Полный текст (2 028 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
٣٤٠-[سلاح الكلب وسلاح الدّيك]
قالوا: فليس الدّيك من بابة الكلب؛ لأنّه إن ساوره قهره قهرا ذريعا. وسلاح الكلب الذي هو في فيه، أقوى من صيصة «١» الديك التي في رجله، وصوته أندى وأبعد مدى وعينه أيقظ.
٣٤١-[دفاع عن الكلب]
والكلب يكفي نفسه ويحمي غيره، ويعول أهله، فيكون لصاحبه غنمه وليس عليه غرمه. ولما يرمح «٢» الدوابّ من الناس، ولما يحرن ويجمع، وتنطح وتقتل أهلها في يوم واحد، أكثر ممّا يكون من جميع الكلاب في عام.
والكبش ينطح فيعقر ويقتل، من غير أن يهاج ويعبث به.
والبرذون يعضّ ويرمح من غير أن يهاج به ويعبث.
وأنت لا تكاد ترى كلبا يعضّ أحدا إلّا من تهييج شديد، وأكثر ذلك أيضا إنّما هو النّباح والوعيد.
٣٤٢-[معرفة الكلب صاحبه وفرحه به]
والكلب يعرف وجه ربّه من وجه عبده وأمته، ووجه الزائر. حتّى ربّما غاب صاحب الدار حولا مجرّما، فإذا أبصره قادما اعتراه من الفرح والبصبصة «٣» ، والعواء الذي يدلّ على السرور، وعلى شدّة الحنين ما لا يكون فيه شيء فوقه.
٣٤٣-[قصّة أخرى في وفاء كلب]
وخبّرني صديق لي قال: كان عندنا جرو كلب، وكان لي خادم لهج بتقريبه، مولع بالإحسان إليه، كثير المعاينة له، فغاب عن البصرة أشهرا، فقلت لبعض من عندي: أتظنون أنّ فلانا (يعني الكلب) يثبت اليوم صورة فلان (يعني خادمه الغائب) وقد فارقه وهو جرو، وقد صار كلبا يشغر ببوله؟ قالوا: ما نشك أنّه قد نسي صورته وجميع برّه كان به. قال: فبينا أنا جالس في الدار إذ سمعت من قبل باب الدار نباحه، فلم أر شكل نباحه من التأنّب والتعثيث «٤» والتوعّد، ورأيت فيه بصبصة
стр. 317
السّرور، وحنين الإلف. ثمّ لم ألبث أن رأيت الخادم طالعا علينا، وإنّ الكلب ليلتفّ على ساقيه، ويرتفع إلى فخذيه، وينظر في وجهه، ويصيح صياحا يستبين فيه الفرح.
ولقد بلغ من إفراط سروره أنّي ظننت أنّه عرض «١» . ثمّ كان بعد ذلك يغيب الشّهرين والثلاثة، أو يمضي إلى بغداد ثم يرجع إلى العسكر بعد أيّام، فأعرف بذلك الضّرب من البصبصة «٢» ، وبذلك النوع من النّباح، أنّ الخادم قدم. حتّى قلت لبعض من عندي: ينبغي أن يكون فلان قد قدم، وهو داخل عليكم مع الكلب.
وزعم لي أنّه ربّما ألقي لهذا الجرو إلى أن صار كلبا تامّا، بعض الطعام فيأكل منه ما أكل، ثم يمضي بالباقي فيخبؤه. وربّما ألقي إليه الشيء وهو شبعان فيحتمله، حتّى يأتي به بعض المخابئ فيضعه هناك، حتّى إذا جاع رجع إليه فأكله «٣» .
٣٤٤-[أدب الكلب]
وزعم لي غلماني وغيرهم من أهل الدّرب، أنّه كان ينبح على كلّ راكب يدخل الدرب إلى عراقيب برذونه، سائسا كان أو صاحب دابّة إلّا أنّه كان إذا رأى محمد بن عبد الملك داخلا إلى باب الدرب أو خارجا منه، لم ينبح البتّة، لا عليه ولا على دابّته، بل كان لا يقف له على الباب ولا على الطريق، ولكنّه يدخل الدّهليز سريعا، فسألت عن ذلك فبلغني أنه كان إذا أقبل صاح به الخادم، وأهوى له بالضّرب، فيدخل الدّهليز، وأنه ما فعل ذلك به إلّا ثلاث مرار، حتّى صار إذا رأى محمّد بن عبد الملك، دخل الدّهليز من تلقاء نفسه، فإذا جاوز وثب على عراقيب دوابّ الشاكريّة «٤» .
ورأيت هذا الخبر عندهم مشهورا.
قال: وكنّا إذا تغدّينا دنا من الخوان فزجرناه مرّة أو مرّتين، فكان لا يقربنا، لمكان الزّجر، ولا يبعد عن الخوان لعلّة الطمع، فإن ألقينا إليه شيئا أكله ثمّ، ودنا من أجل ذلك بعض الدّنوّ. فكنّا نستظهر عليه، فنرمي باللّقمة فوق مربضه بأذرع. فإذا أكلها ازداد في الطّمع، فقرّبه ذلك من الخوان، ثمّ يجوز موضعه الذي كان فيه. ولولا ما كنا نقصد إليه من امتحان ما عنده، ليصير ما يظهر لنا حديثا، لكان إطعام الكلب والسّنّور من الخوان خطأ من وجوه: أوّلها أن يكون يصير له به دربة، حتّى إنّ منها ما يمدّ يده إلى ما على المائدة حتّى ربما تناول بفيه ما عليها، وربّما قاء الذي يأكل
стр. 318
وهم يرونه، وربّما لم يرض بذلك حتّى يعود في قيئه. وهذا كله مما لا ينبغي أن يحضره الرئيس، ويشهده ربّ الدار. وهو على الحاشية أجوز.
٣٤٥-[الأكل بين أيدي السباع]
فأمّا علماء الفرس والهند، وأطبّاء اليونانيّين ودهاة العرب، وأهل التّجربة من نازلة الأمصار وحذّاق المتكلّمين، فإنهم يكرهون الأكل بين أيدي السّباع، يخافون نفوسها وأعينها، للّذي فيها من الشّره والحرص، والطّلب والكلب، ولما يتحلّل عند ذلك من أجوافها من البخار الرديء، وينفصل من عيونها من الأمور المفسدة، التي إذا خالطت طباع الإنسان نقضته.
وقد روي مثل ذلك عن الثّوري عن سماك بن حرب عن ابن عبّاس أنّه قال على منبر البصرة: إنّ الكلاب من الحنّ، وإنّ الحنّ من ضعفة الجنّ، فإذا غشيكم منها شيء فألقوا إليه شيئا واطردوها، فإنّ لها أنفس سوء «١» .
ولذلك كانوا يكرهون قيام الخدم بالمذابّ والأشربة على رؤوسهم وهم يأكلون؛ مخافة النفس والعين. وكانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا، وكانوا يقولون في السّنّور والكلب: إمّا أن تطرده قبل أن تأكل وإمّا أن تشغله بشيء يأكله، ولو بعظم.
ورأيت بعض الحكماء وقد سقطت من يده لقمة فرفع رأسه، فإذا عين غلام له تحدّق نحو لقمته، وإذا الغلام يزدرد ريقه لتحلّب فمه من الشّهوة. وكان ذلك الحكيم جيّد اللّقم، طيّب الطعام، ويضيّق على غلمانه. فيزعمون أنّ نفوس السّباع وأعينها في هذا الباب أردأ وأخبث.
٣٤٦-[إصابة العين]
وبين هذا المعنى وبين قولهم في إصابة العين الشيء العجيب المستحسن شركة وقرابة؛ وذلك أنّهم قالوا: قد رأينا رجالا ينسب ذلك إليهم، ورأيناهم، وفيهم من إصابة العين مقدار من العدد، لا نستطيع أن نجعل ذلك النّسق من باب الاتّفاق. وليس إلى ردّ الخبر سبيل؛ لتواتره وترادفه، ولأنّ العيان قد حقّقه، والتجربة قد ضمّت إليه.
وفي الحديث المأثور في العين التي أصابت سهل بن حنيف فأمر رسول الله ﷺ في ذلك بالذي أمر، وذلك مشهور «٢» .
стр. 319
٣٤٧-[العين والحسد]
قالوا: ولولا فاصل ينفصل من عين المستحسن إلى بدن المستحسن، حتّى يكون ذلك الداخل عليه هو الناقض لقواه لما جاز أن يلقى مكروها البتّة. وكيف يلقى المكروه من انساق في حيزه وموضعه، والذي أصابته العين في حيّزه «١» أيضا وموضعه، من غير تماسّ ولا تصادم، ولا فاصل ولا عامل لاقى معمولا فيه. ولا يجوز أن يكون المعتل بعد صحّته يعتلّ من غير معنى بدنه. ولا تنتقض الأخلاط ولا تتزايل إلّا لأمر يعرض، لأنه حينئذ يكون ليس بأولى بالانتقاض من جسم آخر. وإن جاز للصحيح أن يعتلّ من غير حادث، جاز للمعتلّ أن يبرأ من غير حادث. وكذلك القول في الحركة والسكون. وإذا جاز ذلك كان الغائب قياسا على الحاضر الذي لم يدخل عليه شيء من مستحسن له. فإذا كان لا بدّ من معنى قد عمل فيه، فليس لذلك المعنى وجه إلّا أن يكون انفصل إليه شيء عمل فيه. وإلّا فكيف يجوز أن يعتلّ من ذات نفسه، وهو على سلامته وتمام قوّته، ولم يتغيّر ولم يحدث عليه ما يغيّره. فهو وجسم غائب في السّلامة من الأعراض سواء. وهذا جواب المتكلّمين الذين يصدّقون بالعين، ويثبتون الرّؤيا.
٣٤٨-[صفة المتكلمين]
وليس يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام متمكّنا في الصناعة، يصلح للرئاسة، حتّى يكون الذي يحسن من كلام الدّين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة. والعالم عندنا هو الذي يجمعهما، والصيب هو الذي يجمع بين تحقيق التوحيد وإعطاء الطبائع حقائقها من الأعمال.
ومن زعم أنّ التوحيد لا يصلح إلا بإبطال حقائق الطبائع، فقد حمل عجزه على الكلام في التوحيد. وكذلك إذا زعم أنّ الطبائع لا تصحّ إذا قرنتها بالتوحيد. ومن قال فقد حمل عجزه على الكلام في الطبائع.
وإنّما ييأس منك الملحد إذا لم يدعك التوفّر على التوحيد إلى بخس حقوق الطبائع؛ لأنّ في رفع أعمالها رفع أعيانها. وإذا كانت الأعيان هي الدالّة على الله فرفعت الدّليل، فقد أبطلت المدلول عليه، ولعمري إنّ في الجمع بينهما لبعض الشّدّة.
стр. 320
وأنا أعوذ بالله تعالى أن أكون كلّما غمز قناتي باب من الكلام صعب المدخل، نقضت ركنا من أركان مقالتي! ومن كان كذلك لم ينتفع به.
٣٤٩-[القول في إصابة العين]
فإن قال قائل: وما بلغ من أمر هذا الفاصل الذي لا يشعر به القوم الحضور ولا الذي انفصل منه، ولا المارّ بينهما، ولا المتلقّي له ببدنه وليس دونه شيء، وكيف لم يعمل في الأقرب دون الأبعد، والأقرب إنسان مثله، ولعلّه أن يكون طبعه أشدّ اجتذابا للآفات!.
وبعد، فكيف يكون شيء يصرع الصحيح ويضجع القائم، وينقض القوى، ويمرض الأصحّاء، ويصدع الصّخر ويهشم العظم، ويقتل الثّور، ويهدّ الحمار، ويجري في الجماد مجراه في النبات، ويجري في النّبات مجراه في الحيوان، ويجري في الصّلابة والملاسة جريه في الأشياء السخيفة الرّخوة؛ وهو ممّا ليس له صدم كصدم الحجر، أو غرب كغرب السّيف، أو حدّ كحدّ السّنان؛ وليس من جنس السمّ، فيحمل على نفوذ السّمّ؛ وليس من جنس الغذاء فيحمل على نفوذ الغذاء، وليس من جنس السّحر فيقال إنّ العمّار «١» عملوا ذلك من طريق طاعتهم للعزائم. فلعلّ ذلك إنّما كان شيئا وافق شيئا.
قيل لهم: قد تعلمون كيف مقدار سمّ الجرّارة «٢» أو سمّ الأفعى، وكيف لو وزنتم الجرّارة «٣» قبل لسعها وبعده لوجدتموها على حال واحدة. وأنت ترى كيف تفسخ عقد بدن الفيل، وكيف تنقض قوى البعير، من غير صدم كصدم الحجر، وغرب كغرب السّيف، وحدّ كحدّ السنان.
فإن قلت: فهل ناب الأفعى وإبرة العقرب إلّا في سبيل حدّ السنان؟ قلنا: إنّ البعير لو كان إنما يتفسّخ لطعن العقرب بإبرتها لما كان ذلك يبلغ منها مقدار النّخس فقط، ولكنّه لا بدّ أن يكون ذلك لأحد أمرين: إمّا أن تكون العقرب تمجّ فيه شيئا من إبرتها، فيكون طبع ذلك وإن قلّ يفسخ الفيل والزّندبيل «٤» ، وإمّا أن يكون طبع ذلك الدّم إذا لاقاه طبع ذلك الناب وتلك الإبرة أن يجمد فيقتل بالإجماد، أو يذيب فيقتل بالإذابة. فأيّهما كان فإنّ الأمر فيه على خلاف ما صدّرتم به المسألة.
стр. 321
ولا تنازع بين الأعراب- والأعراب ناس إنّما وضعوا بيوتهم وأبنيتهم وسط السّباع والأحناش والهمج، فهم ليس يعبرون إلّا بها، وليس يعرفون سواها- وقد أجمعوا على أنّ الأفعى إذا هرمت فلم تطعم- ولم يبق في فمها دم أنّها تنكز «١» بأنفها، وتطعن به، ولا تعضّ بفيها، فيبلغ النّكز لها ما كان يبلغ لها قبل ذلك اللّدغ.
وهل عندنا في ذلك إلا تكذيبهم أو الرجوع إلى الفاصل الذي أنكرتموه، لأنّ أحدا لا يموت من تلك النّخسة، إن كان ليس هناك أكثر من تلك الغمزة.
وقال العجّاج، أو ابنه رؤبة: [من الرجز]
كنتم كمن أدخل في جحر يدا ... فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا «٢»
ثم قال:
بالشمّ لا بالسّمّ منه أقصدا
وقال الآخر: [من البسيط]
أصمّ ما شمّ من خضراء أيبسها ... أو مسّ من حجر أوهاه فانصدعا «٣»
وقد حدّثني الأصمعيّ بفرق ما بين النّكز «٤» وغيره عند الأعراب «٥» .
وههنا أمثال نضربها، وأمور قد عاينتموها، يذلّل بها هذا المعنى عندكم ويسهل بها المدخل. قولوا لنا: ما بال العجين يكون في أقصى الدار ويفلق إنسان بطّيخة في أدنى الدار، فلا يفلح ذلك العجين أبدا ولا يختمر؟ فما ذلك الفاصل؟
وكيف تقولون بصدم كان ذلك كصدم الحجر، أو بغرب كغرب السيف!! وكيف لم يعرض ذلك الفساد في كلّ معجون هو أقرب إليه من ذلك العجين.
وعلى أنّ نكز الحيّة التي يصفه الشّعراء بأنّ المنكوز ميّت لا محالة، في سبيل ما حدّثني به حاذق من حذّاق الأطباء، أنّ رجلا يضرب الحيّة من دواهي الحيّات بعصاه فيموت الضّارب، لأنهم يرون أنّ شيئا فصل من الحيّة فجرى فيها حتّى داخل الضارب فقتله، والأطباء أيضا والنّصارى أجرا على دفع الرّؤيا والعين. وهذه الغرائب التي تحكى عن الحيّات وصرع الشيطان الإنسان، من غيرهم.
стр. 322
فأمّا الدّهريّة فمنكرة للشياطين والجنّ والملائكة والرّؤيا والرّقى، وهم يرون أنّ أمرهم لا يتمّ لهم إلّا بمشاركة أصحاب الجهالات.
وقد نجد الرجل ينقف شحم الحنظل «١» ، وبينه وبين صاحبه مسافة صالحة، فيجد في حلقه مرارة الحنظل، وكذلك السّوس إذا عولج به وبينه وبين الإنسان مسافة متوسّطة البعد، يجد في حلقه حلاوة السوس. وناقف الحنظل لا تزال عينه تهمل ما دام ينقفه، ولذلك قال ابن حذام، قال أبو عبيدة: وهو الذي يقول: [من الطويل]
كأنّي غداة البين يوم تحمّلوا ... لدى سمرات الحيّ ناقف حنظل «٢»
يخبر عن بكائه، ويصف درور دمعته في إثر الحمول، فشبّه نفسه بناقف الحنظل، وقد ذكره امرؤ القيس في قوله: [من الكامل]
عوجا على الطّلل القديم لعلّنا ... نبكي الدّيار كما بكى ابن خذام «٣»
ويزعمون أنّه أوّل من بكى في الدّيار.
وقد نجد الرّجل يقطع البصل، أو يوخف الخردل «٤» فتدمع عيناه. وينظر الإنسان فيديم النّظر في العين المحمرة فتعتري عينه حمرة.
والعرب تقول: «لهو أعدى من الثّؤباء!» «٥» ، كما تقول: «لهو أعدى من الجرب!» «٦» ، وذلك أنّ من تثاءب مرارا، وهو تجاه عين إنسان، اعترى ذلك الإنسان التثاؤب.
ورأيت ناسا من الأطباء وهم فلاسفة المتكلّمين، منهم معمر، ومحمد بن الجهم، وإبراهيم بن السّنديّ، يكرهون دنوّ الطامث «٧» من إناء اللبن لتسوطه «٨» أو تعالج منه شيئا، فكأنّهم يرون أنّ لبدنها ما دام ذلك العرض يعرض لها، رائحة لها حدّة وبخار غليظ، يكون لذلك المسوط مفسدا.
стр. 323
٣٥٠-[أثر العين الحاسدة]
ولا تبعدنّ هذا من قلبك تباعدا يدعوك إلى إنكاره، وإلى تكذيب أهله. فإن أبيت إلّا إنكار ذلك، فما تقول في فرس تحصّن «١» تحت صاحبه، وهو في وسط موكبه، وغبار الموكب قد حال بين استبانة بعضهم لبعض، وليس في الموكب حجر ولا رمكة «٢» ، فيلتفت صاحب الحصان فيرى حجرا أو رمكة، على قاب غرض أو غرضين «٣» ، أو غلوة أو غلوتين «٤» . حدّثني، كيف شمّ هذا الفرس ريح تلك الفرس الأنثى، وما باله يدخل دارا من الدّور، وفي الدّار الأخرى حجر، فيتحصّن «٥» مع دخوله من غير معاينة وسماع صهيل!! وهذا الباب سيقع في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال أبو سعيد عبد الملك بن قريب: كان عندنا رجلان يعينان الناس، فمرّ أحدهما بحوض من حجارة، فقال: تالله ما رأيت كاليوم قطّ! فتطاير الحوض فلقين، فأخذه أهله فضبّبوه «٦» بالحديد، فمرّ عليه ثانية فقال: وأبيك لقلّما أضررت أهلك فيك! فتطاير أربع فلق.
قال: وأمّا الآخر، فإنّه سمع صوت بول من وراء حائط فقال: إنّك لشرّ الشّخب «٧» ! فقالوا له: إنه فلان ابنك، قال: وا انقطاع ظهراه! قالوا: إنه لا بأس عليه.
قال: لا يبول والله بعدها أبدا! قال: فما بال حتّى مات.
قال الأصمعيّ: ورأيت أنا رجلا عيونا فدعي عليه فعور. قال: إذا رأيت الشيء يعجبني، وجدت حرارة تخرج من عيني.
قال: وسمع رجل بقرة تحلب فأعجبه صوت شخبها «٨» ، فقال: أيتّهن هذه، فخافوا عينه فقالوا: الفلانيّة- لأخرى ورّوا بها عنها- فهلكتا جميعا: المورّى بها والمورّى عنها.
стр. 324
وقد حمل النّاس كما ترى على العين ما لا يجوز، وما لا يسوغ في شيء من المجازات. وقول الذي اعورّ: إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني، من أعظم الحجج في الفاصل من صاحب العين إلى المعين.
قال: ويقال إنّ فلانا لعيون: إذا كان يتشوّف للناس ليصيبهم بعين. ويقال عنت فلانا أعينه عينا: إذا أصبته بعين، ورجل معين ومعيون: إذا أصيب بالعين. وقال عبّاس بن مرداس: [من الكامل]
قد كان قومك يحسبونك سيّدا ... وإخال أنك سيّد معيون «١»
ويقال للعيون: إنّه لنفوس، وما أنفسه، أي ما أشدّ عينه، وقد أصابته نفس أو عين.
٣٥١-[دفاع عن الكلب]
وأمّا قول القائل: إنّ من لؤم الكلب وغدره أنّ اللصّ إذا أراد دار أهله أطعم الكلب الذي يحرسهم قبل ذلك مرارا ليلا ونهارا، ودنا منه ومسح ظهره، حتى يثبت صورته، فإذا أتاه ليلا أسلم إليه الدار بما فيها- فإن هذا التأويل لا يكون إلّا من نتيجة سوء الرأي، فإنّ سوء الرأي يصوّر لأهله الباطل في صورة الحقّ. وفيه بعض الظّلم للكلب وبعض المعاندة للمحتجّ عن الكلب، وقد ثبت للكلب استحقاق المدح من حيث أراد أن يهجوه منه، فإن كان الكلب بفرط إلفه وشكره كفّ عن اللصّ عند ذكر إحسانه، وإثبات صورته، فما أكثر من يفرط عليه الحياء حتّى ينسب إلى الضّعف والكرم وحتّى ينسب إلى الغفلة، وربّما شاب الرّجل بعض الفطنة ببعض التّغافل، ليكون أتمّ لكرمه، فإنّ الفطنة إذا تمّت منعت من أمور كثيرة، ما لم يكن الخيم «٢» كريما والعرق سليما.
وإنك أيّها المتأوّل، حين تكلّف الكلب- مع ما قد عجّل إليه اللصّ من اللّطف والإحسان- أن يتذكّر نعمة سالفة، وأن يحترس من خديعة المحسن إليه، مخافة أن يكون يريغ «٣» بإكرامه سوءا- لحسن الرأي فيه، بعيد الغاية في تفضيله.
стр. 325
ولو كان للكلب آلة يعرف بها عواقب الأمور وحوادث الدهور، وكان يوازن بين عواجلها وأواجلها، وكان يعرف مصادرها ومواردها، ويختار أنقص الشرّين وأتمّ الخيرين، ويتثبّت في الأمور، ويخاف العيب ويأخذ بحجّة ويعطي بحجّة، ويعرف الحجّة من الشّبهة، والثّقة من الرّيبة، ويتثّبت في العلّة، ويخاف زيغ «١» الهوى وسرف الطبيعة، لكان من كبار المكلّفين ومن رؤوس الممتحنين.
٣٥٢-[الموازنة بين الأشياء لدى العاقلين]
والعادة القائمة، والنّسق الذي لا يتخطّى ولا يغادر، والنظام الذي لا ينقطع ولا يختلط، في ذوي التمكين والاستطاعة، وفي ذوي العقول والمعرفة، أنّ أبدانهم متّى أحسّت بأصناف المكروه والمحبوب، وازنوا وقابلوا، وعايروا وميّزوا بين أتمّ الخيرين وأنقص الشرّين، ووصلوا كلّ مضرة ومنفعة في العاجل بكلّ مضرّة ومنفعة في الآجل وتتبعوا مواقعها، وتدبّروا مساقطها، كما يتعرّفون مقاديرها وأوزانها، واختاروا بعد ذلك أتمّ الخيرين وأنقص الشّرين. فأما الشر صرفا والخير محضا فإنّهم لا يتوقّفون عندهما، ولا يتكلّفون الموازنة بينهما، وإنّما ينظرون في الممزوج وفي بعض ما يخشى في معارضته، ولا يوثق بمعرّاه ومكشّفه، فيحملونه على خلاص الذّهن، كما يحمل الذّهب على الكير «٢» .
وأمّا ذوات الطّبائع المسخّرة والغريزة المحبولة فإنما تعمل من جهة التسخير والتنبيه، كالسمّ الذي يقتل بالكمّيّة ولا يغذو، وكالغذاء الذي يغذو ويقتل بالمجاوزة لمقدار الاحتمال.
وإن هيّأ الله أصناف الحيوان المسخّرة لدرك ما لا تبلغه العقول اللطيفة، بلغته بغير معاناة ولا رويّة ولا توقّف، ولا خوف من عاقبة.
ومتى تقدّمت إلى الأمور التي يعالجها أهل العقول المبسوطة، المتمكّنة بطبائعها، المقصورة غير المبسوطة، لم يمكنها أن تعرف من تلك الطبيعة ما كان موازيا لتلك الأمور ببديهة ولا فكرة. وإذا كانت كذلك فليس بواجب أن تكون كلّما أحسنت أمرا أمكنها أن تحسن ما كان في وزنه في الغموض والإلطاف، وفي الصّنعة التي لا تمكن، إلّا بحسن التأتّي وببعد الرويّة، وبمقابلة الأمور بعضها ببعض. وهذا الفنّ لا يصاب إلّا عند من جهته العقل، ويمكنه الاستدلال، والكفّ عنه والقطع له
стр. 326
إذا شاء، وإتمامه إذا شاء، وبلوغ غايته، والانصراف عنه إلى عقيبه من الأفعال، ومن جهته تعرّف العلل، ويمكنه إكراه نفسه على المقاييس والتكلّف والتأتّي.
ومتى كانت الآلة موجودة فإنّها تنبيك على مكانها، وإلّا كان وجودها كعدمها. وبالحسّ الغريزيّ تشعر صاحبها بمكانها، لا يحتاج في ذلك إلى تلقين وإشارة، وإلى تعليم وتأديب، وإن كان صاحب الآلة أحمق من الحبارى «١» ، وأجهل من العقرب «٢» ، والعاقل الممكّن لا يفضل في هذا المكان على الأشياء المسخّرة، ولا ينفصل منها في هذا الباب.
٣٥٣-[الإلهام في الحيوان]
وليس عند البهائم والسباع إلّا ما صنعت له، ونصبت عليه، وألهمت معرفته وكيفيّة تكلّف أسبابها والتعلّم لها من تلقاء أنفسها. فإذا أحسن العنكبوت نسج ثويّه «٣» وهو من أعجب العجب، لم يحسن عمل بيت الزنبور. وإذا صنع النّحل خلاياه مع عجيب القسمة التي فيها، لم يحسن أن يعمل مثل بيت العنكبوت.
والسّرفة- التي يقال: «أصنع من سرفة» «٤» لا تحسن أن تبني مثل بيت الأرضة، على جفاء هذا العمل وغلظه، ودقّة ذلك العمل ولطافته.
وليس كذلك العاقل وصاحب التمييز، ومن ملك التصرّف، وخوّل «٥» الاستطاعة، لأنّه يكون ليس بنجّار فيتعلّم النّجارة، ثمّ يبدو له بعد الحذق الانتقال إلى الفلاحة. ثمّ ربّما ملها بعد أن حذقها، وصار إلى التجارة.
٣٥٤-[أسمح من لافظة]
وقال صاحب الكلب: وزعمت أنّ قولهم «أسمح من لافظة» «٦» أن اللافظة الدّيك، لأنّه يعضّ على الحبّة بطرفي منقاره. ثمّ يحذف بها قدّام الدّجاجة. وما رأينا
стр. 327
أحدا من العلماء ومن الذين رووا هذا المثل يقول ذلك. والناس في هذا المثل رجلان:
زعم أحدهما أنّ اللافظة العنز؛ لأن العنز ترعى في روضة وتأكل من معلفها وهي جائعة. فيدعوها الراعي وصاحبها باسمها إلى الحلب، فتترك ما هي فيه حتى تنهك حلبا، وقال الآخر: اللافظة الرّحى، لأنّها لا تمسك في جوفها شيئا مما صار في بطنها.
وكيف تكون اللافظة الديك! وليس لنا أن نلحق في هذه الكلمة تاء التأنيث في الأسماء المذكّرة. واللافظة مع هاء التأنيث أشبه بالعنز والرّحى، وإنّما سمّينا الجمل راوية، وحامل العلم راوية، وعلّامة، حين احتجّ أهل اللغة على ذلك ولم يختلفوا فيه، وكيف ولا اختلاف بينهم أنّ الديك خارج من هذا التأويل، وإنّ اختلافهم بين العنز والرّحى.
وبعد فقد زعم ثمامة بن أشرس رحمه الله تعالى: أنّ ديكة مرو تطرد الدّجاج عن الحبّ، وتنزع الحبّ من أفواه الدّجاج «١» .
وقال صاحب الديك: قولهم: «أسمح من لافظة» لا يليق بالرّحى، لأنّ الرّحى صخرة صمّاء، والذي يخرج ما في بطنها المدير لها، والعرب إنّما تمدح بهذه الأسماء الإنسان وما جرى مجراه في الوجوه الكثيرة، ليكون ذلك مشحذة للأذهان، وداعية إلى السّباق وبلوغ الغايات وأمّا ترك الشّاة للعلف فليس بلفظ للعلف، إلّا أن يحملوا ذلك على المجازات البعيدة، وقد يكون ذلك عند بعض الضّرورة. والشّاة ترضع من خلفها حتّى تأتي على أقصى لبن في ضرعها، وتنثر العلف، وتقلب المحلب «٢» ، وتنطح من قام عليها وأتاها بغذائها. وهي من أموق «٣» البهائم، وزوجها شتيم «٤» المحيّا، منتن الريح، يبول في جوف فيه وفي حاق «٥» خياشيمه.
وتقول العرب: «ما هو إلّا تيس في سفينة» «٦» ، إذا أرادوا به الغباوة و «ما هو إلّا تيس» ، إذا أرادوا به نتن الريح.
стр. 328
والعنز خرقاء، وأبوها وهو التّيس أخرق منها.
وأمر الدّيك وشأنه، وكيف يلفظ ما قد صار في منقاره، وكيف يؤثر به طروقته من ذات نفسه- شيء يراه الناس، ويراه جميع العباد.
وهذه المكرمة، وهذا الغزل، وهذا الإيثار «١» ، شيء يراه الناس لم يكن في ذكر قطّ ممّن يزاوج إلّا الديك، والدّيك أحقّ بهذا المثل. فإن كنتم قد صدقتم على العرب في تأويل هذا المثل فهذا غلط من العرب وعصبيّة للّبن، وعشق للدّقيق.
والمثل إنّما يلفظ به رجل من الأعراب، وليس الأعرابيّ بقدوة إلّا في الجر والنصب والرفع وفي الأسماء، وأمّا غير ذلك فقد يخطئ فيه ويصيب فالدّيك أحقّ بهذا المثل الذي ذكرنا، وسائر خصاله الشريفة.
والذي يدلّ على أنّ هذا الفعل في الدّيك، إنّما هو من جهة الغزل لا غير، أنه لا يفعل ذلك إذا هرم وعجز عن السّفاد، وانصرفت رغبته عنهنّ وهو في أيّام شبابه أنهم وأحرص على المأكول، وأضنّ على الحبّ، فما له لم يؤثرهنّ به عند زهده، ويؤثرهنّ عند رغبته؟! وما باله لم يفعل ذلك وهو فرّوج صغير، وصنع ذلك حين أطاق السفاد؟! فتركه لذلك في العجز عنهنّ، وبذله في أوقات القوة عليهنّ دليل على الذي قلنا، وهذا بيّن لا يردّه إلّا جاهل أو معاند.
٣٥٥-[دفاع عن الكلب]
وقال صاحب الكلب: لسنا ننكر خصال الدّيك ومناقبه من الأخبار المحمودة، ولولا ذلك ما ميّلنا «٢» بينه وبين الكلب. ومن يميّل بين العسل والخلّ في وجه الحلاوة والحموضة؟! وكيف يفضل شيء على شيء وليس في المفضول شيء من الفضل؟! والذي قلتم من قذقه الحبّ قدّام الدّجاج صحيح. وليس هذا الذي أنكرنا، وإنّما أنكرنا موضع المثل الذي صرفتموه إلى حجّتكم، وتركتم الذين ما زال الناس يقلّدونهم في الشاهد والمثل. وإن جاز لكم أن تردّوا عليهم هذا المثل جاز لكلّ من كره مثلا أو شاهدا أن يردّ عليهم كما رددتم، وفي ذلك إفساد أمر العرب كله.
فإن زعمت أنّ الديك، كان أحقّ به، فخصومك كثير ولسنا نحيط بأوائل
стр. 329
كلامهم، على أيّ مقادير كانوا يضعونها، ومن أيّ شيء اشتقّوها، وكيف كان السبب. وربّ شيء أنكرناه فإذا عرفنا سببه أقررنا به.
وقال أبو الحسن: مر إياس بن معاوية بديك ينقر حبّا ولا يفرقه، فقال: ينبغي أن يكون هذا هرما، فإنّ الهرم إذا ألقي له الحبّ لم يفرقه ليجتمع الدجاج حوله.
والهرم قد فنيت رغبته فيهنّ، فليس همّه إلّا نفسه.
ورووا عنه أنّه قال: اللافظة الديك الشابّ، وإنّه يأخذ الحبّة يؤثر بها الدّجاج، والهرم لا يفعل ذلك، وإنّما هو لافظة مادام شابّا.
وقال صاحب الكلب: وذكر ابن سيرين عن أبي هريرة: «أن كلبا مرّ بامرأة وهو يلهث عند بئر، فنزعت خفّها فسقته، فغفر الله تعالى لها» «١» .
وعنه قال: «غفر الله لبغيّ أو لمؤمنة مرّ بها كلب فنزعت خفّها فسقته» «٢» .
وقال صاحب الكلب: وقال ابن داحة: ضرب ناس من السّلطاء جارا لهم، ولبّبوه وسحبوه وجرّوه، وله كلب قد ربّاه، فلم يزل ينبح عليهم ويشقّق ثيابهم، ولولا أنّ المضروب المسحوب كان يكفّه ويزجره، لقد كان عقر بعضهم أو منعه منهم.
قال إبراهيم النّظّام: قدّمتم السّنّور على الكلب، ورويتم أن النبيّ ﷺ أمر بقتل الكلاب واستحياء السنانير وتقريبها وتربيتها، كقوله عند مسألته عنها: «إنّهنّ من الطّوّافات عليكم» «٣» . وكلّ منفعة عند السّنّور إنّما هي أكل الفأر فقط، وعلى أنّكم قلّما تجدون سنّورا يطلب الفأر، فإن كان مما يطلب ويأكل الفأر، لم يعدمكم أن يأكل حمامكم وفراخكم والعصافير التي يتلهّى بها أولادكم، والطائر يتّخذ لحسنه وحسن صوته. والذي لابدّ منه الوثوب على صغار الفراريج. فإن هو عفّ عن أموالكم
стр. 330
لم يعفّ عن أموال جيرانكم، ومنافع الكلب لا يحصيها الطّوامير «١» . والسّنّور مع ذلك يأكل الأوزاغ والعقارب، والخنافيس، وبنات وردان «٢» ، والحيّات، ودخّالات الآذان «٣» والفأر والجرذان، وكلّ خبيثة وكلّ ذات سمّ، وكلّ شيء تعافه النفس. ثمّ قلتم في سؤر السّنّور وسؤر الكلب ما قلتم. ثمّ لم ترضوا به حتّى أضفتموه إلى نبيّكم ﷺ !!
٣٥٦-[أطيب البهائم أفواها]
ولا يشكّ الناس أن ليس في السباع أطيب أفواها من الكلاب «٤» ، وكذلك كلّ إنسان سائل الريق سائل اللعاب. والخلوف «٥» لا يعرض للمجانين الذين تسيل أفواههم. ومن كان لا يعتريه الخلوف فهو من البخر أبعد. وكما أنّ طول انطباق الفم يورث الخلوف. فكثرة تحلّب الأفواه بالريق تنفي الخلوف. وحتّى إنّ من سال فوه من اللعاب فإنّما قضوا له بالسلامة من فيه، وإن استنكهوه مع أشباهه وجدوه طيّبا، وإن كان لا يقرب سواكا على الريق. وكذلك يقال، إن أطيب النّاس أفواها الزّنج، وإن كانت لا تعرف سنونا «٦» ولا سواكا.
على أنّ الكلب سبع، وسباع الطير وذوات الأربع موصوفة بالبخر، والذي يضرب به في ذلك المثل الأسد، وقد ذكره الحكم بن عبدل في هجائه محمّد بن حسّان فقال: [من الوافر]
فنكهته كنكهة أخدريّ ... شتيم شابك الأنياب ورد «٧»
وقال بشّار: [من الطويل]
وأفسى من الظّربان في ليلة الكرى ... وأخلف من صقر وإن كان قد طعم «٨»
يهجو بها حماد عجرد.
стр. 331
ويقال: ليس في البهائم أطيب أفواها من الظباء.
٣٥٧-[رضيع ملهم]
وزعم علماء البصريّين، وذكر أبو عبيدة النحويّ، وأبو اليقظان سحيم بن حفص، وأبو الحسن المدائني، وذكر ذلك عن محمّد بن حفص عن مسلمة بن محارب، وهو حديث مشهور في مشيخة أصحابنا من البصريّين، أنّ طاعونا جارفا جاء على أهل دار، فلم يشكّ أهل تلك المحلّة أنّه لم يبق فيها صغير ولا كبير، وقد كان فيها صبيّ يرتضع، ويحبو ولا يقوم على رجليه، فعمد من بقي من المطعونين من أهل تلك المحلّة إلى باب تلك الدار فسدّه، فلمّا كان بعد ذلك بأشهر تحوّل فيها بعض ورثة القوم، ففتح الباب، فلمّا أفضى إلى عرصة الدّار إذا هو بصبيّ يلعب مع أجراء كلبة، وقد كانت لأهل الدار، فراعه ذلك، فلم يلبث أن أقبلت كلبة كانت لأهل الدار، فلمّا رآها الصبيّ حبا إليها، فأمكنته من أطبائها فمصّها، فظنّوا أنّ الصّبيّ لما بقي في الدار وصار منسيّا واشتدّ جوعه، ورأى أجراءها تستقي من أطبائها، حبا إليها فعطفت عليه، فلمّا سقته مرّة أدامت ذلك له، وأدام هو الطلب.
والذي ألهم هذا المولود مصّ إبهامه ساعة يولد من بطن أمّه، ولم يعرف كيفيّة الارتضاع، هو الذي هداه إلى الارتضاع من أطباء الكلبة. ولو لم تكن الهداية شيئا مجعولا في طبيعته، لما مصّ الإبهام وحلمة الثّدي، فلمّا أفرط عليه الجوع واشتدّت حاله، وطلبت نفسه وتلك الطبيعة فيه، دعته تلك الطبيعة وتلك المعرفة إلى الطلب والدنوّ، فسبحان من دبّر هذا وألهمه وسوّاه ودلّ عليه!!
٣٥٨-[إلهام الحمام]
ومثل هذا الحديث ما خبّر به عن بابويه صاحب الحمام. ولو سمعت قصصه في كتاب اللّصوص، علمت أنّه بعيد من الكذب والتزيد. وقد رأيته وجالسته ولم أسمع هذا الحديث منه، ولكن حدّثني به شيخ من مشايخ البصرة، ومن النّزول بحضرة مسجد محمد بن رغبان. وقال بابويه: كان عندي زوج حمام مقصوص، وزوج حمام طيّار، وفرخان من فراخ الزّوج الطيار. قال: وكان في الغرفة ثقب في أعلاها وقد كنت جعلت قدّام الكوّة «١» رفّا ليكون مسقطا لما يدخل ويخرج من الحمام، فتقدّمت في ذلك مخافة أن يعرض لي عارض فلا يكون للطّيار منفذ للتكسّب ولورود الماء. فبينا أنا كذلك إذ جاءني رسول السلطان، فوضعني في
стр. 332
الحبس، فنسيت قدر الزّوج الطيّار والفرخين. وما لهما من الثمن، وما فيهما من الكرم، ومتّ من رحمة الزّوج المقصوص، وشغلني الاهتمام بهما عن كثير مما أنا فيه، فقلت: أمّا الزّوج الطيّار فإنّهما يخرجان ويرجعان ويزقّان، ولعلّهما أن يسلما ولعلّهما أن يذهبا- وقد كنت ربّيتهما حتى تحصّنا وورّدا «١» - فإذا شبّ الفرخان ونهضا مع أبويهما، وسقطا على المعلاة، فإمّا أن يثبتا وإمّا أن يذهبا، ولكن كيف يكون حال المقصوصين، ومن أسوأ حالا منهما؟! فخلّي سبيلي بعد شهر، فلم يكن لي همّ إلّا النّظر إلى ما خلّفت خلفي من الحمام، وإذا الفرخان قد ثبتا وإذا الزّوجان قد ثبتا، وإذا الزّوجان الطيّاران ثبتا على حالهما، إلّا أنّي رأيتهما زاقّين، إذ علامة ذلك في موضع الغبب، وفي القرطمتين «٢» ، وفي أصول المناقير، وفي عيونهما، فقلت:
فكيف يكونان زاقّين مع استغناء فرخيهما عنهما؟! ولا أشكّ في موت المقصوصين.
ثمّ دخلت الغرفة فإذا هما على أفضل حال، فاشتدّ تعجّبي من ذلك، فلم ألبث أن دنوا إلى أفواه الزّوج الكبار يصنعان كما يصنع الفرخ في طلب الزّقّ، ورأيتهما حين زقّاهما، فإذا هما لما اشتدّ جوعهما، وكانا يريانهما يزقّان الفرخين ويريان الفرخين كيف يستطعمان ويستزقّان، حملهما الجوع وحبّ العيش، وتلهّب العطش، وما في طبعهما من الهداية، على أن طلبا ما يطلب الفرخ، فزقّاهما ثم صار الزّقّ عادة في الطيّار، والاستطعام عادة في المقصوص.
٣٥٩-[من عجائب الحمام]
ومن الحمام حمام يزقّ فراخه ولا يزقّ شيئا من فراخ غيره، وإن دنا منه مع فراخه فرخ من فراخ غيره، وشاكل فرخيه في السّنّ واللّون طردهما ولم يزقّهما، ومن الحمام ما يزّقّ كلّ فرخ دنا منه، كما أنّ من الحمام حماما لا يزقّ فراخه البتّة حتّى يموت.
وإنّما تعظم البليّة على الفرخ إذا كان الأب هو الذي لا يزقّ، لأنّ الولادة وعامّة الحضن والكفل على الأمّ، فإذا ظهر الولد فعامّة الزّقّ على الأب. كأنه صاحب العيال والكاسب عليهم، وكالأمّ التي تلد وترضع.
٣٦٠-[كاسر العظام]
وأعجب من هذا، الطائر الذي يقال له كاسر العظام «٣» ، فإنّه يبلغ من برّ الفراخ
стр. 333
كلّها بعد القيام بشأن فراخ نفسه، أنّه يتعاهد فرخ العقاب الثالث، الذي تخرجه من عشّها، لأنّها أشره وأرغب بطنا، وأقسى قلبا وأسوأ خلقا من أن تحتمل إطعام ثلاثة.
وهي مع ذلك سريعة الجزع، فتخرج ما فضل عن فرخين. فإذا أخرجته قبله كاسر العظام وأطعمه، لأن العقاب من اللائي تبيض ثلاث بيضات في أكثر حالاتها.
٣٦١-[دفاع أسدي عن أكل قومه لحوم الكلاب]
قال: وعيّر رجل من بني أسد بأكل لحوم الكلاب، وذهب إلى قوله: [من الرجز]
يا فقعسيّ لم أكلته لمه ... لو خافك الله عليه حرّمه «١»
فما أكلت لحمه ولا دمه
قال: فقال الأعرابي: أما علمت أن الشّدّة والشجاعة، والبأس والقوة من الحيوان، في ثلاثة أصناف: العقاب في الهواء، والتمساح في ساكن الماء، والأسد في ساكن الغياض.
وليس في الأرض لحم أشهى إلى التمساح ولا إلى الأسد من لحم الكلب. فإن شئتم فعدّوه عدوّا لهما، فإنّهما يأكلانه من طريق الغيظ وطلب الثأر، وإن شئتم فقولوا غير ذلك.
٣٦٢-[بنو أسد أشبه بالأسد]
وبنو أسد أسد الغياض «٢» ، وأشبه شيء بالأسد، فلذلك تشتهي من اللّحمان أشهاها إلى الأسد. والدّليل على أنّهم أسد، وفي طباع الأسد، أنّك لو أحصيت جميع القتلى من سادات العرب ومن فرسانهم، لوجدت شطرها أو قريبا من شطرها لبني أسد.
٣٦٣-[أنفة الكلب]
قالوا: ثمّ بعد ذلك كلّه أنّ الكلب لا يرضى بالنوم والرّبوض على بياض الطريق، وعلى عفر التراب، وهو يرى ظهر البساط، ولا يرضى بالبساط وهو يجد الوسادة، ولا يرضى بالمطارح دون مرافق المطارح «٣» فمن نبله في نفسه أن يتخيّر أبدا أنبل موضع
стр. 334
في المجلس، وحيث يدعه ربّ المجلس صيانة له وإبقاء عليه- إلّا أن يتصدّر فيه من لايجوز إلّا أن يكون صدرا، فلا يقصّر الكلب دون أن يرقى عليه.
وقد كان في حجج معاوية في اتخاذ المقصورة بعد ضرب البرك إيّاه بالسيف، أنّه أبصر كلبا على منبره.
هذا على ما طبع عليه من إكرام الرّجل الجميل اللباس، حتّى لا ينبح عليه إن دنا من باب أهله، مع الوثوب على كل أسود، وعلى كلّ رثّ الهيئة، وعلى كلّ سفيه تشبه حاله حال أهل الرّيبة.
ومن كبره وشدّة تجبّره، وفرط حميّته «١» وأنفته واحتقاره. أنه متى نبح على رجل في الليل، ولم يمنعه حارس ولم يمكنه الفوت، فدواؤه عند الرجل أنه لا ينجيه منه إلّا أن يقعد بين يديه مستخزيا مستسلما، وأنّه إذا رآه في تلك الحال دنا منه فشغر «٢» عليه؛ ولم يهجه، كأنّه حين ظفر به، ورآه تحت قدرته، رأى أن يسمه بميسم ذلّ، كما كانت العرب تجزّ نواصي الأسرى من الفرسان، إذا رامت أن تخلّي سبيلها وتمنّ عليها، ولو كفّ العربيّ عن جزّ ناصيته، لوسمه الأسير من الشّعر والقوافي الخالدات البواقي، التي هي أبقى من الميسم، بما هو أضرّ عليه من جزّ ناصيته، ولعلّه لا يبلغ أهله حتّى تستوي مع سائر شعر رأسه، ولكنّ ذلّ الجزّ لا يزال يلوح في وجهه، ولا يزال له أثر في قلبه.
٣٦٤-[رأي في الكلب]
وذكر أنّ مطرّف بن عبد الله كان يكره أن يقال للكلب اخسأ، وما أشبه ذلك، وفي دعائه على أصحاب الكلب الذي كان أربابه لا يمنعونه من دخول مصلّاه، قال:
اللهمّ امنعهم بركة صيده!! دليل على حسن رأيه فيه.
قالوا: ومرّ المسيح بن مريم في الحواريّين بجيفة كلب، فقال بعضهم: ما أشدّ نتن ريحه! قال: فهلّا قلت: ما أشدّ بياض أسنانه!! قالوا: وقال رجل لكلب: اخسأ، ويلك! فقال همّام بن الحارث: الويل لأهل النّار.
٣٦٥-[هراش الحيوان]
والهراش الذي يجري بينها وهو شرّ، يكون بين جميع الأجناس المتّفقة،
стр. 335
كالبرذون والبرذون، والبعير والبعير، والحمار والحمار، وكذلك جميع الأجناس، فأمّا الذي يفرط ويتمّ ذلك فيه، ويتمنّع ناس من النّاس، ويقع فيه القمار، ويتّخذ لذلك، وينفق عليه، ويغالى به، فالكلب والكلب، والكبش والكبش، والدّيك والدّيك، والسّمانى والسّمانى «١» .
فأمّا الجرذ فإنّه لا يقاتل الجرذ حتّى يشدّ رجل أحدهما في طرف خيط، ويشدّ الجرذ الآخر بالطرف الآخر، ويكون بينهما من السماواة والالتقاء، والعضّ والخمش، وإراقة الدّم وفري الجلود، ما لا يكون بين شيئين من الأنواع التي يهارش بها.
والذي يحدث للجرذان طبيعة القتال، الرّباط نفسه، فإن انقطع الخيط وانحلّ العقد، أخذ هذا شرقا وهذا غربا، ولم يلتقيا أبدا.
وإذا تقابلت جحرة «٢» الفأر، وخلالها الموضع، فبينها شرّ طويل، ولكنه لا يعدو الوعيد والصخب، ولا يلتقي منهما اثنان أبدا ...
وحدّثني ثمامة بن أشرس قال: كان بقي في الحبس جحر فأر، وتلقاءه جحر آخر، فيرى لكلّ واحد منهما وعيدا وصياحا ووثوبا، حتّى يظنّ أنّهما سيلتقيان ثم لا يحتجزان حتّى يقتل كلّ واحد منهما صاحبه. فبينا كلّ واحد منهما في غاية الوعيد. إذ مرّ هاربا حتّى دخل جحره، فما زالا كذلك، حتّى أتى الله تعالى بالفرج وخلّي سبيلي.
٣٦٦-[الكلاب السلوقية أجود شمّا]
وزعم أنّ السّلوقيّة الطويلة المناخر أجود شمّا، والشمّ العجيب والحسّ اللطيف من ذلك، إلّا أنّ ذلك في طلب الذكور للإناث والإناث للذّكور خاصة. وأمّا شمّ المأكول، واسترواح الطّعم، فللسّباع في ذلك ما ليس لغيرها. وإنّ الفأر ليشمّ، وإنّ الذّر والنمل ليشمّ، وإنّ السنانير لتشمّ، وكذلك الكلب، وله في ذلك فضيلة، ولا يبلغ ما يبلغ الذئب وقال أعرابيّ: [من الرجز]
كان أبو الصّحيم من أربابها ... صبّ عليه الله من ذئابها
أطلس لا ينحاش من كلابها ... يلتهم الطائر في ذهابها
في الجرية الأولى فلا مشى بها
ألا تراه يجتهد في الدّعاء عليها بذئب لا ينحاش من الكلاب.
стр. 336
باب ما يشبّه بالكلب وليس هو منه
٣٦٧-[تشبيه قوائم الفرس بقوائم الكلب]
وإذا جرى الفرس المحجّل شبّهوا قوائمه بقوائم الكلب إذا ارتفعت في بطنه، فيصير تحجيلها كأنّه أكلب صغار تعدو، كما قال العمانيّ: [من الرجز]
كأن تحت البطن منه أكلبا ... بيضا صغارا ينتهشن المنقبا «١»
وقال البدريّ: [من الرجز]
كأنّ أجراء كلاب بيض ... دون صفاقيه إلى التّغريض «٢»
وقال الآخر: [من الرجز]
كأنّ قطّا أو كلابا أربعا ... دون صفاقيه إذا ما ضبعا «٣»
ويصفون الطّلع أوّل ما يبدو صغارا بآذان الكلاب البيض. وقال في ذلك الرّاجز:
[من الرجز]
أنعت جمّارا على سحيض ... يخرج بعد النّجم والتبعيض
طلعا كآذان الكلاب البيض
ويوصف صوت الشّخب «٤» في الإناء بهرير هراش الكلاب.
وقال أعرابيّ: [من الرجز]
كأنّ خلفيها إذا ما هرّا ... جروا كلاب هورشا فهرا «٥»
стр. 337
وقال الآخر: [من الرجز]
كأنّ صوت شخبها المسحنفر ... بين الأباهيم وبين الخنصر «١»
هراش أجراء ولما تثغر «٢»
وقال أبو دؤاد: [من الهزج]
طويل طامح الطّرف ... إلى وهوهة الكلب «٣»
٣٦٨-[ابن وو وو]
وزعم الهيثم بن عدي قال: كان رجل يسمّى كلبا، وكان له بنيّ يلعب في الطريق، فقال له رجل: ابن من؟ فقال: ابن وو وو وو «٤» !
٣٦٩-[ما يستحبّ في ذنب كلب الصيد]
ويحبّون أن يكون ذنب الكلب الصّائد يابسا، ليس له من اللحم قليل ولا كثير، ولذلك قال: [من الرجز]
تلوي بأذناب قليلات اللّحا «٥»
وقال الشاعر: [من البسيط]
إنّي وطلب ابن غلّاق ليقريني ... كالغابط الكلب يبغي الطّرق في الذّنب «٦»
الطّرق: الشحم اليسير، يقال: ليس به طرق.
стр. 338
٣٧٠-[طيب لحم أجراء الكلاب]
ويقال: ليس في الأرض فرخ ولا جرو ولا شيء من الحيوان أسمن ولا أرطب ولا أطيب من أجراء الكلب. وهي أشبه شيء بالحمام، فإنّ فراخ الحمام أسمن شيء ما دامت صغارا من غير أن تسمّن، فإذا بلغت لم تقبل الشحم، وكذلك أولاد الكلاب.
وقال الآخر: [من البسيط]
وأغضف الأذن طاوي البطن مضطمر ... لوهوه رذم الخيشوم هرّار «١»
الأصمعيّ قال: قال أعرابيّ: أصابتنا سنة شديدة، ثم أعقبتها سنة تتابع فيها الأمطار فسمنت الماشية، وكثرت الألبان والأسمان، فسمن ولدان الحيّ، حتّى كأنّ است أحدهم جرو يتمطّى!
٣٧١-[تدرّج أبي دلامة في طلبه]
أبو الحسن قال «٢» : قال أبو العبّاس أمير المؤمنين لأبي دلامة: سل! قال: كلبا.
قال: ويلك! ما تصنع بالكلب؟! قال: قلت أصيد به. قال: فلك كلب. قال: ودابّة.
قال: ودابّة. قال: وغلاما يركب الدابة ويصيد. قال: وغلاما. قال: وجارية. قال:
وجارية. قال: يا أمير المؤمنين! كلب وغلام وجارية ودابّة، هؤلاء عيال، ولا بدّ من دار. قال: ودار. قال: ولا بدّ لهؤلاء من غلّة ضيعة. قال: أقطعناك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة. قال: وأيّ شيء الغامرة؟ قال: ليس فيها نبات. قال: أنا أقطعك خمسمائة جريب من فيافي بني أسد غامرة. قال: قد جعلنا لك المائتين عامرتين كلّها، ثمّ قال: أبقي لك شيء؟ قال: نعم، أقبّل يدك. قال: أمّا هذه فدعها. قال: ما منعت عيالي شيئا أهون عليهم فقدا منه؟! «٣» .
стр. 339
٣٧٢-[اتّق شر من أحسنت إليه]
أبو الحسن عن أبي مريم قال: كان عندنا بالمدينة رجل قد كثر عليه الدّين حتّى توارى من غرمائه، ولزم منزله. فأتاه غريم له عليه شيء يسير، فتلطّف حتّى وصل إليه، فقال له: ما تجعل لي إن أنا دللتك على حيلة تصير بها إلى الظهور والسّلامة من غرمائك؟ قال: أقضيك حقّك، وأزيدك ممّا عندي ممّا تقرّ به عينك.
فتوثّق منه بالأيمان، فقال له: إذا كان غدا قبل الصّلاة مر خادمك يكنس بابك وفناءك ويرشّ، ويبسط على دكّانك حصرا، ويضع لك متّكأ، ثمّ أمهل حتى تصبح ويمرّ الناس، ثمّ تجلس، وكلّ من يمرّ عليك ويسلّم انبح له في وجهه، ولا تزيدنّ على النّباح أحدا كائنا من كان، ومن كلّمك من أهلك أو خدمك أو من غيرهم، أو غريم أو غيره، حتّى تصير إلى الوالي فإذا كلّمك فانبح له، وإيّاك أن تزيده أو غيره على النّباح؛ فإنّ الوالي إذا أيقن أنّ ذلك منك جدّ لم يشكّ أنّه قد عرض لك عارض من مسّ فيخلّي عنك، ولا يغري عليك. قال: ففعل، فمرّ به بعض جيرانه فسلّم عليه، فنبح في وجهه، ثم مرّ آخر ففعل مثل ذلك، حتّى تسامع غرماؤه فأتاه بعضهم فسلّم عليه فلم يزده على النّباح، ثمّ آخر، فتعلّقوا به فرفعوه إلى الوالي، فسأله الوالي فلم يزده على النّباح، فرفعه معهم إلى القاضي، فلم يزده على ذلك، فأمر بحبسه أيّاما وجعل عليه العيون، وملك نفسه وجعل لا ينطق بحرف سوى النّباح، فلمّا رأى القاضي ذلك أمر بإخراجه ووضع عليه العيون في منزله، وجعل لا ينطق بحرف إلّا النباح، فلما تقرّر ذلك عند القاضي أمر غرماءه بالكفّ عنه، وقال: هذا رجل به لمم «١» . فمكث ما شاء الله تعالى. ثمّ إنّ غريمه الذي كان علّمه الحيلة، أتاه متقاضيا لعدته فلمّا كلمه جعل لا يزيده على النّباح، فقال له ويلك يا فلان!! وعليّ أيضا، وأنا علّمتك هذه الحيلة؟! فجعل لا يزيده على النّباح، فلمّا يئس منه انصرف يائسا مما يطالبه به.
٣٧٣-[اتحاد المتعاديين في وجه عدوّهما المشترك]
قال أبو الحسن عن سلمة بن خطّاب الأزديّ، قال: لمّا تشاغل عبد الملك بن مروان بمحاربة مصعب بن الزّبير، اجتمع وجوه الرّوم إلى ملكهم فقالوا له: قد أمكنتك الفرصة من العرب، بتشاغل بعضهم مع بعض، لوقوع بأسهم بينهم، فالرأي لك أن تغزوهم إلى بلادهم، فإنّك إن فعلت ذلك بهم نلت حاجتك، فلا تدعهم حتّى
стр. 340
تنقضي الحرب التي بينهم فيجتمعوا عليك! فنهاهم عن ذلك وخطّأ رأيهم، فأبوا عليه إلّا أن يغزوا العرب في بلادهم. فلمّا رأى ذلك منهم أمر بكلبين فحرّش بينهما، فاقتتلا قتالا شديدا، ثمّ دعا بثعلب فخلّاه، فلما رأى الكلبان الثعلب، تركا ماكانا فيه، وأقبلا عليه حتّى قتلاه، فقال ملك الروم: كيف ترون!؟ هكذا العرب، تقتتل بينها، فإذا رأونا تركوا ذلك واجتمعوا علينا فعرفوا صدقه، ورجعوا عن رأيهم.
٣٧٤-[كرم الكلاب]
قال: وقال المغيرة لرجل خاصم إليه صديقا له، وكان الصديق توعّده بصداقة المغيرة، فأعلمه الرجل ذلك، وقال: إنّ هذا يتوعّدني بمعرفتك إيّاه، وزعم أنّها تنفعه عندك. قال «١» : أجل! إنّها والله لتنفع، وإنّها لتنفع عند الكلب العقور «٢» !.
فإذا كان الكلب العقور كذلك، فما ظنّك بغيره؟ وأنت لا تصيب من الناس من تنفع عنده المعرفة من ألف واحدا.
وهذا الكرم في الكلاب عامّ. والكلب يحرس ربّه، ويحمي حريمه شاهدا وغائبا، وذاكرا وغافلا، ونائما ويقظان، ولا يقصّر عن ذلك وإن جفوه، ولا يخذلهم وإن خذلوه.
٣٧٥-[نعاس الكلب] «٣»
والكلب أيقظ الحيوان عينا في وقت حاجتهم إلى النوم، وإنّما نومه نهارا، عند استغنائهم عن حراسة، ثمّ لا ينام إلّا غرارا وإلّا غشاشا «٤» . وأغلب ما يكوم النّوم عليه وأشدّ ما يكون إسكارا له أن يكون كما قال رؤبة: [من الرجز]
لاقيت مطلا كنعاس الكلب «٥»
يعني بذلك القرمطة في المواعيد.
وكذلك فإنّه أنوم ما يكون أن يفتح عينه بقدر ما يكفيه للحراسة، وذلك ساعة،
стр. 341
وهو في هذا كلّه [أيقظ من ذئب، و] «١» أسمع من فرس «٢» . وأحذر من عقعق «٣» ، مع بعد صوته.
٣٧٦-[قول رجل من العرب في الجمال]
وقيل لرجل من العرب: ما الجمال؟ فقال: غؤور العينين، وإشراف الحاجبين، ورحب الأشداق، وبعد الصوت.
٣٧٧-[علاج الكلب لنفسه]
هذا مع قلة السآمة، والصّبر على الجفوة، واحتمال الجراحات الشّداد، وجوائف «٤» الطعان ونوافذ السهام. وإذا ناله ذلك لم يزل ينظّفه بريقه؛ لمعرفته بأنّ ذلك هو دواؤه حتّى يبرأ، لا يحتاج إلى طبيب، ولا إلى مرهم ولا إلى علاج.
٣٧٨-[طول ذماء الضب والكلب والأفعى]
وتقول العرب: «الضبّ أطول شيء ذماء» «٥» ، والكلب أعجب في ذلك منه.
وإنّما عجبوا من الضّبّ، لأنّه يغبر «٦» ليلته مذبوحا مفريّ الأوداج، ساكن الحركة، حتّى إذا قرّب من النار تحرّك. كأنّهم يظنّون أنّه قد كان حيا، وإن كان في العين ميّتا.
والأفعى تبقى أيّاما تتحرّك.
٣٧٩-[ما يعتريه الاختلاج بعد الموت]
فأمّا الذي يعتريه الاختلاج بعد جموده ليلة، فلحم البقر والجزر «٧» ، تختلج وهي على المعاليق اختلاجا شديدا.
стр. 342
والحيّة يقطع ثلثها الأسفل، فتعيش وينبت ذلك المقطوع.
٣٨٠-[حياة الكلب مع الجراح]
قال: والكلب أشدّ الأشياء التي تعيش على الجراح، التي لا يعيش عليها شيء إلا الكلب، والخنزير، والخنفساء.
٣٨١-[قوة فكّ الكلب]
والكلب أشدّ الأشياء فكّا، وأرهفها نابا، وأطيبها فما، وأكثرها ريقا، يرمى بالعظم المدمج «١» ، فيعلم بالغريزة أنّه إن عضّه رضّه، وإن بلعه استمرأه.
٣٨٢-[إلف بعض الحيوانات للإنسان]
وهو ألوف للناس، مشارك من هذا الموضع العصافير والخطاطيف والحمام والسنانير، بل يزيد على ذلك في باب الخاصّ وفي باب العامّ. فأمّا باب الخاصّ، فإن من الحمام ما هو طورانيّ «٢» وحشيّ، ومنه ما هو آلف أهلي. والخطّاف من القواطع غير الأوابد، إذا قطع إلى الإنس لم يبن بيته إلّا في أبعد المواضع، من حيث لا تناله أيديهم. فهو مقسوم على بلاده وبلاد من اضطرّته إليه الحاجة. والعصافير تكون في القرب حيث تمتنع منهم في أنفسها. والكلاب مخالطة لها ملابسة، ليس منها وحشيّ، وكلّها أهلي. وليس من القواطع ولا من الأوابد ما يكون آنس بالناس- من كثير ممّا يوصف بالأنس والإلف- من الكلاب دون سواها. وفي السّنانير الوحشيّة والأهلية.
وعلى أنّ إلف الكلب فوق إلف الإنسان الألوف، وهو في الكلب أغرب منه في الحمام والعصفور؛ لأنّه سبع، والحمام بهيمة والسبع بالسباع أشبه، فتركها ولم يناسبها، ورغب عنها. وكيف، وهو يصيد الوحوش ويمنع جميع السّباع من الإفساد؟! فذلك أحمد له وأوجب لشكره. ثمّ يصير في كثير من حالاته، آنس بالنّاس منه بالكلاب دنيّة وقصرة «٣» ، ولا تراه يلاعب كلبا مادام إنسان يلاعبه. ثمّ لم
стр. 343
يرض بهذه القرابة وهذه المشاكلة، وبمقدار ما عليه من طباع الخطّاف والحمام والعصفور، وبمقدار ما فضّلها الله تعالى به من الأنس، حتّى صار إلى غاية المنافع سلّما، وإلى أكثر المرافق.
٣٨٣-[الحاجة إلى الكلاب]
وليس لحارس الناس ولحارس أموالهم بدّ من كلب، وكلّما كان أكبر كان أحبّ إليه. ولا بدّ لأقاطيع المواشي من الكلاب، وإلّا فإنّها نهب للذئاب ولغير الذئاب ثمّ كلاب الصّيد، حتّى كان أكثر أهل البيت عيالا على كلّ كلب.
٣٨٤-[قبول الكلب للتلقين]
وقد صار اليوم عند الكلب من الحكايات وقبول التلقين، وحسن التصريف في أصناف اللّعب، وفي فطن الحكايات ما ليس في الجوارح المذلّلة لذاك، المصرّفة فيه، وما ليس عند الدبّ والقرد والفيل، والغنم المكّيّة، والببغاء.
والكلب الزّينيّ الصّينيّ «١» يسرج على رأسه ساعات كثيرة من اللّيل فلا يتحرّك. وقد كان في بني ضبّة كلب زينيّ صينيّ، يسرج على رأسه، فلا ينبض فيه نابض، ويدعونه باسمه ويرمى إليه ببضعة لحم والمسرجة على رأسه، فلا يميل ولا يتحرّك، حتّى يكون القوم هم الذين يأخذون المصباح من رأسه، فإذا زايل رأسه وثب على اللحم فأكله!. درّب فدرب وثقّف فثقف، وأدّب فقبل. وتعلّق في رقبته الزنبلة «٢» والدّوخلّة «٣» وتوضع فيها رقعة، ثم يمضي إلى البقّال ويجيء بالحوائج.
٣٨٥-[تعليم الكلب والقرد]
ثمّ صار القرّاد وصاحب الرّبّاح «٤» من ثمّ يستخرج فيما بين الكلب والقرد ضروبا من العمل، وأشكالا من الفطن، حتّى صاروا يطحنون عليه، فإذا فرغ من طحنه مضوا به إلى المتمعّك «٥» ، فيمعّك كما يمعّك حمار المكاري وبغل الطحّان.
стр. 344
وقرابة أخرى بينه وبين الإنسان: أنّه ليس شيء من الحيوان لذكره حجم باد إلا الكلب والإنسان.
٣٨٦-[الكلب أسبح أنواع الحيوان]
والكلب بعد هذا أسبح من حيّة، ولا يتعلّق به في ذلك الثّور، وذلك فضيلة له على القرد، مع كثرة فطن القرد وتشبّهه بالإنسان؛ لأنّ كلّ حيوان في الأرض فإنّه إذا ألقي في الماء الغمر سبح، إلّا القرد والفرس الأعسر. والكلب أسبحها كلّها، حتّى إنّه ليقدّم في ذلك على البقرة والحيّة.
٣٨٧-[أعجوبة في الكلبة]
وفي طباع أرحام الكلاب أعجوبة؛ لأنّها تلقح من أجناس غير الكلاب، ويلقحها كما يلقح منها، وتلقح من كلاب مختلفة الألوان، فتؤدّي شبه كلّ كلب «١» ، وتمتلئ أرحامها أجراء من سفاد كلب، ومن مرة واحدة، كما تمتلئ من عدّة كلاب ومن كلب واحد. وليست هذه الفضيلة إلّا لأرحام الكلاب.
٣٨٨-[فخر قبيلتين زنجيتين]
قالوا: والزّنج صنفان، قبيلة زنجيّة فوق قبيلة، وهما صنفان: النمل والكلاب، فقبيلة هم الكلاب، وقبيلة هم النمل، فخر هؤلاء بالكثرة، وفخر هؤلاء بالشدّة.
وهذان الاسمان هما ما اختاراهما لأنفسهما ولم يكرها عليهما.
٣٨٩-[كلب الله] «٢»
قال: ويقال إنّ النبي ﷺ قال لعتبة بن أبي لهب: «أكلك كلب الله» فأكله الأسد. [ففى هذا الخبر فائدتان] «٣» . فواحدة: قد ثبت بذلك أنّ الأسد كلب الله.
والثانية: أنّ الله ﵎ لا يضاف إليه إلّا العظيم، من جميع [الأشياء من] »
الخير والشرّ. فأما الخير فقولك: بيت الله، وأهل الله، وزوّار الله، وكتاب الله، وسماء الله، وأرض الله، وخليل الله، وكليم الله، وروح الله، وما أشبه ذلك. وأما الشرّ
стр. 345
فكقولهم: دعه في لعنة الله وسخط الله، [وأليم عذابه] «١» ، ودعه في نار الله وسعيره «٢» ، وما أشبه ذلك. وقد يسمّي المسلمون والنّاس كلبا.
٣٩٠-[تسمية أنواع من الحيوانات بالكلاب]
وقد زعم آخرون: أنّ بنات آوى، والثعالب والضّباع، والكلاب كلّها كلاب، ولذلك تسافد وتلاقح.
وقال آخرون: لعمري إنّها الكلاب إذا أردتم أن تشبّهوها، فأمّا أن تكون كلابا لعلّة أو علّتين- والوجوه التي تخالف فيها الكلاب أكثر فإنّ هذا ممّا لا يجوز.
وقول من زعم أنّ الجواميس بقر وأنّ الخيل حمر، أقرب إلى الحقّ من قولكم، وقول من زعم أنّ الجواميس ضأن البقر. والبقر ضأن أيضا، ولذلك سمّوا بقر الوحش نعاجا، كأنهم إنما ابتغوا اتّفاق الأسماء.
وما بال من زعم أنّ الأسد والذئب والضبع والثعلب وابن آوى كلاب أحقّ بالصواب ممّن زعم أنّ الجواميس ضأن والبقر ضأن والماعز كلها شيء واحد. وهذا أقرب إلى الإمكان؛ لتشابهها في الظّلف والقرون والكروش وأنّها تجترّ. والسّنّور والفهد والنمر والببر «٣» والأسد والذئب والضبع والثّعلب إلى أن تكون شيئا واحدا أقرب. وعلى أنّنا لم نتبين إلى الساعة أنّ الضّباع والكلاب وبنات آوى والذئاب تتلاقح؛ وما رأينا على هذا قط سمعا «٤» ولا عسبارا «٥» ، ولا كلّ ما يعدّون. وما ذكرهم لذلك إلّا من طريق الإخبار عن السّرعة، أو عن بعض ما يشبه ذلك. فأمّا التلاقح والتركيب العجيب الغريب، فالأعراب أفطن- والكلام عندهم أرخص- من أن يكونوا وصفوا كلّ شيء يكون في الوحش، وكلّ شيء يكون في السّهل والجبل، مما إذا جمع جميع أعاجيبه لم يكن أظرف ولا أكثر ممّا يدّعون من هذا التّسافد والتّلاقح والتراكيب في الامتزاجات. فكيف يدعون ما هو أظرف، والذي هو أعجب وأرغب، إلى ما يستوي في معرفته جميع الناس؟!.
стр. 346
٣٩١-[تتمّة القول في حديث: «أكلك كلب الله» ]
وقال آخرون: ليس الكلب من أسماء الأسد، كما أن ليس الأسد من أسماء الكلب، إلّا على أن تمدحوا كلبكم فيقول قائلكم: ما هو إلّا الأسد؛ وكذلك القول في الأسد إذا سمّيتموه كلبا، وذلك عند إرادة التصغير والتحقير، والتأنيب والتقريع؛ كما يقال ذلك للإنسان على جهة التشبيه.
فإن كان النبي ﷺ قال ذلك فإنّ ذلك على بعض ما وصفنا لك. ويقول أهل حمص: إنهم لا يغلبون؛ لأن فيها نور الله في الأرض. وما كلب الله إلا كنور الله.
والله، ﵎ علوّا كبيرا، لا تضاف إليه الكلاب والسنانير والضّباع والثعالب.
والنبي ﷺ لم يقل هذا قطّ. وإن كان قاله فعلى صلة كلام أو على حكاية كلام.
وقال صاحب الكلب: قد وضح الأمر، وتلقّاه الناس بالقبول، في أنّ النبي ﷺ قال: «أكلك كلب الله» وهو يعني الأسد. ومن دفع هذا الحديث فقد أنكر علامات الرسول ﷺ .
٣٩٢-[التسمية بمشتقات الكلب]
والنّاس قد سمّوا الناس بكلب وكليب وكلاب وأكلب ومكاليب ومكالبة بنو ربيعة، وكليب بن ربيعة بن عامر. وفي العرب من القبائل كلب، وبنو الكلبة، وبنو كلاب، وأكلب بن ربيعة بن نزار عمارة ضخمة «١» . وكلب بن وبرة جذم «٢» من الأجذام وهم نفر جمجمة، وكلّ سادات فهو يكنى أبا كليب، ومن ذلك عمرو ذو الكلب وأبو عمرو الكلب الجرمي وأبو عامر الكلب النحوي. وكيف لا يجوز مع ذلك أن يسمّى الأسد بالكلب، وكلّ هؤلاء أرفع من الأسد؟! وقد قالوا: كلب الماء، وكلب الرحى. والضّبّة «٣» التي في الرحل يقال لها الكلب، والكلب: الخشبة التي تمنع الحائط من السّقوط، وتشخص في القناطر والمسنّيات «٤» .
стр. 347
والكلب الذي في السماء ذو الصّور.
ويقال: داء الكلب، وقد اعتراه في الطعام كلب، وقد كلب عليهم في الحرب، و «دماء القوم للكلبى شفاء» «١» .
ومنه الكلبة والكلبتان «٢» والكلّاب «٣» والكلّوب «٤» ثمّ المكلّب والمكلب «٥» وهذا مختلف مشتق من ذلك الأصل.
ومنه علّويه كلب المطبخ، وحمويه كلب الجنّ.
٣٩٣-[بين أبي علقمة المزني وسوار بن عبد الله]
ولما شهد أبو علقمة المزنيّ عند سوّار بن عبد الله أو غيره من القضاة وتوقّف في قبول شهادته، قال له أبو علقمة: لم توقّفت في إجازة شهادتي؟ قال: بلغني أنّك تلعب بالكلاب والصّقور. قال: من خبّرك أنّي ألعب فقد أبطل، وإذا بلغك أنّي أصطاد بها فقد صدقك من أبلغك، وإنّي أخبرك أنّي جادّ في الاصطياد بها غير لاعب ولا هازئ، فقد وقف المبلّغ على فرق ما بين الجدّ واللّعب. قال: ما وقف ولا وقّفته عليه. فأجاز شهادته.
٣٩٤-[قوله تعالى: يسألونك ماذا أحلّ لهم]
وقد قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ
«٦» فقال لنبيّه: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ
«٧» . فاشتقّ لكلّ صائد وجارح كاسب من باز، وصقر، وعقاب، وفهد، وشاهين، وزرّق «٨» ، ويؤيؤ «٩» ، وباشق، وعناق الأرض «١٠» ، من اسم الكلب. وهذا يدلّ على أنّه أعمّها نفعا، وأبعدها صيتا،
стр. 348
وأنبهها ذكرا. ثمّ قال: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ
«١» فذكر تعليمهم لها إذ أضاف ذلك إلى نفسه، ثمّ أخبر عن أدبها وأنّها تمسك على أربابها لا على أنفسها. وزعم أصحاب الصّيد أن ليس في الجوارح شيء أجدر أن يمسك على صاحبه ولا يمسك على نفسه من الكلب.
٣٩٥-[تأويل آية أصحاب الكهف]
قال الله تعالى لنبيّه ﷺ : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً. إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا: رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً
«٢» . فخبّر كما ترى عن دعائهم وإخلاصهم، ثمّ قال جلّ وعزّ: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً
«٣» ، ثمّ قال : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً. وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً
«٤» ثم قال: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً. وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ
«٥» ثمّ قال بعد هذه الصّفة لحالهم، والتمكين لهم من قلوب السّامعين، والأعجوبة التي أتاهم بها: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
«٦» ثمّ قال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
«٧» فخبّر أنّهم لم يستصحبوا من جميع من يألف النّاس ويرتفقون به، ويسكنون إليه، شيئا غير الكلب، فإنّ ممّا يألف النّاس ويرتفقون به، ويسكنون إليه، شيئا غير الكلب، فإنّ ممّا يألف النّاس ويرتفقون به، ويسكنون إليه: الفرس والبعير والحمار والبغل، والثّور والشاة، والحمام والدّيكة، كلّ ذلك مما يرتفق به ويستصحب في الأسفار، وينقل من بلد إلى بلد.
والناس يصطادون بغير الكلب، ويستمتعون بأمور كثيرة، فخبّر عنهم بعد أن جعلهم خيارا أبرارا، أنّهم لم يختاروا استصحاب شيء سوى الكلب، وليس يكون ذلك من الموفّقين المعصومين المؤيّدين، إلّا بخاصّة في الكلب لا تكون في غيره.
стр. 349
ثمّ أعاد ذكر الكلب، ونبّأ عن حاله، بأن قال : إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً. سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ. فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً
«١» وفي قولهم في الآية ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
«٢» دليل على أنّ الكلب رفيع الحال، نبيه الذكر، إذ جعل رابعهم، وعطف ذكره على ذكرهم، واشتقّ ذكره من أصل ذكرهم، حتّى كأنّه واحد منهم، ومن أكفائهم أو أشباههم أو ممّا يقاربهم. ولولا ذلك لقال: سيقولون ثلاثة معهم كلب لهم. وبين قول القائل معهم كلب لهم، وبين قوله رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ
«٣» - فرق بيّن وطريق واضح.
فإن قلتم: هذا كلام لم يحكه الله تعالى عن نفسه، وإنّما حكاه عن غيره، وحيث يقول: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ
«٤» وقد صدقتم، والصّفة على ما ذكرتم؛ لأنّ الكلام لو كان منكرا لأنكره الله تعالى، ولو كان معيبا لعابه الله، فإذ حكاه ولم يعبه، وجعله قرآنا وعظّمه بذلك المعنى، ممّا لا ينكر في العقل ولا في اللغة، كان الكلام إذا كان على هذه الصفة مثله؛ إذ كان الله المنزل له.
٣٩٦-[الاستطاعة قبل الفعل]
ومثل ذلك مثّل بعض المخالفين في القدر، فإنّه سأل بعض أصحابنا فقال: هل تعرف في كتاب الله تعالى أنّه يخبر عن الاستطاعة، أنّها قبل الفعل؟ قال: نعم، أتى كثير، من ذلك قوله تعالى قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ
«٥» . قال المخالف: سألتك أن تخبرني عن الله، فأخبرتني عن عفريت لو كان بين يديّ لبزقت في وجهه! قال صاحبنا: أمّا سليمان النبيّ، ﷺ ، فقد ترك النّكير عليه، ولو كان مثل هذا القول كفرا وافتراء على الله، ومغالبة وتفويضا للمشيئة إلى النفس، لكان سليمان ومن حضره من المسلمين من الجنّ والإنس أحقّ بالإنكار، بل لم يكن العفريت في هذا الموضع هو الذي يسرع فيه
стр. 350
ويذكر الطاعة، ولا يتقرّب فيه بذكر سرعة النفوذ، ويبشر فيه بأنّ معه من القوّة المجعولة ما يتهيأ لمثله قضاء حاجته، فيكذب ثمّ لا يرضى بالكذب حتّى يقول قولا مستنكرا، ويدّعي قوّة لا تجعل له، ثمّ يستقبل بالافتراء على الله تعالى والاستبداد عليه، والاستغناء عنه- نبيّا قد ملك الجنّ والإنس والرّياح والطير، وتسيير الجبال، ونطق كلّ شيء، ثمّ لا يزجره فضلا عن أن يضربه، ويسجنه فضلا عن أن يقتله.
وبعد، فإن الله ﵎ لم يجعل ذلك القول قرآنا، ويترك التنبيه على ما فيه من العيب، إلا والقول كان صدقا مقبولا. وبعد، فإن هذا القول قد سمعه رسول الله ﷺ ، وتلاه على الناس، وما زالوا يتلونه في مجالسهم ومحاريبهم، أفما كان في جميع هؤلاء واحد يعرف معرفتك، أو يغضب لله تعالى غضبك؟!.
٣٩٧-[دفاع عن الكلب]
قال صاحب الكلب: لو اعترضت جميع أهل البدو في جميع الآفاق من الأرض، أن تصيب أهل خيمة واحدة، ليس عندهم كلب واحد فما فوق الواحد لما وجدته. وكذلك كانوا في الجاهليّة، وعلى ذلك هم في الإسلام. فمن رجع بالتخطئة على جميع طوائف الأمم، والتأنيب والاعتراض على جميع اختيارات الناس، فليتّهم رأيه؛ فإنّ رأي الفرد ولا سيّما الحسود، لا يفي برأي واحد، ولا يرى الاستشارة حظا وكيف بأن يفي بجميع أهل البدو من العرب والعجم. والدليل على أنّ البدو قد يكون في اللّغة لهما جميعا قول الله : وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
»
ولو ابتلي صاحب هذا القول بأن ينزل البادية، لتحوّل رأيه، واستبدل به رأي من قد جرّب تقريب الكلب وإبعاده. وقد قال أبو عبّاد النميري: لا يكون البنيان قرية حتى ينبح فيه كلب، ويزقو فيه ديك.
ولمّا قال أحمد بن الخاركي: لا تصير القرية قرية حتّى يصير فيها حائك ومعلّم، قال أبو عبّاد: يا مجنون إذا صارت إلى هذا فقد صارت مدينة.
وللكلب إثباته وجه صاحبه، ونظره في عينيه وفي وجهه، وحبّه له، ودنوّه منه، حتّى ربّما لاعبه ولاعب صبيانه بالعضّ الذي لا يؤثّر ولا يوجع، وهي الأضراس التي لو نشّبها في الصخر لنشبت، والأنياب التي لو أنحى بها على الحصى لرضّها.
стр. 351
وقد تراه وما يصنع بالعظم المدمج، وبالفقرة من الصّلب القاسي الذي ليس بالنّخر البالي، ولا بالحديث العهد بالودك الذي يلين معه بالمضغ ويطيب، فتراه كيف يرضّه ويفتّته، ثمّ إن مانعه بعض الممانعة، ووافق منه بعض الجوع، كيف يبتلعه وهو واثق باستمرائه وهضمه، أو بإذابته وحلّه.
وله ضروب من النّغم، وأشكال من الأصوات، وله نوح وتطريب، ودعاء وخوار، وهرير وعواء، وبصبصة، وشيء يصنعه عند الفرح، وله صوت شبيه بالأنين إذا كان يغشى الصيد، وله إذا لاعب أشكاله في غدوات الصّيف شيء بين العواء والأنين.
وله وطء للحصى مثله بأن لو وطئ الحصى على أرض السطوح لا يكون مثله وطء الكلب يربى على وزنه مرارا «١» .
وإذا مرّ على واد جامد ظاهر الماء، تنكّب مواضع الخرير في أسفله.
قال الشاعر- ورأى رجلا اسمه وثّاب واسم كلبه عمرو- فقال: [من مجزوء الوافر]
ولو هيّا له الله ... من التّوفيق أسبابا «٢»
لسمّى نفسه عمرا ... وسمّى الكلب وثّابا
٣٩٨-[أطباء الكلبة والخنزيرة والفهدة]
قال: والكلبة كثيرة الأطباء، وكذلك الخنزيرة. وللفهدة أربعة أطباء من لدن صدرها وقرب إبطيها إلى رفغيها «٣» ، وللفيل حلمتان تصغران عن جثّته. وهما مما يلي الصّدر مثل الإنسان، والذّكر في ذلك يشبّه بالرجل؛ لأن للرجل ثديين صغيرين عن جثته.
٣٩٩-[واقية الكلاب]
ويقال: إنّ على الكلاب واقية من عبث السّفهاء والصّبيان بها. قال دريد بن الصّمّة، حين ضرب امرأته بالسيف ولم يقتلها: [من الوافر]
أقرّ العين أن عصبت يداها ... وما إن يعصبان على خضاب «٤»
стр. 352
فأبقاهنّ أنّ لهنّ جدّا ... وواقية كواقية الكلاب «١»
وقال الآخر: [من المتقارب]
إن يقنا الله من شرّها ... فإنّ الكلاب لها واقيه
ويروى:
سينجيه من شرّها شرّه
وقال غيره: [من الكامل]
ولقد قتلتك بالهجاء فلم تمت ... إن الكلاب طويلة الأعمار «٢»
وقال بشر بن المعتمر: [من السريع]
الناس دأبا في طلاب الثّرا ... فكلّهم من شأنه الختر «٣»
كأذؤب تنهشها أذؤب ... لها عواء ولها زفر
٤٠٠-[استطراد لغوي]
قال: ويقال قزح الكلب ببوله يقزح قزحا، إذا بال. قال: وقال أبو الصّقر: يقزح ببوله حين يبول، وشغر الكلب يشغر إذا رفع رجله، بال أو لم يبل. ويقال شغرت بالمرأة أشغرها شغرا إذا رفعت رجلها للنّكاح، قال: ويقال عاظل الكلب معاظلة، يعني السّفاد، قال أبو الزحف: [من الرجز]
كمشية الكلب مشى للكلبة ... يبغي العظال مصحرا بالسّوءة «٤»
قال: ويقال كلب عاظل وكلاب عظّل وعظالى.
وقال حسان بن ثابت الأنصاري: [من الطويل]
ولست بخير من يزيد وخالد ... ولست بخير من معاظلة الكلب «٥»
قال مالك بن عبد الله الجعديّ، يوم فيف الرّيح «٦» : حدّثني أبي، لقد نظرت
стр. 353
يومئذ إلى بني عبد الحارث بن نمير، فما شبّهتهم إلّا بالكلاب المتعاظلة حول اللواء.
وقال أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنّة- لاعبه الحارث واليوم قال فقال «١» منذ يومئذ.
قال: والسّلوقيّة منسوبة إلى سلوق من بلاد اليمن، لها سلاح جيّد وكلاب فرّه. وقال القطاميّ: [من الكامل]
معه ضوار من سلوق له ... طورا تعانده وتنفعه «٢»
٤٠١-[تعفير البهائم والسباع أولادها]
قالوا: وليس في الأرض بهيمة ولا سبع أنثى تريد فطام ولدها وإخراجه من اللّبن إلى اللحم، أو من اللبن إلى العشب، إن كانت بهيمة إلّا وهي تعفر ولدها. والتعفير:
أن ترضعه وتمنعه حتى يجوع ويطلب اللحم إن كان سبعا، والعشب إن كان بهيمة.
فلا تزال تنوّله وتماطله وكلما مرّت عليه الأيّام كان وقت منعها له أطول، حتّى إذا قوي على أكل اللّحم أو العشب فطمته. قال لبيد في مثل ذلك «٣» : [من الكامل]
أفتلك أم وحشيّة مسبوعة ... خذلت وهادية الصّوار قوامها «٤»
خنساء ضيّعت الفرير فلم يرم ... عرض الشّقائق طوفها وبغامها «٥»
لمعفّر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب لا يمنّ طعامها «٦»
صادفن منها غرّة فأصبنها ... إنّ المنايا لا تطيش سهامها
لأنّ البقرة إذا كانت بحضرة ولدها لم تضيّعه ومنعت السّباع منه، وقاتلت دونه بقرونها أشدّ القتال، حتّى تنجيه أو تعطب.
стр. 354
٤٠٢-[بعض من كني بالكلاب]
قال: وكان ابن لسان الحمّرة «١» يكنى أبا كلاب. وكان زوج حبّى المدنيّة يقال له ابن أمّ كلاب، وقال الشّاعر يذكرها: [من الطويل]
وما وجدت وجدي به أمّ واحد ... ولا وجد حبّى بابن أمّ كلاب «٢»
رأته طويل السّاعدين شمردلا ... كما انبعثت من قوّة وشباب
٤٠٣-[صفة عيون الكلاب]
وقال آخر يصف عيون الكلاب إذا أبصرت الصّيد: [من الطويل]
مجزّعة غضف كأنّ عيونها ... إذا آذن القنّاص بالصّيد عضرس «٣»
مجزّعة: في أعناقها جزع، وهو الودع يجعل في القلائد. يقول: تبيضّ عيونها حين تختل الصّيد. والعضرس هاهنا: البرد.
وقال الآخر: [من الكامل]
خوص تراح إلى الصّراخ إذا غدت ... فعل الضّراء تراح للكلّاب «٤»
وقال آخر وذكر الضّراء، وهو يصف الشّيخ وضعفه: [من الوافر]
ومنها أن يقاد به بعير ... ذلول حين تهترش الكلاب
قال: وهم عند الحاجة يعدّون الكلب والمطيّة، وأنشد: [من الطويل]
فأعقب خيرا كلّ أهوج مهرج ... وكلّ مفدّاة العلالة صلدم «٥»
стр. 355
وقال الآخر: [من الرجز]
مفدّيات وملقّبات
وأنشد قول أبي ذؤيب في شبيه بالمعنى الأوّل: [من الكامل]
شغف الكلاب الضّاريات به ... فإذا يرى الصّبح المصدّق يفزع «١»
يقول: هذه الثّيران لما قد لقّين مع الصبح والإشراق من الكلاب، صار أحدها حين يرى ساطع الصبح يفزع، وذلك أنّها تمطر ليلتها فتشرّق في الشمس، فعندها ترسل عليها الكلاب.
٤٠٤-[تعرض الذئب للغنم مع الصبح]
ويقال إنّ أكثر ما يعرض الذّئب للغنم مع الصّبح، وإنّما رقب فترة الكلب وكلاله، لأنه بات ليلته دائبا يحرس.
وقال أعرابيّ وكسر ذئب شاة له مع الصّبح، فقال: [من البسيط]
أودى بوردة أمّ الورد ذو عسل ... من الذّئاب إذا ما راح أو بكرا «٢»
لولا ابنها وسليلات لها غرر ... ما انفكّت العين تذري دمعها دررا
كأنّما الذّئب إذ يعدو على غنمي ... في الصّبح طالب وتر كان فاتّأرا «٣»
اعتامها اعتامه شثن براثنه ... من الضّواري اللّواتي تقصم القصرا «٤»
٤٠٥-[سبب نزول آية في صيد الكلاب]
ولما قال النبيّ ﵊ لزيد الخيل من الخير ما قال. وسمّاه زيد الخير، ما سأله زيد شيئا، ولا ذكر له حاجة، إلّا أنّه قال: يا رسول الله، فينا رجلان يقال لأحدهما ذريح، والآخر يكنى أبا دجانة، ولهما أكلب خمسة تصيد الظباء، فما
следующие страницы →