Полный текст (2 028 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
٢٤٠-[مذاهب العرب في تسمية أولادهم]
قال «١» : والعرب إنّما كانت تسمّي بكلب، وحمار، وحجر، وجعل، وحنظلة، وقرد، على التفاؤل بذلك. وكان الرجل إذا ولد له ذكر خرج يتعرّض لزجر الطير والفأل، فإن سمع إنسانا يقول حجرا، أو رأى حجرا سمّى ابنه به وتفاءل فيه الشدّة والصلابة، والبقاء والصبر، وأنّه يحطم ما لقى. وكذلك إن سمع إنسانا يقول ذئبا أو رأى ذئبا، تأوّل فيه الفطنة والخبّ والمكر والكسب. وإن كان حمارا تأوّل فيه طول العمر والوقاحة والقوّة والجلد. وإن كان كلبا تأوّل فيه الحراسة واليقظة وبعد الصوت، والكسب وغير ذلك.
ولذلك صوّر عبيد الله بن زياد في دهليزه كلبا وأسدا، وقال: كلب نابح، وكبش ناطح، وأسد كالح. فتطيّر إلى ذلك فطارت عليه.
وقال آخر: لو كان الرجل منهم إنّما كان يسمّي ابنه بحجر وجبل، وكلب، وحمار، وثور، وخنزير، وجعل، على هذا المعنى فهلّا سمّى ببرذون، وبغل، وعقاب، وأشباه ذلك؛ وهذه الأسماء من لغتهم.
قال الأوّل: إنّما لم يكن ذلك، لأنّه لا يكاد يرى بغلا وبرذونا، ولعلّه لا يكون رآهما قط، وإن كانت الأسماء عندهم عتيدة لأمور لعلّهم يحتاجون إليها يوما ما.
قالوا: فقد كان يسمع بفرس وبعير، كما كان يسمع بحمار وثور، وقد كان يستقيم أن يشتقّ منهما اشتقاقات محمودة. بل كيف صار ذلك كذلك ونحن نجده يسمّي بنجم ولا يسمّي بكوكب! إلّا أنّ بعضهم قد سمّى بذلك عبدا له، وفيه يقول:
[من مخلع البسيط]
كوكب إن متّ فهي ميتتي ... لا متّ إلّا هرما يا كوكب
ووجدناهم يسمون بجبل وسند، وطود، ولا يسمّون بأحد ولا بثبير وأجأ وسلمى ورضوى، وصندد وحميم، وهو تلقاء عيونهم متى أطلعوا رؤوسهم من خيامهم. ويمسون ببرج ولا يسمون بفلك، ويسمون بقمر وشمس على جهة اللقب أو على جهة المديح، ولم يسمّوا بأرض وسماء، وهواء وماء، إلّا على ما وصفنا.
وهذه الأصول في الزجر أبلغ، كما أنّ جبلا أبلغ من حجر، وطودا أجمع من صخر.
وتركوا أسماء جبالهم المعروفة.
стр. 212
وقد سمّوا بأسد وليث وأسامة وضرغامة. وتركوا أن يسمّوا بسبع وسبعة. وسبع هو الاسم الجامع لكلّ ذي ناب ومخلب.
قال الأوّل: قد تسمّوا أيضا بأسماء الجبال، فتسمّوا بأبان وسلمى.
قال آخرون: إنّما هذه أسماء ناس سمّوا بها هذه الجبال، وقد كانت لها أسماء تركت لثقلها، أو لعلّة من العلل؛ وإلّا فكيف سمّوا بسلمى وتركوا أجأ ورضوى.
وقال بعضهم: قد كانوا ربّما فعلوا ذلك على أن يتّفق لواحد ولود ولمعظّم جليل، أن يسمع أو يرى حمارا، فيسمّي ابنه بذلك؛ وكذلك الكلب والذئب، ولن يتفق في ذلك الوقت أن يسمع بذكر فرس ولا حجر أو هواء أو ماء؛ فإذا صار حمار، أو ثور، أو كلب اسم رجل معظّم، تتابعت عليه العرب تطير إليه، ثم يكثر ذلك في ولده خاصّة بعده. وعلى ذلك سمّت الرعية بنيها وبناتها بأسماء رجال الملوك ونسائهم، وعلى ذلك صار كلّ عليّ يكنى بأبي الحسن، وكل عمر يكنى بأبي حفص، وأشباه ذلك. فالأسماء ضروب، منها شيء أصليّ كالسّماء والأرض والهواء والماء والنار، وأسماء أخر مشتقّات منها على جهة الفأل، وعلى شكل اسم الأب، كالرجل يكون اسمه عمر فيسمى ابنه عميرا، ويسمّي عمير ابنه عمران، ويسمّي عمران ابنه معمرا.
وربّما كانت الأسماء بأسماء الله مثل ما سمى الله أبا إبراهيم آزر، وسمّى إبليس بفاسق، وربّما كانت الأسماء مأخوذة من أمور تحدث في الأسماء؛ مثل يوم العروبة سمّيت في الإسلام يوم الجمعة «١» ، واشتقّ له ذلك من صلاة يوم الجمعة.
٢٤١-[الألفاظ الجاهلية المهجورة]
وسنقول في المتروك من هذا الجنس ومن غيره، ثم نعود إلى موضعنا الأوّل إن شاء الله تعالى.
ترك النّاس مما كان مستعملا في الجاهلية أمورا كثيرة، فمن ذلك تسميتهم للخراج إتاوة، وكقولهم للرشوة ولما يأخذه السّلطان: الحملان والمكس. وقال جابر ابن حنيّ: [من الطويل]
أفي كلّ أسواق العراق إتاوة ... وفي كلّ ما باع امرؤ مكس درهم «٢»
стр. 213
وكما قال العبديّ في الجارود: [من الطويل]
أيا ابن المعلّى خلتنا أم حسبتنا ... صراريّ نعطي الماكسين مكوسا «١»
وكما تركوا انعم صباحا، وانعم ظلاما، وصاروا يقولون: كيف أصبحتم؟
وكيف أمسيتم؟
وقال قيس بن زهير بن جذيمة، ليزيد بن سنان بن أبي حارثة: انعم ظلاما أبا ضمرة! قال: نعمت أنت؟ قال: قيس بن زهير.
وعلى ذلك قال امرؤ القيس: [من الطويل]
ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي «٢»
وعلى ذلك قال الأوّل: [من الوافر]
أتوا ناري فقلت منون قالوا ... سراة الجنّ قلت عموا ظلاما «٣»
وكما تركوا أن يقولون للملك أو السّيّد المطاع: أبيت اللعن، كما قيل: [من الرجز]
مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه «٤»
وقد زعموا أن حذيفة بن بدر كان يحيّا بتحيّة الملوك ويقال له: أبيت اللّعن.
وتركوا ذلك في الإسلام من غير أن يكون كفرا.
وقد ترك العبد أن يقول لسيده ربّي، كما يقال ربّ الدار، وربّ البيت.
стр. 214
وكذلك حاشية السيّد والملك تركوا أن يقولوا ربّنا. كما قال الحارث بن حلّزة: [من الخفيف]
ربّنا وابننا وأفضل من يم ... شي ومن دون ما لديه الثّناء «١»
وكما قال لبيد حين ذكر حذيفة بن بدر: [من الطويل]
وأهلكن يوما ربّ كندة وابنه ... وربّ معدّ بين خبت وعرعر «٢»
وكما عيّر زيد الخيل حاتما الطائيّ في خروجه من طيّء ومن حرب الفساد «٣» ، إلى بني بدر، حيث يقول: [من الطويل]
وفرّ من الحرب العوان ولم يكن ... بها حاتم طبّا ولا متطبّبا «٤»
وريب حصنا بعد أن كان آبيا ... أبوّة حصن فاستقال وأعتبا
أقم في بني بدر ولا ما يهمنا ... إذا ما تقضّت حربنا أن تطربا
وقال عوف بن محلّم، حين رأى الملك: إنّه ربي وربّ الكعبة. وزوجه أمّ أناس بنت عوف.
وكما تركوا أن يقولوا لقوّام الملوك السّدنة وقالوا الحجبة.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنّى عن أبي عبد الرحمن يونس بن حبيب النحوي حين أنشده شعر الأسديّ: [من الوافر]
ومركضة صريحي أبوها ... تهان لها الغلامة والغلام «٥»
قال: فقلت له: فتقول: للجارية غلامة؟ قال: لا، هذا من الكلام المتروك وأسماؤه زالت مع زوال معانيها، كالمرباع والنّشيطة وبقي الصّفايا؛ فالمرباع: ربع جميع الغنيمة الذي كان خالصا للرئيس، وصار في الإسلام الخمس، على ما سنّه الله
стр. 215
تعالى. وأما النّشيطة فإنّه كان للرئيس أن ينشط عند قسمة المتاع العلق النفيس يراه إذا استحلاه. وبقي الصفيّ وكان لرسول الله ﷺ من كل مغنم، وهو كالسيف اللهذم والفرس العتيق، والدرع الحصينة، والشيء النادر.
وقال ابن عنمة الضبّي حليف بني شيبان، في مرثيته بسطام بن قيس: [من الوافر]
لك المرباع منها والصّفايا ... وحكمك والنّشيطة والفضول «١»
والفضول: فضول المقاسم، كالشيء إذا قسم وفضلت فضلة استهلكت، كاللؤلؤة، والسيف، والدّرع، والبيضة، والجارية، وغير ذلك.
٢٤٢-[الألفاظ الإسلامية المشتقة]
وأسماء حدثت ولم تكن، وإنّما اشتقّت لهم من أسماء متقدّمة، على التشبيه، مثل قولهم لمن أدرك الجاهليّة والإسلام مخضرم كأبي رجاء العطارديّ، بن سالمة، وشقيق بن سالمة؛ ومن الشعراء النابغة الجعديّ وابن مقبل، وأشباههم من الفقهاء والشعراء. ويدلّ على أنّ هذا الاسم أحدث في الإسلام، أنّهم في الجاهليّة لم يكونوا يعلمون أنّ ناسا يسلمون وقد أدركوا الجاهليّة، ولا كانوا يعلمون أنّ الإسلام يكون.
ويقال إنّ أوّل من سمّى الأرض التي لم تحفر قطّ ولم تحرث إذا فعل بها ذلك مظلومة، النابغة حيث يقول: [من البسيط]
إلّا الأوراريّ لأيا ما أبيّنها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد «٢»
ومنه قيل سقاء مظلوم إذا أعجل عليه قبل إدراكه. وقال الحادرة: [من الكامل]
ظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النّطاف له بعيد المقلع «٣»
стр. 216
وقال آخر: [من الرجز]
قالت له ميّ بأعلى ذي سلم ... لو ما تزورنا إذا الشعب ألمّ
ألا بلى يا ميّ واليوم ظلم «١»
يقول ظلم حين وضع الشيء في غير موضعه. وقال الآخر: [من الرجز]
أنا أبو زينب واليوم ظلم
وقال ابن مقبل: [من البسيط]
عاد الأذلّة في دار وكان بها ... هرت الشّقاشق ظلّامون للجزر «٢»
وقال آخر: [من الطويل]
وصاحب صدق لم تنلني أذاته ... ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر «٣»
وقال آخر: [من البسيط]
لا يظلمون إذا ضيفوا وطابهم ... وهم لجودهم في جزرهم ظلم
وظلم الجزور: أن يعرقبوها، وكان في الحقّ أن تنحر نحرا. وظلمهم الجزر أيضا أن ينحروها صحاحا سمانا لا علّة بها.
قال: ومن ذلك قولهم: «الحرب غشوم» «٤» ؛ وإنّما سمّيت بهذا لأنّها تنال غير الجاني.
قال: ومن ذلك قولهم: «من أشبه أباه فما ظلم» «٥» ، يقول: قد وضع الشبه في موضعه.
ومن المحدث المشتقّ، اسم منافق لمن راءى بالإسلام واستسرّ بالكفر أخذ
стр. 217
ذلك من النافقاء والقاصعاء والدامّاء «١» ، ومثل المشرك والكافر، ومثل التيمّم. قال الله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً*
«٢» أي تحرّوا ذلك وتوخّوه. وقال: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ
«٣» فكثر هذا في الكلام حتّى صار التيمّم هو المسح نفسه «٤» . وكذلك عادتهم وصنيعهم في الشيء إذا طالت صحبتهم وملابستهم له.
وكما سمّوا رجيع الإنسان الغائط، وإنّما الغيطان البطون التي كانوا ينحدرون فيها إذا أرادوا قضاء الحاجة للستر «٥» .
ومنه العذرة، وإنّما العذرة الفناء، والأفنية هي العذرات، ولكن لما طال إلقاؤهم النّجو والزّبل في أفنيتهم، سمّيت تلك الأشياء التي رموا بها، باسم المكان الذي رميت به «٦» . وفي الحديث: «أنقوا عذراتكم» «٧» .
وقال ابن الرقيّات: [من الخفيف]
رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطّلحات «٨»
كان لا يحجب الصديق ولا يع ... تلّ بالبخل طيّب العذرات
ولكنّهم لكثرة ما كانوا يلقون نجوهم في أفنيتهم سموها باسمها.
ومنه النّجو: وذلك أنّ الرجل كان إذا أراد قضاء الحاجة تستّر بنجوة «٩» .
والنّجو: الارتفاع من الأرض، قالوا من ذلك: ذهب ينجو، كما قالوا ذهب يتغوّط إذا ذهب إلى الغائط لذلك الأمر، ثمّ اشتقوا منه فقالوا إذا غسل موضع النجو قد استنجى.
стр. 218
وقالوا: ذهب إلى المخرج، وإلى المتوضّأ، وإلى المذهب، وإلى الخلاء، وإلى الحشّ، وإنّما الحشّ القطعة من النّخل وهي الحشّان «١» . وكانوا بالمدينة إذا أرادوا قضاء الحاجة دخلوا النخل؛ لأنّ ذلك أستر، فسموا المتوضأ الحشّ، وإن كان بعيدا من النخل؛ كلّ ذلك هربا من أن يقولوا ذهب لخرء، لأنّ الاسم الخرء، وكل شيء سواه من [نجو] ورجيع وبراز وزبل وغائط فكله كناية.
ومن هذا الباب الملّة، والملّة موضع الخبزة، فسموا الخبزة باسم موضعها.
وهذا عند الأصمعيّ خطأ.
ومن هذا الشكل الراوية، والراوية هو الجمل نفسه، وهو حامل المزادة فسمّيت المزادة باسم حامل المزادة «٢» . ولهذا المعنى سمّوا حامل الشعر والحديث راوية.
ومنه قولهم: ساق إلى المرأة صداقها. قالوا: وإنّما كان يقال ذلك حين كانوا يدفعون في الصّداق إبلا، وتلك الإبل يقال لها النافجة. وقال شاعرهم: [من الطويل]
وليس تلادي من وراثة والدي ... ولا شاد مالي مستفاد النوافج «٣»
وكانوا يقولون: تهنيك النافجة. قال: فإذا كانوا يدفعون الصّداق عينا وورقا فلا يقال ساق إليها الصّداق.
ومن ذلك أنّهم كانوا يضربون على العروس البناء، كالقبّة والخيمة والخيام، على قدر الإمكان، فيقال بنى عليها، اشتقاقا من البناء، ولا يقال ذلك اليوم. والعروس إمّا أن تكون مقيمة في مكانها أو تتحوّل إلى مكان أقدم من بنائها.
قال «٤» : ومن ذلك قولهم في البغيّ المكتسبة بالفجور: قحبة، وإنّما القحاب السعال. وكانوا إذا أرادوا الكناية عن من زنت وتكسّبت بالزنى، قالوا قحبت أي سعلت، كناية. وقال الشاعر: [من مجزوء الكامل]
إنّ السّعال هو القحاب
وقال: [من الرمل]
وإذا ما قحبت واحدة ... جاوب المبعد منها فخضف «٥»
стр. 219
وكذلك كان كنايتهم في انكشاف عورة الرجل، يقال «١» : كشف علينا متاعه وعورته وشواره. والشّوار: المتاع. وكذلك الفرج وإنّما يعنون الأير والحر والاست.
٢٤٣-[كلمات للنبي ﷺ ، لم يتقدمه فيهن أحد]
وكلمات النبيّ ﷺ ، لم يتقدّمه فيهنّ أحد «٢» : من ذلك قوله: «إذا لا ينتطح فيها عنزان» «٣» . ومن ذلك قوله: «مات حتف أنفه» «٤» . ومن ذلك قوله: «يا خيل الله اركبي» «٥» ومن ذلك قوله: «كلّ الصّيد في جوف الفرا» «٦» ، وقوله: «لا يلسع المؤمن من جحر مرتين» «٧» .
٢٤٤-[شنشنة أعرفها من أخزم]
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: «شنشنة أعرفها من أخزم» «٨» ، يعني شبه ابن العبّاس بالعبّاس. وأخزم: فحل معروف بالكرم.
٢٤٥-[ما يكره من الكلام]
وأما الكلام الذي جاءت به كراهية من طريق الروايات، فروي عن رسول الله
стр. 220
صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «لا يقولنّ أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي» «١» ، كأنه كره ﷺ أن يضيف المؤمن الطاهر إلى نفسه الخبث والفساد بوجه من الوجوه.
وجاء عن عمر ومجاهد وغيرهما النهي عن قول القائل: استأثر الله بفلان، بل يقال مات فلان. ويقال استأثر الله بعلم الغيب واستأثر الله بكذا وكذا.
قال النّخعيّ: كانوا يكرهون أن يقال: قراءة عبد الله، وقراءة سالم، وقراءة أبيّ، وقراءة زيد. وكانوا يكرهون أن يقولوا سنّة أبي بكر وعمر، بل يقال سنّة الله وسنّة رسوله، ويقال فلان يقرأ بوجه كذا، وفلان يقرأ بوجه كذا.
وكره مجاهد أن يقولوا مسيجد ومصيحف، للمسجد القليل الذّرع، والمصحف القليل الورق. ويقول: هم وإن لم يريدوا التصغير فإنّه بذلك شبيه.
٢٤٦-[تصغير الكلام]
وربّما صغّروا الشيء من طريق الشّفقة والرّقّة «٢» ، كقول عمر: أخاف على هذا العريب. وليس التصغير بهم يريد. وقد يقول الرجل: إنّما فلان أخيّي وصديّقي؛ وليس التصغير له يريد. وذكر عمر ابن مسعود فقال: «كنيف ملئ علما» «٣» . وقال الحباب بن المنذر يوم السّقيفة: «أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجّب» «٤» .
وهذا كقول النبيّ ﷺ لعائشة: «الحميراء» «٥» ، وكقولهم لأبي قابوس الملك: أبو قبيس. وكقولهم: دبّت إليه دويهية الدهر، وذلك حين أرادوا لطافة المدخل ودقّة المسلك.
ويقال إنّ كلّ فعيل في أسماء العرب فإنّما هو على هذا المعنى، كقولهم
стр. 221
المعيديّ، وكنحو: سليم، وضمير، وكليب، وعقير، وجعيل، وحميد، وسعيد، وجبير؛ وكنحو عبيد، وعبيد الله، وعبيد الرماح. وطريق التحقير والتصغير إنّما هو كقولهم: نجيل ونذيل. قالوا: وربّ اسم إذا صغّرته كان أملأ للصّدر، مثل قولك أبو عبيد الله، هو أكبر في السماع من أبي عبد الله، وكعب بن جعيل، هو أفخم من كعب بن جعل. وربّما كان التصغير خلقة وبنية، لا يتغيّر، كنحو الحميّا والسّكيت، وجنيدة، والقطيعا، والمريطاء، والسّميراء، والمليساء- وليس هو كقولهم القصيرى، وفي كبيدات السماء والثّريا.
وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: دققت الباب على رسول الله ﷺ ، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا! كأنّه كره قولي أنا «١» .
وحدّثني أبو عليّ الأنصاري، وعبد الكريم الغفاريّ قالا: حدّثنا عيسى بن حاضر قال: كان عمرو بن عبيد يجلس في داره، وكان لا يدع بابه مفتوحا، فإذا قرعه إنسان قام بنفسه حتّى يفتحه له. فأتيت الباب يوما فقرعته فقال: من هذا؟ فقلت: أنا.
فقال: ما أعرف أحدا يسمّى أنا. فلم أقل شيئا وقمت خلف الباب، إذ جاء رجل من أهل خراسان فقرع الباب، فقال عمرو: من هذا؟ فقال: رجل غريب قدم عليك، يلتمس العلم. فقام له ففتح له الباب، فلمّا وجدت فرجة أردت أن ألج الباب، فدفع الباب في وجهي بعنف، فأقمت عنده أيّاما ثم قلت في نفسي: والله إنّي يوم أتغضّب على عمرو بن عبيد، لغير رشيد الرأي. فأتيت الباب فقرعته عليه فقال: من هذا؟
فقلت: عيسى بن حاضر. فقام ففتح لي الباب.
وقال رجل عند الشّعبيّ: أليس الله قال كذا وكذا! قال: وما علّمك؟ وقال الربيع بن خثيم: اتّقوا تكذيب الله، ليتّق أحدكم أن يقول قال الله في كتابه كذا وكذا، فيقول الله كذبت لم أقله.
وقال عمر بن الخطّاب ﵁: لا يقل أحدكم أهريق الماء ولكن يقول أبول.
وسأل عمر رجلا عن شيء، فقال: الله أعلم. فقال عمر: قد خزينا إن كنّا لا نعلم أنّ الله أعلم؛ إذا سئل أحدكم عن شيء فإن كان يعلمه قاله، وإن كان لا يعلمه قال: لا علم لي بذلك.
стр. 222
وسمع عمر رجلا يدعو ويقول؛ اللهمّ اجعلني من الأقلّين! قال: ما هذا الدعاء؟
قال: إنّي سمعت الله يقول: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
«١» وقال: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
«٢» . قال عمر: عليك من الدعاء بما يعرف.
وكره عمر بن عبد العزيز قول الرجل لصاحبه: ضعه تحت إبطك، وقال: هلّا قلت تحت يدك وتحت منكبك! وقال مرّة- وراث فرس بحضرة سليمان- فقال:
ارفعوا ذلك النّثيل «٣» . ولم يقل ذلك الرّوث.
وقال الحجّاج لأمّ عبد الرحمن بن الأشعث: عمدت إلى مال الله فوضعته تحت. كأنّه كره أن يقول على عادة الناس: تحت استك، فتلجلج خوفا من أن يقول قذعا أو رفثا، ثمّ قال: تحت ذيلك.
وقال النبيّ ﷺ : «لا يقولنّ أحدكم لمملوكه عبدي وأمتي، ولكن يقول: فتاي وفتاتي، ولا يقول المملوك ربّي وربّتي، ولكن يقول سيّدي وسيّدتي» «٤» .
وكره مطرّف بن عبد الله، قول القائل للكلب: اللهمّ أخزه.
وكره عمران بن الحصين، أن يقول الرّجل لصاحبه: «أنعم الله بك عينا» ؛ و «لا أنعم الله بك عينا» .
وقد كرهوا أشياء ممّا جاءت في الروايات لا تعرف وجوهها، فرأي أصحابنا: لا يكرهونها. ولا نستطيع الردّ عليهم، ولم نسمع لهم في ذلك أكثر من الكراهة. ولو كانوا يروون الأمور مع عللها وبرهاناتها خفّت المؤنة، ولكنّ أكثر الروايات مجرّدة، وقد اقتصروا على ظاهر اللفظ دون حكاية العلة، ودون الإخبار عن البرهان. وإن كانوا قد شاهدوا النوعين مشاهدة واحدة.
قال ابن مسعود وأبو هريرة «٥» : «لا تسمّوا العنب الكرم؛ فإنّ الكرم هو الرجل المسلم «٦» .
стр. 223
وقد رفعوا ذلك إلى النبي ﷺ .
وأمّا قوله: «لا تسبّوا الدّهر فإنّ الدهر هو الله» «١» فما أحسن ما فسّر ذلك عبد الرحمن بن مهديّ قال: وجه هذا عندنا، أنّ القوم قالوا: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
«٢» فلما قال القوم ذلك، قال النبيّ ﷺ : «ذلك الله» . يعني أنّ الذي أهلك القرون هو الله ، فتوهم منه المتوهّم أنّه إنّما أوقع الكلام على الدهر.
وقال يونس: وكما غلطوا في قول النبي ﷺ لحسّان: «قل ومعك روح القدس» «٣» فقالوا: قال النبي ﷺ لحسّان: قل ومعك جبريل «٤» ؛ لأنّ روح القدس أيضا من أسماء جبريل. ألا ترى أنّ موسى قال: «ليت أنّ روح الله مع كلّ أحد» ، وهو يريد العصمة والتوفيق. والنصارى تقول للمتنبّي: معه روح دكالا، ومعه روح سيفرت. وتقول اليهود: معه روح بعلزبول، يريدون شيطانا. فإذا كان نبيا قالوا:
روحه روح القدس، وروحه روح الله، وقال الله : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
«٥» ، يعني القرآن.
وسمع الحسن رجلا يقول: طلع سهيل وبرد الليل. فكره ذلك وقال: إنّ سهيلا لم يأت بحرّ ولا ببرد قطّ. ولهذا الكلام مجاز ومذهب، وقد كره الحسن كما ترى.
وكره مالك بن أنس أن يقول الرجل للغيم والسحابة: ما أخلقها للمطر! وهذا كلام مجازه قائم، وقد كرهه ابن أنس. كأنّهم من خوفهم عليهم العود في شيء من أمر الجاهليّة، احتاطوا في أمورهم، فمنعوهم من الكلام الذي فيه أدنى متعلّق.
ورووا أنّ ابن عبّاس قال: لا تقولوا والذي خاتمه على فمي، فإنّما يختم الله على فم الكافر. وكره قولهم: قوس قزح. وقال: قزح شيطان «٦» ، وإنّما ذهبوا إلى
стр. 224
التعريج والتلوين، كأنّه كره ما كانوا عليه من عادات الجاهلية. وكان أحبّ أن يقال قوس الله، فيرفع من قدره، كما يقال بيت الله، وزوّار الله، وأرض الله، وسماء الله، وأسد الله «١» .
وقالت عائشة ﵂: «قولوا لرسول الله ﷺ خاتم النبيين، ولا تقولوا: لا نبيّ بعده» فإلّا تكن ذهبت إلى نزول المسيح فما أعرف له وجها إلّا أن تكون قالت لا تغيّروا ما سمعتم، وقولوا كما قيل لكم، والفظوا بمثله سواء.
وكره ابن عمر ﵄ قول القائل: أسلمت في كذا وكذا، وقال: ليس الإسلام إلّا لله . وهذا الكلام مجازه عند الناس سهل، وقد كرهه ابن عمر، وهو أعلم بذلك.
وكره ابن عبّاس ﵄ قول القائل: أنا كسلان.
وقال عمر: لا تسمّوا الطريق السّكّة.
وكره أبو العالية قول القائل: كنت في جنازة، وقال: قل تبعت جنازة. كأنّه ذهب إلى أنّه عنى أنّه كان في جوفها، وقال قل تبعت جنازة. والناس لا يريدون هذا، ومجاز هذا الكلام قائم، وقد كرهه أبو العالية، وهي عندي شبيه بقول من كره أن يقول: أعطاني فلان نصف درهم. وقال: إذا قلت: كيف تكيل الدقيق؟ فليس جوابه أن تقول: القفيز بدنينير، ولكن يتناول القفيز ثم يكيل به الدقيق، ويقول: هكذا الكيلة وهذا من القول مسخوط! وكره ابن عبّاس قول القائل: الناس قد انصرفوا، يريد من الصلاة، قال بل قولوا:
قد قضوا الصلاة، وقد فرغوا من الصلاة، وقد صلّوا؛ لقوله: ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
«٢» ، قال: وكلام الناس: كان ذلك حين انصرفنا من الجنازة، وقد انصرفوا من السّوق، وانصرف الخليفة، وصرف الخليفة الناس من الدار اليوم بخير، وكنت في أوّل المنصرفين. وقد كرهه ابن عبّاس. ولو أخبرونا بعلّته انتفعنا بذلك.
وكره حبيب بن أبي ثابت، أن يقال للحائض طامث، وكره مجاهد قول القائل:
دخل رمضان، وذهب رمضان، وقال: قولوا شهر رمضان، فلعلّ رمضان اسم من أسماء الله تعالى.
стр. 225
قال أبو إسحاق: إنما أتى من قبل قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
«١» فقد قال الناس يوم التّروية، ويوم عرفة ولم يقولوا عرفة.
٢٤٧-[رأي النظّام في بعض المفسرين]
كان أبو إسحاق يقول: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسّرين، وإن نصبوا أنفسهم للعامّة، وأجابوا في كلّ مسألة؛ فإن كثيرا منهم يقول بغير رواية على غير أساس، وكلّما كان المفسّر أغرب عندهم كان أحبّ إليهم، وليكن عندكم عكرمة، والكلبيّ، والسّدّي، والضّحاك، ومقاتل بن سليمان، وأبو بكر الأصمّ، في سبيل واحدة. فكيف أثق بتفسيرهم وأسكن إلى صوابهم، وقد قالوا في قوله :
وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ
«٢» : إنّ الله لم يعن بهذا الكلام مساجدنا التي نصلّي فيها، بل إنّما عنى الجباه وكل ما سجد الناس عليه: من يد ورجل، وجبهة وأنف وثفنة.
وقالوا في قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
«٣» : إنّه ليس يعني الجمال والنّوق، وإنّما يعني السحاب «٤» .
وإذا سئلوا عن قوله: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ
«٥» قالوا: الطلح هو الموز.
وجعلوا الدليل على أنّ شهر رمضان قد كان فرضا على جميع الأمم وأنّ الناس غيّروه، قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
«٦» .
وقالوا في قوله تعالى: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
«٧» قالوا:
يعني أنّه حشره بلا حجّة.
وقالوا في قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
«٨» : الويل واد في جهنم. ثم قعدوا
стр. 226
يصفون ذلك الوادي. ومعنى الويل في كلام العرب معروف، وكيف كان في الجاهليّة قبل الإسلام، وهو من أشهر كلامهم! وسئلوا عن قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
«١» قالوا: الفلق: واد في جهنم، ثمّ قعدوا يصفونه. وقال آخرون: الفلق: المقطرة بلغة اليمن.
وقال آخرون في قوله تعالى: عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا
«٢» قالوا: أخطأ من وصل بعض هذه الكلمة ببعض. قالوا: وإنّما هي: سل سبيلا إليها يا محمد. فإن كان كما قالوا فأين معنى تسمّى، وعلى أيّ شيء وقع قوله تسمّى فتسمّى ماذا، وما ذلك الشيء؟
وقالوا في قوله تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا
«٣» قالوا الجلود كناية عن الفروج. كأنه كان لا يرى أنّ كلام الجلد من أعجب العجب! وقالوا في قوله تعالى: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
«٤» : إنّ هذا إنّما كان كناية عن الغائط. كأنه لا يرى أنّ في الجوع وما ينال أهله من الذّلّة والعجز والفاقة، وأنّه ليس في الحاجة إلى الغذاء- ما يكتفى به في الدّلالة على أنّهما مخلوقان، حتّى يدّعي على الكلام ويدّعي له شيئا قد أغناه الله تعالى عنه.
وقالوا في قوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ
«٥» : إنّه إنما عنى قلبه.
ومن أعجب التأويل قول اللّحياني: (الجبّار) من الرجال يكون على وجوه:
يكون جبّارا في الضّخم والقوّة، فتأوّل قوله تعالى: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ
«٦» قال:
ويكون جبّارا على معنى قتّالا، وتأوّل في ذلك: وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ
«٧» ، وقوله لموسى ﷺ : إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ
«٨» أي قتّالا بغير حقّ.
والجبار: المتكبّر عن عبادة الله تعالى، وتأوّل قوله :
стр. 227
وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا
«١» ، وتأوّل في ذلك قول عيسى: وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا
«٢» أي لم يجعلني متكبّرا عن عبادته، قال: الجبّار: المسلّط القاهر، وقال: وهو قوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ
«٣» أي مسلّط فتقهرهم على الإسلام. والجبّار: الله.
وتأوّل أيضا (الخوف) على وجوه، ولو وجده في ألف مكان لقال: والخوف على ألف وجه، وكذلك الجبّار. وهذا كلّه يرجع إلى معنى واحد؛ إلّا أنّه لا يجوز أن يوصف به إلّا الله .
٢٤٨-[تكلف بعض القضاة في أحكامهم]
وقال رجل لعبيد الله بن الحسن القاضي: إنّ أبي أوصى بثلث ماله في الحصون. قال: اذهب فاشتر به خيلا، فقال الرجل: إنّه إنّما ذكر الحصون! قال: أما سمعت قول الأسعر الجعفيّ: [من الكامل]
ولقد علمت على تجنّبي الرّدى ... أنّ الحصون الخيل لا مدر القرى «٤»
فينبغي في مثل هذا القياس على هذا التأويل، أنّه ما قيل للمدن والحصون حصون إلّا على التشبيه بالخيل.
وخبّرني النّوشروانيّ قال: قلت للحسن القاضي: أوصى جدّي بثلث ماله لأولاده، وأنا من أولاده. قال: ليس لك شيء. قلت: ولم؟ قال: أو ما سمعت قول الشاعر: [من الطويل]
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد «٥»
قال: فشكوت ذلك إلى فلان فزادني شرّا.
وقالوا في قوله «٦» : ما ساءك وناءك: ناءك، أبعدك. قالوا: وساءك أبرصك. قال:
لقوله تعالى: تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ*
«٧» . وبئس التكلّف.
стр. 228
وقال ابن قميئة: [من الطويل]
وحمّال أثقال إذا هي أعرضت ... على الأصل لا يسطيعها المتكلّف «١»
وقال الله وهو يخبر عن نبيّه ﷺ : وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
«٢» .
وليس يؤتى القوم إلّا من الطمع، ومن شدّة إعجابهم بالغريب من التأويل.
٢٤٩-[رأي في فقه أبي حنيفة]
وسئل حفص بن غياث، عن فقه أبي حنيفة، فقال: أعلم الناس بما لم يكن، وأجهل الناس بما كان «٣» ! وقالوا في قوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
«٤» قالوا: النعيم: الماء الحارّ في الشتاء، والبارد في الصيف.
٢٥٠-[الصّرورة]
ومن الأسماء المحدثة التي قامت مقام الأسماء الجاهليّة، قولهم في الإسلام لمن لم يحجّ: صرورة.
وأنت إذا قرأت أشعار الجاهليّة وجدتهم قد وضعوا هذا الاسم على خلاف هذا الموضع. قال ابن مقروم الضّبّيّ: [من الكامل]
لو أنّها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متبتّل «٥»
لدنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولهمّ من تاموره بتنزّل
والصرورة عندهم إذا كان أرفع الناس في مراتب العبادة، وهو اليوم اسم للذي لم يحجّ إمّا لعجز، وإمّا لتضييع، وإمّا لإنكار. فهما مختلفان كما ترى.
٢٥١-[ألفاظ القرآن الكريم]
فإذا كانت العرب يشتقّون كلاما من كلامهم وأسماء من أسمائهم، واللغة
стр. 229
عاريّة في أيديهم ممّن خلقهم ومكّنهم وألهمهم وعلّمهم، وكان ذلك منهم صوابا عند جميع الناس؛ فالذي أعارهم هذه النّعمة أحقّ بالاشتقاق وأوجب طاعة. وكما أنّ له أن يبتدئ الأسماء؛ فكذلك له أن يبتدئها ممّا أحبّ.. قد سمّى كتابه المنزل قرآنا، وهذا الاسم لم يكن حتى كان، وجعل السجود للشمس كفرا، فلا يجوز أن يكون السجود لها كفرا إلّا وترك ذلك السجود بعينه يكون إيمانا، والترك للشيء لا يكون إلّا بالجارحة التي كان بها الشيء، وفي مقداره من الزمان، وتكون بدلا منه وعقبا. فواحدة أن يسمّى السجود كفرا، وإذا كان كفرا كان جحودا وإذا كان جحودا كان شركا، والسجود ليس بجحد، والجحد ليس بإشراك إلّا أن تصرفه إلى الوجه الذي يصير به إشراكا.
٢٥٢-[ما اشتق من نباح الكلاب]
وقال طفيل الغنويّ: [من الطويل]
عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا تمّ حول مجرّم «١»
وإنّما أخذ ذلك للجميع من نباح الكلاب.
وذكروا أن الظّبي إذا أسنّ ونبتت لقرونه شعب نبح، وهو قول أبي دؤاد: [من الهزج]
وقصرى شنج الأنسا ... ء نبّاح من الشعب «٢»
يعني من جهة الشعب؛ وأنشد بعضهم: [من الطويل]
وينبح بين الشعب نبحا كأنّه ... نباح سلوق أبصرت ما يريبها «٣»
وبيّضها الهزل المسوّد غيرها ... كما ابيضّ عن حمض المراحم نيبها
لأن الظّبي إذا هزل ابيضّ، والبعير يشيب وجهه من أكل الحمض. وكذلك قال ابن لجأ: [من الرجز]
شابت ولمّا تدن من ذكائها «٤»
стр. 230
كما قال الآخر: [من الرجز]
أكلن حمضا فالوجوه شيب ... شربن حتى نزح القليب «١»
وقد تصير النّاقة الحمراء إذا أتمّت حبشيّة. ولذلك قال الشاعر: [من الكامل]
حمراء لا حبشيّة الإتمام
وما أشبه ذلك بقول العبديّ: [من الطويل]
وداويتها حتّى شتت حبشيّة ... كأنّ عليها سندسا وسدوسا «٢»
والدّواء: اللبن، فلذلك تصير الفرس إذا ألقت شعرها وطرّت، تستديل هذا اللون.
وقال خالد بن الصقعب النّهديّ: [من الوافر]
هبطنا بعد عهدك بطن خبت ... تظلّ حمامه مثل الخصوم «٣»
كأنّ عرين أيكته تلاقى ... به جمعان من نبط وروم
نباح الهدهد الحوليّ فيه ... كنبح الكلب في الأنس المقيم
ويقال إنّ الهدهد ينبح. وربّما جعلوا الهدهد، الذي ينبح، الحمام الذكر. قال الشاعر- وهو يصف الحمام الذّكر كيف يصنع فيها: [من الكامل]
وإذا استترن أرنّ فيها هدهد ... مثل المداك خضبته بجساد «٤»
وقال طفيل في النّبوح مدفّع ... عن الزّاد ممّا جلّف الدهر محثل «٥»
стр. 231
وقال الجعديّ: [من المتقارب]
فلما دنونا لصوت النّباح ... ولا نبصر الحيّ إلّا التماسا «١»
وقال ابن عبدل: [من الكامل]
آليت إذ آليت مجتهدا ... ورفعت صوتا ما به بحح
لا يدرك الشعراء منزلتي ... في الشعر إن سكتوا وإن نبحوا
وقال عمرو بن كلثوم: [من الوافر]
وقد هرّت كلاب الحيّ منّا ... وشدّ بنا قتادة من يلينا «٢»
وقال بعض العلماء: كلاب الحيّ شعراؤهم، وهم الذين ينبحون دونهم، ويحمون أعراضهم. وقال آخرون: إن كلاب الحيّ كلّ عقور، وكلّ ذي عيون أربع.
وأما قوله: [من الوافر]
لعمرك ما خشيت على أبيّ ... رماح بني مقيّدة الحمار «٣»
ولكنّي خشيت على أبيّ ... رماح الجنّ أو إيّاك حار
فالطّواعين هي عند العرب رماح الجن. وفي الحديث: «إنّ الطاعون وخز من الشيطان» «٤» .
وقال أبو سلمى: [من الرجز]
لا بدّ للسّودد من أرماح ... ومن سفيه دائم النّباح
ومن عديد يتّقى بالرّاح «٥»
وقال الأعشى: [من الرمل]
مثل أيّام لنا نعرفها ... هرّ كلب النّاس فيها ونبح «٦»
стр. 232
رزن الأحلام في مجلسهم ... كلّما كلب من الناس نبح
وقال: [من الطويل]
سينبح كلبي جاهدا من ورائكم ... وأغنى غنائي عنكم أن أؤنّبا «١»
وقال أبو ذؤيب: [من الطويل]
ولا هرّها كلبي ليبعد تعرها ... ولو نبحتني بالشّكاة كلابها «٢»
كلابها: شعراؤها، وهو قول بشر بن أبي خازم: [من الوافر]
وإنّي والشّكاة لآل لأم ... كذات الضّغن تمشي في الرّفاق «٣»
وقال أبو زبيد: [من الطويل]
ألم ترني سكّنت لأيا كلابهم ... وكفكفت عنكم أكلبي وهي عقّر «٤»
٢٥٣-[هجاء ضروب من الحيوان]
قال صاحب الكلب: قد علمنا أنّكم تتبّعتم على الكلب كلّ شيء هجي به، وجعلتم ذلك دليلا على سقوط قدره وعلى لؤم طبعه؛ وقد رأينا الشعراء قد هجوا الأصناف كلّها، فلم يفلت منهم إنسان ولا سبع، ولا بهيمة ولا طائر ولا همج ولا حشرة، ولا رفيع من الناس ولا وضيع، إلّا أن يسلم بعض ذلك عليهم بالخمول، فكفاك بالخمول دقّة ولؤما وقلّة ونذالة. وقال أميّة بن أبي عائذ لإياس بن سهم: [من الطويل]
فأبلغ إياسا أنّ عرض ابن أختكم ... رداؤك فاصطن حسنه أو تبذّل «٥»
فإن تك ذا طول فإني ابن أختكم ... وكلّ ابن أخت من ندى الخال مغتلي
فكن أسدا أو ثعلبا أو شبيهه ... فمهما تكن أنسب إليك وأشكل
стр. 233
فما ثعلب إلّا ابن أخت ثعالة ... وإنّ ابن أخت اللّيث ريبال أشبل
ولن تجد الآساد أخوال ثعلب ... إذا كانت الهيجا تلوذ بمدخل
فهذا من الثعلب. وقال مزرّد بن ضرار: [من الطويل]
وإنّ كناز اللّحم من بكراتكم ... تهرّ عليها أمّكم وتكالب «١»
وليت الذي ألقى فناؤك رحله ... لتقريه بالت عليه الثعالب
فقد وضع الثعلب كما ترى بهذا الموضع الذي كفاك به نذالة. قال ابن هرمة:
[من الوافر]
فما عادت بذي يمن رؤوسا ... ولا ضرّت لفرقتها نزارا «٢»
كعنز السّوء تنطح من خلاها ... وترأم من يحدّ لها الشّفارا
وهذا قول الشاعر في العنز. وقال ابن أحمر: [من البسيط]
إنا وجدنا بني سهم وجاملهم ... كالعنز تعطف روقيها فترتضع «٣»
وقال الفرزدق: [من الطويل]
على حين لم أترك على الأرض حيّة ... ولا نابحا إلا استقرّ عقورها
وكان نفيع إذ هجاني لأهله ... كباحثة عن مدية تستثيرها «٤»
فهذا قولهم في العنز. ولا نعلم في الأرض أقلّ شرّا ولا أكثر خيرا من شاة.
وقال الخريميّ: [من البسيط]
يا للرجال لقوم قد مللتهم ... أرى جوارهم إحدى البليّات «٥»
ذئب رضيع وخنزير تعارضها ... عقارب وجنت وجنا بحيّات
ما ظنّكم بأناس خير كسبهم ... مصرّح السّحت سمّوه الأمانات
стр. 234
فهذا قولهم في العقارب والحيّات والضّباع والخنازير.
وقال حماد عجرد في بشّار: [من الكامل]
قد كان في حبّي غزالة شاغل ... للقرد عن شتمي وفي ثوبان
أو في سميعة أختها وشرادها ... لمجونها مع سفلة المجّان
أو بيت ضيق عرسه وركوبها ... شرّ البغاء بأوكس الأثمان
هذا قول حماد في القرد. وقال حمّاد في بشّار بن برد أيضا: [من الطويل]
ولكن معاذ الله لست بقاذف ... بريئا لسوّاق لقوم نوائح
وما قلت في الأعمى لجهل وأمّه ... ولكن بأمر بيّن لي واضح
سأعرض صحفا عن حصين لأمّه ... ولست عن القرد ابن برد بصافح
وقال الآخر: [من الطويل]
لما أتيت ابني يزيد بن خثعم ... أرى القرد والخنزير محتبيان
أمام بيوت القوم من آل خثعم ... وراء قبيحات الوجوه بطان
وقال العتّابي: [من الرجز]
اسجد لقرد السّوء في زمانه ... وإن تلقّاك بخنزوانه
لا سيّما ما دام في سلطانه «١»
وقال أبو الشمقمق: [من الرجز]
إن رياح اللّؤم من شحّه ... لا يطمع الخنزير في سلحه «٢»
كفّاه قفل ضلّ مفتاحه ... قد يئس الحدّاد من فتحه
وقال خلف بن خليفة: [من المتقارب]
فسبحان من رزقه واسع ... يعمّ به القرد والقرده
وهذا كثير. ولعمري لو جمع كلّه لكان مثل هجاء الناس للكلب، وكذلك لو جمع جميع ما مدح به الأسد فما دونه، والأمثال السائرة التي وقعت في حمد هذه الأشياء، لما كانت كلّها في مقدار مديح الكلب. فهذه حجّتنا في مرتبة الكلب على جميع السباع والبهائم.
стр. 235
ولما قال معبد في قتل الكلب، وتلا قول الله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ
«١» ، قال أبو إسحاق: وإن كنت إنّما جعلت الكلب شرّ الخلق بهذه العلّة، فقد قال على نسق هذا الكلام: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ
«٢» ، فالذي قال في الإبل والبقر والغنم أعظم، فأسقط من أقدارها بقدر معنى الكلام.
وأدنى ذلك أن تشرك بين الجميع في الذمّ فإنّك متى أنصفت في هذا الوجه، دعاك ذلك إلى أن تنصفها في تتبّع ما لها من الأشعار والأمثال والأخبار والآيات، كما تتبّعت ما عليها.
٢٥٤-[الشرف والخمول في القبائل]
وقال صاحب الكلب: سنضرب مثلا بيننا يكون عدلا: إذا استوى القبيلان في تقادم الميلاد ثم كان أحد الأبوين كثير الذرء «٣» والفرسان والحكماء والأجواد والشعراء، وكثير السادات في العشائر، وكثير الرؤساء في الأرحاء «٤» وكان الآخر قليل الذّرء والعدد، ولم يكن فيهم خير كثير ولا شر كثير، خملوا أو دخلوا في غمار العرب، وغرقوا في معظم الناس، وكانوا من المغمورين ومن المغمورين ومن المنسيّين، فسلموا من ضروب الهجاء ومن أكثر ذلك، وسلموا من أن يضرب بهم المثل في قلّة ونذالة إذا لم يكن شرّ، وكان محلّهم من القلوب محلّ من لا يغبط الشعراء، ولا يحسدهم الأكفاء؛ وكانوا كما قال حميد بن ثور: [من الطويل]
وقولا إذا جاوزتما أرض عامر ... وجاوزتما الحيّين نهدا وخثعما «٥»
نزيعان من جرم بن ربّان إنّهم ... أبوا أن يريقوا في الهزاهز محجما
وإذا تقادم الميلاد ولم يكن الذّرء وكان فيهم خير كثير وشرّ كثير، ومثالب
стр. 236
ومناقب، ولم يسلّموا من أن يهجوا ويضرب بهم المثل، ولعلّ أيضا أن تتفق لهم أشعار تتصل بمحبة الرواة، وأمثال تسير على ألسنة العلماء، فيصير حينئذ من لا خير فيه ولا شرّ، أمثل حالا في العامّة، ممّن فيه الفضل الكثير وبعض النقص، ولا سيّما إذا جاوروا من يأكلهم وحالفوا من لا ينصفهم، كما لقيت غنيّ أو باهلة.
ولو أنّ عبسا أقامت في بني عامر ضعف ما أقامت؛ لذهب شطر شرفها؛ ولكنّ قيس بن زهير لمّا رأى دلائل الشرّ قال لأصحابه: الذلّ في بني غطفان خير من العزّ في بني عامر! وقد يكون القوم حلولا مع بني أعمامهم، فإذا رأوا فضلهم عليهم حسدوهم وإن تركوا شيئا من إنصافهم اشتدّ ذلك عليهم وتعاظمهم، بأكثر من قدره، فدعاهم ذلك إلى الخروج منهم إلى أعدائهم. فإذا صاروا إلى آخرين نهكوهم وحملوا عليهم، فوق الذي كانوا فيه من بني أعمامهم، حتى يدعوهم ذلك إلى النّدم على مفارقتهم، فلا يستطيعون الرّجوع، حمية واتقاء، ومخافة أن يعودوا لهم إلى شيء مما كانوا عليه، وإلى المقام في حلفائهم الذين يرون من احتقارهم، ومن شدّة الصّولة عليهم.
٢٥٥-[بكل واد بنو سعد]
وقد خرج الأضبط بن قريع السّعديّ من بني سعد، فجاوز ناسا، فلما رأى مذهبهم وظلمهم ونهكهم، قال: «بكلّ واد بنو سعد!» »
، فأرسلها مثلا.
وقد كان عبّاس بن ريطة الرّعلي سيّد بني سليم، وقد ناله ضيم في بعض الأمر، فأبى الضّيم، فلما حاول مفارقتهم إلى بني غنم عزّ عليه فقال في كلمة له: [من الطويل]
وأمّكم تزجي التؤام لبعلها ... وأمّ أخيكم كزّة الرّحم عاقر
وزعموا أنّ أبا عمرو أنشد هذا الشعر، وخبّر عن هذه القصّة في يوم من أيامه، فدمعت عينه، فحلف شبيل بن عزرة بالطلاق: إنّه لعربيّ في الحقيقة لغيّة أو لرشدة!
٢٥٦-[قبائل في شطرها خير كثير وفي الشطر الآخر شرف وضعة]
فمن القبائل المتقادمة الميلاد التي في شطرها خير كثير، وفي الشطر الآخر شرف وضعة، مثل قبائل غطفان وقيس عيلان، ومثل فزارة ومرّة وثعلبة. ومثل عبس
стр. 237
وعبد الله بن غطفان، ثم غنيّ وباهلة، واليعسوب والطفاوة فالشرف والخطر في عبس وذبيان، والمبتلى والملقّى والمحروم والمظلوم، مثل باهلة وغنيّ، ممّا لقيت من صوائب سهام الشعراء، وحتّى كأنّهم آلة لمدارج الأقدام، ينكب فيها كلّ ساع، ويعثر بها كلّ ماش. وربّما ذكروا اليعسوب والطفاوة، وهاربة البقعاء «١» وأشجع الخنثى ببعض الذّكر. وذلك مشهور في خصائص العلماء ولا يجوز ذلك صدورهم. وجلّ معظم البلاء لم يقع إلّا بغنيّ وباهلة، وهم أرفع من هؤلاء وأكثر فضولا ومناقب، حتى صار من لا خير فيه ولا شرّ عنده أحسن حالا ممّن فيه الخير الكثير وبعض الشرّ، وصار مثلهم كما قال الشاعر: [من البسيط]
اضرب ندى طلحة الطّلحات مبتدئا ... ببخل أشعث واستثبت وكن حكما «٢»
تخرج خزاعة من لؤم ومن كرم ... ولا تعدّ لها لؤما ولا كرما
وقد ظرف في شعره فظلم خزاعة ظلما عبقريّا.
وقال في مثل ذلك الأشعر الرّقبان الأسديّ: [من المتقارب]
بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنّك فيهم غنيّ مضرّ «٣»
وأنت مليخ كلحم الحوار ... فلا أنت حلو ولا أنت مرّ
وكما قال الشاعر في علباء بن حبيب حيث يقول: [من الهزج]
أرى العلباء كالعلباء ... لا حلو ولا مرّ
شييخ من بني الجارو ... دلا خير ولا شرّ «٤»
فهذا ونحوه من أشدّ الهجاء.
стр. 238
والخمول اسم لجميع أصناف النّقص كلّها أو عامّتها، ولكنّه كالسّرو عند العلماء. وليس ينفعك العامّة إذا ضرّتك الخاصّة.
ومن هذا الضرب تميم بن مرّ، وثور وعكل، وتيم ومزينة. ففي عكل وتيم ومزينة من الشرف والفضل، ما ليس في ثور، وقد سلم ثور إلّا من الشيء اليسير، مما لا يرويه إلّا العلماء، ثم حلّت البليّة وركد الشرّ، والتحف الهجاء على عكل وتيم، وقد شعّثوا بين مزينة شيئاً، ولكنّهم حبّبهم إلى المسلمين قاطبة ما تهيأ لهم من الإسلام، حين قلّ حظّ تيم فيه. وقد نالوا من ضبّة، مع ما في ضبّة من الخصال الشريفة؛ لأنّ الأب متى نقص ولده في العدد عن ولد أخيه فقد ركبهم الآخرون بكلّ عظيمة، حتى يروا تسليم المرباع إليهم حظّا، والسير تحت اللواء، والحمل على أموالهم في النوائب؛ حتّى ربّما كانوا كالعضاريط والعسفاء؛ والأتباع، وفي الأتباع والدخلاء، ثم لا يجدون من ذلك بدّاً؛ كأنهم متى امتنعوا خذلوهم، فاستباحوهم، فرأوا أن النّعمة أربح لهم.
وقد أعان غيلان على الأحنف بكلمة، فقال الأحنف: عبيد في الجاهليّة، أتباع في الإسلام.
فإن هربوا تفرّقوا فصاروا أشلاء في البلاد، فصار حكمهم حكم من درج، وحكم أبيهم كحكم من لم يعقب. وإذا هم حالفوا القرباء فذلك حيث لا يرفعون رؤوسهم من الذلّ والغرم.
٢٥٧-[الحلف عند العرب]
والحلف ضربان: فأحدهما كانضمام عبس وضبّة، وأسد وغطفان فإنّ هؤلاء أقوياء لم ينهكوا كما نهكت باهلة وغنيّ، لحاجة القوم إليهم، ولخشونة مسّهم إن تذكّروا على حال؛ فقد لقيت ضبّة من سعد، وعبس من عامر، وأسد من عيينة بن حصن ما لقوا.
وقد رأيت مشقّة ذلك على النابغة، وكيف كره خروج أسد من بني ذبيان.
وعيينة بن حصن وإن كان أسود من النابغة وأشرف، فإنّ النابغة كان أحزم وأعقل.
وقد سلمت ثور وابتليت عكل وتيم، ولولا الربيع بن خثيم وسفيان الثوري، لما علمت العامّة أنّ في العرب قبيلة يقال لها ثور. ولشريف واحد ممّن قبلت تيم أكثر من ثور وما ولد.
стр. 239
وكذلك بلعنبر، قد ابتليت وظلمت وبخست، مع ما فيها من الفرسان والشّعراء، ومن الزّهاد، ومن الفقهاء، ومن القضاة والولاة، ومن نوادر الرّجال إسلاميّين وجاهليّين.
وقد سلمت كعب بن عمرو؛ فإنه لم ينلها من الهجاء إلّا الخمش والنّتف.
وربّ قوم قد رضوا بخمولهم مع السلامة على العامّة، فلا يشعرون حتّى يصبّ الله تعالى على قمم رؤوسهم حجارة القذف، بأبيات يسيّرها شاعر، وسوط عذاب يسير به الراكب والمثل، كما قال الشاعر: [من الرجز]
إن منافا فقحة لدارم ... كما الظليم فقحة البراجم «١»
وقال الشاعر: [من الوافر]
وجدنا الحمر من شرّ المطايا ... كما الحبطات شرّ بني تميم «٢»
فما الميسم في جلد البعير، بأعلق من بعض الشعر.
٢٥٨-[أثر الشعر في نباهة القبيلة]
وإذا كان بيت واحد يربطه الشاعر في قوم لهم النباهة والعدد والفعال، مثل نمير، يصير أهله إلى ما صارت إليه نمير وغير نمير، فما ظنّك بالظّليم وبمناف وبالحبطات، وقد بلغ مضرّة جرير عليهم حيث قال: [من الوافر]
فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا «٣»
إلى أن قال شاعر آخر وهو يهجو قوما آخرين: [من الوافر]
وسوف يزيدكم ضعة هجائي ... كما وضع الهجاء بني نمير «٤»
وحتّى قال أبو الرّدينيّ: [من الوافر]
أتوعدني لتقتلني نمير ... متى قتلت نمير من هجاها «٥»
стр. 240
٢٥٩-[بكاء العرب من الهجاء]
ولأمر ما بكت العرب بالدموع الغزار من وقع الهجاء، وهذا من أوّل كرمها، كما بكى مخارق بن شهاب، وكما بكى علقمة بن علاثة، وكما بكى عبد الله بن جدعان من بيت لخداش «١» بن زهير. وما زال يهجوه من غير أن يكون رآه، ولو كان رآه ورأى جماله وبهاءه ونبله والذي يقع في النفوس من تفضيله ومحبته ومن إجلاله والرقة عليه أمسك. ألا ترى أن النّبيت وغسّان بن مالك بن عمرو بن تميم «٢» ، ليس يعرفهم بالعجز والقلّة إلّا دغفل بن حنظلة، وإلّا النخّار العذريّ وإلا ابن الكيّس النمريّ، وإلّا صحار العبدي، وإلّا ابن شريّة وأبو السّطّاح وأشباههم ومن شابه طريقهم والاقتباس من مواريثهم، وقد سلموا على العامة وحصلوا نسب العرب فالرجل منهم عربي تميمي، فهو يعطي حقّ القوم في الجملة ولا يقتضي ما عليه وعلى رهطه في الخاصّة. والحرمان أسوأ حالا في العامة من هذه القبائل الخاملة وهم أعدّ وأجلد.
٢٦٠-[سبب خمول القبائل]
وبليّة أخرى: أن يكون القبيل متقادم الميلاد، قليل الذلة قليل السيادة، وتهيّأ أن يصير في ولد إخوتهم الشرف الكامل والعدد التامّ، فيستبين لمكانهم منهم من قلتهم وضعفهم لكلّ من رآهم أو سمع بهم، أضعاف الذي هم عليه لو لم يكونوا ابتلوا بشرف إخوتهم.
ومن شؤم الإخوة أنّ شرفهم ضعة إخوتهم، ومن يمن الأولاد أنّ شرفهم شرف من قبلهم من آبائهم ومن بعدهم من أولادهم: كعبد الله بن دارم وجرير بن دارم. فلو أنّ الفقيم لم يناسب عبد الله بن دارم وكان جاراً، كان خيراً له.
ولقد ضعضعت قريش- لما جاءت به من الخصال الشريفة التامّة؛ من أركان كنانة- سنام الأرض وجبلها وعينها التي تبصربها، وأنفها التي بها تعطس، فما ظنّك بمن أبصر بني زيد بن عبد الله بن دارم، وبني نهشل بن دارم، وبني مجاشع بن دارم، ثمّ رأى بني فقيم بن جرير بن دارم؟! وكذلك كلّ أخوين إذا برع أحدهما وسبق وعلا الرّجال؛ في الجود والإفضال،
стр. 241
أو في الفروسة أو في البيان، فإن كان الآخر وسطا من الرجال، قصدوا بحسن مآثره في الطبقة السفلى لتبين البراعة في أخيه، فصارت قرابته التي كانت مفخرة هي التي بلغت به أسفل السافلين. وكذلك عنزة بن أسد في ربيعة. ولو كان سودد ربيعة مرّة في عنزة ومرّة في ضبيعة أضجم، لكان خيراً لهم اليوم، ولودّ كثير من هؤلاء القبائل التي سلمت على الشعراء أو على العوامّ أن يكون فيهم شطر ما للعنزيّين من الشرف، ولو أنّ الناس وازنوا بين خصال هذه القبائل خيرها وشرّها لكانوا سواء.
وقال صاحب الكلب: ذكرت عيوب الكلب فقلت: الكلب إذا كان في الدار محق أجور أهل الدّار حتى يأتي على أقصاها، لأنّ الأجور إذ أخذ منها كلّ يوم وزن قيراط، والقيراط مثل أحد، لم يلبث على ذلك أن يأتي على آخرها. وقلت: في الكلب أشدّ الأذى على الجار والضيف والدخيل، يمنعه النّوم ليلا والقائلة نهاراً، وأن يسمع الحديث. ثمّ الذي على سامع النّباح من المؤنة من الصوت الشديد.
ولو لم يكن في الكلب ما يؤذي بشدّة صوته إلّا بإدامة مجاوبة الكلاب لكان في ذلك ممّا ينغّص العيش، ويمنع من الكلام والحديث.
٢٦١-[شعر في النباح والاستنباح]
وقال أرطأة بن سهيّة في بعض افتخاره: [من الطويل]
وإنّي لقوّام إلى الضّيف موهنا ... إذا أغدف السّتر البخيل المواكل «١»
دعا فأجابته كلاب كثيرة ... على ثقة منّي بما أنا فاعل
وما دون ضيفي، من تلاد تحوزه ... يد الضيف، إلّا أن تصان الحلائل
وقال ابن هرمة: [من الطويل]
ومستنبح نبّهت كلبي لصوته ... وقلت له قم في اليفاع فجاوب «٢»
فجاء خفيّ الصوت قد مسّه الضّوى ... بضربة مسنون الغرارين قاضب
فرحّبت واستبشرت حتّى بسطته ... وتلك التي ألقى بها كلّ آئب
وقال آخر: [من الطويل]
هجمنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح «٣»
стр. 242
وقال مزرّد بن ضرار: [من الطويل]
نشأت غلاما أتّقي الذمّ بالقرى ... إذا ضاف ضيف من فزارة راغب
فإن آب سار أسمع الكلب صوته ... أتى دون نبح الكلب، والكلب دائب
وقال بشّار بن برد: [من الوافر]
سقى الله القباب بتلّ عبدي ... وبالشرقين أيّام القباب «١»
وأياما لنا قصرت وطالت ... على فرعان نائمة الكلاب
وقال رجل من بني عبد الله بن غطفان: [من الطويل]
إذا أنت لم تستبق ودّ صحابة ... على دخن أكثرت بثّ المعاتب «٢»
وإنّي لأستبقي امرأ السّوء عدّة ... لعدوة عرّيض من الناس جانب «٣»
أخاف كلاب الأبعدين ونبحها ... إذا لم تجاوبها كلاب الأقارب
وقال أحيحة بن الجلاح: [من المنسرح]
ما أحسن الجيد من مليكة والل ... بّات إذ زانها ترائبها «٤»
يا ليتني ليلة إذا هجع ال ... نّاس ونام الكلاب صاحبها
وقلت: وفي الكلب قذارة في نفسه، وإقذاره أهله لكثرة سلاحه وبوله، على أنّه لا يرضى بالسّلاح على السطوح، حتّى يحفر ببراثنه وينقب بأظافره، وفي ذلك التخريب.
ولو لم يكن إلّا أنّه يكون سبب الوكف، وفي الوكف من منع النّوم ومن إفساد حرّ المتاع، ما لا يخفى مكانه، مع ما فيه من عضّ الصبيان وتفزيع الولدان، وشقّ الثياب، والتعرّض للزوّار؛ ومع ما في خلقه أيضا من الطبع المستدعي للصبيان إلى ضربه ورجمه وتهييجه بالعبث، ويكون سببا لعقرهم والوثوب عليهم.
وقلت: وبئس الشيء هو في الدار، وفيها الحرم والأزواج، والسّراريّ والحظيّات المعشوقات؛ وذلك أن ذكره أيرّ ظاهر الحجم، وهو إما مقبع وإمّا قائم، وليس معه ما
стр. 243
يواريه، وربما أشظّ وأنعظ بحضرتهنّ، ولعلّهنّ يكنّ مغيبات أو محتاجات إلى ما يحتاج إليه النساء عند غيبة فحلهنّ، وإذا عجز عن أن يعمّهن.
٢٦٢-[وفد قرحان]
وقد رمى ضابئ بن الحارث البرجميّ أمّ أناس من العرب، أنّ الكلب الذي كان يسمّى قرحان «١» ، كان يأتي أمّهم، حتّى استعدوا عليه، وحبسه في ذلك عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه. ولولا أنّ المعنى الذي رماهم به كان مما يكون ويجوز ويخاف مثله، لما بلغ منه عثمان ما بلغ، حتّى مات في حبسه. وفي ذلك يقول ضابئ ابن الحارث: [من الطويل]
تجشّم نحوي وفد قرحان شقّة ... تظلّ بها الوجناء وهي حسير «٢»
فزوّدتهم كلبا فراحوا كأنما ... حباهم بتاج الهرمزان أمير
فأمّكم لا تتركوها وكلبكم ... فإنّ عقوق الوالدات كبير
إذا عثّنت من آخر الليل دخنة ... يبيت له فوق السرير هرير «٣»
٢٦٣-[قصص تتعلق بالكلاب]
وزعم اليقطريّ أنّه أبصر رجلا يكوم كلبة من كلاب الرعاء، ومرّ بذلك الزّبّ العظيم في ثفرها- والثّفر منها ومن السبع، كالحر من المرأة والظّبية من الأتان والحجر، والحياء من الناقة والشاة- فزعم أنّها لم تعقد عليه، ولا ندري أمكّنته أم اغتصبها نفسها.
وأمّا النّاس ففي ملح أحاديثهم: أنّ رجلا أشرف على رجل وقد ناك كلبة فعقدت عليه، فبقي أسيرا مستخزيا يدور معها حيث دارت. قال: فصاح به الرجل:
اضرب جنبيها. فأطلقته، فرفع رأسه إليه، فقال: أخزاه الله أيّ نيّاك كلبات هو! وخبّرني من لا أردّ خبره، أنّه أشرف من سطح له قصير الحائط، فإذا هو بسواد في ظلّ القمر في أصل حائط، وإذا أنين كلبة، فرأى رأس إنسان يدخل في القمر، ثم يرجع إلى موضعه من ظلّ القمر، فتأملّ في ذلك فإذا هو بحارس ينيك كلبة. قال:
стр. 244
فرجمته وأعلمته أنّي قد رأيته، فصبّحني من الغد يقرع الباب عليّ، فقلت له: ما حاجتك؟ وما جاء بك؟ فلقد ظننت أنّك ستركب البحر أو تمضي على وجهك إلى البراري. قال: جعلت فداك، أسألك أن تستر عليّ، ستر الله عليك، وأنا أتوب على يديك! قال: قلت ويلك، فما اشتهيت من كلبة؟! قال: جعلت فداك، كلّ رجل حارس ليس له زوجة ولا نجل، فهو ينيك إناث الكلاب إذ كنّ عظام الأجسام. قال:
فقلت: فما يخاف أن تعضّه؟ قال: لو رام ذلك منها غير الحارس التي هي له وقد باتت معه فأدخلها في كسائه في ليالي البرد والمطر، لما تركته. وعلى أنّه إن أراد أن يوعبه كلّه لم تستقرّ له. قال: ونسيت أن أسأله: فهل تعقد على أيور النّاس كما تعقد على أيور الكلاب؟ فلقيته بعد ثلاثين سنة، فقال: لا أدري لعلّها لا تعقد عليه، لأنّه لا يدخله فيها إلى أصله، لعلّ ذلك أيضا إنّما هو شيء يحدث بين الكلب والكلبة، فإذا اختلفا لم يقع الالتحام. قال: فقلت: فطيّب هو؟ قال: قد نكت عامّة إناث الحيوانات فوجدتهنّ كلّهنّ أطيب من النساء. قلت: وكيف ذلك؟ قال: ما ذاك إلّا لشدّة الحرارة. قال: فطال الحديث حتى أنس فقلت له: فإذا دار الماء في صلبك وقرب الفراغ؟ قال: فربّما التزمت الكلبة وأهويت إلى تقبيلها. ثم قال: أما إنّ الكلاب أطيب شيء أفواها، وأعذب شيء ريقا؛ ولكن لا يمكن أن أنيكها من قدّام، ولو ذهبت أن أنيكها من خلف وثنيت رأسها إلى أن أقبّلها، لم آمن أن تظنّ بي أني أريد غير ذلك فتكدّم فمي ووجهي. قال فقلت: فإنّي أسألك بالذي يستر عليك، هل نزعت عن هذا العمل منذ أعطيتني صفقة يدك بالتّوبة؟ قال: ربّما حننت إلى ذلك فأحتبس بعهدك.
قال: وقلت: وإنّك لتحنّ إليها؟ قال: والله إني لأحنّ إليها، ولقد تزوّجت بعدك امرأتين، ولي منهما رجال ونساء، ومن تعوّد شيئا لم يكد يصبر عنه! قال: فقلت له:
هل تعرف اليوم في الحرّاس من ينيك الكلبات؟ قال: نعم، خذ محمويه الأحمر، وخذ يشجب الحارس، وخذ قفا الشاة، وخذ فارسا الحمّاميّ فإنّ فارسا كان حارسا وكان قيّم حمّام، وكان حلقيّا، فزعم أنّه ناك الكلاب خمسين سنة، وشاخ وهزل وقبح وتشنّج، حتّى كان لا ينيكه أحد. قال: فلم يزل يحتال لكلب عنده حتى ناكه. قال:
وكان معه بخير حتّى قتله اللصوص، ثمّ أشرف على فارس، هذا المحتسب الأحدب، وهو ينيك كلبة فرماه بحجر فدمغه «١» .
стр. 245
قال: فالكلاب كما ترى تتّهم بالنساء، وينيكها الرجال، وتنيك الرجال، وليس شيء أحقّ بالنفي والإغراب والإطراد وبالقتل منها. ونحن من السباع العادية الوحشيّة في راحة، إلّا في الفرط «١» فإنّ لها عراما على بعض الماشية، وجناية على شرار العامّة وكذلك البهائم. وما عسى أن يبلغ من وطء بعير ونطح كبش، أو خمش سنّور أو رمح حمار، ولعلّ ذلك يكون في الدهر المرّة والمرّتين، ولعلّ ذلك أيضا لا ينال إلّا عبداً أو خادما أو سائسا، وذلك محتمل. فالكلاب مع هذه الآفات شركاء الناس في دورهم وأهاليهم!! قال صاحب الكلب: إن كنتم إلى الأذى بالسّلاح تذهبون، وإلى قشر طين السطوح بالبراثن تميلون، وإلى نتن السّلاح وقذر المأكول والمشروب تقصدون، فالسّنّور أكثر في ذلك. وقد رويتم عن النبي ﷺ في ذلك أنّه قال: «هنّ من الطّوّافات عليكم» «٢» . فإذا كان ذلك في السنانير مغتفرا، لانتفاعهم بها في أكل الفأر، فمنافع الكلاب أكثر، وهي بالاعتقاد أحقّ. وفي إطلاق ذلك في السنّور دليل على أنّه في الكلاب أجوز.
وأمّا ما ذكرتم من إنعاظه، فلعمري إنّه ما ينبغي للغيور أن يقيم الفرس ولا البرذون والبغل والحمار والتّيس في المواضع التي تراها النساء. والكلب في ذلك أحسن حالا. وقد كره ناس إدخال منازلهم الحمام والدّيكة والدجاج والبطّ خاصة؛ لأنّ له عند السفاد قضيبا يظهر، وكذلك التيس من الظباء، فضلا عن تيوس الصفايا. فهذا المعنى الذي ذكرتم يجري في وجوه كثيرة وعلى أنّ للحمام خاصّة من الاستشارة «٣» ، والكسم بالذئب، والتقبيل الذي ليس للناس مثله، ثمّ التقبيل والتغزّل والتّنفّش، والابتهاج بما يكون منه بعد الفراغ، وركوب الأنثى للذكر وعدم إمكانها لغير ذكرها، ما يكون أهيج للنساء ممّا ذكرتم. فلم أفردتم الكلب بالذّكر دون هذه الأمور، التي إذا عاينت المرأة غرمول واحد منها، حقرت بعلها أو سيّدها، ولم يزل ظلّ ذلك الغرمول يعارضها في النوم، وينبّهها ساعة الغفلة، ويحدث لها التمنّي لما لا تقدر عليه، والاحتقار لما تقدر عليه، وتركتم ذكر ما هو أجلّ وأعظم إلى ما هو أخسّ وأصغر؟! فإن كنتم تذهبون في التشنيع عليه إلى ما يعقر من الصبيان عند العبث
стр. 246
والتعرّض، والتّحكك والتهييج والتحريش، فلو أنّ الذي يأتي صبيانكم إلى الكلب، من الإلحاح بأصناف العبث- والصّبيان أقسى الخلق وأقلّهم رحمة- أنزلوه بالأحنف ابن قيس، وقيس بن عاصم، بل بحاجب بن زرارة وحصن بن حذيفة، لخرجوا إلى أقبح ممّا يخرج إليه الكلب. ومن ترك منهم الأخذ فوق يد ابنه، فهو أحقّ باللائمة.
وبعد فما وجدنا كلبا وثب على صبيّ فعقره من تلقاء نفسه، وإنّه ليتردّد عليه وهو في المهد، وهو لحم على وضم، فلا يشمّه ولا يدنو منه. وهو أكثر خلق الله تعالى تشمّما واسترواحا؛ وما في الأرض كلب يلقى كلبا غريبا إلّا شمّ كلّ واحد منهما است صاحبه، ولا في الأرض مجوسيّ يموت فيحزن على موته ويحمل إلى الناووس إلّا بعد أن يدنى منه كلب يشمّه، فإنّه لا يخفى عليه في شمّه عندهم، أحي هو أم ميّت؛ للطافة حسّه، وأنّه لا يأكل الأحياء. فأمّا اليهود فإنّهم يتعرّفون ذلك من الميّت، بأن يدهنوا استه. ولذلك قال الشاعر وهو يرمي ناسا بدين اليهودية: [من الطويل]
إذا مات منهم ميّت مسحوا استه ... بدهن وحفّوا حوله بقرام «١»
٢٦٤-[جنايات الديك]
وقالوا: فإذا ذكرتم جنايات الكلاب، فواحد من جنايات الدّيكة أعظم من جنايات الكلاب؛ لأنّ عبد الله بن عثمان بن عفّان، ابن بنت رسول الله ﷺ ، إنّما مات من نقر ديك في دار عثمان، نقر عينه فكان سبب موته «٢» . فقتل الديك لعترة رسول الله ﷺ ، أعظم من كثير ممّا تستعظمونه من جنايات الكلاب.
وقد نقر ديك عين ابن حسكة بن عتّاب، أو عين ابن أخته.
وقد نقر ديك عين ابن الريان بن أبي المسيح وهو في المهد فاعورّ، ثمّ ضربته الحمرة فمات.
ووثب ديك فطعن بصيصته عين بنت لثمامة بن أشرس، قال ثمامة: فأتاني الصّريخ، فو الله ما وصلت إليها حتى كمد وجهها كلّه واسودّ الأنف والوجنتان وغارت العينان. وكان شأن هذا الديك- فيما زعم ثمامة- عجبا من العجب: ذكر أنّ رجلا ذكر أنّ ديكا عند بقّال لهم، يقاتل به الكلاب، قال: فأتيت البقّال الذي
стр. 247
عنده فسألته عن الديك، فزعم أنّه قد وجّه به إلى قتال الكلاب، وقد تراهنوا في ذلك.
فلم أبرح حتّى اشتريته؛ وكنت أصونه وجعلته في مكنّة، فخرجت يوما لبعض مصلحة وأقبلت بنتي هذه لتنظر إليه، فكان هذا جزائي منه! قال: وديك آخر أقبل إلى رأس زيد بن علي، حتّى وطئ في ذؤابته ثمّ أقبل ينقر دماغه وعينيه. فقال رجل من قريش، لمن حضر ذلك من الخدم: [من الخفيف]
اطردوا الديك عن ذؤابة زيد ... طالما كان لا تطاه الدّجاج «١»
٢٦٥-[نفع الكلب]
والكلب إن كان كما يقول، فإنّ له يدا تشجّ وأخرى تأسو، بل ما يدفع الله بحراسته ويجلب من المنافع بصيده أكثر وأغمر، وهو الغامر لا المغمور، والفاضل لا المفضول. والديك يفقأ العيون وينقر الأدمغة ويقتل الأنفس، ويشجّ ولا يأسو؛ فشرّه صرف وخيره ممزوج. إلّا أن يزعموا أنّه يحرس من الشيطان، فيكون هذا من القول الذي يحتاج إلى البرهان. ومن عارض منافع الكلاب وحراستها أموال الناس من اللصوص، ومنع السّباع من الماشية، وموضع نفع الكلب في المزارع- وذلك عيان ونفعه عامّ وخطبه عظيم- بما يدّعى من حراسة الدّيكة للشيطان، لم يكايل ولم يوازن ولم يعرف المقايسة، ولا وقف قطّ على معنى المقابلة ودلّ بذلك على أنّ مبلغ رأيه لا يجوز رأي النساء.
٢٦٦-[العواء وما قيل من الشعر فيه]
ويكون العواء للكلب والذئب والفصيل. وقال النابغة: [من الوافر]
ألم أك جاركم فتركتموني ... لكلبي في دياركم عواء «٢»
وقال الشاعر: [من الطويل]
وإنّي امرؤ لا تقشعرّ ذؤابتي ... من الذئب يعوي والغراب المحجّل «٣»
وقال الشاعر: [من الطويل]
ومستنبح تستكشط الرّيح ثوبه ... ليسقط عنه وهو بالثّوب معصم «٤»
стр. 248
عوى في سواد الليل بعد اعتسافه ... لينبح كلب أو ليفزع نوّم
فجاوبه مستسمع الصوت للقرى ... له مع إتيان المهبّين مطعم
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم
وقال ذو الرّمّة: [من الطويل]
به الذئب محزونا كأنّ عواءه ... عواء فصيل آخر الليل محثل»
وقال آخر: [من الرجز]
ومنهل طامسة أعلامه ... يعوي به الذئب وتزقو هامه
وقال عقيل بن علّفة يهجو زبّان بن منظور: [من البسيط]
لا بارك الله في قوم يسودهم ... ذئب عوى وهو مشدود على كور «٣»
لم يبق من مازن إلّا شرارهم ... فوق الحصى حول زبّان بن منظور
وقال غيلان بن سلمة: [من الكامل]
ومعرّس حين العشاء به ... الحبس فالأنواء فالعقل
قد بثّه وهنا وأرّقني ... ذئب الفلاة كأنّه جذل
فتركته يعوي بقفرته ... ولكلّ صاحب قفرة شكل
بتنوفة جرداء يجزعها ... لحب يلوح كأنّه سحل «٤»
وقال مغلّس بن لقيط: [من الطويل]
عوى منهم ذئب فطرّب عاديا ... على فعليات مستثار سخيمها «٥»
إذا هنّ لم يلحسن من ذي قرابة ... دما هلست أجسادها ولحومها
وقال الأحيمر السعديّ: [من الطويل]
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوّت إنسان فكدت أطير «٦»
стр. 249
وقال آخر: [من الطويل]
وعاو عوى واللّيل مستحلس الندى ... وقد زحفت للغور تالية النّجم «١»
وذلك أنّ الرجل إذا كان باغيا أو زائرا، أو ممّن يلتمس القرى، ولم ير بالليل نارا، عوى ونبح، لتجيبه الكلاب، فيهتدي بذلك إلى موضع الناس.
وقال الشاعر: [من الطويل]
ومستنبح أهل الثّرى يلمس القرى ... إلينا وممساه من الأرض نازح «٢»
وقال عمرو بن الأهتم: [من الطويل]
ومستنبح بعد الهدوّ دعوته ... وقد حان من ساري الشّتاء طروق «٣»
فهذا من عواء الفصيل والذئب والكلب.
٢٦٧-[ما قالوا في أنس الكلب وإلفه]
وقال صاحب الكلب: وممّا قالوا في أنس الكلب وإلفه، وحبّه لأهله ولمن أحسن إليه قول ابن الطّثريّة: [من الكامل]
يا أمّ عمرو أنجزي الموعودا ... وارعي بذاك أمانة وعهودا «٤»
ولقد طرقت كلاب أهلك بالضّحى ... حتّى تركت عقورهنّ رقودا
يضربن بالأذناب من فرح بنا ... متوسّدات أذرعا وخدودا
وقال الآخر: [من البسيط]
لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكم ... لم ينكر الكلب أنّي صاحب الدّار «٥»
لكن أتيت وريح المسك يفعمني ... والعنبر الورد أذكيه على النار
стр. 250
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني ... وكان يعرف ريح الزّقّ والقار
وقال أبو الطّمحان القينيّ في الإلف، وهو يمدح مالك بن حمار الشمخي:
[من الوافر]
سأمدح مالكا في كلّ ركب ... لقيتهم وأترك كلّ رذل «١»
فما أنا والبكارة من مخاض ... عظام جلّة سدس وبزل
وقد عرفت كلابهم ثيابي ... كأنّي منهم ونسيت أهلي
نمت بك من بني شمخ زناد ... لها ما شئت من فرع وأصل
وقال الشاعر في أنس الكلاب وإلفها، يذكر رجلا: [من الطويل]
عنيف بتسواق العشار ورعيها ... ولكن بتلقام الثّريد رفيق
سنيد يظلّ الكلب يمضغ ثوبه ... له في ديار الغانيات طريق
وقال الآخر: [من الكامل]
بات الحويرث والكلاب تشمّه ... وسرت بأبيض كالهلال على الطّوى «٢»
وقال ذو الرمة: [من الطويل]
رأتني كلاب الحي حتّى ألفنني ... ومدّت نسوج العنكبوت على رحلي «٣»
وقال حسّان بن ثابت: [من الكامل]
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل «٤»
بيض الوجوه نقيّة حجزاتهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل
وفي هذا المعنى قال الشاعر: [من المتقارب]
وبوّأت بيتك في معلم ... رحيب المباءة والمسرح «٥»
следующие страницы →