ثم عاد أيضا في ذكر الدّيك فقال:
ولا غرو إلّا الدّيك مدمن خمرة ... نديم غراب لا يملّ الحوانيا «١»
ومرهنه عن الغراب حبيبه ... فأوفيت مرهونا وخلفا مسابيا «٢»
أدلّ عليه الدّيك: إنّي كما ترى ... فأقبل على شأني وهاك ردائيا
أمنتك لا تلبث من الدّهر ساعة ... ولا نصفها حتّى تؤوب مآبيا
ولا تدركنك الشّمس عند طلوعها ... فأعلق فيهم أو يطول ثوائيا
فردّ الغراب والرداء يحوزه ... إلى الدّيك وعدا كاذبا وأمانيا
بأيّة ذنب أو بأيّة حجّة ... أدعك فلا تدعو عليّ ولا ليا
فإنّي نذرت حجّة لن أعوقها ... فلا تدعونّي مرّة من ورائيا
تطيّرت منها والدّعاء يعوقني ... وأزمعت حجّا أن أطير أماميا
فلا تيأسن إنّي مع الصّبح باكر ... أوافي غدا نحو الحجيج الغواديا
لحبّ امرئ فاكهته قبل حجّتي ... وآثرت عمدا شأنه قبل شانيا «٣»
هنالك ظنّ الدّيك إذ زال زوله ... وطال عليه اللّيل ألّا مفاديا «٤»
فلما أضاء الصّبح طرّب صرخة ... ألا يا غراب هل سمعت ندائيا
على ودّه لو كان ثمّ مجيبه ... وكان له ندمان صدق مواتيا
وأمسى الغراب يضرب الأرض كلّها ... عتيقا وأضحى الدّيك في القدّ عانيا «٥»
فذلك ممّا أسهب الخمر لبّه ... ونادم ندمانا من الطّير عاديا «٦»
٤٩٩-[ما يلقم فراخه وما يزقها]
قال: ومن الطّير ما يلقم فراخه مثل العصفور، لأن العصفور لا يزقّ. وكذلك أشباه العصفور.
ومن الطير ما يزقّ فراخه، مثل الحمام وما أشبه ذلك كبهائم الطير الخالصة.
لأنّ الدّجاجة تأكل اللّحم، وتلغ في الدم، وولدها حين يخرج من البيض يخرج كاسبا
стр. 422
مليحا، كيسا بصيرا بما يعيشه ويقوته، ولا يحتاج إلى تلقيم سباع الطير والعصافير لأولادها، لأنّ أولادها إذ لم ترضع ولم تلقط الحبّ كالفراريج أوّل ما تخرج من البيض ولم تزقّها الآباء ولا الأمهات كأجناس الحمام- فلا بدّ لها من تلقيم.
٥٠٠-[طبائع مشتركة في الطير]
والفرّوج مشترك الطبيعة. قد أخذ من طبائع الجوارح نصيبا، وهو أكله للحم، وحسوه للدّم، وأكله للديدان وما هو أقذر من الذّباب، والعصفور أيضا مشارك الطّباع، لأنّه يجمع بين أكل الحبوب واللّحمان، وبين لقط الحبوب وصيد أجناس كثيرة من الحيوان، كالنمل إذا طار. وكالجراد، وغير ذلك. وليس في الأرض رأس أشبه برأس الحيّة من العصفور «١» .
٥٠١-[هداية العصفور]
والعصفور يتعالى ويطير، ويهتدي ويستجيب. ولقد بلغني أنّه قد رجع من قريب من فرسخ. وهي تكون عندنا بالبصرة في الدّور، فإذا أمكنت الثمار «٢» لم تجد منها إلّا اليسير، فتصير من القواطع إلى قاصي النّخل، وذلك أنّها إذا مرّت بعصافير القرى وقد سبقت إلى ما هو إليها أقرب، جاوزتها إلى ما هو أبعد، ثمّ تقرب الأيّام الكثيرة إلى ما هو أبعد، ثمّ تقرب الأيّام الكثيرة المقدار، في المسافة إلى أكثر مما ذكرت من الفرسخ أضعافا.
٥٠٢-[أشد تعطفا من عصفور]
والعصافير لا تقيم في دور الأمصار إذا شخص أهلها عنها، إلّا ما كان منها مقيما على بيض أو فراخ، فإنّه ليس في الأرض طائر أحنى على ولده ولا أشدّ تعطفا من عصفور. والذي يدلّ على أنّ في طبعها من ذلك ما ليس في طبع سواها من الطّير الذي تجد من إسعاد بعضهنّ لبعض، إذا دخلت الحيّة إلى جحر بعضهن لتأكل فرخا، أو تبتلع بيضا، فإنّ لأبوي الفرخ عند ذلك صياحا وقلقا وطيرانا، وتدفيفا وترنيقا «٣» فوق الجحر ودونه وحواليه، فلا يبقى عصفور من حيث يسمع صياحهما أو يسمع أصواتهما إلّا جئن أرسالا مسعدات، يصنعن معهما كما يصنعان.
стр. 423
٥٠٣-[شدة حذر العصفور]
وليس في الأرض أصدق حذرا منه، ويقال إنّه في ذلك لأكثر من العقعق «١» والغراب.
وخبّرني من يصيد العصافير قال: ربما كان العصفور ساقطا على حائط سطح بحذائي، فيغمّني صياحه وحدّة صوته، فأصبح وأومئ إليه بيدي، وأشير كأنّي أرميه، فما يطير. حتّى ربّما أهويت إلى الأرض كأني أتناول شيئا، كلّ ذلك لا يتحرّك له. فإن مسّت يدي أديي حصاة أو نواة وأنا أريد رميها، طار قبل أن تستمكن منها يدي «٢» .
٥٠٤-[سفاد العصفور] «٣»
وليس في الطّير أكثر عدد سفاد من العصافير «٤» ، ولذلك يقال إنّها أقصر الطّير أعمارا. ويقال إنّه ليس شيء ممّا يألف النّاس ويعايشهم في دورهم أقصر عمرا منها، يعنون: من الخيل والبغال والحمير، والبقر والغنم، والكلاب والسّنانير، والخطاطيف والزرازير، والحمام والدّجاج.
٥٠٥-[نقزان العصفور]
ولا يقدر العصفور على المشي، وليس عنده إلا النّقزان «٥» ، ولذلك يسمّى النّقّاز، وإنّما يجمع رجليه ثمّ يثب، وذلك في جميع حركاته، وفي جميع ذهابه ومجيئه. فهي الصّعو، والعصافير، والنقاقيز. وإن هو مشى هذه المشية- التي هي نقزان- على سطح وإن ارتفع سمكه، فكأنّك تسمع لوطئه وقع حجر، لشدّة وطئه، ولصلابة مشيه، وهو ضدّ الفيل؛ لأنّ إنسانا لو كان جالسا ومن خلف ظهره فيل لما شعر به، لخفّة وقع قوائمه، مع سرعة مشي وتمكين في الخطا.
٥٠٦-[سبعية الرّخم والنسر]
والرّخم والنّسر سباع، وإنّما قصّر بها عدم السلاح. فأمّا البدن والقوّة ففوق جميع الجوارح. ولكنّها في معنى الدّجاج، لمكان البراثن ولعدم المخالب.
стр. 424
٥٠٧-[حب العصفور لفرخه]
ولقد رأيت سنّورا وثب على فرخ عصفور فأخطأه فتناول الفرخ بعض الغلمان فوضعه في البيت، فكان أبوه يجىء حتى يطعمه، فلمّا قوي وكاد يطير جعله في قفص، فرأيت أباه يجيء يتخرّق السّنانير وهي تهمّ به، حتّى يدخل إليه من أعلى فتح الباب، وهي تهمّ بالوثوب والاختطاف له، حتّى يسقط على القفص فينازعه ساعة، فإذا لم يجد إلى الوصول سبيلا طار فسقط خارجا من البيت، ثمّ لا يصبر حتّى يعود.
فكان ذلك دأبه. فلمّا قوي فرخه أرسلوه معه فطارا جميعا.
وعرفنا أنّه الأب دون الأمّ لسواد اللّحية.
٥٠٨-[قبح صوت الديك]
قال: والدليل على أنّ صوت الدّيك كريه في السّماع، غير مطرب، قول الشاعر «١» : [من الكامل]
ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحا ... وأملّه ديك الصّباح صياحا
أوفى على شعف الجدار بسدفة ... غردا يصفّق بالجناح جناحا «٢»
٥٠٩-[صغر قدر الدجاج]
قال: ويدلّ على صغر قدر الدّجاج عندهم قول بشّار بن برد الأعمى «٣» : [من الوافر]
بجدّك يا ابن أقرع نلت مالا ... ألا إنّ اللّئام لهم جدود
فمن نذر الزّيادة في الهدايا ... أقمت دجاجة فيمن يزيد
٥١٠-[إذا كثر الدجاج قلّ عدد البيض] «٤»
قال: وإذا كثر الدّجاج في دار أو إصطبل أو قرية، لم يكن عدد بيضها وفراريجها على حسب ما كان يبيض القليل منهنّ ويفرخه. يعرف ذلك تجّار الدّجاج ومن اتخذها للغلّة.
وهي بمصر ترعى كما يرعى الغنم، ولها راع وقيّم.
стр. 425
٥١١-[فراخ الدجاج وفراخ الحمام]
والموت إلى الدّجاج سريع جدّا، العادة في صغار فراريجها خلاف ما عليها نتوّ فراخ الحمام، لأنّ الفرّوج تتصدّع عنه البيضة فهو كيّس ظريف، مليح مقبول، محبّ، غنيّ بنفسه، مكتف بمعرفته، بصير بموضع معيشته من لقط الحب، ومن صيد الذّباب وصغار الطير من الهوامّ. ويخرج كاسيا حتى كأنّه من أولاد ذوات الأربع.
ويخرج سريع الحركة شديد الصوت حديده، يدعى بالنّقر فيجيب، ولا يقال له: قر، قر، ثلاث مرّات- حتى يلقنه. فإن استدبره مستدبر ودعاه عطف عليه، وتتّبع الذي يطعمه ويلاعبه، وإن تباعد من مكانه الأوّل. فهو آلف شيء. ثمّ كلما مرّت عليه الأيام ماق وحمق، ونقص كيسه، وأقبل قبحه وأدبر ملحه. فلا يزال كذلك حتى ينسلخ من جميع ما كان يحبّ له إلى ضدّ ذلك، ويصير من حالة إلى حال لم يبلغ الانتفاع بذبحه وبيضه وفراريجه. وذهب عنهم الاستمتاع بكيسه. ولا يكاد يقبل الشّحم. حتى يلحق بأبيه، وكذلك إن كانت أنثى، لا تقبل السّمن، ولا تحمل اللّحم حتّى تكاد تلحق بأمّها في الجثّة.
والفرخ يخرج حارضا «١» ساقطا، أنقص من أن يقال له مائق، وأقبح شيء، وهو في ذلك عاري الجلد مختلف الأوصال متفاوت الأعضاء، ضعيف الحوصلة، عظيم المنقار، فكلمّا مرّت به الأيّام زادت في لحمه وشحمه، وفي معرفته وبصره، حتى إذا بلغ خرج منه من الأمور المحمودة ما عسى لو أنّ واصفا تتبّع ذلك لملأ منه الأجلاد الكثيرة. ثم إذا جاز حدّ الفراخ إلى حدّ النواهض «٢» ، إلى حدّ العتّق والمخالب «٣» ، قلّ لحمه وذهب شحمه على حساب ذلك ينقص. فإذا تمّ وانتهى لم تكن في الأرض دابّة ولا طائر أقلّ شحما ولا أخبث لحما منه، ولا أجدر ألّا يقبل شيئا من السّمن ولو تخيّروا له فؤارة «٤» المسمنات وما يسمّن به- ما سمن.
٥١٢-[علة قلة البيض إذا كثر الدجاج]
وسألت عن السّبب الذي صار له الدّجاج إذا كثرن قلّ بيضهنّ وفراخهنّ، فزعموا أنّها في طباع النّخل، فإن النّخلة إذا زحمت أختها، بل إذا مسّ طرف سعفها
стр. 426
طرف سعف الأخرى وجاورتها، وضيّقت عليها في الهواء، وكذلك أطراف العروق في الأرض- كان ذلك كربا عليها وغمّا.
قالوا: فتدانيها وتضاغطها، وأنفاسها وأنفاس أبدانها، يحدث لها فسادا.
قال: وكما أنّ الحمام إذا كثرت في الكنّة «١» والشريحة احتاجت إلى شمس وإلى ماء تغتسل فيه في بعض الأحايين، وإلى أن تكون بيوتها مكنوسة في بعض الأوقات ومرشوشة، وإلّا لم يكن لها كبير بيض. على أنّه إذا كان لها في الصميمين الدّفء في الشتاء والكنّ في الصيف، لم تغادر الدّهر كلّه أن تبيض.
٥١٣-[فخر صاحب الديك بكثرة ما اشتق من البيض]
قال صاحب الدّيك: فخرتم للكلب بكثرة ما اشتقّ للأشياء من اسم الكلب، وقد اشتقّ لأكثر من ذلك العدد من البيض، فقالوا لقلانس الحديد: بيض، وقالوا:
فلان يدفع عن بيضة الإسلام، وقالوا «٢» : قال عليّ بن أبي طالب ﵁: أنا بيضة البلد. وفي موضع الذمّ من قولهم «٣» : [من البسيط]
تأبى قضاعة أن تدري لكم نسبا ... وابنا نزار وأنتم بيضة البلد
ويسمّى رأس الصّومعة والقبّة بيضة. ويقال للمجلس إذا كان معمورا غير مطوّل بيض جاثمة، ويقال للوعاء الذي يكون فيه الحبن والخراج- وهو الذي يجتمع فيه القيح- بيضة. وقال الأشتر بن عبادة: [من الوافر]
يكفّ غروبها ويغضّ منها ... وراء القوم خشية أن يلاموا
مظاهر بيضتين على دلاص ... به من وقعة أخرى كلام
وقال النابغة: [من الوافر]
فصبّحهم ململمة رداحا ... كأن رؤوسهم بيض النعام «٤»
وقال العجير السّلولي: [من الطويل]
إذا البيضة الصّمّاء عضّت صفيحة ... بحربائها صاحت صياحا وصلّت
стр. 427
٥١٤-[شرط أبي عباد النمري في الخمر]
ولما أنشدوا أبا عبّاد النّمريّ قول ابن ميّادة، وهو الرّمّاح «١» : [من الكامل]
ولقد غدوت على الفتى في رحله ... قبل الصّباح بمترع نشّاج «٢»
جاد القلال له بدرّ صبابة ... حمراء مثل سخينة الأوداج «٣»
حبست ثلاثة أحرس في دارة ... قوراء بين جوازل ودجاج «٤»
تدع الغويّ كأنّه في نفسه ... ملك يعصّب رأسه بالتّاج
ويظلّ يحسب كلّ شيء حوله ... نجب العراق نزلن بالأحداج «٥»
فحين سمعه أبو عبّاد يقول:
حبست ثلاثة أحرس في دارة ... قوراء بين جوازل ودجاج
قال: لو وجدت خمرا زيتيّة ذهبية، أصفى من عين الديك، وعين الغراب، ولعاب الجندب وماء المفاصل، وأحسن حمرة من النّار، ومن نجيع «٦» غزال، ومن فوّة الصّباغ- لما شربتها حتّى أعلم أنّها من عصير الأرجل، وأنّها من نبات القرى، وما لم تكدر في الزّقاق، وأنّ العنكبوت قد نسجت عليها، وأنّها لم تصر كذلك إلّا وسط دسكرة، وفي قرية سواديّة وحولها دجاج وفراريج. وإن لم تكن رقطاء أو فيها رقط فإنّها لم تتمّ كما أريد. وأعجب من هذا أنّي لا أنتفع بشربها حتّى يكون بائعها على غير الإسلام. ويكون شيخا لا يفصح بالعربيّة، ويكون قميصه متقطّعا بالقار.
وأعجب من هذا أنّ الذي لا بدّ منه أن يكون اسمه وإن كان مجوسيّا شهريار، ومازيار، وما أشبه ذلك، مثل أدير، واردان، ويازان. فإن كان يهوديا فاسمه مانشا، وأشلوما، وأشباه ذلك، وإن كان نصرانيّا فاسمه يوشع وشمعون وأشباه ذلك.
٥١٥-[استطراد لغوي]
ويقال حمس الشرّ وأحمس إذا اشتدّ. ويقال قد احتمس الدّيكان احتماسا، إذا
стр. 428
اقتتلا اقتتالا شديدا، ويقال وقع الطائر يقع وقوعا. وكلّ واقع فمصدره الوقوع، ومكانه موقعة، والجمع مواقع. وقال الرّاجز «١» : [من الرجز]
كأنّ متنيه من النفيّ ... مواقع الطير على الصّفيّ «٢»
يقال صفا وصفيّ. والنّفيّ: ما نفى الرّشاء من الماء، وما تنفيه مشافر الإبل من من الماء المدير «٣» . فشبّه مكانه على ظهر الساقي والمستقي بذرق الطّير على الصّفا.
ويقال: وقع الشيء من يدي وقوعا، وسقط من يدي سقوطا. ويقال وقع الربيع بالأرض، ويقال سقط. وقال الرّاعي: [من الكامل]
وقع الربيع وقد تقارب خطوه ... ورأى بعقوته أزلّ نسولا «٤»
٥١٦-[لؤم الفروج]
قال: وكان عندنا فرّوج، وفي الدار سنانير تعابث الحمام وفراخه، وكان الفرّوج يهرب منها إلى الحمام، فجاؤونا بدرّاج، فترك الحمام وصار مع الدّرّاج، ثمّ اشترينا فروجا كسكريّا للذّبح فجعلناه في قفص، فترك الدّرّاج ولزم قرب القفص، فجئنا بدجاجة فترك الدّيك وصار مع الدّجاجة، فذكرت قول الفزر عبد بني فزارة- وكانت بأذنه خربة «٥» -: إنّ الوئام يتنزّع في جميع الطّمش «٦» ، لا يقرب العنز الضّأن ما وجدت المعز، وتنفر [الشاء] «٧» من المخلب ولا تتأنّس بالخفّ. فجعلها كما ترى تنفر ولا تأنس منزله وكذلك حدّثنا الأصمعيّ قال: قلت للمنتجع بن نبهان- وكانت بأذنه خربة «٨» - أكان تميم مسلما؟ قال: إن كان هو الذي سمّى ابنه زيد مناة فما كان
стр. 429
مسلما، وإلّا يكن هو الذي سمّاه فلا أدري. ولم يقل: وإلّا يكن هو سمّاه فقد كان مسلما.
٥١٧-[لولا الوئام لهلك الأنام]
والوئام: المشاكلة. وقالوا: تقول العرب: «لولا الوئام لهلك الأنام» «١» . وقال بعضهم: تأويل ذلك: لولا أنّ بعض الناس إذا رأى صاحبه قد صنع خيرا فتشبّه به لهلك الناس، وقال الآخرون: إنما ذهب إلى أنس بعض الناس ببعض، كأنّه قال: إنّما يتعايشون على مقادير الأنس الذي بينهم، ولو عمّتهم الوحشة عمّتهم الهلكة، وقال قوم بن مالك، في الوئام: [من الوافر]
علام أوائم البخلاء فيها ... فأقعد لا أزور ولا أزار «٢»
وقال الأخطل «٣» : [من البسيط]
نازعته في الدجى الرّاح الشّمول وقد ... صاح الدّجاج وحانت وقفة السّاري
وقال جرير «٤» : [من البسيط]
لمّا مررت على الدّيرين أرّقني ... صوت الدّجاج وقرع بالنواقيس «٥»
٥١٨-[شعر في الديكة والدجاج]
قالوا: وقد وجدنا الدّيكة والدّجاج وأفعالها، مذكورات في مواضع كثيرة، قال ذو الرّمة «٦» : [من البسيط]
كأنّ أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج «٧»
стр. 430
وقال الهذلي «١» : [من المتقارب]
ومن أينها بعد إبدانها ... ومن شحم أثباجها الهابط «٢»
تصيح جنادبه ركّدا ... صياح المسامير في الواسط
فهو على كلّ مستوفز ... سقوط الدّجاج على الحائط
وقال مروان بن محمد: [من السريع]
ضيّع ما ورّثه راشد ... من كيلة الأكداس في صفّه
فربّ كدس قد علا رمسه ... كالدّيك إذ يعلو على رفّه
٥١٩-[بيضة الديك وبيضة العقر]
ويقال في المثل للذي يعطي عطيّة لا يعود في مثلها: «كانت بيضة الدّيك» «٣» .
فإن كان معروف له قيل: «بيضة العقر» «٤» .
٥٢٠-[استطراد لغوي]
ويقال دجاجة بيوض في دجاج بيض وبيض، بإسكان موضع العين من الفعل من لغة سفلى مضر، وضمّ موضع العين من نظيره من الفعل مع الفاء من لغة أهل الحجاز.
ويقال عمد الجرح يعمد عمدا، إذا عصر قبل أن ينضج فورم ولم يخرج بيضته وذلك الوعاء والغلاف الذى يجمع المدّة يسمّى بيضة، وإذا خرج ذلك بالعصر من موضع العين فقد أفاق صاحبه.
ويقال حضن الطائر فهو يحضن حضانا.
٥٢١-[تقسيم الجماع]
ويقال «٥» : هو التّسافد من الطير، والتعاظل من السّباع. ويقال قمط الحمام الحمامة وسفدها، ويقال قعا الفحل يقعو قعوا، وهو إرساله بنفسه عليها في ضرابه،
стр. 431
والفحل من الخفّ يضرب، وهو القعو والضّراب. ومن الظّلف والحافر ينزو نزوا، وكذلك السنانير، والظليم يقعو، وكلّ الطير يقعو قعوا، وأما الخفّ والظّلف فإنّه يقعو بعد التسنم. وهو ضراب كلّه ما خلا التسنّم. وأما الظّلف خاصّة فهو قافط، يقال قفط يقفط قفطا. أو القفط نزوة واحدة. وليس في الحافر إلّا النّزو.
٥٢٢-[حضن الدجاج بيض الطاوس]
قال «١» : ويوضع بيض الطاوس تحت الدّجاجة، وأكثر ذلك لأنّ الذّكر يعبث بالأنثى إذا حضنت، قال: ولهذه العلّة كثير من إناث طير الوحش يهرّبن بيضهنّ من ذكورتها، ثمّ لا تضعه بحيث يشعر به ذكورتهنّ.
قال: ويوضع تحت الدجاجة بيضتان من بيض الطاوس، لا تقوى على تسخين أكثر من ذلك. على أنهم يتعهّدون الدّجاجة بجميع حوائجها خوفا من أن تقوم عنه فيفسده الهواء.
٥٢٣-[حجم خصى ذكور الطير]
قال: وخصى ذكور أجناس الطّير تكون في أوان أوّل السفاد أعظم. وكلّما كان الطير أعظم سفادا. كانت خصيته أعظم، مثل الدّيك، والقبج، والحجل.
وخصية العصفور أعظم من خصية ما يساويه في الجثّة مرّتين.
٥٢٤-[بيض الدجاج]
قال: وكلّ ما كان من الدّجاج أصغر جثّة يكون أكبر لبيضه. وبعض الدّجاج يكون يبيض بيضا كثيرا، وربما باض بيضتين في يوم واحد؛ وإذا عرض له ذلك كان من أسباب موته «٢» .
٥٢٥-[شعر في صفة الديك]
وقال آخر «٣» في صفة الديك: [من البسيط]
ماذا يؤرّقني والنوم يعجبني ... من صوت ذي رعثات ساكن الدّار
стр. 432
كأنّ حمّاضة في رأسه نبتت ... من آخر الليل قد همّت بإثمار «١»
وقال الطرمّاح «٢» : [من الطويل]
فيا صبح كمّش غبّر اللّيل مصعدا ... ببمّ ونبّه ذا العفاء الموشّح
إذا صاح لم يخذل وجاوب صوته ... حماش الشّوى يصدحن من كلّ مصدح
٥٢٦-[حضن الحمام بيض الدجاج]
قال «٣» : والفرّوج إذا خرج من بيضه عن حضن الحمام، كان أكيس له.
٥٢٧-[بيض الطاوس]
وبيض الطّاوس إذا لم تحضنه الأنثى التي باضته خرج الفرخ أقمأ وأصغر.
٥٢٨-[بيض الدجاج]
قال: وإذا أهرمت الدجاجة فليس لأواخر ما تبيض صفرة. وقد عاينوا للبيضة الواحدة محّتين، خبّرني بذلك جماعة ممّن يتعرّف الأمور. وإذا لم يكن للبيضة محّ لم يخلق من البيضة فرّوج ولا فرخ، لأنّه ليس له طعام يغذوه ويربيه. والبيض إذا كان فيه مّحتان وكان البياض وافرا- ولا يكون ذلك للمسنّات- فإذا كان ذلك خلق الله تعالى من البياض فروجين، وتربّى الفرّوجان، وتمّ الخلق، لأنّ الفرخ إنّما يخلق من البياض، والصفرة غذاء الفروج.
٥٢٩-[استطراد لغوي]
قال: ويقال قفط الطائر يقفط قفطا، وسفد يسفد سفادا، وهما واحد. ويكون السّفاد للكلب والشاة، ويقال قمط الحمام يقمط قمطا.
ويقال ذرق الطائر يذرق ذرقا، وخزق يخزق خزقا، يقال ذلك للإنسان، فإذا
стр. 433
اشتقّ له من الحذقة نفسه ومن اسمه الذي هو اسمه قيل خرئ، وهو الخرء والخراء.
ويقال للحافر راث يروث، وللمعز والشاء: بعر يبعر، ويقال للنّعام: صام يصوم، وللطير: نجا ينجو واسم نجو النّعام الصّوم، واسم نجو الطير العرّة. وقال الطّرمّاح:
[من المديد]
في شناظي أقن بينها ... عرّة الطّير كصوم النّعام «١»
ويقال للصبي عقى، مأخوذ من العقي.
ويقال لحمت الطير، ويقال ألحم طائرك إلحاما، أي أطعمه لحما واتخّذ له.
ويقال هي لحمة النّسب، ويقال ألحمت الثوب إلحاما، وألحمت الطائر إلحاما، وهي لحمة الثّوب، ولحمة، بالفتح والضمّ.
٥٣٠-[القول في عين الديك]
ومن خصال الدّيك المحمودة قولهم في الشراب: «أصفى من عين الدّيك» وإذا وصفوا عين الحمام الفقيع بالحمرة، أو عين الجراد قالوا: كأنّها عين الدّيك. وإذا قالوا: «أصفى من عين الغراب» فإنّما يريدون حدّته ونفاذ البصر.
وفي عين الديك يقول الأعشى: [من الطويل]
وكأس كعين الدّيك باكرت حدّها ... بغرّتها إذ غاب عنها بغاتها «٢»
وقال آخر: [من الطويل]
وكأس كعين الديك باكرت حدها ... بفتيان صدق والنّواقيس تضرب «٣»
وقال آخر «٤» : [من الخفيف]
قدّمته على عقار كعين الدّي ... ك صفّى زلالها الرّاووق
стр. 434
وقال الآخر «١» : [من الطويل]
ثلاثة أحوال وشهرا مجرّما ... تضيء كعين العترفان المحارب
والعترفان من أسماء الديك، وسماه بالمحارب كما سماه بالعترفان.
٥٣١-[وصف الماء الصافي]
وإذا وصفوا الماء والشّراب بالصّافي قالوا، كأنّه الدّمع، وكأنّه ماء قطر، وكأنّه ماء مفصل، وكأنّه لعاب الجندب، إلّا أنّ هذا الشاعر قال: [من الطويل]
مطبقة ملآنة بابليّة ... كأنّ حميّاها عيون الجنادب
وقال آخر «٢» : [من الطويل]
وما قرقف من أذرعات كأنّها ... إذا سكبت من دنّها ماء مفصل
٥٣٢-[المفاصل وماء المفاصل]
والمفاصل: ماء بين السّهل والجبل، وقال أبو ذؤيب «٣» : [من الطويل]
مطافيل أبكار حديث نتاجها ... تشاب بماء مثل ماء المفاصل
وقال ابن نجيم: إنما عنوا مفاصل فقار الجمل، لأنّ لكلّ مفصل حقا، فيستنقع فيه ماء أبدا أصفى ولا أحسن منه وإن رقّ.
٥٣٣-[حدة بصر الكلب]
وقال مرّة قطرب، وهو محمد بن المستنير النحويّ: «والله لفلان أبصر من كلب، وأسمع من كلب، وأشمّ من كلب» !. فقيل له: أنشدنا في ذلك ما يشبه قولك. فأنشد قوله «٤» : [من البسيط]
يا ربّة البيت قومي غير صاغرة ... حطّي إليك رحال القوم فالقربا «٥»
стр. 435
في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطّنبا «١»
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتّى يجرّ على خيشومه الذّنبا
وأنشد هذا البيت في ثقوب بصره، والشّعر لمرّة بن محكان السعديّ.
ثم أنشد في ثقوب السّمع: [من الطويل]
خفيّ السّرى لا يسمع الكلب وطأه ... أتى دون نبح الكلب والكلب دابب
٥٣٤-[خصال القائد التركي]
قال أبو الحسن: قال نصر بن سيّار اللّيثي: كان عظماء التّرك يقولون للقائد العظيم القيادة: لا بدّ أن تكون فيه عشر خصال من أخلاق الحيوان: سخاء الديك، وتحنّن الدجاجة، وقلب الأسد، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وختل الذئب، وصبر الكلب على لجراحة، وحذر الغراب، وحراسة الكركيّ، وهداية الحمام «٢» .
وقد كتبنا هذا في باب ما للدّجاج والدّيك، لأنّ صاحب هذا الكلام قسّم هذه الخصال، فأعطى كلّ جنس منها خصلة واحدة وأعطى جنس الدجاج خصلتين.
٥٣٥-[ما ورد من الحديث والخبر في الديك]
وعبّاد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن زيد قال: كان مكحول يسافر بالدّيك، وعنه في هذا الإسناد عن رسول الله ﷺ : «الدّيك صديقي، وصديق صديقي، وعدوّ عدوّ الله، يحفظ داره وأربع دور من حواليه» «٣» .
والمسيب بن شريك عن الأعمش نحسبه عن إبراهيم، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تذبحوا الدّيك، فإنّ الشّيطان يفرح به» «٤» .
والقربا» ، ما الفائدة في هذا؟ فقال: كان الضيف إذا نزل بالعرب في الجاهلية ضموا إليه رحله، وبقي سلاحه معه لا يؤخذ خوفا من البيان والإغارة» ، فقال مرة بن محكان يخاطب امرأته: ضمي إليك رحال هؤلاء الضيفان وسلاحهم، فإنهم عندي في عز وأمن من الغارات والبيات، فليسوا ممن يحتاج أن يبيت لابسا سلاحه) .
стр. 436
٥٣٦-[وصف جناح الطائر]
قال «١» : وليس جناح إلّا وفيه عشرون ريشة: فأربع قوادم. وأربع مناكب، وأربع أباهر، وأربع كلى، وأربع خواف، ويقال: سبع قوادم، وسبع خواف، وسائره لقب.
٥٣٧-[الرّكبة والكف لدى الإنسان وذوات الأربع]
قال: وكلّ شيء من ذوات الأربع فركبتاه في يديه، وركبتا الإنسان في رجليه، قال: والإنسان كفّه في يده، والطائر كفه في رجله.
٥٣٨-[أسنان الإنسان]
قال «٢» : وفي الفم ثنيّتان ورباعيتان ونابان وضاحكان وأربعة أرحاء سوى ضرس الحكم. والنّواجذ والعوارض سواء. ومثلها أسفل.
٥٣٩-[التفاؤل بالدجاجة]
قال صاحب الدّيك: والدّجاجة يتفاءل بذكرها، ولذلك لمّا ولد لسعيد بن العاص عنبسة بن سعيد، قال لابنه يحيى: أىّ شيء تنحلة؟ قال: دجاجة بفراريجها! يريد احتقاره بذلك، إذ كان ابن أمة ولم يكن ابن حرّة. فقال سعيد- أو قيل له-: إن صدق الطّير ليكوننّ أكثرهم ولدا! فهم اليوم أكثرهم ولدا «٣» ، وهم بالكوفة والمدينة.
٥٤٠-[شعر في حسن الدجاجة ونبل الديك]
وقال الشاعر «٤» : [من الوافر]
غدوت بشربة من ذات عرق ... إبا الدّهناء من حلب العصير
وأخرى بالعقنقل ثمّ سرنا ... نرى العصفور أعظم من بعير
كأنّ الدّيك ديك بني نمير ... أمير المؤمنين على السّرير
كأنّ دجاجهم في الدّار رقطا ... بنات الرّوم في قمص الحرير
стр. 437
فبتّ أرى الكواكب دانيات ... ينلن أنامل الرّجل القصير
أدافعهنّ بالكفين عنيّ ... وأمسح جانب القمر المنير
٥٤١-[وصف الدجاج بالدعاء والمنطق]
قال: ويوصف بالدّعاء وبالمنطق، قال لبيد بن ربيعة: [من السريع]
وصدّهم منطق الدّجاج عن القص ... د وضرب النّاقوس فاجتنبا «١»
وقال: [من الطويل]
لدن أن دعا ديك الصباح بسحرة ... إلى قدر ورد الخامس المتأوّب «٢»
٥٤٢-[دعابة أعرابي، وقسمته للدجاج]
قال أبو الحسن: حدّثني أعرابيّ كان ينزل بالبصرة قال «٣» : قدم أعرابيّ من البادية فأنزلته، وكان عندي دجاج كثير، ولي امرأة وابنان وابنتان منها، فقلب لامرأتي: بادري واشوي لنا دجاجة وقدّميها إلينا نتغدّاها فلمّا حضر الغداء جلسنا جميعا أنا وامراتي وابناي وابنتاي والأعرابيّ. قال: فدفعنا إليه الدّجاجة فقلنا له:
اقسمها بيننا- نريد بذلك أنّ نضحك منه- فقال: لا أحسن القسمة، فإن رضيتم بقسمتي قسمتها بينكم، قلنا: فإنّا نرضى. فأخذ رأس الدّجاجة فقطعه فناولنيه وقال:
الرّأس للرّأس، وقطع الجناحين وقال: الجناحان للابنين. ثمّ قطع السّاقين فقال:
السّاقان للابنتين. ثمّ قطع الزمكّي وقال: العجز للعجز. [ثم قطع الزور] «٤» وقال:
الّزور للزائر: قال فأخذ الدّجاجة بأسرها وسخر بنا. قال: فلما كان من الغد قلت لامرأتي: اشوي لنا خمس دجاجات. فلما حضر الغداء. قلت: اقسم بيننا. قال: إنّي أظنّ أنّكم وجدتم في أنفسكم! قلنا: لا! لم نجد في أنفسنا فأقسم. قال: أقسم شفعا أو وترا، قلنا: اقسم وترا قال: أنت وامرأتك ودجاجة ثلاثة. ثمّ رمى إلينا بدجاجة. ثمّ قال: وابناك ودجاجة ثلاثة. ثمّ رمى إليهما بدجاجة. ثمّ قال: وابنتاك ودجاجة ثلاثة. ثمّ رمى إليهما بدجاجة. ثمّ قال: أنا ودجاجاتان ثلاثة. وأخذ دجاجتين وسخر بنا. قال: فرآنا ونحن ننظر إلى دجاجتيه فقال: ما تنظرون! لعلّكم
стр. 438
كرهتم قسمتي الوتر لا يجيء إلّا هكذا، فهل لكم في قسمة الشّفع؟ قلنا: نعم.
فضمّهنّ إليه، ثم قال: أنت وابناك ودجاجة أربعة. ورمى إلينا بدجاجة، ثمّ قال:
والعجوز وابنتاها ودجاجة أربعة، ورمى إليهنّ بدجاجة، ثمّ قال: أنا وثلاث دجاجات أربعة، وضمّ إليه الثّلاث، ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم الحمد، أنت فهّمتنيها!
٥٤٣-[صاحب الكلب على صاحب الديك]
قال صاحب الكلب: [أمّا قولهم] «١» : من أعظم مفاخر الدّيك والدّجاج على سائر الحيوان، إنّ الفرّوج يخرج من البيضة كاسيا يكفي نفسه، ثمّ يجمع كيس الخلقة وكيس المعرفة، وذلك كلّه مع خروجه من البيضة- فقد زعم صاحب المنطق أنّ ولد العنكبوت يأخذ في النّسج ساعة يولد. وعمل العنكبوت عمل شاق ولطيف دقيق، لا يبلغه الفرّوج ولا أبو الفرّوج!! على أنّ ما مدحوا الفرّوج به من خروجه من البيضة كاسيا، قد شركه في حاله غير جنسه. وكذلك ذوات الأربع كلها تلد كواسي كواسب، كولد الشاء.
وفراخ القبج والدّرّاج، وفراخ البطّ الصّينيّ في ذلك كلّه لا حقة بالفراريج، وتزيد على ذلك أنّها تزداد حسنا كلّما كبرت. فقد سقط هذا الفخر.
٥٤٤-[شعر هزليّ للشمقمق في الديك]
ومن الشّعر الذي قيل في الدّيك، ممّا يكتب للهزل وليس للجدّ والفائدة، قول أبي الشّمقمق: [من مجزوء الرمل]
هتفت أمّ حصين ... ثمّ قالت: من ينيك
فتحت فرجا رحيبا ... مثل صحراء العتيك
فيه وزّ فيه بطّ ... فيه درّاج وديك
٥٤٥-[حديث صاحب الأهواز عن العرب]
قال: وممّا فيه ذكر الدجاج وليس من شكل ما بنينا كلامنا عليه. ولكنّه يكتب لما فيه من العجب. قال: قال الهامرز. قال «٢» صاحب الأهواز: ما رأينا قوما أعجب من العرب! أتيت الأحنف بن قيس فكلّمته في حاجة لي إلى ابن زياد، وكنت قد ظلمت في الخراج، فكلّمه فأحسن إليّ وحطّ عنّي، فأهديت إليه هدايا كثيرة فغضب وقال: إنّا لا نأخذ على معونتنا أجرا! فلمّا كنت في بعض الطريق سقطت من ردائي
стр. 439
دجاجة فلحقني رجل منهم فقال: هذه سقطت من ردائك. فأمرت له بدرهم، ثمّ لحقني بالأبلّة فقال: أنا صاحب الدّجاجة! فأمرت له بدراهم؛ ثمّ لحقني بالأهواز فقال: أنا صاحب الدّجاجة! فقلت له: إن رأيت زادي بعد هذا كلّه قد سقط فلا تعلمني، وهو لك!!
٥٤٦-[جرو البطحاء]
قال صاحب الكلب: كان يقال لأبي العاصي بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس، وهو زوج زينب بنت رسول الله ﷺ ولأخيه كنانة بن الرّبيع: جرو البطحاء.
٥٤٧-[أسطورة البازي والديك]
قال صاحب الديك لصاحب الكلب: وسنضرب لك المثل الذي ضربه الموريانيّ للدّيك والبازي: وذلك أنّ خلّاد بن يزيد الأرقط قال: بينما أبو أيّوب الموريانيّ جالس في أمره ونهيه، إذ أتاه رسول أبي جعفر فانتقع لونه، وطارت عصافير رأسه «١» ، وأذن بيوم بأسه، وذعر ذعرا نقض حبوته «٢» ، واستطار فؤاده، ثمّ عاد طلق الوجه، فتعجّبنا من حاليه وقلنا له: إنّك لطيف الخاصّة قريب المنزلة. فلم ذهب بك الذّعر واستفرغك الوجل؟ فقال: سأضرب لكم مثلا من أمثال الناس.
زعموا أنّ البازي قال للديك: ما في الأرض شيء أقلّ وفاء منك! قال: وكيف؟
قال: أخذك أهلك بيضة فحضنوك، ثمّ خرجت على أيديهم فأطعموك على أكفّهم، ونشأت بينهم، حتّى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلّا طرت هاهنا وهاهنا وضججت وصحت. وأخذت أنا من الجبال مسنّا فعلّموني وألّفوني، ثمّ يخلّى عنّي فآخذ صيدي في الهواء فأجيء به إلى صاحبي. فقال له الدّيك: إنّك لو رأيت من البزاة في سفافيدهم مثل ما رأيت من الدّيوك لكنت أنفر منّي! ولكنّكم أنتم لو علمتم ما أعلم، لم تتعجّبوا من خوفي، مع ما ترون من تمكّن حالي.
٥٤٨-[أجود الخيل]
قال صاحب الكلب: ذكر محمّد بن سلّام عن سعيد بن صخر قال: أرسل مسلم بن عمرو، ابن عمّ له إلى الشّام ومصر يشتري له خيلا، فقال له: لا علم لي
стр. 440
بالخيل- وكان صاحب قنص- قال: ألست صاحب كلاب؟ قال: بلى. قال فانظر كلّ شيء تستحسنه في الكلب فاستعمله في الفرس. فقدم بخيل لم يكن في العرب مثلها.
٥٤٩-[حاجة الديك إلى الدجاجة]
قال محمّد بن سلّام: استأذن رجل على امرأة فقالت له: ماله من حاجة. قالت الجارية: يريد أن يذكر حاجة. قالت: لعلها حاجة الدّيك إلى الدّجاجة! «١» .
٥٥٠-[هرب الكميت من السجن متنكرا بثياب زوجه]
محمّد بن سلّام عن سلّام أبي المنذر قال «٢» : حبس خالد بن عبد الله الكميت ابن زيد، وكانت امرأته تختلف إليه في ثياب وهيئة حتّى عرفها البوّابون، فلبس يوما ثيابها وخرج عليهم. فسمّى في شعره «٣» البوّابين النّوابح، وسمّى خالدا المشلي:
[من الطويل]
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل ... على الرّغم من تلك النّوابح والمشلي «٤»
عليّ ثياب الغانيات وتحتها ... صريمة عزم أشبهت سلّة النّصل
٥٥١-[فتيا الحسن في استبدال البيض]
قال: وأخبرنا خشرم قال: سمعت فلانا البقّال يسأل الحسن قال: إنّ الصبيان يأتونني ببيضتين مكسورتين، يأخذون منّي صحيحة واحدة. قال: ليس به بأس.
٥٥٢-[أعجوبة في الكلبة]
محمّد بن سلّام عن بعض أشياخه قال: قال مصعب بن الزّبير على منبر مسجد البصرة، لبعض بني أبي بكره: إنما كانت أمّكم مثل الكلبة، ينزو عليها الأعفر والأسود والأبقع، فتؤدي إلى كلّ كلب شبهه «٥» .
هذا في هذا الموضع هجاء، وأصحاب الكلاب يرون هذا من باب النّجابة، وأنّ ذلك من صحّة طباع الأرحام، حين لا تختلط النّطف فتجيء جوارح الأولاد مختلفة مختلطة.
стр. 441
٥٥٣-[وصية عثمان الخياط للشطار]
وقال صاحب الكلب: في وصيّة عثمان الخيّاط للشّطّار اللّصوص: إيّاكم إيّاكم وحبّ النّساء وسماع ضرب العود، وشرب الزّبيب المطبوخ، وعليكم باتّخاذ الغلمان؛ فإنّ غلامك هذا أنفع لك من أخيك، وأعون لك من ابن عمّك، وعليكم بنبيذ التّمر، وضرب الطّنبور، وما كان عليه السلف واجعلوا النّقل باقلّاء، وإن قدتم على الفستق، والرّيحان شاهسفرم «١» ، وإن قدرتم على الياسمين. ودعوا لبس العمائم وعليكم بالقناع. والقلنسوة كفر، والخف شرك، واجعل لهوك الحمام، وهارش الكلاب وإيّاك والكباش واللّعب بالصّقورة والشّواهين، وإيّاكم والفهود.
فلما انتهى إلى الديك قال: والدّيك فإنّ له صبرا ونجدة، وروغانا وتدبيرا، وإعمالا للسّلاح، وهو يبهر بهر الشّجاع.
ثم قال: وعليكم بالنّرد ودعوا الشّطرنج لأهلها، ولا تلعبوا في النّرد إلا بالطويلتين. والودغ «٢» رأس مال كبير، وأوّل منافعه الحذق باللّقف «٣» .
ثمّ حدّثهم بحديث يزيد بن مسعود القيسيّ.
٥٥٤-[كراهية ما يصيده الكلب الأسود البهيم]
وقال صاحب الديك: ذكر محمّد بن سلّام عن يحيى بن النضر، عن أبي أميّة عبد الكريم المعلّم قال: كان الحسن بن إبراهيم يكره صيد الكلب الأسود البهيم.
٥٥٥-[قصيدة ابن أبي كريمة في صفة صيد الكلب]
وأنشد صاحب الكلب قول أحمد بن زياد بن أبي كريمة في صفة صيد الكلب، قصيدة طويلة أوّلها «٤» : [من الطويل]
وغبّ غمام مزّقت عن سمائه ... شاميّة حصّاء جون السّحائب «٥»
مواجه طلق لم يردّد جهامه ... تذاؤب أرواح الصّبا والجنائب
стр. 442
بعثت وأثواب الدّجى قد تقطّصت ... لغرّة مشهور من الصبّح ثاقب «١»
وقد لاح ناعي الليل حتّى كأنّه ... لساري الدّجى في الفجر قنديل راهب
بهاليل لا يثنيهم عن عزيمة ... وإن كان جمّ الرشد، لوم القرائب «٢»
بتجنيب غضف كالقداح لطيفة ... مشرّطة آذانها بالمخالب «٣»
تخال سياطا في صلاها منوطة ... طوال الهوادي كالقداح الشوازب «٤»
إذا افترشت خبتا أثارت بمتنه ... عجاجا وبالكذّان نار الحباحب «٥»
يفوت خطاها الطّرف سبقا كأنّها ... سهام مغال أو رجوم الكواكب
طراد الهوادي لاحها كلّ شتوة ... بطامسة الأرجاء مرت المسارب «٦»
تكاد من الأحراج تنسلّ كلّما ... رأت شبحا لولا اعتراض المناكب «٧»
تسوف وتوفى كلّ نشز وفدفد ... مرابض أبناء النّفاق الأرانب «٨»
كأنّ بها ذعرا، يطير قلوبها ... أنين المكاكي أو صرير الجنادب «٩»
تدير عيونا ركّبت في براطل ... كجمر الغضى خزرا ذراب الأنائب «١٠»
إذا ما استحثّت لم يجنّ طريدها ... لهنّ ضراء أو مجاري المذانب «١١»
وإن باصها صلتا مدى الطّرف أمسكت ... عليه بدون الجهد سبل المذاهب «١٢»
стр. 443
تكاد تفرّى الأهب عنها إذا انتحت ... لنبّأة شخت الجرم عاري الرّواجب «١»
كأنّ غصون الخيزران متونها ... إذا هي جالت في طراد الثّعالب «٢»
كواشر عن أنيابهنّ كوالح ... مذلّقة الآذان شوس الحواجب «٣»
كأنّ بنات القفر حين تفرّقت ... غدون عليها بالمنايا الشّواعب «٤»
ثم وصف الفهود:
بذلك أبغي الصّيد طورا وتارة ... بمخطفة الأكفال رحب التّرائب «٥»
مرقّقة الأذناب نمر ظهورها ... مخطّطة الآماق غلب الغوارب «٦»
مدنّرة ورق كأنّ عيونها ... حواجل تستذمى متون الرّواكب «٧»
إذا قلّبتها في الفجاج حسبتها ... سنا ضرم في ظلمة اللّيل ثاقب «٨»
مولّعة فطح الجباه عوابس ... تخال على أشداقها خطّ كاتب «٩»
نواصب آذان لطاف كأنّها ... مداهن، للإجراس من كلّ جانب ١»
ذوات أشاف ركّبت في أكفّها ... نوافذ في صمّ الصّخور نواشب «١١»
ذراب بلا ترهيف قين كأنّها ... تعقرب أصداغ الملاح الكواعب «١٢»
فوارس مالم تلق حربا، ورجلة ... إذا آنست بالبيد شهب الكتائب «١٣»
стр. 444
تروّ وتسكين يكون دريئة ... لهنّ بذي الأسراب في كلّ لاحب «١»
تضاءل حتّى لا تكاد تبينها ... عيون لدى الصرّات غير كواذب
حراص يفوت البرق أمكث جريها ... ضراء مبلّات بطول التّجارب «٢»
توسّد أجياد الفرائس أذرعا ... مرمّلة تحكى عناق الحبائب «٣»
٥٥٦-[سهل بن هارون وديكه]
قال دعبل الشاعر «٤» : أقمنا عند سهل بن هارون فلم نبرح، حتّى كدنا نموت من الجوع، فلما اضطررناه قال: يا غلام، ويلك غدّنا! قال: فأتينا بقصعة فيها مرق فيه لحم [ديك عاس] «٥» هرم ليس قبلها ولا بعدها غيرها لا تحزّ فيه السكين، ولا تؤثّر فيه الأضراس. فاطّلع في القصعة وقلّب بصره فيها، ثمّ أخذ قطعة خبز يابس فقلّب جميع ما في القصعة حتّى فقد الرأس من الدّيك وحده، [فبقي مطرقا ساعة] «٦» ثمّ رفع رأسه إلى الغلام فقال: أين الرّأس؟ فقال: رميت به. قال: ولم رميت به؟ قال: لم أظنّك تأكله! قال: ولأيّ شيء ظننت أنّي لا آكله؟ فو الله إنّي لأمقت من يرمي برجليه [فكيف من يرمي برأسه] «٧» ؟! ثم قال له: لو لم أكره ما صنعت إلّا للطّيرة والفأل، لكرهته! الرأس رئيس وفيه الحواسّ، ومنه يصدح الديك، ولولا صوته ما أريد؛ وفيه فرقه الذي يتبرّك به، وعينه التي يضرب بها المثل، يقال: «شراب كعين الديك» «٨» ، ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم أر عظما قطّ أهشّ تحت الأسنان من عظم رأسه، فهلّا إذ ظننت أنّي لا آكله، ظننت أنّ العيال يأكلونه؟! وإن كان بلغ من نبلك أنّك لا تأكله، فإنّ عندنا من يأكله. أو ما علمت أنّه خير من طرف الجناح، ومن السّاق والعنق! انظر أين هو؟ قال: والله ما أدري أين رميت به! قال: لكنّي أدري أنّك رميت به في بطنك، والله حسيبك!
كمل المصحف الثاني من كتاب الحيوان بحمد الله تعالى وحسن عونه ويتلوه في الثالث إن شاء الله ذكر الحمام
стр. 445
[فهرس الجزءين الأول والثاني من كتاب الحيوان]
فهرس أبواب المصحف الأول
مقدمة الكتاب ٧
باب ذكر ما يعتري الإنسان بعد الخصاء ٧٢
باب ذكر ما جاء في خصاء الدواب ١١٧
باب مما قدمنا ذكره ١٤٤
باب ما ذكر صاحب الديك ١٤٦
باب ذكر من هجي بأكل لحوم الكلاب ولحوم الناس ١٧٦
[فهرس] أبواب المصحف الثاني
باب احتجاج صاحب الكلب بالأشعار المعروفة ٢٦٠
باب آخر في الكلب وشأنه ٢٨٩
باب ما يشبه من الكلب وليس هو منه ٣٣٩
باب ما يحتاج إلى معرفته ٣٩٨
стр. 446
الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
باب ذكر الحمام
وما أودعها الله من ضروب المعرفة، ومن الخصال المحمودة، لتعرف بذلك حكمة الصّانع، وإتقان صنع المدبّر.
٥٥٧ [استنشاط القارئ ببعض الهزل]
وإن كنّا قد أمللناك بالجدّ وبالاحتجاجات الصحيحة والمروّجة؛ لتكثّر الخواطر، وتشحذ العقول- فإنّا سننشّطك ببعض البطالات، وبذكر العلل الظّريفة، والاحتجاجات الغريبة؛ فربّ شعر يبلغ بفرط غباوة صاحبه من السرور والضحك والاستطراف، ما لا يبلغه حشد أحرّ النوادر، وأجمع المعاني.
وأنا أستظرف أمرين استظرافا شديدا: أحدهما استماع حديث الأعراب. والأمر الآخر احتجاج متنازعين في الكلام، وهما لا يحسنان منه شيئا؛ فإنّهما يثيران من غريب الطّيب ما يضحك كلّ ثكلان وإن تشدّد، وكلّ غضبان وإن أحرقه لهيب الغضب. ولو أنّ ذلك لا يحلّ لكان في باب اللهو والضّحك والسّرور والبطالة والتشاغل، ما يجوز في كلّ فنّ.
وسنذكر من هذا الشكل عللا، ونورد عليك من احتجاجات الأغبياء حججا. فإن كنت ممّن يستعمل الملالة، وتعجل إليه السآمة، كان هذا الباب تنشيطا لقلبك، وجماما لقوّتك. ولنبتدئ النّظر في باب الحمام وقد ذهب عنك الكلال وحدث النشاط.
وإن كنت صاحب علم وجدّ، وكنت ممرّنا موقّحا، وكنت إلف تفكير وتنقير، ودراسة كتب، وحلف تبيّن، وكان ذلك عادة لك لم يضرك مكانه من الكتاب، وتخطّيه إلى ما هو أولى بك.
٥٥٨-[ضرورة التنويع في التأليف]
وعلى أنّي قد عزمت- والله الموفّق- أنّي أوشّح هذا الكتاب وأفصّل أبوابه،
стр. 447
بنوادر من ضروب الشّعر، وضروب الأحاديث، ليخرج قارئ هذا الكتاب من باب إلى باب، ومن شكل إلى شكل؛ فإنّي رأيت الأسماع تملّ الأصوات المطربة والأغانيّ الحسنة والأوتار الفصيحة، إذا طال ذلك عليها. وما ذلك إلّا في طريق الراحة، التي إذا طالت أورثت الغفلة.
وإذا كانت الأوائل قد سارت في صغار الكتب هذه السّيرة، كان هذا التّدبير لما طال وكثر أصلح، وما غايتنا من ذلك كلّه إلّا أن تستفيدوا خيرا.
وقال أبو الدّرداء: إنّي لأجمّ نفسي ببعض الباطل، كراهة أن أحمل عليها من الحق ما يملّها [١] !
٥٥٩-[طائفة من النوادر]
١-[ادّعاء الكرخيّ الفقه]
فمن الاحتجاجات الطيّبة، ومن العلل الملهية، ما حدّثني به ابن المديني قال [٢] : تحوّل أبو عبد الله الكرخيّ اللّحيانيّ إلى الحربيّة [٣] فادّعى أنّه فقيه، وظنّ أنّ ذلك يجوز له؛ لمكان لحيته وسمته.
قال: فألقى على باب داره البواريّ، وجلس وجلس إليه بعض الجيران، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله! رجل أدخل إصبعه في أنفه فخرج عليها دم، أيّ شيء يصنع؟! قال: يحتجم. قال: قعدت طبيبا أو قعدت فقيها؟
٢-[جواب المروزيّ]
وحدّثني شمعون الطبيب قال [٤] : كنت يوما عند ذي اليمينين طاهر بن الحسين فدخل عليه أبو عبد الله المروزيّ فقال طاهر: يا أبا عبد الله مذكم دخلت العراق؟ قال: منذ عشرين سنة، وأنا صائم منذ ثلاثين سنة. قال: يا أبا عبد الله، سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين!
стр. 448
٣-[جواب شيخ كندي]
وحدّثني أبو الجهجاه قال: ادّعى شيخ عندنا أنّه من كندة، قبل أن ينظر في شيء من نسب كندة، فقلت له يوما وهو عندي: ممن أنت يا أبا فلان؟ قال: من كندة. قلت: من أيّهم أنت؟ قال: ليس هذا موضع هذا الكلام، عافاك الله!
٤-[جواب ختن أبي بكر بن بريرة]
ودخلت على ختن أبي بكر بن بريرة، وكان شيخا ينتحل قول الإباضيّة، فسمعته يقول: العجب ممن يأخذه النّوم وهو لا يزعم أنّ الاستطاعة مع الفعل [١] ! قلت: ما الدليل على ذلك؟ قال: الأشعار الصحيحة. قلت: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله [٢] : [من الرجز]
ما إن يقعن الأرض إلّا وفقا
ومثل قوله: [من الرجز]
يهوين شتّى ويقعن وفقا [٣]
ومثل قولهم في المثل: «وقعا كعكمي عير» [٤] .
وكقوله أيضا: [من الطويل]
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل [٥]
وكقوله [٦] : [من الطويل]
أكفّ يدي عن أن تمسّ أكفهم ... إذا نحن أهوينا وحاجتنا معا
ثم أقبل عليّ فقال: أما في هذا مقنع؟ قلت: بلى، وفي دون هذا!
стр. 449
٥-[جواب هشام بن الحكم]
وذكر محمّد بن سلّام عن أبان بن عثمان قال: قال رجل من أهل الكوفة لهشام ابن الحكم: أترى الله في عدله وفضله كلّفنا ما لا نطيق ثمّ يعذّبنا؟! قال:
قد والله فعل، وكنّا لا نستطيع أن نتكلّم به!
٦-[مسائل بين ممرور وأبي يوسف]
وحدّثني محمّد بن الصباح قال: بينا أبو يوسف القاضي يسير بظهر الكوفة- وذلك بعد أن كتب كتاب الحيل- إذ عرض له ممرور عندنا أطيب الخلق، فقال له:
يا أبا يوسف، قد أحسنت في كتاب الحيل، وقد بقيت عليك مسائل في الفطن، فإن أذنت لي سألتك عنها. قال: قد أذنت لك فسل. قال: أخبرني عن الحر كافر هو أو مؤمن؟ فقال أبو يوسف: دين الحر دين المرأة ودين صاحبة الحر: إن كانت كافرة فهو كافر، وإن كانت مؤمنة فهو مؤمن. قال: ما صنعت شيئا. قال: فقل أنت إذن؛ إذ لم ترض بقولي. فقال: الحر كافر. قال: وكيف علمت ذلك؟ قال لأنّ المرأة إذا ركعت أو سجدت استدبر الحر القبلة واستقبلت هي القبلة، ولو كان دينه دين المرأة لصنع كما تصنع. هذه واحدة يا أبا يوسف. قال: صدقت.
قال: فتأذن لي في أخرى؟ قال: نعم. قال: أخبرني عنك إذا أتيت صحراء فهجمت على بول وخراء كيف تعرف أبول امرأة هو أم بول رجل؟ قال: والله ما أدري! قال أجل والله ما تدري! قال: أفتعرف أنت ذاك؟ قال: نعم، إذا رأيت البول قد سال على الخراء وبين يديه فهو بول امرأة، وخراء امرأة، وإذا رأيت البول بعيدا من الخراء فهو بول رجل وخراء رجل. قال: صدقت! قال: وحكى لي جواب مسائل فنسيت منها مسألة، فعاودته فإذا هو لا يحفظها.
٧-[التفاف شعر الاست]
وحدّثني أيّوب الأعور، قال قائل للحجاج العبسي: ما بال شعر الاست إذا نبت أسرع والتفّ؟ قال: لقربه من السّماد والماء هطل عليه!!
٨-[جواب نوفل عريف الكناسين]
وحدّثني محمّد بن حسّان قال: وقفت على نوفل عريف الكنّاسين، وإذا موسوس قد وقف عليه، وعنده كلّ كنّاس بالكرخ، فقال له الموسوس: ما بال بنت
стр. 450
وردان [١] تدع قعر البئر وفيه كرّ [٢] خراء وهو لها مسلم وعليها موفر، وتجيء تطلب اللّطاخة التي في است أحدنا وهو قاعد على المقعدة، فتلزم نفسها الكلفة الغليظة، وتتعرّض للقتل، وإنّما هذا الذي في أستاهنا قيراط من ذلك الدرهم، وقد دفعنا إليها الدّرهم وافيا وافرا. قال: فضحك القوم، فحرّك نوفل رأسه ثم قال: أتضحكون؟! قد والله سأل الرجل فأجيبوا! وأمّا أنا فقد- والله- فكّرت فيها منذ ستّين سنة، ولكنّكم لا تنظرون في شيء من أمر صناعتكم. لا جرم أنّكم لا ترتفعون أبدا! قال له الموسوس: قل- يرحمك الله- فأنت زعيم القوم، فقال نوفل: قد علمنا أنّ الرّطب أطيب من التّمر، والحديث أطرف من العتيق، والشيء من معدنه أطيب، والفاكهة من أشجارها أطرف. قال: فغضب شريكه مسبّح الكنّاس ثم قال: والله لقد وبّختنا، وهوّلت علينا، حتى ظننّا أنّك ستجيب بجواب لا يحسنه أحد، ما الأمر عندنا وعند أصحابنا هكذا. قال: فقال لنا الموسوس: ما الجواب عافاكم الله، فإنّي ما نمت البارحة من الفكرة في هذه المسألة؟ قال مسبّح: لو أنّ لرجل ألف جارية حسناء ثم عتقن عنده لبردت شهوته عنهنّ وفترت، ثمّ إن رأى واحدة دون أخسّهن في الحسن صبا إليها ومات من شهوتها. فبنت وردان تستظرف تلك اللطاخة وقد ملّت الأولى؛ وبعض الناس الفطير أحبّ إليهم من الخمير. وأيضا إنّ الكثير يمنع الشّهوة، ويورث الصّدود. قال: فقال الموسوس- واستحسن جواب مسبّح، بعد أن كان لا يرى جوابا إلّا جواب نوفل-: لا تعرف مقدار العالم حتّى تجلس إلى غيره! أنتم أعلم أهل هذه المدرة، ولقد سألت علماءها عنه منذ عشرين سنة فما تخلّص أحد منهم إلى مثل ما تخلّصهم إليه. وقد والله- أنمتم عيني، وطاب بكم عيشي! وقد علمنا أنّ كلّ شيء يستلب استلابا أنّه ألذ وأطيب. ولذلك صار الدّبيب إلى الغلمان ونيكهم على جهة القهر ألذ وأطيب، وكلّ شيء يصيبه الرّجل فهو أعزّ عليه من المال الذي يرثه أو يوهب له.
٩-[علة الحجاج بن يوسف]
قال: وحدّثني أبان بن عثمان قال: قال الحجّاج بن يوسف: والله لطاعتي أوجب من طاعة الله؛ لأنّ الله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
[٣] فجعل فيها
стр. 451
مثنويّة [١] ؛ وقال: وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا
[٢] ولم يجعل فيها مثنويّة ولو قلت لرجل:
ادخل من هذا الباب، فلم يدخل، لحلّ لي دمه!
١٠-[المدني والكوفي]
قال: وأخبرني محمّد بن سليمان بن عبد الله النوفليّ قال: قال رجل من أهل الكوفة لرجل من أهل المدينة: نحن أشدّ حبّا لرسول الله- ﷺ وعلى آله- منكم يا أهل المدينة! فقال المدنيّ: فما بلغ من حبّك لرسول الله ﷺ وعلى آله؟ قال: وددت أنّي وقيت رسول الله ﷺ وأنّه لم يكن وصل إليه يوم أحد، ولا في غيره من الأيّام شيء من المكروه يكرهه إلا كان بي دونه! فقال المدنيّ: أفعندك غير هذا؟ قال: وما يكون غير هذا؟ قال: وددت أنّ أبا طالب كان آمن فسرّ به النبيّ ﷺ وأنّي كافر!
١١-[جواب رجل من وجوه أهل الشام]
وحدّثني أبان بن عثمان قال: قال ابن أبي ليلى: إنّي لأساير رجلا من وجوه أهل الشّام، إذ مرّ بحمّال معه رمّان، فتناول منه رمّانة فجعلها في كمّه. فعجبت من ذلك، ثمّ رجعت إلى نفسي وكذّبت بصرى، حتّى مرّ بسائل فقير، فأخرجها فناوله إيّاها.
قال: فعلمت أنّي رأيتها فقلت له: رأيتك قد فعلت عجبا. قال: وما هو؟ قلت:
رأيتك أخذت رمّانة من حمّال وأعطيتها سائلا؟ قال: وإنّك ممّن يقول هذا القول؟
أما علمت أنّي أخذتها وكانت سيّئة وأعطيتها فكانت عشر حسنات؟ قال: فقال ابن أبي ليلى: أما علمت أنك أخذتها فكانت سيّئة وأعطيتها فلم تقبل منك؟!
١٢-[جهل الأعراب بالنحو]
وقال الربيع: قلت لأعرابيّ: أتهمز إسرائيل؟ قال: إنّي إذا لرجل سوء؟ قلت:
أتجرّ فلسطين؟ قال: إنّي إذا لقويّ [٣] .
١٣-[احتجاج رجل من أهل الجاهلية]
قال: وحدّثنا حمّاد بن سلمة قال: كان رجل في الجاهليّة معه محجة يتناول به متاع الحاجّ سرقة، فإذا قيل له: سرقت! قال: لم أسرق، إنّما سرق محجني! قال: فقال حماد: لو كان هذا اليوم حيّا لكان من أصحاب أبي حنيفة!
стр. 452
١٤-[الأعمش وجليسه]
قال [١] : وحدّثني محمّد بن القاسم قال: قال الأعمش لجليس له: أما تشتهي بنانيّ [٢] زرق العيون نقيّة البطون، سود الظّهور، وأرغفة حارّة ليّنة، وخلّا حاذقا؟
قال: بلى! قال: فانهض بنا. قال الرّجل: فنهضت معه ودخل منزله. قل: فأومأ إليّ:
أن خذ تلك السّلّة. قال: فكشفها فإذا برغيفين يابسين وسكرّجة [٣] كامخ شبث [٤] .
قال: فجعل يأكل. قال: فقال لي تعال كل. فقلت: وأين السمك؟ قال: ما عندي، سمك، إنما قلت لك: تشتهي!
١٥-[رأي في فقه أبي حنيفة]
قال: وسئل حفص بن غياث عن فقه أبي حنيفة، قال: كان أجهل النّاس بما يكون، وأعرفهم بما لا يكون [٥] .
١٦-[علة خشنام بن هند]
وأما علة خشنام بن هند، فإنّ خشنام بن هند كان شيخا من الغالية، وكان ممّن إذا أراد أن يسمّي أبا بكر وعمر قال: الجبت والطّاغوت، ومنكر ونكير، وأفّ وتفّ، وكسير وعوير. وكان لا يزال يدخل داره حمار كسّاح ويضربه مائة عصا على أنّ أبا بكر وعمر في جوفه. ولم أرقطّ أشدّ احترافا منه. وكان مع ذلك نبيذيّا وصاحب حمام. ويشبه في القدّ والخرط شيوخ الحربيّة [٦] . وكان من بني غبر من صميمهم.
وكان له بنيّ يتبعه، فكان يزنّي [٧] أمّه عند كلّ حقّ وباطل، وعند كلّ جدّ وهزل.
قلت له يوما- ونحن عند بني ربعيّ: ويحك، بأيّ شيء تستحلّ أن تقذف أمّه
стр. 453
بالزّنا؟ فقال: لو كان عليّ في ذلك حرج لما قذفتها: فلم تزوّجت امرأة ليس في قذفها حرج؟ قال: إنّي قد احتلت حيلة حتّى حلّ لي من أجلها ما كان يحرم. قلت: وما تلك الحيلة؟ قال: أنا رجل حديد، وهذا غلام عارم، وقد كنت طلّقت أمّه فكنت إذا افتريت عليها أثمت، فقلت في نفسي إن أرغتها [١] وخدعتها حتّى أنيكها مرّة واحدة حلّ لي بعد ذلك افترائي عليها، بل لا يكون قولي حينئذ فرية، وعلمت أنّ زنية واحدة لا تعدل عشرة آلاف فرية. فأنا اليوم أصدق ولست أكذب. والصّادق مأجور.
إني والله ما أشكّ أنّ الله إذا علم أنّي لم أزن بها تلك المرّة إلّا من خوف الإثم إذا قذفتها- أنّه سيجعل تلك الزّنية له طاعة فقلت: أنت الآن على يقين أنّ زناك طاعة لله تعالى؟ قال: نعم.
١٧-[حجة الشيخ الإباضي في كراهية الشيعة]
[٢] قال الشّيخ الإباضي وقد ذهب عني اسمه وكنيته وهو ختن أبي بكر بن بريرة- وجرى يوما شيء من ذكر التشيّع والشّيعة، فأنكر ذلك واشتدّ غضبه عليهم، فتوهّمت أنّ ذلك إنّما اعتراه للإباضيّة التي فيه، وقلت: وما عليّ إن سألته؟ فإنّه يقال:
إنّ السائل لا يعدمه أن يسمع في الجواب حجّة أو حيلة أو ملحة- فقلت: وما أنكرت من التشيّع ومن ذكر الشّيعة؟ قال: أنكرت منه مكان الشّين التي في أوّل الكلمة؛ لأني لم أجد الشّين في أوّل كلمة قطّ إلّا وهي مسخوطة مثل: شؤم، وشرّ، وشيطان، وشغب، وشحّ، وشمال، وشجن، وشيب، وشين، وشراسة، وشنج [٣] ، وشكّ، وشوكة، وشبث [٤] ، وشرك، وشارب، وشطير، وشطور، وشعرة، وشاني [٥] ، وشتم، وشتيم [٦] ، وشيطرج [٧] ، وشنعة، وشناعة، وشأمة، وشوصة [٨] ، وشتر [٩]
стр. 454
وشجوب [١] وشجّة، وشطون، وشاطن [٢] ، وشنّ [٣] ، وشلل، وشيص [٤] ، وشاطر [٥] ، وشاطرة، وشاحب.
قلت له: ما سمعت متكلّما قطّ يقول هذا ولا يبلغه، ولا يقوم لهؤلاء القوم قائمة بعد هذا!
١٨-[حيلة أبي كعب القاص]
قال: وتعشّى أبو كعب القاصّ بطفشيل [٦] كثير اللّوبيا، وأكثر منه، وشرب نبيذ تمر، وغلّس إلى بعض المساجد ليقصّ على أهله، إذ انفتل الإمام من الصلاة فصادف زحاما كثيرا، ومسجدا مستورا بالبواريّ [٧] من البرد والرّيح والمطر، وإذا محراب غائر في الحائط، وإذا الإمام شيخ ضعيف؛ فلمّا صلّى استدبر المحراب وجلس في زاوية منه يسبّح، وقام أبو كعب فجعل ظهره إلى وجه الإمام ووجهه إلى وجوه القوم، وطبّق وجه المحراب بجسمه وفروته وعمامته وكسائه، ولم يكن بين فقحته وبين أنف الإمام كبير شيء، وقصّ وتحرّك بطنه، فأراد أن يتفرّج بفسوة وخاف أن تصير ضراطا، فقال في قصصه: قولوا جميعا: لا إله إلا الله! وارفعوا بها أصواتكم.
وفسا فسوة في المحراب فدارت فيه وجثمت على أنف الشيخ واحتملها، ثمّ كدّه بطنه فاحتاج إلى أخرى فقال: قولوا: لا إله إلا الله! وارفعوا بها أصواتكم. فأرسل فسوة أخرى فلم تخطئ أنف الشيخ، واختنقت في المحراب. فخمّر الشّيخ أنفه، فصار لا يدري ما يصنع. إن هو تنفّس قتلته الرائحة، وإن هو لم يتنفّس مات كربا.
فما زال يداري ذلك، وأبو كعب يقصّ، فلم يلبث أبو كعب أن احتاج إلى أخرى.
وكلما طال لبثه تولّد في بطنه من النّفخ على حسب ذلك. فقال: قولوا جميعا: لا إله إلا الله! وارفعوا بها أصواتكم. فقال الشيخ من المحراب- وأطلع رأسه وقال-: لا تقولوا! لا تقولوا قد قتلني! إنّما يريد أن يفسو! ثم جذب إليه ثوب أبي كعب وقال:
стр. 455
جئت إلى ها هنا لتفسو أو تقصّ؟ فقال: جئنا لنقص، فإذا نزلت بليّة فلا بدّ لنا ولكم من الصّبر! فضحك الناس، واختلط المجلس.
١٩-[جواب أبي كعب القاصّ]
وأبو كعب هذا هو الذي كان يقصّ في مسجد عتّاب كلّ أربعا فاحتبس عليهم في بعض الأيام وطال انتظارهم له. فبينما هم كذلك إذ جاء رسوله فقال: يقول لكم أبو كعب: انصرفوا؛ فإنّي قد أصبحت اليوم مخمورا!
٢٠-[علة عبد العزيز]
وأمّا علة عبد العزيز بشكست فإنّ عبد العزيز كان له مال، وكان إذا جاء وقت الزّكاة وجاء القوّاد بغلام مؤاجر [١] ، قال: يا غلام ألك أمّ؟ ألك خالات؟ فيقول الغلام:
نعم. فيقول: خذ هذه العشرة الدارهم- أو خذ هذه الدّنانير- من زكاة مالي، فادفعها إليهنّ، وإن شئت أن تبركني بعد ذلك على جهة المكارمة، فافعل، وإن شئت أن تنصرف فانصرف. فيقول ذلك وهو واثق أنّ الغلام لا يمنعه بعد أخذ الدراهم، وهو يعلم أنه لن يبلغ من صلاح طباع المؤاجرين أن يؤدّوا الأمانات. فغبر بذلك ثلاثين سنة وليس له زكاة إلّا عند أمّهات المؤاجرين وأخواتهم وخالاتهم.
٢١-[احتجاج كوفي للتسمية بمحمد]
وحدثني محمّد بن عبّاد بن كاسب قال: قال لي الفضل بن مروان شيخ من طياب الكوفيّين وأغبيائهم: إن ولد لك مائة ذكر فسمهم كلّهم محمدا، وكنّهم بمحمد؛ فإنّك سترى فيهم البركة. أو تدري لأيّ شيء كثر مالي؟ قلت: لا والله ما أدري. قال: إنّما كثر مالي لأنّي سمّيت نفسي فيما بيني وبين الله محمدا! وإذا كان اسمي عند الله محمدا فما أبالي ما قال الناس!
٢٢-[جواب الجوهري]
وشبه هذا الحديث قول المروزي: قلت: لأحمد بن رياح الجوهري اشتريت كساء أبيض طبريّا بأربعمائة درهم، وهو عند الناس- فيما ترى عيونهم قومسيّ [٢] يساوي مائة درهم! قال: علم الله أنّه طبريّ فما عليّ ممّا قال الناس؟!
стр. 456
٢٣-[جواب أبي خزيمة الحارس]
[١] وكان عندنا حارس يكنى أبا خزيمة، فقلت يوما- وقد خطر على بالي-:
كيف اكتنى هذا العلج الألكن بأبي خزيمة؟ ثمّ رأيته فقلت له: خبّرني عنك، أكان أبوك يسمّى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فجدّك أو عمك أو خالك؟ قال: لا. قلت: فلك ابن يسمّى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فكان لك مولّى يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت:
فكان في قريتك رجل صالح أو فقيه يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فلم اكتنيت بأبي خزيمة، وأنت علج ألكن، وأنت فقير، وأنت حارس؟ قال: هكذا اشتهيت. قلت: فلأي شيء اشتهيت هذه الكنية من بين جميع الكنى؟ قال: ما يدريني. قلت: فتبيعها السّاعة بدينار، وتسكتني بأيّ كنية شئت؟ قال: لا والله، ولا بالدّنيا وما فيها!
٢٤-[جواب الزيادي لمسعدة بن طارق]
وحدثني مسعدة بن طارق، قلت للزياديّ- ومررت به وهو جالس في يوم غمق [٢] حارّ ومد [٣] ، على باب داره في شروع نهر الجوبار [٤] بأردية، وإذا ذلك البحر يبخر في أنفه- قال فقلت له بعت دارك وحظّك من دار جدّك زياد بن أبي سفيان، وتركت مجلسك في ساباط غيث [٥] ، وإشرافك على رحبة بني هاشم، ومجلسك في الأبواب التي تلي رحبة بني سليم، وجلست على هذا النّهر في مثل هذا اليوم، ورضيت به جارا؟ قال. نلت أطول آمالي في قرب هولاء البزّازين [٦] . قلت له لو كنت بقرب المقابر فقلت نزلت هذا الموضع للاتّعاظ به والاعتبار كان ذلك وجها. ولو كنت بقرب الحدّادين فقلت لأتذكّر بهذه النّيران والكيران [٧] نار جهنّم، كان ذلك قولا. ولو كنت اشتريت دارا بقرب العطّارين فاعتللت بطلب رائحة الطّيب كان ذلك وجها فأمّا قرب البزّازين فقط فهذا ما لا أعرفه. أفلك فيهم دار غلّة، أو هل لك عليهم ديون حالّة، أو هل لك فيهم أو عندهم غلمان يؤدّون الضّريبة، أو هل لك معهم شركة مضاربة؟ قال: لا. قلت: فما ترجو إذا من قربهم فلم يكن عنده إلّا: نلت آمالي بقرب البزّازين.
стр. 457
٢٥-[حكاية عن ممرور]
وحدثني ثمامة بن أشرس قال: كان رجل ممرور يقوم كلّ يوم فيأتي دالية لقوم، ولا يزال يمشي مع رجال الدالية على ذلك الجذع ذاهبا وجائيا، في شدّة الحرّ والبرد. حتّى إذا أمسى نزل إليهم وتوضّأ وصلّى، وقال: اللهمّ اجعل لنا من هذا فرجا ومخرجا! ثمّ انصرف إلى بيته. فكان كذلك حتّى مات.
٢٦-[بين أعمى وقائده]
وحدّثني المكّي قال [١] : كان رجل يقود أعمى بكراء، وكان الأعمى ربّما عثر العثرة ونكب النّكبة، فيقول: اللهمّ أبدل لي به قائدا خيرا منه! قال: فقال القائد:
اللهمّ أبدل لي به أعمى خيرا لي منه.
٢٧-[حماقة ممرور]
وحدثني يزيد مولى إسحاق بن عيسى قال كنّا في منزل صاحب لنا، إذ خرج واحد من جماعتنا ليقيل [٢] في البيت الآخر، فلم يلبث إلّا ساعة حتى سمعناه يصيح: أوه أوه! قال: فنهضنا بأجمعنا إليه فزعين، فقلنا له: ما لك؟ وإذا هو نائم على شقّه الأيسر، وهو قابض على خصيته بيده فقلت له: لم صحت؟ قال: إذا غمزت خصيتي اشتكيتها، وإذا اشتكيتها صحت. قال: فقلنا له: لا تغمزها بعد حتى لا تشتكي! قال: نعم إن شاء الله تعالى.
٢٨-[حماقة مولاة عيسى بن علي]
قال يزيد: وكانت لعيسى بن عليّ مولاة عجوز خراسانية تصرخ بالليل من ضربان ضرس لها، فكانت قد أرّقت الأمير إسحاق، فقلت له: إنّها مع ذلك لا تدع أكل التمر! قال: فبعث إليها بالغداة فقال لها: أتأكلين التّمر بالنّهار وتصيحين باللّيل؟ فقالت: إذا اشتهيت أكلت وإذا أوجعني صحت!
٢٩-[حكاية عن ممرور]
وحدثني ثمامة قال [٣] : مررت في غبّ مطر والأرض نديّة، والسّماء متغيّمة، والرّيح شمال، وإذا شيخ أصفر كأنّه جرادة، قد جلس على قارعة الطّريق، وحجّام
стр. 458
زنجيّ يحجمه، وقد وضع على كاهله وأخدعيه محاجم، كل محجمة كأنّها قعب، وقد مصّ دمه حتّى كاد أن يستفرغه. قال: فوقفت عليه فقلت: يا شيخ لم تحتجم في هذا البرد؟ قال لمكان هذا الصّفار [١] الذي بي.
٣٠-[صنيع ممرور]
وحدثني ثمامة قال [٢] : حدّثني سعيد بن مسلم قال: كنا بخراسان في منزل بعض الدّهاقين ونحن شباب، وفينا شيخ. قال: فأتانا ربّ المنزل بدهن طيب فدهن بعضنا رأسه، وبعضنا لحيته، وبعضنا مسح شاربه، وبعضنا مسح يديه وأمرّهما على وجهه، وبعضنا أخذ بطرف إصبعه فأدخل في أنفه ومسح به شاربه. فعمد الشيخ إلى بقيّة الدّهن فصبّها في أذنه، فقلنا له: ويحك، خالفت أصحابك كلّهم! هل رأيت أحدا إذا أتوه بدهن طيب صبّه في أذنه؟ قال: فإنّه مع هذا يضرّني؟
٣١-[أمر عيص، سيّد بني تميم]
وحدّثني مسعدة بن طارق الذّرّاع قال [٣] : والله إنّا لوقوف على حدود دار فلان للقسمة، ونحن في خصومة، إذ أقبل عيص سيّد بني تميم وموسرهم والذي يصلّي على جنائزهم. فلمّا رأيناه مقبلا إلينا أمسكنا عن الكلام، فأقبل علينا فقال: حدّثوني عن هذه الدّار، هل ضمّ منها بعضها إلى بعض أحد؟! قال مسعدة: فأنا منذ ستين سنة أفكّر في كلامه ما أدري ما عنى به. قال: وقال لي مرّة: ما من شر من ذين! قلت:
ولم ذاك؟ قال: من جرا يتعلقون.
وحدّثني الخليل بن يحيى السّلوليّ قال [٤] : نازع التميميّ بعض بني عمّه في حائط، فبعث إلينا لنشهد على شهادته، فأتاه جماعة منهم الحميريّ والزهريّ، والزّياديّ، والبكراوي. فلمّا صرنا إليه وقف بنا على الحائط وقال: أشهدكم جميعا أنّ نصف هذا الحائط لي!
٣٢-[جواب ممرور]
قال: وقدم ابن عمّ له إلى عمر بن حبيب، وادّعى عليه ألف درهم فقال ابن
стр. 459
عمّه: ما أعرف ممّا قال قليلا ولا كثيرا، ولا له عليّ شيء! قال: أصلحك الله تعالى! فاكتب بإنكاره. قال: فقال عمر: الإنكار لا يفوتك، متى أردته فهو بين يديك!
٣٣-[أمنية الجرّار والغزّال]
قال [١] : وقلت لأبي عتّاب الجرّار: ألا ترى عبد العزيز الغزّال وما يتكلم به في قصصه؟ قال: وأيّ شيء قاله؟ قلت: قال: ليت الله تعالى لم يكن خلقني وأنا السّاعة أعور! قال أبو عتّاب: وقد قصّر في القول، وأساء في التمني. ولكنّي أقول: ليت الله تعالى لم يكن خلقني وأنا الساعة أعمى مقطوع اليدين والرجلين!
٣٤-[تعزية طريفة لأبي عتّاب الجرار]
[٢] ودخل أبو عتّاب على عمرو بن هدّاب وقد كفّ بصره، والناس يعزّونه، فمثل بين يديه، وكان كالجمل المحجوم [٣] ، وله صوت جهير، فقال: يا أبا أسيد، لا يسوءنّك ذهابهما، فلو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنّيت أنّ الله تعالى قد قطع يديك ورجليك، ودقّ ظهرك، وأدمى ضلعك!.
٣٥-[داود بن المعتمر وبعض النساء]
وبينما داود بن المعتمر الصبّيريّ جالس معي، إذ مرت به امرأة جميلة لها قوام وحسن، وعينان عجيبتان، وعليها ثياب بيض، فنهض داود فلم أشكّ أنّه قام ليتبعها، فبعثت غلامي ليعرف ذلك، فلمّا رجع قلت له: قد علمت أنّك إنما قمت لتكلّمها؛ فليس ينفعك إلا الصّدق، ولا ينجيك منّي الجحود، وإنما غايتي أن أعرف كيف ابتدأت القول، وأي شيء قلت لها- وعلمت أنّه سيأتي بآبدة. وكان مليّا بالأوابد- قال: ابتدأت القول بأن قلت لها [٤] : لولا ما رأيت عليك من سيماء الخير لم أتبعك.
قال: فضحكت حتى استندت إلى الحائط، ثمّ قالت: إنما يمنع مثلك من اتّباع مثلي والطّمع فيها، ما يرى من سيماء الخير فأمّا إذ قد صار سيماء الخير هو الدي يطمع في النساء فإنا لله وإنا إليه راجعون! وتبع داود بن المعتمر امرأة، فلم يزل يطريها حتى أجابت، ودلّها على المنزل
стр. 460
الذي يمكنها فيه ما يريد، فتقدمت الفاجرة وعرض له رجل فشغله، وجاء إلى المنزل وقد قضى القوم حوائجهم وأخذت حاجتها، فلم تنتظره. فلما أتاهم ولم يرها قال:
أين هي؟ قالوا: والله قد فرغنا وذهبت! قال فأيّ طريق أخذت؟ قالوا: لا والله ما ندري؟ قال فإن عدوت في إثرها حتّى أقوم على مجامع الطرق أتروني ألحقها؟ قالوا:
لا والله ما تلحقها! قال: فقد فاتت الآن؟ قالوا: نعم. قال: فعسى أن يكون خيرا! فلم أسمع قطّ بإنسان يشكّ أنّ السّلامة من الذنوب خير غيره.
٣٦-[قول الممرور في الجزء الذي لا يتجزّأ]
وسأل بعض أصحابنا أبا لقمان الممرور عن الجزء الذي لا يتجزّأ: ما هو؟ قال:
الجزء الذي لا يتجزأ هو عليّ بن أبي طالب ﵇. فقال له أبو العيناء محمد:
أفليس في الأرض جزء لا يتجزأ غيره؟ قال: بلى حمزة جزء لا يتجزأ، وجعفر جزء لا يتجزأ! قال فما تقول في العباس؟ قال: جزء لا يتجزأ. قال: فما تقول في أبي بكر وعمر؟
قال: أبو بكر يتجزأ، وعمر يتجزأ. قال: فما تقول في عثمان؟ قال: يتجزّأ مرّتين، والزّبير يتجزّأ مرّتين. قال: فأيّ شيء تقول في معاوية؟ قال: لا يتجزأ ولا لا يتجزأ.
فقد فكرنا في تأويل أبي لقمان حين جعل الإمام جزءا لا يتجزأ إلى أيّ شيء ذهب، فلم نقع عليه إلّا أن يكون كان أبو لقمان إذا سمع المتكلّمين يذكرون الجزء الذي لا يتجزّأ، هاله ذلك وكبر في صدره، وتوهّم أنّه الباب الأكبر من علم الفلسفة، وأن الشيء إذا عظم خطره سموه بالجزء الذي لا يتجزأ.
وقد تسخّفنا في هذه الأحاديث، واستجزنا ذلك بما تقدّم من العذر، وسنذكر قبل ذكرنا القول في الحمام جملا من غرر ونوادر وأشعار ونتف وفقر من قصائد قصار وشوارد وأبيات، لنعطي قارئ الكتاب من كلّ نوع تذهب إليه النّفوس نصيبا إن شاء الله.
٥٦٠-[تناسب الألفاظ مع الأغراض]
ولكلّ ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكلّ نوع من المعاني نوع من الأسماء: فالسّخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزل للجزل، والإفصاح في موضع الإفصاح، والكناية في موضع الكناية، والاسترسال في موضع الاسترسال.
وإذا كان موضع الحديث على أنّه مضحك ومله، وداخل في باب المزاح والطّيب، فاستعملت فيه الإعراب، انقلب عن جهته. وإن كان في لفظه سخف وأبدلت