Полный текст (2 028 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
والتعرّض، والتّحكك والتهييج والتحريش، فلو أنّ الذي يأتي صبيانكم إلى الكلب، من الإلحاح بأصناف العبث- والصّبيان أقسى الخلق وأقلّهم رحمة- أنزلوه بالأحنف ابن قيس، وقيس بن عاصم، بل بحاجب بن زرارة وحصن بن حذيفة، لخرجوا إلى أقبح ممّا يخرج إليه الكلب. ومن ترك منهم الأخذ فوق يد ابنه، فهو أحقّ باللائمة.
وبعد فما وجدنا كلبا وثب على صبيّ فعقره من تلقاء نفسه، وإنّه ليتردّد عليه وهو في المهد، وهو لحم على وضم، فلا يشمّه ولا يدنو منه. وهو أكثر خلق الله تعالى تشمّما واسترواحا؛ وما في الأرض كلب يلقى كلبا غريبا إلّا شمّ كلّ واحد منهما است صاحبه، ولا في الأرض مجوسيّ يموت فيحزن على موته ويحمل إلى الناووس إلّا بعد أن يدنى منه كلب يشمّه، فإنّه لا يخفى عليه في شمّه عندهم، أحي هو أم ميّت؛ للطافة حسّه، وأنّه لا يأكل الأحياء. فأمّا اليهود فإنّهم يتعرّفون ذلك من الميّت، بأن يدهنوا استه. ولذلك قال الشاعر وهو يرمي ناسا بدين اليهودية: [من الطويل]
إذا مات منهم ميّت مسحوا استه ... بدهن وحفّوا حوله بقرام «١»
٢٦٤-[جنايات الديك]
وقالوا: فإذا ذكرتم جنايات الكلاب، فواحد من جنايات الدّيكة أعظم من جنايات الكلاب؛ لأنّ عبد الله بن عثمان بن عفّان، ابن بنت رسول الله ﷺ ، إنّما مات من نقر ديك في دار عثمان، نقر عينه فكان سبب موته «٢» . فقتل الديك لعترة رسول الله ﷺ ، أعظم من كثير ممّا تستعظمونه من جنايات الكلاب.
وقد نقر ديك عين ابن حسكة بن عتّاب، أو عين ابن أخته.
وقد نقر ديك عين ابن الريان بن أبي المسيح وهو في المهد فاعورّ، ثمّ ضربته الحمرة فمات.
ووثب ديك فطعن بصيصته عين بنت لثمامة بن أشرس، قال ثمامة: فأتاني الصّريخ، فو الله ما وصلت إليها حتى كمد وجهها كلّه واسودّ الأنف والوجنتان وغارت العينان. وكان شأن هذا الديك- فيما زعم ثمامة- عجبا من العجب: ذكر أنّ رجلا ذكر أنّ ديكا عند بقّال لهم، يقاتل به الكلاب، قال: فأتيت البقّال الذي
стр. 247
عنده فسألته عن الديك، فزعم أنّه قد وجّه به إلى قتال الكلاب، وقد تراهنوا في ذلك.
فلم أبرح حتّى اشتريته؛ وكنت أصونه وجعلته في مكنّة، فخرجت يوما لبعض مصلحة وأقبلت بنتي هذه لتنظر إليه، فكان هذا جزائي منه! قال: وديك آخر أقبل إلى رأس زيد بن علي، حتّى وطئ في ذؤابته ثمّ أقبل ينقر دماغه وعينيه. فقال رجل من قريش، لمن حضر ذلك من الخدم: [من الخفيف]
اطردوا الديك عن ذؤابة زيد ... طالما كان لا تطاه الدّجاج «١»
٢٦٥-[نفع الكلب]
والكلب إن كان كما يقول، فإنّ له يدا تشجّ وأخرى تأسو، بل ما يدفع الله بحراسته ويجلب من المنافع بصيده أكثر وأغمر، وهو الغامر لا المغمور، والفاضل لا المفضول. والديك يفقأ العيون وينقر الأدمغة ويقتل الأنفس، ويشجّ ولا يأسو؛ فشرّه صرف وخيره ممزوج. إلّا أن يزعموا أنّه يحرس من الشيطان، فيكون هذا من القول الذي يحتاج إلى البرهان. ومن عارض منافع الكلاب وحراستها أموال الناس من اللصوص، ومنع السّباع من الماشية، وموضع نفع الكلب في المزارع- وذلك عيان ونفعه عامّ وخطبه عظيم- بما يدّعى من حراسة الدّيكة للشيطان، لم يكايل ولم يوازن ولم يعرف المقايسة، ولا وقف قطّ على معنى المقابلة ودلّ بذلك على أنّ مبلغ رأيه لا يجوز رأي النساء.
٢٦٦-[العواء وما قيل من الشعر فيه]
ويكون العواء للكلب والذئب والفصيل. وقال النابغة: [من الوافر]
ألم أك جاركم فتركتموني ... لكلبي في دياركم عواء «٢»
وقال الشاعر: [من الطويل]
وإنّي امرؤ لا تقشعرّ ذؤابتي ... من الذئب يعوي والغراب المحجّل «٣»
وقال الشاعر: [من الطويل]
ومستنبح تستكشط الرّيح ثوبه ... ليسقط عنه وهو بالثّوب معصم «٤»
стр. 248
عوى في سواد الليل بعد اعتسافه ... لينبح كلب أو ليفزع نوّم
فجاوبه مستسمع الصوت للقرى ... له مع إتيان المهبّين مطعم
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم
وقال ذو الرّمّة: [من الطويل]
به الذئب محزونا كأنّ عواءه ... عواء فصيل آخر الليل محثل»
وقال آخر: [من الرجز]
ومنهل طامسة أعلامه ... يعوي به الذئب وتزقو هامه
وقال عقيل بن علّفة يهجو زبّان بن منظور: [من البسيط]
لا بارك الله في قوم يسودهم ... ذئب عوى وهو مشدود على كور «٣»
لم يبق من مازن إلّا شرارهم ... فوق الحصى حول زبّان بن منظور
وقال غيلان بن سلمة: [من الكامل]
ومعرّس حين العشاء به ... الحبس فالأنواء فالعقل
قد بثّه وهنا وأرّقني ... ذئب الفلاة كأنّه جذل
فتركته يعوي بقفرته ... ولكلّ صاحب قفرة شكل
بتنوفة جرداء يجزعها ... لحب يلوح كأنّه سحل «٤»
وقال مغلّس بن لقيط: [من الطويل]
عوى منهم ذئب فطرّب عاديا ... على فعليات مستثار سخيمها «٥»
إذا هنّ لم يلحسن من ذي قرابة ... دما هلست أجسادها ولحومها
وقال الأحيمر السعديّ: [من الطويل]
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوّت إنسان فكدت أطير «٦»
стр. 249
وقال آخر: [من الطويل]
وعاو عوى واللّيل مستحلس الندى ... وقد زحفت للغور تالية النّجم «١»
وذلك أنّ الرجل إذا كان باغيا أو زائرا، أو ممّن يلتمس القرى، ولم ير بالليل نارا، عوى ونبح، لتجيبه الكلاب، فيهتدي بذلك إلى موضع الناس.
وقال الشاعر: [من الطويل]
ومستنبح أهل الثّرى يلمس القرى ... إلينا وممساه من الأرض نازح «٢»
وقال عمرو بن الأهتم: [من الطويل]
ومستنبح بعد الهدوّ دعوته ... وقد حان من ساري الشّتاء طروق «٣»
فهذا من عواء الفصيل والذئب والكلب.
٢٦٧-[ما قالوا في أنس الكلب وإلفه]
وقال صاحب الكلب: وممّا قالوا في أنس الكلب وإلفه، وحبّه لأهله ولمن أحسن إليه قول ابن الطّثريّة: [من الكامل]
يا أمّ عمرو أنجزي الموعودا ... وارعي بذاك أمانة وعهودا «٤»
ولقد طرقت كلاب أهلك بالضّحى ... حتّى تركت عقورهنّ رقودا
يضربن بالأذناب من فرح بنا ... متوسّدات أذرعا وخدودا
وقال الآخر: [من البسيط]
لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكم ... لم ينكر الكلب أنّي صاحب الدّار «٥»
لكن أتيت وريح المسك يفعمني ... والعنبر الورد أذكيه على النار
стр. 250
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني ... وكان يعرف ريح الزّقّ والقار
وقال أبو الطّمحان القينيّ في الإلف، وهو يمدح مالك بن حمار الشمخي:
[من الوافر]
سأمدح مالكا في كلّ ركب ... لقيتهم وأترك كلّ رذل «١»
فما أنا والبكارة من مخاض ... عظام جلّة سدس وبزل
وقد عرفت كلابهم ثيابي ... كأنّي منهم ونسيت أهلي
نمت بك من بني شمخ زناد ... لها ما شئت من فرع وأصل
وقال الشاعر في أنس الكلاب وإلفها، يذكر رجلا: [من الطويل]
عنيف بتسواق العشار ورعيها ... ولكن بتلقام الثّريد رفيق
سنيد يظلّ الكلب يمضغ ثوبه ... له في ديار الغانيات طريق
وقال الآخر: [من الكامل]
بات الحويرث والكلاب تشمّه ... وسرت بأبيض كالهلال على الطّوى «٢»
وقال ذو الرمة: [من الطويل]
رأتني كلاب الحي حتّى ألفنني ... ومدّت نسوج العنكبوت على رحلي «٣»
وقال حسّان بن ثابت: [من الكامل]
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل «٤»
بيض الوجوه نقيّة حجزاتهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل
وفي هذا المعنى قال الشاعر: [من المتقارب]
وبوّأت بيتك في معلم ... رحيب المباءة والمسرح «٥»
стр. 251
كفيت العفاة طلاب القرى ... ونبح الكلاب لمستنبح
ترى دعس آثار تلك المطيّ ... أخاديد كاللّقم الأفيح
ولو كنت في نفق زائغ ... لكنت على الشرك الأوضح
وفي مثل ذلك، وليس في ذكر إلف الكلاب، ولكنّه مما ينبغي أن يكون مجموعا إلى هذه الأشعار، وبك إلى ذلك حاجة شديدة، قال أميّة بن أبي الصّلت:
[من الخفيف]
لا الغيابات منتواك ولكن ... في ذرى مشرف القصور ذراكا «٢»
وقال البزّار الحلّيّ، في المعنى الأول: [من الرمل]
ألف الناس فما ينبحهم ... من أسيف يبتغي الخير وحرّ «٣»
وقال عمران بن عصام: [من المتقارب]
لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن غامره «٤»
فبابك ألين أبوابهم ... ودارك آهلة عامره
وكلبك آنس بالمعتفين ... من الأمّ بابنتها الزّائره
وكفّك حين ترى السائلي ... ن أندى من اللّيلة الماطره
فمنك العطاء ومنّا الثّناء ... بكلّ محبّرة سائره
وقال هلال بن خثعم: [من الطويل]
إنّي لعفّ عن زيارة جارتي ... وإنّي لمشنوء إليّ اغتيابها «٥»
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها ... زؤورا ولم تأنس إليّ كلابها
стр. 252
وما أنا بالدّاري أحاديث سرّها ... ولا عالم من أيّ حوك ثيابها
وإنّ قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها
وقال حاتم الطائي، وهو حاتم بن عبد الله، ويكنى أبا سفّانة، وكان أسره ثوب ابن شحمة العنبريّ مجير الطير: [من الطويل]
إذا ما بخيل النّاس هرّت كلابه ... وشقّ على الضّيف الغريب عقورها «١»
فإنّي جبان الكلب بيتي موطّأ ... جواد إذا ما النّفس شحّ ضميرها
ولكن كلابي قد أقرّت وعوّدت ... قليل على من يعتريها هريرها
٢٦٨-[هجو الناس بهجو كلابهم]
وقال صاحب الكلب: إنّ كثيرا من هجاء الكلب، ليس يراد به الكلب، وإنّما يراد به هجاء رجل، فيجعل الكلب وصلة في الكلام ليبلغ ما يريد من شتمه. وهذا أيضا مما يرتفق الناس به من أسباب الكلاب. ولذلك قال الشاعر: [من الكامل]
من دون سيبك لون ليل مظلم ... وحفيف نافجة وكلب موسد «٢»
وأخوك محتمل عليك ضغينة ... ومسيف قومك لائم لا يحمد
والضّيف عندك مثل أسود سالخ ... لا بل أحبّهما إليك الأسود
فهذا قول الشاعر. وقال الآخر: [من الوافر]
وما يك فيّ من عيب فإنّي ... جبان الكلب مهزول الفصيل
فهو لم يرد مدح الكلب بالجبن، وإنّما أراد نفسه حين قال: [من الكامل]
وحفيف نافجة وكلب موسد
فإن كان الكلب إنما أسره أهله، فإنّما اللوم على من أسره. وإنما هذا الضّرب كقوله: [من البسيط]
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم بولي على النّار «٣»
стр. 253
ومعلوم أنّ هذا لا يكون، ولكن حقّر أمرهم وصغّرهم.
وقال ابن هرمة: [من الكامل]
وإذا تنوّر طارق مستنبح ... نبحت فدلّته عليّ كلابي «١»
وقال ابن مهية: [من الوافر]
جلبنا الخيل من شعبى تشكّى ... حوافرها الدوابر والنّسورا «٢»
فلما أن طلعن بعين جعدي ... وأهل الجوف أن قتلوا غرورا
ولم يك كلبهم ليفيق حتّى ... يهارش كلبهم كلبا عقورا
ومعلوم أنّ هذا لا يكون، إنما هو مثل. وقال أعرابيّ: [من الطويل]
أخو ثقة قد يحسب المجد فرصة ... إلى أهله أو ذمّة لا تخفّر
حبيب إلى كلب الكريم نباحه ... كريه إلى الكوماء والكلب أبصر
وقال ابن هرمة: [من البسيط]
وفرحة من كلاب الحيّ يتبعها ... شحم يزفّ به الداعي وترعيب
فهذا قول هؤلاء. وقال الآخر: [من الطويل]
هجمنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح «٣»
وقال الآخر: [من الطويل]
وتكعم كلب الحيّ من خشية القرى ... ونارك كالعذراء من دونها ستر «٤»
وقال أعشى بني تغلب: [من الوافر]
إذا احتلّت معاوية بن عمرو ... على الأطواء خنّقت الكلابا «٥»
فالكلب مرّة مكعوم، ومرّة مخنوق، ومرّة موسد ومحرّش، ومرة يجعله جبانا،
стр. 254
ومرّة وثّابا، كما قال الراعي في الحطيئة: [من الطويل]
ألا قبّح الله الحطيئة إنّه ... على كلّ ضيف ضافه فهو سالح «١»
وقعنا إليه وهو يخنق كلبه ... دع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح
وقال أعشى بني تغلب: [من الطويل]
بكيت على زاد خبيث قريته ... ألا كلّ عبسيّ على الزاد نابح
وقال الفرزدق: [من الطويل]
ولا تنزع الأضياف إلّا إلى فتى ... إذا ما أبى أن ينبح الكلب أوقدا
(وقال الآخر:
دع الكلب ينبح إنّما الكلب نابح
وقال الآخر:
ألا كلّ كلب لا أبا لك نابح
وقال الفرزدق:
إذا ما أبى أن ينبح الكلب أوقدا) «٢»
ومتى صار الكلب يأبى النباح؟! فهذا على أنّهم يتشفّون بذكر الكلب، ويرتفقون به، لا على أنّ هذا الأمر الذي ذكروه قد كان على الحقيقة.
وقال الآخر، وهو جرير: [من الطويل]
ولو كنت في نجران أو بعماية ... إذن لأتاني من ربيعة راكب «٣»
يثير الكلاب آخر اللّيل وطؤه ... كضبّ العراد خطوه متقارب «٤»
فبات يمنّينا الربيع وصوبه ... وينظر من لقّاعة وهو كاذب «٥»
فذكر تقارب خطوه، وإخفاء حركته، وأنّه مع ذلك قد أثار الكلاب من آخر الليل، وذلك وقت نومها وراحتها، وهذا يدلّ على تيقّظها ودقّة حسّها.
стр. 255
٢٦٩-[حالة الكلب لسبب القرى من البرد]
وفيما ذكروا من حالة الكلب لسبب القرى من البرد، والذي يلقى، وكيف الشأن في ذلك، قال أعشى باهلة: [من البسيط]
وأجحر الكلب مبيضّ الصّقيع به ... وألجأ الحيّ من تنفاحه الحجر «١»
وقال الحطيئة: [من الطويل]
إذا أجحر الكلب الصّقيع اتّقينه ... بأثباج لا خور ولا قفرات «٢»
وقال ابن هرمة: [من الخفيف]
وسل الجار والمعصّب والأض ... ياف وهنا إذا تحبوا لديّا «٣»
كيف يلقونني إذا نبح الكل ... ب وراء الكسور نبحا خفيّا
ومشى الحالب المبسّ إلى النّا ... ب فلم يقر أصفر الحيّ ريّا «٤»
لم تكن خارجيّة من تراث ... حادث، بل ورثت ذاك عليّا «٥»
وقال الأعشى: [من المتقارب]
وتبرد برد رداء العرو ... س في الصّيف رقرقت فيه العبيرا «٦»
وتسخن ليلة لا يستطي ... ع نباحا بها الكلب إلا هريرا
وقال الهذلي: [من الطويل]
وليلة يصطلي بالفرث جازرها ... يختصّ بالنّقرى المثرين داعيها «٧»
стр. 256
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... من الشّتاء ولا تسري أفاعيها
وقال الفرزدق: [من الطويل]
إذا احمرّ آفاق السّماء وهتّكت ... كسور بيوت الحيّ نكباء حرجف «١»
وجاء قريع الشّول قبل إفالها ... يزفّ وجاءت خلفه وهي زحّف «٢»
وهتّكت الأطناب كلّ ذفرّة ... لها تامك من عاتق النّيّ أعرف «٣»
وباشر راعيها الصّلى بلبانه ... وكفّ لحرّ النار ما يتحرّف
وقاتل كلب الحيّ عن نار أهله ... ليربض فيها، والصّلا متكنّف
وأصبح مبيضّ الصّقيع كأنّه ... على سروات النّيب قطن مندّف
تم المصحف الأول ويتلوه المصحف الثاني من كتاب الحيوان وأوله باب احتجاج صاحب الكلب بالأشعار المعروفة
стр. 257
الجزء الثاني
(بسم الله الرّحمن الرحيم)
باب احتجاج صاحب الكلب بالأشعار المعروفة والأمثال السّائرة، والأخبار الصحيحة
والأحاديث المأثورة، وما أوجد العيان فيها، وما استخرجت التجارب منها من أصناف المنافع والمرافق، وعن مواضع أخلاقها المحمودة وأفعالها المرادة.
ونبدأ بقول العرب: «إنّ دماء الملوك شفاء من داء الكلب» «١» ، ثمّ نذكر الأبواب لما قدّمنا في صدر كلامنا هذا. قال بعض المرّيين: [من الوافر]
أرى الخلّان بعد أبي عمير ... بحجر في لقائهم جفاء «٢»
من البيض الوجوه بني سنان ... لو أنّك تستضيء بهم أضاؤوا
لهم شمس النهار إذا استقلّت ... ونور ما يغيبه العماء «٣»
بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء «٤»
وقال الفرزدق: [من الطويل]
من الدارميّين الذين دماؤهم ... شفاء من الدّاء المجنّة والخبل «٥»
وقال عبد الله بن قيس الرّقيّات: [من المنسرح]
عاودني النّكس فاشتفيت كما ... تشفي دماء الملوك من كلب «٦»
стр. 258
وقال ابن عيّاش الكنديّ لبني أسد في قتلهم حجر بن عمرو: [من الطويل]
عبيد العصا جئتم بقتل رئيسكم ... تريقون تامورا شفاء من الكلب «١»
وقال الفرزدق: [من الطويل]
ولو تشرب الكلبى المراض دماءنا ... شفتها وذو الخبل الذي هو أدنف «٢»
وذاك أنّهم يزعمون أنّ دماء الأشراف والملوك تشفي من عضّة الكلب الكلب، وتشفي من الجنون أيضا، كما قال الفرزدق:
ولو تشرب الكلبى المراض دماءنا ... شفتها............... .........
ثم قال: «وذو الخبل الذى هو أدنف» وقد قال ذلك عاصم بن القرّيّة، وهو جاهليّ: [من الطويل]
وداويته مما به من مجنة ... دم ابن كهال والنّطاسيّ واقف «٣»
وقلّدته دهرا تميمة جدّه ... وليس لشيء كاده الله صارف «٤»
وكان أصحابنا يزعمون أنّ قولهم: «دماء الملوك شفاء من الكلب» ، على معنى أنّ الدّم الكريم هو الثأر المنيم، وأنّ داء الكلب على معنى قول الشاعر: [من الرمل]
كلب من حسّ ما قد مسّه ... وأفانين فؤاد مختبل «٥»
وعلى معنى قوله: [من الكامل]
كلب بضرب جماجم ورقاب «٦»
стр. 259
فإذا كلب من الغيظ والغضب فأدرك ثأره فذلك هو الشفاء من الكلب، وليس أنّ هناك دما في الحقيقة يشرب ولولا قول عاصم بن القرّيّة: «والنّطاسيّ واقف» . لكان ذلك التأويل جائزا.
وقول عوف بن الأحوص: [من الوافر]
ولا العنقاء ثعلبة بن عمرو ... دماء القوم للكلبى شفاء «١»
وفي الكلب يقول الأعشى: [من الطويل]
أراني وعمرا بيننا دقّ منشم ... فلم يبق إلّا أن يجنّ وأكلبا «٢»
ألا ترى أنّه فرّق بينهما، ولو كان كما قال لبيد بن ربيعة: [من البسيط]
يسعى خزيمة في قوم ليهلكهم ... على الحمالة هل بالمرء من كلب «٣»
لكان ذلك على تأويل ما ذهبوا إليه جائزا، وقال الآخر: [من الطويل]
وأمر أميري قد أطعتم فإنّما ... كواه بنار بين عينيه مكلب «٤»
وهذا عندي لا يدخل في الباب الأوّل، وقد جعلوه منه.
٢٧١-[طباع الكلب العجيبة]
قال صاحب الكلب: وزعمتم أنّه يبلغ من فضل قوّة طباع الدّيك في الإلقاح، أنّه متى سفد دجاجة وقد احتشت بيضا صغارا من نتاج الرّيح والتراب، قلبها كلّها حيوانا ولو لم يكن سفدها إلّا مرّة واحدة، وجعلتموه في ذلك بغاية الفحلة، فطباع الكلب أعجب إلقاحا وأثقب، وأقوى وأبعد، لأنّ الكلب إذا عضّ إنسانا، فأوّل ذلك أن يحيله نبّاحا مثله، وينقله إلى طباعه، فصار ينبح، ثم يحبله ويلقحه بأجراء صغار يبولها علقا في صور الكلاب، على بعد ما بين العنصرين والطّبعين والجنسين، والذى يتولّد في أرحام الدجاج، أقرب مشاكلة إلى طباع الديك، فالكلب هو العجب العجيب، لأنّه أحبل ذكرا من خلاف جنسه، ولأنّه مع الإحبال والإلقاح، أحاله نبّاحا
стр. 260
مثله. فتلك الأدراص «١» وتلك الكلاب الصغار، أولاد ونتاج، وإن كان لا يبقى.
وقد تعلمون أنّ أولاد البغلات من البغال لا تبقى، وأن اللّقاح قد يقع، وإنما منع البغل من البغلة بهذه العلّة.
٢٧٢-[دواء الكلب]
قال أبو اليقظان وغيره: كان الأسود بن أوس بن الحمّرة، أتى النّجاشيّ ومعه امرأته، وهي بنت الحارث أحد بني عاصم بن عبيد بن ثعلبة، فقال النجاشيّ:
لأعطينّك شيئا يشفي من داء الكلب. فأقبل حتّى إذا كان ببعض الطريق أتاه الموت، فأوصى امرأته أن تتزوّج ابنه قدامة بن الأسود، وأن تعلّمه دواء الكلب، ولا يخرج ذلك منهم إلى أحد، فتزوجته نكاح مقت «٢» ، وعلّمته دواء الكلب، فهو إلى اليوم فيهم «٣» .
فولد الأسود قدامة وولد قدامة المحلّ- وأمّه بنت الحارث- فكان المحلّ يداوي من الكلب. فولد المحلّ عقبة وعمرا، فداوى ابن المحل عتيبة بن مرداس، وهو ابن فسوة الشاعر، فبال مثل أجراء الكلب علقا، ومثل صور النّمل والأدراص فقال ابن فسوة حين برئ: [من الطويل]
ولولا دواء ابن المحلّ وعلمه ... هررت إذا ما النّاس هرّ كلابها «٤»
وأخرج عبد الله أولاد زارع ... مولّعة «٥» أكتافها وجنوبها
وأولاد زارع: الكلاب.
وأمّا قوله:
ولولا دواء ابن المحلّ وعلمه ... هررت............... .........
فإنّما ذهب إلى أنّ الذي يعضّه الكلب الكلب، ينبح نباح الكلاب ويهرّ هريرها.
стр. 261
٢٧٣-[أعراض الكلب]
وقال محمّد بن حفص، وهو أبو عبيد الله بن محمد، ابن عائشة: عضّ رجلا من بني العنبر كلب كلب فأصابه داء الكلب، فبال علقا في صورة الكلاب، فقالت بنت المستنثر «١» : [من الطويل]
أبا لك أدراصا وأولاد زارع ... وتلك لعمري نهية المتعجّب «٢»
وحدّثني أبو الصّهباء عن رجال من بني سعد، منهم عبد الرحمن بن شبيب، قالوا: عضّ سنجير الكلب الكلب، فكان يعطش ويطلب الماء بأشدّ الطلب، فإذا أتوه به صاح عند معاينته: لا، لا أريد! وهكذا يصيب صاحب تلك العضّة. وذلك أنّه يعطش عنها أشدّ العطش ويطلب الماء أشدّ الطلب، فإذا أتوه به هرب منه أشدّ الهرب، فقال دلم وهو عبد لبني سعد: [من الطويل]
لقد جئت يا سنجير أجلو ملقة ... إباؤك للشيء الذي أنت طالب
وهي أبيات لم أحفظ منها إلّا هذا البيت.
وذكر مسلمة بن محارب، وعليّ بن محمّد عن رجاله، أنّ زيادا كتب دواء الكلب، وعلّقه على باب المسجد الأعظم «٣» ، ليعرفه جميع الناس.
وأنا، حفظك الله تعالى، رأيت كلبا مرّة في الحيّ ونحن في الكتّاب، فعرض له صبيّ يسمّى مهديّا من أولاد القصّابين. وهو قائم يمحو لوحه فعضّ وجهه فنقع ثنيّته دون موضع الجفن من عينه اليسرى، فخرق اللحم الذي دون العظم إلى شطر خدّه، فرمى به ملقيّا على وجهه وجانب شدقه؟ وترك مقلته صحيحة، وخرج منه من الدّم ما ظننت أنّه لا يعيش معه، وبقي الغلام مبهوتا قائما لا ينبس، وأسكته الفزع وبقي طائر القلب، ثمّ خيط ذلك الموضع، ورأيته بعد ذلك بشهر وقد عاد إلى الكتّاب، وليس في وجهه من الشّتر «٤» إلا موضع الخيط الذى خيط، فلم ينبح إلى أن برئ، ولا
стр. 262
هرّ، ولا دعا بماء، حتّى إذا رآه صاح: ردّوه! ولا بال جروا ولا علقا، ولا أصابه ممّا يقولون قليل ولا كثير. ولم أجد أحدا من تلك المشايخ، يشكّ أنّهم لم يروا كلبا قطّ أكلب ولا أفسد طبعا منه. فهذا الذي عاينت.
وأما الذي بلغني عن هؤلاء الثقات فهو الذي قد كتبته لك.
٢٧٤-[مما قيل في الكلب الكلب]
وفي الكلب الكلب أنشد الأعرابي: [من الرجز]
حيّاكم الله فإنّي منقلب ... وإنّما الشاعر مجنون كلب
أكثر ما يأتي على فيه الكذب
إما أن يكون الشعر لهميان وإما أن يكون للزّفيان.
وأنشدني: [من الطويل]
فإن كنتم كلبى فعندي شفاؤكم ... وفي الجنّ إن كان اعتراك جنون «١»
وأنشدني: [من الوافر]
وما أدري إذا لاقيت عمرا ... أكلبى آل عمرو أم صحاح
قال: فأما المكلب الذي يصيب كلابه داء في رؤوسها يسمّى الجحام «٢» فتكوى بين أعينها.
٢٧٥-[مسألة كلامية]
وسنذكر مسألة كلاميّة، وإنّما نذكرها لكثرة من يعترض في هذا ممّن ليس له علم بالكلام.
ولو كان أعلم الناس باللغة، لم ينفعك في باب الدين حتّى يكون عالما بالكلام.
وقد اعترض معترضون في قوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى
стр. 263
الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
«١» فزعموا أنّ هذا المثل لا يجوز أن يضرب لهذا المذكور في صدر هذا الكلام، لأنه قال: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
«٢» . فما يشبّه حال من أعطي شيئا فلم يقبله- ولم يذكر غير ذلك- بالكلب الذي إن حملت عليه نبح وولى ذاهبا، وإن تركته شدّ عليك ونبح، مع أنّ قوله:
يلهث، لم يقع في موضعه، وإنما يلهث الكلب من عطش شديد وحرّ شديد، ومن تعب، وأما النّباح والصّياح فمن شيء آخر.
قلنا له: إن قال ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
«٣» ، فقد يستقيم أن يكون الرادّ لا يسمّى مكذبا، ولا يقال لهم كذّبوا إلا وقد كان ذلك منهم مرارا، فإن لم يكن ذلك فليس ببعيد أن يشبّه الذي أوتي الآيات والأعاجيب والبرهانات والكرامات، في بدء حرصه عليها وطلبه لها، بالكلب في حرصه وطلبه، فإنّ الكلب يعطي الجدّ والجهد من نفسه في كلّ حالة من الحالات، وشبّه رفضه وقذفه لها من يديه، وردّه لها بعد الحرص عليها وفرط الرغبة فيها، بالكلب إذا رجع ينبح بعد إطرادك له. وواجب أن يكون رفض قبول الأشياء الخطيرة النفيسة في وزن طلبهم والحرص عليها.
والكلب إذا أتعب نفسه في شدّة النّباح مقبلا إليك ومدبرا عنك، لهث واعتراه ما يعتريه عند التّعب والعطش.
وعلى أنّنا ما نرمي بأبصارنا إلى كلابنا وهي رابضة وادعة، إلا وهي تلهث، من غير أن تكون هناك إلا حرارة أجوافها، والذي طبعت عليه من شأنها، إلا أنّ لهث الكلب يختلف بالشدّة واللّين!
٢٧٦-[كرم الكلاب]
وقال صاحب الكلب: ليس الدّيك من الكلب في شيء، فمن الكلاب ذوات الأسماء المعروفة والألقاب المشهورة. ولكرامها وجوارحها وكواسبها، وأحرارها وعتاقها، أنساب قائمة ودواوين مخلّدة، وأعراق محفوظة، ومواليد محصاة، مثل كلب جذعان، وهو السّلهب بن البراق بن يحيى بن وثّاب بن مظفّر بن محارش.
стр. 264
٢٧٧-[شعر فيه أسماء الكلاب]
وقد ذكر العرب أسماءها وأنسابها.
قال مزرّد بن ضرار: [من الطويل]
فعدّ قريض الشّعر إن كنت مغزرا ... فإن غزير الشعر ما شاء قائل «١»
لنعت صباحيّ طويل شقاؤه ... له رقميّات وصفراء ذابل «٢»
بقين له مما يبرّي وأكلب ... تقلقل في أعناقهنّ السّلاسل «٣»
سخام، ومقلاء القنيص، وسلهب ... وجدلاء، والسّرحان، والمتناول «٤»
بنات سلوقيّين كانا حياته ... فماتا فأودى شخصه فهو خامل «٥»
وأيقن إذ ماتا بجوع وخلّة ... وقال له الشّيطان: إنّك عائل «٦»
فطوّف في أصحابه يستثيبهم ... فآب وقد أكدت عليه المسائل «٧»
إلى صبية مثل المغالي وخرمل ... رواد، ومن شرّ النساء الخرامل «٨»
فقال لها: هل من طعام فإنّني ... أذمّ إليك الناس، أمّك هابل «٩»
فقالت: نعم، هذا الطّويّ وماؤه ... ومحترق من حائل الجلد قاحل «١٠»
فلما تناهت نفسه من طعامه ... وأمسى طليحا ما يعانيه باطل «١١»
تغشّى، يريد النّوم، فضل ردائه ... فأعيا على العين الرّقاد البلابل «١٢»
ففكّر في هذا الشعر وقف على فصوله، حتى تعرف غناء الكلاب عندهم، وكسبها عليهم، وموقعها منهم.
стр. 265
وقال لبيد في ذكرها وذكر أسماءها: [من الكامل]
لتذودهنّ وأيقنت إن لم تذد ... أن قد أحمّ من الحتوف حمامها «١»
فتقصّدت منها كساب وضرّجت ... بدم وغودر في المكرّ سخامها «٢»
ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مرثية أو موعظة، أن تكون الكلاب التي تقتل بقر الوحش، وإذا كان الشعر مديحا، وقال كأنّ ناقتي بقرة من صفتها كذا، أن تكون الكلاب هي المقتولة، ليس على أنّ ذلك حكاية عن قصّة بعينها، ولكنّ الثّيران ربّما جرحت الكلاب وربّما قتلتها، وأما في أكثر ذلك فإنّها تكون هي المصابة، والكلاب هي السالمة والظافرة، وصاحبها الغانم.
وقال لبيد في هذا القول الثاني غير القول الأول، وذلك على معنى ما فسّرت لك، فقال في ذلك وذكر أسماءها: [من الطويل]
فأصبح وانشقّ الضّباب وهاجه ... أخو قفرة يشلى ركاحا وسائلا «٣»
عوابس كالنّشّاب تدمى نحورها ... يرين دماء الهاديات نوافلا «٤»
ومن أسمائها قولهم: «على أهلها جنت براقش» «٥» .
ومن أسمائها قول الآخر: ضبّار: [من الكامل]
سفرت فقلت لها هج فتبرقعت ... فذكرت حين تبرقعت ضبّارا «٦»
وقال الكميت الأسديّ: [من المتقارب]
فبات وباتت عليه السّما ... ء من كلّ حابية تهطل «٧»
стр. 266
مكبّا كما اجتنح الهالكيّ ... على النّصل إذ طبع المنصل «١»
ثم ذكر أسماء الكلاب فقال: [من المتقارب]
وفي ضبن حقف يرى حقفه ... خطاف وسرحة والأحدل «٢»
وأربعة كقداح السّرا ... ء لا عانيات ولا عبّل
وقال الآخر: [من البسيط]
بتنا وبات جليد اللّيل يضربنا ... بين البيوت قرانا نبح درواس «٣»
إذا ملا بطنه ألبانها حلبا ... باتت تغنّيه وضرى ذات إجراس
ودرواس: اسم كلب، والوضرى: استه، وغناؤها: الضّراط.
وقال ضابئ بن الحارث في ذلك: [من الكامل]
فترمّلت بدم قدام وقد ... أوفى اللّحاق وحان مصرعه «٤»
وقال الآخر: [من مجزوء الوافر]
ولو هيّا له الله ... من التوفيق أسبابا «٥»
لسمّى نفسه عمرا ... وسمّى الكلب وثّابا
ومثل هذا كثير.
٢٧٨-[أحرص الكلاب]
والكلب أشدّ ما يكون حرصا إذا كان خطمه يمسّ عجب ذنب الظّبي والأرنب والثّور وغير ذلك، مما هو من صيده، ولذلك قال الشاعر «٦» : [من المديد]
ربّما أغدو معي كلبي ... طالبا للصيّد في صحبي
стр. 267
فسمونا للقنيص معا ... فدفعناه إلى أظب «١»
فاستدرّته فدرّ لها ... يلطم الرّفغين بالتّرب «٢»
فادّراها وهي لاهية ... في جميم الحاج والغرب «٣»
ففرى جمّاعهنّ كما ... قدّ مخلولان من عصب «٤»
ثم قال:
غير يعفور أهلّ به ... جاف دفّيه عن القلب «٥»
ضمّ لحييه بمخطمه ... ضمّك الكسرين بالشعب
وانتحى للباقيات كما ... كسرت شغواء من لهب «٦»
فتعايا التّيس حين كبا ... ودنا فوه من العجب «٧»
ظلّ بالوعساء ينفضه ... آرما منه على الصّلب «٨»
تلك لذّاتي وكنت فتى ... لم أقل من لذّة حسبي
٢٧٩-[الإهلال والاستهلال]
وأما قوله «٩» : «غير يعفور أهلّ به» ، فالإهلال الذي ذكر هو شيء يعتريه في ذلك الوقت، يخرج من جوفه صوت شبيه بالعواء الخفيف، وهو ما بين العواء والأنين، وذلك من حاق الحرص، وشدّة الطلب، وخوف الفوات. ويقال: أهلّت السماء، إذا صبّت، واستهلت: إذا ارتفع صوت وقعها، ومنه الإهلال بالحج. وقال ابن أحمر: [من السريع]
يهلّ بالفرقد ركبانها ... كما يهلّ الراكب المعتمر «١٠»
стр. 268
ومنه استهلال الصبي، ولذلك قال الأعرابيّ: أرأيت من لا شرب ولا أكل ولا صاح واستهل، أليس ذلك يطلّ «١» ؟!
٢٨٠-[معرفة أبي نواس بالكلاب]
وإذا ضبع الكلب، وهو أن يمدّ ضبعه كلّه، ولا يكون كالحمار الضيّق الإبطين- والكلب في افتراش ذراعيه وبسط رجليه حتّى يصيب قصّه الأرض، أكثر من الفرس- وعند ذلك ما ينشط أذنيه حتّى يدميهما ولذلك قال الحسن بن هانئ، وقد طال ما نعت بهما: [من الرّجز]
فانصاع كالكوكب في انحداره ... لفت المشير موهنا بناره «٢»
شدّا إذا أحصف في إحضاره ... خرّق أذنيه شبا أظفاره «٣»
وأوّل هذه الأرجوزة:
لما غدا الثّعلب من وجاره ... يلتمس الكسب على صغاره
وأنا كتبت لك رجزه في هذا الباب، لأنّه كان عالما راوية، وكان قد لعب بالكلاب زمانا، وعرف منها ما لا تعرفه الأعراب، وذلك موجود في شعره، وصفات الكلاب مستقصاة في أراجيزه، هذا مع جودة الطبع وجودة السبك، والحذق بالصنعة، وإن تأمّلت شعره فضّلته، إلّا أن تعترض عليك فيه العصبيّة، أو ترى أنّ أهل البدو أبدا أشعر، وأنّ المولّدين لا يقاربونهم في شيء. فإن اعترض هذا الباب عليك فإنك لا تبصر الحقّ من الباطل، مادمت مغلوبا.
٢٨١-[طرديات أبي نواس]
[١] قال الحسن بن هانئ: [من الرجز]
لما غدا الثعلب من وجاره ... يلتمس الكسب على صغاره «٤»
عارضه في سنن امتياره ... مضمّر يموج في صداره «٥»
стр. 269
في حلق الصّفر وفي أسياره ... منضمّة قصراه من إضماره «١»
قد نحت التسهيم من أقطاره ... من بعد ما كان إلى أصباره «٢»
غضّا غذته الجور من عشاره ... أيّام لا يحجب عن أظآره «٣»
وهو طلا لم يدن من إشغاره ... في منزل يحجب عن زوّاره
يساس فيه طرفي نهاره ... حتّى إذا أحمد في اختباره
وآض مثل القلب من نضاره ... كأنّ خلف ملتقى أشفاره «٤»
جمر غضى يدمن في استعاره ... كأنّ لحييه لدى افتراره
شك مسامير على طواره ... يضمّ قطريه من اضطباره «٥»
وإن تمطّى تمّ في أشباره ... عشر إذا قدّر في اقتداره
سمع إذا استروح لم تماره ... إلا بأن يطلق من عذاره «٦»
فانصاع كالكوكب في انحداره ... لفت المشير موهنا بناره
شدّا إذا أحصف في إحضاره ... خرّق أذنيه شبا أظفاره
حتى إذا ما انساب في غباره ... عافره أخرق في عفاره «٧»
فتلتل المفصل من فقاره ... وشقّ عنه جانبي صداره
ما خير للثّعلب في ابتكاره
[٢] وقال في كلب سليمان بن داود الهاشميّ- وكان الكلب يسمى زنبورا:
[من الرجز]
إذا الشياطين رأت زنبورا ... قد قلّد الحلقة والسّيورا «٨»
دعت لخزّان الفلا ثبورا ... أدفى ترى في شدقه تأخيرا «٩»
ترى إذا عارضته مفرورا ... خناجرا قد نبتت سطورا «١٠»
стр. 270
مشتبكات تنظم السّحورا ... أحسن في تأديبه صغيرا «١»
حتّى توفّى السّبعة الشهورا ... من سنّه وبلغ الشّغورا
وعرف الإيحاء والصّفيرا ... والكفّ أن تومئ أو تشيرا
يعطيك أقصى حضره المذخورا ... شدّا ترى من همزه الأظفورا «٢»
منتشطا من أذنه سيورا ... فما يزال والغا تامورا «٣»
من ثعلب غادره مجزورا ... أو أرنب كوّرها تكويرا
أو ظبية تقرو رشا غريرا ... غادرها دون الطّلا عقيرا «٤»
فأمتع الله به الأميرا ... ربّي، ولا زاله مسرورا
وقد قال كما ترى:
شدّا ترى من همزه الأظفورا ... منتشطا من أذنه سيورا
بإثر قوله:
حتّى توفّى السبعة الشهورا ... من سنّه وبلغ الشغورا
فإنّ الكلب إذا شغر برجله وبال، فذلك دليل على تمام بلوغه للإلقاح، وهو من الحيوان الذي يحتلم «٥» .
وأما احتلام الغلام فيعرف بأمور: منها انفراق طرف الأرنبة، ومنها تغيّر ريح إبطيه، ومنها الأنياب، ومنها غلظ الصوت.
ومن الغلمان من لا يحتلم. وفي الجواري جوار لا يحضن، وذلك في النساء عيب، وليس مثله من الرجال عيبا، وقد رأيت رجالا يوصفون بالقوة على النساء، وبعضهم لم يحتلم إلا مرة أو مرتين، وبعضهم لم يحتلم البتة.
[٣] وقد قال الحسن بن هانئ مثل ذلك، في أرجوزة أخرى: [من الرجز]
يمري إذا كان الجراء عبطا ... براثنا سحم الأثافي ملطا
ينشط أذنيه بهنّ نشطا
стр. 271
وهذه الأجوزة أوّلها «١» :
عدّدت كلبا للطّراد سلطا ... مقلّدا قلائدا ومقطا «٢»
فهو الجميل والحسيب رهطا ... ترى له شدقين خطّا خطّا
يمري إذا كان الجراء عبطا ... براثنا سحم الأثافي ملطا
ينشط أذنيه بهنّ نشطا ... تخال ما دمين منها شرطا
ما إن يقعن الأرض إلا فرطا ... كأنما يعجلن شيئا لقطا
أعجل من قول قطاة قطّا ... فاجتاح خزّان الصحارى الرّقطا «٣»
يلقين منه حكما مشتطا ... للعظم حطما والأديم عطّا
والشعراء إذا أرادوا سرعة القوائم قالوا كما قال: [من البسيط]
يخفي التّراب بأظلاف ثمانية ... ومسّهن إذا أقبلن تحليل «٤»
وقال الآخر: [من الكامل]
وكأنّما جهدت أليّته ... أن لا تمسّ الأرض أربعه «٥»
فأفرط المولّدون فى صفة السرعة- وليس ذلك بأجود- فقال شاعر منهم يصف كلبة بسرعة العدو: [من الرجز]
كأنّما ترفع ما لم يوضع «٦»
وقال الحسن بن هانئ: [من الرجز]
ما إن يقعن الأرض إلا فرطا
[٤] وقال الحسن بن هانئ في نعت كلب: [من الرجز]
أنعت كلبا أهله في كدّه ... قد سعدت جدودهم بجدّه «٧»
стр. 272
فكلّ خير عندهم من عنده ... يظلّ مولاه له كعبده
يبيت أدنى صاحب من مهده ... وإن عري جلّله ببرده
ذو غرّة محجل بزنده ... تلذّ منه العين حسن قدّه
يا حسن شدقيه وطول خدّه ... تلقى الظّباء عنتا من طرده
يشرب كأسا شدّها في شدّه ... يا لك من كلب نسيح وحده «١»
[٥] وقال في صفاتها، وأسمائها وسماتها، وأنسابها، وألقابها، وتفدية أربابها لها كما ذكرنا قبل ذلك- «٢» : [من الرجز]
قد أغتدي والطّير في مثواتها ... لم تعرب الأفواه عن لغاتها
بأكلب تمرح في قدّاتها ... تعدّ عين الوحش من أقواتها «٣»
قد نحت التقريح وارياتها ... من شدّة التسهيم واقتياتها «٤»
وأشفق القانص من حفاتها ... وقلت قد أحكمتها فهاتها
وأدن للصّيد معلّماتها ... وارفع لنا نسبة أمّهاتها
فجاء يزجيها على شياتها ... شمّ العراقيب مؤنّفاتها «٥»
غرّ الوجوه ومحجّلاتها ... مشرفة الأكناف موفياتها «٦»
قود الخراطيم مخرطماتها ... سودا وصفرا وخلنجيّاتها «٧»
مسميّات وملقّباتها ... حمرا وبيضا ومطوّقاتها
مختبرات من سلوقيّاتها ... كأنّ أقمارا على لبّاتها
ترى على أفخاذها سماتها ... مفدّيات ومحمّياتها
مفروشة الأيدي شرنبثاتها ... شمّ العراقيب مؤلفاتها «٨»
стр. 273
حيد الأظافير مكعبراتها ... زلّ المآخير عملّساتها «١»
تسمع في الآثار من وحاتها «٢» ... من نهم الحرص ومن خواتها
لتفثأ الأرنب عن حياتها «٣» ... إنّ حياة الكلب في وفاتها
حتّى ترى القدر على مثفاتها «٤» ... كثيرة الضّيفان من عفاتها
تقذف جالاها بجوزي شاتها «٥»
فقد قال كما ترى:
تسمع في الآثار من وحاتها ... من نهم الحرص ومن خواتها
وهذا هو معناها الأول، وأما قوله «٦» :
تعدّ عين الوحش من أقواتها
فعلى قول أبي النّجم: [من الرجز]
تعدّ عانات اللّوى من مالها
وزعموا أنّ قوله: [من الرجز]
كطلعة الأشمط من جلبابه
هو قول الأول: [من الرجز]
كطلعة الأشمط من كسائه
وهو كما قال الآخر: [من الرجز]
كطلعة الأشمط من برد سمل
[٦] وقال الحسن بن هانئ: [من الرجز]
لمّا تبدّى الصّبح من حجابه ... كطلعة الأشمط من جلبابه «٧»
وانعدل اللّيل إلى مآبه ... هجنا بكلب طالما هجنا به
стр. 274
خزّطه القانص واغتدى به ... يعزّه طورا على استصعابه
وتارة ينصبّ لانصبابه ... فانصاع للصّوت الذي يعنى به
كلمعان البرق من سحابه ... كأنّ عينيه لدى ارتيابه
فصّا عقيق قد تقابلا به ... حتّى إذا عفّره هاها به
بابا به يا بعد ما بابا به ... ينتسف المقود من جذابه
من مرح يغلو إذا اغلولى به «١» ... وميعة تعرف من شبابه
كأنّ متنيه لدى انسلابه «٢» ... متنا شجاع لجّ في انسيابه
كأنّما الأظفور في قنابه «٣» ... موسى صناع ردّ في نصابه
يثرد وجه الأرض في ذهابه «٤» ... كأنّ نسرا ما توكّلنا به
يعفو على ما جرّ من ثيابه ... إلّا الذي أثّر من هدّابه
ترى سوام الوحش يحتوى به ... يرحن أسرى ظفره ونابه «٥»
[٧] وقال في ثعلب كان قد أفلت منه مرارا: [من الرجز]
قد طالما أفلتّ يا ثعالا ... وطالما وطالما وطالا «٦»
جلت بكلبي يومك الأجوالا ... ماطلت من لا يسأم المطالا «٧»
حتّى إذا اليوم حدا الآصالا ... أتاك حين يقدم الآجالا «٨»
[٨] وقال أبو نواس أيضا: [من الرجز]
يا ربّ بيت بفضاء سبسب ... بعيد بين السّمك والمطنّب «٩»
لفتية قد بكّروا بأكلب ... قد أدّبوها أحسن التأدب
стр. 275
من كل أدفى ميسان المنكب ... يشبّ في القود شباب المقرب «١»
ينشط أذنيه بجدّ المخلب ... فما تني وشيقة من أرنب «٢»
وجلدة مسلوبة من ثعلب ... مقلوبة الفروة أو لم تقلب
وعير عانات وأمّ التّولب ... ومرجل يهدر هدر المصعب «٣»
يقذف جالاه بجوز القرهب «٤»
٢٨٢-[ما يستدلّ به على فراهية الكلاب وشياتها وسياستها]
قال بعض من خبر ذلك «٥» : إنّ طول ما بين يدي الكلب ورجليه- بعد أن يكون قصير الظهر- من علامة السّرعة.
قال «٦» : ويصفونه بأن يكون صغير الرأس، طويل العنق غليظها، وأن يشبه بعض خلقه بعضا، وأن يكون أغضف الأذنين مفرط الغضب، ويكون بعيد ما بينهما، ويكون أزرق العينين، طويل المقلتين، ناتئ الحدقة، طويل الخطم، واسع الشّدقين، ناتئ الجبهة عريضها، وأن يكون الشّعر الذي تحت حنكه كأنّه طاقة ويكون غليظا، وكذلك شعر خدّيه، ويكون قصير اليدين، طويل الرجلين، لأنه إذا كان كذلك كان أسرع في الصعود بمنزلة الأرنب.
قالوا: ولا يكاد يلحق الأرنب في الصّعود، إلّا كلّ كلب قصير اليدين، طويل الرّجلين.
وينبغي أن يكون طويل الصدر غليظا، ويكون ما يلي الأرض من صدره عريضا، وأن يكون غليظ العضدين، مستقيم اليدين، مضموم الأصابع بعضها إلى بعض، إذا مشى أو عدا، وهو أجدر الّا يصير بينها من الطّين وغير ذلك ما يفسدها، ويكون ذكيّ الفؤاد نشيطا، ويكون عريض الظّهر، عريض ما بين مفاصل عظامه، عريض ما بين عظمي أصل الفخذين اللذين يصيبان أصل الذنب، وطويل الفخذين
стр. 276
غليظهما شديد لحمهما، ويكون رزين المحزم «١» ، رقيق الوسط طويل الجلدة التي بين أصل الفخذين والصدر، ومستقيم الرجلين، ويكون في ركبته انحناء ويصير قصير الساقين دقيقهما، كأنّهما خشبة من صلابتهما. وليس يكره أن تكون الإناث طوال الأذناب، ويكره ذلك للذكور. ولين شعرهما يدلّ على القوة.
وقد يرغب ذلك في جميع الجوارح من الطير وذوات الأربع، من لين الرّيش لذوات الريش.
ولين الشّعر لذوات الشعر من عتاق الخيل علامة صالحة.
قال: وينبغي أن يكون الكلب شديد المنازعة للمقود والسّلسلة، وأن يكون العظم الذي يلي الجنبين من عظام الجنبين صغيرا في قدر ثلاث أصابع.
وزعم أنّهم يقولون: إنّ السّود منها أقلّها صبرا على البرد والحر، وإنّ البيض أفره إذا كنّ سود العيون.
قال «٢» : ومن علامة الفره التي ليس بعدها شيء، أن يكون على ساقيه أو على إحداهما أو على رأس الذنب مخلب، وينبغي أن يقطع من السّاقين، لئلا يمنعه من العدو.
٢٨٣-[خير طعام للكلب]
وذكر أنّ خير الأشياء التي تطعمها للكلب الخبز الذي قد يبس، ويكون الماء الذي يسقاه يصبّ عليه شيء من زيت، فإنّ ذلك كالقتّ «٣» المحضّ للخيل، ويشتدّ عليه عدوه.
وقال: خير الطعام في إسمان الكلاب رأس مطبوخ، وأكارع بشعرها، من غير أن تطعم من عظامها شيئا، والسّمن إذا طعم منه قدر ثلاث سكرّجات «٤» مرّتين أو ثلاث مرات فإنّ ذلك مما يسمّنه، ويقال إنّه يعيد الهرم شابّا «٥» ، حتّى يكون ذلك في الصّيد وفي المنظر، والعظم والثّريد من أردأ ما تأكله للعدو.
стр. 277
٢٨٤-[من علاج الكلب]
وممّا يكون غذاء ومن خير شيء يداوى به الكلب من وجع البطن والديدان، أن يطعم قطعة ألية وصوف شاة معجونا بسمن البقر، فإنّه يلقي كلّ دود وقذر في بطنه.
وخير ما يعالج به الحفا «١» أن يدهن استه ثلاثة أيام. ويجمّ فيها ولا يستعمل، أو يمسح على يديه ورجليه القطران.
وذكر عن خزيمة بن طرخان الأسديّ، من أهل همذان، أنّه قال: ليس من علاج الكلب خير من أن يحقن.
وقال: يقال كدي الجرو يكدى كدى وهو داء يأخذ الجراء خاصّة، يصيبها منه قيء وسعال، حتّى تكوى بين عينيها، ويقال أكدى الرجل إكداء: إذا لم يظفر بحاجته. والكدية من الأرض: ارتفاع في صلابة. ويقال في الماء: حفر فأكدى.
وزعم صاحب المنطق أنّ الكلاب إذا كان في أجوافها دود، أكلت سنبل القمح فتبرأ.
وزعم أنّ الكلاب تمرض فتأتي حشيشة تعرفها بعينها، فتأكل منها فتبرأ.
٢٨٥-[عداوة بعض الحيوان لبعض]
وزعم صاحب المنطق أنّ العقاب تأكل الحيّات، وأنّ بينهما عداوة؛ لأنّ الحيّة أيضا تطلب بيضها وفراخها.
قال: والغداف يقاتل البومة، لأنّ الغداف يخطف بيض البومة نهارا. وتشدّ البومة على بيض الغداف ليلا فتأكله؛ لأنّ البومة ذليلة بالنهار رديّة النظر، وإذا كان اللّيل لم يقو عليها شيء من الطير. والطير كلّها تعرف البومة بذلك وصنيعها بالليل، فهي تطير حول البومة وتضربها وتنتف ريشها. ومن أجل ذلك صار الصيّادون ينصبونها للطير.
والغداف يقاتل ابن عرس؛ لأنه يأكل بيضه وفراخه.
قال: وبين الحدأة والغداف قتال؛ لأنّ الحدأة تخطف بيض الغداف؛ لأنّها أشدّ مخالب وأسرع طيرانا.
стр. 278
وبين الأطرغلّة «١» والشّقراق «٢» قتال؛ لأنّه يقتل الأطرغلّة ويطالبها.
وبين العنكبوت والعظاية «٣» عداوة، والعظاية تأكل العنكبوت.
وعصفور الشّوك يعبث بالحمار، وعبثه ذلك قتّال له؛ لان الحمار إذا مرّ بالشوك وكانت به دبرة «٤» أو جرب تحكّك به، ولذلك متى نهق الحمار سقط بيض عصفور الشوك، وجعلت فراخه تخرج من عشّها. ولهذه العلّة يطير العصفور وراء الحمار وينقر رأسه.
والذئب مخالف للثّور والحمار والثعلب جميعا، لأنّه يأكل اللحم النّيء ولذلك يقع على البقر والحمير والثعالب.
وبين الثعالب والزّرّق «٥» خلاف لهذه العلّة؛ لأنّهما جميعا يأكلان اللحم.
والغراب يخالف الثّور؛ ويخالف الحمار جميعا، ويطير حولهما، وربّما نقر عيونهما. وقال الشاعر: [من الرجز]
عاديتنا لازلت في تباب ... عداوة الحمار للغراب
ولا أعرف هذا من قول صاحب المنطق؛ لأنّ الثعلب لا يجوز أن يعادي من بين أحرار الطّير وجوارحها الزّرّق وحده، وغير الزّرّق آكل اللّحم. وإن كان سبب عداوته له اجتماعهما على أكل اللّحم، فليبغض العقاب من الطير، والذئب من ذوات الأربع؛ فإنّها آكل للّحم. والثّعلب إلى أن يحسد ما هو كذلك أقرب، وأولى فى القياس، فلو زعم أنّه يعمّ أكلة اللّحم بالعداوة، حتّى يعطى الزّرّق من ذلك نصيبه، كان ذلك أجوز. ولعلّ المترجم قد أساء في الإخبار عنه.
قال: والحيّة تقاتل الخنزير، وتقاتل ابن عرس، وإنّما تقاتل ابن عرس إذ كان مأواهما في بيت واحد، وتقاتل الخنزير لأنّ الخنزير يأكل الحيّات. ويزعمون أنّ الذي يأكل الحيّات القنافذ، والأوعال، والخنازير، والعقبان.
стр. 279
قال: فالحيّة تعرف هذا من الخنزير، فهي تطالبه.
قال: والغراب مصادق للثّعلب، والثعلب مصادق للحيّة، والأسد والنمر مختلفان.
قال: وبين الفيلة اختلاف شديد، وكذلك ذكورها وإناثها، وهي تستعمل الأنياب إذا قاتل بعضها بعضا، وتعتمد بها على الحيطان فتهدمها، وتزحم النّخلة بجنبها فتصرعها.
وإذا صعب من ذكورتها شيء احتالوا له حتّى يكومه «١» ذكر آخر، فإذا كامه خضع أبدا. وإذا اشتدّ خلقه وصعب عصبوا رجليه فسكن.
ويقال إنّ البعير إذا صعب وخافه القوم، استعانوا عليه فأبر كوه وعقلوه حتّى يكومه فحل آخر، فإذا فعل ذلك به ذلّ! وأمّا أصحابنا فحكوا وجوه العداوة الّتي بين الفيل والسّنّور- وهذا أعجب- وذهبوا إلى فزع الفيل من السّنّور، ولم يروه يفزع ممّا هو أشدّ وأضخم. وهذا الباب على خلاف الأوّل، كأنّ أكثر ذلك الباب بني على عداوة الأكفاء.
والشاة من الذئب أشدّ فرقا منها من الأسد، وإن كانت تعلم أنّ الأسد يأكلها.
وكذلك الحمام يعتريه من الشّاهين ما لا يعتريه من العقاب والبازي والصقر.
وكذلك الفأرة من السّنّور «٢» ، وقد يأكلها ابن عرس. وأكثر ذلك أن يقتلها ولا يأكلها. وهي من السّنّور أشدّ فرقا.
والدّجاجة تأكلها أصناف من السباع، والثعلب يطالبها مطالبة شديدة، ولو أنّ دجاجا على رفّ مرتفع، أو كنّ على أغصان شجرة شاهقة، ثمّ مرّ تحتها كلّ صنف ممّا يأكلها، فإنّها تكون مستمسكة بها معتصمة بالأغصان التي هي عليها. فإذا مرّ تحتها ابن آوى وهنّ ألف، لم تبق واحدة منهنّ إلّا رمت بنفسها إليه.
٢٨٦-[ما يأباه بعض الحيوان من الطعام]
والسبع لا يأكل الحارّ، والسّنّور لا يذوق الحموضة، ويجزع من الطّعام الحارّ.
والله تعالى أعلم.
стр. 280
٢٨٧-[رجع القول إلى مفاخر الكلب]
ثمّ رجع بنا القول إلى مفاخر الكلب، ونبدأ بكلّ ما أشبه فيه الكلب الأسود والإنسان؛ وبشيء من صفات العظال.
قال صاحب المنطق (في كتابه الذي يقال له الحيوان، في موضع ذكر فيه الأسد) قال: إذا ضرب الأسد بمخالبه، رأيت موضع آثار مخالبه في أقدار شرط الحجّام أو أزيد قليلا، إلّا أنّه من داخل أوسع خرزا، كأنّ الجلد ينضمّ على سم مخالبه، فيأكل ما هنالك. فأمّا عضّته فإنّ دواءها دواء عضّة الكلب.
قال: وممّا أشبه فيه الكلب الأسد انطباق أسنانه. وممّا أشبه فيه الكلب الأسد النّهم، فإنّ الأسد يأكل أكلا شديدا، ويمضغ مضغا متداركا، ويبتلع البضع «١» الكبار، من حاقّ الرغبة «٢» ومن الحرص، وكالذي يخاف الفوت. ولما نازع السّنّور من شبهه صار إذا ألقيت له قطعة لحم فإمّا أن يحملها أو يأكلها حيث لا تراه؛ وإمّا أن يأكلها وهو يكثر التلفّت، وإن لم يكن بحضرته سنّور ينازعه، والكلب يعضّ على العظم ليرضّه، فإن مانعه شيء وكان مما يسيغه، ابتلعه وهو واثق بأنّه يستمريه ويسيغه.
والنّهم يعرض للحيّات، والحيّة لا تمضغ، وإنما تبتلع ذوات الرّاسات «٣» ، وهي غير ذوات الأنياب، فإنّها تمضغ المضغة والمضغتين وإن ابتلعت شيئا فيه عظم أتت عودا شاخصا فالتوت عليه، فحطمت العظم، والحيّة قويّة جدا.
قال: والأسد وإن كان ممّا لا يفارق الغياض ولا يفارق الماء فإنّه قليل الشرب للماء، وليس يلقى رجعه إلّا مرة في اليوم، وربّما كان في اليومين والثلاثة. ورجعه يابس شديد اليبس متعلّق، شبيه برجيع الكلب. ويشبهه أيضا من جهة أخرى وذلك أنّهما جميعا إذا بالا شغرا «٤» .
والكلب من أسماء الأسد، لقرابة ما بينه وبين الكلب.
والكلب يشبه الخنزير، فإنّ الخنزير يسمن في أسبوع، وإن جاع أيّاما ثم شبع شبعة تبيّن ذلك تبيّنا ظاهرا. ألا تراه ينزع إلى محاسن الحيوان، ويشبه أشراف السباع وكرائم البهائم؟!
стр. 281
٢٨٨-[عظال الكلاب]
ويقال: ليس في الأرض فحل من جميع أجناس الحيوان لذكره حجم ظاهر إلّا الإنسان والكلب. وليس في الأرض شيئان يتشابكان من فرط إرادة كلّ واحد منهما لطباع صاحبه، حتى يلتحم عضو الذكر بعضو الأنثى حتّى يصير التحامهما التحام الخلقة والبنية، لا كالتحام الملامسة والملازمة، إلّا كما يوجد من التحام قضيب الكلب بثفر الكلبة وقد يلزق القراد، ويغمس العلس «١» مقاديمه في جوف اللحم، حتّى يرى صاحب القراد كأنّه صاحب ثؤلول «٢» . وما القراد المضروب به المثل في الالتحام إلّا دون التحام الكلبين. ولذلك إذا ضربوا المثل للمتباضعين بالسّيوف، والملتقيين للصّراع، فالتفّ بعضهم ببعض، قالوا: «كأنهم الكلاب المتعاظلة» «٣» . وليس هذا النّوع من السّفاد إلّا للكلاب وزعم صاحب المنطق وغيره، أنّ الذّباب في ذلك كالكلب.
٢٨٩-[إسماعيل بن غزوان وجارية مويس بن عمران]
وكان إسماعيل بن غزوان قد تعشّق جارية كانت لمويس بن عمران، وكانت إذا وقعت وقعة إليه لم تمكث عنده إلّا بقدر ما يقع عليها، فإذا فرغ لبست خفّها وطارت، وكان إسماعيل يشتهي المعاودة وأن يطيل الحديث، ويريد القرص والشمّ والتقبيل والتجريد، ويعلم أنّه في الكوم الثاني والثالث أجدر أن ينظر، وأجدر أن يشتفي فكان ربّما ضجر ويذكرها بقلبه وهو في المجلس، فيقول: يا ربّ امسخني وإيّاها كلبين ساعة من الليل أو النّهار، حتّى يشغلها الالتحام عن التفكير في غضب مولاتها إن احتبست!!
٢٩٠-[أعجوبة في الكلبة]
وفي الكلبة أعجوبة أخرى «٤» : وذلك أنّه يسفدها كلب أبقع وكلب أسود وكلب أبيض وكلب أصفر، فتؤدّي إلى كلّ سافد شكله وشبهه، في أكثر ما يكون ذلك.
стр. 282
٢٩١-[تأويل الظالع في شعر الحطيئة]
وأما تأويل الظالع في قول الحطيئة: [من الطويل]
تسدّيتها من بعد ما نام ظالع ال ... كلاب وأخبى ناره كلّ موقد «١»
قال الأصمعيّ: يظلع الكلب لبعض ما يعرض للكلاب، فلا يمنعه ذلك من أن يهيج في زمن هيج الكلاب، فإذا رأى الكلبة المستحرمة لم يطمع في معاظلتها والكلاب منتبهة تنبح، فلا يزال ينتظر وقت فترة الكلاب ونومها، وذلك من آخر الليل.
وقال أحيحة بن الجلاح: [من المنسرح]
يا ليتني ليلة إذا هجع ال ... نّاس ونام الكلاب صاحبها «٢»
٢٩٢-[طرديات أخرى لأبي نواس]
[١] وممّا قيل في الكلاب: [من الرّجز] «٣» :
وفتية من آل ذهل في الذرى ... من الرقاشيّين في أعلى العلا «٤»
بيض بهاليل كرام المنتمى ... باتوا يسيرون إلى صوح اللوى «٥»
ينفون عن أعينهم طيب الكرى ... إلّا غشاشا بعد ما طال السّرى «٦»
يعدين إبلاء الفتى على الفتى ... حتى إذا ما كوكب الصّبح بدا
ماجوا بغضف كاليعاسيب خسا ... ثلاثة يقطعن حزّان الصّوى «٧»
стр. 283
رحيبة الأشداق غضف في دفا ... تلوي بأذناب قليلات اللّحا «١»
سمعمعات الضّمر من طول الطّوى ... من كلّ مضبور القرا عاري النّسا «٢»
محملج المتنين منحوض الشّوى ... شرنبث البرثن خفّاق الحشا «٣»
تخال منه القصّ من غير جنا ... مسنّتا صفواء في حيدي صفا «٤»
يلتهب الغائط منه إن عدا ... يقادح المرو وشذّان الحصا «٥»
حتّى إذا استسحر في رأد الضّحى ... بمربإ أوفى به على الرّبا «٦»
أرانبا من دونها سربا ظبا ... نواشزا من أنس إلى خلا «٧»
فوضى يدعثرن أفاحيص القطا ... لعلعن واستلهثن من غير ظما «٨»
مبالغات في نهيم وصأى ... كأنّما أعينها جمر الغضى «٩»
ثمّ تطلّعن معا كالبرق لا ... في الأرض يهوين ولا لوح الهوا «١٠»
كأنّها في شرطها لما انبرى ... كواكب يرمى الشّياطين بها
يذمرن بالإيساد ذمرا وأيا ... حتى إذا ما كنّ منهنّ كها «١١»
دارت عليهنّ من الموت رحى ... تجذبهنّ بحديدات الشّبا «١٢»
شوامذ يلعطن معبوط الدّما ... بين خليع الزّور مرضوض الصّلا «١٣»
стр. 284
وبين مفريّ النّياط قد شصا ... كأنّه مبتهل إذا دعا «١»
ومائل الفودين مجلوز القفا ... يقفين بالأكباد منها والكلى «٢»
وبالقلوب وكراديس الطّلى «٣»
[٢] وقال أيضا «٤» : [من الرجز]
لمّا تبدّى الصّبح من حجابه ... وانعدل الليل إلى مآبه
خرّطه القانص واغتدى به ... في مقود يردع من جذابه «٥»
يعزّه طورا على استصعابه ... وتارة ينصبّ لانصبابه
كأنّما يفترّ من أنيابه ... عن مرهفات السّنّ من حرابه «٦»
يرثم أنف الأرض في ذهابه ... حتّى إذا أشرف من حدابه «٧»
بعد انحدار الطّرف وانقلابه ... بروضة القاع إلى أعجابه «٨»
أرسله كالسّهم إذ غالى به ... يكاد أن ينسلّ من إهابه «٩»
كلمعان البرق في سحابه ... حتّى إذا ما كاد أو حدا به
وانصات للصّوت الذي يدعى به ... كأنّما أدمج في خضابه «١٠»
ما بين لحييه إلى أقرابه ... مشهّر الغدوّ في إيابه «١١»
[٣] وقال أيضا «١٢» : [من الرجز]
ما البرق في ذي عارض لمّاح ... ولا انقضاض الكوكب المنصاح «١٣»
стр. 285
ولا انبتات الدّلو بالمتّاح ... ولا انسياب الحوت بالمنداح «١»
حين دنا من راحة السّبّاح ... أجدّ في السّرعة من سرياح «٢»
يكاد عند ثمل المراح ... إذا سما الخاتل للأشباح «٣»
يطير في الجوّ بلا جناح ... يفترّ عن مثل شبا الرّماح «٤»
فكم وكم ذي جدّة لياح ... ونازب أعفر ذي طماح «٥»
غادره مضرّج الصّفاح
следующие страницы →