٢٣-[جواب أبي خزيمة الحارس]
[١] وكان عندنا حارس يكنى أبا خزيمة، فقلت يوما- وقد خطر على بالي-:
كيف اكتنى هذا العلج الألكن بأبي خزيمة؟ ثمّ رأيته فقلت له: خبّرني عنك، أكان أبوك يسمّى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فجدّك أو عمك أو خالك؟ قال: لا. قلت: فلك ابن يسمّى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فكان لك مولّى يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت:
فكان في قريتك رجل صالح أو فقيه يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فلم اكتنيت بأبي خزيمة، وأنت علج ألكن، وأنت فقير، وأنت حارس؟ قال: هكذا اشتهيت. قلت: فلأي شيء اشتهيت هذه الكنية من بين جميع الكنى؟ قال: ما يدريني. قلت: فتبيعها السّاعة بدينار، وتسكتني بأيّ كنية شئت؟ قال: لا والله، ولا بالدّنيا وما فيها!
٢٤-[جواب الزيادي لمسعدة بن طارق]
وحدثني مسعدة بن طارق، قلت للزياديّ- ومررت به وهو جالس في يوم غمق [٢] حارّ ومد [٣] ، على باب داره في شروع نهر الجوبار [٤] بأردية، وإذا ذلك البحر يبخر في أنفه- قال فقلت له بعت دارك وحظّك من دار جدّك زياد بن أبي سفيان، وتركت مجلسك في ساباط غيث [٥] ، وإشرافك على رحبة بني هاشم، ومجلسك في الأبواب التي تلي رحبة بني سليم، وجلست على هذا النّهر في مثل هذا اليوم، ورضيت به جارا؟ قال. نلت أطول آمالي في قرب هولاء البزّازين [٦] . قلت له لو كنت بقرب المقابر فقلت نزلت هذا الموضع للاتّعاظ به والاعتبار كان ذلك وجها. ولو كنت بقرب الحدّادين فقلت لأتذكّر بهذه النّيران والكيران [٧] نار جهنّم، كان ذلك قولا. ولو كنت اشتريت دارا بقرب العطّارين فاعتللت بطلب رائحة الطّيب كان ذلك وجها فأمّا قرب البزّازين فقط فهذا ما لا أعرفه. أفلك فيهم دار غلّة، أو هل لك عليهم ديون حالّة، أو هل لك فيهم أو عندهم غلمان يؤدّون الضّريبة، أو هل لك معهم شركة مضاربة؟ قال: لا. قلت: فما ترجو إذا من قربهم فلم يكن عنده إلّا: نلت آمالي بقرب البزّازين.
стр. 457
٢٥-[حكاية عن ممرور]
وحدثني ثمامة بن أشرس قال: كان رجل ممرور يقوم كلّ يوم فيأتي دالية لقوم، ولا يزال يمشي مع رجال الدالية على ذلك الجذع ذاهبا وجائيا، في شدّة الحرّ والبرد. حتّى إذا أمسى نزل إليهم وتوضّأ وصلّى، وقال: اللهمّ اجعل لنا من هذا فرجا ومخرجا! ثمّ انصرف إلى بيته. فكان كذلك حتّى مات.
٢٦-[بين أعمى وقائده]
وحدّثني المكّي قال [١] : كان رجل يقود أعمى بكراء، وكان الأعمى ربّما عثر العثرة ونكب النّكبة، فيقول: اللهمّ أبدل لي به قائدا خيرا منه! قال: فقال القائد:
اللهمّ أبدل لي به أعمى خيرا لي منه.
٢٧-[حماقة ممرور]
وحدثني يزيد مولى إسحاق بن عيسى قال كنّا في منزل صاحب لنا، إذ خرج واحد من جماعتنا ليقيل [٢] في البيت الآخر، فلم يلبث إلّا ساعة حتى سمعناه يصيح: أوه أوه! قال: فنهضنا بأجمعنا إليه فزعين، فقلنا له: ما لك؟ وإذا هو نائم على شقّه الأيسر، وهو قابض على خصيته بيده فقلت له: لم صحت؟ قال: إذا غمزت خصيتي اشتكيتها، وإذا اشتكيتها صحت. قال: فقلنا له: لا تغمزها بعد حتى لا تشتكي! قال: نعم إن شاء الله تعالى.
٢٨-[حماقة مولاة عيسى بن علي]
قال يزيد: وكانت لعيسى بن عليّ مولاة عجوز خراسانية تصرخ بالليل من ضربان ضرس لها، فكانت قد أرّقت الأمير إسحاق، فقلت له: إنّها مع ذلك لا تدع أكل التمر! قال: فبعث إليها بالغداة فقال لها: أتأكلين التّمر بالنّهار وتصيحين باللّيل؟ فقالت: إذا اشتهيت أكلت وإذا أوجعني صحت!
٢٩-[حكاية عن ممرور]
وحدثني ثمامة قال [٣] : مررت في غبّ مطر والأرض نديّة، والسّماء متغيّمة، والرّيح شمال، وإذا شيخ أصفر كأنّه جرادة، قد جلس على قارعة الطّريق، وحجّام
стр. 458
زنجيّ يحجمه، وقد وضع على كاهله وأخدعيه محاجم، كل محجمة كأنّها قعب، وقد مصّ دمه حتّى كاد أن يستفرغه. قال: فوقفت عليه فقلت: يا شيخ لم تحتجم في هذا البرد؟ قال لمكان هذا الصّفار [١] الذي بي.
٣٠-[صنيع ممرور]
وحدثني ثمامة قال [٢] : حدّثني سعيد بن مسلم قال: كنا بخراسان في منزل بعض الدّهاقين ونحن شباب، وفينا شيخ. قال: فأتانا ربّ المنزل بدهن طيب فدهن بعضنا رأسه، وبعضنا لحيته، وبعضنا مسح شاربه، وبعضنا مسح يديه وأمرّهما على وجهه، وبعضنا أخذ بطرف إصبعه فأدخل في أنفه ومسح به شاربه. فعمد الشيخ إلى بقيّة الدّهن فصبّها في أذنه، فقلنا له: ويحك، خالفت أصحابك كلّهم! هل رأيت أحدا إذا أتوه بدهن طيب صبّه في أذنه؟ قال: فإنّه مع هذا يضرّني؟
٣١-[أمر عيص، سيّد بني تميم]
وحدّثني مسعدة بن طارق الذّرّاع قال [٣] : والله إنّا لوقوف على حدود دار فلان للقسمة، ونحن في خصومة، إذ أقبل عيص سيّد بني تميم وموسرهم والذي يصلّي على جنائزهم. فلمّا رأيناه مقبلا إلينا أمسكنا عن الكلام، فأقبل علينا فقال: حدّثوني عن هذه الدّار، هل ضمّ منها بعضها إلى بعض أحد؟! قال مسعدة: فأنا منذ ستين سنة أفكّر في كلامه ما أدري ما عنى به. قال: وقال لي مرّة: ما من شر من ذين! قلت:
ولم ذاك؟ قال: من جرا يتعلقون.
وحدّثني الخليل بن يحيى السّلوليّ قال [٤] : نازع التميميّ بعض بني عمّه في حائط، فبعث إلينا لنشهد على شهادته، فأتاه جماعة منهم الحميريّ والزهريّ، والزّياديّ، والبكراوي. فلمّا صرنا إليه وقف بنا على الحائط وقال: أشهدكم جميعا أنّ نصف هذا الحائط لي!
٣٢-[جواب ممرور]
قال: وقدم ابن عمّ له إلى عمر بن حبيب، وادّعى عليه ألف درهم فقال ابن
стр. 459
عمّه: ما أعرف ممّا قال قليلا ولا كثيرا، ولا له عليّ شيء! قال: أصلحك الله تعالى! فاكتب بإنكاره. قال: فقال عمر: الإنكار لا يفوتك، متى أردته فهو بين يديك!
٣٣-[أمنية الجرّار والغزّال]
قال [١] : وقلت لأبي عتّاب الجرّار: ألا ترى عبد العزيز الغزّال وما يتكلم به في قصصه؟ قال: وأيّ شيء قاله؟ قلت: قال: ليت الله تعالى لم يكن خلقني وأنا السّاعة أعور! قال أبو عتّاب: وقد قصّر في القول، وأساء في التمني. ولكنّي أقول: ليت الله تعالى لم يكن خلقني وأنا الساعة أعمى مقطوع اليدين والرجلين!
٣٤-[تعزية طريفة لأبي عتّاب الجرار]
[٢] ودخل أبو عتّاب على عمرو بن هدّاب وقد كفّ بصره، والناس يعزّونه، فمثل بين يديه، وكان كالجمل المحجوم [٣] ، وله صوت جهير، فقال: يا أبا أسيد، لا يسوءنّك ذهابهما، فلو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنّيت أنّ الله تعالى قد قطع يديك ورجليك، ودقّ ظهرك، وأدمى ضلعك!.
٣٥-[داود بن المعتمر وبعض النساء]
وبينما داود بن المعتمر الصبّيريّ جالس معي، إذ مرت به امرأة جميلة لها قوام وحسن، وعينان عجيبتان، وعليها ثياب بيض، فنهض داود فلم أشكّ أنّه قام ليتبعها، فبعثت غلامي ليعرف ذلك، فلمّا رجع قلت له: قد علمت أنّك إنما قمت لتكلّمها؛ فليس ينفعك إلا الصّدق، ولا ينجيك منّي الجحود، وإنما غايتي أن أعرف كيف ابتدأت القول، وأي شيء قلت لها- وعلمت أنّه سيأتي بآبدة. وكان مليّا بالأوابد- قال: ابتدأت القول بأن قلت لها [٤] : لولا ما رأيت عليك من سيماء الخير لم أتبعك.
قال: فضحكت حتى استندت إلى الحائط، ثمّ قالت: إنما يمنع مثلك من اتّباع مثلي والطّمع فيها، ما يرى من سيماء الخير فأمّا إذ قد صار سيماء الخير هو الدي يطمع في النساء فإنا لله وإنا إليه راجعون! وتبع داود بن المعتمر امرأة، فلم يزل يطريها حتى أجابت، ودلّها على المنزل
стр. 460
الذي يمكنها فيه ما يريد، فتقدمت الفاجرة وعرض له رجل فشغله، وجاء إلى المنزل وقد قضى القوم حوائجهم وأخذت حاجتها، فلم تنتظره. فلما أتاهم ولم يرها قال:
أين هي؟ قالوا: والله قد فرغنا وذهبت! قال فأيّ طريق أخذت؟ قالوا: لا والله ما ندري؟ قال فإن عدوت في إثرها حتّى أقوم على مجامع الطرق أتروني ألحقها؟ قالوا:
لا والله ما تلحقها! قال: فقد فاتت الآن؟ قالوا: نعم. قال: فعسى أن يكون خيرا! فلم أسمع قطّ بإنسان يشكّ أنّ السّلامة من الذنوب خير غيره.
٣٦-[قول الممرور في الجزء الذي لا يتجزّأ]
وسأل بعض أصحابنا أبا لقمان الممرور عن الجزء الذي لا يتجزّأ: ما هو؟ قال:
الجزء الذي لا يتجزأ هو عليّ بن أبي طالب ﵇. فقال له أبو العيناء محمد:
أفليس في الأرض جزء لا يتجزأ غيره؟ قال: بلى حمزة جزء لا يتجزأ، وجعفر جزء لا يتجزأ! قال فما تقول في العباس؟ قال: جزء لا يتجزأ. قال: فما تقول في أبي بكر وعمر؟
قال: أبو بكر يتجزأ، وعمر يتجزأ. قال: فما تقول في عثمان؟ قال: يتجزّأ مرّتين، والزّبير يتجزّأ مرّتين. قال: فأيّ شيء تقول في معاوية؟ قال: لا يتجزأ ولا لا يتجزأ.
فقد فكرنا في تأويل أبي لقمان حين جعل الإمام جزءا لا يتجزأ إلى أيّ شيء ذهب، فلم نقع عليه إلّا أن يكون كان أبو لقمان إذا سمع المتكلّمين يذكرون الجزء الذي لا يتجزّأ، هاله ذلك وكبر في صدره، وتوهّم أنّه الباب الأكبر من علم الفلسفة، وأن الشيء إذا عظم خطره سموه بالجزء الذي لا يتجزأ.
وقد تسخّفنا في هذه الأحاديث، واستجزنا ذلك بما تقدّم من العذر، وسنذكر قبل ذكرنا القول في الحمام جملا من غرر ونوادر وأشعار ونتف وفقر من قصائد قصار وشوارد وأبيات، لنعطي قارئ الكتاب من كلّ نوع تذهب إليه النّفوس نصيبا إن شاء الله.
٥٦٠-[تناسب الألفاظ مع الأغراض]
ولكلّ ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكلّ نوع من المعاني نوع من الأسماء: فالسّخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزل للجزل، والإفصاح في موضع الإفصاح، والكناية في موضع الكناية، والاسترسال في موضع الاسترسال.
وإذا كان موضع الحديث على أنّه مضحك ومله، وداخل في باب المزاح والطّيب، فاستعملت فيه الإعراب، انقلب عن جهته. وإن كان في لفظه سخف وأبدلت
стр. 461
السّخافة بالجزالة، صار الحديث الذي وضع على أن يسرّ النّفوس يكر بها، ويأخذ بأكظامها [١] .
٥٦١-[الورع الزائف]
[٢] وبعض الناس إذا انتهى إلى ذكر الحر والأير والنيك ارتدع وأظهر التقزّز، واستعمل باب التّورّع. وأكثر من تجده كذلك فإنّما هو رجل ليس معه من العفاف والكرم [٣] ، والنّبل والوقار، إلّا بقدر هذا الشّكل من التّصنع. ولم يكشف قطّ صاحب رياء ونفاق، إلّا عن لؤم مستعمل، ونذالة متمكّنة.
٥٦٢-[تسمّح بعض الأئمة في ذكر ألفاظ]
وقد كان لهم في عبد الله بن عباس مقنع، حين سمعه بعض الناس [٤] ينشد في المسجد الحرام: [من الرجز]
وهنّ يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطّير ننك لميسا [٥]
فقيل له في ذلك، فقال: إنّما الرّفت ما كان عند النساء.
وقال الضّحّاك: لو كان ذلك القول رفثا لكان قطع لسانه أحبّ إليه من أن يقول هجرا.
قال شبيب بن يزيد الشيباني، ليلة بيّت عتّاب بن ورقاء: [من الرجز] من ينك العير ينك نيّاكا [٦] وقال عليّ بن أبي طالب- ﵁ حين دخل على بعض الأمراء فقال له [٧] : من في هذه البيوت؟ فلما قيل له: عقائل من عقائل العرب، قال عليّ: «من يطل أير أبيه ينتطق به» [٨] .
стр. 462
فعلى عليّ رضي الله تعالى عنه- يعوّل في تنزيه اللفظ وتشريف المعاني.
وقال أبو بكر- ﵁ حين قال بديل بن ورقاء للنبيّ ﷺ : جئتنا بعجرائك وسودانك، ولو قد مسّ هؤلاء وخز السّلاح لقد أسلموك! فقال أبو بكر- ﵁: عضضت ببظر اللّات [١] ! وقد رووا مرفوعا قوله: «من يعذرني من ابن أمّ سباع مقطّعة البظور؟» [٢] .
٥٦٣-[لكلّ مقام مقال]
ولو كان ذلك الموضع موضع كناية هي المستعملة. وبعد فلو لم يكن لهذه الألفاظ مواضع استعملها أهل هذه اللّغة وكان الرأي ألّا يلفظ بها، لم يكن لأوّل.
كونها معنى إلّا على وجه الخطإ، ولكان في الحزم والصّون لهذه اللّغة أن ترفع هذه الأسماء منها.
وقد أصاب كلّ الصّواب الذي قال: «لكلّ مقام مقال» [٣] .
٥٦٤-[الورع الذي يبغضه الله تعالى]
ولقد دخل علينا فتى حدث كان قد وقع إلى أصحاب عبد الواحد بن زيد ونحن عند موسى بن عمران، فدار الحديث إلى أن قال الفتى: أفطرت البارحة على رغيف وزيتونة ونصف، أو زيتونة وثلث، أو زيتونة وثلثي زيتونة، أو ما أشبه ذلك.
بل أقول: أكلت زيتونة، وما علم الله من أخرى، فقال موسى: إنّ من الورع ما يبغصه الله، علم الله؛ وأظنّ ورعك هذا من ذلك الورع.
وكان العتبي ربّما قال: فقال لي المأمون كذا وكذا، حين صار التّجم على قمّة الرأس، أو حين جازني شيئا، أو قبل أن يوازي هامتي. هكذا هو عندي، وفي أغلب ظنّي، وأكره أن أجزم على شيء وهو كما قلت إن شاء الله تعالى، وقريبا ممّا نقلت.
فيتوقف في الوقت الذي ليس من الحديث في شيء. وذلك الحديث إن كان مع طلوع الشمس لم يزده ذلك خيرا، وإن كان مع غروبها لم ينقصه ذلك شيئا. هذا ولعلّ الحديث في نفسه لم يكن قطّ ولم يصل هو في تلك الليلة البتّة. وهو مع ذلك زعم أنّه دخل على أصحاب الكهف فعرف عددهم، وكانت عليهم ثياب سبنيّة
стр. 463
وكلبهم ممعّط الجلد. وقد قال الله لنبيّه ﷺ : لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
[١] .
٥٦٥-[جملة من نوادر الشعر]
وسنذكر من نوادر الشّعر جملة، فإن نشطت لحفظها فاحفظها؛ فإنّها من أشعار المذاكرة. قال الثّقفي [٢] : [من البسيط]
من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إن الذّليل الّذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قلّ ناصره ... ويأنف الضّيم إن أثرى له عدد
وقال أبو قيس بن الأسلت [٣] : [من السريع]
بزّ امرئ مستبسل حاذر ... للدّهر، جلد غير مجزاع
الكيس والقوّة خير من ال ... إشفاق والفهة والهاع
وقال عبده بن الطّبيب [٤] : [من البسيط]
ربّ حبانا بأموال مخوّلة ... وكلّ شيء حباه الله تخويل
والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شحّ وإشفاق وتأميل
وكان عمر بن الخطّاب- رضي الله تعالى عنه- يردّد هذا النصف الآخر، ويعجب من جودة ما قسم [٥] .
وقال المتلمّس [٦] : [من الوافر]
وأعلم علم حقّ غير ظنّ ... وتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال أيسر من بغاه ... وضرب في البلاد بغير زاد
стр. 464
وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
وقال آخر [١] : [من الطويل]
وحفظك مالا قد عنيت بجمعه ... أشدّ من الجمع الذي أنت طالبه
وقال حميد بن ثور الهلاليّ [٢] : [من الطويل]
أتشغل عنّا يابن عمّ فلن ترى أخا ... البخل إلّا [٣] سوف يعتلّ بالشغل
وقال ابن أحمر [٤] : [من البسيط]
هذا الثناء وأجدر أن أصاحبه ... وقد يدوّم ريق الطامع الأمل
وقال ابن مقبل [٥] : [من الطويل]
هل الدّهر إلّا تارتان، فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وكلتاهما قد خطّ لي في صحيفة ... فلا الموت أهوى لي ولا العيش أروح
وقال عمرو بن هند [٦] : [من الطويل]
وإن الذي ينهاكم عن طلابها ... يناغي نساء الحيّ في طرّة البرد
يعلّل والأيّام تنقص عمره ... كما تنقص النّيران من طرف الزّند
وقال أميّة- إن كان قالها [٧]-: [من الخفيف]
ربّما تجزع النّفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال
стр. 465
٥٦٦-[شعر في الغزل]
وقال آخر [١] : [من الطويل]
رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشيّة آرام الكناس رميم
ألا ربّ يوم لو رمتني رميتها ... ولكنّ عهدي بالنّضال قديم
رميم الّتي قالت لجارات بيتها ... ضمنت لكم أن لا يزال يهيم
وقال آخر [٢] : [من البسيط]
لم أعطها بيدي إذ بتّ أرشفها ... إلّا تطاول غصن الجيد للجيد
كما تطاعم في خضراء ناعمة ... مطوّقان أصاخا بعد تغريد
فإن سمعت بهلك للبخيل فقل ... بعدا وسحقا له من هالك مودي
٥٦٧-[شعر في الحكم والزهد]
وقال أبو الأسود الدؤلي [٣] : [من الكامل]
المرء يسعى ثمّ يدرك مجده ... حتّى يزيّن بالّذي لم يفعل
وترى الشقيّ إذا تكامل غيّه ... يرمى ويقذف بالّذي لم يعمل
وقال دريد [٤] : [من الطويل]
رئيس حروب لا يزال ربيئة ... مشيح على محقوقف الصّلب ملبد [٥]
صبور على رزء المصائب حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
وهوّن وجدي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي
وقال سعيد بن عبد الرحمن [٦] : [من الطويل]
وإنّ امرأ يمسي ويصبح سالما ... من النّاس إلّا ما جنى لسعيد
стр. 466
وقال أكثم بن صيفيّ: [من المتقارب]
نربّى ويهلك آباؤنا ... وبينا نربّي بنينا فنينا
وقال بعض المحدثين: [من المنسرح]
فالآن أسمحت للخطوب فلا ... يلفى فؤادي من حادث يجب
قلّبني الدّهر في قوالبه ... وكلّ شيء ليومه سبب
وقال آخر [١] : [من الوافر]
لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلّكم يصير إلى ذهاب
ألا يا موت لم أر منك بدّا ... أبيت فما تحيف ولا تحابي
كأنّك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على شبابي
وقال آخر: [من البسيط]
يا نفس خوضي بحار العلم أو غوصي ... فالنّاس من بين معموم ومخصوص
لا شيء في هذه الدنيا يحاط به ... إلّا إحاطة منقوص بمنقوص
٥٦٨-[شعر في التشبيه]
وأنشدنا للأحيمر [٢] : [من الكامل]
بأقبّ منطلق اللّبان كأنّه ... سيد تنصّل من حجور سعالي [٣]
وقال الآخر [٤] : [من الطويل]
أراقب لمحا من سهيل كأنّه ... إذا ما بدا من دجية اللّيل يطرف
وقالوا [٥] : قال خلف الأحمر: لم أر أجمع من بيت لامرئ القيس، وهو قوله:
[من المتقارب]
أفاد وجاد وساد وزاد ... وقاد وذاد وعاد وأفضل
стр. 467
ولا أجمع من قوله [١] : [من الطويل]
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
وقالوا: ولم نر في التشبيه كقوله، حين شبّه شيئين بشيئين في حالتين مختلفين في بيت واحد، وهو قوله [٢] : [من الطويل]
كأن قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
٥٦٩-[قطعة من أشعار النساء] :
وسنذكر قطعة من أشعار النساء. قالت أعرابيّة [٣] : [من الطويل]
رأت نضو أسفار أميمة شاحبا ... على نضو أسفار فجنّ جنونها
فقالت: من أيّ الناس أنت، ومن تكن ... فإنّك مولى فرقة لا تزينها
وقالت امرأة من خثعم: [من الطويل]
فإن تسألوني من أحبّ فإنّني ... أحبّ، وبيت الله، كعب بن طارق
أحبّ الفتى الجعد السّلوليّ ناضلا ... على النّاس معتادا لضرب المفارق
وقالت أخرى: [من الطويل]
وما أحسن الدّنيا وفي الدّار خالد ... وأقبحها لمّا تجهز غاديا
وقالت أمّ فروة الغطفانيّة [٤] : [من الطويل]
فما ماء مزن أيّ ماء تقوله ... تحدّر من غرّ طوال الذّوائب
بمنعرج أو بطن واد تحدّرت ... عليه رياح الصّيف من كلّ جانب
نفى نسم الرّيح القذا عن متونه ... فما إن به عيب يكون لعائب
стр. 468
بأطيب ممّن يقصر الطّرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب
وقال بعض العشاق [١] : [من الطويل]
وأنت الّتي كلّفتني دلج السّرى ... وجون القطا بالجلهتين جثوم
وأنت الّتي أورثت قلبي حرارة ... وقرّحت قرح القلب وهو كليم
وأنت التي أسخطت قومي فكلّهم ... بعيد الرّضا داني الصّدود كظيم
فقالت المعشوقة [٢] : [من الطويل]
وأنت الّذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمتّ بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للنّاس حتّى تركتني ... لهم غرضا أرمى وأنت سليم
فلو أنّ قولا يكلم الجسم قد بدا ... بجلدي من قول الوشاة كلوم
وقال آخر [٣] : [من الطويل]
شهدت وبيت الله أنّك غادة ... رداح وأنّ الوجه منك عتيق [٤]
وأنّك لا تجزينني بمودّة ... ولا أنا للهجران منك مطيق
فأجابته [٥] : [من الطويل]
شهدت وبيت الله أنّك بارد ال ... ثّنايا وأنّ الخصر منك رقيق
وأنّك مشبوح الذّراعين خلجم ... وأنّك إذ تخلو بهنّ رفيق [٦]
٥٧٠-[شعر مختار]
وقال آخر [٧] : [من الكامل]
الله يعلم يا مغيرة أنني ... قد دستها دوس الحصان الهيكل
стр. 469
فأخذتها أخذ المقصّب شاته ... عجلان يشويها لقوم نزّل
وقال كعب بن سعد الغنويّ [١] : [من الطويل]
وحدّثتماني أنّما الموت بالقرى ... فكيف وهاتا هضبة وقليب
وماء سماء كان غير مجمّة ... ببرّيّة تجري عليه جنوب [٢]
ومنزلة في دار صدق وغبطة ... وما أقتال في حكم عليّ طبيب
وقال دريد بن الصّمّة [٣] : [من الطويل]
رئيس حروب لا يزال ربيئة ... مشيح على محقوقف الصّلب ملبد
صبور على رزء المصائب حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
وهوّن وجدي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي
٥٧١-[قطع من البديع]
وقطعة من البديع قوله: [من الرجز]
إذا حداها صاحبي ورجّعا ... وصاح في آثارها فأسمعا
يتبعن منهن جلالا أتلعا ... أدمك في ماء المهاوي منقعا
وقال الراجز في البديع المحمود [٤] : [من الرجز]
قد كنت إذ حبل صباك مدمش ... وإذ أهاضيب الشباب تبغش [٥]
ومن هذا البديع المستحسن منه، قول حجر بن خالد بن مرثد [٦] : [من الطويل]
سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد ... كفعل أبي قابوس حزما ونائلا
يساق الغمام الغرّ من كلّ بلدة ... إليك فأضحى حول بيتك نازلا
فأصبح منه كلّ واد حللته ... وإن كان قد خوّى المرابيع سائلا [٦]
فإن أنت تهلك يهلك الباع والنّدا ... وتضحي قلوص الحمد جرباء حائلا [٧]
فلا ملك ما يبلغنّك سعيه ... ولا سوقة ما يمدحنّك باطلا
стр. 470
باب في صدق الظّنّ وجودة الفراسة
٥٧٢-[شعر في الظن والفراسة]
قال أوس بن حجر [١] : [من المنسرح]
الألمعيّ الذي يظنّ بك الظ ... نّ كأن قد رأى وقد سمعا
وقال عمر بن الخطّاب [٢] : «إنك لا تنتفع بعقل الرّجل حتّى تعرف صدق فطنته» .
وقال أوس بن حجر [٣] : [من المتقارب]
مليح نجيح أخو مأزق ... نقاب يحدّث بالغائب
وقال أبو الفضّة، قاتل أحمر بن شميط: [من الوافر]
فإلّا يأتكم خبر يقين ... فإنّ الظّنّ ينقص أو يزيد
وقيل لأبي الهذيل: إنّك إذا راوغت واعتللت- وأنت تكلّم النظام وقمت- فأحسن حالاتك أن يشكّ النّاس فيك وفيه! قال: خمسون شكّا خير من يقين واحد!! وقال كثيّر في عبد الملك: [من الوافر]
رأيت أبا الوليد غداة جمع ... به شيب وما فقد الشّبابا [٤]
стр. 471
فقلت له، ولا أعيا جوابا: ... إذا شابت لدات المرء شابا
ولكن تحت ذاك الشيب حزم ... إذا ما قال أمرض أو أصابا
وليس في جودة الظّنّ بيت شعرا أحسن من بيت بلعاء بن قيس: [من الطويل]
وأبغي صواب الظّنّ، أعلم أنّه ... إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره [١]
وقال الله : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ
[٢] .
وقال ابن أبي ربيعة في الظّنّ [٣] : [من الخفيف]
ودعاني إلى الرّشاد فؤاد ... كان للغيّ مرّة قد دعاني
ذاك دهر لو كنت فيه قريني ... غير شكّ عرفت لي عصياني
وتقلّبت في الفراش ولا تع ... لم إلّا الظّنون أين مكاني
٥٧٣-[شعر مختار]
وقال ابن أبي ربيعة في غير هذا الباب [٤] : [من الوافر]
وخلّ كنت عين النّصح منه ... إذا نظرت ومستمعا مطيعا
أطاف بغيّة فنهيت عنها ... وقلت له أرى أمرا شنيعا
أردت رشاده جهدي، فلما ... أبى وعصى أتيناها جميعا
وقال معقّر بن حمار البارقي [٥] : [من البسيط]
الشّعر لبّ المرء يعرضه ... والقول مثل مواقع النّبل
منها المقصّر عن رميّته ... ونوافذ يذهبن بالخصل
٥٧٤-[أبيات للمحدثين حسان]
وأبيات للمحدثين حسان، قال العتّابيّ [٦] : [من الطويل]
وكم نعمة آتاكها الله جزلة ... مبرّأة من كلّ خلق يذيمها
стр. 472
فسلطت أخلاقا عليها ذميمة ... تعاورنها حتّى تفرّى أديمها
ولوعا وإشفاقا ونطقا من الخنا ... بعوراء يجري في الرّجال نميمها
وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدى ... بلغت بأدنى نعمة تستديمها
ولكن فطام النّفس أعسر محملا ... من الصّخرة الصّمّاء حين ترومها
وقال أيضا: [من الطويل]
وكنت امرأ هيّابة تستفزّني ... رضاعي بأدنى ضجعة أستلينها
أوافي أمير المؤمنين بهمّة ... توقّل في نيل المعالي فنونها
رعى أمّة الإسلام فهو إمامها ... وأدّى إليها الحقّ فهو أمينها
ويستنتج العقماء حتّى كأنما ... تغلغل في حيث استقرّ جنينها
وما كل موصوف له يهتدي ... ولا كل من أمّ الصّوى يستبينها
مقيم بمستنّ العلا، حيث تلتقي ... طوارف أبكار الخطوب وعونها
وقال الحسن بن هانئ [١] : [من السريع]
قولا لهارون إمام الهدى ... عند احتفال المجلس الحاشد
نصيحة الفضل وإشفاقه ... أخلى له وجهك من حاسد [٢]
بصادق الطاعة ديّانها ... وواحد الغائب والشاهد
أنت على ما بك من قدرة ... ما أنت مثل الفضل بالواجد
أوحده الله فما مثله ... لطالب ذاك ولا ناشد
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وقال عديّ بن الرّقاع العاملي [٣] : [من الكامل]
وقصيدة قد بتّ أجمع بينها ... حتّى أقوّم ميلها وسنادها
نظر المثقّف في كعوب قناته ... حتّى يقيم ثقافه منآدها
وعلمت حتّى لست أسأل عالما ... عن حرف واحدة لكي أزدادها
صلّى الإله على امرئ ودّعته ... وأتمّ نعمته عليه وزادها
стр. 473
٥٧٥-[من قال شعرا وهو صغير]
قال [١] : واجتمع ناس من الشّعراء بباب عديّ بن الرقاع يريدون مما تنته ومساجلته، فخرجت إليهم بنت له صغيرة، فقالت [١] : [من الطويل]
تجمّعتم من كلّ أوب ومنزل ... على واحد لا زلتم قرن واحد
وقال عبد الرحمن بن حسّان الأنصاري، وهو صغير [٢] : [من البسيط]
الله يعلم أنّي كنت مشتغلا ... في دار حسّان أصطاد اليعاسيبا
وقال لأبيه وهو صبيّ- ورجع إليه وهو يبكي ويقول: لسعني طائر! قال: فصفه لي يا بنيّ! قال كأنّه ثوب حبرة! قال حسّان: قال ابني الشّعر وربّ الكعبة! وكان الذي لسعه زنبورا.
وقال سهل بن هارون، وهو يختلف إلى الكتّاب لجار لهم [٣] : [من البسيط]
نبّيت بغلك مبطونا فقلت له ... فهل تماثل أو نأتيه عوّادا
وقال طرفة وهو صبيّ صغير [٤] : [من الرجز]
يا لك من قبّرة بمعمر ... خلالك الجوّ فبيضي واصفري
وقال بعض الشعراء [٥] : [من الوافر]
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرّك أن يعيش فجئ بزاد
стр. 474
بخبز أو بلحم أو بسمن ... أو الشّيء الملفّف في البجاد [١]
تراه يطوف بالآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
وقال الأصمعي: الشيء الملفّف في البجاد: الوطب.
وقال أعرابيّ: [من الطويل]
ألا بكرت تلحى قتيلة بعد ما ... بدا في سواد الرّأس أبيض واضح
لتدرك بالإمساك والمنع ثروة ... من المال أفنتها السّنون الجوائح
فقلت لها: لا تعذليني فإنما ... بذكر النّدى تبكي عليّ النوائح
٥٧٦-[أشعار تجوز في المذاكرة]
وقال بشّار أبياتا تجوز في المذاكرة، في باب المنى، وفي باب الحزم، وفي باب المشورة، وناس يجعلونها للجعجاع الأزدي، وناس يجعلونها لغيره، وهي قوله [٢] :
[من الطويل]
إذا بلغ الرّأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تحسب الشّورى عليك غضاضة ... مكان الخوافي رافد للقوادم
وأدن من القربى المقرّب نفسه ... ولا تشهد الشّورى امرأ غير كاتم
وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير نصل لم يؤيّد بقائم
فإنّك لا تستطرد الهمّ بالمنى ... ولا تبلغ العليا بغير المكارم
وقال بعض الأنصار [٣] : [من الوافر]
وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء الشيخ ليس له شفاء
стр. 475
وبعض القول ليس له عناج ... كمخض الماء ليس له إتاء
وقال تأبّط شرّا- إن كان قالها-[١] : [من المديد]
شامس في القرّ حتّى إذا ما ... ذكت الشّعرى فبرد وظلّ [٢]
وله طعمان: أري وشريّ ... وكلا الطّعمين قد ذاق كلّ [٣]
مسبل في الحيّ أحوى رفلّ ... وإذا يغدو فسمع أزلّ [٤]
ووراء الثأر منه ابن أخت ... مصع عقدته ما تحلّ
مطرق يرشح سمّا، كما ... أطرق أفعى ينفث السمّ صلّ
خبر ما نابنا مصمئلّ ... جلّ حتّى دقّ فيه الأجلّ [٥]
كلّ ماض قد تردّى بماض ... كسنا البرق إذا ما يسلّ [٦]
فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إنّ جسمي بعد خالي لخلّ
وقال سلامة بن جندل [٧] : [من الطويل]
سأجزيك بالودّ الذي كان بيننا ... أصعصع إنّي سوف أجزيك صعصعا
سأهدي وإن كنا بتثليث مدحة ... إليك وإن حلّت بيوتك لعلعا
فإن يك محمودا أبوك فإنّنا ... وجدناك محمود الخلائق أروعا
فإن شئت أهدينا ثناء ومدحة ... وإن شئت أهدينا لكم مائة معا
فقال صعصعة بن محمود بن بشر بن عمرو بن مرثد: الثّناء والمدحة أحبّ إلينا. وكان أحمر بن جندل أسيرا في يده، فخلّى سبيله من غير فداء.
стр. 476
وقال أوس بن حجر، في هذا الشّكل من الشّعر- وهو يقع في باب الشّكر والحمد-[١] : [من الطويل]
لعمرك ما ملّت ثواء ثويّها ... حليمة إذ ألقى مراسي مقعد [٢]
ولكن تلقت باليدين ضمانتي ... وحلّ بفلج فالقنافذ عوّدي [٣]
وقد غبرت شهري ربيع كليهما ... بحمل البلايا والخباء الممدّد
ولم تلهها تلك التّكاليف؛ إنّها ... كما شئت من أكرومة وتخرّد [٤]
سأجزيك أو يجزيك عني مثوّب ... وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي
وقال أبو يعقوب الأعور [٥] : [من الطويل]
فلم أجزه إلّا المودّة جاهدا ... وحسبك منّي أن أودّ وأجهدا
٥٧٧-[أبيات تضاف إلى الإيجاز]
وأبيات تضاف إلى الإيجاز وحذف الفضول. قال بعضهم ووصف كلابا في حال شدّها وعدوها، وفي سرعة رفع قوائمها ووضعها- فقال [٦] : [من الرجز]
كأنّما ترفع ما لم يوضع
ووصف آخر ناقة بالنشاط والقوّة فقال [٧] : [من الرجز]
خرقاء إلّا أنها صناع
وقال الآخر [٨] : [من الرجز]
الليل أخفى والنهار أفضح
стр. 477
ووصف الآخر قوسا فقال [١] : [من الرجز]
في كفّه معطية منوع
وقال الآخر [٢] : [من الرجز]
ومهمه فيه السّراب يسبح ... كأنّما دليله مطوّح
يدأب فيه القوم حتّى يطلحوا ... كأنّما باتوا بحيث أصبحوا
ومثل هذا البيت الأخير قوله [٣] : [من الكامل]
وكأنّما بدر وصيل كتيفة ... وكأنّما من عاقل أرمام [٤]
ومثله [٥] : [من المتقارب]
تجاوزت حمران في ليلة ... وقلت قساس من الحرمل [٦]
ومن الباب الأوّل قوله [٧] : [من المجتث]
عادني الهمّ فاعتلج ... كلّ همّ إلى فرج
وهذا الشّعر لجعيفران الموسوس.
وقال الآخر [٨] : [من الرجز]
لم أقض من صحبة زيد أربي ... فتى إذا نبّهته لم يغضب
أبيض بسّام وإن لم يعجب ... ولا يضن بالمتاع المحقب
موكّل النّفس بحفظ الغيّب ... أقصى رفيقيه له كالأقرب
стр. 478
وقال دكين [١] : [من الرجز]
وقد تعلّلت ذميل العنس ... بالسّوط في ديمومة كالتّرس
إذ عرّج اللّيل بروج الشّمس
وقال دكين أيضا [٢] : [من الرجز]
بموطن ينبط فيه المحتسي ... بالمشرفيّات نطاف الأنفس
وقال الراجز [٣] : [من الرجز]
طال عليهنّ تكاليف السّرى ... والنّصّ في حين الهجير والضّحى
حتّى عجاهنّ فما تحت العجى ... رواعف يخضبن مبيضّ الحصى [٤]
في هذه الأرجوزة يقول:
وضحك المزن بها ثمّ بكى
ومن الإيجاز المحذوف قول الراجز، ووصف سهمه حين رمى عيرا كيف نفذ سهمه، وكيف صرعه، وهو قوله [٥] : [من الرجز]
حتّى نجا من جوفه وما نجا
٥٧٨-[شعر في الاتّعاظ]
ومما يجوز في باب الاتّعاظ قول المرأة وهي تطوف بالبيت [٦] : [من الرجز]
أنت وهبت الفتية السّلاهب ... وهجمة يحار فيها الطّالب
وغنما مثل الجراد السّارب ... متاع أيّام وكلّ ذاهب
ومثله قول المسعوديّ: [من الكامل]
أخلف وأنطف، كلّ شي ... ء زعزعته الريح ذاهب [٧]
стр. 479
وقال القدار وكان سيّد عنزة في الجاهلية: [من الكامل]
أهلكت مهري في الرّهان لجاجة ... ومن اللّجاجة ما يضرّ وينفع
قال: وسمعت عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر ينشد- وكان فصيحا: [من الطويل]
إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّما ... يرجّى الفتى كيما يضرّ وينفعا [١]
وقال الأخطل: [من البسيط]
شمس العداوة حتّى يستفاد لهم ... وأعظم النّاس أحلاما إذا قدروا [٢]
وقال حارثة بن بدر: [من الطويل]
طربت بفاثور وما كدت أطرب ... سفاها وقد جرّبت فيمن يجرّب [٣]
وجرّبت ماذا العيش إلّا تعلّة ... وما الدّهر إلّا منجنون يقلّب
وما اليوم إلّا مثل أمس الذي مضى ... ومثل غد الجائي وكلّ سيذهب
وقال حارثة بن بدر الغداني أيضا [٤] : [من الطويل]
إذا الهمّ أمسى وهو داء فألقه ... ولست بممضيه وأنت تعادله
فلا تنزلن أمر الشديدة بامرئ ... إذا رام أمرا عوّقته عواذله
وقل للفؤاد إن نزا بك نزوة ... من الرّوع أفرخ أكثر الرّوع باطله
٥٧٩-[شعر في الغزو]
وقال الحارث بن يزيد وهو جدّ الأحيمر السّعديّ وهو يقع في باب الغزو وتمدّحهم ببعد المغزى [٥] : [من مجزوء الكامل]
لا لا أعقّ ولا أحو ... ب ولا أغير على مضر
стр. 480
لكنّما غزوي إذا ... ضجّ المطيّ من الدّبر
وقال ابن محفّض المازنيّ [١] : [من الطويل]
إن تك درعي يوم صحراء كلية ... أصيبت فما ذاكم عليّ بعار [٢]
ألم تك من أسلابكم قبل ذاكم ... على وقبى يوما ويوم سفار [٣]
[فتلك سرابيل ابن داود بيننا ... عواريّ والأيام غير قصار] [٤]
ونحن طردنا الحيّ بكر بن وائل ... إلى سنة مثل الشّهاب ونار [٥]
وموم وطاعون وحمّى وحصبة ... وذي لبد يغشى المهجهج ضاري [٦]
وحكم عدوّ لا هوادة عنده ... ومنزل ذلّ في الحياة وعار
وقال آخر [٧] : [من الطويل]
خذوا العقل إن أعطاكم القوم عقلكم ... وكونوا كمن سيم الهوان فأرتعا
ولا تكثروا فيها الضّجاج فإنّه ... محا السّيف ما قال ابن دارة أجمعا
وقال أبو ليلى [٨] : [من الوافر]
كأن قطاتها كردوس فحل ... مقلّصة على ساقي ظليم
стр. 481
٥٨٠-[شعر في السيادة]
وقال أبو سلمى [١] : [من الرجز]
لابدّ للسّودد من أرماح ... ومن سفيه دائم النّباح
ومن عديد يتّقى بالرّاح
وقال الهذلي [٢] : [من الوافر]
وإنّ سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل
وقال حارثة بن بدر، وأنشده سفيان بن عيينة: [من الكامل]
خلت الدّيار فسدت غير مسوّد ... ومن الشّقاء تفرّدي بالسّودد [٣]
٥٨١-[شعر في هجاء السادة]
وقال أبو نخيلة: [من الطويل]
وإنّ بقوم سوّدوك لفاقة ... إلى سيّد، لو يظفرون بسيّد [٤]
وقال إياس بن قتادة، في الأحنف بن قيس: [من الطويل]
وإنّ من السّادات من لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها [٥]
وقال حميضة بن حذيفة: [من الطويل]
أيظلمهم قسرا فتبّا لسعيه ... وكل مطاع لا أبالك يظلم
وقال آخر: [من الطويل]
فأصبحت بعد الحلم في الحيّ ظالما ... تخمّط فيهم والمسوّد يظلم [٦]
стр. 482
وكان أنس بن مدركة الخثعمي يقول: [من الوافر]
عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسوّد من يسود [١]
وقال الآخر: [من الوافر]
كما قال الحمار لسهم رام ... لقد جمّعت من شيء لأمر
وقال أبو حيّة: [من الطويل]
إذا قلن كلّا قال والنّقع ساطع ... بلى، وهو واه بالجراء أباجله [٢]
وقال آخر: [من البسيط]
إني رأيت أبا العوراء مرتفقا ... بشطّ دجلة يشري التمر والسمكا
كشدّة الخيل تبقى عند مذودها ... والموت أعلم إذ قفّى بمن تركا
هذه مساعيك في آثار سادتنا ... ومن تكن أنت ساعيه فقد هلكا
وقال شتيم بن خويلد، أحد بني غراب بن فزارة [٣] : [من المتقارب]
وقلت لسيّدنا يا حليم ... إنّك لم تأس أسوا رفيقا [٤]
أعنت عديّا على شأوها ... تعادي فريقا وتبقي فريقا
زحرت بها ليلة كلّها ... فجئت بها مؤيدا خنفقيقا [٥]
وقال ابن ميادة [٦] : [من الطويل]
أتيت ابن قشراء العجان فلم أجد ... لدى بابه إذنا يسيرا ولا نزلا
стр. 483
وإنّ الّذي ولّاك أمر جماعة ... لأنقص من يمشي على قدم عقلا
٥٨٢-[شعر في السيادة]
وقال آخر [١] : [من الوافر]
ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصّنيعا
إذا المجد الرّفيع تعاورته ... بناة السّوء أوشك أن يضيعا
وقال الآخر [٢] : [من الطويل]
إذا المرء أثرى ثمّ قال لقومه ... أنا السّيّد المفضى إليه المعمّم
ولم يعطهم خيرا أبوا أن يسودهم ... وهان عليهم رغمه وهو أظلم
وقال الآخر [٣] : [من الطويل]
تركت لبحر درهميه ولم يكن ... ليدفع عنّي خلّتي درهما بحر
فقلت لبحر خذهما واصطرفهما ... وأنفقهما في غير حمد ولا أجر
أتمنع سؤال العشيرة بعد ما ... تسمّيت بحرا وأكنيت أبا الغمر
وقال الهذليّ [٤] : [من الطويل]
وكنت إذا ما الدّهر أحدث نكبة ... أقول شوى، ما لم يصبن صميمي
وقال آخر [٥] في غير هذا الباب: [من الطويل]
سقى الله أرضا يعلم الضّبّ أنّها ... بعيد من الأدواء طيّبة البقل
بنى بيته في رأس نشز وكدية ... وكلّ امرئ في حرفة العيش ذو عقل
٥٨٣-[أبو الحارث والبرذون]
وحدّثني المكيّ قال: نظر أبو الحارث جمّين إلى برذون يستقى عليه ماء، فقال: [من الطويل]
[وما] [٦] المرء حيث يضع نفسه
стр. 484
هذا لو قد هملج لم يبتل يما ترى [١] !
٥٨٤-[بين العقل والحظ]
وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي: [من الوافر]
وما لبّ اللّبيب بغير حظّ ... بأغنى في المعيشة من فتيل
رأيت الحظّ يستر كلّ عيب ... وهيهات الحظوظ من العقول
٥٨٥-[هجو الخلف]
وقال الآخر [٢] : [من الكامل]
ذهب الّذين أحبّهم سلفا ... وبقيت كالمقهور في خلف
من كلّ مطويّ على حنق ... متضجّع يكفى ولا يكفي
٥٨٦-[عبد العين]
وقال آخر [٣] : [من الطويل]
ومولى كعبد العين أمّا لقاؤه ... فيرضى وأمّا غيبه فظنون
ويقال للمرائي، ولمن إذا رأى صاحبه تحرّك له وأراه الخدمة والسرعة في طاعته فإذا غاب عنه وعن عينه خالف ذلك: «إنّما هو عبد عين» [٤] .
وقال الله : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
[٥] .
٥٨٧-[من إيجاز القرآن]
وقد ذكرنا أبياتا تضاف إلى الإيجاز وقلّة الفضول، ولي كتاب جمعت فيه آيا من القرآن؛ لتعرف بها فصل ما بين الإيجاز والحذف، وبين الزّوائد والفضول
стр. 485
والاستعارات، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز والجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة على الّذي كتبته لك في باب الإيجاز وترك الفضول. فمنها قوله حين وصف خمر أهل الجنّة:
لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
[١] وهاتان الكلمتان قد جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدّنيا.
وقوله حين ذكر فاكهة أهل الجنّة فقال: لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ
[٢] جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني.
وهذا كثير قد دللتك عليه، فإن أردته فموضعه مشهور.
٥٨٨-[رأي أعرابي في تثمير المال]
وقال أعرابي من بني أسد: [من الطويل]
يقولون ثمّر ما استطعت، وإنما ... لوارثه ما ثمّر المال كاسبه
فكله وأطعمه وخالسه وارثا ... شحيحا ودهرا تعتريك نوائبه
٥٨٩-[شعر في الهجاء]
وقال رجل من بني عبس [٣] : [من البسيط]
أبلغ قرادا لقد حكّمتم رجلا ... لا يعرف النّصف بل قد جاوز النّصفا
كان امرأ ثائرا والحقّ يغلبه ... فجانب السّهل سهل الحقّ واعتسفا
وذاكم أنّ ذلّ الجار حالفكم ... وأنّ أنفكم لا يعرف الأنفا
إنّ المحكّم ما لم يرتقب حسبا ... أو يرهب السّيف أو حدّ القنا جنفا [٤]
من لاذ بالسّيف لاقى قرضه عجبا ... موتا على عجل أو عاش منتصفا
بيعوا الحياة بها إذ سام طالبها ... إمّا رواحا وإما متة أنفا
ليس امرؤ خالدا والموت يطلبه ... هاتيك أجساد عاد أصبحت جيفا
أبلغ لديك أبا كعب مغلغلة ... أنّ الذي بيننا قد مات أو دنفا
стр. 486
كانت أمور فجابت عن حلومكم ... ثوب العزيمة حتّى انجاب وانكشفا
إنّي لأعلم ظهر الضّغن أعدله ... عنّي، وأعلم أنّي آكل الكتفا
٥٩٠-[شعر في الحكم]
وقال أسقف نجران [١] : [من الكامل]
منع البقاء تصرّف الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس
اليوم أعلم ما يجيء به ... ومضى بفصل قضائه أمس
وقال عبيد بن الأبرص [٢] : [من مخلع البسيط]
وكلّ ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
من يسأل النّاس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
وعاقر مثل ذات رحم ... وغانم مثل من يخيب
أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضّ ... عف وقد يخدع الأريب
المرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب
وقال آخر [٣] : [من الرجز]
إذا الرّجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبر أعضادها
وجعلت أوصابها تعتادها ... فهي زروع قد دنا حصادها
стр. 487
٥٩١-[مرثية في محمد المخلوع]
وقال بنت عيسى بن جعفر وكان مملكة لمحمد المخلوع حين قتل: [من المنسرح]
أبكيك لا للنّعيم والأنس ... بل للمعالي والرّمح والفرس [١]
أبكي على فارس فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس
٥٩٢-[من نعت النساء]
وقال سلم الخاسر: [من الطويل]
تبدّت فقلت الشّمس عند طلوعها ... بجيد نقيّ الّلون من أثر الورس [٢]
فلما كررت الطّرف قلت لصاحبي ... على مرية: ما هاهنا مطلع الشمس!
٥٩٣-[شعر رثاء]
وقال الآخر [٣] : [من الوافر]
كفى حزنا بدفنك ثمّ أنّي ... نفضت تراب قبرك عن يديّا
وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
стр. 488
باب من المديح بالجمال وغيره
٥٩٤-[شعر في المديح]
قال مزاحم العقيليّ: [من الطويل]
يزين سنا الماويّ كلّ عشيّة ... على غفلات الزّين والمتجمّل [١]
وجوه لو انّ المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدّجى حتّى ترى اللّيل ينجلي
وقال الشّمردل: [من البسيط]
إذا جرى المسك يندى في مفارقهم ... راحوا كأنهم مرضى من الكرم [٢]
يشبّهون ملوكا من تجلّتهم ... وطول أنضية الأعناق والأمم
النضيّ: السّهم الذي لم يرش، يعني أن أعناقهم ملس مستوية، والأمم:
القامات.
وقال القتّال الكلابيّ [٣] : [من البسيط]
يا ليتني، والمنى ليست بنافعة ... لمالك أو لحصن أو لسيّار
طوال أنضية الأعناق لم يجدوا ... ريح الإماء إذا راحت بأزفار
стр. 489
لم يرضعوا الدّهر إلا ثدي واضحة ... لواضح الوجه يحمي باحة الدّار
وقال آخر: [من الطويل]
إذا كان عقل قلتم إنّ عقلنا ... إلى الشّاء لم تحلل علينا الأباعر
وإنّ امرأ بعدي يبادل ودّكم ... بودّ بني ذبيان مولى لخاسر
أولئك قوم لا يهان هديّهم ... إذا صرّحت كحل وهبّت أعاصر [١]
مذاليق بالخيل العتاق إذا عدوا ... بأيديهم خطّيّة وبواتر [٢]
وقال أبو الطّمحان القينيّ في المعنى الذي ذكرنا [٣] : [من الطويل]
كم فيهم من سيّد وابن سيّد ... وفيّ بعقد الجار، حين يفارقه
يكاد الغمام الغرّ يرعد أن رأى ... وجوه بني لأم وينهلّ بارقه
وقال لقيط بن زرارة [٤] : [من الطويل]
وإنّي من القوم الذين عرفتم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه
نجوم سماء كلما غار كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى اللّيل حتّى نظّم الجزع ثاقبه [٥]
وقال بعض التميميّين، يمدح عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة: [من الطويل]
بحقّ امرئ سرو عتيبة خاله ... وأنت لقعقاع وعمّك حاجب
стр. 490
دراري نجوم كلما انقضّ كوكب ... بدا كوكب ترفضّ عنه الكواكب
وقال طفيل الغنويّ [١] : [من الطويل]
وكان هريم من سنان خليفة ... وعمرو ومن أسماء لّما تغيّبوا
نجوم ظلام كلما غاب كوكب ... بدا ساطعا في حندس اللّيل كوكب
وقال الخريمي [٢] ، يمدح بني خريم من آل سنان بن أبي حارثة: [من الطويل]
بقيّة أقمار من الغرّ لو خبت ... لظلّت معدّ في الدّجى تتكسّع
إذا قمر منهم تغوّر أو خبا ... بدا قمر في جانب الليل يلمع
وقال بعض غنيّ [٣] وهو يمدح جماعة إخوة، أنشدنيها أبو قطن الذي يقال له شهيد الكرم: [من البسيط]
حبّر ثناء بني عمرو فإنّهم ... أولو فضول وأنفال وأخطار
إن يسألوا الخير يعطوه، وإن جهدوا ... فالجهد يخرج منهم طيب أخبار
وإن تودّدتهم لانوا، وإن شهموا ... كشفت أذمار حرب غير أغمار
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم ... مثل النّجوم التي يسري بها السّاري
٥٩٥-[شعر في الفخر]
وقال رجل من بني نهشل [٤] : [من البسيط]
إنّي لمن معشر أفنى أوائلهم ... قيل الكماة ألا أين المحامونا
стр. 491
لو كان في الألف منّا واحد فدعوا ... من فارس خالهم إيّاه يعنونا
وليس يذهب منّا سيّد أبدا ... إلّا افتلينا غلاما سيّدا فينا
٥٩٦-[شعر في المديح]
وفي المعنى الأوّل يقول النّابغة الذّبيانيّ [١] : [من الطويل]
وذاك لأنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
بأنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وفي غير ذلك من المديح يقول الشاعر [٢] : [من الكامل]
وأتيت حيّا في الحروب محلّهم ... والجيش باسم أبيهم يستهزم
وفي ذلك يقول الفرزدق [٣] : [من الطويل]
لتبك وكيعا خيل ليل مغيرة ... تساقى السّمام بالرّدينيّة السّمر
لقوا مثلهم فاستهزموهم بدعوة ... دعوها وكيعا والرّماح بهم تجري
وأما قول الشاعر: [من الرجز]
تخامل المحتد أو هزام
فإنّما ذهب إلى أنّ الدّعوة إذا قام بها خامل الذّكر والنسب فلا يحسده من أكفائه أحد وأما إذا قام بها مذكور بيمن النّقيبة، وبالظّفر المتتابع، فذلك أجود ما يكون، وأقرب إلى تمام الأمر.
وقال الفرزدق [٤] : [من الطويل]
تصرّم منّي ودّ بكر بن وائل ... وما كان ودّي عنهم يتصرّم
قوارص تأتيني ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الأناء فيفعم
стр. 492
وقال الفرزدق [١] : [من الطويل]
وقالت أراه واحدا لا أخا له ... يؤمّله في الوارثين الأباعد
لعلّك يوما أن تريني كأنّما ... بنيّ حواليّ الأسود الحوارد [٢]
فإنّ تميما قبل أن يلد الحصى ... أقام زمانا وهو في الناس واحد
وقال الفرزدق أيضا [٣] : [من الطويل]
فإن كان سيف خان أو قدر أتى ... لميقات يوم حتفه غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... ويقطعن أحيانا مناط القلائد [٤]
٥٩٧-[خير القصائد]
وإن أحببت أن تروي من قصار القصائد شعرا لم يسمع بمثله، فالتمس ذلك في قصار قصائد الفرزدق؛ فإنك لم تر شاعرا قطّ يجمع التّجويد في القصار والطّوال غيره.
وقد قيل للكميت: إن النّاس يزعمون أنّك لا تقدر على القصار! قال [٥] : من قال الطّوال فهو على القصار أقدر.
هذا الكلام يخرج في ظاهر الرّأي والظّن، ولم نجد ذلك عند التّحصيل على ما قال.
وقيل لعقيل بن علّفة: لم لا تطيل الهجاء؟ قال [٦] : «يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق» .
стр. 493
وقيل لجرير: إلى كم تهجو النّاس؟ قال [١] «إنّي لا أبتدي، ولكنّي أعتدي» .
وقيل له: لم لا تقصّر؟ قال: «إن الجماح يمنع الأذى» .
٥٩٨-[شعر مختار]
قال عبيد بن الأبرص [٢] : [من الكامل]
نبّئت أنّ بني جديلة أوعبوا ... نفراء من سلمى لنا وتكتبوا [٣]
ولقد جرى لهم فلم يتعيّفوا ... تيس قعيد كالهراوة أعضب [٤]
وأبو الفراخ على خشاش هشيمة ... متنكّب إبط الشّمائل ينعب [٥]
فتجاوزوا ذاكم إلينا كلّه ... عدوا وقرطبة فلما قرّبوا [٦]
طعنوا بمرّان الوشيج فما ترى ... خلف الأسنة غير عرق يشخب [٧]
وتبدّلوا اليعبوب بعد إلههم ... صنما ففرّوا يا جديل وأعذبوا [٨]
وقال آخر: [من الطويل]
ألم تر حسّان بن ميسرة الذي ... بجوخى إلى جيرانه كيف يصنع
متاريب ما تنفكّ منهم عصابة ... إليه سراعا يحصدون ويزرع [٩]
-
стр. 494
٥٩٩-[شعر في معنى قوله: يريد أن يعربه فيعجمه]
وباب آخر مثل قوله [١] : [من الرجز]
يريد أن يعربه فيعجمه
وقال آخر: [من الرجز]
كأنّ من يحفظها يضيعها
وقال آخر: [من الرجز]
أهوج لا ينفعه التثّقيف
وقال بعض المحدثين [٢] في هذا المعنى: [من الطويل]
إذا حاولوا أن يشعبوها رأيتها ... مع الشّعب لا تزداد إلا تداعيا
وقال صالح بن عبد القدّوس [٣] : [من السريع]
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتّى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضّنا عاد إلى نكسه
ومثل هذا قوله [٤] : [من الكامل]
وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم
وقال حسيل بن عرفطة [٥] : [من الطويل]
ليهنيك بغض في الصّديق وظنة ... وتحديثك الشّيء الذي أنت كاذبه
وأنك مشنوء إلى كلّ صاحب ... قلاك ومثل الشّرّ يكره جانبه
стр. 495
وأنّك مهداء الخنا نطف النثا ... شديد السّباب رافع الصوت غالبه [١]
فلم أر مثل الجهل يدعو إلى الرّدى ... ولا مثل بغض النّاس غمّض صاحبه
٦٠٠-[كلمة للزّبرقان]
وقال الأصمعي: قال الزّبرقان بن بدر: خصلتان كبيرتان في امرئ السّوء: شدّة السّباب، وكثرة اللّطام.
٦٠١-[تمجيد الأقارب]
وقال خالد بن نضلة [٢] : [من الطويل]
لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه ولو عالوا به كلّ مركب
من الجانب الأقصى وإن كان ذا ندى ... كثير ولا ينبيك مثل المجرّب
إذا كنت في قوم عدا لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيّب
فإن تلتبس بي خيل دودان لا أرم ... وإن كنت ذا ذنب وإن غير مذنب
٦٠٢-[بكل واد بنو سعد]
قال: ولمّا تأذّى الأضبط بن قريع في بني سعد تحوّل عنهم إلى آخرين فآذوه فقال: بكلّ واد بنو سعد [٣] !
٦٠٣-[مقطّعات شتّى]
وقال سحيم بن وثيل [٤] : [من الطويل]
ألا ليس زين الرّحل قطع ونمرق ... ولكنّ زين الرّحل يا ميّ راكبه [٥]