعن بني لبنى، ومن زوجها؟ وعن بني غزوان ومن امرأته؟ وعن سملقة وزوبعة، والميدعان، وعن النقار ذي الرقبة وعن آصف، ومن منهم أشار بأصفر سليم «١» ، وعن أطيقس اسم كلب أصحاب الكهف «٢» ، وكيف صارت الكلاب لا تنبح من سمّاه؟ وأين بلغ كتاب شرطهم؟ وكيف حدّثوا عن ابن عباس في الفأر والقرد والخنزير والفيل والأرنب والعنكبوت والجرّيّ، أنّهنّ كلّهنّ مسخ؛ وكيف خصّت هذه بالمسخ؟ وهل يحلّ لنا أن نصدّق بهذا الحديث عن ابن عبّاس؟ وكيف صارت الظباء ماشية الجنّ؟ وكيف صارت الغيلان تغيّر كلّ شيء إلّا حوافرها؟ ولم ماتت من ضربة وعاشت من ضربتين «٣» ؟ ولم صارت الأرانب والكلاب والنّعام مراكب الغيلان؟ ولم صارت الرواقيد مطايا السّواحر؟ وبأي شيء زوّج أهل السّعلاة ابن يربوع «٤» ؟ وما فرق ما بينه وبين عبد الله بن هلال؟ وما فعلت الفتاة التي كانت سميت بصبر على يد حرمي وأبي منصور؟ ولم غضب من ذلك المذهب؟ ولم مضى على وجهه شفشف؟ وما الفرق بين الغيلان والسّعالي، وبين شيطان الخضراء وشيطان الحماطة؟ ولم علق السمك المالح بأذنابه والطريّ بآذانه، وما بال الفراخ تحمل بأجنحتها والفراريج
стр. 201
بأرجلها؟ وما بال كلّ شيء أصل لسانه ممّا يلي الحلق وطرفه ممّا يلي الهواء، إلّا لسان الفيل؟ ولم قالت الهند: لولا أنّ لسانه مقلوب لتكلّم «١» ؟ ولم صار كلّ ماضغ وآكل يحرّك فكّه الأسفل، إلا التمساح فإنه يحرّك فكّه الأعلى «٢» ؟ ولم صار لأجفان الإنسان الأشفار، وليس ذلك للدواب إلّا في الأجفان العالية؟ وما بال عين الجرادة وعين الأفعى لا تدوران؟ وما بيضة العقر «٣» وما بيضة الديك «٤» ؟ ولم امتنع بيض الأنوق؟ وهل يكون الأبلق العقوق؟ وما بال لسان سمك البحر عديما؟ وما بال الغريق من الرّجال يطفو على قفاه، ومن النساء على وجهه؟ ولم صار القتيل إذا قتل يسقط على وجهه ثم يقلبه ذكره؛ وأين تذهب شقشقة البعير وغرمول الحمار والبغل وكبد الكوسج بالنهار، ودم الميت؟ ولم انتصب خلق الإنسان من بين سائر الحيوان؟
وخبّرني عن الضفادع، لم صارت تنقّ بالليل وإذا أوقدت النار أمسكت؟.
وقالوا: قد عارضناكم بما يجري مجرى الفساد والخرافة. لنردّكم إلى الاحتجاج بالخبر الصحيح المخرج للظاهر.
فإن أعجبتك هذه المسائل، واستطرفت هذا المذهب، فاقرأ رسالتي إلى أحمد ابن عبد الوهاب الكاتب، فهي مجموعة هناك.
٢٣٤-[كثرة أصناف الكلاب]
والكلاب أصناف لا يحيط بها إلّا من أطال الكلام. وجملة ذلك أنّ ما كان منها للصيد فهي الضّراء، وواحدها ضروة، وهي الجوارح والكواسب، ونحن لا نعرفها إلّا السّلوقيّة؛ وهي من أحرار الكلاب وعتاقها، والخلاسية هجنها ومقاريفها. وكلاب الرعاء من زينيّها وكرديها فهي كرادتها.
стр. 202
وقد تصيد الكلاب غير السّلوقيّة، ولكنّها تقصّر عن السّلوقيّة بعيدا. وسلوق من أرض اليمن كان لها حديد جيّد الطبع، كريم العنصر حرّ الجوهر. وقد قال النابغة: [من الطويل]
تقدّ السّلوقيّ المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفّاح نار الحباحب «١»
وقال الأصمعيّ: سمعت بعض الملوك وهو يركض خلف كلب وقد دنا خطمه من عجب ذنب الظبي وهو يقول: إيه فدتك نفسي!! وأنشد لبعض الرجاز: [من الرجز]
مفدّيات وملعّنات
قال صاحب الديك: فلمّا صار الكلب عندهم يجمع خصال اللؤم والنّذالة، والحرص والشّره، والبذاء والتسرّع وأشباه ذلك، صاروا يشتقّون من اسمه لمن هجوه بهذه الخصال. وقال بشّار: [من الكامل]
واستغن بالوجبات عن ذهب ... لم يبق قبلك لامرئ ذهبه «٢»
يرد الحريص على متالفه ... والليث يبعث حينه كلبه
٢٣٥-[ما اشتق من اسم الكلب]
قال صاحب الكلب: لما اشتقّوا من اسمه للأشياء المحمودة أكثر؛ قال عامر بن الطفيل: [من الكامل]
ومدجّج يسعى بشكّته ... محمرّة عيناه كالكلب «٣»
ومن ولد ربيعة بن نزار كلب بن ربيعة، وكلاب بن ربيعة، ومكالب بن ربيعة، ومكلبة بنو ربيعة بن نزار. وفيهم من السباع أسد، وضبيعة، وذئب، وذؤيب، وهم خمسة عشر رجلا؛ ثمانية من جميع السباع، ومن الثمانية أربعة مشتقّة من اسم
стр. 203
الكلب. ومن هذا الباب كليب بن يربوع، وكلاب بن ربيعة، وكلب بن وبرة. ومنه بنو الكلبة، قال الشاعر: [من الطويل]
سيكفيك من ابني نزار لراغب ... بنو الكلبة الشمّ الطوال الأشاجع «١»
والكلبة لقب ميّة بنت علاج بن شحمة العنبريّ. وبنوها بنو الكلبة الذين سمعت بهم- تزوّجها خزيمة بن النعمان من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، فهي أمّهم. وفيها يقول شبيل بن عزرة الضّبعي صاحب الغريب- وكان شيعيّا من الغالية، فصار خارجيّا من الصّفرية-: [من الطويل]
بنو كلبة هرّارة وأبوهم ... خزيمة عبد خامل الأصل أوكس «٢»
وفي ميّة الكلبة يقول أبوها، وهو علاج بن شحمة: [من الطويل]
إن تك قد بانت بميّة غربة ... فقد كان ممّا لا يملّ مزارها
دعتها رجال من ضبيعة كلبة ... وما كان يشكى في المحول جوارها
ومما اشتقّ له من اسم الكلب من القرى والبلدان والناس وغير ذلك، قولهم في الوقعة التي كانت بإرم الكلبة «٣» . ومن ذلك قولهم: حين نزلنا من السّراة صرنا إلى نجد الكلبة.
وكان سبب خروج مالك بن فهم بن غنم بن دوس إلى أزد شنوءة من السراة أنّ بني أخته قتلوا كلبة لجاره، وكانوا أعدّ منه فغضب ومضى. فسمّي ذلك النجد الذي هبط منه نجد الكلبة.
وبطسّوج بادوريا نهر يقال له: نهر الكلبة.
ويقولون: كان ذلك عند طلوع كوكب الكلب. ومن ذلك قولهم: عبّاد بن أنف الكلب. ومن ذلك أبو عمر الكلب الجرميّ النحوي، وكان رجلا من العلية عالما، عروضيّا نحويّا فرضيّا. وعلّويه كلب المطبخ، وكان أشرب الناس للنبيذ، وقد راهنوا بينه وبين محمّد بن عليّ.
стр. 204
والكلب: كلب الماء، وكلب الرحى والضبة التي يقال لها الكلب. وكذلك الكلبة والكلبتان، والكلّاب والكلّوب.
وقال راشد بن شهاب في ذلك المعنى: [من الطويل]
أمكّن كلّاب القنا من ثغورها ... وأخضب ما يبدو من استاهها بدمّ «١»
وقال:
فسوف يرى الأقوام ديني ودينكم ... إذا كلبتا قين ومقراضه أزم
وقال الراجز: [من الرجز]
ما زال مذ كان غلاما يستتر ... له على العير إكاف وثفر
والكلبتان والعلاة والوتر
وقال أشهب بن رميلة، وكان أوّل من رمى بني مجاشع بأنّهم قيون: [من الرجز]
يا عجبا هل يركب القين الفرس ... وعرق القين على الخيل نجس «٢»
وإنّما أداته إذا جلس ... الكلبتان والعلاة والقبس
وكان اسم المزنوق فرس عامر بن الطفيل: الكلب.
وقد زعمت العلماء أنّ حرب أيّام هراميت «٣» إنّما كان سببه كلب «٤» .
قال صاحب الديك: قد قيل للخوارج: كلاب النار، وللنوائح: كلاب النار.
وقد قال جندل بن الراعي لأبيه في وقوفه على جرير: ما لك تطيل الوقوف على كلب بني كليب «٥» ؟! وقال زفر بن الحارث: [من الكامل]
يا كلب قد كلب الزّمان عليكم ... وأصابكم منّا عذاب مرسل «٦»
стр. 205
إنّ السّماوة لا سماوة فالحقي ... بمنابت الزّيتون وابني بحدل
وبأرض عكّ في السواحل إنّها ... أرض تذوب بها اللّقاح وتهزل
وقال حصين بن القعقاع يرثي عتيبة بن الحارث: [من الكامل]
بكر النّعيّ بخير خندف كلّها ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب «١»
قتلوا ذؤابا بعد مقتل سبعة ... فشفى الغليل وريبة المرتاب
يوم الحليس بذي الفقار كأنّه ... كلب بضرب جماجم ورقاب
وقال آخر: [من البسيط]
لله درّ بني الحدّاء من نفر ... وكلّ جار على جيرانه كلب «٢»
إذا غدوا وعصيّ الطّلح أرجلهم ... كما تنصّب وسط البيعة الصّلب
وإذا كان العود سريع العلوق في كلّ زمان أو كلّ أرض، أو في عامّة ذلك قالوا:
ما هو إلّا كلب.
وقالوا: قال النبي ﷺ في وزر بن جابر حين خرج من عنده واستأذنه إلى أهله:
«نعم إن لم تدركه أمّ كلبة» يعني الحمّى.
وممّا ذكروا به العضو من أعضاء الكلب والكلبة والخلق منهما أو الصفة الواحدة من صفاتهما، أو الفعل الواحد من أفعالهما، قال رؤبة: [من الرجز]
لاقيت مطلا كنعاس الكلب «٣»
يقول: مطلا مقرمطا دائما. وقال الشاعر في ذلك: [من الوافر]
يكون بها دليل القوم نجم ... كعين الكلب في هبّى قباع
قال: هذه أرض ذات غبرة من الجدب لا يبصر القوم فيها النجم الذي يهتدى به إلّا وهو كأنّه عين الكلب، لأنّ الكلب أبدا مغمض غير مطبق الجفون ولا مفتوحها.
والهبّى: الظلمة واحدها هاب، والجمع هبّى مثل غاز وغزّى. والقباع: التي قبعت في
стр. 206
القتام، واحدها قابع، كما يقبع القنفذ وما أشبهه في جحره. وأنشد لابن مقبل: [من الطويل]
ولا أطرق الجارات باللّيل قابعا ... قبوع القرنبى أخلفته مجاعره «١»
والقبوع: الاجتماع والتقبّض. والقرنبى: دويبّة أعظم من الخنفساء.
٢٣٦-[شعر له سبب بالكلب]
وقال الآخر في صفة بعض ما يعرض له من العيوب: [من الكامل]
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران «٢»
إنّ الأراقم لا ينال قديمها ... كلب عوى متهتّم الأسنان
وقال الشاعر في منظور بن زبّان: [من البسيط]
لبئس ما خلّف الآباء بعدهم ... في الأمّهات عجان الكلب منظور
ومن هذا الضرب قول الأعرابيّ: [من الطويل]
لقد شان صغري والياها وزيّنا ... لصغري فتى من أهلها لا يزينها
كلاب لعاب الكلب إن ساق هجمة ... يعذّب فيها نفسه ويهينها
وقال عمرو بن معد يكرب: [من الطويل]
لحا الله جرما كلّما ذرّ شارق ... وجوه كلاب هارشت فازبأرّت «٣»
وقال أبو سفيان بن حرب: [من الطويل]
ولو شئت نجّتني كميت طمرّة ... ولم أجعل النّعماء لابن شعوب
وما زال مهري مزجر الكلب منهم ... لدن غدوة حتّى دنت لغروب «٤»
وقال عبد الرحمن بن زياد: [من الطويل]
دعته بمسروق الحديث وظالع ... من الطرف حتى خاف بصبصة الكلب
стр. 207
وقال شريح بن أوس: [من الطويل]
وعيّرتنا تمر العراق ونخله ... وزادك أير الكلب شيّطه الجمر «١»
وقال آخر وهو يهجو قوما: [من الطويل]
فجاءا بخرشاوي شعير عليهما ... كراديس من أوصال أعقد سافد «٢»
وقال الحارث بن الوليد: [من الكامل]
ذهب الذين إذا رأوني مقبلا ... هشّوا وقالوا: مرحبا بالمقبل
وبقيت في خلف كأنّ حديثهم ... ولغ الكلاب تهارشت في منهل
وقال سبرة بن عمرو الفقعسيّ، حين ارتشى ضمرة النهشلي، ونفر عليه عباد بن أنف الكلب الصيداويّ فقال سبرة: [من الكامل]
يا ضمر كيف حكمت أمّك هابل ... والحكم مسؤول به المتعمّد «٣»
أحفظت عهدا أم رعيت أمانة ... أم هل سمعت بمثلها لا ينشد
شنعاء فاقرة تجلّل نهشلا ... تغور به الرفاق وتنجد
إنّ الرّفاق أمال حكمك حبّها ... فلك اللقاء وراكب متجرّد
فضح العشيرة واستمرّ كأنّه ... كلب يبصبص للعظال ويطرد
لا شيء يعدلها ولكن دونها ... خرط القتاد تهاب شوكتها اليد
جوعان يلحس أسكتا زيفيّة ... غلم يثور على البراثن أعقد
وقال مزرّد بن ضرار: [من الطويل]
وإنّ كناز اللّحم من بكراتكم ... تهرّ عليها أمّكم وتكالب «٤»
وليت الذي ألقى فناؤك رحله ... لتقريه بالت عليه الثّعالب
وهذان البيتان من باب الاشتقاق لا من باب الصفات وذكر الأعضاء. وقال:
[من الرجز]
يا سبر يا عبد بني كلاب ... يا أير كلب موثق بباب
أكان هذا أوّل الثّواب ... يا ورلا رقرق في سراب
لا يعلقنكم ظفري ونابي
стр. 208
وقال الآخر: [من الوافر]
كأنّ بني طهيّة رهط سلمى ... حجارة خارئ يرمي الكلابا «١»
وقال صاحب الكلب: ومما اشتقّ من اسم الكلب في موضع النباهة، كليب بن ربيعة، هو كليب وائل. ويقال إنّه قيل في رجلين من بني ربيعة ما لم يقل في أحد من العرب، حتّى ضرب بهما المثل، وهو قولهم: «أعزّ من كليب وائل» «٢» ، والآخر: «لا حرّ بوادي عوف» «٣» .
قالوا: وكانت ربيعة إذا انتجعت معه لم توقد نارا ولم تحوّض حوضا، وكان يحمي الكلأ ولا يتكلّم عنده إلّا خفضا، ويجير الصيد ويقول: صيد أرض كذا وكذا في جواري لا يباح. وكان له جرو كلب قد كتعه «٤» فربما قذف به في الروضة تعجبه، فيحميها إلى منتهى عوائه، ويلقيه بحريم الحوض فلا يرده بعير حتّى تصدر إبله «٥» .
٢٣٧-[ما قيل من الشعر في كليب]
وفي ذلك يقول معبد بن شعبة التميمي: [من الطويل]
أظنّ ضرار أنّني سأطيعه ... وأنّي سأعطيه الذي كنت أمنع
إذ اغرورقت عيناه واحمرّ وجهه ... وقد كاد غيظا وجهه يتبضّع
تقدّم في الظلم المبيّن عامدا ... ذراعا إذا ما قدّمت لك إصبع
كفعل كليب كنت أنبئت أنّه ... يخلط أكلاء المياه ويمنع
يجير على أفناء بكر بن وائل ... أرانب ضاح والظباء فترتع
وقال دريد بن الصمة: [من الوافر]
لعمرك ما كليب حين دلّى ... بحبل كلبه فيمن يميح «٦»
стр. 209
بأعظم من بني سفيان بغيا ... وكلّ عدوّهم منهم مريح
وقال العبّاس بن مرداس: [من الطويل]
كما كان يبغيها كليب بظلمه ... من العزّ حتى طاح وهو قتيلها «١»
على وائل إذ ينزل الكلب مائحا ... وإذ يمنع الأكلاء منها حلولها
وقال عباس أيضا لكليب بن عهمة الظفريّ: [من الكامل]
أكليب إنّك كلّ يوم ظالم ... والظلم أنكد وجهه ملعون «٢»
تبغي بقومك ما أراد بوائل ... يوم الغدير سميّك المطعون
وإخال أنّك سوف تلقى مثلها ... في صفحتيك سنانه المسنون
وقال النابغة الجعدي: [من الطويل]
كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر ذنبا منك ضرّج بالدّم «٣»
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهّم
وقال قطران العبشميّ، ويقال العبشي: [من الطويل]
ألم تر جسّاس بن مرّة لم يرد ... حمى وائل حتّى احتداه جهولها
أجرّ كليبا إذ رمى الناب طعنة ... جدت وائلا حتّى استخفّت عقولها
بأهون مما قلت إذ أنت سادر ... وللدّهر والأيّام وال يديلها
وقال رجل من بني هلال بن عامر بن صعصعة: [من الطويل]
نحن أبسنا تغلب ابنة وائل ... بقتل كليب إذ طغى وتخيّلا «٤»
أبأناه بالنّاب التي شقّ ضرعها ... فأصبح موطوء الحمى متذلّلا «٥»
وقال رجل من بني سدوس: [من الطويل]
وأنت كليبيّ لكليب وكلبة ... لها حول أطناب البيوت هرير
стр. 210
وقال ابن مقبل العجلاني: [من الطويل]
بكت أمّ بكر إذ تبدّد رهطها ... وأن أصبحوا منهم شريد وهالك «١»
وإنّ كلا حيّيك فيهم بقية ... لو أنّ المنايا حالها متماسك
كلاب وكعب لا يبيت أخوهم ... ذليلا ولا تعيي عليه المسالك «٢»
وقال رجل من بني كلاب من الخوارج، لمعاوية بن أبي سفيان: [من البسيط]
قد سرت سير كليب في عشيرته ... لو كان فيهم غلام مثل جسّاس «٣»
الطاعن الطعنة النجلاء عاندها ... كطرّة البرد، أعيا فتقها الآسي «٤»
٢٣٨-[أهون من تبالة على الحجاج]
وقال أبو اليقظان في مثل هذا الاشتقاق: كان أوّل عمل وليه الحجّاج بن يوسف تبالة «٥» ، فلما سار إليها وقرب منها قال للدليل: أين هي، وعلى أيّ سمت هي؟ قال: تسترك عنها هذه الأكمة. قال: لا أراني أميرا إلّا على موضع تسترني منه أكمة، أهون بها عليّ؟! وكرّ راجعا، فقيل في المثل: «أهون من تبالة على الحجاج» «٦» .
والعامة تقول: لهو أهون عليّ من الاعراب على عركوك.
٢٣٩-[احتضار الحجاج وقول المنجّم]
قال «٧» : ولمّا حضرت الحجاج الوفاة وقد ولي قبل ذلك ما ولي، وافتتح ما افتتح، وقتل من قتل، قال للمنجّم: هل ترى ملكا يموت؟ قال: نعم ولست به، أرى ملكا يموت اسمه كليب، وأنت اسمك الحجّاج قال: فأنا والله كليب، أمّي سمّتني به وأنا صبيّ. فمات، وكان استخلف على الخراج يزيد بن أبي مسلم، وعلى الحرب يزيد بن أبي كبشة.
стр. 211
٢٤٠-[مذاهب العرب في تسمية أولادهم]
قال «١» : والعرب إنّما كانت تسمّي بكلب، وحمار، وحجر، وجعل، وحنظلة، وقرد، على التفاؤل بذلك. وكان الرجل إذا ولد له ذكر خرج يتعرّض لزجر الطير والفأل، فإن سمع إنسانا يقول حجرا، أو رأى حجرا سمّى ابنه به وتفاءل فيه الشدّة والصلابة، والبقاء والصبر، وأنّه يحطم ما لقى. وكذلك إن سمع إنسانا يقول ذئبا أو رأى ذئبا، تأوّل فيه الفطنة والخبّ والمكر والكسب. وإن كان حمارا تأوّل فيه طول العمر والوقاحة والقوّة والجلد. وإن كان كلبا تأوّل فيه الحراسة واليقظة وبعد الصوت، والكسب وغير ذلك.
ولذلك صوّر عبيد الله بن زياد في دهليزه كلبا وأسدا، وقال: كلب نابح، وكبش ناطح، وأسد كالح. فتطيّر إلى ذلك فطارت عليه.
وقال آخر: لو كان الرجل منهم إنّما كان يسمّي ابنه بحجر وجبل، وكلب، وحمار، وثور، وخنزير، وجعل، على هذا المعنى فهلّا سمّى ببرذون، وبغل، وعقاب، وأشباه ذلك؛ وهذه الأسماء من لغتهم.
قال الأوّل: إنّما لم يكن ذلك، لأنّه لا يكاد يرى بغلا وبرذونا، ولعلّه لا يكون رآهما قط، وإن كانت الأسماء عندهم عتيدة لأمور لعلّهم يحتاجون إليها يوما ما.
قالوا: فقد كان يسمع بفرس وبعير، كما كان يسمع بحمار وثور، وقد كان يستقيم أن يشتقّ منهما اشتقاقات محمودة. بل كيف صار ذلك كذلك ونحن نجده يسمّي بنجم ولا يسمّي بكوكب! إلّا أنّ بعضهم قد سمّى بذلك عبدا له، وفيه يقول:
[من مخلع البسيط]
كوكب إن متّ فهي ميتتي ... لا متّ إلّا هرما يا كوكب
ووجدناهم يسمون بجبل وسند، وطود، ولا يسمّون بأحد ولا بثبير وأجأ وسلمى ورضوى، وصندد وحميم، وهو تلقاء عيونهم متى أطلعوا رؤوسهم من خيامهم. ويمسون ببرج ولا يسمون بفلك، ويسمون بقمر وشمس على جهة اللقب أو على جهة المديح، ولم يسمّوا بأرض وسماء، وهواء وماء، إلّا على ما وصفنا.
وهذه الأصول في الزجر أبلغ، كما أنّ جبلا أبلغ من حجر، وطودا أجمع من صخر.
وتركوا أسماء جبالهم المعروفة.
стр. 212
وقد سمّوا بأسد وليث وأسامة وضرغامة. وتركوا أن يسمّوا بسبع وسبعة. وسبع هو الاسم الجامع لكلّ ذي ناب ومخلب.
قال الأوّل: قد تسمّوا أيضا بأسماء الجبال، فتسمّوا بأبان وسلمى.
قال آخرون: إنّما هذه أسماء ناس سمّوا بها هذه الجبال، وقد كانت لها أسماء تركت لثقلها، أو لعلّة من العلل؛ وإلّا فكيف سمّوا بسلمى وتركوا أجأ ورضوى.
وقال بعضهم: قد كانوا ربّما فعلوا ذلك على أن يتّفق لواحد ولود ولمعظّم جليل، أن يسمع أو يرى حمارا، فيسمّي ابنه بذلك؛ وكذلك الكلب والذئب، ولن يتفق في ذلك الوقت أن يسمع بذكر فرس ولا حجر أو هواء أو ماء؛ فإذا صار حمار، أو ثور، أو كلب اسم رجل معظّم، تتابعت عليه العرب تطير إليه، ثم يكثر ذلك في ولده خاصّة بعده. وعلى ذلك سمّت الرعية بنيها وبناتها بأسماء رجال الملوك ونسائهم، وعلى ذلك صار كلّ عليّ يكنى بأبي الحسن، وكل عمر يكنى بأبي حفص، وأشباه ذلك. فالأسماء ضروب، منها شيء أصليّ كالسّماء والأرض والهواء والماء والنار، وأسماء أخر مشتقّات منها على جهة الفأل، وعلى شكل اسم الأب، كالرجل يكون اسمه عمر فيسمى ابنه عميرا، ويسمّي عمير ابنه عمران، ويسمّي عمران ابنه معمرا.
وربّما كانت الأسماء بأسماء الله مثل ما سمى الله أبا إبراهيم آزر، وسمّى إبليس بفاسق، وربّما كانت الأسماء مأخوذة من أمور تحدث في الأسماء؛ مثل يوم العروبة سمّيت في الإسلام يوم الجمعة «١» ، واشتقّ له ذلك من صلاة يوم الجمعة.
٢٤١-[الألفاظ الجاهلية المهجورة]
وسنقول في المتروك من هذا الجنس ومن غيره، ثم نعود إلى موضعنا الأوّل إن شاء الله تعالى.
ترك النّاس مما كان مستعملا في الجاهلية أمورا كثيرة، فمن ذلك تسميتهم للخراج إتاوة، وكقولهم للرشوة ولما يأخذه السّلطان: الحملان والمكس. وقال جابر ابن حنيّ: [من الطويل]
أفي كلّ أسواق العراق إتاوة ... وفي كلّ ما باع امرؤ مكس درهم «٢»
стр. 213
وكما قال العبديّ في الجارود: [من الطويل]
أيا ابن المعلّى خلتنا أم حسبتنا ... صراريّ نعطي الماكسين مكوسا «١»
وكما تركوا انعم صباحا، وانعم ظلاما، وصاروا يقولون: كيف أصبحتم؟
وكيف أمسيتم؟
وقال قيس بن زهير بن جذيمة، ليزيد بن سنان بن أبي حارثة: انعم ظلاما أبا ضمرة! قال: نعمت أنت؟ قال: قيس بن زهير.
وعلى ذلك قال امرؤ القيس: [من الطويل]
ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي «٢»
وعلى ذلك قال الأوّل: [من الوافر]
أتوا ناري فقلت منون قالوا ... سراة الجنّ قلت عموا ظلاما «٣»
وكما تركوا أن يقولون للملك أو السّيّد المطاع: أبيت اللعن، كما قيل: [من الرجز]
مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه «٤»
وقد زعموا أن حذيفة بن بدر كان يحيّا بتحيّة الملوك ويقال له: أبيت اللّعن.
وتركوا ذلك في الإسلام من غير أن يكون كفرا.
وقد ترك العبد أن يقول لسيده ربّي، كما يقال ربّ الدار، وربّ البيت.
стр. 214
وكذلك حاشية السيّد والملك تركوا أن يقولوا ربّنا. كما قال الحارث بن حلّزة: [من الخفيف]
ربّنا وابننا وأفضل من يم ... شي ومن دون ما لديه الثّناء «١»
وكما قال لبيد حين ذكر حذيفة بن بدر: [من الطويل]
وأهلكن يوما ربّ كندة وابنه ... وربّ معدّ بين خبت وعرعر «٢»
وكما عيّر زيد الخيل حاتما الطائيّ في خروجه من طيّء ومن حرب الفساد «٣» ، إلى بني بدر، حيث يقول: [من الطويل]
وفرّ من الحرب العوان ولم يكن ... بها حاتم طبّا ولا متطبّبا «٤»
وريب حصنا بعد أن كان آبيا ... أبوّة حصن فاستقال وأعتبا
أقم في بني بدر ولا ما يهمنا ... إذا ما تقضّت حربنا أن تطربا
وقال عوف بن محلّم، حين رأى الملك: إنّه ربي وربّ الكعبة. وزوجه أمّ أناس بنت عوف.
وكما تركوا أن يقولوا لقوّام الملوك السّدنة وقالوا الحجبة.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنّى عن أبي عبد الرحمن يونس بن حبيب النحوي حين أنشده شعر الأسديّ: [من الوافر]
ومركضة صريحي أبوها ... تهان لها الغلامة والغلام «٥»
قال: فقلت له: فتقول: للجارية غلامة؟ قال: لا، هذا من الكلام المتروك وأسماؤه زالت مع زوال معانيها، كالمرباع والنّشيطة وبقي الصّفايا؛ فالمرباع: ربع جميع الغنيمة الذي كان خالصا للرئيس، وصار في الإسلام الخمس، على ما سنّه الله
стр. 215
تعالى. وأما النّشيطة فإنّه كان للرئيس أن ينشط عند قسمة المتاع العلق النفيس يراه إذا استحلاه. وبقي الصفيّ وكان لرسول الله ﷺ من كل مغنم، وهو كالسيف اللهذم والفرس العتيق، والدرع الحصينة، والشيء النادر.
وقال ابن عنمة الضبّي حليف بني شيبان، في مرثيته بسطام بن قيس: [من الوافر]
لك المرباع منها والصّفايا ... وحكمك والنّشيطة والفضول «١»
والفضول: فضول المقاسم، كالشيء إذا قسم وفضلت فضلة استهلكت، كاللؤلؤة، والسيف، والدّرع، والبيضة، والجارية، وغير ذلك.
٢٤٢-[الألفاظ الإسلامية المشتقة]
وأسماء حدثت ولم تكن، وإنّما اشتقّت لهم من أسماء متقدّمة، على التشبيه، مثل قولهم لمن أدرك الجاهليّة والإسلام مخضرم كأبي رجاء العطارديّ، بن سالمة، وشقيق بن سالمة؛ ومن الشعراء النابغة الجعديّ وابن مقبل، وأشباههم من الفقهاء والشعراء. ويدلّ على أنّ هذا الاسم أحدث في الإسلام، أنّهم في الجاهليّة لم يكونوا يعلمون أنّ ناسا يسلمون وقد أدركوا الجاهليّة، ولا كانوا يعلمون أنّ الإسلام يكون.
ويقال إنّ أوّل من سمّى الأرض التي لم تحفر قطّ ولم تحرث إذا فعل بها ذلك مظلومة، النابغة حيث يقول: [من البسيط]
إلّا الأوراريّ لأيا ما أبيّنها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد «٢»
ومنه قيل سقاء مظلوم إذا أعجل عليه قبل إدراكه. وقال الحادرة: [من الكامل]
ظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النّطاف له بعيد المقلع «٣»
следующие страницы →