لو كان في الألف منّا واحد فدعوا ... من فارس خالهم إيّاه يعنونا
وليس يذهب منّا سيّد أبدا ... إلّا افتلينا غلاما سيّدا فينا
٥٩٦-[شعر في المديح]
وفي المعنى الأوّل يقول النّابغة الذّبيانيّ [١] : [من الطويل]
وذاك لأنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
بأنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وفي غير ذلك من المديح يقول الشاعر [٢] : [من الكامل]
وأتيت حيّا في الحروب محلّهم ... والجيش باسم أبيهم يستهزم
وفي ذلك يقول الفرزدق [٣] : [من الطويل]
لتبك وكيعا خيل ليل مغيرة ... تساقى السّمام بالرّدينيّة السّمر
لقوا مثلهم فاستهزموهم بدعوة ... دعوها وكيعا والرّماح بهم تجري
وأما قول الشاعر: [من الرجز]
تخامل المحتد أو هزام
فإنّما ذهب إلى أنّ الدّعوة إذا قام بها خامل الذّكر والنسب فلا يحسده من أكفائه أحد وأما إذا قام بها مذكور بيمن النّقيبة، وبالظّفر المتتابع، فذلك أجود ما يكون، وأقرب إلى تمام الأمر.
وقال الفرزدق [٤] : [من الطويل]
تصرّم منّي ودّ بكر بن وائل ... وما كان ودّي عنهم يتصرّم
قوارص تأتيني ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الأناء فيفعم
стр. 492
وقال الفرزدق [١] : [من الطويل]
وقالت أراه واحدا لا أخا له ... يؤمّله في الوارثين الأباعد
لعلّك يوما أن تريني كأنّما ... بنيّ حواليّ الأسود الحوارد [٢]
فإنّ تميما قبل أن يلد الحصى ... أقام زمانا وهو في الناس واحد
وقال الفرزدق أيضا [٣] : [من الطويل]
فإن كان سيف خان أو قدر أتى ... لميقات يوم حتفه غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... ويقطعن أحيانا مناط القلائد [٤]
٥٩٧-[خير القصائد]
وإن أحببت أن تروي من قصار القصائد شعرا لم يسمع بمثله، فالتمس ذلك في قصار قصائد الفرزدق؛ فإنك لم تر شاعرا قطّ يجمع التّجويد في القصار والطّوال غيره.
وقد قيل للكميت: إن النّاس يزعمون أنّك لا تقدر على القصار! قال [٥] : من قال الطّوال فهو على القصار أقدر.
هذا الكلام يخرج في ظاهر الرّأي والظّن، ولم نجد ذلك عند التّحصيل على ما قال.
وقيل لعقيل بن علّفة: لم لا تطيل الهجاء؟ قال [٦] : «يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق» .
стр. 493
وقيل لجرير: إلى كم تهجو النّاس؟ قال [١] «إنّي لا أبتدي، ولكنّي أعتدي» .
وقيل له: لم لا تقصّر؟ قال: «إن الجماح يمنع الأذى» .
٥٩٨-[شعر مختار]
قال عبيد بن الأبرص [٢] : [من الكامل]
نبّئت أنّ بني جديلة أوعبوا ... نفراء من سلمى لنا وتكتبوا [٣]
ولقد جرى لهم فلم يتعيّفوا ... تيس قعيد كالهراوة أعضب [٤]
وأبو الفراخ على خشاش هشيمة ... متنكّب إبط الشّمائل ينعب [٥]
فتجاوزوا ذاكم إلينا كلّه ... عدوا وقرطبة فلما قرّبوا [٦]
طعنوا بمرّان الوشيج فما ترى ... خلف الأسنة غير عرق يشخب [٧]
وتبدّلوا اليعبوب بعد إلههم ... صنما ففرّوا يا جديل وأعذبوا [٨]
وقال آخر: [من الطويل]
ألم تر حسّان بن ميسرة الذي ... بجوخى إلى جيرانه كيف يصنع
متاريب ما تنفكّ منهم عصابة ... إليه سراعا يحصدون ويزرع [٩]
-
стр. 494
٥٩٩-[شعر في معنى قوله: يريد أن يعربه فيعجمه]
وباب آخر مثل قوله [١] : [من الرجز]
يريد أن يعربه فيعجمه
وقال آخر: [من الرجز]
كأنّ من يحفظها يضيعها
وقال آخر: [من الرجز]
أهوج لا ينفعه التثّقيف
وقال بعض المحدثين [٢] في هذا المعنى: [من الطويل]
إذا حاولوا أن يشعبوها رأيتها ... مع الشّعب لا تزداد إلا تداعيا
وقال صالح بن عبد القدّوس [٣] : [من السريع]
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتّى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضّنا عاد إلى نكسه
ومثل هذا قوله [٤] : [من الكامل]
وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم
وقال حسيل بن عرفطة [٥] : [من الطويل]
ليهنيك بغض في الصّديق وظنة ... وتحديثك الشّيء الذي أنت كاذبه
وأنك مشنوء إلى كلّ صاحب ... قلاك ومثل الشّرّ يكره جانبه
стр. 495
وأنّك مهداء الخنا نطف النثا ... شديد السّباب رافع الصوت غالبه [١]
فلم أر مثل الجهل يدعو إلى الرّدى ... ولا مثل بغض النّاس غمّض صاحبه
٦٠٠-[كلمة للزّبرقان]
وقال الأصمعي: قال الزّبرقان بن بدر: خصلتان كبيرتان في امرئ السّوء: شدّة السّباب، وكثرة اللّطام.
٦٠١-[تمجيد الأقارب]
وقال خالد بن نضلة [٢] : [من الطويل]
لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه ولو عالوا به كلّ مركب
من الجانب الأقصى وإن كان ذا ندى ... كثير ولا ينبيك مثل المجرّب
إذا كنت في قوم عدا لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيّب
فإن تلتبس بي خيل دودان لا أرم ... وإن كنت ذا ذنب وإن غير مذنب
٦٠٢-[بكل واد بنو سعد]
قال: ولمّا تأذّى الأضبط بن قريع في بني سعد تحوّل عنهم إلى آخرين فآذوه فقال: بكلّ واد بنو سعد [٣] !
٦٠٣-[مقطّعات شتّى]
وقال سحيم بن وثيل [٤] : [من الطويل]
ألا ليس زين الرّحل قطع ونمرق ... ولكنّ زين الرّحل يا ميّ راكبه [٥]
стр. 496
وقال أعرابيّ [١] : [من الطويل]
فما وجد ملواح من الهيم خلّئت ... عن الماء حتّى جوفها يتصلصل [٢]
تحوم وتغشاها العصيّ وحولها ... أقاطيع أنعام تعلّ وتنهل
بأكثر منّي غلّة وتعطّفا ... إلى الورد، إلّا أنّني أتجمّل
وقال خالد بن علقمة ابن الطّيفان، في عيب أخذ العقل والرّضا بشيء دون الدّم، فقال [٣] : [من الطويل]
وإنّ الّذي أصبحتم تحلبونه ... دم غير أنّ اللّون ليس بأحمرا
فلا توعدوا أولاد حيّان بعدما ... رضيتم وزوّجتم سيالة مسهرا [٤]
وأعجب قرد يقصم القمل حالقا ... إذا عبّ في البقية بربرا
إذا سكبوا في القعب من ذي إنائهم ... رأوا لونه في القعب وردا وأشقرا
стр. 497
باب آخر في ذكر الغضب، والجنون، في المواضع التي يكون فيها محمودا
٦٠٤-[شعر في الجنون]
قال الأشهب بن رميلة [١] : [من الطويل]
هرّ المقادة من لا يستقيد لها ... واعصوصب السّير وارتدّ المساكين [٢]
من كلّ أشعث قد مالت عمامته ... كأنّه من ضرار الضّيم مجنون
وقال في شبيه ذلك أبو الغول الطّهويّ [٣] : [من الوافر]
فدت نفسي وما ملكت يميني ... معاشر صدّقت فيهم ظنوني
معاشر لا يملّون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الطّحون
ولا يجزون من خير بشر ... ولا يجزون من غلظ بلين
ولا تبلى بسالتهم وإن هم ... صلوا بالحرب حينا بعد حين
هم أحموا حمى الوقبى بضرب ... يؤلّف بين أشتات المنون [٤]
فنكّب عنهم درء الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون
وقال ابن الطّثريّة [٥] : [من البسيط]
لو أنّني لم أنل منكم معاقبة ... إلا السّنان لذاق الموت مظعون
أو لا ختطبت فإني قد هممت به ... بالسّيف إن خطيب السّيف مجنون
стр. 498
وقال آخر [١] : [من الكامل]
حمراء تامكة السّنام كأنّها ... جمل بهودج أهله مظعون [٢]
جادت بها يوم الوداع يمينه ... كلتا يدي عمرو الغداة يمين
ما إن يجود بمثلها في مثله ... إلّا كريم الخيم أو مجنون [٣]
وفي هذا المعنى يقول حسّان، أو ابنه عبد الرحمن بن حسّان [٤] : [من الخفيف]
إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا
إن يكن غثّ من رقاش حديث ... فبما نأكل الحديث سمينا
وفي شبيه بذلك قول الشّنفرى [٥] : [من الطويل]
فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت ... فول جنّ إنسان من الحسن جنّت
وقال القطاميّ [٦]- حين وصف إفراط ناقته في المرح والنّشاط: [من البسيط]
يتبعن سامية العينين تحسبها ... مجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل
وقال ابن أحمر [٧] ، في معنى التشبيه والاشتقاق: [من الوافر]
بهجل من قسا ذفر الخزامى ... تداعى الجربياء به الحنينا [٨]
стр. 499
تفقّأ فوقه القلع السّواري ... وجنّ الخازباز به جنونا [١]
وفي مثل ذلك يقول الأعشى [٢] : [من الخفيف]
وإذا الغيث صوبه وضع القد ... ح وجنّ التّلاع والآفاق
لم يزدهم سفاهة نشوة الخم ... ر ولا اللهو فيهم والسّباق
وقال آخر في باب المزاح والبطالة، مما أنشدنيه أبو الأصبغ بن ربعيّ: [من الطويل]
أتوني بمجنون يسيل لعابه ... وما صاحبي إلّا الصّحيح المسلّم
٦٠٥-[إبراهيم بن هانئ والشعر]
وأنشدني إبراهيم بن هانئ، وعبد الرحمن بن منصور: [من الطويل]
جنونك مجنون ولست بواجد ... طبيبا يداوي من جنون جنون
وكان إبراهيم بن هانئ لا يقيم شعرا ولا أدري كيف أقام هذا البيت! وكان يدّعى بحضرة أبي إسحاق علم الحساب، والكلام، والهندسة، واللحون، وأنه يقول الشعر؛ فقال أبو إسحاق: نحن لم نمتحنك في هذه الأمور، فلك أن تدّعيها عندنا. كيف صرت تدّعي قول الشعر، وأنت إذا رويته لغيرك كسرته؟! قال:
فإنّي هكذا طبعت، أن أقيمه إذا قلت، وأكسره إذا أنشدت! قال أبو إسحاق: ما بعد هذا الكلام كلام!
٦٠٦-[جواب أعرابي في شدة الغلمة]
وقلت لأعرابيّ، أيّما أشدّ غلمة: المرأة أو الرجل؟ فأنشد [٣] : [من الطويل]
فو الله ما أدري وإنّي لسائل ... ألأير أدنى للفجور أو الحر
وقد جاء هذا مرخيا من عنانه ... وأقبل هذا فاتحا فاه يهدر
٦٠٧-[مقطعات شتى]
وأنشد بعضهم [٤] : [من الخفيف]
أصبح الشّيب في المفارق شاعا ... واكتسى الرأس من بياض قناعا
стр. 500
ثم ولّى الشّباب إلّا قليلا ... ثم يأبى القليل إلّا نزاعا
وأنشد محمد بن يسير [١] : [من المنسرح]
قامت تخاصرني لقبّتها ... خود تأطّر ناعم بكر [٢]
كلّ يرى أنّ الشّباب له ... في كل مبلغ لذّة عذر
وقال الآخر في خلاف ذلك، أنشدنيه محمد بن هشام السّدري: [من الطويل]
فلا تعذراني في الإساءة إنّه ... أشرّ الرّجال من يسيء فيعذر [٣]
وقال ابن فسوة [٤] : [من الطويل]
فليت قلوصي عرّيت أو رحلتها ... إلى حسن في داره وابن جعفر
إلى معشر لا يخصفون نعالهم ... ولا يلبسون السّبت ما لم يحضّر [٥]
وقال الطّرمّاح بن حكيم، وهو أبو نفر [٦] : [من الطويل]
لقد زادني حبّا لنفسي أنّني ... بغيض إلى كلّ امرئ غير طائل
إذا ما رآني قطّع الطّرف بينه ... وبيني فعل العارف المتجاهل
ملأت عليه الأرض حتّى كأنّها ... من الضّيق في عينيه كفّة حابل
وقال آخر: [من الوافر]
إذا أبصرتني أعرضت عنّي ... كأنّ الشّمس من قبلي تدور
وقال الخريمي [٧] وذكر عماه: [من المنسرح]
أصغي إلى قائدي ليخبرني ... إذا النقينا عمّن يحيّيني
стр. 501
أريد أن أعدل السّلام وأن ... أفصل بين الشّريف والدّون
اسمع ما لا أرى فأكره أن ... أخطئ، والسّمع غير مأمون
لله عيني التي فجعت بها ... لو أنّ دهرا بها يواتيني
لو كنت خيّرت ما أخذت بها ... تعمير نوح في ملك قارون
وقال بعض القدماء [١] : [من الوافر]
ألم تر حوشبا أضحى يبنّي ... قصورا نفعها لبني بقيله
يؤمّل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كلّ ليله
وقال ابن عبّاس بعد ما ذهب بصره [٢] : [من البسيط]
إن يأخذ الله من عينيّ نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكيّ وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسّيف مأثور
وقال حسّان يذكر بيان ابن عبّاس [٣] : [من الطويل]
إذا قال لم يترك مقالا ولم يقف ... لعيّ ولم يثن اللّسان على هجر
يصرّف بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصّقر
٦٠٨-[شعر لأعرابي في الخصب والجدب]
وقال بعض الأعراب [٤] يذكر الخصب والجدب: [من الطويل]
مطرنا فلمّا أن روينا تهادرت ... شقاشق فيها رائب وحليب
ورامت رجالا من رجال ظلامة ... وعدّت ذحول بينهم وذنوب
стр. 502
ونصّت ركاب للصّبا فتروّحت ... لهنّ بما هاج الحبيب خبيب [١]
وطنّ فناء الحيّ حتّى كأنّه ... رحى منهل من كرّهنّ نحيب
بني عمّنا لا تعجلوا، ينضب الثّرى ... قليلا ويشفى المترفين طبيب
فلو قد تولّى النّبت وامتيرت القرى ... وحنّت ركاب الحيّ حين تثوب
وصار غبوق الخود وهي كريمة ... على أهلها، ذو جدّتين مشوب [٣]
وصار الّذي في أنفه خنزوانة ... ينادى إلى هادي الرّحى فيجيب [٣]
أولئك أيّام تبيّن ما الفتى ... أكاب سكيت أم أشمّ نجيب
٦٠٩-[شعر لأنس بن أبي إياس]
وقال: ولما ولي حارثة بن بدر سرّق، كتب إليه أنس بن أبي إياس الدّؤلي [٤] :
[من الطويل]
أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وباه تميما بالغنى إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق
ولا تحقرن يا حار شيئا ملكته ... فحظّك من ملك العراقين سرّق
فإنّ جميع النّاس إمّا مكذّب ... يقول بما يهوى، وإمّا مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعرفونها ... ولو قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا
وقال بعض الأعراب: [من الطويل]
فلمّا رأينا القوم ثاروا بجمعهم ... رعينا الحديث وهو فيهم مضيّع
وأدركنا من عزّ قيس حفيظة ... ولا خير فيمن لا يضرّ وينفع
٦١٠-[أقوال مأثورة]
ويقال إنّ رجلا قال لبعض السّلاطين: الدّنيا بما فيها حديث، فإن استطعت أن تكون من أحسنها حديثا فافعل!
стр. 503
وقال حذيفة بن بدر لصاحبه يوم جفر الهباءة [١] ، حين أعطاهم بلسانه ما أعطى: إيّاك والكلام المأثور [٢] .
وأنشد الأصمعي: [من الخفيف]
كلّ يوم كأنّه يوم أضحى ... عند عبد العزيز أو يوم فطر
وقال: وذكر لي بعض البغداديّين أنّه سمع مدنيّا مرّ بباب الفضل بن يحيى- وعلى بابه جماعة من الشعراء- فقال [٣] : [من الخفيف]
ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... ترك النّاس كلّهم شعراء
وقال الأصمعي: قال لي خلف الأحمر: الفارسيّ إذا تظرّف تساكت، والنّبطيّ إذا تظرّف أكثر الكلام.
وقال الأصمعيّ: قال رجل لأعرابيّ: كيف فلان فيكم؟ قال: مرزوق أحمق! قال: هذا الرّجل الكامل.
قال: وقال أعرابيّ لرجل: كيف فلان فيكم؟ قال: غنيّ حظيّ، قال: هذا من أهل الجنّة!
٦١١-[السواد والبياض في البادية]
الأصمعيّ قال: أخبرني جوسق قال: كان يقال بالبدو: «إذا ظهر البياض قلّ السّواد، وإذا ظهر السّواد قلّ البياض» . قال الأصمعيّ: يعني بالسّواد التّمر، وبالبياض اللّبن والأقط [٤] ، يقول: إذا كانت السّنة مجدبة كثر التّمر وقلّ اللّبن والأقط. وقال: إذا كان العام خصيبا ظهر في صدقة الفطر البياض يعني الإقط وإذا كان جدبيا ظهر السّواد، يعني التّمر.
وتقول الفرس: إذا زخرت الأودية بالماء كثر التّمر، وإذا اشتدّت الرّياح كثر الحبّ.
стр. 504
٦١٢-[أثر الريح في المطر]
وحدّثني محمّد بن سلام، عن شعيب بن حجر قال: جاء رجل على فرس فوقف بماء من مياه العرب فقال: أعندكم الرّيح الّتي تكبّ [١] البعير؟ قالوا: لا. قال:
فتذري [٢] الفارس؟ قالوا: لا. قال: فكما تكون يكون مطركم.
وحدّثني العتبيّ قال: هجمت على بطن بين جبلين، فلم أر واديا أخصب منه، وإذا رجال يتركّلون على مساحيهم [٣] ، وإذا وجوه مهجّنة، وألوان فاسدة فقلت:
واديكم أخصب واد، وأنتم لا تشبهون المخاصيب قال: فقال شيخ منهم: ليس لنا ريح.
٦١٣-[شعر في الخصب]
وقال النّمر بن تولب [٤] : [من البسيط]
كأنّ جمرة، أو عزّت لها شبها ... في العين يوما تلاقينا بأرمام [٥]
ميثاء جاد عليها وابل هطل ... فأمرعت لاحتيال فرط أعوام
إذا يجفّ ثراها بلّها ديم ... من كوكب بزل بالماء سجام
لم يرعها أحد واربتها زمنا ... فأو من الأرض محفوف بأعلام [٦]
تسمع للطّير في حافاتها زجلا ... كأنّ أصواتها أصوات جرّام [٧]
كأنّ ريح خزاماها وحنوتها ... باللّيل ريح يلنجوج وأهضام [٨]
قال: فلم يدع معنى من أجله يخصب الوادي ويعتمّ نبته إلّا ذكره وصدق النمر!
стр. 505
وقال الأسديّ في ذكر الخصب ورطوبة الأشجار ولدونة الأغصان وكثرة الماء [١] : [من الكامل]
وكأنّ أرحلنا بجوّ محصّب ... بلوى عنيزة من مقيل التّرمس [٢]
في حيث خالطت الخزامى عرفجا ... يأتيك قابس أهله لم يقبس
ذهب إلى أنّه قد بلغ من الرّطوبة في أغصانه وعيدانه، أنّها إذا حكّ بعضها ببعض لم يقدح.
وفي شبيه بذلك يقول الآخر، وذهب إلى كثرة الألوان والأزهار والأنوار [٣] :
[من الرجز]
كانت لنا من غطفان جاره ... كأنها من دبل وشاره
والحلي حلي التّبر والحجاره ... مدفع ميثاء إلى قراره
ثم قال [٤] : [من الرجز]
إيّاك أعني واسمعي يا جاره
وقال بشّار [٥] : [من الخفيف]
وحديث كأنّه قطع الرّو ... ض وفيه الحمراء والصّفراء
стр. 506
باب من الفطن وفهم الرّطانات والكنايات والفهم والإفهام
٦١٤-[حديث المرأة التي طرقها اللصوص]
الأصمعي قال: كانت امرأة تنزل متنحّية من الحيّ، وتحبّ العزلة وكان لها غنم، فطرقها اللّصوص فقالت لأمتها: اخرجي! من هاهنا؟ قالت: هاهنا حيّان، والحمارس، وعامر والحارث، ورأس عنز وشادن. وراعيا بهمنا: فنحن ما أولئك. أي:
فنحن أولئك. فلما سمعوا ذلك ظنّوا أنّ عندها بنيها. وقال الأصمعيّ مرّة: فلما سمعت حسّهم قالت لأمتها: أخرجي سلح بنيّ من هاهنا.
قال: وسلح جمع سلاح [١] . وحيّان والحمارس: أسماء تيوس لها.
٦١٥-[قصة الممهورة الشياه والخمر]
قال الأصمعيّ [٢] : تزوّج رجل [٣] امرأة فساق إليها مهرها ثلاثين شاة، وبعث بها رسولا، وبعث بزقّ خمر. فعمد الرّسول فذبح شاة في الطريق فأكلها، وشرب بعض الزّقّ. فلما أتى المرأة نظرت إلى تسع وعشرين ورأت الزّقّ ناقصا، فعلمت أنّ الرجل لا يبعث إلّا بثلاثين وزقّ مملوء فقالت للرسول: قل لصاحبك: إن سحيما قد رثم [٤] ، وإن رسولك جاءنا في المحاق! فلما أتاه الرّسول بالرّسالة: قال يا عدوّ الله، أكلت من الثّلاثين شاة شاة، وشربت من رأس الزّق! فاعترف بذلك.
٦١٦-[قصة العنبريّ الأسير]
الأصمعيّ قال [٥] : أخبرني شيخ من بني العنبر قال: أسر بنو شيبان رجلا من
стр. 507
بني العنبر، قال: دعوني حتى أرسل إلى أهلي ليفدوني. قالوا: على ألّا تكلّم الرّسول إلّا بين أيدينا. قال: نعم. قال: فقال للرسول. ائت أهلي فقل: إنّ الشّجر قد أورق.
وقل: إنّ النّساء قد اشتكت وخرزت القرب. ثمّ قال له: أتعقل؟ قال: نعم. قال: إن كنت تعقل فما هذا؟ قال: الليل. قال: أراك تعقل انطلق إلى أهلي فقل لهم: عرّوا جملي الأصهب، واركبوا ناقتي الحمراء، وسلوا حارثا عن أمري- وكان حارث صديقا له- فذهب الرّسول فأخبرهم. فدعوا حارثا فقصّ عليه الرّسول القصة، فقال أمّا قوله: «إنّ الشّجر قد أورق» فقد تسلّح القوم. وأمّا قوله: «إن النساء قد اشتكت وخرزت القرب» فيقول: قد اتخذت الشّكا [١] وخرزت القرب للغزو. وأما قوله: «هذا الليل» فإنّه يقول: أتاكم جيش مثل الليل. وأمّا قوله: «عرّوا جملي الأصهب» فيقول: ارتحلوا عن الصّمّان. وأما قوله: «اركبوا ناقتي الحمراء» فيقول انزلوا الدّهناء وكان القوم قد تهيّؤوا لغزوهم، فخافوا أن ينذرهم، فأنذرهم وهم لا يشعرون فجاء القوم يطلبونهم فلم يجدوهم.
٦١٧-[قصة العطاردي]
وكذلك صنع العطاردي في شأن شعب جبلة [٢] ، وهو كرب بن صفوان؛ وذلك أنه حين لم يرجع لهم قولا حين سألوه أن يقول، ورمى بصرّتين في إحداهما شوك، والأخرى تراب، فقال قيس بن زهير: هذا رجل مأخوذ عليه ألا يتكلّم، وهو ينذركم عددا وشوكة [٣] .
قال الله : وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
[٤] .
٦١٨-[شعر في صفة الخيل والجيش]
قال أبو نخيلة [٥] : [من الرجز]
لما رأيت الدّين دينا يؤفك ... وأمست القبة لا تستمسك
стр. 508
يفتق من أعراضها ويهتك ... سرت من الباب فطار الدّكدك
منها الدّجوجيّ ومنها الأرمك ... كالّليل إلّا أنّها تحرّك
وقال منصور النّمري [١] : [من البسيط]
ليل من النّقع لا شمس ولا قمر ... إلّا جبينك والمذروبة الشّرع [٢]
وقال آخر: [من السريع]
كأنّهم ليل إذا استنفروا ... أو لجّة ليس لها ساحل
وقال العجاج [٣] : [من الرجز]
كأنّما زهاؤه إذا جهر ... ليل ورزّ وغره إذا وغر
سار سرى من قبل العين فجر
وفي هذا الباب وليس منه يقول بشّار [٤] : [من الطويل]
كأنّ مثار النّقع فوق رؤوسهم ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وقال كلثوم بن عمرو [٥] : [من البسيط]
تبني سنابكهم من فوق أرؤسهم ... سقفا كواكبه البيض المباتير
وهذا المعنى قد غلب عليه بشّار، كما غلب عنترة على قوله [٦] : [من الكامل]
فترى الذّباب بها يغنّي وحده ... هزجا كفعل الشّارب المترنّم
غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم
فلو أنّ امرأ القيس عرض في هذا المعنى لعنترة لافتضح.
стр. 509
٦١٩-[مقطعات شتى]
وقال بعضهم في غير هذا المعنى: [من الخفيف]
وفلاة كأنّما اشتمل الّلي ... ل على ركبها بأبناء حام
خضت فيها إلى الخليفة بالرّ ... قّة بحري ظهيرة وظلام
وقال العرجيّ [١] : [من البسيط]
سمّيتني خلقا بخلّة قدمت ... ولا جديد إذا لم يلبس الخلق
يا أيها المتحلّي غير شيمته ... ومن خلائقه الإقصاد والملق
ارجع إلى خيمك المعروف ديدنه ... إن التّخلق يأتي دونه الخلق
وقال آخر [٢] : [من الكامل]
أودى الخيار من المعاشر كلهم ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتنازعوا في كلّ أمر عظيمة ... لو قد تكون شهدتهم لم ينبسوا
وأبيات أبي نواس على أنه مولّد شاطر، أشعر من شعر مهلهل في إطراق النّاس في مجلس كليب، وهو قوله [٣] : [من الطويل]
على خبز إسماعيل واقية البخل ... وقد حلّ في دار الأمان من الأكل
وما خبزه إلّا كآوى يرى ابنها ... ولم ترآوى في الحزون ولا السّهل
وما خبزه إلّا كعنقاء مغرب ... تصوّر في بسط الملوك وفي المثل
يحدث عنها النّاس من غير رؤية ... سوى صورة ما أن تمرّ ولا تحلي
وما خبزه إلّا كليب بن وائل ... ليالي يحمي عزّه منبت البقل
стр. 510
وإذ هو لا يستبّ خصمان عنده ... ولا القول مرفوع بجد ولا هزل
فإن خبز إسماعيل حلّ به الذي ... أصاب كليبا لم يكن ذاك عن بذل
ولكن قضاء ليس يسطاع دفعه ... بحيلة ذي دهي ولا فكر ذي عقل
٦٢٠-[الأعراب أشعر من أهل الأمصار]
والقضية التي لا أحتشم منها، ولا أهاب الخصومة فيها: أنّ عامّة العرب والأعراب والبدو والحضر من سائر العرب، أشعر من عامّة شعراء الأمصار والقرى، من المولدة والنابتة. وليس ذلك بواجب لهم في كلّ ما قالوه.
وقد رأيت ناسا منه يبهرجون أشعار المولّدين، ويستسقطون من رواها ولم أر ذلك قطّ إلّا في رواية للشعر غير بصير بجوهر ما يروى. ولو كان له بصر لعرف موضع الجيّد ممّن كان، وفي أيّ زمان كان.
وأنا رأيت أبا عمرو الشيبانيّ وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين، ونحن في المسجد يوم الجمعة، أن كلّف رجلا حتى أحضره دواة وقرطاسا حتّى كتبهما له.
وأنا أزعم أنّ صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا. ولولا أن أدخل في الحكم بعض الفتك؛ لزعمت أنّ ابنه لا يقول شعرا أبدا، وهما قوله [١] : [من السريع]
لا تحسبنّ الموت موت البلى ... فإنّما الموت سؤال الرّجال
كلاهما موت ولكنّ ذا ... أفظع من ذاك لذلّ السّؤال
٦٢١-[القول في المعنى واللفظ]
وذهب الشّيخ إلى استحسان المعنى، والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجميّ والعربيّ، والبدويّ والقروي، والمدنيّ. وإنّما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحّة الطبع وجودة السّبك، فإنما الشعر صناعة، وضرب من النّسج، وجنس من التّصوير.
وقد قيل للخليل بن أحمد: ما لك لا تقول الشّعر؟ قال: «الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أرضاه لا يجيئني» [٢] .
стр. 511
فأنا أستحسن هذا الكلام، كما أستحسن جواب الأعرابيّ حين قيل له: كيف تجدك؟ قال: أجدني أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا أجد [١] !
٦٢٢-[شعر ابن المقفع]
وقيل لابن المقفّع: ما لك لا تجوز البيت والبيتين والثلاثة! قال: إن جزتها عرفوا صاحبها. فقال له السائل: وما عليك أن تعرف بالطّول الجياد؟! فعلم أنّه لم يفهم عنه.
٦٢٣-[الفرق بين المولد والأعرابي]
ونقول: إن الفرق بين المولّد والأعرابي: أنّ المولّد يقول بنشاطه وجمع باله الأبيات اللاحقة بأشعار أهل البدو، فإذا أمعن انحلّت قوّته، واضطرب كلامه.
٦٢٤-[شعر في تعظيم السادة]
وفي شبيه بمعنى مهلهل وأبي نواس، في التّعظيم والإطراق عند السّادة، يقول الشاعر في بعض بني مروان [٢] : [من البسيط]
في كفّه خيزران ريحه عبق ... في كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلّا حين يبتسم
إن قال قال بما يهوى جميعهم ... وإن تكلّم يوما ساخت الكلم
كم هاتف بك من داع وهاتفة ... يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم
وقال أبو نواس في مثل ذلك [٣] : [من المديد]
فترى السادات ماثلة ... لسليل الشّمس من قمره
فهم شتّى ظنونهم ... حذر المطويّ من خبره
стр. 512
وقال إبراهيم بن هرمة في مديح المنصور، وهو شبيه بهذا وليس منه [١] : [من الطويل]
له لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل
فأمّ الذي أمّنت آمنة الرّدى ... وأمّ الذي أو عدت بالثّكل ثاكل
٦٢٥-[شعر في الحلف]
وقال مهلهل، وهو يقع في باب الحلف وكّد بعقد [٢] : [من المنسرح]
ملنا على وائل وأفلتنا ... يوما عديّ جريعة الذّقن [٣]
دفعت عنه الرّماح مجتهدا ... حفظا لحلفي وحلف ذي يمن
أذكر من عهدنا وعهدهم ... عهدا وثيقا بمنحر البدن
ما بلّ بحر كفا بصوفتها [٤] ... وما أناف الهضاب من حضن [٥]
يزيده اللّيل والنّهار معا ... شدّا، خراط الجموح في الشّطن [٦]
٦٢٦-[شعر في مصرع عمرو بن هند]
وقال جابر بن حنيّ التغلبيّ [٧] : [من الطويل]
ولسنا كأقوام قريب محلهم ... ولسنا كمن يرضيكم بالتملق
فسائل شرحبيلا بنا ومحلّما ... غداة نكرّ الخيل في كلّ خندق
لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا ... لتخدم ليلى أمّه بموفّق
стр. 513
فقام ابن كلثوم إلى السّيف مغضبا ... فأمسك من ندمانه بالمخنّق
وعممه عمدا على الرّأس ضربة ... بذي شطب صافي الحديدة مخفق
٦٢٧-[شعر في الأقارب]
وقال المتلمّس [١] : [من الطويل]
على كلّهم آسى وللأصل زلفة ... فزحزح عن الأدنين أن يتصدّعوا
وقد كان إخواني كريما جوارهم ... ولكنّ أصل العود من حيث ينزع
وقال المتلمس [٢] : [من الطويل]
ولو غير أخوالي أرادوا نقيضتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلّا مثل قاطع كفّه ... بكفّ له أخرى فأصبح أجذما
يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدّما
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمّما
أحارث إنا لو تساط دماؤنا ... تزايلن حتّى لا يمسّ دم دما
٦٢٨-[تفسير كلمة لعمر بن الخطاب]
قال: وسألت عن قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لأبي مريم الحنفي:
والله لأنا أشدّ بغضا لك من الأرض للدّم [٣] ! قال: لأنّ الدّم الجاري من كلّ شيء بيّن، لا يغيض في الأرض؛ ومتى جفّ وتجلّب ففرقته رأيت مكانه أبيض [٤] .
إلّا إنّ صاحب المنطق قال في كتابه في الحيوان: كذلك الدّماء، إلّا دم البعير.
٦٢٩-[أشعار شتى]
وقال النّمر بن تولب [٥] : [من الطويل]
إذا كنت في سعد، وأمّك منهم ... غريبا فلا تغررك أمّك من سعد
стр. 514
وقال [١] : [من الطويل]
وإنّ ابن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد
وقال آخر [٢] : [من الطويل]
تخيّره الله الغداة لدينه ... على علمه والله بالعلم أفرس
وقال آخر [٣] : [من الطويل]
وما ترك الهاجون لي في أديمكم ... مصحّا ولكنّي أرى مترقّعا
وقال العجليّ، أو العكليّ، لنوح بن جرير: [من الكامل]
أتسبّني فأراك مثلي سبّة ... وأسبّ جدّكم بسبّ أبينا
ولقد أرى والمقتضى متجوّز ... يا نوح أنّ أباك لا يوفينا
وقال عمرو بن معد يكرب [٤] : [من الوافر]
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وصله بالزّماع فكلّ أمر ... سما لك أو سموت له ولوع
وقال المقنّع الكنديّ [٥] : [من البسيط]
وصاحب السّوء كالدّاء العياء إذا ... ما ارفضّ في الجوف يجري هاهنا وهنا
ينبي ويخبر عن عورات صاحبه ... وما رأى عنده من صالح دفنا
كمهر سوء إذا رفّعت سيرته ... رام الجماع وإن خفّضته حرنا
إن يحي ذاك فكن منه بمعزلة ... أو مات ذاك فلا تعرف له جننا
-
стр. 515
باب ذكر خصال الحرم
[١]
٦٣٠-[خصال الحرم]
فمن خصاله: أنّ الذّئب يصيد الظّبي ويريغه ويعارضه، فإذا دخل الحرم كفّ عنه [٢] .
ومن خصاله: أنّه لا يسقط على الكعبة حمام إلّا وهو عليل. يعرف ذلك متى امتحن وتعرّفت حاله [٣] . ولا يسقط عليها ما دام صحيحا.
ومن خصاله: أنّه إذا حاذى أعلى الكعبة عرقة من الطّير كاليمام وغيره، انفرقت فرقتين ولم يعلها طائر منها [٤] .
ومن خصاله [٥] : أنّه إذا أصاب المطر الباب الذي من شقّ العراق، كان الخصب والمطر في تلك السّنة في شقّ العراق، وإذا أصاب الذي من شقّ الشّام كان الخصب والمطر في تلك السّنة في شقّ الشام. وإذا عمّ جوانب البيت كان المطر والخصب عامّا في سائر البلدان.
ومن خصال الحرم [٦] : أنّ حصى الجمار يرمى بها في ذلك المرمى، مذ يوم حجّ النّاس البيت على طوال الدّهر، ثمّ كأنّه على مقدار واحد. ولولا موضع الآية والعلامة والأعجوبة التي فيها، لقد كان ذلك كالجبال. هذا من غير أن تكسحه السّيول، ويأخذ منه النّاس.
стр. 516
ومن سنّتهم [١] : أنّ كلّ من علا الكعبة من العبيد فهو حرّ، لا يرون الملك على من علاها، ولا يجمعون بين عزّ علوّها وذلة الملك.
وبمكة رجال من الصّلحاء لم يدخلوا الكعبة قطّ.
وكانوا في الجاهليّة لا يبنون بيتا مربّعا؛ تعظيما للكعبة [٢] . والعرب تسمّي كلّ بيت مربّع كعبة، ومنه: كعبة نجران [٣] . وكان أوّل من بنى بيتا مربّعا حميد بن زهير، أحد بني أسد بن عبد العزّى.
ثمّ البركة والشفاء الذي يجده من شرب من ماء زمزم على وجه الدهر وكثرة من يقيم عليه يجد فيه الشفاء، بعد أن لم يدع في الأرض حمّة إلّا أتاها، وأقام عندها، وشرب منها، واستنقع فيها [٤] .
هذا مع شأن الفيل، والطّير الأبابيل، والحجارة السّجّيل، وأنّها لم تزل أمنا ولقاحا [٥] ، لا تؤدّي إتاوة، ولا تدين للملوك، ولذلك سمّي البيت العتيق؛ لأنّه لم يزل حرّا لم يملكه أحد.
وقال حرب بن أميّة في ذلك [٦] : [من الوافر]
أبا مطر هلمّ إلى صلاح ... فتكفيك النّدامى من قريش
فتأمن وسطهم وتعيش فيهم ... أبا مطر هديت لخير عيش
وتنزل بلدة عزّت قديما ... وتأمن أن يزروك ربّ جيش
وقال الله : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
[٧] وقال ، حكاية عن إبراهيم: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
[٨] .
стр. 517
٦٣١-[خصال المدينة]
[١] والمدينة هي طيبة، ولطيبها قيل تلفط خبثها وينصع طيبها. وفي ريح ترابها وبنّة تربتها، وعرف ترابها ونسيم هوائها، والنعمة التي توجد في سككها وفي حيطانها- دليل على أنّها جعلت آية حين جعلت حرما.
وكلّ من خرج من منزل مطيّب إلى استنشاق ريح الهواء والتّربة في كل بلدة فإنّه لابدّ عند الاستنشاق والتثبّت من أن يجدها منتنة. فذلك على طبقات من شأن البلدان، إلّا ما كان في مدينة الرّسول، رسول الله ﷺ ، فللصّيّاح [٢] والعطر والبخور والنضوح، من الرائحة الطيبة- إذا كان فيها- أضعاف ما يوجد له في غيرها من البلدان، وإن كان الصّيّاح أجود، والعطر أفخر، والبخور أثمن.
٦٣٢-[بعض البلدان الرديئة]
وربّت بلدة يستحيل فيها العطر وتذهب رائحته، كقصبة الأهواز.
وقد كان الرشيد همّ بالإقامة بأنطاكية [٣] ، وكره أهلها ذلك، فقال شيخ منهم، وصدقه: يا أمير المؤمنين، ليست من بلادك، ولا بلاد مثلك، لأنّ الطّيب الفاخر يتغيّر فيها حتّى لا ينتفع منه بكثير شيء، والسّلاح يصدأ فيها ولو كان من قلعة الهند [٤] ، ومن طبع اليمن، ومطرها ربّما أقام شهرين، ليس فيه سكون. فلم يقم بها.
ثمّ ذكر المدينة فقال [٥] : وإنّ الجويرية السّوداء، لتجعل في رأسها شيئا من بلح، وشيئا من نصوح، مما لا قيمة له؛ لهوانه على أهله، فتجد لذلك خمرة طيّبة وطيب رائحة لا يعدلها بيت عروس من ذوي الأقدار. حتّى إنّ النّوى المنقع، الذي يكون عند أهل العراق في غاية النّتن، إذا طال إنقاعه، يكون عندهم في غاية الطّيب.
والله أعلم.
стр. 518
باب ذكر الحمام
٦٣٣-[أجناس الحمام]
قال صاحب الحمام: الحمام وحشيّ، وأهليّ، وبيوتيّ، وطوراني [١] . وكلّ طائر يعرف بالزّواج، وبحسن الصّوت، والهديل، والدّعاء، والترجيع فهو حمام، وإن خالف بعضه بعضا في بعض الصّوت واللّون، وفي بعض القدّ. ولحن الهديل. وكذلك تختلف أجناس الدّجاج على مثل ذلك ولا يخرجها ذلك من أن تكون دجاجا:
كالدّيك الهندي والخلاسيّ [٢] والنّبطيّ، وكالدّجاج السّنديّ والزنجيّ وغير ذلك.
وكذلك الإبل: كالعراب والبخت، والفوالج، والبهونيّات [٣] والصّرصرانيّات [٤] ، والحوش، والنّجب، وغير ذلك من فحول الإبل؛ ولا يخرجها ذلك من أن تكون إبلا.
وما ذاك إلّا مخالفة الجرذان والفأر، والنّمل والذّر، وكاختلاف الضّأن والمعز، وأجناس البقر الأهليّة والبقر الوحشيّة، وكقرابة ما بينهما وبين الجواميس.
وقد تختلف الحيّات والعقارب بضروب الاختلاف، ولا يخرجها ذلك من أن تكون عقارب وحيّات، وكذلك الكلاب، والغربان.
وحسبك بتفاوت ما بين النّاس: كالزّنج والصقالبة، في الشّعور والألوان، وكيأجوج ومأجوج، وعاد وثمود، ومثل الكنعانيّين والعمالقة.
فقد تخالف الماعزة الضائنة حتىّ لا يقع بينهما تسافد ولا تلاقح. وهي في ذلك غنم وشاء.
قال: والقمريّ حمام، والفاختة حمام، والورشان حمام. والشّفنين حمام، وكذلك
стр. 519
اليمام واليعقوب. وضروب أخرى كلها حمام. ومفاخرها التي فيها ترجع إلى الحمام التي لا تعرف إلّا بهذا الاسم.
قال [١] : وقد زعم أفليمون (صاحب الفراسة) أنّ الحمام يتّخذ لضروب: منها ما يتخذ للأنس والنساء والبيوت، ومنا ما يتخد للزّجال والسباق.
والزّجال: إرسال الحمام الهوادي
٦٣٤-[مناقب الحمام]
ومن مناقب الحمام حبّه للناس، وأنس الناس به، وأنّك لم تر حيوانا قطّ أعدل موضعا، ولا أقصد مرتبة من الحمام. وأسفل النّاس لا يكون دون أن يتّخذها، وأرفع الناس لا يكون فوق أن يتّخذها. وهي شيء يتّخذه ما بين الحجّام إلى الملك الهمام.
والحمام مع عموم شهوة النّاس له، ليس شيء مما يتّخذونه هم أشدّ شغفا به ولا أشدّ صبابة منهم بالحمام، ثمّ تجد ذلك في الخصيان كما تجده في الفحول، وتجده في الصّبيان كما تجده في الرّجال، وتجده في الفتيان كما تجده في الشيوخ، وتجده في النساء كما تجده في الرّجال.
والحمام من الطّير الميامين، وليس من الحيوان الذي تظهر له عورة وحجم قضيب كالكلب والحمار وأشباه ذلك، فيكون ذلك مما يكون يجب على الرّجال ألّا يدخلوه دورهم.
٦٣٥-[الحمام ملقّى]
قال مثنّى بن زهير: ومن العجب أنّ الحمام ملقّى، والسّكران موقّى، فأنشده ابن يسير بيت الخريميّ [٢] : [من الطويل]
وأعددته ذخرا لكلّ ملمّة ... وسهم المنايا بالذّخائر مولع
٦٣٦-[شرب الحمام]
ومتى رأى إنسان عطشان الدّيك والدّجاجة يشربان الماء، ورأى ذئبا وكلبا يلطعان الماء لطعا، ذهب عطشه من قبح حسو الديك نغبة نغبة ومن لطع الكلب.
стр. 520
وإنّه ليرى الحمام وهو يشرب الماء! وهو ريّان فيشتهي أن يكرع في ذلك الماء معه.
٦٣٧-[صدق رغبة الحمام في النّسل]
[١] والدّيك والكلب في طلب السّفاد وفي طلب الذّرء كما قال أبو الأخزر الحمّانيّ: [من السريع]
لا مبتغي الضّنء ولا بالعازل
والحمام أكثر معانيه الذّرء وطلب الولد. فإذا علم الذّكر أنّه قد أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد تقدّما في إعداد العشّ، ونقل القصب وشقق الخوص، وأشباه ذلك من العيدان الخوّارة الدّقاق حتى يعملا أفحوصة وينسجاها نسجا مداخلا، وفي الموضع الذي قد رضياه اتخذاه واصطنعاه، بقدر جثمان الحمامة، ثمّ أشخصا لتلك الأفحوصة حروفا غير مرتفعة؛ لتحفط البيض وتمنعه من التّدحرج، ولتلزم كنفي الجؤجؤ ولتكون رفدا لصاحب الحضن، وسدا للبيض، ثمّ يتعاوران ذلك المكان ويتعاقبان ذلك القرموص وتلك الأفحوصة، يسخّنانها ويدفّيانها ويطيّبانها، وينفيان عنها طباعها الأوّل، ويحدثان لها طبيعة أخرى مشتقّة من طبائعهما، ومستخرجة من رائحة أبدانهما وقواهما الفاصلة منهما؛ لكي تقع البيضة إذا وقعت، في موضع أشبه المواضع طباعا بأرحام الحمام، مع الحضانة والوثارة؛ لكي لا تنكسر البيضة بيبس الموضع، ولئلا ينكر طباعها طباع المكان، وليكون على مقدار من البرد والسّخانة والرّخاوة والصّلابة. ثمّ إن ضربها المخاض وطرّقت [٢] ببيضتها، بدرت إلى الموضع الذي قد أعدّته، وتحاملت إلى المكان الذي اتّخذته وصنعته، إلّا أن يقرّعها رعد قاصف، أو ريح عاصف فإنّها ربّما رمت بها دون كنّها وظل عشها، وبغير موضعها الذي اختارته. والرّعد ربما مرق [٣] عنده البيض وفسد، كالمرأة التي تسقط من الفزع، ويموت جنينها من الرّوع.
٦٣٨-[عناية الحمام بالبيض]
وإذا وضعت البيض في ذلك المكان فلا يزالان يتعاقبان الحضن ويتعاورانه، حتّى إذا بلغ ذلك البيض مداه وانتهت أيّامه، وتمّ ميقاته الذي وظّفه خالقه، ودبّره
стр. 521
صاحبه، انصدع البيض عن الفرخ، فخرج عاري الجلد، صغير الجناح، قليل الحيلة، منسدّ الحلقوم. فيعينانه على خلاصه من قيضه [١] وترويحه من ضيق هوّته [٢] .
٦٣٩-[عناية الحمام بالفراخ]
وهما يعلمان أن الفرخين لا تتّسع حلوقهما وحواصلهما للغذاء، فلا يكون لهما عند ذلك همّ إلّا أن ينفخا في حلوقهما الريح، لتتسع الحوصلة بعد التحامها، وتنفتق بعد ارتتاقها، ثم يعلمان أنّ الفرخ وإن اتّسعت حوصلته شيئا، أنّه لا يحتمل في أول اغتذائه أن يزقّ بالطّعم، فيزقّ عند ذلك باللّعاب المختلط بقواهما وقوى الطعم- وهم يسمّون ذلك اللّعاب اللّباء- ثم يعلمان أنّ طبع حوصلته يرق عن استمراء الغذاء وهضم الطّعم، وأنّ الحوصلة تحتاج إلى دبغ وتقوية، وتحتاج إلى أن يكون لها بعض المتانة والصلابة، فيأكلن من شورج أصول الحيطان، وهو شيء بين الملح الخالص وبين التّراب الملح، فيزقّان الفرخ حتّى إذا علما أنّه قد اندبغ واشتدّ زقّاه بالحبّ الذي قد غبّ في حواصلهما ثم زقّاه بعد ذلك بالحبّ الذي هو أقوى وأطرى [٣] . فلا يزلان يزقّانه بالحبّ والماء على مقدار قوّته ومبلغ طاقته، وهو يطلب ذلك منهما، ويبضّ [٤] نحوهما؛ حتى إذا علما أنّه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع، ليحتاج إلى اللقط فيتعوّده، حتى إذا علما أن أداته قد تمّت، وأن أسبابه قد اجتمعت وأنّهما إن فطماه فطما مقطوعا مجذوذا قوي على اللّقط، وبلغ لنفسه منتهى حاجته- ضرباه إذا سألهما الكفاية، ونفياه متى رجع إليهما ثمّ تنزع عنهما تلك الرحمة العجيبة منهما له، وينسيان ذلك العطف المتمكّن عليه، ويذهلان عن تلك الأثرة له، والكدّ المضني من الغدوّ عليه، والرّواح إليه، ثم يبتديان العمل ابتداء ثانيا، على ذلك النظام وعلى تلك المقدّمات.
فسبحان من عرّفهما وألهمهما، وهداهما، وجعلهما دلالة لمن استدلّ، ومخبرا صادقا لمن استخبر، ذلكم الله رب العالمين.
٦٤٠-[حالات الطّعم الذي يصير في أجواف الحيوان]
وما أعجب حالات الطّعم الذي يصير في أجواف الحيوان، وكيف تتصرّف به
стр. 522
الحالات، وتختلف في أجناسه الوجوه: فمنها ما يكون مثل زق الحمام لفرخه، والزقّ في معنى القيء أو في معنى التقيؤ وليس بهما؛ وجرّة البعير والشاة والبقرة في معنى ذلك، وليس به. والبعير يريد أن يعود في خضمه [١] الأوّل واستقصاء طعمه. وربّما كانت الجرّة رجيعا. والرّجيع: أن يعود على ما قد أعاد عليه مرّة حتّى ينزعه من جوفه، ويقلبه عن جهته.
٦٤١-[زقّ الحمام]
والحمام يخرجه من حوصلته ومن مستكنّه وقراره، وموضع حاجته واستمرائه، بالأثرة والبرّ، إلى حوصلة ولده. قد ملك ذلك وطابت به نفسه ولم تغنث عليه نفسه ولم يتقذّر من صنيعه، ولم تخبث نفسه، ولم تتغيّر شهوته. ولعلّ لذّته في إخراجه أن تكون كلذّته في إدخاله، وإنما اللذة في مثل هذا بالمجاري، كنحو ما يعتري مجرى النّطفة من استلذاذ مرور النّطفة، فهذا شأن قلب الحمام ما في جوفه، وإخراجه بعد إدخاله. والتمساح يخرجه على أنّه رجعه ونجوه الذي لا مخرج له ولا فرج له في سواه.
٦٤٢-[طبيعة الإنسان والحيوان في الطعام]
وقد يعتري ذلك الإنسان لما يعرض من الدّاء، فلا يعرف إلّا الأكل والقيء، ولا يعرف النّجو إلّا في الحين على بعض الشّدّة. وليس ما عرض بسبب آفة كالذي يخرج على أصل تركيب الطبيعة.
والسّنّور والكلب على خلاف ذلك كلّه، لأنهما يخرجانه بعارض يعرض لهما من خبث النّفس، ومن الفساد، ومن التّثوير والانقباض ثمّ يعودان بعد ذلك فيه من ساعتهما، مشتهيين له، حريصين عليه.
والإنسان إذا ذرعه ذلك لم يكن شيء أبغض إليه منه، وربّما استقاء وتكلّف ذلك لبعض الأمر. وليس التكلف في هذا الباب إلّا له.
وذوات الكروش كلها تقعص بجرّتها، فإذا أجادت مضغه أعادته، والجرّة هي الفرث، وأشدّ من ذلك أن تكون رجيعا، فهي تجيد مضغها وإعادتها إلى مكانها، إلّا أنّ ذلك ممّا لا يجوز أفواهها. وليس عند الحافر من ذلك قليل ولا كثير، بوجه من الوجوه.
стр. 523
وقد يعتري سباع الطير شبيه بالقيء، وهو الذي يسمّونه «الزّمّج» [١] . وبعض السّمك يقيء قيئا ذريعا، كالبال [٢] ، فإنّه ربّما دسع الدّسعة، فتلقى بعض المراكب، فيلقون من ذلك شدّة. والناقة الضجور ربّما دسعت بجرّتها في وجه الذي يرحلها أو يعالجها، فيلقى من ذلك أشدّ الأذى. ومعلوم أنّها تفعل ذلك على عمد.
فلذوات الأقدام في ذلك مذهب، ولذوات الكروش من الظّلف والخفّ في ذلك مذهب، ولذوات الأنياب في ذلك مذهب، وللسّمك والتمساح الذي يشبه السّمك في ذلك مذهب.
ويزعمون أن جوف التمساح إن هو إلّا معاليق فيه، وأنه في صورة الجراب، مفتوح الفم، مسدود الدّبر، ولم أحقّ ذلك، وما أكثر من لا يعرف الحال فيه.
٦٤٣-[القوة التناسلية لدى الحمام]
ثم رجع بنا القول في الحمام بعد أن استغنى ولده عنه، وبعد أن نزعت الرحمة منه، وذلك أنّه يبتدئ الذّكر الدّعاء والطرد، وتبتدئ الأنثى بالتأتّي والاستدعاء، ثمّ تزيف وتتشكّل، ثمّ تمكّن وتمنع، وتجيب وتصدف بوجهها، ثم يتعاشقان ويتطاوعان، ويحدث لهما من التغزّل والتفتّل ومن السّوف والقبل، ومن المصّ والرّشف، ومن التنفّخ والتنفّج، ومن الخيلاء والكبرياء، ومن إعطاء التقبيل حقه، ومن إدخال الفم في الفم، وذلك من التطاعم، وهي المطاعمة. وقال الشاعر [٣] : [من البسيط]
لم أعطها بيدي إذ بتّ أرشفها ... إلّا تطاول غصن الجيد بالجيد
كما تطاعم في خضراء ناعمة ... مطوّقان أصاخا بعد تغريد
هذا مع إرسالها جناحيها وكفّيها على الأرض، ومع تدرعها وتبعّلها ومع تصاوله وتطاوله، ومع تنفّجه وتنفّخه، مع ما يعتريه مع الحكة والتفلّي والتنفّش حتّى تراه وقد رمى فيه بمثله.
ثمّ الذي ترى من كسحه بذنبه، وارتفاعه بصدره، ومن ضربه بجناحه، ومن
стр. 524
فرحه ومرحه بعد قمطه والفراغ من شهوته، ثمّ يعتريه ذلك في الوقت الذي يفتر فيه أنكح النّاس.
وتلك الخصلة يفوق بها جميع الحيوان، لأنّ الإنسان الذي هو أكثر الخلق في قوّة الشهوة، وفي دوامها في جميع السّنة، وأرغب الحيوان في التصنّع والتغزل، والتشكّل [١] والتفتّل أفتر ما يكون إذا فرغ، وعندها يركبه الفتور، ويحبّ فراق الزّوج، إلى أن يعود إلى نشاطه، وترجع إليه قوّته.
والحمام أنشط ما يكون وأفرح، وأقوى ما يكون وأمرح، مع الزّهو والشكل، واللهو والجذل، أبرد ما يكون الإنسان وأفتره، وأقطع ما يكون وأقصره.
هذا، وفي الإنسان ضروب من القوى: أحدها فضل الشّهوة، والأخرى دوام الشهوة في جميع الدّهر، والأخرى قوة التصنّع والتكلف، وأنت إذا جمعت خصاله كلها كانت دون قوّة الحمام عند فراغه من حاجته وهذه فضيلة لا ينكرها أحد، ومزيّة لا يجحدها أحد!!
٦٤٤-[الشبق المفرط في البغال]
ويقال: إنّ النّاس لم يجدوا مثل نشاط الحمام في وقت فترة الإنسان إلّا ما وجدوه في البغال؛ فإنّ البغال تحمل أثقالا عشيّة، فتسير بقيّة يومها وسواد ليلتها، وصدر نهار غدها، حتّى إذا حطّوا عن جميع ما كان محمّلا من أصناف الدواب أحمالها، لم يكن لشيء منها همّة، ولا لمن ركبها من النّاس إلّا المراغة [٢] والماء والعلف، وللإنسان الاستلقاء ورفع الرّجلين والغمز والتأوّه، إلّا البغال فإنها في وقت إعياء جميع الدواب وشدّة كلالها، وشغلها بأنفسها ممّا مرّ عليها، ليس عليها عمل إلّا أن تدلي أيورها وتشظّ [٣] وتضرب بها بطونها؛ وتحطها وترفعها. وفي ذلك الوقت لو رأى المكاري امرأة حسناء لما انتشر لها ولا همّ بها. ولو كان منعظا ثم اعتراه بعض ذلك الإعياء لنسي الإنعاظ [٤] .
وهذه خصلة تخالف فيها البغال جميع الحيوان، وتزعم العملة [٥] أنّها تلتمس
стр. 525
بذلك الرّاحة وتتداوى به. فليس العجب- إن كان ذلك حقّا- إلّا في إمكان ذلك لها في ذلك الوقت، وذلك لا يكون إلّا عن شهوة وشبق مفرط.
٦٤٥-[نشاط الأتراك]
وشبه آخر وشكل من ذلك، كالذي يوجد عند الأتراك عند بلوغ المنزل بعد مسير اللّيل كلّه وبعض النّهار، فإن النّاس في ذلك الوقت ليس لهم إلّا أن يتمددوا ويقيّدوا دوابّهم. والتركي في ذلك الوقت إذا عاين ظبيا أو بعض الصّيد، ابتدأ الرّكض بمثل نشاطه قبل أن يسير ذلك السير، وذلك وقت يهمّ فيه الخارجيّ والخصيّ أنفسهما؛ فإنّهما المذكوران بالصّبر على ظهر الدّابّة.
٦٤٦-[فطام البهائم أولادها]
وليس في الأرض بهيمة تفطم ولدها عن اللّبن دفعة واحدة، بل تجد الظّبية أو البقرة أو الأتان أو الناقة، إذا ظنت أنّ ولدها قد أطاق الأكل منعته بعض المنع، ثمّ لا تزل تنزّل ذلك المنع وترتبه وتدرّجه، حتّى إذا علمت أنّ به غنّى عنها إن هي فطمته فطاما لا رجعة فيه، منعته كلّ المنع.
والعرب تسمّي هذا التّدبير من البهائم التّعفير، ولذلك قال لبيد [١] : [من الكامل]
لمعفّر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب ما يمنّ طعامها
وعلى مثل هذه السّيرة والعادة يكون عمل الحمام في فراخه.
٦٤٧-[من عجيب أمر الحمام]
ومن عجيب أمر الحمام أنّه يقلب بيضه، حتى يصير الذي كان منه يلي الأرض يلي بدن الحمام من بطنه وباطن جناحه، حتّى يعطي جميع البيضة نصيبها من الحضن، ومن مسّ الأرض، لعلمها أن خلاف ذلك العمل يفسده.
وخصلة أخرى محمودة في الحمام، وذلك أنّ البغل المتولّد بين الحمار والرّمكة لا يبقى له نسل، والرّاعبي المتولّد فيما بين الحمام والورشان، يكثر نسله ويطول عمر ولده. والبخت والفوالج، إن ضرب بعضها بعضا خرج الولد منقوص
стр. 526
الخلق لا خير فيه. والحمام كيفما أدرته، وكيفما زاوجت بين متّفقها ومختلفها، يكون الولد تامّ الخلق، مأمول الخير. فمن نتاج الحمام إذا كان مركبا مشتركا ما هو كالرّاعبي والورداني. وعلى أنّ للورداني غرابة لون وظرافة قدّ، للرّاعبيّ فضيلة في عظم البدن والفراخ، وله من الهديل والقرقرة ما ليس لأبويه، حتىّ صار ذلك سببا للزّيادة في ثمنه، وعلّة للحرص على اتّخاذه.
والغنم على قسمين: ضأن ومعز، والبقر على قسمين: أحدهما الجواميس إلا ما كان من بقر الوحش. والظّلف إذا اختلفا لم يكن بينهما تسافد ولا تلاقح، فهذه فضيلة للحمام في جهة الإنسال والإلقاح، واتّساع الأرحام لأصناف القبول. وعلى أنّ بين سائر أجناس الحمام من الوراشين، والقماريّ، والفواخت، تسافدا وتلاقحا.
٦٤٨-[مما أشبه فيه الحمام الناس]
وممّا أشبّه فيه الحمام النّاس، أنّ ساعات الحضن أكثرها على الأنثى، وإنّما يحضن الذّكر في صدر النهار حضنا يسيرا، والأنثى كالمرأة التي تكفل الصبيّ فتفطمه وتمرّضه، وتتعهده بالتمهيد والتّحريك. حتّى إذا ذهب الحضن وانصرم وقته، وصار البيض فراخا كالعيال في البيت، يحتاجون إلى الطّعام والشّراب، صار أكثر ساعات الزّقّ على الذّكر كما كان أكثر ساعات الحضن على الأنثى.
وممّا أشبه فيه الحمام النّاس ما قال مثنّى بن زهير وهو إمام النّاس في البصرة بالحمام وكان جيّد الفراسة، حاذقا بالعلاج، عارفا بتدبير الخارجيّ إذا ظهرت فيه مخيلة الخير- واسم الخارجيّ عندهم: المجهول- وعالما بتدبير العريق المنسوب إذا ظهرت فيه علامات الفسولة وسوء الهداية. وقد يمكن أن يخلف ابن قرشيّين ويندب ابن خوزيّ [١] من نبطيّة. وإنما فضّلنا نتاج العلية على نتاج السّفلة لأنّ نتاج النّجابة فيهم أكثر، والسّقوط في أولاد السفلة أعمّ، فليس بواجب أن يكون السفلة لا تلد إلّا السفلة والعلية لا تلد إلّا العلية، وقد يلد المجنون العاقل والسخيّ البخيل، والجميل القبيح.
وقد زعم الأصمعي أنّ رجلا من العرب قال لصاحب له: إذا تزوّجت امرأة من العرب فانظر إلى أخوالها، وأعمامها، وإخوتها، فإنها لا تخطئ الشبّه بواحد منهم! وإن كان هذا الموصي والحكيم، جعل ذلك حكما عامّا فقد أسرف في القول، وإن كان ذهب إلى التّخويف والزّجر والترهيب كي يختار لنفسه، ولأنّ المتخيّر أكثر نجابة فقد أحسن.
стр. 527
وقال مثنّى بن زهير [١] : لم أر قطّ في رجل وامرأة إلّا وقد رأيت مثله في الذّكر والأنثى من الحمام: رأيت حمامة لا تريد إلّا ذكرها، كالمرأة لا تريد إلّا زوجها وسيّدها، ورأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذّكورة، ورأيت امرأة لا تمنع يد لامس، ورأيت الحمامة لا تزيف إلا بعد طرد شديد وشدة طلب، ورأيتها تزيف لأوّل ذكر يريدها ساعة يقصد إليها، ورأيت من النساء كذلك، ورأيت حمامة لها زوج وهي تمكن ذكرا آخر لا تعدوه، ورأيت مثل ذلك من النساء، ورأيتها تزيف لغير ذكرها وذكرها يراها، ورأيتها لا تفعل ذلك إلّا وذكرها يطير أو يحضن، ورأيت الحمامة تقمط الحمام الذكور، ورأيت الحمامة تقمط الحمامة، ورأيت أنثى كانت لي لا تقمط إلا الإناث، ورأيت أخرى تقمط الإناث فقط، ولا تدع أنثى تقمطها.
قال: ورأيت ذكرا يقمط الذّكورة وتقمطه؛ ورأيت ذكرا يقمطها ولا يدعها تقمطه، ورأيت أنثى تزيف للذّكورة ولا تدع شيئا منها يقمطها.
قال: ورأيت هذه الأصناف كلّها في السّحّاقات من المذكّرات والمؤنثات، وفي الرّجال الحلقيّين [٢] واللّوطيّين. وفي الرجال من لا يريد النساء، وفي النساء من لا يريد الرجال.
قال: وامتنعت عليّ خصلة، فو الله لقد رأيت من النساء من تزني أبدا وتساحق أبدا ولا تتزوج أبدا، ومن الرجال من يلوط أبدا، ويزني أبدا ولا يتزوّج، ورأيت حماما ذكرا يقمط ما لقي ولا يزاوج. ورأيت حمامة تمكّن كلّ حمام أرادها من ذكر وأنثى، وتقمط الذكورة والإناث، ولا تزاوج. ورأيتها تزاوج ولا تبيض، وتبيض فيفسد بيضها؛ كالمرأة تتزوّج وهي عاقر، وكالمرأة تلد وتكون خرقاء ورهاء. ويعرض لها الغلظة والعقوق للأولاد، كما يعتري ذلك العقاب.
وأمّا أنا فقد رأيت الجفاء للأولاد شائعا في اللّواتي حملن من الحرام ولرّبما ولدت من زوجها، فيكون عطفها وتحنّنها كتحنن العفيفات السّتيرات، فما هو إلّا أن تزني أو تقحب فكأنّ الله لم يضرب بينها وبين ذلك الولد بشبكة رحم، وكأنّها لم تلده.
قال مثنّى بن زهير: ورأيت ذكرا له أنثيان وقد باضتا منه، وهو يحضن مع هذه
стр. 528
ومع تلك، ويزقّ مع هذه ومع تلك، ورأيت أنثى تبيض بيضة، ورأيت أنثى تبيض في أكثر حالاتها ثلاث بيضات.
وزعم أنّه إنّما جزم بذلك فيها ولم يظنه بالذّكر، لأنّها قد كانت قبل ذلك عند ذكر آخر، وكانت تبيض كذلك.
ورأيت أنا حمامة في المنزل لم يعرض لها ذكر إلّا اشتدّت نحوه بحدّة ونزق وتسرّع، حتى تنقر أين صادفت منه، حتى يصدّ عنها كالهارب منها، وكان زوجها جميلا في العين رائعا، وكان لها في المنزل بنون وبنو بنين وبنات وبنات بنات، وكان في العين كأنّه أشبّ من جميعهنّ. وقد بلغ من حظوته أني قلّما رأيته أراد واحدة من عرض تلك الإناث فامتنعت عليه، وقد كن يمتنعن من غيره، فبينا أنا ذات يوم جالس بحيث أراهنّ إذ رأيت تلك الأنثى قد زافت لبعض بنيها! فقلت لخادمي: ما الذي غيّرها عن ذلك الخلق الكريم؟ فقال: إني رحّلت زوجها من القاطول [١] فذهب، ولهذا شهر. فقلت: هذا عذر! قال مثنّى بن زهير: وقد رأيت الحمامة تزاوج هذا الحمام، ثم تتحول منه إلى آخر، ورأيت ذكرا فعل مثل ذلك في الإناث، ورأيت الذّكر كثير النّسل قويا على القمط، ثمّ يصفي كما يصفي الرّجل إذا أكثر من النّسل والجماع.
ثمّ عدّد مثنّى أبوابا غير ما حفظت ممّا يصاب مثله في الناس.
٦٤٩-[معرفة مثنّى بن زهير بالحمام]
وزعموا أنّ مثنّى كان ينظر إلى العاتق [٢] والمخلف، فيظن أنّه يجيء من الغاية فلا يكاد ظنه يخطئ. وكان إذا أظهر ابتياع حمام أغلوه عليه، وقالوا: لم يطلبه إلّا وقد رأى فيه علامة المجيء من الغاية، وكان يدسّ في ذلك ففطنوا له وتحفظوا منه، فربّما اشترى نصفه وثلثه، فلا يقصّر عند الزّجال من الغاية.
وكان له خصيّ يقال له خديج، يجري مجراه، فكانا إذا تناظرا في شأن طائر لم تخلف فراستهما.
стр. 529
٦٥٠-[المدة التي يبيض فيها الحمام والدجاج]
قال: والحمام تبيض عشرة أشهر من السّنة، فإذا صانوه وحفظوه، وأقاموا له الكفاية وأحسنوا تعهّده، باض في جميع السّنة.
قالوا: والدّجاجة تبيض في كلّ السّنة خلا شهرين.
٦٥١-[ضروب من الدجاج]
ومن الدّجاج ما هو عظيم الجثّة، يبيض بيضا كبيرا، وما أقل ما يحضن، ومن الدجاج ما يبيض ستّين بيضة، وأكثر الدجاج العظيم الجثّة يبيض أكثر من الصغير الجثّة.
قال: أما الدّجاج التي نسبت إلى أبي ريانوس الملك، فهو طويل البدن ويبيض في كلّ يوم، وهي صعبة الخلق وتقتل فراريجها.
ومن الدّجاج الذي يربّى في المنازل ما يبيض مرّتين في اليوم، ومن الدجاج ما إذا باض كثيرا مات سريعا، لذلك العرض.
٦٥٢-[عدد مرات البيض عند الطيور]
قال: والخطّاف تبيض مرّتين في السّنة، وتبني بيتها في أوثق مكان وأعلاه.
فأمّا الحمام والفواخت، والأطرغلّات والحمام البريّ، فإنّها تبيض مرّتين في السنة، والحمام الأهليّ يبيض عشر مرات. وأما القبج والدّرّاج فهما يبيضان بين العشب، ولا سيما فيما طال شيّا والتوى.
٦٥٣-[خروج البيضة]
وإذا باض الطّير بيضا لم تخرج البيضة من حدّ التحديد والتّلطيف، بل يكون الذي يبدأ بالخروج الجانب الأعظم، وكان الظنّ يسرع إلى أنّ الرأس المحدّد هو الذي يخرج أوّلا.
قال: وما كان من البيض مستطيلا محدّد الأطراف فهو للإناث، وما كان مستديرا عريض الأطراف فهو للذّكور.
قال: والبيضة عند خروجها ليّنة القشر. غير جاسية [١] ولا يابسة ولا جامدة.
٦٥٤-[بيض الريح والتراب]
قال [٢] : والبيض الذي يتولد من الريح والتّراب أصغر وألطف، وهو في الطّيب
стр. 530
دون الآخر. ويكون بيض الرّيح من الدجاج والقبج، والحمام، والطاوس، والإوزّ.
٦٥٥-[أثر حضن الطائر]
قال: وحضن الطائر وجثومه على البيض صلاح لبدن الطائر، كما يكون صلاحا لبدن البيض. ولا كذلك الحضن على الفراخ والفراريج فربما هلك الطائر عن ذلك السبب.
٦٥٦-[تكوّن بيض الريح]
وزعم ناس أن بيض الرّيح [١] إنما تكوّن من سفاد متقدّم. وذلك خطأ من وجهين: أمّا أحدهما فأن ذلك قد عرف من فراريج لم يرين ديكا قط. والوجه الآخر:
أن بيض الريح لم يكن منه فرّوج قطّ إلّا أن يسفد الدجاجة ديك، بعد أن يمضي أيضا خلق البيض.
٦٥٧-[معارف شتى في البيض]
قال: وبيض الصّيف المحضون أسرع خروجا منه في الشتاء ولذلك تحضن الدجاجة البيضة في الصّيف خمس عشرة ليلة.
قال: وربّما عرض غيم في الهواء أو رعد، في وقت حضن الطائر، فيفسد البيض. وعلى كل حال ففساده في الصيف أكثر، والموت فيها في ذلك الزمان أعمّ.
وأكثر ما يكون فساد البيض في الجنائب [٢] ، ولذلك كان ابن الجهم لا يطلب من نسائه الولد إلّا والرّيح شمال. وهذا عندي تعرّض للبلاء، وتحّكك بالشرّ، واستدعاء للعقوبة.
وقال: وبعضهم يسمّي بيض الرّيح: البيض الجنوبيّ، لأنّ أصناف الطّير تقبل الرّيح في أجوافها.
وربّما أفرخ بيض الرّيح بسفاد كان، ولكنّ لونه يكون متغيّرا وإن سفد الأنثى طائر من غير جنسها، غيّر خلق ذلك المخلوق الذي كان من الذّكر المتقدّم. وهو في الديكة أعمّ.
ويقولون [٣] : إنّ البيض يكون من أربعة أشياء: فمنه ما يكون من التّراب، ومنه