← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقد تراه وما يصنع بالعظم المدمج، وبالفقرة من الصّلب القاسي الذي ليس بالنّخر البالي، ولا بالحديث العهد بالودك الذي يلين معه بالمضغ ويطيب، فتراه كيف يرضّه ويفتّته، ثمّ إن مانعه بعض الممانعة، ووافق منه بعض الجوع، كيف يبتلعه وهو واثق باستمرائه وهضمه، أو بإذابته وحلّه. وله ضروب من النّغم، وأشكال من الأصوات، وله نوح وتطريب، ودعاء وخوار، وهرير وعواء، وبصبصة، وشيء يصنعه عند الفرح، وله صوت شبيه بالأنين إذا كان يغشى الصيد، وله إذا لاعب أشكاله في غدوات الصّيف شيء بين العواء والأنين. وله وطء للحصى مثله بأن لو وطئ الحصى على أرض السطوح لا يكون مثله وطء الكلب يربى على وزنه مرارا «١» . وإذا مرّ على واد جامد ظاهر الماء، تنكّب مواضع الخرير في أسفله. قال الشاعر- ورأى رجلا اسمه وثّاب واسم كلبه عمرو- فقال: [من مجزوء الوافر] ولو هيّا له الله ... من التّوفيق أسبابا «٢» لسمّى نفسه عمرا ... وسمّى الكلب وثّابا ٣٩٨-[أطباء الكلبة والخنزيرة والفهدة] قال: والكلبة كثيرة الأطباء، وكذلك الخنزيرة. وللفهدة أربعة أطباء من لدن صدرها وقرب إبطيها إلى رفغيها «٣» ، وللفيل حلمتان تصغران عن جثّته. وهما مما يلي الصّدر مثل الإنسان، والذّكر في ذلك يشبّه بالرجل؛ لأن للرجل ثديين صغيرين عن جثته. ٣٩٩-[واقية الكلاب] ويقال: إنّ على الكلاب واقية من عبث السّفهاء والصّبيان بها. قال دريد بن الصّمّة، حين ضرب امرأته بالسيف ولم يقتلها: [من الوافر] أقرّ العين أن عصبت يداها ... وما إن يعصبان على خضاب «٤»

стр. 352

فأبقاهنّ أنّ لهنّ جدّا ... وواقية كواقية الكلاب «١» وقال الآخر: [من المتقارب] إن يقنا الله من شرّها ... فإنّ الكلاب لها واقيه ويروى: سينجيه من شرّها شرّه وقال غيره: [من الكامل] ولقد قتلتك بالهجاء فلم تمت ... إن الكلاب طويلة الأعمار «٢» وقال بشر بن المعتمر: [من السريع] الناس دأبا في طلاب الثّرا ... فكلّهم من شأنه الختر «٣» كأذؤب تنهشها أذؤب ... لها عواء ولها زفر ٤٠٠-[استطراد لغوي] قال: ويقال قزح الكلب ببوله يقزح قزحا، إذا بال. قال: وقال أبو الصّقر: يقزح ببوله حين يبول، وشغر الكلب يشغر إذا رفع رجله، بال أو لم يبل. ويقال شغرت بالمرأة أشغرها شغرا إذا رفعت رجلها للنّكاح، قال: ويقال عاظل الكلب معاظلة، يعني السّفاد، قال أبو الزحف: [من الرجز] كمشية الكلب مشى للكلبة ... يبغي العظال مصحرا بالسّوءة «٤» قال: ويقال كلب عاظل وكلاب عظّل وعظالى. وقال حسان بن ثابت الأنصاري: [من الطويل] ولست بخير من يزيد وخالد ... ولست بخير من معاظلة الكلب «٥» قال مالك بن عبد الله الجعديّ، يوم فيف الرّيح «٦» : حدّثني أبي، لقد نظرت

стр. 353

يومئذ إلى بني عبد الحارث بن نمير، فما شبّهتهم إلّا بالكلاب المتعاظلة حول اللواء. وقال أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنّة- لاعبه الحارث واليوم قال فقال «١» منذ يومئذ. قال: والسّلوقيّة منسوبة إلى سلوق من بلاد اليمن، لها سلاح جيّد وكلاب فرّه. وقال القطاميّ: [من الكامل] معه ضوار من سلوق له ... طورا تعانده وتنفعه «٢» ٤٠١-[تعفير البهائم والسباع أولادها] قالوا: وليس في الأرض بهيمة ولا سبع أنثى تريد فطام ولدها وإخراجه من اللّبن إلى اللحم، أو من اللبن إلى العشب، إن كانت بهيمة إلّا وهي تعفر ولدها. والتعفير: أن ترضعه وتمنعه حتى يجوع ويطلب اللحم إن كان سبعا، والعشب إن كان بهيمة. فلا تزال تنوّله وتماطله وكلما مرّت عليه الأيّام كان وقت منعها له أطول، حتّى إذا قوي على أكل اللّحم أو العشب فطمته. قال لبيد في مثل ذلك «٣» : [من الكامل] أفتلك أم وحشيّة مسبوعة ... خذلت وهادية الصّوار قوامها «٤» خنساء ضيّعت الفرير فلم يرم ... عرض الشّقائق طوفها وبغامها «٥» لمعفّر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب لا يمنّ طعامها «٦» صادفن منها غرّة فأصبنها ... إنّ المنايا لا تطيش سهامها لأنّ البقرة إذا كانت بحضرة ولدها لم تضيّعه ومنعت السّباع منه، وقاتلت دونه بقرونها أشدّ القتال، حتّى تنجيه أو تعطب.

стр. 354

٤٠٢-[بعض من كني بالكلاب] قال: وكان ابن لسان الحمّرة «١» يكنى أبا كلاب. وكان زوج حبّى المدنيّة يقال له ابن أمّ كلاب، وقال الشّاعر يذكرها: [من الطويل] وما وجدت وجدي به أمّ واحد ... ولا وجد حبّى بابن أمّ كلاب «٢» رأته طويل السّاعدين شمردلا ... كما انبعثت من قوّة وشباب ٤٠٣-[صفة عيون الكلاب] وقال آخر يصف عيون الكلاب إذا أبصرت الصّيد: [من الطويل] مجزّعة غضف كأنّ عيونها ... إذا آذن القنّاص بالصّيد عضرس «٣» مجزّعة: في أعناقها جزع، وهو الودع يجعل في القلائد. يقول: تبيضّ عيونها حين تختل الصّيد. والعضرس هاهنا: البرد. وقال الآخر: [من الكامل] خوص تراح إلى الصّراخ إذا غدت ... فعل الضّراء تراح للكلّاب «٤» وقال آخر وذكر الضّراء، وهو يصف الشّيخ وضعفه: [من الوافر] ومنها أن يقاد به بعير ... ذلول حين تهترش الكلاب قال: وهم عند الحاجة يعدّون الكلب والمطيّة، وأنشد: [من الطويل] فأعقب خيرا كلّ أهوج مهرج ... وكلّ مفدّاة العلالة صلدم «٥»

стр. 355

وقال الآخر: [من الرجز] مفدّيات وملقّبات وأنشد قول أبي ذؤيب في شبيه بالمعنى الأوّل: [من الكامل] شغف الكلاب الضّاريات به ... فإذا يرى الصّبح المصدّق يفزع «١» يقول: هذه الثّيران لما قد لقّين مع الصبح والإشراق من الكلاب، صار أحدها حين يرى ساطع الصبح يفزع، وذلك أنّها تمطر ليلتها فتشرّق في الشمس، فعندها ترسل عليها الكلاب. ٤٠٤-[تعرض الذئب للغنم مع الصبح] ويقال إنّ أكثر ما يعرض الذّئب للغنم مع الصّبح، وإنّما رقب فترة الكلب وكلاله، لأنه بات ليلته دائبا يحرس. وقال أعرابيّ وكسر ذئب شاة له مع الصّبح، فقال: [من البسيط] أودى بوردة أمّ الورد ذو عسل ... من الذّئاب إذا ما راح أو بكرا «٢» لولا ابنها وسليلات لها غرر ... ما انفكّت العين تذري دمعها دررا كأنّما الذّئب إذ يعدو على غنمي ... في الصّبح طالب وتر كان فاتّأرا «٣» اعتامها اعتامه شثن براثنه ... من الضّواري اللّواتي تقصم القصرا «٤» ٤٠٥-[سبب نزول آية في صيد الكلاب] ولما قال النبيّ ﵊ لزيد الخيل من الخير ما قال. وسمّاه زيد الخير، ما سأله زيد شيئا، ولا ذكر له حاجة، إلّا أنّه قال: يا رسول الله، فينا رجلان يقال لأحدهما ذريح، والآخر يكنى أبا دجانة، ولهما أكلب خمسة تصيد الظباء، فما

стр. 356

ترى في صيدهم؟ فأنزل الله : يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ «١» . فأوّل شيء يعظّم في عينك شأن الكلب، أنّ هذا الوافد الكريم الذي قيل له ما قيل، وسمّي بما لم يسمّ به أحد- لم يسأل إلّا عن شأن الكلب. وثانية وهي أعظمها: أنّ الله تعالى أنزل فيه عند ذلك آيا محكما فقال: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ فسمّى صيدها طيّبا، ثم قال: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ مخبرا عن قبولها للتعليم والتأديب. ثم قال: مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ولولا أنّ ذلك الباب من التعليم والعلم مرضيّ عند الله ، لما أضافه إلى نفسه. ثم قال: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فأوّل شيء يعظم به في عينك إمساكه عليك. وهكذا يقول أصحاب الصيد، إن كل صائد فإنّما يمسك على نفسه إلّا الكلب فإنّه يمسك على صاحبه. ولو كان الجواب لزيد الخيل سنّة من سنن النبي ﷺ لكان في ذلك الرّفعة، فكيف والكتاب فوق السّنّة. وقد روى هشام أنّ ابن عبّاس سمّى كلاب ذريح هذه وكلاب أبي دجانة فقال: المختلس، وغلّاب، والقنيص، وسلهب، وسرحان، والمتعاطس «٢» . ٤٠٦-[العلاج برجيع الكلاب] وزعم الأطبّاء أنّ من أجود أدوية الذّبحة والخانوق أن ينفح في حلق من كان ذلك به، ما جفّ من رجيع الكلاب. وأجود ذلك أن يكون يتغرغر به وربّما طلوه على جلد المحموم الحديد الحمّى. وأجود رجيع الكلاب أن يشتدّ بياضه. وليس يعتريه البياض إلّا عن أكل الطعام، وذلك رديء للقانص منها. والجعور قد تبيضّ إذا كان قوت صاحبها اللبن، ولذلك قال أبو كلاب- وهو ابن لسان الحمّرة- ومرّ به رجل من بني أسد فقال: قد علمت العرب يا معشر بني أسد أنّكم أشدّها بياض جعور، فعكف عليه فضربه بالسيف حتى برد.

стр. 357

وذلك أنّه عيّره بأنّهم لا يعرفون البقل، ولا يعرفون إلّا اللبن. وقال الشاعر يهجو ناسا منهم: [من الطويل] عراجلة بيض الجعور كأنّهم ... بمنعرج الغيطان شهب العناكب «١» والعرب تقول: اللّحم أقلّ الطّعام بخرا. ٤٠٧-[دفاع عن الكلب] وقال صاحب الكلب: وما للدّيك وللكلاب، والكلاب ينزّل فيها القرآن ويحدث فيها السنن، ويشتقّ من أسمائها للنّاس وللأسد، ولها أسماء معروفة وأعراق منسوبة، وبلدان مشهورة، وألقاب وسمات، ومناقب ومقامات!! وما للدّيك إلّا ما تقول العوام: إنّه إذا كان في الدار ديك أبيض أفرق «٢» لم يدخله شيطان. وليس يقوم خير ذلك، ولو كان ذلك حقّا، بشؤمه؛ لأنّ العوامّ تقضي على من كان في داره ديك أبيض أفرق بالزندقة. والذين يقولون إنّ الدار إذا كان فيها ديك أفرق لم يدخلها شيطان، هم الذين يقولون من أكل لحم سنّور أسود لم يضره سحر «٣» ، وإذا دخّنت الدار بالدّخنة «٤» التي سمّوها بدخنة مريم، أو باللّبان، لم يكن عليها لعمّار الدّار سبيل، فإن مرّت ساحرة تطير سقطت. وهم الذين لا يشكّون أنّ من نام بين البابين تخبّطه العمّار وخبلته الجنّ. ٤٠٨-[ما يقال له: جرو] قال: ويقال لولد الكلب والذّئب والسّنّور أشباه ذلك: جرو. ويقال للصغير من الحنظل على مثل ذلك: جرو. وقال النّمر بن تولب: [من الطويل] بجرو يلقّى في سقاء كأنّه ... من الحنظل العاميّ جرو مفلّق «٥» ٤٠٩-[كلاب الحوءب] وممّا زاد في ذكر الكلب قول السّيّد بن محمد في شأن عائشة في الحديث

стр. 358

الذي رووه «١» - وكان السّيّد رافضيّا غاليا، وليس في ذكره شرف، ولكنّه أجمع للفنّ-: [من الكامل] تهوي من البلد الحرام فنبّهت ... بعد الهدوّ كلاب أهل الحوءب «٢» قال: ويقال صرفت الكلبة صرافا وصروفا، وظلعت تظلع ظلوعا ٤١٠-[قولهم: لا أفعل حتى ينام ظالع الكلاب] قال: ومن الأمثال في ذلك: «لا أفعل حتّى ينام ظالع الكلاب» «٣» . قال الأصمعيّ: هذا باطل، إنّما ذلك إذا أصاب الكلب ما يظلع منه لم يطق سفاد الكلبة حتّى تهدأ الرّجل، وحتّى تملّ الكلاب النّباح وتفترق، وتحتاج إلى النّوم لطول التعب، وإذا كان في ذلك الوقت يلتمس الظالع ورام سفاد الكلبة، لم يعرف ظلعه إلّا الكلبة. وأنشد فقال «٤» : [من الطويل] تسدّيتها من بعد ما نام ظالع ال ... كلاب وأخبى ناره كلّ موقد وأنشد غيره لجران العود: [من الطويل] وكان فؤادي قد صحا ثمّ هاجه ... حمائم ورق بالمدائن هتّف «٥» كأنّ الهديل الظّالع الرّجل وسطها ... من البغي شرّيب يغرّد مترف ٤١١-[شعر في إشلاء الكلب على الضيوف] وقالوا أبياتا في غير هذا الباب، قال الأعرابيّ: [من الطويل] نزلنا بعبّاد فأشلى كلابه ... علينا فكدنا بين بابيه نؤكل «٦» فقلت لأصحابي أسرّ إليهم ... أذا اليوم أو يوم القيامة أطول

стр. 359

وقال آخر: [من الكامل] أعددت للضّيفان كلبا ضاريا ... عندي وفضل هراوة من أرزن «١» وقال في خلاف ذلك مالك بن حريم الهمدانيّ: [من الطويل] وواحدة إلّا أبيت بغرّة ... إذا ما سوام الحيّ بات مصرّعا «٢» وثانية ألّا تفزّع جارتي ... إذا كان جار القوم فيهم مفزّعا وثالثة ألّا أصمّت كلبنا ... إذا نزل الأضياف حرصا لتوزعا ٤١٢-[استطراد لغوي] قال: ويقال لحز الكلب الإناء، فهو يلحزه لحزا، ولحسه فهو يلحسه لحسا. قال أبو يزيد: وذلك إذا لحس الإناء من باطنه. والقرو: ميلغة الكلب، فإذا كان للكلب فإنّما هو من أسفل كوز أو ما أشبه ذلك، وإلّا فالقرو أسفل نخلة ينجر ويقوّب وينتبذ فيه. وقال الأعشى: [من السريع] أرمي بها البيد إذا أعرضت ... وأنت بين القرو والعاصر «٣» في مجدل شيّد بنيانه ... يزلّ عنه ظفر الطّائر «٤» ٤١٣-[أحجيّة في الكلب] وممّا يحاجي به النّاس بعضهم بعضا أن يقولوا: أتعرفون شيئا إذا قام كان أقصر منه إذا قعد؟ يريدون الكلب، لأنّ الكلب قعوده إقعاؤه، وهو إذا أقعى كان أرفع لسمكه، وأرفع في الهواء طولا منه إذا قام. وقال عمر بن لجأ: [من الرجز] عليه حنوا قتب مستقدم ... مقع كإقعاء الكليب المعصم «٥»

стр. 360

ويقال أقعى الكلب إقعاء، ولا يقال قعد ولا جلس، وفي الحديث: «أنّه نهى أن يقعي أحدهم في الصلاة إقعاء الكلب» «١» . ٤١٤-[معرفة فتاء الكلب وهرمه] قال صاحب الكلب: يعرف فتاء الكلب وهرمه بالأسنان، فإذا كانت سوداء كانت دليلا على كبره، وإذا كانت بيضا حادّة دلّت على الفتاء والحداثة. وقال: أسنان الذّكر أكثر. ٤١٥-[أصناف الحيوان الموصوفة بشدة المماضيغ] وأصناف الحيوان المشقوقة الأفواه كالكلب والأسد والفهد موصوفات بشدّة المماضيغ والفكّ والخراطيم. كالكلب والخنزير والذئب، فأشبه الكلب الأسد في شحو الفم واتّساعه، وعلى أنّ شحو فمه على مقدار جسمه، وأشبه الذّئب والخنزير في طول الخطم وامتداد الخرطوم، ولذلك كان شديد القلب، جيّد الاسترواح. فجمع الكلب دون هذه الأصناف ما يصلح للرضّ والحطم، كما جمع ما يصلح للابتلاع والالتهام والحطم والاستمراء. ٤١٦-[بعض ما قيل في الأسد] والأسد حريص واسع الشّحو، فهو يبتلع البضعة التي لو رآها الإنسان لم يظنّ أنّ حلقه يتّسع لمرور ذلك. ويقال إنّ عنقه عظم واحد واللّقم لا تجول فيه، وهو في ذلك قليل الرّيق، فلا يسلس في حلقه ما يمرّ فيه، بل يبتلع لفرط نهمه وشحو لحييه ضعفي ذلك المقدار. وقد زعم ناس أنّ الذي يدلّ على أنّ عنق السبع عظم واحد، ضعفه عن تصريفه عنقه، فلا يلتفت إلّا معا، فيسمّى الأصيد. ٤١٧-[أسنان الذئب والأفاعي] وقال جران العود في الذئب: [من البسيط] شدّ المماضغ منه كلّ ملتفت ... وفي الذّراعين والخرطوم تسهيل «٢»

стр. 361

وقالوا في أسنان الذئب وفي أسنان بعض الحيّات بأنّها ممطولة «١» في الفكّين، يذهب إلى أنّه عظم مخلوق في الفك، وأنّه لا يثغر. وأنشدوا: [من السريع] مطلن في اللّحيين مطلأ إلى ... رأس وأشداق رحيبات والحيّات توصف بسعة الأشداق، والأفاعي خاصّة هي المنعوتة بذلك. وقال الشاعر- وهو جاهلي-: [من الكامل] خلقت لهازمه عزين ورأسه ... كالقرص فلطح من طحين شعير «٢» ويدير عينا للوقاع كأنها ... سمراء طاحت من نفيض برير «٣» وكأنّ شدقيه إذا استعرضته ... شدقا عجوز مضمضت لطهور ٤١٨-[مما أشبه فيه الكلب الإنسان والأسد] وممّا أشبه فيه الكلب الإنسان والأسد، أنّ كلّ واحد من هذه الأجناس إنّما له بطن واحد، وبعد البطن المعى، إلا أنّ بعض بطنها أعظم من بعض، ويناسبها في الذي ذكرنا الذئب والدّبّ، فما أكثر ما يناسبان الكلب، فلذلك صارا يتناكحان ويتلاقحان. وهذا قول صاحب المنطق. قال: وأمعاء الكلب أشبه شيء بأمعاء الحيّة، وهذا أيضا مما يزيد في قدره، لأنّه إمّا أن يشبه الإنسان، وإمّا أن يشبه رؤساء السباع ودواهي الحشرات، وكلّما كانت هذه المعاني فيه أكثر كان قدره أكبر. ٤١٩-[احتلام الحيوان] قال: والكلب يحلم ويحتلم، وكذلك الفرس والحمار، والصبيّ يحلم ولا يحتلم، والثّور في هذا كله كالصبيّ. ويعرف ذلك في الكلب إذا تفزّع وأنعظ. وزعم أنّ الاحتلام قد عوين من الفرس والبرذون والحمار. ٤٢٠-[الحيوان الذي يطاول عند السفاد] قالوا: وليس العظال والتحام الفرجين إلّا في الكلب والذئاب، ومن أراد أن يفرّق بين الكلاب إذا تعاظلت وتسافدت رام أمرا عسيرا.

стр. 362

قالوا: والحيوان الذي يطاول عند السّفاد معروف، مثل الكلب والذئب والعنكبوت والجمل، وإن لم يكن هناك التحام. وإذا أراد العنكبوت السفاد جلبت الأنثى بعض خيوط نسجها من الوسط، فإذا فعلت ذلك فعل الذكر مثل ذلك، فلا يزالان يتدانيان حتى يتشابكا فيصير بطن الذّكر قبالة بطن الأنثى. وذلك شبيه بعادات الضفادع. ٤٢١-[تلاحم الذئب والذئبة عند السفاد] وقال أبو الحسن عن بعض الأعراب، قال «١» : إذا هجم الرّجل على الذّئب والذّئبة وهما يتسافدان، وقد التحم الفرجان، قتلهما ذلك الهاجم عليهما كيف شاء، لأنّهما قليلا ما يوجدان كذلك، لأنّ الذئب وحشيّ جدّا وشهيّ «٢» جدّا، صاحب قفرة «٣» وخلوة، وانفراد وتباعد، وإذا أراد الذّئبة توخّى موضعا من القفار لا يطؤه الأنيس، خوفا على نفسه، وضنّا بالذي يجد في المطاولة من اللّذة. وحدّثني أحمد بن المثنّى قال: خرجت إلى صحراء خوخ لجناية جنيتها وخفت الطّلب، وأنا شابّ، إذ عرض لي ذئب فكنت كلّما درت من شقّ استدار بي، فإذا درت له دار من خلفي، وأنا وسط برّيّة لا أجد معينا إلّا بشيء أسند إليه ظهري، وأصابني الدّوار، وأيقنت بالهلكة. فبينا أنا كذلك وقد أصابني ما أصابني- وذلك هو الذي أراده الذّئب وقدّره- إذا ذئبة قد عرضت، وكان من الصّنع وتأخير الأجل أنّ ذلك كان في زمن اهتياجها وتسافدها، فلما عاينها تركني وقصد نحوها، فما تلعثم «٤» أن ركبها. وقد كنت قرأت في بعض الكتب أنّها تلتحم، ففوّقت سهمي وهما ينظران إليّ، فلمّا لم أر عندهما نكيرا حقّق ذلك عندي ما كان في الكتاب من تلاحمهما، فمشيت إليهما بسيفي حتّى قتلتهما. ٤٢٢-[زمان تلاقح الكلاب والخنازير] قال: ومما يعدّ للكلاب أنّها كثيرا ما تلقح وتلقح لحال الدّفء أو الخصب، والكلب والخنزير في ذلك سواء، ولا يكاد غيرهما من الأصناف يتلاقح في ذلك الزمان. فالكلب كما ترى ينازع أيضا مواضع الإساءة والمحاسن في جميع الحيوان.

стр. 363

٤٢٣-[أسوأ ما يكون الحيوان خلقا] قال: وإناث الكلاب تصعب أخلاقها إذا كان لها جراء. وكلّ شيء له بيض أو جراء أو فراخ فأسوأ ما يكون خلقا وأنزق وأكثر ما يكون أذى وأعرم- إذا كان كذلك، إلّا إناث البقر. والكلب كلما كان أسنّ كان صوته أجهر وأغلظ. ٤٢٤-[سن تزاوج الكلاب] قال: والكلب ينزو إذا تمّت له ستّة أشهر، وربّما كان ذلك منه وهو ابن ثمانية أشهر. والكلبة الأنثى تحمل واحدا وستين يوما، أطول ما يكون، ولا تضع قبل أن يتمّ لحملها ستّون يوما، ولا يبقى الجرو ولا يثربّى إذا قصّر عن ذلك، والأنثى تصلح أن ينزى عليها بعد ستّة أشهر ٤٢٥-[ولد البكر أصغر جثة] والكلبة والحجر «١» والمرأة وغير ذلك، يكون أوّل نتاجها أصغر جثّة، وكذلك البيض إذا كان بكرا، وكذلك ما يخرج منه من فرّوج أو فرخ. ٤٢٦-[سفاد الكلاب] وذكور الكلاب تهيج قبل الإناث في السّنّ، والإناث تهيج قبلها في وقت حركتها، وكلما تأخّر وقت الحدث إلى تمام الشّباب كان أقوى لولده. والكلاب لا تريد السّفاد عمرها كله، بل إلى وقت معلوم. وهي تلقح إلى أن تبلغ ثماني عشرة سنة، وربما انتدرت الكلبة فبلغت العشرين. والكلاب أجناس كثيرة: الكلب السلوقيّ يسفد إذا كان ابن ثمانية أشهر، والأنثى تطلب ذلك قبل الثمانية، وذلك عند شغور الذكر ببوله. والكلبة تحمل من نزو واحد. وقد عرف ذلك الذين عرفوا الكلاب وحضروا ليعرفوا ذلك. قال: والكلبة السّلوقيّة تحمل سدس السنة ستّين يوما، وربّما زادت على ذلك يوما أو يومين. والجرو إذا وضع يكون أعمى اثني عشر يوما ثمّ يبصر، والكلبة تسفد بعد وضعها في الشهر الثاني، ولا تسفد قبل ذلك.

стр. 364

ومن إناث الكلاب ما تحمل خمس السنة، يعني اثنين وسبعين يوما، وإذا وضعت الجراء تكون عمياء اثنين وعشرين يوما. ومن أصناف الكلاب ما يحمل ربع السنة، أعني ثلاثة أشهر، وتضع جراء وتبقى كذلك سبعة عشر يوما، ثمّ ترضع جراءها على عدد أيّامها التي لا تبصر فيها. وزعم أنّ إناث الكلاب تحيض في كلّ سبعة أيام «١» ، وعلامة ذلك ورم أثفارها، ولا تقبل السفاد في ذلك الوقت، بل في السبعة التي بعدها ليكون ذلك تمام أربعة عشر يوما أكثر ما يكون، وربما كان كذلك لتمام ستّة عشر يوما. قالوا: وإناث الكلاب تلقي بعد وضع الجراء رطوبة غليظة بلغميّة، وإذا وضعتها بعد الجراء اعتراها هزال، وكذلك عامّة الإناث. ولبنها يظهر في أطبائها قبل أن تضع بخمسة أيام أكثر ذلك. وربما كثر اللبن في أطبائها قبل ذلك بسبعة أيام، وربّما كان ذلك في مقدار أربعة أيام. ولبنها يظهر ويجود إذا وضعت من ساعتها. قال: فأمّا السلوقيّة فيظهر لبنها بعد حملها بثلاثين يوما، ويكون لبنها أوّل ما تضع غليظا، فإذا أزمن رقّ ودقّ. ولبن الكلاب يخالف لبن سائر الحيوان بالغلظ، بعد لبن الخنازير والأرانب. وقد تكون علامة مبلغ سفادها مثل ما يعرض للنّساء من ارتفاع الثّديين. ومعرفة ذلك عسيرة، وهذه علامات تظهر لأناث الكلاب. وذكورة الكلاب ترفع أرجلها وتبول لتمام ستّة أشهر، ومنها ما لا يفعل ذلك إلى أن يبلغ ثمانية أشهر، ومنها ما يعجّل قبل ذلك. قال: ونقول بقول عامّ إنّ الذكور تفعل ذلك إذا قويت، فأمّا الإناث فهي تبول مقعية، ومنها ما تشغر. وأكثر ما تضع الكلبة اثنا عشر جروا، وذلك في الفرط، وأكثر ذلك الخمسة والسّتة، وربّما وضعت واحدا «٢» . فأمّا إناث السلوقّية فهي تضع ثمانية أجراء، وإناثها وذكورها تسفد ما بقيت، ويعرض للكلاب السلوقيّة عرض خاصّ: وهي أنّها كلّما بقيت كانت أقوى على السّفاد. ٤٢٧-[أعمار الكلاب] وذكورة السلوقيّة تعيش عشر سنين، والإناث تعيش اثنتي عشرة سنة، وأكثر أجناس الكلاب تعيش أربع عشرة سنة. وبعض الأجناس تبقى عشرين سنة «٣» .

стр. 365

قال: وإناث الكلاب أطول أعمارا من الذكور، وكذلك هي في الجملة، وليس يلقي الكلب من أسنانه سنّا ما خلا النّابين، وإنّما يلقيهما إذا كان ابن أربعة أشهر. قال: ومن أجل أنّ الكلاب لا تلقي غير هذين النّابين يشكّ بعض الناس أنها لا تلقى سنّا البتّة. ٤٢٨-[أمراض الكلاب] قال «١» : وللكلاب ثلاثة أصناف من المرض، وأسماؤها: الكلب بفتح اللام، والذبحة، والنقرس. والكلب جنون، فإن عرض لشيء من الحيوان كلب أيضا أماته، ما خلا الإنسان. وهو داء يقتل الكلاب، وتقتل به الكلاب كلّ شيء عضّته، إلّا الإنسان فإنّه يعالج فيسلم. قال: وداء الكلب يعرض للحمار، فأمّا الجنون وذهاب العقل فإنّه يصيب كلّ شيء، فمن ذلك ما يصيب الدوابّ، فإنّ منها ما يصرع كما يصرع المجنون. والسائس من الدواب: الذاهب العقل. ٤٢٩-[صرع أعين الطبيب] وقد كان شأن أعين الطبيب عجبا، وذلك أنّه كان يصرع، واتّفق أنّه كان له بغل يصرع، فكان ربّما اتّفق أن يصرعا جميعا «٢» ! وقد رأى ذلك كثير من أصحابنا البصريّين. ٤٣٠-[الصّرع عند الحيوان] والصّرع عامّ في الحيوان، ليس يسلم منه صنف منها حتّى لا يعرض له منه شىء. والإنسان فوق جميع الحيوان تعذيبا، وكذلك هو في العقل والمعرفة والاحتيال له، مع دفع المضرّة واجتلاب المنفعة، وما أكثر ما يعتريهم ذلك. ومن ذلك ما يذهب، ومن ذلك ما لا يذهب. ٤٣١-[صرع الفضلاء] وقد كان بختيشوع المتطبّب عرض له ذلك، وقد كان عرض لعبد الملك بن قريب فذهب عنه. وربّما عرض للرّجل الذي لا يظنّ به ذلك في بيان ولا تبيين، ولا

стр. 366

في أدب، ولا في اعتدال من الأخلاط، والصحّة من المزاج، ثمّ لا يعرض من ذلك إلّا ما لا حيلة له فيه، كما كان يعرض لبشر بن أبي عمرو بن العلاء النحويّ المازنيّ وكما عرض لعبد الرحمن ومنصور الأسدّيين، فما زالا كذلك حتّى ماتا، ولم يبلغنا أنهما صرعا. ٤٣٢-[الموتة] والموتة «١» جنس من الصّرع، إلّا أنّ صاحبه إذا أفاق عاد إلى كمال عقله كالنائم والسكران والمغشيّ عليه، وإن عاش صاحب الموتة في ذلك مائة عام. وليس يلقى شيء من الحيوان في هذا الباب كما يلقى الورشان. ٤٣٣-[تباين درجات السّكر لدى الحيوان] وأمّا السّكر فليس شيء من الحيوان إلّا وهو يسكر، واختلاف سكره كاختلاف سكر الإنسان، فإنّ من الناس من تراه يتحدّث وهو يشرب فلا تنكر منه شيئا، حتّى يغلب عليه نوم السّكر ضربة واحدة، ومنهم من تراه والنبيذ يأخذ منه الأوّل فالأوّل، وتراه كيف تثقل حركته، ويغلظ حسّه ويتمحّق، حتى يطيش عليه السّكر بالعبث، ويطبق عليه النوم. ومنهم من يأخذه بالعبث لا يعدوه. ومنهم من لا يرضى بدون السّيف، وإلا بأن يضرب أمّه ويطلّق امرأته. ومنهم من يعتريه البكاء، ومنهم من يعتريه الضّحك، ومنهم من يعتريه الملق والتّفدية، والتّسليم على المجالس، والتّقبيل لرؤوس الناس، ومنهم من يرقص ويثب، ويكون ذلك على ضربين: أحدهما من العرض «٢» وفضل الأشر «٣» ، والآخر تحريك المرارة، وهي علّة الفساد وهيجان الآفة. وكلّ هذه الحالات والصّور، والعنوت، والأجناس، والتوليد، الذي يختلف في طبائع الناس، وطبائع الأشربة؛ وطبائع البلدان والأزمان والأسنان، وعلى قدر الأعراق والأخلاق، وعلى قدر القلّة والكثرة، وعلى قدر التصريف والتوفيق، قد وجدوه في جميع أصناف الناس والحيوان، إلّا أنّ في الناس واحدة لم توجد في سائر الحيوان قط، فإنّ في الناس من لا يسكر البتّة، كان [منهم] محمد بن الجهم وأبو عبد الله العمّيّ.

стр. 367

وكان بين عقل زبيد بن حميد إذا شرب عشرة أرطال، وبين عقله إذا ابتدأ الشرب، مقدار صالح. ٤٣٤-[سكر العمّي] وإمّا العمّيّ فإنّ بني عبد الملك الزياديّين دعوني مرّة ليعجّبوني منه، ولم ينبّهوني على هذه الخاصّة التي فيه، لأكون أنا الذي أنتبه عليه، فدخلت على رجل ضخم فدم «١» غليظ اللسان، غليظ المعاني، عليه من الكلام أشل المؤنة، وفي معانيه اختلاف، ليس منها شيء يواتي صاحبه ولا يعاونه ولا يشاركه ولا يناسبه، وحتّى ترى أنّ أذنه في شقّ ولسانه في شقّ، وحتّى تظنّ أنّ كلامه كلام محموم أو مجنون، وأنّ كلّ واحد منهما يقطع نظام المعاني، ويخلط بين الأسافل والأعالي. فشرب القوم شرب الهيم «٢» ، وكانت لهم أجساد مدبرة، وأجواف منكرة، وكنت كأنّي رجل من النّظّارة. فما زال العمّيّ يشرب رطلا، ويرقّ لسانه، وينحلّ عقده «٣» ، ويصفو ذهنه، ويذهب كدره. ولو قلت إنّي لم أر مثله حسن نفس كنت صادقا. فالتفت إليّ القوم أجمعهم فقالوا: لولا هذا العجب ما عجّبناك اليوم مع حداثة عهدنا بك. وزعم العمّيّ وكان كثير المنازعة عند القضاة، أنّه كان إذا قارب العشرة الأرطال ثمّ نازع الخصوم، كان ذلك اليوم الذي يفوت فيه ذرع الخصوم «٤» للحن بحجّته «٥» ، ويستميل فيه رأي القاضي المنعقد في مجلسه الطويل، القطوب في وجه من نازع إليه. وقال الشاعر: [من الطويل] وجدت أقلّ النّاس عقلا إذا انتشى ... أقلّهم عقلا إذا كان صاحيا «٦» تزيد حسى الكاس السّفيه سفاهة ... وتترك أخلاق الرّجال كما هيا «٧» قال: وهذا شعر بعض المولّدين، والأعاريب لا تخطئ هذا الخطأ؛ قد رأينا أسفه الناس صاحيا أحلم الناس سكران؛ وهو مرداس صاحب زهير، ورأينا أحسن

стр. 368

النّاس خلقا وأوزنهم حلما، حتّى إذا صار في رأسه رطل كان أخفّ من فراشة «١» ، وأكثر نزوا من جرادة رمضة «٢» ، فإنّ المثل بها يضرب. ٤٣٥-[سبب ما له عرف المعتزلة سكر البهائم] وكان سبب ما له عرف أصحابنا سكر البهائم. أنّ محمّد بن عليّ بن سليمان الهاشميّ لمّا شرب على علّويه كلب المطبخ، وعلى الدّهمان، وعلى شرّاب البصريّين، وعلى كلّ من نزع إليه من الأقطار، وتحدّاه من الشرّاب الجوادّ من الشّرّاب، أحبّ أن يشرب على الإبل من البخاتيّ والعراب، ثمّ على الظّلف من الجواميس والبقر، ثم على الخيل العتاق والبراذين، فلمّا فرغ من كلّ عظيم الجثة واسع الجفرة «٣» . صار إلى الشاء والظّباء، ثمّ صار إلى النّسور والكلب وإلى ابن عرس، وحتّى أتاهم حاو فأرغبوه، فكان يحتال لأفواه الحيّات حتّى يصبّ في حاقّ «٤» أجوافها بالأقماع المدنيّة، وبالمساعط، ويتّخذ لكلّ شيء شكله، وكان ملكا تواتيه الأمور، وتطيعه الرجال، فأبصروا تلك الاختلافات في هذه الأجناس المختلفة. ٤٣٦-[نعت النّظام] فخبّرني أبو إسحاق إبراهيم النّظام، وقد كان جالسه حينا- وكان إبراهيم مأمون اللّسان، قليل الزّلل والزّيغ في باب الصدق والكذب. ولم أزعم أنّه قليل الزّيغ والزّلل على أنّ ذلك قد كان يكون منه وإن كان قليلا، بل إنّما قلت على مثل قولك: فلان قليل الحياء، وأنت لست تريد هناك حياء البتة، وذلك أنّهم ربّما وضعوا القليل في موضع ليس. وإنما كان عيبه الذي لا يفارقه سوء ظنّه، وجودة قياسه على العارض والخاطر والسابق الذي لا يوثق بمثله. فلو كان بدل تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي كان قاس عليه أمره على الخلاص، ولكنّه كان يظنّ ثمّ يقيس عليه وينسى أنّ بدء أمره كان ظنّا فإذا أتقن ذلك وأيقن، جزم عليه، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحّة معناه. ولكنّه كان لا يقول سمعت، ولا رأيت. وكان كلامه إذا خرج مخرج الشّهادة القاطعة لم يشكّ السامع أنّه إنّما حكى ذلك عن سماع قد امتحنه، أو عن معاينة قد بهرته.

стр. 369

٤٣٧-[الظبي أملح الحيوان سكرا] فحدّثني إبراهيم قال: شهدت أكثر هذه التّجرية التي كانت منهم في إسكار البهائم وأصناف السباع، ولقد احتال لأسد مقلّم الأظفار ينادى عليه: العجب العجب!! حتى سقاه وعرف مقداره في الاحتمال، فزعم، أنّه لم يجد في جميع الحيوان أملح سكرا من الظّبي. ولولا أنّه من الترفّه لكنت لا يزال عندي الظّبي حتّى أسكره وأرى طرائف ما يكون منه. ٤٣٨-[التعلم والجرأة عند بعض الحيوان] قال: وإناث الكلاب السّلوقيّة أسرع تعلّما من الذّكورة. قال: وجميع أصناف السباع ذكورتها أجرأ وأمضى وأقوى، إلّا الفهدة والذّيبة. والعامّة تزعم أنّ اللّبؤة أجرأ من الأسد، وليس ذلك بشيء، وهو أنزق وأحدّ، وأفرق من الهجهجة «١» ، وأبعد من التصميم وشدّة الصّولة. ٤٣٩-[بين عروة بن مرثد وكلب حسبه لصّا] قال بشر بن سعيد «٢» : كان بالبصرة شيخ من بني نهشل يقال له عروة بن مرثد، نزل ببني أخت له في سكّة بني مازن، وبنو أخته من قريش، فخرج رجالهم إلى ضياعهم وذلك في شهر رمضان، وبقيت النّساء يصلّين في مسجدهم، فلم يبق في الدار إلّا كلب يعسّ، فرأى بيتا فدخل وانصفق الباب، فسمع الحركة بعض الإماء فظّنوا أنّ لصّا دخل الدار فذهبت إحداهنّ إلى أبي الأعزّ، وليس في الحيّ رجل غيره، فأخبرته فقال أبو الأعزّ: ما يبتغي اللصّ منّا؟! ثمّ أخذ عصاه وجاء حتّى وقف على باب البيت فقال: إيه يا ملأمان «٣» ! أما والله إنّك بي لعارف، وإنّي بك أيضا لعارف، فهل أنت إلا من لصوص بني مازن، شربت حامضا خبيثا، حتّى إذا دارت الأقداح في رأسك منّتك نفسك الأماني، وقلت دور بني عمرو، والرّجال خلوف، والنّساء يصلّين في مسجدهنّ، فأسرقهنّ! سوءة والله، ما يفعل هذا الأحرار! لبئس والله ما منّتك نفسك! فاخرج وإلّا دخلت عليك فصرمتك منّي العقوبة! لايم الله لتخرجنّ أو لأهتفنّ هتفة مشؤومة عليك، يلتقي فيها الحيّان: عمرو وحنظلة، ويصير أمرك إلى

стр. 370

تباب، ويجيء سعد بعدد الحصى، ويسيل عليك الرّجال من هاهنا وهاهنا!! ولئن فعلت لتكوننّ أشأم مولود في بني تميم!! فلما رأى أنّه لا يجيبه أخذه باللّين وقال: اخرج يا بنيّ وأنت مستور، إنّي والله ما أراك تعرفني، ولو عرفتني لقد قنعت بقولي واطمأننت إليّ، أنا عروة بن مرثد أبو الأعزّ المرثديّ، وأنا خال القوم وجلدة ما بين أعينهم لا يعصونني في أمر، وأنا لك بالذّمة كفيل خفير، أصيّرك بين شحمة أذني وعاتقي لا تضارّ، فاخرج فأنت في ذمّتي، وإلا فإنّ عندي قوصرّتين «١» إحداهما إلى ابن أختي البارّ الوصول. فخذ إحداهما فانتبذها حلالا من الله تعالى ورسوله ﷺ . وكان الكلب إذا سمع الكلام أطرق، وإذا سكت وثب يريغ المخرج، فتهافت الأعرابيّ، أي تساقط «٢» ، ثمّ قال: يا ألأم الناس وأوضعهم، ألا يأني لك أنّا منذ الليلة في واد وأنت في آخر، إذا قلت لك السّوداء والبيضاء تسكت وتطرق، فإذا سكتّ عنك تريغ المخرج؟! والله لتخرجنّ بالعفو عنك أو لألجنّ عليك البيت بالعقوبة! فلما طال وقوفه جاءت جارية من إماء الحيّ فقالت: أعرابيّ مجنون!! والله ما أرى في البيت شيئا!! ودفعت الباب فخرج الكلب شدّا، وحاد عنه أبو الأعزّ مستلقيا، وقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا، وكفاني منك حربا!! ثم قال: تالله ما رأيت كاللّيلة، ما أراه إلّا كلبا!! أما والله لو علمت بحاله لو لجت عليه. ٤٤٠-[خصال الديك] قال صاحب الديك: في الدّيك الشّجاعة، وفي الديك الصّبر عند اللّقاء، وهم لا يجدون الصّبر تحت السّياط والعصا، إلّا أن يكون ذلك موصولا بالصّبر في الحرب على وقع السّلاح. وفي الدّيك الجولان، وهو ضرب من الرّوغان، وجنس من تدبير الحرب، وفيه الثّقافة والتسديد «٣» ؛ وذلك أنّه يقدّر إيقاع صيصيته «٤» بعين الديك الآخر ويتقرّب إلى المذبح فلا يخطئ. وهم يتعجّبون من الجزّار، ويضربون به المثل إذ كان لا يخطئ اللّبّة، ومن اللحّام إذا كان لا يخطئ المفصل، ولذلك قالوا في المثل: «يطبّق المحزّ ولا يخطئ

стр. 371

المفصل!» «١» . وهذا القول يذمّون به ويمدحون. والديك في ذلك أعجب، وله مع الطّعنة سرعة الوثبة، والارتفاع في الهواء. وسلاحه طرير «٢» ، وفي موضع عجيب، وليس ذلك إلّا له، وبه سمّى قرن الثور صيصية، ثم سمّوا الآطام «٣» التي كانت بالمدينة للامتناع بها من الأعداء صياصي، قال الله : وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ «٤» . والعرب تسمّي الدّارع وذا الجنّة «٥» صاحب سلاح، فلما كان اسم سلاح الديك وما يمتنع به صيصية، سمّوا قرن الثور الذي يجرح صيصية. وعلى أنّه يشبّه في صورته بصيصية الديك وإن كان أعظم. ثمّ لمّا وجدوا تلك الآطام معاقلهم وحصونهم وجنّتهم، وكانت في مجرى التّرس والدرع والبيضة، أجروها مجرى السلاح، ثم سمّوها صياصي. ثمّ أسموا شوكة الحائك التي بها تهيّأ السّداة واللّحمة صيصية إذ كانت مشبّهة بها في الصورة، وإن كانت أطول شيئا؛ ولأنّها مانعة من فساد الحوك والغزل؛ ولأنّها في يده كالسلاح، متى شاء أن يجأ بها إنسانا وجأه به «٦» . وقال دريد بن الصّمّة: [من الطويل] نظرت إليه والرّماح تنوشه ... كوقع الصّياصي في النّسيج الممدّد «٧» ٤٤١-[استطراد لغوي] وقد تسمّي العرب إبرة العقرب شوكة، كما تسمّي صيصية الديك شوكة، وهي من هذا الوجه شبيهة بشوك النّخل. ويقال لمن ضربته الحمرة. قد ضربته الشّوكة؛ لأنّ الشّوكة إذا ضربت إنسانا، فما أكثر ما تعتريه من ذلك الحمرة.

стр. 372

وقد قال القطاميّ في تسمية إبرة العقرب شوكة: [من الطويل] سرى في جليد الأرض حتّى كأنّما ... تخزم بالأطراف شوك العقارب «١» وتوصف الحجر «٢» وتشبّه بالشّوكة؛ لأنّ الشّوكة غليظة المآخر، لطيفة المقادم. والشّوك والسّلّاء سواء. وقال في ذلك علقمة بن عبدة يصف الحجر: [من البسيط] سلّاءة كعصا النّهديّ غلّ لها ... ذو فيئة من نوى قرّان معجوم «٣» ومن سمّى إبرة العقرب حمة فقد أخطأ. وإنّما الحمة سموم ذوات الشعر كالدّبر «٤» والزّنابير، وذوات الأنياب والأسنان كالأفاعي وسائر الحيات، وسموم ذوات الإبر من العقارب. فأمّا البيش «٥» وما أشبهه من السّموم، فليس يقال له حمة. وها هنا أمور لها سموم في خراطيمها، كالذّبّان والبعوض وأشياء من الحشرات تعضّ وربّما قتلت، كالشّبث «٦» وسامّ أبرص. والطّبّوع «٧» شديد الأذى، والرّتيلاء «٨» ربما قتلت، والضّمج» دون ذلك، وعقارب طيّارة: ولم نرهم يسمّون جميع السّموم بالحمة، فقلنا مثل ما قالوا، وانتهينا إلى حيث انتهوا. وقد يعرف بعض النّاس بأنّه متى عضّ قتل، كان منهم صفوان أبو جشم الثّقفيّ، وداود القرّاد. وسيقع هذا الباب في موضعه على ما يمكننا إن شاء الله تعالى. والناس يسمّون الرّجل إذا بلغ من حرصه ألّا يدع ذكرا، غلاما كان أو رجلا،

стр. 373

وخصيّا كان أو فحلا، إلّا نكحه من فرط غلمته، ومن قوّة فحلته: صيصية. ويقولون: ما فلان إلا صيصية، وهو عندهم اسم لمن اشتدّ لواطه؛ تشبيها منهم بصيصية الديك في الحدّة والصّلابة. ٤٤٢-[مزايا الديك] وللديك انتصابه إذا قام، ومباينته صورة في العين لصورة الدجاجة، وليس هذا الفرق الواضح من جميع الإناث والذكور موجودا إلّا فيه، وليس ذلك للحمام والحمامة، ولا للحمار والحمارة، ولا للبرذون والرّمكة «١» ولا للفرس والحجر «٢» ، ولا للجمل والنّاقة؛ وليس ذلك إلّا لهذه الفحولة لأنّها كالرّجل والمرأة، والتّيس والظبية، والدّيك والدّجاجة وكالفحّال والنخلة المطعمة. ألا ترى أنّك لو رأيت ناقة مقبلة لم تدر أناقة هي أم جمل، حتى تنظر إلى موضع الثّيل والضّرع، وإلى موضع الحيا. وكذلك العنز، وكذلك جميع ما وصفت، إلّا أن يدّعوا أن للعامة أو لبعض الخاصة في ذلك خصوصيّة. ولذلك ضربوا المثل بالتّيس والنخلة والفحّال، فاشتقوا من هذا الفحل. وهذا أيضا من خصال الدّيك. ثمّ للديك لحية ظاهرة، وليست تكون اللّحى إلّا للجمل فإنّه يوصف بالعثنون، وإلّا للتّيس وإلّا للرّجل. وقال الرّاجز في الجمل: [من الرجز] مختلط العثنون كالتّيس الأحمّ ... سام كأنّ رأسه فيه وذم إذ ضمّ من قطريه هياج قطم ثمّ الديك بعد صاحب اللّحية والفرق «٣» . وقالت امرأة في ولدها وزوجها: [من الرجز] أشهب ذي رأس كرأس الديك «٤» أمّا قولها أشهب، فإنّها تريد أنّ شعر جسده قد ابيضّ من الكبر، وإنّما جعلت شعر رأسه كرأس الديك لأنّه كان مخضوب الرأس واللّحية بالحمرة، ثمّ لم ترض له بشبه الرجال من هذا الوجه حتّى جعلت رأسه أفرق، وذلك شيء من الجمال والوقار والفضل، لايتهيّأ للناس مع كمالهم وتمامهم إلّا بالتكلف والاحتيال فيه.

стр. 374

ثمّ يبلغ من شدّة تعجله ومن قوّته على السّفاد، وعلى الباب الذي يفخر به الإنسان إذا كان ذا حظّ منه وهو ممّا يذكي النّفس- كنحو ما ذكر عن التّيس المراطيّ، وكنحو ما تراهم يبركون للبختيّ الفالج عدّة قلاص «١» ، فإذا ضرب الأولى فخافوا عليها أن يحطمها وهو في ذلك قد رمى بمائه مرارا أفلته الرّجال على التي تليه في القرب، حتى يأتي على الثّلاث والأربع على ذلك المثال. وما دعاهم إلى تحويله عن الثالثة إلى الرابعة إلّا تخوفهم من العجز منه. وزعم أبو عبد الله الأبرص العمّيّ، وكان من المعتزلين، أنّ التّيس المراطي قرع في أول يوم من أوّل هيجة نيّفا وثمانين قرعة. والنّاس يحكون ما يكون من العصفور في الساعة الواحدة من العدد الكثير. والنّاس يدخلون هذا الشكل في باب الفضل، وفي باب شدّة العجلة وتظاهر القوّة. والديك يكون له وحده الدّجاج الكثير، فيوسعها قمطا وسفادا. وقد قلنا في حالة البيض الكثير التّرابي وقلبه إيّاه بسفاد إلى الحيوانيّة. وعلى أنّ الذي يخصيه إنّما يخرج له من بين الزّمكّي «٢» وموضع القطاة «٣» بيضتين عظيمتين معروفتين. وأنا رأيت ديكا هنديّا تسنّم دجاجة هنديّة فلم يتمكّن منها، فرأيت نطفته حين مجّها- وقد زلق عن ظهرها- على مدرة «٤» ، وكانت الدار مثارة «٥» لتجعل بستانا، فإذا تلك المجّة كالبزقة البيضاء، فأخذها بعض من كان معنا فشمّها حين رأى بياضها وخثورتها وكدرتها، ليعلم هل تناسب ريحها ريح نطفة الإنسان، وريح طلع الفحّال، فلم يجد ذلك. ثمّ معرفة الدّيك باللّيل وساعاته، وارتفاق بني آدم بمعرفته وصوته: يعرف آناء الليل وعدد الليل وعدد السّاعات، ومقادير الأوقات، ثمّ يقسّط أصواته على ذلك تقسيطا موزونا لا يغادر منه شيئا. ثمّ قد علمنا أنّ اللّيل إذا كان خمس عشرة ساعة

стр. 375

أنّه يقسّط أصواته المعروفة بالعدد عليها، كما يقسطها والليل تسع ساعات، ثمّ يصنع فيما بين ذلك من القسمة وإعطاء الحصص على حساب ذلك. فليعلم الحكماء أنّه فوق الأسطرلاب، وفوق مقدار الجزر والمدّ على منازل القمر، وحتّى كأنّ طبعه فلك على حدة. فجمع المعرفة العجيبة والرّعاية العجيبة. وربّ معرفة تكون نبيلة وأخرى لا تكون في طريق النّبالة. وإن كانت المعارف كلّها مفصّلة مقدّرة، إلّا أنّها في منازل ومراتب. وليس في الأرض معرفة بدقيق ولا جليل وهي في نفسها شريفة كريمة. والمعرفة كلّها بصر، والجهل كله عمى، والعمى كلّه شين ونقص، والاستبانة كلّها خير وفصل. ثمّ له بعد ذلك ارتفاق الناس بهذا المعنى منه. ومن ذلك بعد صوته، وأنّه يدلّ على أنّ موضعه مأهول مأنوس، ولذلك قالوا: لا يكون البنيان قرية حتّى يصقع فيها ديك. وليس في الأرض طائر أملح ملحا من فرّوج، وليس ذلك الاسم إلّا لولد الديك، وإلّا فكلّ شيء يخرج من البيض فإنّما هو فرخ والفرّوج حين تنصدع عنه البيضة، يخرج كاسبا عارفا بموضع لقط الحب وسدّ الخلّة، وهو أصيد للذّباب من السّودانيّ «١» ، ويدرج مع الولادة بلا فصل. وهذا مع ما أعطى من محبّة النساء، ورحمة الرجال، وحسن الرّأي من جميع الدار، ثم اتّباعه لمن دعاه، وإلفه لمن قرّبه. ثمّ ملاحة صوته وحسن قدّه، ثمّ الذي فيه ممّا يصحّ له الفروج ويتفرّج فيه. ٤٤٣-[تفضيل الديك على الطاوس] وكان جعفر بن سعيد، يزعم أنّ الدّيك أحمد من الطاوس، وأنّه مع جماله وانتصابه واعتداله وتقلّعه إذا مشى، سليم من مقابح الطاوس ومن موقه وقبح صورته، ومن تشاؤم أهل الدار به ومن قبح رجليه، ونذالة مرآته. وزعم أنّه لو ملك طاوسا لألبس رجليه خفّا. وكان يقول: وإنّما يفخر له بالتّلاوين، وبتلك التعاريج التي لألوان ريشه. وربّما

стр. 376

رأيت الدّيك النّبطيّ وفيه شبيه بذلك. إلّا إنّ الدّيك أجمل من التّدرج «١» ؛ لمكان الاعتدال والانتصاب والإشراف، وأسلم من العيوب من الطاوس. وكان يقول: ولو كان الطاوس أحسن من الدّيك النّبطي في تلاوين ريشه فقط لكان فضل الديك عليه بفضل القدّ والخرط، وبفضل حسن الانتصاب وجودة الإشراف أكثر من مقدار فضل حسن ألوانه على ألوان الديك، ولكان السليم من العيوب في العين أجمل لاعتراض تلك الخصال القبيحة على حسن الطاوس في عين الناظر إليه. وأوّل منازل الحمد السلامة من الذّمّ. وكان يزعم أنّ قول الناس فلان أحسن من الطاوس، وما فلان إلّا طاوس، وأنّ قول الشاعر: [من الرجز] جلودها مثل طواويس الذّهب «٢» وأنّهم لمّا سمّوا جيش ابن الأشعث الطواويس لكثرة من كان يجتمع فيه من الفتيان المنعوتين بالجمال، إنما قالوا ذلك لأن العامّة لا تبصر الجمال. ولفرس رائع كريم أحسن من كلّ طاوس في الأرض، وكذلك الرّجل والمرأة. وإنّما ذهبوا من حسنه إلى حسن ريشه فقط، ولم يذهبوا إلى حسن تركيبه وتنصّبه، كحسن البازي وانتصابه، ولم يذهبوا إلى الأعضاء والجوارح وإلى الشّيات والهيئة، والرأس والوجه الذي فيه. وكان جعفر يقول: لمّا لم يكن في الطاوس إلّا حسنه في ألوانه، ولم يكن فيه من المحاسن ما يزاحم ذلك ويجاذبه وينازعه ويشغل عنه، ذكر وتبيّن وظهر. وخصال الديك كثيرة، وهي متكافئة في الجمال. ونقول: لم يكن لعبد المطّلب في قريش نظير، وكما أنّه ليس للعرب في النّاس نظير؛ وذلك حين لم تكن فيه خصلة أغلب من أختها، وتكاملت فيه وتساوت، وتوافت إليه فكان الطّبع في وزن المعرفة، فقالوا عند ذلك: سيّد الأبطح وسيّد الوادي وسيّد قريش. وإذا قالوا سيّد قريش فقد قالوا سيّد العرب، وإذا قالوا سيّد العرب فقد قالوا سيّد الناس. ولو كان مثل الأحنف الذي برع في حلمه وبرع في سائر خصاله لذكروه بالحلم؛ ولذلك ذكر قيس بن زهير في الدّهاء، والحارث بن ظالم في الوفاء، وعتيبة ابن الحارث في النّجدة والثّقافة.

стр. 377

ولو أنّ الأحنف بن قيس رأى حاجب بن زرارة، أو زرارة بن عدس، أو حصن بن حذيفة، لقدّمهم على نفسه. وهؤلاء عيون أهل الوبر لا يذكرون بشيء دون شيء لاستواء خصال الخير فيهم. وفي منحول شعر النابغة: [من الوافر] فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون «١» وليس لهذا الكلام وجه، وإنّما ذلك كقولهم كان داود لا يخون، وكذلك كان موسى لا يخون ﵉. وهم وإن لم يكونوا في حال من الحالات أصحاب خيانة ولا تجوز عليهم، فإنّ النّاس إنّما يضربون المثل بالشيء النادر من فعل الرجال ومن سائر أمورهم، كما قالوا: عيسى ابن مريم روح الله، وموسى كليم الله، وإبراهيم خليل الرحمن، صلى الله عليهم وسلم. ولو ذكر ذاكر الصبر على البلاء فقال: كذلك كان أيّوب لا يجزع كان قولا صحيحا. ولو قال: كان كذلك نوح ﵇ لا يجزع لم تكن الكلمة أعطيت حقّها. ولو ذكر الاحتمال وتجرّع الغيظ فقال: وكذلك كان معاوية لا يسفه، وكان حاتم لا يفحش، لكان كلاما مصروفا عن جهته ولو قال: كذلك كان حاتم لا يبخل لكان ذلك كلاما معروفا ولكان القول قد وقع موقعه، وإن كان حاتم لا يعرف بقلّة الاحتمال وبالتّسرّع إلى المكافأة. ولو قال: سألتك فمنعتني وقد كان الشّعبيّ لا يمنع، وكان النّخعيّ لا يقول «لا» ، لكان غير محمود في جهة البيان، وإن كان ممّن يعطي ويختار «نعم» على «لا» . ولكن لمّا لم يكن ذلك هو المشهور من أمرهما لم تصرف الأمثال إليهما، ولم تضرب بهما. قال جعفر: وكذلك القول في الديك وجماله؛ لكثرة خصاله، وتوازن خلاله، ولأنّ جمال الديك لا يلهج بذكره إلّا البصراء بمقادير الجمال والتوسّط في ذلك، والاختلاط والقصد، وما يكون ممزوجا وما يكون خالصا. وحسن الطاوس حسن لا تعرف العوامّ غيره، فلذلك لهجت بذكره.

стр. 378

ومن الدّجاج الخلاسيّ «١» والهنديّ، ومن الدّجاج الزّنجي ومنها الكسكريّ «٢» ، ومن الدّيكة ما يخصى فلا يبلغه في الطّيب والسّمن شيء وإن اشتدّ لحمه. وإن كان غير خصيّ فقد يمدح ذلك من وجه هو أردّ عليه في باب الفخر، من رخاوة اللّحم واستطابة الأكل. وعلى أنّه لو كان أدناه من بعض سباع الطّير، أو عدا خلفه إنسان، فكان يريد أخذه حتّى إذا فسخه البهر ارتدّ في موضعه لا يبرحه، ثم ذبحه على المكان، لجمع به الخصال كلّها. ولو علّق في عنقه حجر ليلته بعد أن ذبحه، أو أولج بطنه شيئا من حلتيت «٣» لجمع به الخصال؛ فإنّه أعمل فيه من البورق وقشور البطّيخ في اللحم المفصّل. وهو بعد غيور يحمي دجاجه. وقال الرّاجز: [من الرجز] يغار والغيرة خلق في الذّكر وقال الآخر: [من الكامل] الفحل يحمي شوله معقولا «٤» ٤٤٤-[مزايا لحم الدجاج] ولحم الدّجاج فوق جميع اللّحمان في الطّيب والبياض، وفي الحسن. والملوك تقدّمه على جميع الفراخ والنواهض «٥» ، والبطّ، والدّرّاج، وهم للدّرّاج آكل منهم للجداء الرّضّع، وللعنق الحمر «٦» من أولاد الصّفايا. والدّجاج أكثر اللّحوم تصرّفا، لأنّها تطيب شواء، ثم حارّا وباردا، ثمّ تطيب في البزماورد «٧» ، ثم تطيب في الهرائس «٨» ، ويحدث لها به نفحة لا تصاب مع غيرها،

стр. 379

وتطيب طبيخا، وتطيب فصوصها، وإن قطّعتها مع اللحم دسم ذلك اللحم. وتصلح للحشاوى، وللملاقسطي، وتصلح في الاسفرجات وسمينها يقدّم في السّكباجة «١» على البطّ، إلّا أنها تطعم المفصود وليس ذلك للبطّ. ٤٤٥-[لفظ: الدجاج] قال: والدّيكة دجاج إذا ذكرت في جملة الجنس، وهذا الباب مما تغلّب فيه الإناث على الذّكورة. وقال آخرون: لا، ولكنّ الدّيك نفسه دجاجة، إلّا أنّهم أرادوا إبانته بأنّه ذكر فقالوا: ديك، كما يسمّون الذّكر والأنثى فرسا بلا هاء، فإذا أرادوا أن يثبتوا إناثها قالوا حجر، وإن كانت حجرا فهي فرس. وقال الأخطل: [من البسيط] نازعته في الدّجى الرّاح الشّمول وقد ... صاح الدّجاج وحانت وقفة السّاري «٢» وقد بيّن ذلك القرشيّ حيث يقول: [من الخفيف] اطردوا الدّيك عن ذؤابة زيد ... كان ما كان لا تطاه الدّجاج «٣» وذلك أنّه كان رأى رأس زيد بن علي في دار يوسف بن عمر، فجاء ديك فوطئ شعره ونقره في لحمه ليأكله. ٤٤٦-[القول في تجاوب الديكة] قالوا: قد أخطأ من زعم أنّ الدّيكة إنّما تتجاوب، بل إنّما ذلك منها شيء يتوافق في وقت، وليس ذلك بتجاوب كنباح الكلاب؛ لأنّ الكلب لا وقت له، وإنّما هو صامت ساكت ما لم يحسّ بشيء يفزع منه، فإذا أحسّ به نبح، وإذا سمع نباح كلب آخر أجاب ثم أجاب ذلك آخر، ثمّ أجابهما الكلب الأوّل، وتبيّن أنّه المجاوب جميع الكلاب. والدّيك ليس إذا من أجل أنّه أنكر شيئا استجاب، أو سمع صوتا صقع «٤» ، وإنّما يصقع لشيء في طبعه، إذا قابل ذلك الوقت من اللّيل هيّجه. فعدد أصواته في الوقت الذي يظنّ أنّه تتجاوب فيه الدّيكة، كعدد أصواته في القرية وليس

стр. 380

في القرية ديك غيره، وذلك هو في المواقيت. والعلّة التي لها يصقع في وقت بعينه شائعة فيها في ذلك الوقت. وليس كذلك الكلاب! قد تنبح الكلاب في الخريبة «١» وكلاب في بني سعد غير نابحة، وليس يجوز أن تكون ديكة المهالبة تصقع، وديكة المسامعة «٢» ساكتة. فإن أراد مريد بقوله إنّ الدّيكة تتجاوب، وعلى مثل قول العرب: هذه الجبال تتناظر، إذا كان بعضها قبالة بعض، وإذا كان الجبل من صاحبه بالمكان الذي لو كان إنسان رآه- جاز ذلك. وعلى هذا المثال قال النبيّ ﷺ في نار المشركين ما قال، حيث قال: «لا تتراءى ناراهما» «٣» ، ومع قول الشاعر: لا تتراءى قبورهما وقال ابن مقبل العجلانيّ: [من الطويل] سل الدّار من جنبي حبّر فواهب ... وحيث يرى هضب القليب المضيّح «٤» وتقول العرب: إذا كانت بمكان كذا وكذا، حيث ينظر إليك الجبل فخذ عن يسارك أو عن يمينك. وقال الرّاجز: [من الكامل] وكما يرى شيخ الجبال ثبيرا

стр. 381

وشيخ الجبال عنده أبو قبيس. وقال النبي ﷺ وعلى آله الأخيار: «أنا بريء من كلّ مسلم مع كلّ مشرك» . قيل: ولم يا رسول الله؟ قال: «لا تتراءى ناراهما» «١» . وقال الكسائيّ: تقول العرب: داري تنظر إلى دار فلان، ودورنا تتناظر. وقال الله ﵎: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ «٢» . وإنّما قال القوم في تجاوب الدّيكة ببيت شعر سمعوه للطّرمّاح، جهلوا معناه، وهو: [من الطويل] فيا صبح كمّش غبّر اللّيل مصعدا ... ببمّ ونبّه ذا العفاء الموشّح «٣» إذا صاح لم يخذل وجاوب صوته ... حماش الشّوى يصدحن من كلّ مصدح «٤» وكذلك غلطوا في قول عبدة بن الطبيب: [من البسيط] إذ صفّق الدّيك يدعو بعض أسرته ... إلى الصّباح وهم قوم معازيل «٥» وإنّما أراد توافي ذلك منها معا؛ فجعلها دعاء وتجاوبا على ما فسرناه. ٤٤٧-[تفضيل الحمار على الديك] قال صاحب الكلب: لولا أنّا وجدنا الحمار المضروب به المثل في الجهل «٦» ، يقوم في الصّباح وفي ساعات اللّيل مقام الدّيكة، لقد كان ذلك قولا ومذهبا غير مردود. ولو أنّ متفقّدا يتفقّد ذلك من الحمار لوجده منظوما يتبع بعضه بعضا على عدد معلوم؛ ولوجد ذلك مقسوما على ساعات الليل، ولكان لقائل أن يقول في نهيق الحمار في ذلك الوقت: ليس على تجاوب، إنّما ذلك شيء يتوافى معا، لا ستواء

стр. 382

العلة، ولم تكن للدّيك الموصوف بأنّه فوق الأسطرلاب فضيلة ليست للحمار. وعلى أنّ الحمار أبعد صوتا، وقد بلغ من شدّة صوته ما إن حلف أحمد بن عبد العزيز: إنّ الحمار ما ينام! قيل له: وما ذاك؟ قال: لأنّي أجد صياحه ليس بصياح شيء انتبه تلك الساعة، ولا هو صياح من يريد أن ينام بعد انقضاء صياحه!. هذا والحمار هو الذي ضرب به القرآن المثل في بعد الصوت، وضرب به المثل في الجهل، فقال: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً «١» . فلو كان شيء من الحيوان أجهل بما في بطون الأسفار من الحمار، لضرب الله المثل به دونه. وعلى أنّ فيه من الخصال ما ليس في الديك، وذلك أنّ العرب وضعته من الأمثال التي هي له في عشرة أماكن، فقال رسول الله ﷺ : «كلّ الصّيد في جوف الفرا» «٢» وكفاك به مثلا إذا كان لرسول الله ﷺ في تفضيل هداية أبي سفيان. وقال العرب: «أنكح من الفرأ» «٣» . والفرأ مهموز مفتوحة الفاء مجموعه فراء، قال الشاعر: [من الطويل] بضرب كآذان الفراء فضوله ... وطعن كإيزاغ المخاض تبورها «٤» وتقول العرب: «العير أوقى لدمه» «٥» . وقولهم: «من ينك العير ينك نيّاكا» «٦» . وقالوا: «الجحش إذا فاتتك الأعيار» «٧» وقالوا: «أصبر من عير أبي

стр. 383

سيّارة» «١» ؛ لأنّه كان دفع بأهل الموسم على ذلك الحمار أربعين عاما. وقالوا: «إن ذهب عير فعير في الرّباط» «٢» . وقالوا في المديح لصاحب الرأي: «جحيش وحده» «٣» ، و «عيير وحده» «٤» ، و «العير يضرط والمكواة في النّار» «٥» ؛ وقالوا: «حمار يحمل أسفارا» «٦» ، و «أضلّ من حمار أهله» «٧» ، و «أخزى الله الحمار مالا لا يزكّى ولا يذكّى» «٨» ، و «قد حيل بين العير والنّزوان» «٩» . فالذي مدح به أكثر؛ فقد وجدنا الحمار أبعد صوتا، ووجدناه يعرف من أوقات الليل ويميّز عددا معلوما إلى الصبح، إلّا أنّ له في الأسحار فضيلة. والحمار أجهل الخلق، فليس ينبغي للدّيك أن يقضى له بالمعرفة والحمار قد ساواه في يسير علمه، ثم باينه أنّ الحمار أحسن هداية. والدّيك إن سقط على حائط جاره لم يحسن أن يهتدي إلى داره، وإن خرج من باب الدار ضلّ، وضلاله من أسفل كضلاله من فوق. ٤٤٨-[أحاديث في الديك] قال صاحب الديك: حدّثونا عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله

стр. 384

ابن عتبة، قال: «صرخ ديك عند النبي ﷺ فسبّه بعض أصحابه، فقال: لا تسبّه فإنّه يدعو إلى الصلاة» . وعن ابن الماجشون، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود، عن يزيد بن خالد الجهني: «أنّ رسول الله ﷺ نهى عن سبّ الديك وقال: إنّه يؤذّن للصّلاة» . الحسن بن عمارة، عن عمرو بن مرّة، وعن سالم بن أبي الجعد، يرفعه إلى النبي ﷺ قال: «إنّ مما خلق الله تعالى لديكا عرفه تحت العرش وبراثنه في الأرض السّفلى، وجناحاه في الهواء، فإذا ذهب ثلثا الليل وبقي ثلثه ضرب بجناحه ثم قال: سبّحوا الملك القدّوس، سبّوح قدّوس- أي أنّه لا شريك له- فعند ذلك تضرب الطّير بأجنحتها وتصيح الدّيكة» . وأبو العلاء عن كعب: «إنّ لله تعالى ديكا عنقه تحت العرش، وبراثنه في أسفل الأرضين، فإذا صاحت الديكة يقول: سبحان الملك القدّوس الملك الرّحمن، لا إله غيره» . قال: والدّيكة أكيس شيء. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّ الدّيك الأبيض صديقي، وعدوّ عدوّ الله، يحرس دار صاحبه وسبع دور» . وكان رسول الله ﷺ يبيّته معه في البيت. وروي أنّ أصحاب النبي ﷺ كانوا يسافرون بالدّيكة. ٤٤٩-[ذبح الديك الأفرق] وزعم أصحاب التّجربة أنّه كثيرا ما يرون الرّجل إذا ذبح الدّيك الأبيض الأفرق «١» ، أنّه لا يزال ينكب في أهله وماله «٢» . ٤٥٠-[كيف تعرف الديك من الدجاجة إذا كان صغيرا] وممّا في المحاجاة أن يقال: كيف تعرف الدّيك من الدجاجة إذا كان صغيرا حين يخرج من البيضة؟ فقالوا: يعلّق بمنقاره، فإن تحرّك فهو ديك وإن لم يتحرّك فهو دجاجة.

стр. 385

٤٥١-[شعر في حسن الدجاجة ونبل الديك] قال الشاعر في حسن الدّجاجة ونبل الديك «١» : [من الوافر] غدوت بشربة من ذات عرق ... أبا الدّهناء من حلب العصير «٢» وأخرى بالعقنقل ثم رحنا ... نرى العصفور أعظم من بعير كأنّ الدّيك ديك بني نمير ... أمير المؤمنين على السّرير كأنّ دجاجهم في الدّار رقطا ... بنات الرّوم في قمص الحرير «٣» فبتّ أرى الكواكب دانيات ... ينلن أنامل الرّجل القصير أدافعهنّ بالكفّين عنّي ... وأمسح جانب القمر المنير ٤٥٢-[طعن صاحب الكلب في الديك] وقال صاحب الكلب: الأشياء التي تألف الناس لا تريد سواهم كالعصفور والخطّاف والكلب والسّنور. والدّيك ممّا يتّخذه الناس، وليس ممّا يحنّ إليهم فيقطع البلاد نزاعا، فيكون كالقواطع من الطير التي تريدهم كالخطّاف، ولا هو من الأوابد كالعصفور الذي حيثما دار رجع إليهم، ولا هو كالكلب الذي لا يعرف سواهم، ولا هو كالأهليّ من السنانير التي متى ألفتهم لم تفارقهم، وتعسّ باللّيل، وتطوف في القبائل من دار إلى دار ثمّ لا يكون مرجعها إلّا إليهم. والدّيك في خلاف ذلك كلّه، ثمّ لا يألف منزله ولا يعرف ربعه، ثم لا يحنّ إلى دجاجه، ثمّ لا تتوق نفسه إلى طروقته، ولا يشتاق إلى ولده، ولا يعرف الذين غذوه وربّوه، بل لم يدر قطّ أنّ له ولدا، ولو كان درى لكان على درايته دليل، فإذ قد وجدناه لفراريجه وبيضه المخلوقة منه ومن نجله، كما نجده لما لم يلد ولما ليس من شكله أيضا ولا يرجع إلى نسبه، فكيف لا نقضي عليه بالنّقص، إذ كانت الأمور لا تعرف إلّا بهذا وشبهه!!. وهو لا يعرف أهل داره، ولا يثبت وجه صاحبه الذي لم يخلق إلّا عنده، وفي ظلّه وتحت جناحه، ولم يزل في رزقه وعياله. والحمام ترجع إليه من مائتي فرسخ،

стр. 386

ويصطاد فيتحوّل عن وطنه عشر حجج، ثمّ هو على ثبات عهده وقوّة عقده، وعلى حفاظه وإلفه، والنّزاع إلى وطنه. فإن وجد فرجة ووافق جناحه وافيا وافاه وصار إليه، وإن كان جناحه مقصوصا جدف «١» إلى أهله، وتكلّف المضيّ إلى سكنه، فإمّا بلغ وإمّا أعذر. والخطّاف يقطع إليهم من حيث لا يبلغه خبر، ولا يطؤه صاحب سفر؛ على أنّا لا نراه يتّخذ وكره إذا صار إليهم إلّا في أحصن موضع، ولا يحمله الأنس بهم على ترك التّحرّز منهم، والحزم في ملابستهم، ولا يحمله الخوف منهم على منع نفسه لذّة السّكون إليهم، ولا يبخس الارتفاق بهم حظّه. والعصافير لا تقيم في دار إلّا وهي مسكونة، فإن هجرها الناس لم تقم فيها العصافير. والسّنّور يعرف ربّة المنزل، ويألف فرخ الحمام، ويعابث فراريج الدار. إن سرق وربط شهرا عاد عند انفلاته، وانحلال رباطه. والهرّة تعرف ولدها وإن صار مثلها، وإن أطعمت شيئا حملته إليه وآثرته به. وربّما ألقي إليها الشيء فتدنو لتأكله، ويقبل ولدها فتمسك عنه، وترضّه له. وربّما طرح لها الشيء وولدها غائب عنها- ولها ضروب من النّغم، وأشكال من الصّياح- فتصيح ضربا من الصّياح يعرف أهل الدّار أنّه صياح الدّعاء لا غير ذلك. ويقال: «أبرّ من هرّة» «٢» . ومتى أرادت ما يريد صاحب الغائط، أتت مواضع تراب في زاوية من زوايا الدّار فتبحثه، حتّى إذا جعلت له مكانا كهيئة الحفرة جعلته فيها ثمّ غطّته من ذلك التّراب، ثمّ تشمّمت أعلى ذلك التراب وما ظهر منه، فإن وجدت شيئا من الرائحة زادت عليها ترابا، فلا تزال كذلك حتّى تعلم أنّها قد أخفت المرئيّ والمشموم جميعا «٣» . فإن هي لم تجد ترابا خمشت وجه الأرض، أو ظهر السّطح، حتّى تبلغ في الحفر المبلغ، ومن ستر ذلك المجهود. وزعم ناس من الأطبّاء أن السّنّور يعرف وحده ريح رجعه، فإنما يستره لمكان شمّ الفأر له، فإنها تفرّ من تلك الرائحة. أو يغطّيه لما يكون فيه من خلق من أخلاق

стр. 387

الأسد. وما يشاكل فيه الأسد في الخلق، على قدر ما يشاكله في الخلق. وتعداد ذلك كثير. ٤٥٣-[سلاح الديك] والدّيك لا تراه إلّا سالحا، ثمّ لا يتوقّى ثوب ربّ الدار ولا فراشه ولا بساطه. هذا، وحياته التّراب، ولذا يدفن نفسه فيه، ويدخله في أصول ريشه. ثمّ لا ترى سلاحا أنتن من سلاحه، ولا يشبه ذرق الحمام، وصوم النّعام، وجعر الكلب. ثم مع ذلك لا تراه إلّا سائلا رقيقا. ولو كان مدحرجا كأبعار الشاء والإبل والظباء، أو متعلقا يابسا كجعر الكلب والأسد، ثمّ لو كان على مقدار نتنه لكان أهون في الجملة. وقال أبو نواس في ديك بعض أصحابه: [من الرجز] آذيتنا بديكك السّلّاح ... فنجّنا من منتن الأرواح «١» ٤٥٤-[استخدام الخناقين للكلب] وقال صاحب الكلب: ومن مرافق الكلب أنّ الخنّاقين «٢» يظاهر بعضهم بعضا، فلا يكونون في البلاد إلّا معا، ولا يسافرون إلّا معا؛ فربّما استولوا على درب بأسره، أو على طريق بأسره. ولا ينزلون إلّا في طريق نافذ، ويكون خلف دورهم: إمّا صحارى وإمّا بساتين، وإما مزابل وأشباه ذلك. وفي كلّ دار كلاب مربوطة، ودفوف وطبول. ولا يزالون يجعلون على أبوابهم معلّم كتّاب منهم، فإذا خنق أهل دار منهم إنسانا ضرب النّساء بالدّفوف، وضرب بعضهم الكلاب فسمع المعلّم فصاح بالصّبيان: انبحوا! وأجابهم أهل كلّ دار بالدفوف والصّنوج، كما يفعل نساء أهل القرى، وهيّجوا الكلاب. فلو كان المخنوق حمارا لما شعر بمكانه أحد، كما كان ذلك بالرّقّة. وانظر كيف أخذوا أهل درب بأسره!! وذلك أنّ بعضهم رغب في ثويب كان على حمّال، وفيه دريهمات معه، فألقى الوهق «٣» في عنقه فغشي عليه ولم يمت،

стр. 388

وتحرّك بطنه فأتى المتوضّأ وتحرّك الحمّال والسّاجور «١» في عنقه، فرجعت نفس الحمال، فلمّا لم يحسّ بأحد عنده، قصد نحو باب الدار، وخرح وزياره «٢» في عنقه، وتلقّته جماعته فأخبرهم الخبر، وتصايح النّاس فأخذوا عن آخرهم. وقد كان بالكوفة شبيه بذلك، وفي غيرها من البلدان. فقال حماد الرّاوية، وذكر المرميّين بالخنق من القبائل وأصحاب القبائل والنّحل، وكيف يصنع الخنّاق، وسمّى بعضهم فقال «٣» : [من الطويل] إذا سرت في عجل فسر في صحابة ... وكندة فاحذرها حذارك للخسف وفي شيعة الأعمى زيار وغيلة ... وقشب وإعمال لجندلة القذف «٤» وكلّهم شرّ على أنّ رأسهم ... حميدة والميلاء حاضنة الكسف متى كنت في حيّي بجيلة فاستمع ... فإنّ لهم قصفا يدلّ على حتف إذا اعتزموا يوما على خنق زائر ... تداعوا عليه بالنّباح وبالعزف وأمّا ذكره لبني عجل فلمكان ذي الضفرتين وغيره من بني عجل. وأمّا ذكره كندة، فقد أنشدنا سفيان بن عيينة، وأبو عبيدة النحويّ: [من الهزج] إذا ما سرّك العيش ... فلا تأخذ على كنده «٥» ومن كندة أبو قصبة أخذ بالكوفة وقتل وصلب. وكان بالكوفة ممّن يأكل لحوم النّاس عديّة المدنية الصّفراء. وكان بالبصرة رادويه صاحب قصاب رادويه. وأمّا الأعمى في بني ضبّة الذي ذكره فهو المغيرة بن سعيد صاحب المغيريّة، وهم صنف ممّن يعمل في الخنق بطريق المنصوريّة. والمغيرة هذا من موالي بجيلة، وهو الخارج على خالد بن عبد الله القسريّ، وعند ذلك قال خالد وهو على المنبر: أطعموني ماء!

стр. 389

وفي ذلك يقول يحيى بن نوفل: [من الوافر] وقلت لما أصابك أطعموني ... شرابا ثمّ بلت على السّرير «١» لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السّنّ ذي بصر ضرير وأما حميدة فقد كانت لها رياسة في الغالية، وهي ممّن استجاب لليلى السبائية الناعظية، والميلاء حاضنة أبي منصور صاحب المنصوريّة، وهو الكسف. قالت الغالية: إيّاه عنى الله ﵎ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ «٢» . وقد ذكره أبو السريّ معدان الأعمى الشّميطي في قصيدته التي صنّف فيها الرّافضة ثم الغالية، وقدّم الشّميطيّة على جميع أصناف الشيعة، فقال «٣» : [من الخفيف] إنّ ذا الكسف صدّ آل كميل ... وكميل رذل من الأرذال «٤» تركا بالعراق داء دويّا ... ضلّ فيه تلطّف المحتال منهم جاعل العسيب إماما ... وفريق يرض زند الشّمال وفريق يقول إنّا براء ... من عليّ وجندب وبلال وبراء من الذي سلّم الأم ... ر على قدرة بغير قتال وفريق يدين بالنصّ حتما ... وفريق يدين بالإهمال لأنّ الكميليّة لا تجيز الوكالة في الإمامة، وتقول لا بدّ من إمام صامت أو ناطق، ولابدّ من علم يمدّ الناس إليه أعناقهم. وأبو منصور يقول بخلاف ذلك. وأمّا قوله «٥» : [من الطويل] وفي شيعة الأعمى زيار وغيلة ... وقشب وإعمال لجندلة القذف فقد قال معدان: [من الخفيف] حبشيّ وكافر سبيانى ... حربيّ وناسخ قتّال تلك تيميّة وهاتيك صمت ... ثمّ دين المغيرة المغتال

стр. 390

خنق مرّة وشمّ بخار ... ثمّ رضخ بالجندل المتوالي لأنّ من الخنّاقين من يكون جامعا، وبذلك يسمّونه إذا جمع الخنق والتشميم، وحمل معه في سفره حجرين مستديرين مدملكين وململمين فإذا خلا برجل من أهل الرّفقة استدبره فرمى بأحدهما قمحدوته «١» ، وكذلك إن كان ساجدا. فإن دمغه الأول سلبه، وإن هو رفع رأسه طبّق بالآخر وجهه. وكذلك إن ألفاه نائما أو غافلا. ولقد صحب منهم ناس رجلا خرج من الرّيّ، وفي حقوه هميان «٢» ، فكان لا يفارق معظم النّاس، فلمّا رأوه قد قرب من مفرق الطّريقين ورأوا احتراسه، وهم نزول إمّا في صحراء وإمّا في بعض سطوح الخانات، والنّاس متشاغلون بأمورهم، فلم يشعر صاحب الهميان نهارا والنّاس حوله إلا والوهق «٣» في عنقه، وطرحه الآخر حين ألقاه في عنقه، ووثب إليه وجلس على صدره، ومدّ الآخر برجليه وألقى عليه ثوبا وأذّن في أذنه فقام إليهم بعض أهل الرّفقة كالمعين والمتفجّع، فقالوا له: مكانك؛ فإنّه إن رآك خجل واستحى. فأمسك القوم عنهم، وارتحل القوم، وأعجلوا بصاحبهم، فلمّا خلوا به أخذوا ما أحبّوا، وتركوا ما أحبّوا، ثمّ حملوه على أيديهم، حتى إذا برزوا رموه في بعض الأودية. ٤٥٥-[شعر أعشى همدان في السبئية] وقد ذكر أعشى همدان السّبئيّة وشأنهم في كرسيّ المختار: [من الطويل] شهدت عليكم أنّكم سبئيّة ... وإنّي بكم يا شرطة الكفر عارف «٤» وأقسم ما كرسيّكم بسكينة ... وإن كان قد لفّت عليه اللفائف وأن لبّس التّابوت فتنا وإن سمت ... حمام حواليه وفيكم زخارف وإنّي امرؤ أحببت آل محمّد ... وآثرت وحيا ضمّنته المصاحف وإن شاكرا طافت به وتمسّحت ... بأعواد ذاو دبرت لا تساعف ودانت به لابن الزّبير رقابنا ... ولا غبن فيها أو تحزّ السّوالف وأحسب عقباها لآل محمّد ... فينصر مظلوم ويأمن خائف ويجمع ربى أمّة قد تشتّتت ... وهاجت حروب بينهم وحسائف
следующие страницы →