← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٢٨٨-[عظال الكلاب] ويقال: ليس في الأرض فحل من جميع أجناس الحيوان لذكره حجم ظاهر إلّا الإنسان والكلب. وليس في الأرض شيئان يتشابكان من فرط إرادة كلّ واحد منهما لطباع صاحبه، حتى يلتحم عضو الذكر بعضو الأنثى حتّى يصير التحامهما التحام الخلقة والبنية، لا كالتحام الملامسة والملازمة، إلّا كما يوجد من التحام قضيب الكلب بثفر الكلبة وقد يلزق القراد، ويغمس العلس «١» مقاديمه في جوف اللحم، حتّى يرى صاحب القراد كأنّه صاحب ثؤلول «٢» . وما القراد المضروب به المثل في الالتحام إلّا دون التحام الكلبين. ولذلك إذا ضربوا المثل للمتباضعين بالسّيوف، والملتقيين للصّراع، فالتفّ بعضهم ببعض، قالوا: «كأنهم الكلاب المتعاظلة» «٣» . وليس هذا النّوع من السّفاد إلّا للكلاب وزعم صاحب المنطق وغيره، أنّ الذّباب في ذلك كالكلب. ٢٨٩-[إسماعيل بن غزوان وجارية مويس بن عمران] وكان إسماعيل بن غزوان قد تعشّق جارية كانت لمويس بن عمران، وكانت إذا وقعت وقعة إليه لم تمكث عنده إلّا بقدر ما يقع عليها، فإذا فرغ لبست خفّها وطارت، وكان إسماعيل يشتهي المعاودة وأن يطيل الحديث، ويريد القرص والشمّ والتقبيل والتجريد، ويعلم أنّه في الكوم الثاني والثالث أجدر أن ينظر، وأجدر أن يشتفي فكان ربّما ضجر ويذكرها بقلبه وهو في المجلس، فيقول: يا ربّ امسخني وإيّاها كلبين ساعة من الليل أو النّهار، حتّى يشغلها الالتحام عن التفكير في غضب مولاتها إن احتبست!! ٢٩٠-[أعجوبة في الكلبة] وفي الكلبة أعجوبة أخرى «٤» : وذلك أنّه يسفدها كلب أبقع وكلب أسود وكلب أبيض وكلب أصفر، فتؤدّي إلى كلّ سافد شكله وشبهه، في أكثر ما يكون ذلك.

стр. 282

٢٩١-[تأويل الظالع في شعر الحطيئة] وأما تأويل الظالع في قول الحطيئة: [من الطويل] تسدّيتها من بعد ما نام ظالع ال ... كلاب وأخبى ناره كلّ موقد «١» قال الأصمعيّ: يظلع الكلب لبعض ما يعرض للكلاب، فلا يمنعه ذلك من أن يهيج في زمن هيج الكلاب، فإذا رأى الكلبة المستحرمة لم يطمع في معاظلتها والكلاب منتبهة تنبح، فلا يزال ينتظر وقت فترة الكلاب ونومها، وذلك من آخر الليل. وقال أحيحة بن الجلاح: [من المنسرح] يا ليتني ليلة إذا هجع ال ... نّاس ونام الكلاب صاحبها «٢» ٢٩٢-[طرديات أخرى لأبي نواس] [١] وممّا قيل في الكلاب: [من الرّجز] «٣» : وفتية من آل ذهل في الذرى ... من الرقاشيّين في أعلى العلا «٤» بيض بهاليل كرام المنتمى ... باتوا يسيرون إلى صوح اللوى «٥» ينفون عن أعينهم طيب الكرى ... إلّا غشاشا بعد ما طال السّرى «٦» يعدين إبلاء الفتى على الفتى ... حتى إذا ما كوكب الصّبح بدا ماجوا بغضف كاليعاسيب خسا ... ثلاثة يقطعن حزّان الصّوى «٧»

стр. 283

رحيبة الأشداق غضف في دفا ... تلوي بأذناب قليلات اللّحا «١» سمعمعات الضّمر من طول الطّوى ... من كلّ مضبور القرا عاري النّسا «٢» محملج المتنين منحوض الشّوى ... شرنبث البرثن خفّاق الحشا «٣» تخال منه القصّ من غير جنا ... مسنّتا صفواء في حيدي صفا «٤» يلتهب الغائط منه إن عدا ... يقادح المرو وشذّان الحصا «٥» حتّى إذا استسحر في رأد الضّحى ... بمربإ أوفى به على الرّبا «٦» أرانبا من دونها سربا ظبا ... نواشزا من أنس إلى خلا «٧» فوضى يدعثرن أفاحيص القطا ... لعلعن واستلهثن من غير ظما «٨» مبالغات في نهيم وصأى ... كأنّما أعينها جمر الغضى «٩» ثمّ تطلّعن معا كالبرق لا ... في الأرض يهوين ولا لوح الهوا «١٠» كأنّها في شرطها لما انبرى ... كواكب يرمى الشّياطين بها يذمرن بالإيساد ذمرا وأيا ... حتى إذا ما كنّ منهنّ كها «١١» دارت عليهنّ من الموت رحى ... تجذبهنّ بحديدات الشّبا «١٢» شوامذ يلعطن معبوط الدّما ... بين خليع الزّور مرضوض الصّلا «١٣»

стр. 284

وبين مفريّ النّياط قد شصا ... كأنّه مبتهل إذا دعا «١» ومائل الفودين مجلوز القفا ... يقفين بالأكباد منها والكلى «٢» وبالقلوب وكراديس الطّلى «٣» [٢] وقال أيضا «٤» : [من الرجز] لمّا تبدّى الصّبح من حجابه ... وانعدل الليل إلى مآبه خرّطه القانص واغتدى به ... في مقود يردع من جذابه «٥» يعزّه طورا على استصعابه ... وتارة ينصبّ لانصبابه كأنّما يفترّ من أنيابه ... عن مرهفات السّنّ من حرابه «٦» يرثم أنف الأرض في ذهابه ... حتّى إذا أشرف من حدابه «٧» بعد انحدار الطّرف وانقلابه ... بروضة القاع إلى أعجابه «٨» أرسله كالسّهم إذ غالى به ... يكاد أن ينسلّ من إهابه «٩» كلمعان البرق في سحابه ... حتّى إذا ما كاد أو حدا به وانصات للصّوت الذي يدعى به ... كأنّما أدمج في خضابه «١٠» ما بين لحييه إلى أقرابه ... مشهّر الغدوّ في إيابه «١١» [٣] وقال أيضا «١٢» : [من الرجز] ما البرق في ذي عارض لمّاح ... ولا انقضاض الكوكب المنصاح «١٣»

стр. 285

ولا انبتات الدّلو بالمتّاح ... ولا انسياب الحوت بالمنداح «١» حين دنا من راحة السّبّاح ... أجدّ في السّرعة من سرياح «٢» يكاد عند ثمل المراح ... إذا سما الخاتل للأشباح «٣» يطير في الجوّ بلا جناح ... يفترّ عن مثل شبا الرّماح «٤» فكم وكم ذي جدّة لياح ... ونازب أعفر ذي طماح «٥» غادره مضرّج الصّفاح

стр. 286

باب آخر في الكلب وشأنه ٢٩٣-[تفسير شعر قيل في الكلاب] قال طفيل الغنويّ: [من الطويل] أناس إذا ما أنكر الكلب أهله ... حموا جارهم من كلّ شنعاء مظلع «١» يقول: إذا تكفّروا في السّلاح لم تعرفهم كلابهم. ولم يدّع جميع أصحاب المعارف إلّا أنّ الكلب أشدّ ثباتا، وأصدق حسّا. وفي ذلك يقول الآخر: [من الطويل] فلا ترفعي صوتا وكوني قصيّة ... إذا ثوّب الدّاعي وأنكرني كلبي «٢» يقول: إيّاك والصّراخ إذا عاينت الجيش. وقوله: «أنكرني كلبي» ، يخبر أنّ سلاحه تامّ من الدّرع والمغفر والبيضة «٣» . فإذا تكفّر «٤» بسلاحه أنكره كلبه فنبحه. وأما قوله: [من المتقارب] إذا خرس الفحل وسط الحجور ... وصاح الكلاب وعقّ الولد «٥» فأمّا قوله: إذا خرس الفحل، فإنّ الفحل [الحصان] «٦» إذا عاين الجيش وبوارق السيوف، لم يلتفت لفت الحجور. وأمّا قوله «٧» : وصاح الكلاب. فإنّ الكلاب في تلك الحالة تنبح أربابها كما تنبح سرعان الخيل إليهم؛ لأنّها لا تعرفهم من عدوّهم.

стр. 287

وأما قوله: وعقّ الولد، فإنّ المرأة إذا صبّحتهم الخيل، ونادى الرجال يا صباحاه! ذهلت عن ولدها، وشغلها الرّعب عن كلّ شيء «١» . فجعل تركها احتمال ولدها والعطف عليه في تلك الحالة، عقوقا منها، وهو قولهم: نزلت بهم أمور لا ينادى وليدها «٢» ، وإنّما استعاروا هذه الكلمة فصيّروها في هذا الموضع من هذا المكان. وقد ذكر ذلك مزرّد بن ضرار وغيره، فقال: [من الطويل] تبرّأت من شتم الرجال بتوبة ... إلى الله مني لا ينادى وليدها «٣» وقال الآخر: [من الطويل] ظهرتم على الأحرار من بعد ذلّة ... وشقوة عيش لا ينادى وليدها والذي يخرسه إفراط البرد، وإلحاح المطر، كما قال الهذليّ: [من البسيط] وليلة يصطلي بالفرث جازرها ... يختص بالنّقرى المثرين داعيها «٤» لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... من الصّقيع، ولا تسري أفاعيها وقال ابن هرمة: [من الخفيف] واسأل الجار والمعصّب والأضيا ... ف وهنا إذا تحيّوا لديّا «٥» كيف يلقونني إذا نبح الكل ... ب وراء الكسور نبحا خفيّا وقال آخر: [من المتقارب] إذا عمي الكلب في ديمة ... وأخرسه الله من غير صرّ «٦»

стр. 288

يقول: الكلب وإن أخرسه البرد الذى يكون مع المطر والرّيح التي تمرّ بالصّحارى المطيرة فتبرد، فإنّ الكلب وإن ناله ذلك فإنّ ذلك من خصب، وليس ذلك من صرّ. ٢٩٤-[سبب نبح الكلاب السحاب] والكلب إذا ألحّت عليه السحائب بالأمطار في أيام الشتاء لقي جنّة فمتى أبصر غيما نبحه «١» ، لأنّه قد عرف ما يلقّى من مثله، وفي المثل: «لا يضرّ السّحاب نباح الكلاب» «٢» فقال الشاعر: [من الطويل] وما لي لا أغزو وللدّهر كرّة ... وقد نبحت نحو السماء كلابها يقول: قد كنت أدع الغزو مخافة العطش على الخيل والأنفس، فما عذري اليوم والغدران كثيرة، ومناقع المياه موفورة. والكلاب لا تنبح السحاب إلّا من إلحاح المطر وترادفه «٣» . وقال الأفوه الأوديّ، في نبح الكلاب السحاب، وذلك من وصف الغيم: [من الطويل] له هيدب دان ورعد ولجّة ... وبرق تراه ساطعا يتبلّج «٤» فباتت كلاب الحيّ ينبحن مزنه ... وأضحت بنات الماء فيها تعمّج «٥» ٢٩٥-[قول أبي حيّة النميري في الكلب] وقال أبو خالد النميريّ: وذكروا فرعون ذا الأوتاد عند أبي حيّة النميريّ، فقال أبو حيّة: الكلب خير منه وأحزم! قال: فقيل له كيف خصصت الكلب بذلك؟ قال: لأنّ الشاعر يقول: [من الطويل] وما لي لا أغزو وللدّهر كرّة ... وقد نبحت نحو السماء كلابها وقال الفرزدق: [من الطويل] فإنّك إن تهجو حنيفة سادرا ... وقبلك قد فاتوا يد المتناول «٦»

стр. 289

كفرعون إذ يرمي السّماء بسهمه ... فردّ عليه السهم أفوق ناصلي «١» فهذا يرمي السماء بجهله، وهذا ينبح السحاب من جودة فطنته. ٢٩٦-[تعصّب فهد الأحزم للكلب] وزعم فهد الأحزم أنّ الكلب إنّما عرف مخرج ذلك الشيء المؤذي له حتّى نبحه بالقياس، لأنّه إنما نبحه بعد أن توالى عليه الأذى من تلك الجهة. وكان فهد يتعصّب للكلب. فقلت له: وكذلك الحمار إذا رفعت عليه السّوط مرّ من تحتك مرّا حثيثا، فالقياس علّمه أنّ السّوط متى رفع حطّ، ومتى حطّ أصابه، ومتى أصابه ألم. فما فضل الكلب في هذا الموضع على الحمار، والحمار هو الموصوف بالجهل؟! ٢٩٧-[مما قيل في نباح الكلاب] قال الفرزدق: [من الطويل] وقد نبح الكلب السحاب ودونها ... مهامه تعشي نظرة المتأمّل «٢» وقال الآخر: [من الرجز] ما لك لا تنبح يا كلب الدّوم ... قد كنت نبّاحا فما بال اليوم «٣» قال: كان هذا رجل ينتظر عيرا له تقدم، فكان إذا جاءت العير نبح، فاحتبست عليه العير، فقال كالمتمنّي وكالمنتظر المستبطئ: ما لك لا تنبح؟ أي ما للعير لا تأتي. ٢٩٨-[فراسة إياس بن معاوية] وقال «٤» : خرج إياس بن معاوية، فسمع نباح كلب فقال: هذا كلب مشدود. ثم سمع نباحه فقال: قد أرسل. فانتهوا إلى الماء فسألوهم فكان كما قال. فقال له غيلان أبو مروان: كيف علمت أنّه موثق وأنّه أطلق؟ قال: كان نباحه وهو موثق يسمع من مكان واحد، فلما أطلق سمعته يقرب مرّة ويبعد مرة، ويتصرّف في ذلك. وقالوا «٥» : مرّ إياس بن معاوية ذات ليلة بماء، فقال: أسمع صوت كلب غريب.

стр. 290

قيل له: كيف عرفت ذلك؟ قال: بخضوع صوته وشدّة نباح الآخر. فسألوا فإذا هو غريب مربوط والكلاب تنبحه. ٢٩٩-[استطراد لغويّ] وقال بعض العلماء: كلب أبقع، وفرس أبلق، وكبش أملح «١» ، وتيس أبرق، وثور أشيه «٢» . ويقال كلب وكلاب وكليب، ومعز وماعز ومعيز. وقال لبيد: [من الوافر] فبتنا حيث أمسينا قريبا ... على جسداء تنبحنا الكليب «٣» وقال علقمة بن عبدة: [من الطويل] وتصبح عن غبّ السّرى وكأنّها ... مولّعة تخشى القنيص شبوب «٤» تعفّق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذّت نبلهم وكليب وقال عبادة بن محبّر السعدي: [من الوافر] فمن للخيل بعد أبي سراج ... إذا ما أشنج الصّرّ الكليبا «٥» وهؤلاء كلهم جاهليّون. وقال حمّويه الخريبي «٦» وأنشدوه: [من الوافر] كأنّك بالمبارك بعد حين ... تخوض غماره بقع الكلاب «٧» وأنشدوه: [من البسيط] أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أمسى شريدهم في الأرض فلّالا

стр. 291

فقال: لا خير في بقع الكلاب البتة، وسود الكلاب أكثرها عقورا. ٣٠٠-[خير الكلاب والسنانير] وخير الكلاب ما كان لونه يذهب إلى ألوان الأسد من الصّفرة والحمرة. والتبقيع هجنة. وخير السنانير الخلنجيّة، وخير كلاب الصّيد البيض. قالوا: إنّ الأسدّ للهراش الحمر والصّفر، والسّود للذّئاب، وهي شرّها، وقال النبي ﷺ : «لولا أنّ الكلاب أمّة من الأمم لأمرت بقتلها. ولكن اقتلوا منها كلّ أسود بهيم» . وكلّ شيء من الحيوان إذا اسودّ شعره أو جلده، أو صوفه، كان أقوى لبدنه ولم تكن معرفته بالمحمودة. ٣٠١-[خير الحمام] وزعم أنّ الحمام الهدّاء «١» إنما هو في الخضر والنمر «٢» ، فإذا اسودّ الحمام حتّى يدخل في الاحتراق صار مثل الزّنجيّ الشديد البطش. القليل المعرفة. والأسود لا يجيء من البعد، لسود هدايته. والأبيض وما ضرب فيه البياض لا يجيء من الغاية، لضعف قواه. وعلى قدر ما يعتريه من البياض يعتريه من الضّعف. فالكلب هو الأصفر والأحمر، والحمام هو الأخضر والأنمر، والسّنّور هو الخلنجيّ العسّال، وسائر الألوان عيب. وقد يكون فيها ومنها الخارجيّ «٣» كما يكون من الخيل، ولكنّه لا يكاد ينجب، ولا تعدو الأمور المحمودة منه رأسه، وقد يكون ربّما أشبه وقرب من النّجابة، فإذا كان كذلك كان كهذه الأمهات والآباء المنجبة، إلّا أنّ ذلك لا يتمّ منها إلا بعد بطون عدّة. ٣٠٢-[استطراد لغوي] وقال أبو زيد: قال ردّاد: أقول للرجل الّذي إذا ركب الإبل فعقر ظهورها من

стр. 292

إتعابه. هذا رجل معقر، وكذلك السّرج والقتب، ولا يقال للكلب إلّا عقور. ويقال هو ضرو للكلب الضاري على الصيد، وضروة للكلبة، وهذا ضراء كثيرة، وكلب ضار، وكلاب ضوار. وقد ضريت أشدّ الضراوة. وقال ذو الرّمّة: [من البسيط] مقزّع أطلس الأطمار ليس له ... إلّا الضّراء وإلا صيدها نشب «١» وقال طفيل الغنوي: [من الطويل] تباري مراخيها الزّجاج كأنّها ... ضراء أحسّت نبأة من مكلّب «٢» ومنه قيل: إناء ضار «٣» وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: «إيّاكم وهذه المجازر فإنّ لها ضراوة كضراوة الخمر» «٤» . وقال الأصمعيّ: كلب أبقع وكلبة بقعاء، وفرس أبلق وفرس بلقاء، وتيس أبرق وعنز برقاء، وكذلك جبل أبرق وكساء أبرق وكلب أبرق. وقال ابن داحة: نزل عندنا أعرابيّ ومعه ابنان له صغيران، وكان أحدهما مستهترا «٥» باللّعب بالكلاب، وكان الآخر مستهترا بالحملان، فقال الأعرابيّ لصاحب الكلب: [من الكامل] ما لي أراك مع الكلاب جنيبة ... وأرى أخاك جنيبة الحملان «٦» قال: فردّ عليه الغلام: [من الكامل] لولا الكلاب وهرشها من دونها ... كان الوقير فريسة الذّؤبان «٧»

стр. 293

والوقير: اسم للغنم الكثيرة السائمة مع ما فيها من الحمير وغير ذلك. وقال الشماخ بن ضرار: [من الوافر] فأوردهنّ تقريبا وشدّا ... شرائع لم يكدّرها الوقير «١» وقال الشاعر في تثبيت ما قال الغلام: [من البسيط] تعدو الذّئاب على من لا كلاب له ... وتتّقي صولة المستأسد الضاري وقال الآخر: [من البسيط] إنّ الذئاب ترى من لا كلاب له ... وتتّقي حوزة المستثفر الحامي «٢» ٣٠٣-[عفّة عمر بن أبي ربيعة وابن أبي عتيق] وقال محمّد بن إبراهيم: قدمت امرأة إلى مكّة، وكانت ذات جمال وعفاف وبراعة وشارة، فأعجبت ابن أبي ربيعة، فأرسل إليها فخافت شعره، فلما أرادت الطّواف قالت لأخيها: اخرج معي. فخرج معها، وعرض لها عمر فلمّا رأى أخاها أعرض عنها، فأنشدت قول جرير «٣» : [من البسيط] تعدو الذّئاب على من لا كلاب له ... وتتّقي حوزة المستأسد الحامي هذا حديث أبي الحسن، وأمّا بنو مخزوم فيزعمون أنّ ابن أبي ربيعة لم يحلّ إزاره على حرام قطّ، وإنما كان يذهب في نسيبه إلى أخلاق ابن أبي عتيق، فإنّ ابن أبي عتيق كان من أهل الطّهارة والعفاف، وكان من سمع كلامه توهّم أنّه من أجرأ الناس على فاحشة. وما يشبه الذي يقول بنو مخزوم ما ذكروا عن قريش والمهاجرين؛ فإنّهم يقولون: إنّ عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة إنّما سمّي بعمر بن الخطاب وإنّه ولد ليلة مات عمر. فلما كان بعد ذلك ذكروا فساد هذا وصلاح ذلك فقالوا: أيّ باطل وضع، وأيّ حقّ رفع!!

стр. 294

ومثل هذا الكلام لا يقال لمن يوصف بالعفّة الثابتة. ٣٠٤-[وصية شريح لمعلم ولده] ولبغض المزاح في لعب الصبيان بالكلاب واستهتارهم بها. كتب شريح إلى معلّم ولد له كان يدع الكتّاب ويلعب بالكلاب: [من الكامل] ترك الصّلاة لأكلب يلهو بها ... طلب الهراش مع الغواة الرّجّس «١» وليأتينّك غاديا بصحيفة ... يغدو بها كصحيفة المتلمّس «٢» فإذا خلوت فعضّه بملامة ... أو عظه موعظة الأديب الأكيس وإذا هممت بضربه فبدرّة ... وإذا ضربت بها ثلاثا فاحبس واعلم بأنّك ما فعلت فإنّه ... مع ما يجرّعني أعز الأنفس وهذا الشعر عندنا لأعشى بني سليم في ابن له. وقد رأيت ابنه هذا شيخا كبيرا. وهو يقول الشعر؛ وله أحاديث كثيرة ظريفة. ٣٠٥-[مما يدل على قدر الكلب] وقال صاحب الكلب: ومما يدلّ على قدر الكلب كثرة ما يجري على ألسنة النّاس من مدحه بالخير والشرّ، وبالحمد وبالذمّ، حتّى ذكر في القرآن مرّة بالحمد ومرّة بالذّم. وبمثل ذلك ذكر في الحديث، وكذلك في الأشعار والأمثال، حتى استعمل في الاشتقاقات، وجرى في طريق الفأل والطّيرة، وفي ذكر الرؤيا والأحلام، ومع الجن والحنّ والسّباع والبهائم. فإن كنتم قضيتم عليه بالشر وبالنقص، وباللؤم وبالسقوط لأنّ ذلك كلّه قد قيل فيه، فالذي قيل فيه من الخير أكثر، ومن الخصال المحمودة أشهر. وليس شيء أجمع لخصال النقص من الخمول، لأنّ تلك الخصال المخالفة لذلك، تعطي من النّباهة وتقيم من الذكر على قدر المذكور من ذلك. وكما لا تكون الخصال التي تورث الخمول مورثة للنباهة، فكذلك خصال النّباهة في مجانبة الخمول، لأنّ الملوم أفضل من الخامل.

стр. 295

٣٠٦-[الترجمان بن هريم والحارث بن شريح] وسمع الترجمان بن هريم عند يزيد بن عمر بن هبيرة، رجلا يقول: ما جاء الحارث ابن شريح بيوم خير قطّ. قال التّرجمان: إلا يكن جاء بيوم خير فقد جاء بيوم شرّ «١» . ٣٠٧-[سياسة الشّدّة واللّين] وبعد فأيّ رئيس كان خيره محضا عدم الهيبة. ومن لم يعمل بإقامة جزاء السيئة والحسنة، وقتل في موضع القتل، وأحيا في موضع الإحياء. وعفا في موضع العفو، وعاقب في موضع العقوبة، ومنع ساعة المنع، وأعطى ساعة الإعطاء، خالف الرّبّ في تدبيره، وظنّ أن رحمته فوق رحمة ربه. وقد قالوا: بعض القتل إحياء للجميع. وبعض العفو إغراء، كما أنّ بعض المنع إعطاء، ولا خير فيمن كان خيره محضا، وشرّ منه من كان شرّه صرفا، ولكن اخلط الوعد بالوعيد، والبشر بالعبوس، والإعطاء بالمنع، والحلم بالإيقاع، فإنّ الناس لا يهابون ولا يصلحون إلّا على الثّواب والعقاب، والإطماع والإخافة. ومن أخاف ولم يوقع وعرف بذلك، كان كمن أطمع ولم ينجز وعرف بذلك، ومن عرف بذلك دخل عليه بحسب ما عرف منه. فخير الخير ما كان ممزوجا، وشرّ الشرّ ما كان صرفا، ولو كان النّاس يصلحون على الخير وحده لكان الله أولى بذلك الحكم. وفي إطباق جميع الملوك وجميع الأئمة في جميع الأقطار وفي جميع الأعصار على استعمال المكروه والمحبوب، دليل على أنّ الصواب فيه دون غيره. وإذا كان الناس إنما يصلحون على الشّدّة واللين، وعلى العفو والانتقام وعلى البذل والمنع، وعلى الخير والشرّ، عاد بذلك الشرّ خيرا وذلك المنع إعطاء وذلك المكروه محبوبا. وإنّما الشأن في العواقب، وفيما يدوم ولا ينقطع وفيما هو أدوم، ومن الأنقطاع أبعد. وقال الشاعر، وهو يمدح قوما: [من البسيط] إن يسألوا الخير يعطوه وإن جهدوا ... فالجهد يخرج منهم طيب أخبار «٢»

стр. 296

وإن تودّدتهم لانوا وإن شهموا ... كشفت أذمار حرب غير أغمار «١» وقال العتبي: [من الطويل] ولكن بنو خير وشر كليهما ... جميعا ومعروف ألمّ ومنكر «٢» وقال بعض من ارتجز يوم جبلة «٣» : [من الرجز] أنا الغلام الأعسر ... الخير فيّ والشرّ والشرّ فيّ أكثر «٤» وقال عبد الملك بن مروان لزفر بن الحارث؛ وقد دخل عليه في رجالات قيس: ألست امرأ من كندة؟ قال: وما خير من لا يتّقى حسدا، ويدعى رغبة. وقال ثمامة: الشّهرة بالشرّ خير من أن لا أعرف بخير ولا شرّ. ٣٠٨-[الاستدلال على النباهة] وكان يقال: يستدل على نباهة الرّجل من الماضين بتباين الناس فيه. وقال: ألا ترى أن عليّا- رضي الله تعالى عنه- قال: يهلك فيّ فئتان: محبّ مفرط، ومبغض مفرط. وهذه صفة أنبه الناس، وأبعدهم غاية في مراتب الدّين وشرف الدنيا. ألا ترى أن الشاعر يقول: [من الهزج] أرى العلباء كالعلبا ... ء لا حلو ولا مرّ شييخ من بني الجارو ... د لا خير ولا شرّ وقال الآخر: [من الرجز] عيّرتني يا ثكلتني أمّي ... أسود مثل الجعل الأحمّ «٥» ينطح عرض الجبل الأصمّ ... ليس بذي القرن ولا الأجمّ

стр. 297

وإذا كان الرجل أبرع الناس براعة، وأظهرهم فضلا، وأجمعهم لخصال الشرف، ثمّ كانت كلّ خصلة مساوية لأختها في التّمام، ولم تغلب عليه خصلة واحدة، فإنّ هذا الرّجل لا يكاد يوصف إلّا بالسيادة والرياسة خاصّة إذا لم يكن له مسند عما يكون هو الغالب عليه. وقالوا فيما يشبه ما ذكرنا، وإن لم يكن هو بعينه، قال الشاعر: [من البسيط] هينون لينون أيسار ذوو يسر ... سوّاس مكرمة أبناء أيسار «١» من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم ... مثل النّجوم التي يسري بها الساري وقد قال مثل الذي وصفنا جعفر الضبّيّ في الفضل بن سهل: أيّها الأمير أسكتني عن وصفك تساوي أفعالك في السّؤدد، وحيّرني فيها كثرة عددها، فليس إلى ذكر جميعها سبيل، وإن أردت وصف واحدة اعترضت أختها، إذ لم تكن الأولى أحقّ بالذكر. ولست أصفها إلّا بإظهار العجز عن وصفها. ولذلك قالوا: «أحلم من الأحنف» «٢» ، و «ما هو إلّا في حلم معاوية» و «أحلم من قيس بن عاصم» «٣» ، ولم يقولوا: أحلم من عبد المطّلب، ولا هو أحلم من هاشم، لأنّ الحلم خصلة من خصاله كتمام حلمه، فلمّا كانت خصاله متساوية، وخلاله مشرفة متوازية، وكلّها كان غالبا ظاهرا، وقاهرا غامرا، سمّي بأجمع الأشياء ولم يسمّ بالخصلة الواحدة، فيستدلّ بذلك على أنّها كانت أغلب خصال الخير عليه. ٣٠٩-[هجاء السفهاء للأشراف] وإذا بلغ السّيد في السّؤدد الكمال، حسده من الأشراف من يظنّ أنّه الأحقّ به، وفخرت به عشيرته، فلا يزال سفيه من شعراء تلك القبائل قد غاظه ارتفاعه على مرتبة سيّد عشيرته فهجاه. ومن طلب عيبا وجده. فإن لم يجد عيبا وجد بعض ما إذا ذكره، وجد من يغلط فيه ويحمله عنه. ولذلك هجي حصن بن حذيفة، وهجي زرارة ابن عدس، وهجي عبد الله بن جدعان، وهجي حاجب بن زرارة.

стр. 298

وإنّما ذكرت لك هؤلاء لأنهم من سؤددهم وطاعة القبيلة لهم، لم يذهبوا فيمن تحت أيديهم من قومهم، ومن حلفائهم وجيرانهم، مذهب كليب بن ربيعة، ولا مذهب حذيفة بن بدر، ولا مذهب عيينة بن حصن، ولا مذهب لقيط بن زرارة، ولأنّ لقيطا لم يأمر بسحب ضمرة بن ضمرة إلّا وهو لو بقي لجاوز ظلم كليب وتهكم عيينة، فإنّ هؤلاء وإن كانوا سادة فقد كانوا يظلمون، وكانوا بين أن يظلموا وبين أن يحتملوا ظلما ممن ظلمهم. ولا بدّ من الاحتمال كما لا بدّ من الانتصار. وقد قال : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ «١» . وإلى هذا المعنى رجع قول الحكيم الأوّل: «بعض القتل إحياء للجميع» «٢» . وعامّة هولاء السّادة لم يكن شأنهم أن يردّوا الناس إلى أهوائهم، وإلى الانسياق لهم بعنف السّوق، وبالحرب في القود، بل كانوا لا يؤثرون التّرهيب على الترغيب. والخشونة على التليين. وهم مع ذلك قد هجوا بأقبح الهجاء. ومتى أحبّ السّيّد الجامع، والرئيس الكامل قومه أشدّ الحبّ وحاطهم على حسب حبه لهم، كان بغض أعدائهم له على حسب حبّ قومه له. هذا إذا لم يتوثّب إليه ولم يعترض عليه من بني عمّه وإخوته من قد أطمعته الحال باللّحاق به. وحسد الأقارب أشدّ، وعداوتهم على حسب حسدهم. وقد قال الأوّلون: رضا الناس شيء لا ينال. وقد قيل لبعض العرب: من السّيّد فيكم؟ قال الذي إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر اغتبناه! وقد قال الأوّل: بغضاء السّوق «٣» موصولة بالملوك والسادة، وتجري في الحاشية مجرى الملوك. ٣١٠-[صعوبة سياسة العوام] وليس في الأرض عمل أكدّ لأهله من سياسة العوامّ. وقد قال الهذليّ يصف صعوبة السياسة: [من الوافر] وإن سياسة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل «٤»

стр. 299

وقال آخر في شبيه بهذا المعنى: [من الطويل] ودون النّدى في كلّ قلب ثنيّة ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل «١» وودّ الفتى في كلّ نيل ينيله ... إذا ما انقضى، لو أنّ نائله جزل وقال عامر بن الطّفيل: [من الطويل] وإنّي وإن كنت ابن سيّد عامر ... وفارسها المشهور في كلّ موكب «٢» فما سوّدتني عامر من وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب ولكنّني أحمي حماها وأتّقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب وقال زياد بن ظبيان لابنه عبيد الله بن زياد وزياد يغرغر بنفسه «٣» : ألا أوصي بك الأمير؟ قال: لا. قال: ولم؟ قال: إذا لم يكن للحي إلّا وصيّة الميّت، فالحيّ هو الميّت» . وقال آخر في هذا المعنى: [من الكامل] والعزّ لا يأتي بغير تطلّب وقال بشامة بن الغدير في خلاف ذلك، وأن يثبت أن يكون منه كان: [من الطويل] وجدت أبي فيهم وجدّي كليهما ... يطاع ويؤتى أمره وهو محتبي «٥» فلم أتعمّل للسّيادة فيهم ... ولكن أتتني طائعا غير متعب ٣١١-[أسباب السعادة] ومن الناس من يقول: إن العيش كلّه في كثرة المال، وصحة البدن، وخمول الذكر. وقال من يخالفه: لا يخلو صاحب البدن الصّحيح والمال الكثير، من أن يكون بالأمور عالما، أو يكون بها جاهلا. فإن كان بها عالما فعلمه بها لا يتركه حتّى يكون له من القول والعمل على حسب علمه، لأنّ المعرفة لا تكون كعدمها، لأنّها لو كانت

стр. 300

موجودة غير عاملة لكانت المعرفة كعدمها، وفي القول والعمل ما أوجب النّباهة، وأدنى حالاته أن تخرجه من حدّ الخمول، ومتى أخرجته من حدّ الخمول فقد صار معرّضا لمن يقدر على سلبه. وكما أنّ المعرفة لا بدّ لها من عمل، ولا بدّ للعمل من أن يكون قولا أو فعلا، والقول لا يكون قولا إلّا وهناك مقول له، والفعل لا يكون فعلا إلّا وهناك مفعول له، وفي ذلك ما أخرج من الخمول وعرف به الفاعل. وإذا كانت المعرفة هذا عملها في التنبيه على نفسها، فالمال الكثير أحقّ بأنّ عمله الدّلالة على مكانه، والسّعاية على أهله. والمال أحقّ بالنميمة، وأولى بالشكر، وأخدع لصاحبه، بل يكون له أشدّ قهرا، ولحيّه أشدّ فسادا. وإن كانت معرفته ناقصة فبقدر نقصانها يجهل مواضع اللذة. وإن كانت تامّة فبقدر تمامها ينفى الخمول ويجلب الذّكر. وبعد فليس يفهم فضيلة السلامة. وحقائق رشد العافية، الذين ليس لهم من المعرفة إلّا الشّدو «١» ، وإلّا خلاق «٢» أوساط الناس. ومتى كان ذلك كذلك، لم يعرف المدخل الذي من أجله يكره ذو المال الشّهرة. ومن عرف ذلك على حقّه وصدقه، لم يدعه فهمه لذلك حتّى يدلّ على فهمه. وعلى أنّه لا يفهم هذا الموضع حتّى يفهم كلّ ما كان في طبقته من العلم. وفي أقلّ من ذلك ما يبين به حاله من حال الخامل. وشروط الأمانيّ غير شروط جواز الأفعال وإمكان الأمور. وليس شيء ألذّ ولا أسرّ من عزّ الأمر والنهي، ومن الظّفر بالأعداء، ومن عقد المنن في أعناق الرجال، والسّرور بالرّياسة وبثمرة السيادة، لأنّ هذه الأمور هي نصيب الرّوح، وحظّ الذهن، وقسم النّفس «٣» . فأمّا المطعم والمشرب والمنكح والمشمّة، وكلّ ما كان من نصيب الحواسّ، فقد علمنا أن كلّ ما كان أشدّ نهما وأرغب، كان أتمّ لوجدانه الطعم. وذلك قياس على مواقع الطّعم من الجائع، والشراب من العطشان. ولكنّا إذا ميّلنا بين الفضيلة التي مع السّرور، وبين لذّة الطعام، وما يحدث الشّره له من ألم السهر والالتهاب والقلق وشدّة الكلب، رأينا أنّ صاحبه مفضول غير فاضل. هذا مع ما يسبّ به، ومع حمله له على القبيح، وعلى أنّ نعمته متى زالت لم

стр. 301

يكن أحد أشقى منه. هذا مع سرور العالم بما وهب الله له من السلامة من آفة الشّره، ومن فساد الأخلاط. وبعد فلا يخلو صاحب الثّروة والصامت الكثير «١» ، الخامل الذكر من أن يكون ممّن يرغب في المركب الفاره، والثوب اللين، والجارية الحسنة، والدار الجيّدة، والمطعم الطيّب، أو يكون ممن لا يرغب في شيء من ذلك. فإن كان لا يرغب في هذا النوع كلّه، ولا يعمل في ماله للدّار الآخرة. ولا يعجب بالأحدوثة الحسنة، ويكون ممن لا تعدو لذّته أن يكون كثير الصامت، فإنّ هذا حمار أو أفسد طبعا من الحمار، وأجهل من الحمار، وقد رضي أن يكون في ماله أسوأ حالا من الوكيل. وبعد فلا بدّ للمال الكثير من الحراسة الشّديدة، ومن الخوف عليه، فإن أعمل الحراسة له، وتعب في حفظه وحسب الخوف، خرج عليه فضل. فإن هو لم يخف عليه- ولا يكون ذلك في سبيل التوكّل- فهو في طباع الحمار وفي جهله. والذي أوجب له الخمول ليؤدّيه إلى سلامة المال له، قد أعطاه من الجهل ما لا يكون معه إلّا مثل مقدار لذة البهيمة في أكل الخبط «٢» . وإن هو ابتاع فرّه الدواب، وفرّه الخدم والجواري، واتخذ الدار الجيّدة، والطعام الطيّب والثّوب الليّن وأشباه ذلك، فقد دلّ على ماله. ومن كان كذلك ثمّ ظهرت له ضيعة فاشية، أو تجارة مربحة، يحتمل مثل ذلك الذي يظهر من نفقته. وإلا فإنّه سيوجد في اللّصوص عند أوّل من يقطع عليه، أو مكابرة تكون، أو تعب يؤخذ لأهله المال العظيم. ولو عنى بقوله الخمول وصحة البدن والمال، فذهب إلى مقدار من المال مقبولا ولكن ما لمن كان ماله لا يجاوز هذا المقدار يتهيّأ الخمول. ٣١٢-[طبقات الخمول] ولعمري إنّ الخمول ليكون في طبقات كثيرة، قال أبو نخيلة: [من الطويل] شكرتك إنّ الشّكر حبل من التّقى ... وما كلّ من أقرضته نعمة يقضي «٣» فأحييت من ذكري وما كان خاملا ... ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض

стр. 302

قالوا: ولسقوط الخامل من عيون الناس، قالت الأعرابيّة لابنها: إذا جلست مع الناس فإن أحسنت أن تقول كما يقولون فقل، وإلّا فخالف تذكر! وأمّا الأصمعيّ فزعم أنّها قالت: فخالف ولو بأن تعلّق في عنقك أير حمار. وليس يقول هذا القول إلّا من ليس يعرف شكر الغنى، وتقلّب الأموال إلى ما خلقت له، وقطعها عقلها، وخلعها عذرها، وتيه أصحابها، وكثرة خطاهم في حفظها وسترها، وعجزهم عن إماتة حركتها ومنعها من جميع ما تنازع إليه وتحمل عليه. ٣١٣-[ملحة من الملح] وقد روينا في الملح أنّ رجلا قال لصاحب له: أبوك الذي جهل قدره، وتعدّى طوره، فشقّ العصا، وفارق الجماعة، لا جرم لقد هزم ثم أسر ثمّ قتل ثمّ صلب! قال له صاحبه: دعني من ذكر هزيمة أبي، ومن أسره وقتله وصلبه. أبوك هل حدّث نفسه بشيء من هذا قطّ؟! ٣١٤-[حكم الأسباب في همم الناس] وليس إلى النّاس بعد الهمم وقصرها، وإنما تجري الهمم بأهلها إلى الغايات، على قدر ما يعرض لهم من الأسباب. ألا ترى أنّ أبعد النّاس همّة في نفسه، وأشدّهم تلفتا إلى المراتب، لا تنازعه نفسه إلى طلب الخلافة، لأن ذلك يحتاج إلى نسب، أو إلى أمر قد وطّئ له بسبب، كسبب طلب أوائل الخوارج الخلافة بالدّين وحده دون النّسب. فإن صار من الخوارج فقد حدث له سبب إمكان الطّلب، أكدى أم نجح. وقد زعم ناس من العلماء أنّ رجالا خطبت للسّيادة والنّباهة والطّاعة في العشيرة. ٣١٥-[سلطان الحظ] وكذلك القبيلة ربّما سعدت بالحظّ، وربّما حظيت بالجدّ، وإنّما ذلك على قدر الاتفاق، وإنما هو كالمعافى والمبتلى، وإنما ذلك كما قال زهير: [من الطويل] وجدت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم «١» وكما تحظى بعض الأشعار وبعض الأمثال، وبعض الألفاظ دون غيرها، ودون ما يجري مجراها أو يكون أرفع منها. قالوا: وذلك موجود في المرزوق والمحروم، وفي المحارف «٢» والذي تجوز

стр. 303

عليه الصّدقة. وكم من حاذق بصناعته، وكثير الجولان في تجارته، وقد بلغ فرغانة «١» مرّة، والأندلس مرة، ونقّب في البلاد، وربع في الآفاق «٢» ، ومن حاذق يشاور ولا يستعمل، ثمّ لا تجدهما يستبينان، من سوء الحال وكثرة الدّين. ومن صاحب حرب منكوب، وهو اللّيث على براثنه، مع تمام العزيمة وشدّة الشّكيمة، ونفاذ البصيرة، ومع المعرفة بالمكيدة والصّبر الدّائم على الشدّة. وبعد؛ فكم من بيت شعر قد سار، وأجود منه مقيم في بطون الدّفاتر، لا تزيده الأيّام إلّا خمولا، كما لا تزيد الذي دونه إلّا شهرة ورفعة. وكم من مثل قد طار به الحظّ حتّى عرفته الإماء، ورواه الصّبيان والنّساء. وكذلك حظوظ الفرسان. وقد عرفت شهرة عنترة في العامّة. ونباهة عمرو بن معد يكرب، وضرب الناس المثل بعبيد الله بن الحرّ، وهم لا يعرفون، بل لم يسمعوا قطّ بعتيبة بن الحارث بن شهاب، ولا ببسطام بن قيس، وكان عامر بن الطفيل أذكر منهما نسبا. ويذكرون عبيد الله بن الحرّ، ولا يعرفون شعبة بن ظهير ولا زهير بن ذؤيب، ولا عبّاد بن الحصين. ويذكرون اللسن والبيان والخطيب ابن القرّيّة ولا يعرفون سحبان وائل. والعامّة لم يصل ذكر هؤلاء إليهم إلّا من قبل الخاصّة، والخاصّة لم تذكر هؤلاء دون أولئك، فتركت تحصيل الأمور والموازنة بين الرجال وحكمت بالسّابق إلى القلب، على قدر طباع القلب وهيئته، ثمّ استوت علل العامّة في ذلك وتشابهت. والعامّة والباعة والأغنياء والسّفلة كأنّهم أعذار عام واحد. وهم في باطنهم أشدّ تشابها من التوأمين في ظاهرهما، وكذلك هم في مقادير العقول وفي الاعتراض والتسرّع، وإن اختلفت الصّور والنّغم «٣» ، والأسنان والبلدان. ٣١٦-[تشابه طبائع العامّة في كلّ دهر] وذكر الله ردّ قريش ومشركي العرب على النبيّ ﷺ قوله، فذكر ألفاظهم، وجهد معانيهم، ومقادير هممهم التي كانت في وزن ما يكون من جميع

стр. 304

الأمم إلى أنبيائهم، فقال: تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ «١» وقال: أَتَواصَوْا بِهِ «٢» ثم قال: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا «٣» . ومثل هذا كثير، ألا ترى أنّك لا تجد بدّا في كلّ بلدة وفي كلّ عصر للحاكة من أن يكونوا على مقدار واحد وجهة واحدة، من السّخط والحمق، والغباوة والظلم، وكذلك النخّاسون «٤» على طبقاتهم. من أصناف ما يبيعون. وكذلك السماكون والقلّاسون «٥» وكذلك أصحاب الخلقان «٦» كلّهم، في كلّ دهر وفي كلّ بلد، على مثال واحد، وعلى جهة واحدة. وكلّ حجّام في الأرض فهو شديد الاستهتار بالنبيذ، وإن اختلفوا في البلدان والأجناس والأسنان. ولا ترى مسجونا ولا مضروبا عند السّلطان إلّا وهو يقول: إنّي مظلوم، ولذلك قال الشاعر: [من البسيط] لم يخلق الله مسجونا تسائله ... ما بال سجنك إلّا قال مظلوم «٧» وليس في الأرض خصمان يتنازعان إلى حاكم، إلّا كلّ واحد منهما يدّعي عدم الإنصاف والظّلم على صاحبه. ٣١٧-[إعجاب المرء بنفسه] وليس في الأرض إنسان إلّا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعتريه الغلط في شعره وفي ولده. إلّا أنّ الناس في ذلك على طبقات من الغلط: فمنهم الغرق «٨» المغمور، ومنهم من قد نال من الصواب ونال من الخطأ، ومنهم من يكون خطؤه مستورا لكثرة صوابه، فما أحسن حاله ما لم يمتحن بالكشف. ولذلك احتاج العاقل في العجب بولده، وفي استحسان كتبه وشعره، من التحفظ والتوقّي، ومن إعادة النظر والتّهمة إلى أضعاف ما يحتاج إليه في سائر ذلك.

стр. 305

٣١٨-[كرم حاتم وكعب بن مامة] والعامّة تحكم أنّ حاتما أجود العرب «١» ، ولو قدّمته على هرم الجواد لما اعترضته عليهم «٢» . ولكنّ الذي يحدّث به عن حاتم، لا يبلغ مقدار ما رووه عن كعب بن مامة، لأنّ كعبا بذل نفسه في أعطية الكرم وبذل المجهود فساوى حاتما من هذه الوجه «٣» ، وباينه ببذل المهجة. ونحن نقول: إنّ الأشعار الصحيحة بها المقدار الذي يوجب اليقين بأنّ كعبا كان كما وصفوا. فلو لم يكن الأمر في هذا إلى الجدود والحظوظ والاتفاقات، وإلى علل باطنة تجري الأمور عليها، وفي الغوص عليها وفي معرفتها بأعيانها عسر، لما جرت الأمور على هذه المجاري، ولو كان الأمر فيها مفوّضا إلى تقدير الرأي، لكان ينبغي لغالب بن صعصعة أن يكون من المشهورين بالجود، دون هرم وحاتم. ٢١٩-[كلف العامة بمآثر الجاهلية] فإن زعمت أنّ غالبا كان إسلاميّا وكان حاتم في الجاهلية. والناس بمآثر العرب في الجاهليّة أشدّ كلفا، فقد صدقت. وهذا أيضا ينبئك أنّ الأمور في هذا على خلاف تقدير الرأي، وإنّما تجري في الباطن على نسق قائم، وعلى نظر صحيح، وعلى تقدير محكم، فقد تقدّم في تعبيتهما «٤» وتسويتهما من لا تخفى عليه خافية، ولا يفوته شيء ولا يعجزه، وإلّا فما بال أيّام الإسلام ورجالها. لم تكن أكبر في النفوس، وأحلّ في الصدور من رجال الجاهليّة، مع قرب العهد وعظم خطر ما ملكوا، وكثرة ما جادت به أنفسهم، ومع الإسلام الذي شملهم، وجعله الله تعالى أولى بهم من أرحامهم. ولو أنّ جميع مآثر الجاهليّة وزنت به، وبما كان في الجماعات اليسيرة من رجالات قريش في الإسلام لأربت هذه عليها، أو لكانت مثلها.

стр. 306

٣٢٠-[دلالة الخلق على الخالق] فليس لقدر الكلب والدّيك في أنفسهما وأثمانهما ومناظرهما ومحلّهما من صدور العامّة أسلفنا هذا الكلام، وابتدأنا بهذا القول. ولسنا نقف على أثمانهما من الفضّة والذّهب، ولا إلى أقدارهما عند الناس. وإنما نتنظّر «١» فيما وضع الله فيهما من الدّلالة عليه، وعلى إتقان صنعه، وعلى عجيب تدبيره، وعلى لطيف حكمته، وفيما استخزنهما «٢» من عجائب المعارف، وأودعهما من غوامض الأحساس «٣» ، وسخّر لهما من عظام المنافع والمرافق، ودلّ بهما على أنّ الذي ألبسهما ذلك التّدبير، وأودعهما تلك الحكم، يجبّ أن يفكّر فيهما؛ ويعتبر بهما، ويسبّح الله عندهما. فغشّى ظاهرهما بالبرهان، وعمّ باطنهما بالحكم، وهيّج على النظر فيهما والاعتبار بهما؛ ليعلم كلّ ذي عقل أنّه لم يخلق الخلق سدى؛ ولم يترك الصّور هملا؛ وليعلموا أنّ الله لم يدع شيئا غفلا «٤» غير موسوم، ونثرا غير منظوم، وسدى غير محفوظ؛ وأنّه لا يخطئه من عجيب تقديره، ولا يعطله من حلي تدبيره، ولا من زينة الحكم وجلال قدرة البرهان. ثمّ عمّ ذلك بين الصّؤابة «٥» والفراشة، إلى الأفلاك السبعة وما دونها من الأقاليم السبعة. ٣٢١-[تأويل قوله تعالى: ويخلق ما لا تعلمون] وقد قال تعالى: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ «٦» . وقد يتّجه هذا الكلام في وجوه: أحدها أن تكون ها هنا ضروب من الخلق لا يعلم بمكانهم كثير من الناس، ولا بدّ أن يعرف ذلك الخلق معنى نفسه، أو يعلمه صفوة جنود الله وملائكته، أو تعرفه الأنبياء، أو يعرفه بعض الناس، لا يجوز إلّا ذلك. أو يكون الله إنما عنى أنّه خلق أسبابا، ووهب عللا، وجعل ذلك رفدا لما يظهر لنا ونظاما. وكان بعض المفسّرين يقول: من أراد أن يعرف معنى قوله: وَيَخْلُقُ ما لا

стр. 307

تَعْلَمُونَ فليوقد نارا في وسط غيضه، أو في صحراء بريّة ثمّ ينظر إلى ما يغشى النار من أصناف الخلق من الحشرات والهمج فإنّه سيرى صورا، ويتعرّف خلقا لم يكن يظنّ أنّ الله تعالى خلق شيئا من ذلك العالم. وعلى أنّ الخلق الذي يغشى ناره يختلف على قدر اختلاف مواضع الغياض والبحار والجبال. ويعلم أنّ ما لم يبلغه أكثر وأعجب. وما أردّ هذا التأويل، وإنّه ليدخل عندي في جملة ما تدلّ عليه الآية. ومن لم يقل ذلك لم يفهم عن ربّه ولم يفقه في دينه. ٣٢٢-[ديدان الخل والملح] «١» كأنّك لا ترى أنّ في ديدان الخلّ والملح، والدّيدان التي تتولد في السّموم إذا عتقت وعرض لها العفن- وهي بعد قواتل- عبرة وأعجوبة، وأنّ التفكّر فيها مشحذة للأذهان، ومنبهة لذوي الغفلة، وتحليل لعقدة البلدة» ، وسبب لاعتياد الرويّة وانفساح الصدور، وعزّ في النفوس، وحلاوة تقتاتها الرّوح، وثمرة تغذّي العقل، وترقّ في الغايات الشريفة، وتشرّف إلى معرفة الغايات البعيدة. ٣٢٣-[فأرة البيش والسمندل] وكأنّك لا ترى أنّ في فأرة البيش «٣» وفي السمندل «٤» آية غربية، وصفة عجيبة، وداعية إلى التفكّر، وسببا إلى التعجّب والتّعجيب. ٣٢٤-[الجعل والورد] وكأنّك لا ترى أنّ في الجعل «٥» ، الذي متى دفنته في الورد سكنت حركته وبطلت في رأي العين روحه، ومتى أعدته إلى الرّوث انحلّت عقدته، وعادت حركته، ورجع حسه- أعجب العجب، وأحكم الحكم!. ٣٢٥-[حصول الخلد على رزقه] وأيّ شيء أعجب من الخلد «٦» ! وكيف يأتيه رزقه، وكيف يهيّئ الله له ما

стр. 308

يقوته وهو أعمى لا يبصر، وأصمّ لا يسمع، وبليد لا يتصرّف، وأبله لا يعرف!. ومع ذلك أنّه لا يجوز باب جحره، ولا يتكلّف سوى ما يجلب إليه رازقه ورازق غيره. وأيّ شيء أعجب من طائر ليس له رزق إلّا أن يخلّل أسنان التّمساح، ويكون ذلك له. ٣٢٦-[الطائران العجيبان] وأيّ شيء أعجب من طائرين، يراهما الناس من أدنى جدود البحر «١» من شقّ البصرة، إلى غاية البحر من شقّ السّند، أحدهما كبير الجثّة يرتفع في الهواء صعدا، والآخر صغير الجثّة يتقلّب عليه ويعبث به، فلا يزال مرّة يرفرف حوله ويرتقي على رأسه، ومرّة يطير عند ذناباه، ويدخل تحت جناحه ويخرج من بين رجليه، فلا يزال يغمّه ويكربه حتّى يتّقيه بذرقه، فإذا ذرق شحا له فاه فلا يخطئ أقصى حلقه حتّى كأنّه دحا به في بئر، وحتّى كأنّ ذرقه مدحاة بيد أسوار «٢» ، فلا الطائر الصغير يخطئ في التلقّي، وفي معرفته أنّه لا رزق له إلّا الذي في ذلك المكان؛ ولا الكبير يخطئ التّسديد «٣» ، ويعلم أنّه لا ينجيه منه إلا أن يتّقيه بذرقه، فإذا أوعى ذلك الذّرق «٤» ، واستوفى ذلك الرّزق، رجع شبعان ريّان بقوت يومه، ومضى الطائر الكبير لطيّته. وأمرهما مشهور وشأنهما ظاهر، لا يمكن دفعه ولا تهمة المخبرين عنه. ٣٢٧-[اختلاف طباع الحيوان] فجعل تعالى وعزّ بعض الوحوش كسوبا محتالا، وبعض الوحوش متوكّلا غير محتال، وبعض الحشرات يدّخر لنفسه رزق سنته؛ وبعضا يتّكل على الثّقة بأنّ له كلّ يوم قدر كفايته، رزقا معدّا وأمرا مقطوعا. وجعل بعض الهمج يدّخر، وبعضه يتكسّب، وبعض الذكورة يعول ولده، وبعض الذكورة لا يعرف ولده، وبعض الإناث تخرّج «٥» ولدها، وبعض الإناث تضيّع ولدها وتكفل ولد غيرها، وبعض الأجناس معطوفة على كل ولد من جنسها، وبعض الإناث لا تعرف ولدها بعد استغنائه عنها،

стр. 309

وبعض الإناث لا تزال تعرفه وتعطف عليه، وبعض الإناث تأكل ولدها، وكذلك بعض الذكورة. وبعض الأجناس يعادي كلّ ما يكسر بيضها أو يأكل أولادها. وجعل يتم بعض الحيوان من قبل أمّهاتها، وجعل يتم بعضها من قبل آبائها، وجعل بعضها لا يلتمس الولد وإن أتاه الولد، وجعل بعضها مستفرغ الهمّ في حبّ الذّرء «١» والتماس الولد؛ وجعل بعضها يزاوج وبعضها لا يزاوج ليكون للمتوكل من الناس جهة في توكّله، وللمتكسّب جهة في تكسّبه وليحضر على بالهم أسباب البرّ والعقوق، وأسباب الحظر والتربية، وأسباب الوحشة من الأرحام الماسّة. ٣٢٨-[افتراق المعاني واختلاف العلل] ولمكان افتراق المعاني واختلاف العلل، قال رسول الله ﷺ لبعضهم: «اعقلها وتوكّل» «٢» . وقال لبلال «أنفق بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» . فافهموا هذا التدبير، وتعلّموا هذه الحكم، واعرفوا مداخلها ومخارجها ومفرّقها ومجموعها؛ فإنّ الله لم يردّد في كتابه ذكر الاعتبار، والحثّ على التفكير، والترغيب في النظر وفي التثبّت والتعرّف والتوقّف، إلّا وهو يريد أن تكونوا علماء من تلك الجهة، حكماء من هذه التعبئة «٣» . ٣٢٩-[المعرفة والاستدلال والتمييز] ولولا استعمال المعرفة لما كان للمعرفة معنى، كما أنّه لولا الاستدلال بالأدلة لما كان لوضع الدلالة معنى. لولا تمييز المضارّ من المنافع، والرديّ من الجيّد بالعيون المجعولة لذلك، لما جعل الله العيون المدركة. والإنسان الحسّاس إذا كانت الأمور المميّزة عنده، أخذ ما يحتاج إليه وترك ما يستغني عنه وما يضرّ أخذه، فيأخذ ما يحبّ ويدع ما يكره، ويشكر على المحبوب ويصبر على المكروه، حتى يذكر بالمكروه كيفيّة العقاب ويذكر بالمحبوب كيفيّة الثواب، ويعرف بذلك كيفيّة التضاعيف، ويكون ما يغمّه رادعا له، وممتحنا بالصّبر عليه، وما يسرّه باسطا له وممتحنا بالشكر عليه. وللعقل في خلال ذلك مجال، وللرأي تقلب، وتنشقّ

стр. 310

للخواطر أسباب، ويتهيأ لصواب الرأي أبواب. ولتكون المعارف الحسّية والوجدانات الغريزيّة، وتمييز الأمور بها، إلى ما يتميز عند العقول وتحصره المقاييس. وليكون عمل الدّنيا سلّما إلى عمل الآخرة، وليترقّى من معرفة الحواس إلى معرفة العقول، ومن معرفة الرويّة من غاية إلى غاية؛ حتّى لا يرضى من العلم والعمل إلّا بما أدّاه إلى الثّواب الدائم، ونجّاه من العقاب الأليم. ٣٣٠-[ما يحسن الكلب مما لا يحسنه الإنسان] سنذكر طرفا ممّا أودع الله- الكلب ممّا لا تحسنه أنت أيّها الإنسان، مع احتقارك له وظلمك إيّاه. وكيف لا تكون تلك الحكم لطيفة، وتلك المعاني غريبة، وتلك الأحساس «١» دقيقة، ونحن نعلم أنّ أدقّ الناس حسّا وأرقّهم ذهنا وأحضرهم فهما، وأصحّهم خاطرا وأكملهم تجربة وعلما، لو رام الشيء الذي يحسنه الكلب في كثير من حالات الكلب لظهر له من عجزه وخرقه، وكلال حدّه وفساد حسّه، ما لا يعرف بدونه إنّ الأمور لم تقسم على مقدار رأيه، ولا على مبلغ عقله وتقديره، ولا على محبّته وشهوته؛ وأنّ الذي قسم ذلك لا يحتاج إلى المشاورة والمعاونة، وإلى مكانفة ومرافدة، ولا إلى تجربة ورويّة. ونحن ذاكرون من ذلك جملا إن شاء الله تعالى. ٣٣١-[خبرة الكلب في الصيد] اعلم أنّ الكلب إذا عاين الظّباء، قريبة كانت أو بعيدة، عرف المعتلّ وغير المعتل وعرف العنز من التّيس. وهو إذا أبصر القطيع لم يقصد إلّا قصد التّيس- وإن علم أنّه أشدّ حضرا، وأطول وثبة، وأبعد شوطا- ويدع العنز وهو يرى ما فيها من نقصان حضرها وقصر قاب خطوها، ولكنّه يعلم أنّ التّيس إذا عدا شوطا أو شوطين حقب ببوله «٢» !!. ٣٣٢-[ما يعرض للحيوان عند الفزع] وكلّ حيوان إذا اشتدّ فزعه، فإنّه يعرض له إمّا سلس البول والتقطير، وإمّا الأسر «٣» والحقب. وكذلك المضروب بالسياط على الأكتاف، وبالعصيّ على الأستاه. وما أكثر ما يعتريهم البول والغائط.

стр. 311

وكذلك صار بعض الفرسان الأبطال إذا عاين العدوّ قطّر إلى أن يذهب عنه، لهول الجنان. وإذا حقب «١» التّيس لم يستطع البول مع شدّة الحضر، ومع النّفز والزّمع «٢» ، ووضع القوائم معا ورفعها معا، في أسرع من الطّرف فيثقل عدوه، ويقصر مدى خطاه، ويعتريه البهر حتّى يلحقه الكلب فيأخذه. والعنز من الظّباء إذا اعتراها البول من شدّه الفزع لم تجمعه، وحذفت به كإيزاغ المخاض الضّوارب «٣» ، لسعة السّبيل وسهولة المخرج، فتصير لذلك أدوم شدّا، وأصبر على المطاولة. فهذا شيء في طبع الكلب معرفته، دون سائر الحيوان. والكلب المجرّب لا يحتاج في ذلك إلى معاناة، ولا إلى تعلّم، ولا إلى رويّة ولا إلى تكلف، قد كفاه ذلك الذي خلق العقل والعاقل والمعقول، والداء والدواء والمداواة والمداوي، وقسم الأمور على الحكمة، وعلى تمام مصلحة الخليقة. ٣٣٣-[مهارة الكلب في الاحتيال للصيد] ومن معرفة الكلب، أنّ المكلّب يخرجه إلى الصيد في يوم، الأرض فيه ملبسة من الجليد، ومغشّاة بالثّلج، قد تراكم عليها طبقا على طبق، حتّى طبّقها واستفاض فيها، حتّى ربّما ضربته الريح ببردها، فيعود كلّ طبق منها وكأنّه صفاة ملساء، أو صخرة خلقاء «٤» ، حتى لا يثبت عليها قدم ولا خفّ، ولا حافر ولا ظلف، إلّا بالتثبيت الشديد، أو بالجهد والتّفريق- فيمضي الكلّاب بالكلب، وهو إنسان عاقل، وصيّاد مجرّب، وهو مع ذلك لا يدري أين جحر الأرنب من جميع بسائط الأرض، ولا موضع كناس ظبي، ولا مكو ثعلب «٥» ، ولا غير ذلك من موالج «٦» وحوش الأرض؛

стр. 312

فيتخّرق «١» الكلب بين يديه وخلفه، وعن يمينه وشماله ويتشمّم ويتبصّر، فلا يزال كذلك حتّى يقف على أفواه تلك الجحرة، وحتى يثير الذي فيها بتنفيس الذي فيها، وذلك أن أنفاسها وبخار أجوافها وأبدانها، وما يخرج من الحرارة المستكنّة في عمق الأرض- ممّا يذيب ما لاقاها من فم الجحر، من الثّلج الجامد، حتى يرقّ ويكاد أن يثقبه وذلك خفيّ غامض، لا يقع عليه قانص «٢» ولا راع، ولا قائف «٣» ولا فلّاح، وليس يقع عليه إلّا الكلب الصائد الماهر. وعلى أنّ للكلب في تتبّع الدّرّاج «٤» والإصعاد خلف الأرانب في الجبل الشاهق، من الرّفق وحسن الاهتداء والتأتّي ما يخفى مكانه على البيازرة «٥» والكلّابين. ٣٣٤-[الانتباه الغريزي في الكلب] وقد خبّرني صديق لي أنّه حبس كلبا له في بيت وأغلق دونه الباب في الوقت الذي كان طبّاخه يرجع فيه من السوق ومعه اللحم، ثمّ أحدّ سكّينا بسكين، فنبح الكلب وقلق، ورام فتح الباب؛ لتوهمّه أنّ الطّبّاخ قد رجع من السوق بالوظيفة «٦» ، وهو يحد السّكّين ليقطع اللّحم!!. قال: فلما كان العشيّ صنعنا به مثل ذلك، لنتعرّف حاله في معرفة الوقت، فلم يتحرّك!!. قال: وصنعت ذلك بكلب لي آخر فلم يقلق إلّا قلقا يسيرا، فلم يلبث أن رجع الطّباخ فصنع بالسّكّين مثل صنيعي، فقلق حتّى رام فتح الباب!!. قال فقلت: والله لئن كان عرف الوقت بالرّصد «٧» فتحرّك له، فلما لم يشمّ ريح اللحم عرف أنّه ليس بشيء، ثمّ لما سمع صوت السّكّين والوقت بعد لم يذهب، وقد جيء باللحم فشمّ ريح اللّحم من المطبخ وهو في البيت، أو عرف فصل ما بين إحدادي السّكّين وإحداد الطباخ، إنّ هذا أيضا لعجب.

стр. 313

وإنّ اللحم ليكون بيني وبينه الذراعان والثلاث الأذرع، فما أجد ريحه إلّا بعد أن أدنيه من أنفي. وكلّ ذلك عجب. ولم أجد أهل سكّة أصطفانوس «١» ، ودار جارية، وباعة مربّعة بني منقر «٢» يشكّون أنّ كلبا كان يكون في أعلى السكة، وكان لا يجوز محرس الحارس أيام الأسبوع كلّه، حتّى إذا كان يوم الجمعة أقبل قبل صلاة الغداة، من موضعه ذلك إلى باب جارية، فلا يزال هناك مادام على معلاق الجزّار شيء من لحم. وباب جارية تنحر عنده الجزر في جميع أيّام الجمع خاصّة، فكان ذلك لهذا الكلب عادة، ولم يره أحد منهم في ذلك الموضع في سائر الأيّام، حتّى إذا كان غداة الجمعة أقبل! فليس يكون مثل هذا إلّا عن مقداريّة بمقدار ما بين الوقتين. ولعلّ كثيرا من الناس ينتابون بعض هذه المواضع في يوم الجمعة، إمّا لصلاة، وإمّا لغير ذلك، فلا يعدمهم «٣» النّسيان من أنفسهم، والاستذكار بغيرهم. وهذا الكلب لم ينس من نفسه، ولا يستذكر بغيره. وزعم هؤلاء بأجمعهم أنّهم تفقّدوا شأن هذا الكلب منذ انتبهوا لصنيعه هذا، فلم يجدوه غادر ذلك يوما واحدا. فهذا هذا. ٣٣٥-[قصّة في وفاء الكلب] وأنشد أبو الحسن بن خالويه عن أبي عبيدة لبعض الشعراء: [من الطويل] يعرّد عنه جاره وشقيقه ... وينبش عنه كلبه وهو ضاربه قال أبو عبيدة: قيل ذلك لأنّ رجلا خرج إلى الجبّان ينتظر ركابه فأتبعه كلب كان له، فضرب الكلب وطرده، وكره أن يتبعه، ورماه بحجر، فأبى الكلب إلّا أن يذهب معه، فلما صار إلى الموضع الذي يريد فيه الانتظار، ربض الكلب قريبا منه، فبينا هو كذلك إذ أتاه أعداء له يطلبونه بطائلة لهم عنده، وكان معه جار له وأخوه دنيا، فأسلماه وهربا عنه، فجرح جراحات ورمي به في بئر غير بعيدة القعر، ثم حثوا عليه من التراب حتّى غطّى رأسه ثم كمّم فوق رأسه منه، والكلب في ذلك

стр. 314

يزجم «١» ويهرّ، فلمّا انصرفوا أتى رأس البئر؛ فما زال يعوي وينبث عنه ويحثو التّراب بيده ويكشف عن رأسه حتى أظهر رأسه، فتنفّس وردّت إليه الرّوح؛ وقد كاد يموت ولم يبق منه إلّا حشاشة، فبينا هو كذلك إذ مرّ ناس فأنكروا مكان الكلب ورأوه كأنّه يحفر عن قبر، فنظروا فإذا هم بالرّجل في تلك الحال، فاستشالوه «٢» فأخرجوه حيّا، وحملوه حتّى أدّوه إلى أهله، فزعم أنّ ذلك الموضع يدعى ببئر الكلب. وهو متيامن عن النّجف. وهذا العمل يدل على وفاء طبيعي وإلف غريزي ومحاماة شديدة، وعلى معرفة وصبر، وعلى كرم وشكر، وعلى غناء عجيب ومنفعة تفوق المنافع، لأنّ ذلك كلّه كان من غير تكلف ولا تصنّع. ٣٣٦-[أسدي يأكل جرو كلب] وقال مؤمّل بن خاقان، لأعرابيّ من بني أسد، وقد أكل جرو كلب: أتاكل لحم الكلب وقد قال الشاعر: [من الطويل] إذا أسديّ جاع يوما ببلدة ... وكان سمينا كلبه فهو آكله «٣» أكلّ هذا قرما إلى اللحم؟ قال: فأنشأ الأسديّ يقول: [من الطويل] وصبّا بحظّ اللّيث طعما وشهوة ... فسائل أخا الحلفاء إن كنت لا تدري «٤» ٣٣٧-[حب الأسد للحم الكلب] قال: وذلك لأنّ الأسد لا يحرص على شيء من اللّحمان حرصه على لحم الكلب. وأمّا العامّة فتزعم أنّ لحوم الشاء أحبّ اللّحمان إليه، قالوا: ولذلك يطيف الأسد بجنبات القرى، طلبا لاغترار الكلب؛ لأنّ وثبة الأسد تعجل الكلب عن القيام وهو رابض، حتّى ربّما دعاهم ذلك إلى إخراج الكلب من قراهم؛ إلّا أن يكون بقرب ضياعهم خنازير، فليس حينئذ شيء أحبّ إليهم من أن تكثر الأسد عندهم. وإنّما

стр. 315

يخرجون عنهم في تلك الحالات الكلاب، لأنّهم يخافونها على ما هو عندهم أنفس من الكلب، وهذه مصلحة في الكلب، ولا يكون ذلك إلّا في القرى التي بقرب الغيضة أو المأسدة «١» . ٣٣٨-[سبب طلب الأسد للكلب] فزعم لي بعض الدّهاقين قولا لا أدري كيف هو، ذكر أنّهم لا يشكّون أنّه إنّما يطلب الكلب لحنقه عليه. لا من طريق أنّ لحمه أحبّ اللّحمان إليه. وإنّ الأسد ليأتي مناقع المياه. وشطوط الأنهار، فيأكل السّراطين والضفادع، والرّق «٢» والسلاحف، وإنّه أشره من أن يختار لحما على لحم. قال: وإنّما يكون ذلك منه إذا أراد المتطرّف من حمير القرية وشائها وسائر دوابّها. فإذا لجّ الكلب في النّباح انتبهوا ونذروا «٣» بالأسد. فكانوا بين أن يحصّنوا أموالهم وبين أن يهجهجوا «٤» به. فيرجع خائبا. فإذا أراد ذلك بدأ بالكلب؛ لأن يأمن بذلك الإنذار، ثمّ يستولي على القرية بما فيها. فإنّما يطالب الأسد الكلاب لهذه العلّة. ٣٣٩-[حيل الأسد في الصيد] وسمعت حديثا من شيوخ ملّاحي الموصل- وأنا هائب له- ورأيت الحديث يدور بينهم، ويتقبّله جميعهم. وزعموا أنّ الأسد ربّما جاء إلى قلس السفينة «٥» ، فيتشبّث به ليلا، والملّاحون يمدّون السفينة فلا يشكّون أنّ القلس قد التفّ على صخرة، أو تعلّق بجذم شجرة «٦» . ومن عاداتهم أن يبعثوا الأوّل من المدّادين ليحلّه. فإذا رجع إليه الملّاح ليمدّه تمدّد الأسد بالأرض، ولزق بها وغمّض عينيه كي لا يبصر وبيصهما بالليل، فإذا قرب منه وثب عليه فخطفه، فلا يكون للملّاحين هم إلّا إلقاء أنفسهم في الماء وعبورهم إليه. وربما أكله إلّا ما بقي منه، وربما جرّ فريسته إلى عرّيسه «٧» وعرينه، وإلى أجرائه وأشباله، وإن كان ذلك على أميال.

стр. 316

٣٤٠-[سلاح الكلب وسلاح الدّيك] قالوا: فليس الدّيك من بابة الكلب؛ لأنّه إن ساوره قهره قهرا ذريعا. وسلاح الكلب الذي هو في فيه، أقوى من صيصة «١» الديك التي في رجله، وصوته أندى وأبعد مدى وعينه أيقظ. ٣٤١-[دفاع عن الكلب] والكلب يكفي نفسه ويحمي غيره، ويعول أهله، فيكون لصاحبه غنمه وليس عليه غرمه. ولما يرمح «٢» الدوابّ من الناس، ولما يحرن ويجمع، وتنطح وتقتل أهلها في يوم واحد، أكثر ممّا يكون من جميع الكلاب في عام. والكبش ينطح فيعقر ويقتل، من غير أن يهاج ويعبث به. والبرذون يعضّ ويرمح من غير أن يهاج به ويعبث. وأنت لا تكاد ترى كلبا يعضّ أحدا إلّا من تهييج شديد، وأكثر ذلك أيضا إنّما هو النّباح والوعيد. ٣٤٢-[معرفة الكلب صاحبه وفرحه به] والكلب يعرف وجه ربّه من وجه عبده وأمته، ووجه الزائر. حتّى ربّما غاب صاحب الدار حولا مجرّما، فإذا أبصره قادما اعتراه من الفرح والبصبصة «٣» ، والعواء الذي يدلّ على السرور، وعلى شدّة الحنين ما لا يكون فيه شيء فوقه. ٣٤٣-[قصّة أخرى في وفاء كلب] وخبّرني صديق لي قال: كان عندنا جرو كلب، وكان لي خادم لهج بتقريبه، مولع بالإحسان إليه، كثير المعاينة له، فغاب عن البصرة أشهرا، فقلت لبعض من عندي: أتظنون أنّ فلانا (يعني الكلب) يثبت اليوم صورة فلان (يعني خادمه الغائب) وقد فارقه وهو جرو، وقد صار كلبا يشغر ببوله؟ قالوا: ما نشك أنّه قد نسي صورته وجميع برّه كان به. قال: فبينا أنا جالس في الدار إذ سمعت من قبل باب الدار نباحه، فلم أر شكل نباحه من التأنّب والتعثيث «٤» والتوعّد، ورأيت فيه بصبصة

стр. 317

السّرور، وحنين الإلف. ثمّ لم ألبث أن رأيت الخادم طالعا علينا، وإنّ الكلب ليلتفّ على ساقيه، ويرتفع إلى فخذيه، وينظر في وجهه، ويصيح صياحا يستبين فيه الفرح. ولقد بلغ من إفراط سروره أنّي ظننت أنّه عرض «١» . ثمّ كان بعد ذلك يغيب الشّهرين والثلاثة، أو يمضي إلى بغداد ثم يرجع إلى العسكر بعد أيّام، فأعرف بذلك الضّرب من البصبصة «٢» ، وبذلك النوع من النّباح، أنّ الخادم قدم. حتّى قلت لبعض من عندي: ينبغي أن يكون فلان قد قدم، وهو داخل عليكم مع الكلب. وزعم لي أنّه ربّما ألقي لهذا الجرو إلى أن صار كلبا تامّا، بعض الطعام فيأكل منه ما أكل، ثم يمضي بالباقي فيخبؤه. وربّما ألقي إليه الشيء وهو شبعان فيحتمله، حتّى يأتي به بعض المخابئ فيضعه هناك، حتّى إذا جاع رجع إليه فأكله «٣» . ٣٤٤-[أدب الكلب] وزعم لي غلماني وغيرهم من أهل الدّرب، أنّه كان ينبح على كلّ راكب يدخل الدرب إلى عراقيب برذونه، سائسا كان أو صاحب دابّة إلّا أنّه كان إذا رأى محمد بن عبد الملك داخلا إلى باب الدرب أو خارجا منه، لم ينبح البتّة، لا عليه ولا على دابّته، بل كان لا يقف له على الباب ولا على الطريق، ولكنّه يدخل الدّهليز سريعا، فسألت عن ذلك فبلغني أنه كان إذا أقبل صاح به الخادم، وأهوى له بالضّرب، فيدخل الدّهليز، وأنه ما فعل ذلك به إلّا ثلاث مرار، حتّى صار إذا رأى محمّد بن عبد الملك، دخل الدّهليز من تلقاء نفسه، فإذا جاوز وثب على عراقيب دوابّ الشاكريّة «٤» . ورأيت هذا الخبر عندهم مشهورا. قال: وكنّا إذا تغدّينا دنا من الخوان فزجرناه مرّة أو مرّتين، فكان لا يقربنا، لمكان الزّجر، ولا يبعد عن الخوان لعلّة الطمع، فإن ألقينا إليه شيئا أكله ثمّ، ودنا من أجل ذلك بعض الدّنوّ. فكنّا نستظهر عليه، فنرمي باللّقمة فوق مربضه بأذرع. فإذا أكلها ازداد في الطّمع، فقرّبه ذلك من الخوان، ثمّ يجوز موضعه الذي كان فيه. ولولا ما كنا نقصد إليه من امتحان ما عنده، ليصير ما يظهر لنا حديثا، لكان إطعام الكلب والسّنّور من الخوان خطأ من وجوه: أوّلها أن يكون يصير له به دربة، حتّى إنّ منها ما يمدّ يده إلى ما على المائدة حتّى ربما تناول بفيه ما عليها، وربّما قاء الذي يأكل

стр. 318

وهم يرونه، وربّما لم يرض بذلك حتّى يعود في قيئه. وهذا كله مما لا ينبغي أن يحضره الرئيس، ويشهده ربّ الدار. وهو على الحاشية أجوز. ٣٤٥-[الأكل بين أيدي السباع] فأمّا علماء الفرس والهند، وأطبّاء اليونانيّين ودهاة العرب، وأهل التّجربة من نازلة الأمصار وحذّاق المتكلّمين، فإنهم يكرهون الأكل بين أيدي السّباع، يخافون نفوسها وأعينها، للّذي فيها من الشّره والحرص، والطّلب والكلب، ولما يتحلّل عند ذلك من أجوافها من البخار الرديء، وينفصل من عيونها من الأمور المفسدة، التي إذا خالطت طباع الإنسان نقضته. وقد روي مثل ذلك عن الثّوري عن سماك بن حرب عن ابن عبّاس أنّه قال على منبر البصرة: إنّ الكلاب من الحنّ، وإنّ الحنّ من ضعفة الجنّ، فإذا غشيكم منها شيء فألقوا إليه شيئا واطردوها، فإنّ لها أنفس سوء «١» . ولذلك كانوا يكرهون قيام الخدم بالمذابّ والأشربة على رؤوسهم وهم يأكلون؛ مخافة النفس والعين. وكانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا، وكانوا يقولون في السّنّور والكلب: إمّا أن تطرده قبل أن تأكل وإمّا أن تشغله بشيء يأكله، ولو بعظم. ورأيت بعض الحكماء وقد سقطت من يده لقمة فرفع رأسه، فإذا عين غلام له تحدّق نحو لقمته، وإذا الغلام يزدرد ريقه لتحلّب فمه من الشّهوة. وكان ذلك الحكيم جيّد اللّقم، طيّب الطعام، ويضيّق على غلمانه. فيزعمون أنّ نفوس السّباع وأعينها في هذا الباب أردأ وأخبث. ٣٤٦-[إصابة العين] وبين هذا المعنى وبين قولهم في إصابة العين الشيء العجيب المستحسن شركة وقرابة؛ وذلك أنّهم قالوا: قد رأينا رجالا ينسب ذلك إليهم، ورأيناهم، وفيهم من إصابة العين مقدار من العدد، لا نستطيع أن نجعل ذلك النّسق من باب الاتّفاق. وليس إلى ردّ الخبر سبيل؛ لتواتره وترادفه، ولأنّ العيان قد حقّقه، والتجربة قد ضمّت إليه. وفي الحديث المأثور في العين التي أصابت سهل بن حنيف فأمر رسول الله ﷺ في ذلك بالذي أمر، وذلك مشهور «٢» .

стр. 319

٣٤٧-[العين والحسد] قالوا: ولولا فاصل ينفصل من عين المستحسن إلى بدن المستحسن، حتّى يكون ذلك الداخل عليه هو الناقض لقواه لما جاز أن يلقى مكروها البتّة. وكيف يلقى المكروه من انساق في حيزه وموضعه، والذي أصابته العين في حيّزه «١» أيضا وموضعه، من غير تماسّ ولا تصادم، ولا فاصل ولا عامل لاقى معمولا فيه. ولا يجوز أن يكون المعتل بعد صحّته يعتلّ من غير معنى بدنه. ولا تنتقض الأخلاط ولا تتزايل إلّا لأمر يعرض، لأنه حينئذ يكون ليس بأولى بالانتقاض من جسم آخر. وإن جاز للصحيح أن يعتلّ من غير حادث، جاز للمعتلّ أن يبرأ من غير حادث. وكذلك القول في الحركة والسكون. وإذا جاز ذلك كان الغائب قياسا على الحاضر الذي لم يدخل عليه شيء من مستحسن له. فإذا كان لا بدّ من معنى قد عمل فيه، فليس لذلك المعنى وجه إلّا أن يكون انفصل إليه شيء عمل فيه. وإلّا فكيف يجوز أن يعتلّ من ذات نفسه، وهو على سلامته وتمام قوّته، ولم يتغيّر ولم يحدث عليه ما يغيّره. فهو وجسم غائب في السّلامة من الأعراض سواء. وهذا جواب المتكلّمين الذين يصدّقون بالعين، ويثبتون الرّؤيا. ٣٤٨-[صفة المتكلمين] وليس يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام متمكّنا في الصناعة، يصلح للرئاسة، حتّى يكون الذي يحسن من كلام الدّين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة. والعالم عندنا هو الذي يجمعهما، والصيب هو الذي يجمع بين تحقيق التوحيد وإعطاء الطبائع حقائقها من الأعمال. ومن زعم أنّ التوحيد لا يصلح إلا بإبطال حقائق الطبائع، فقد حمل عجزه على الكلام في التوحيد. وكذلك إذا زعم أنّ الطبائع لا تصحّ إذا قرنتها بالتوحيد. ومن قال فقد حمل عجزه على الكلام في الطبائع. وإنّما ييأس منك الملحد إذا لم يدعك التوفّر على التوحيد إلى بخس حقوق الطبائع؛ لأنّ في رفع أعمالها رفع أعيانها. وإذا كانت الأعيان هي الدالّة على الله فرفعت الدّليل، فقد أبطلت المدلول عليه، ولعمري إنّ في الجمع بينهما لبعض الشّدّة.

стр. 320

وأنا أعوذ بالله تعالى أن أكون كلّما غمز قناتي باب من الكلام صعب المدخل، نقضت ركنا من أركان مقالتي! ومن كان كذلك لم ينتفع به. ٣٤٩-[القول في إصابة العين] فإن قال قائل: وما بلغ من أمر هذا الفاصل الذي لا يشعر به القوم الحضور ولا الذي انفصل منه، ولا المارّ بينهما، ولا المتلقّي له ببدنه وليس دونه شيء، وكيف لم يعمل في الأقرب دون الأبعد، والأقرب إنسان مثله، ولعلّه أن يكون طبعه أشدّ اجتذابا للآفات!. وبعد، فكيف يكون شيء يصرع الصحيح ويضجع القائم، وينقض القوى، ويمرض الأصحّاء، ويصدع الصّخر ويهشم العظم، ويقتل الثّور، ويهدّ الحمار، ويجري في الجماد مجراه في النبات، ويجري في النّبات مجراه في الحيوان، ويجري في الصّلابة والملاسة جريه في الأشياء السخيفة الرّخوة؛ وهو ممّا ليس له صدم كصدم الحجر، أو غرب كغرب السّيف، أو حدّ كحدّ السّنان؛ وليس من جنس السمّ، فيحمل على نفوذ السّمّ؛ وليس من جنس الغذاء فيحمل على نفوذ الغذاء، وليس من جنس السّحر فيقال إنّ العمّار «١» عملوا ذلك من طريق طاعتهم للعزائم. فلعلّ ذلك إنّما كان شيئا وافق شيئا. قيل لهم: قد تعلمون كيف مقدار سمّ الجرّارة «٢» أو سمّ الأفعى، وكيف لو وزنتم الجرّارة «٣» قبل لسعها وبعده لوجدتموها على حال واحدة. وأنت ترى كيف تفسخ عقد بدن الفيل، وكيف تنقض قوى البعير، من غير صدم كصدم الحجر، وغرب كغرب السّيف، وحدّ كحدّ السنان. فإن قلت: فهل ناب الأفعى وإبرة العقرب إلّا في سبيل حدّ السنان؟ قلنا: إنّ البعير لو كان إنما يتفسّخ لطعن العقرب بإبرتها لما كان ذلك يبلغ منها مقدار النّخس فقط، ولكنّه لا بدّ أن يكون ذلك لأحد أمرين: إمّا أن تكون العقرب تمجّ فيه شيئا من إبرتها، فيكون طبع ذلك وإن قلّ يفسخ الفيل والزّندبيل «٤» ، وإمّا أن يكون طبع ذلك الدّم إذا لاقاه طبع ذلك الناب وتلك الإبرة أن يجمد فيقتل بالإجماد، أو يذيب فيقتل بالإذابة. فأيّهما كان فإنّ الأمر فيه على خلاف ما صدّرتم به المسألة.
следующие страницы →