← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقال آخر [١] : [من الخفيف] نعم جار الخنزيرة المرضع الغر ... ثى إذا ما غدا، أبو كلثوم طاويا قد أصاب عند صديق ... من ثريد ملبّد مأدوم ثمّ أنحى بجعره حاجب الشّم ... س فألقى كالمعلف المهدوم ٩٩٣-[جرير والحضرمي] وقال أبو الحسن: وفد جرير على هشام، فقال الحضرمي: أيّكم يشتمه؟ فقالوا: ما أحد يقدم عليه! قال: فأنا أشتمه ويرضى ويضحك! قال: فقام إليه فقال: أنت جرير؟ قال: نعم. قال: فلا قرّب الله دارك ولا حيّا مزارك! يا كلب! فجعل جرير ينتفخ، ثمّ قال له: رضيت في شرفك وفضلك وعفافك أن تهاجي القرد العاجز؟! يعني الفرزدق. فضحك. فحدّث صديق لي أبا الصّلع السّنديّ بهذا الحديث، قال: فشعري أعجب من هذا لأني شتمت البخلاء، فشتمت نفسي بأشدّ ممّا شتمتهم. فقال: وما هو؟ قال قولي: [من مجزوء الرمل] لا ترى بيت هجاء ... أبدا يسمع منّي الهجا أرفع ممّن ... قدره يصغر عنّي ٩٩٤-[احتيال بعض الناس] قال أبو الحسن: كان واحد يسخر بالنّاس، ويدّعي أنّه يرقي من الضّرس إذا ضرب على صاحبه. فكان إذا أتاه من يشتكي ضرسه قال له إذا رقاه: إيّاك أن تذكر إذا صرت إلى فراشك القرد؛ فإنّك إن ذكرته بطلت الرّقية! فكان- إذا آوى إلى فراشه- أوّل شيء يخطر على باله ذكر القرد، ويبيت على حاله من ذلك الوجع، فيغدو إلى الذي رقاه فيقول له: كيف كنت البارحة؟ فيقول: بتّ وجعا! فيقول: لعلّك ذكرت القرد! فيقول: نعم! فيقول: من ثمّ لم تنتفع بالرّقية! ٩٩٥-[شعر لبعض ظرفاء الكوفيين] وقال بعض ظرفاء الكوفيّين [١] : [من الوافر] فإن يشرب أبو فرّوخ أشرب ... وإن كانت معتّقة عقارا

стр. 737

وإن يأكل أبو فرّوخ آكل ... وإن كانت خنانيصا صغارا [١] ٩٩٦-[قرد يزيد بن معاوية] وقال يزيد بن معاوية [٢] : [من الطويل] فمن مبلغ القرد الذي سبقت به ... جياد أمير المؤمنين أتان تعلّق أبا قيس بها إن أطعتني ... فليس عليها إن هلكت ضمان ٩٩٧-[شعر في الهجاء] وزعم الجرداني، أنّ بشّارا الأعمى، لم يجزع من هجاء قطّ كجزعه من بيت حمّاد عجرد، حيث يقول [٣] : [من الهزج] ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد وقال بشير بن أبي جذيمة العبسيّ [٤] : [من الطويل] أتخطر للأشراف حذيم كبرة ... وهل يستعدّ القرد للخطران أبى قصر الأذناب أن يخطروا بها ... ولؤم قرود وسط كلّ مكان لقد سمنت قردانكم آل حذيم ... وأحسابكم في الحيّ غير سمان الأصمعيّ عن أبي الأشهب عن أبي السليل قال: ما أبالي أخنزيرا رأيت يجرّ برجله، أو مثل عبيد ينادي: يال فلان! ٩٩٨-[استطراد لغوي] الأصمعيّ عن أبي ظبيان قال [٥] : الخوز هم البناة الذين بنوا الصّرح واسمهم مشتقّ من الخنزير. ذهب إلى اسمه بالفارسية خوك، فجعلت العرب خوك خوزا. إلى هذا ذهب.

стр. 738

٩٩٩-[القول في المسخ] وقد قال النّاس في المسخ بأقاويل مختلفة: فمنهم من زعم أنّ المسخ لا يتناسل ولا يبقى إلّا بقدر ما يكون موعظة وعبرة، فقطعوا على ذلك الشهادة. ومنهم من زعم أنّه يبقى ويتناسل، حتى جعل الضّبّ والجرّيّ، والأرانب، والكلاب وغير ذلك، من أولاد تلك الأمم التي مسخت في هذه الصّور. وكذلك قولهم في الحيّات. وقالوا في الوزغ: إن أباها، لمّا صنع في نار إبراهيم وبيت المقدس ما صنع، أصمّه الله وأبرصه، فقيل: «سامّ أبرص» . فهذا الذي نرى هو من ولده؛ حتّى صار في قتله الأجر العظيم، ليس على أنّ الذي يقتله كالذي يقتل الأسد والذّئاب، إذا خافها على المسلمين. وقالوا في سهيل، وفي الزّهرة، وفي هاروت وماروت، وفي قيرى وعيرى أبوي ذي القرنين، وجرهم، ما قالوا. فأمّا القول في نفس المسخ فإنّ النّاس اختلفوا في ذلك: فأمّا الدّهريّة فهم في ذلك صنفان: فمنهم من جحد المسخ وأقرّ بالخسف والرّيح والطّوفان، وجعل الخسف كالزّلازل، وزعم أنّه يقرّ من القذف بما كان من البرد الكبار؛ فأمّا الحجارة فإنّها لا تجيء من جهة السّماء. وقال: لست أجوّز إلّا ما اجتمعت عليه الأمّة أنّه قد يحدث في العالم. فأنكر المسخ البتّة. ١٠٠٠-[أثر البيئة] وقال الصّنف الآخر: لا ننكر أن يفسد الهواء في ناحية من النواحي فيفسد ماؤهم وتفسد تربتهم، فيعمل ذلك في طباعهم على الأيّام، كما عمل ذلك في طباع الزّنج، وطباع الصّقالبة، وطباع بلاد يأجوج ومأجوج. وقد رأينا العرب وكانوا أعرابا حين نزلوا خراسان، كيف انسلخوا من جميع تلك المعاني، وترى طباع بلاد الترك كيف تطبع الإبل والدّوابّ وجميع ماشيتهم: من سبع وبهيمة، على طبائعهم. وترى جراد البقول والرّياحين وديدانها خضراء، وتراها في غير الخضرة على غير ذلك [١] . وترى القملة في رأس الشابّ الأسود الشّعر سوداء، وتراها في رأس الشّيخ الأبيض الشّعر بيضاء، وتراها في رأس الأشمط شمطاء، وفي

стр. 739

لون الجمل الأورق. فإذا كانت في رأس الخضيب بالحمرة تراها حمراء. فإن نصل خضابه صار فيها شكلة، من بين بيض وحمر. وقد نرى حرّة بني سليم، وما اشتملت عليه من إنسان، وسبع، وبهيمة، وطائر، وحشرة فتراها كلّها سوداء [١] . وقد خبّرنا من لا يحصى من النّاس أنّهم قد أدركوا رجالا من نبط بيسان [٢] ، ولهم أذناب إلّا تكن أذناب التماسيح والأسد والبقر والخيل؛ وإلّا كأذناب السّلاحف والجرذان، فقد كان لهم عجوب [٣] طوال كالأذناب. وربّما رأينا الملّاح النّبطيّ في بعض الجعفريّات على وجهه شبه القرد. وربّما رأينا الرّجل من المغرب فلا نجد بينه وبين المسخ، إلّا القليل. وقد يجوز أن يصادف ذلك الهواء الفاسد، والماء الخبيث، والتربة الرديّة، ناسا في صفة هؤلاء المغربيّين والأنباط، ويكونون جهّالا، فلا يرتحلون؛ ضنانة بمساكنهم وأوطانهم، ولا ينتقلون. فإذا طال ذلك عليهم زاد في تلك الشعور، وفي تلك الأذناب، وفي تلك الألوان الشّقر، وفي تلك الصّور المناسبة للقرود. قالوا: ولم نعرف، ولم يثبت عندنا بالخبر الذي لا يعارض، أنّ الموضع الذي قلب صور قوم إلى صور الخنازير، هو الموضع الذي نقل صور قوم إلى صور القرود. وقد يجوز أن تكون هذه الصّور انقلبت في مهبّ الريح الشمالي، والأخرى في مهبّ الجنوب. ويجوز أن يكون ذلك كان في دهر واحد؛ ويجوز أن يكون بينهما دهر ودهور. قالوا: فلسنا ننكر المسخ إن كان على هذا الترتيب؛ لأنّه إن كان على مجرى الطّبائع، وما تدور به الأدوار، فليس ذلك بناقض لقولنا، ولا مثبت لقولكم. قال أبو إسحاق: الذي قلتم ليس بمحال، ولا ينكر أن يحدث في العالم برهانات، وذلك المسخ كان على مجرى ما أعطوا من سائر الأعاجيب، والدّلائل والآيات. ونحن إنّما عرفنا ذلك من قبلهم. ولولا ذلك لكان الذي قلتم غير ممتنع. ولو كان ذلك المسخ في هذا الموضع على ما ذكرتم، ثمّ خبر بذلك نبيّ، أو دعا به نبيّ، لكان ذلك أعظم الحجّة.

стр. 740

فأما أبو بكر الأصمّ، وهشام بن الحكم، فإنّهما كانا يقولان بالقلب، ويقولان: إنّه إذا جاز أن يقلب الله خردلة من غير أن يزيد فيها جسما وطولا أو عرضا جاز أن يقلب ابن آدم قردا من غير أن ينقص من جسمه طولا أو عرضا. وأمّا أبو إسحاق فقد كان- لولا ما صحّ عنده من قول الأنبياء وإجماع المسلمين على أنّه قد كان، وأنّه قد كان حجّة وبرهانا في وقته- لكان لا ينكر مذهبهم في هذا الموضع. وقوله هذا قول جميع من قال بالطّبائع، ولم يذهب مذهب جهم، وحفص الفرد. وقال ابن العنسيّ يذكر القرد: [من الطويل] فهلّا غداة الرّمل يا قرد حذيم ... تؤامرها في نفسها تستشيرها ١٠٠١-[القول في تحريم الخنزير] قال: وسأل سائلون في تحريم الخنزير عن مسألة؛ فمنهم من أراد الطّعن، ومنهم من أراد الاستفهام، ومنهم من أحبّ أن يعرف ذلك من جهة الفتيا؛ إذ كان قوله خلاف قولنا. قالوا: إنّما قال الله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [١] ، فذكر اللّحم دون الشّحم، ودون الرّأس، ودون المخّ، ودون العصب، ودون سائر أجزائه؛ ولم يذكره كما ذكر الميتة بأسرها، وكذلك الدّم؛ لأنّ القول وقع على جملتهما، فاشتمل على جميع خصالهما بلفظ واحد، وهو العموم. وليس ذلك في الخنزير؛ لأنّه ذكر اللّحم من بين جميع أجزائه وليس بين ذكر اللّحم والعظم فرق، ولا بين اللّحم والشّحم فرق. وقد كان ينبغي في قياسكم هذا لو قال: حرّمت عليكم الميتة والدّم وشحم الخنزير، أن تحرّموا الشحم، وإنّما ذكر اللّحم، فلم حرّمتم الشحم؛ وما بالكم؛ تحرّمون الشّحم عند ذكر غير الشّحم! فهلّا حرّمتم اللّحم بالكتاب، وحرّمتم ما سواه بالخبر الذي لا يدفع!؟ فإن بقيت خصلة أو خصلتان ممّا لم تصيبوا ذكره في كتاب منزّل، وفي أثر لا يدفع، رددتموه إلى جهة العقل. قلنا: إنّ النّاس عادات، وكلاما يعرّف كل شيء بموضعه، وإنما ذلك على قدر استعمالهم له، وانتفاعهم به. وقد يقول الرجل لوكيله: اشتر لي بهذا الدّينار لحما، أو بهذه الدراهم، فيأتيه باللّحم فيه الشّحم والعظم، والعرق والعصب والغضروف. والفؤاد والطّحال، والرّئة،

стр. 741

وببعض أسقاط الشاة وحشو البطن. والرأس لحم، والسّمك أيضا لحم. وقال الله تعالى: هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [١] . فإن كان الرّسول ذهب إلى المستعمل من ذلك، وترك بعض ما يقع عليه اسم لحم، فقد أخذ بما عليه صاحبه. فإذا قال حرّمت عليكم لحما، فكأنّه قال: لحم الشّاة والبقرة والجزور. ولو أنّ رجلا قال: أكلت لحما- وإنما أكل رأسا أو كبدا أو سمكا- لم يكن كاذبا. وللنّاس أن يضعوا كلامهم حيث أحبّوا، إذا كان لهم مجاز؛ إلّا في المعاملات. فإن قلت: فما تقول في الجلد؟ فليس للخنزير جلد، كما أنّه ليس للإنسان جلد إلّا بقطع ما ظهر لك منه بما تحته، وإنّما الجلد ما يسلخ ويدحس [٢] فيتبرأ ممّا كان به ملتزقا ولم يكن ملتحما، كفرق ما بين جلد الحوصلة والعرقين. فإن سألت عن الشّعر، وعن جلد المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وما أكل السّبع، فإنّي أزعم أنّ جلده لا يدبغ ولا ينتفع به إلّا الأساكفة، والقول في ذلك أنّ كلّه محرّم. وإنما ذلك كقوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ [٣] وكقوله : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [٤] . والعرب تقول للرّجل الصانع نجّارا، إن كان لا يعمل بالمثقب والمنشار ونحوه ولا يضرب بالمضلع ونحو ذلك، وتسميّه خبّازا إذا كان يطبخ ويعجن. وتسمّي العير لطيمة، وإن لم يكن فيها ما يحمل العطر إلّا واحد. وتقول: هذه ظعن فلان؛ للهوادج إذا كانت فيها امرأة واحدة. ويقال: هولاء بنو فلان؛ وإن كانت نساؤهم أكثر من الرجال. فلما كان اللحم هو العمود الذي إليه يقصد، وصار في أعظم الأجزاء قدرا، دخل سائر تلك الأجزاء في اسمه. ولو كان الشّحم معتزلا من اللّحم ومفردا في جميع الشّحام، كشحوم الكلى والثّروب، لم يجز ذلك. وإذا تكلمت على المفردات لم يكن المخّ لحما، لا الدّماغ، ولا العظم، ولا الشّحم، ولا الغضروف، ولا الكروش، ولا ما أشبه ذلك. فلما قال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [٥] وكانت

стр. 742

هذه الأشياء المشبّهة باللّحم تدخل في باب العموم في اسم اللحم، كان القول واقعا على الجميع. وقال الشاعر: [من الكامل] من يأتنا صبحا يريد غداءنا ... فالهام منضجة لدى الشّحّام لحم نضيج لا يعنّي طابخا ... يؤتى به من قبل كلّ طعام ١٠٠٢-[مسألة الهدهد] وإذ قد ذكرنا بعض الكلام، والمسائل في بعض الكلام، فسنذكر شأن الهدهد والمسألة في ذلك. قال الله : وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ. لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ [١] ثم قال: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ [٢] يعني الهدهد. فقال لسليمان المتوعد له بالذّبح عقوبة له- والعقوبة لا تكون إلا على المعصية لبشريّ آدميّ لم تكن عقوبته الذّبح، فدلّ ذلك على أنّ المعصية إنما كانت له، ولا تكون المعصية لله إلّا ممّن يعرف الله، أو ممّن كان يمكنه أن يعرف الله تعالى فترك ما يجب عليه من المعرفة- وفي قوله لسليمان: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ [٣] . ثمّ قال بعد أن عرف فصل ما بين الملوك والسّوقة، وما بين النّساء والرجال، وعرف عظم عرشها، وكثرة ما أوتيت في ملكها، قال: وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [٤] فعرف السّجود للشمس وأنكر المعاصي. ثمّ قال: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ [٥] ويتعجّب من سجودهم لغير الله. ثمّ علم أنّ الله يعلم غيب السّموات والأرض، ويعلم السّرّ والعلانية. ثمّ قال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [٦] وهذا يدلّ على أنّه أعلم من ناس كثير من المميّزين المستدلّين الناظرين.

стр. 743

قال سليمان: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ [١] ثمّ قال: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ. قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [٢] فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [٣] وذلك أنّها قالت: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [٤] ثمّ قال سليمان للهدهد: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ [٥] وقال: يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [٦] فطعن في جميع ذلك طاعنون، فقال بعضهم: قد ثبت أنّ الهدهد يحتمل العقاب والعتاب، والتّكليف والثّواب، والولاية، ودخول الجنّة بالطّاعة، ودخول النّار بالمعصية؛ لأنّ المعرفة توجب الأمر والنهي، والأمر والنهي يوجبان الطاعة والمعصية، والطاعة والمعصية يوجبان الولاية والعداوة، فينبغي للهداهد أن يكون فيها العدوّ والوليّ، والكافر والمسلم، والزّنديق والدّهريّ. وإذا كان حكم الجنس حكما واحدا لزم الجميع ذلك. وإن كان الهدهد لا يبلغ عند جميع الناس في المعرفة مبلغ الذرّة، والنملة، والقملة، والفيل، والقرد، والخنزير، والحمام- وجميع هذه الأمم، تقدّمها عليه في المعرفة- فينبغي أن تكون هذه الأصناف المتقدّمة عليه، في عقول هذه الأمّة والأنبياء. وقد رأينا العلماء يتعجّبون من خرافات العرب والأعراب في الجاهليّة ومن قولهم في الدّيك والغراب، ويتعجّبون من الرّواية في طوق الحمام فإنّ الحمام كان رائد نوح على نبينا وعليه السلام.

стр. 744

وهذا القول الذي تؤمنون به في الهدهد، من هذا النوع. قلنا: إنّ الله تعالى لم يقل: وتفقّد الطّير فقال ما لي لا أرى هدهدا من عرض الهداهد، فلم يوقع قوله على الهداهد جملة، ولا على واحد منها غير مقصود إليه، ولم يذهب إلى الجنس عامّة، ولكنّه قال: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ [١] فأدخل في الاسم الألف واللام، فجعله معرفة فدلّ بذلك القصد على أنّه ذلك الهدهد بعينه. وكذلك غراب نوح، وكذلك حمار عزير، وكذلك ذئب أهبان ابن أوس؛ فقد كان لله فيه وفيها تدبير، وليجعل ذلك آية لأنبيائه، وبرهانا لرسله. ولا يستطيع أعقل الناس أن يعمل عمل أجرإ النّاس، كما لا يستطيع أجرأ النّاس أن يعمل أعمال أعقل الناس. فبأعمال المجانين والعقلاء عرفنا مقدارهما من صحّة أذهانهما وفسادها، وباختلاف أعمال الأطفال والكهول عرفنا مقدارهما في الضعف والقوّة، وفي الجهل والمعرفة. وبمثل ذلك فصلنا بين الجماد والحيوان، والعالم وأعلم منه، والجاهل وأجهل منه. ولو كان عند السّباع والبهائم ما عند الحكماء والأدباء، والوزراء والخلفاء والأمم والأنبياء، لأثمرت تلك العقول، باضطرار، إثمار تلك العقول. وهذا باب لا يخطئ فيه إلّا المانيّة [٢] وأصحاب الجهالات فقط. فأمّا عوامّ الأمم، فضلا عن خواصهم، فهم يعلمون من ذلك مثل ما نعلم. وإنما يتفاضل بالبيان والحفظ، وبنسق المحفوظ. فأمّا المعرفة فنحن فيها سواء. ولم نعرف العقل وعدمه ونقصانه، وإفادته، وأقدار معارف الحيوان إلّا بما يظهر منها. وبتلك الأدلّة عرفنا فرق ما بين الحيّ والميت، وبين الجماد والحيوان. فإن قال الخصم: ما نعرف كلام الذّئب، ولا معرفة الغراب، ولا علم الهدهد. قلنا: نحن ناس نؤمن بأنّ عيسى ﵇ خلق من غير ذكر وإنّما خلق من أنثى؛ وأنّ آدم وحوّاء خلقا من غير ذكر وأنثى، وأنّ عيسى تكلّم في المهد، وأنّ يحيى بن زكريّا نطق بالحكمة في الصّبا، وأنّ عقيما ألقح، وأنّ عاقرا ولدت [٣] ؛ وبأشياء كثيرة

стр. 745

خرجت خارجية من نسق العادة. فالسّبب الذي به عرفنا أنّه قد كان لذلك الهدهد مقدار من المعرفة، دون ما توهّمتم وفوق ما مع الهدهد. ومتى سألتمونا عن الحجّة فالسبيل واحدة. ونحن نقرّ بأنّ من دخل الجنة من المجانين والأطفال يدخلون عقلاء كاملين، من غير تجارب وتمرين وترتيب. فمسألتكم عما ألهم الهدهد، هي المسألة عمّا ألهم الطفل في الجنة. فإن قال قائل: فإنّ ذلك القول كلّه، الذي كان من الهدهد، إنما كان على الإلهام والتّسخير، ولم يكن ذلك عن معرفة منه، فلم قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ [١] ؟ قلنا: فإنّه قد يتوعّد الرّجل ابنه- وهو بعد لم يجر عليه الأحكام- بالضّرب الوجيع، إن هو لم يأت السّوق، أو يحفظ سورة كذا وكذا؛ فلا يعنّفه أحد على ذلك الوعيد. ويكذب فيضربه على الكذب، ويضرب صبيا فيضربه لأنه ضربه. وهو في ذلك قد حسن خطّه، وجاد حسابه، وشدا من النّحو والعروض والفرائض شدوا حسنا، ونفع أهله، وتعلم أعمالا، وتكلّم بكلام، وأجاب في الفتيا بكلام فوق معاني الهدهد في اللّطافة والغموض. وهو في ذلك لم يكمل لاحتمال الفرض والولاية والعداوة. فإن قال: فهل يجوز لأحد أن يقول لابنه: إن أنت لم تأت السّوق ذبحتك؛ وهو جادّ؟ قلنا: لا يجوز ذلك. وإنّما جاز ذلك في الهدهد لأنّ سليمان- ومن هو دون سليمان من جميع العالم- له أن يذبح الهدهد والحمام والدّيك، والعناق والجدي. والذّبح سبيل من سبل مناياهم. فلو ذبحه سليمان لم يكن في ذلك إلّا بقدر التّقديم والتأخير، وإلّا بقدر صرف ما بين أن يموت حتف أنفه، أو يموت بالذّبح. ولعلّ صرف ما بينهما لا يكون إلّا بمقدار ألم عشرين درّة [٢] . ولعلّ نتف جناحه يفي بذلك الضرب. وإذا قلنا ذلك فقد أعطينا ذلك الهدهد بعينه حقّ ما دلّت عليه الآية، ولم نجز ذلك في جميع الهداهد، ولم نكن كمن ينكر قدرة الله على أن يركّب عصفورا من العصافير ضربا من التراكيب يكون أدهى من قيس بن زهير. ولو كان الله تعالى قد فعل ذلك بالعصافير لظهرت كذلك دلائل. على أنّا لو تأوّلنا الذّبح على مثال تأويل قولنا في ذبح إبراهيم إسماعيل ﵉ وإنما كان ذلك ذبحا في المعنى لغيره- أو على معنى قول القائل: أمّا أنا

стр. 746

فقد ذبحته وضربت عنقه، ولكن السيف خانني. أو على قولهم: المسك الذّبيح، أو على قولهم: فجئت وقد ذبحني العطش- لكان ذلك مجازا. ولو أنّ صبيّا من صبياننا سئل، قبل أن يبلغ فرض البلوغ بساعة، وكان رأى ملكة سبإ في جميع حالاتها، لما كان بعيدا ولا ممتنعا أن يقول: رأيت امرأة ملكة، ورأيتها تسجد للشّمس من دون الله، ورأيتها تطيع الشّيطان وتعصي الرّحمن، ولا سيما إن كان من صبيان الخلفاء والوزراء، أو من صبيان الأعراب. والدّليل على أنّ ذلك الهدهد كان مسخّرا وميسّرا، مضيّه إلى اليمن، ورجوعه من ساعته. ولم يكن من الطّير القواطع فرجع إلى وكره. والدّليل على ذلك أنّ سليمان ﵇ لم يقل: نعم قد رأيت كلّ ما ذكرت، وأنت لم تعلم حين مضيت بطّالا هاربا من العمل، أتكدي أم تنجح، أو ترى أعجوبة أو لا تراها. ولكنّه توعّده على ظاهر الرّأي، ونافره القول؛ ليظهر الآية والأعجوبة. ١٠٠٣-[طعن الدهرية في ملك سليمان] ثمّ طعن في ملك سليمان وملكة سبإ، ناس من الدّهريّة، وقالوا: زعمتم أنّ سليمان سأل ربّه فقال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [١] وأنّ الله تعالى أعطاه ذلك، فملّكه على الجنّ فضلا عن الإنس، وعلّمه منطق الطّير، وسخّر له الرّيح، فكانت الجنّ له خولا، والرّياح له مسخرة ثمّ زعمتم- وهو إمّا بالشّام وإمّا بسواد العراق- أنّه لا يعرف باليمن ملكة هذه صفتها. وملوكنا اليوم دون سليمان في القدرة، لا يخفى عليهم صاحب الخزر، ولا صاحب الروم، ولا صاحب الترك، ولا صاحب النّوبة، وكيف يجهل سليمان موضع هذه الملكة، مع قرب دارها واتّصال بلادها! وليس دونها بحار ولا أوعار؛ والطريق نهج للخفّ والحافر والقدم. فكيف والجنّ والإنس طوع يمينه. ولو كان، حين خبّره الهدهد بمكانها، أضرب عنها صفحا، لكان لقائل أن يقول: ما أتاه الهدهد إلّا بأمر يعرفه. فهذا وما أشبهه دليل على فساد أخباركم. قلنا: إنّ الدّنيا إذا خلّاها الله وتدبير أهلها، ومجاري أمورها وعاداتها كان لعمري كما تقولون. ونحن نزعم أنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان أنبه أهل

стр. 747

زمانه؛ لأنّه نبيّ ابن نبيّ، وكان يوسف وزير ملك مصر من النّباهة بالموضع الذي لا يدفع، وله البرد، وإليه يرجع جواب الأخبار، ثمّ لم يعرف يعقوب مكان يوسف، ولا يوسف مكان يعقوب ﵉ دهرا من الدّهور، مع النّباهة، والقدرة، واتّصال الدار. ١٠٠٤-[القول في موسى بن عمران] وكذلك القول في موسى بن عمران ومن كان معه في التّيه، فقد كانوا أمّة من الأمم يتكسّعون أربعين عاما، في مقدار فراسخ يسيرة ولا يهتدون إلى المخرج. وما كانت بلاد التّيه إلّا من ملاعبهم ومنتزهاتهم. ولا يعدم مثل ذلك العسكر الأدلّاء والجمّالين، والمكارين [١] ، والفيوج [٢] ، والرّسل، والتّجار. ولكنّ الله صرف أوهامهم، ورفع ذلك الفصل [٣] من صدورهم. ١٠٠٥-[القول في الشياطين] وكذلك القول في الشّياطين الذين يسترقون السّمع في كلّ ليلة، فنقول: إنّهم لو كان كلما أراد مريد منهم أن يصعد ذكر أنّه قد رجم صاحبه، وأنّه كذلك منذ كان لم يصل معه أحد إلى استراق السّمع، كان محالا أن يروم ذلك أحد منهم مع الذّكر والعيان. ومثل ذلك أنّا قد علمنا أنّ إبليس لا يزال عاصيا إلى يوم البعث. ولو كان إبليس في حال المعصية ذاكرا لإخبار الله تعالى أنّه لا يزال عاصيا وهو يعلم أنّ خبره صدق، كان محالا أن تدعوه نفسه إلى الإيمان، ويطمع في ذلك، مع تصديقه بأنّه لا يختار الإيمان أبدا. ومن المحال أن يجمع بين وجود الاستطاعة وعدم الدّواعي وجواز الفعل. ولو أنّ رجلا علم يقينا أنّه لا يخرج من بيته يومه ذلك، كان محالا أن تدعوه نفسه إلى الخروج، مع علمه بأنّه لا يفعل. ولكنّ إبليس لما كان مصروف القلب عن ذكر ذلك الخبر، دخل في حدّ المستطيعين.

стр. 748

ومثل ذلك أنّ النبي ﷺ لمّا بشره الله بالظّفر وتمام الأمر [١] بشرّ أصحابه بالنّصر، ونزول الملائكة. ولو كانوا لذلك ذاكرين في كلّ حال، لم يكن عليهم من المحاربة مؤونة. وإذا لم يتكلفوا المؤونة لم يؤجروا. ولكنّ الله تعالى بنظره إليهم رفع ذلك في كثير من الحالات عن أوهامهم؛ ليحتملوا مشقّة القتال، وهم لا يعلمون: أيغلبون أم يغلبون؛ أو يقتلون أم يقتلون. ومثل ذلك ما رفع من أوهام العرب، وصرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن، بعد أن تحدّاهم الرّسول بنظمه. ولذلك لم نجد أحدا طمع فيه. ولو طمع فيه لتكلفه، ولو تكلف بعضهم ذلك فجاء بأمر فيه أدنى شبهة لعظمت القصّة على الأعراب وأشباه الأعراب، والنّساء وأشباه النساء، ولألقى ذلك للمسلمين عملا، ولطلبوا المحاكمة والتراضي ببعض العرب، ولكثر القيل والقال. فقد رأيت أصحاب مسيلمة، وأصحاب ابن النواحة إنما تعلّقوا بما ألّف لهم مسيلمة من ذلك الكلام، الذي يعلم كلّ من سمعه أنّه إنّما عدا على القرآن فسلبه، وأخذ بعضه، وتعاطى أن يقارنه. فكان لله ذلك التّدبير، الذي لا يبلغه العباد ولو اجتمعوا له. فإن كان الدّهريّ يريد من أصحاب العبادات والرّسل، ما يريد من الدّهريّ الصّرف، الذي لا يقرّ إلا بما أوجده العيان، وما يجري مجرى العيان- فقد ظلم. وقد علم الدّهريّ أنّنا نعتقد أنّ لنا ربّا يخترع الأجسام اختراعا وأنّه حيّ لا بحياة، وعالم لا بعلم، وأنّه شيء لا ينقسم، وليس بذي طول ولا عرض ولا عمق، وأنّ الأنبياء تحيي الموتى. وهذا كلّه عند الدهريّ مستنكر، وإنما كان يكون له علينا سبيل لو لم يكن الذي ذكرنا جائزا في القياس، واحتجنا إلى تثبيت الرّبوبيّة وتصديق الرّسالة، فإذا كان ذلك جائزا، وكان كونه غير مستنكر، ولا محال، ولا ظلم، ولا عيب، فلم يبق له إلّا أن يسألنا عن الأصل الذي دعا إلى التّوحيد، وإلى تثبيت الرسل. وفي كتابنا المنزّل الذي يدلّنا على أنّه صدق، نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد، مع ما سوى ذلك من الدّلائل التي جاء بها من جاء به. وفيه مسطور أنّ سليمان بن داود غبر حينا- وهو ميّت- معتمدا على عصاه، في الموضع الذي لا يحجب عنه إنسيّ ولا جنّيّ، والشّياطين مهم المكدود بالعمل الشديد، ومنهم المحبوس والمستعبد، وكانوا كما قال الله تعالى:

стр. 749

يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ [١] وقال: وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ [٢] ، وأنّه غبر كذلك حينا وهو تجاه أعينهم، فلا هم عرفوا سجيّة وجوه الموتى، ولا هو إذ كان ميّتا سقط سقوط الموتى. وثبت قائما معتمدا على عصاه، وعصاه ثابتة قائمة في يده، وهو قابض عليها. وليست هذه الصّفة صفة موتانا. وقال: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ [٣] ونحن دون الشّياطين والجنّ في صدق الحسّ، ونفوذ البصر. ولو كنّا من بعض الموتى بهذا المكان، لما خفي علينا أمره وكان أدنى ذلك أن نظنّ ونرتاب. ومتى ارتاب قوم وظنّوا وماجوا وتكلموا وشاوروا، لقنوا وثبّتوا. ولا سيّما إذا كانوا في العذاب ورأوا تباشير الفرج. ولولا الصّرفة. التي يلقيها الله تعالى على قلب من أحبّ، ولولا أنّ الله يقدر على أن يشغل الأوهام كيف شاء، ويذكّر بما يشاء، وينسّي ما يشاء، لما اجتمع أهل داره وقصره، وسوره وربضه، وخاصّته، ومن يخدمه من الجنّ والإنس والشّياطين، على الإطباق بأنّه حيّ. كذلك كان عندهم. فحدث ما حدث من موته، فلمّا لم يشعروا به كانوا على ما لم يزالوا عليه. فعلمنا أنّ الجنّ والشّياطين كانت توهم الأغبياء والعوامّ والحشوة والسّفلة، أنّ عندهما شيئا من علم الغيب- والشياطين لا تعلم ذلك- فأراد الله أن يكشف من أمرهم للجهّال ما كان كشفه للعلماء. فبهذا وأشباهه من الأمور نحن إلى الإقرار به مضطرون بالحجج الاضطراريّة فليس لخصومنا حيلة إلّا أن يواقفونا، وينظروا في العلّة التي اضطرتنا إلى هذا القول؛ فإن كانت صحيحة فالصّحيح لا يوجب إلا الصحيح. وإن كانت سقيمة علمنا أنّما أتينا من تأويلنا. وأما قوله: لَأُعَذِّبَنَّهُ [٤] فإنّ التعذيب يكون بالحبس، كما قال الله : لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ [٥] . وإنّما كانوا مخيّسين [٦] .

стр. 750

وقد يقول العاشق لمعشوقته: يا معذّبتي! وقد عذّبتني! ومن العذاب ما يكون طويلا، ومنه ما يكون قصير الوقت. ولو خسف الله تعالى بقوم في أقلّ من عشر ساعة لجاز لقائل أن يقول: كان ذلك يوم أحلّ الله عذابه ونقمته ببلاد كذا وكذا. ١٠٠٦-[القول في الخنزير] وقال أبو ناصرة: الخنزير ربّما قتل الأسد، وما أكثر ما يلحق بصاحب السّيف والرّمح، فيضربه بنابه، فيقطع كلّ ما لقيه من جسده: من عظم وعصب، حتى يقتله. وربّما احتال أن ينبطح على وجهه على الأرض، فلا يغني ذلك عنه شيئا. وليس لشيء من الحيوان كاحتمال بدنه لوقع السهام، ونفوذها فيه. وهو مع ذلك أروغ من ثعلب، إذا أراده الفارس. وإذا عدا أطمع في نفسه كلّ شيء، وإذا طولب أعيا الخيل العتاق. والخنزير مع ذلك أنسل الخلق؛ لأنّ الخنزيرة تضع عشرين خنّوصا، وهو مع كثرة إنساله- من أقوى الفحول على السّفاد، ومع القوّة على السّفاد هو أطولها مكثا في سفاده، فهو بذلك أجمع للفحولة. وإذا كان الكلب والذّئب موصوفين بشدّة القلب؛ لطول الخطم، فالخنزير أولى بذلك. وللفيل ناب عجيب، ولكنّه لقصر عنقه لا يبلغ النّاب مبلغا، وإنّما يستعين بخرطومه، وخرطومه هو أنفه، والخطم غير الخرطوم. قال أبو ناصرة: وله طيب، وهو طيب لحمه ولحم أولاده. وإذا أرادوا وصف اختلاط ودك الكركيّ [١] في مرق طبيخ، قالوا كأنّ إهالته إهالة [٢] خنزير؛ لأنّه لا يسرع إليها الجمود. وسرعة جمود إهالة الماعز في الشّتاء عيب. وللضّأن في ذلك بعض الفضيلة على الماعز؛ ولا يلحق بالخنزير. وإذا نقص من الإنسان عظم واحتيج إلى صلته في بعض الأمراض لم يلتحم به إلّا عظم الخنزير. وإذا ضرب فصاح لم يكن السّامع يفصل بين صوته وبين صوت صبيّ مضروب.

стр. 751

وفي إطباق جميع الأمم على شهوة أكله واستطابة لحمه، دليل على أنّ له في ذلك ما ليس لغيره. ١٠٠٧-[زعم المجوس في المنخنقة والموقوذة والمتردية] والمجوس تزعم أنّ المنخنقة والموقوذة والمتردّية، وكلّ ما اعتبط [١] ولم يمت حتف أنفه، فهو أطيب لحما وأحلى؛ لأنّ دمه فيه، والدم حلو دسم. وإنما عافه من عافه من طريق العادة والدّيانة، لا من طريق الاستقذار والزّهد الذي يكون في أصل الطبيعة. ١٠٠٨-[اختلاف ميل الناس إلى الطعام] وقد عاف قوم الجرّيّ والضّباب [٢] على مثل ذلك، وشغف به آخرون. وقد كانت العرب في الجاهليّة تأكل دم الفصد، وتفضّل طعمه، وتخبر عمّا يورث من القوّة. قال: وأيّ شيء أحسن من الدّم، وهل اللّحم إلا دم استحال كما يستحيل اللّحم شحما؟ ولكنّ الناس إذا ذكروا معناه، ومن أين يخرج وكيف يخرج، كان ذلك كاسرا لهم، ومانعا من شهوته. ١٠٠٩-[ما يغير نظر الإنسان إلى الأشياء] وكيف حال النّار في حسنها، فإنّه ليس في الأرض جسم لم يصبغ أحسن منه. ولولا معرفتهم بقتلها وإحراقها وإتلافها، والألم والحرقة المولدين عنها، لتضاعف ذلك الحسن عندهم. وإنّهم ليرونها في الشّتاء بغير العيون التي يرونها بها في الصّيف. ليس ذلك إلّا بقدر ما حدث من الاستغناء عنها. وكذلك جلاء السّيف؛ فإنّ الإنسان يستحسن قدّ السّيف وخرطه، وطبعه وبريقه. وإذا ذكر صنيعه والذي هيئ له، بدا له في أكثر ذلك، وتبدّل في عينه، وشغله ذلك عن تأمّل محاسنه. ولولا علم النّاس بعداوة الحيّات لهم، وأنهها وحشيّة لا تأنس ولا تقبل أدبا، ولا

стр. 752

ترعى حقّ تربية، ثمّ رأوا شيئا من هذه الحيّات، البيض، المنقّشة الظّهور- لما بيّتوها ونوّموها إلّا في المهد، مع صبيانهم. ١٠١٠-[ردّ على من طعن في تحريم الخنزير] فيقال لصاحب هذه المقالة: تحريم الأغذية إنّما يكون من طريق العبادة والمحنة، وليس أنه جوهر شيء من المأكول يوجب ذلك. وإنّما قلنا: إنّا وجدنا الله تعالى قد مسخ عبادا من عباده في صور الخنزير دون بقيّة الأجناس، فعلمنا أنّه لم يفعل ذلك إلّا لأمور اجتمعت في الخنزير. فكان المسخ على صورته أبلغ من التّنكيل. لم نقل إلّا هذا. ١٠١١-[القول في القرد] والقرد يضحك ويطرب، ويقعي ويحكي، ويتناول الطّعام بيديه ويضعه في فيه، وله أصابع وأظفار، وينقي الجوز، ويأنس الأنس الشّديد، ويلقن بالتّلقين الكثير، وإذا سقط في الماء غرق ولم يسبح؛ كالإنسان قبل أن يتعلّم السّباحة. فلم تجد النّاس للذي اعترى القرد من ذلك- دون جميع الحيوان علّة- إلّا هذه المعاني التي ذكرتها، من مناسبة الإنسان من قبلها. ويحكى عنه من شدّة الزّواج، والغيرة على الأزواج، ما لا يحكى مثله إلّا عن الإنسان؛ لأنّ الخنزير يغار، وكذلك الجمل والفرس، إلّا أنها لا تزاوج. والحمار يغار ويحمي عانته الدّهر كلّه، ويضرب فيها كضربه لو أصاب أتانا من غيرها. وأجناس الحمام تزاوج ولا تغار. واجتمع في القرد الزّواج والغيرة، وهما خصلتان كريمتان، واجتماعهما من مفاخر الإنسان على سائر الحيوان. ونحن لم نر وجه شيء غير الإنسان أشبه صورة وشبها، على ما فيه من الاختلاف، ولا أشبه فما ووجها بالإنسان من القرد. وربّما رأينا وجه بعض الحمر إذا كان ذا خطم، فلا نجد بينه وبين القرد إلّا اليسير. وتقول الناس: «أكيس من قشّة» [١] و «أملح من ربّاح» [٢] ولم يقل أحد: أكيس من خنزير، وأملح من خنّوص. وهو قول العامّة: «القرد قبيح ولكنّه مليح» .

стр. 753

وقال النّاس في الضبّ: إنه مسخ. وقالوا: انظر إلى كفّه وأصابعه. فكفّ القرد وأصابعه أشبه وأصنع. فقدّمت القرد على الخنزير من هذا الوجه. ١٠١٢-[علة تحريم لحم الخنزير] وأمّا القول في لحمه، فإنّا لم نزعم أنّ الخنزير هو ذلك الإنسان الذي مسخ، ولا هو من نسله، ولم ندع لحمه من جهة الاستقذار لشهوته في العذرة، ونحن نجد الشّبّوط والجرّيّ، والدّجاج، والجراد، يشاركنه في ذلك ولكن للخصال التي عدّدنا من أسباب العبادات. وكيف صار أحقّ بأن تمسخ الأعداء على صورته في خلقته. ١٠١٣-[حديث عبيد الكلابي] قال: وقلت مرّة لعبيد الكلابيّ- وأظهر من حبّ الإبل والشّغف بها ما دعاني إلى أن قلت له-: أبينها وبينكم قرابة؟ قال: نعم، لها فينا خؤولة. إنّي والله ما أعني البخاتيّ، ولكني أعني العراب، التي هي أعرب! قلت له: مسخك الله تعالى بعيرا! قال: الله لا يمسخ الإنسان على صورة كريم، وإنما يمسخه على صورة لئيم، مثل الخنزير ثم القرد. فهذا قول أعرابيّ جلف تكلم على فطرته. ١٠١٤-[تأويل آية] وقد تكلم المخالفون في قوله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [١] . وقد طعن ناس في تأويل هذه الآية، بغير علم ولا بيان، فقالوا: وكيف يكون ذلك وليس بين أن تجيء في كلّ هلال فرق، ولا بينها إذا جاءت في رأس الهلال فرق، ولا بينها إذا جاءت في رأس السّنة فرق. ١٠١٥-[هجرة السمك] وهذا بحر البصرة والأبلّة، يأتيهم ثلاثة أشهر معلومة معروفة من السنة السّمك الأسبور، فيعرفون وقت مجيئه وينتظرونه، ويعرفون وقت انقطاعه ومجيء غيره، فلا يمكث بهم الحال إلّا قليلا حتّى يقبل السّمك من ذلك البحر، في ذلك الأوان، فلا

стр. 754

يزالون في صيد ثلاثة أشهر معلومة من السّنة، وذلك في كلّ سنة مرّتين لكل جنس. ومعلوم عندهم أنه يكون في أحد الزمانين أسمن، وهو الجواف، ثمّ يأتيهم الأسبور، على حساب مجيء الأسبور والجواف. فأمّا الأسبور فهو يقطع إليهم من بلاد الزّنج. وذلك معروف عند البحريّين. وأنّ الأسبور في الوقت الذي يقطع إلى دجلة البصرة لا يوجد في الزّنج، وفي الوقت الذي يوجد في الزنج لا يوجد في دجلة. وربّما اصطادوا منها شيئا في الطريق في وقت قطعها المعروف، وفي وقت رجوعها. ومع ذلك أصناف من السمك كالإربيان، والرّقّ، والكوسج، والبرد، والبرستوج. وكلّ ذلك معروف الزّمان، متوقع المخرج. وفي السّمك أوابد وقواطع، وفيها سيّارة لا تقيم. وذلك الشبه يصاب. ولذلك صاروا يتكلمون بخمسة السنة، يهذّونها [١] ، سوى ما تعلّقوا به من غيرها. ثمّ القواطع من الطير قد تأتينا إلى العراق منهم في ذلك الإبّان جماعات كثيرة، تقطع إلينا ثمّ تعود في وقتها. ١٠١٦-[رد على المعترض] قلنا لهؤلاء القوم: لقد أصبتم في بعض ما وصفتم، وأخطأتم في بعض. قال الله تعالى: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ [٢] ويوم السبت يدور مع الأسابيع، والأسابيع تدور مع شهور القمر. وهذا لا يكون مع استواء من الزمان. وقد يكون السبت في الشتاء والصّيف والخريف، وفيما بين ذلك. وليس هذا من باب أزمان قواطع السّمك وهيج الحيوان وطلب السّفاد، وأزمان الفلاحة، وأوقات الجزر والمدّ؛ وفي سبيل الأنواء، والشجر كيف ينفض الورق والثمار؛ والحيّات كيف تسلخ، والأيائل كيف تلقي قرونها، والطير كيف تنطق ومتى تسكت. ولو قال لنا قائل: إني نبيّ وقلنا له: وما آيتك؟ وعلامتك؟ فقال: إذا كان في آخر تشرين الآخر أقبل إليكم الأسبور من جهة البحر، ضحكوا منه وسخروا به. ولو قال: إذا كان يوم الجمعة أو يوم الأحد أقبل إليكم الأسبور، حتّى لا يزال يصنع ذلك في كلّ جمعة- علمنا اضطرارا إذا عاينّا الذي ذكر على نسقه أنّه صادق، وأنّه لم يعلم ذلك إلّا من قبل خالق ذلك. تعالى الله عن ذلك.

стр. 755

وقد أقررنا بعجيب ما نرى من مطالع النّجوم، ومن تناهي المدّ والجزر على قدر امتلاء القمر، ونقصانه وزيادته، ومحاقه [١] واستراره [٢] . وكلّ شيء يأتي على هذا النّسق من المجاري، فإنّما الآية فيه لله وحده على وحدانيّته. فإذا قال قائل لأهل شريعة [٣] ولأهل مرسى، من أصحاب بحر أو نهر أو واد، أو عين، أو جدول: تأتيكم الحيتان في كلّ سبت، أو قال: في كلّ رمضان. ورمضان متحوّل الأزمان في الشّتاء والصيف والرّبيع والخريف. والسّبت يتحوّل في جميع الأزمان. فإذا كان ذلك كانت تلك الأعجوبة فيه دالة على توحيد الله تعالى، وعلى صدق صاحب الخبر، وأنّه رسول ذلك المسخّر لذلك الصّنف. وكان ذلك المجيء خارجا من النّسق القائم، والعادة المعروفة. وهذا الفرق بذلك بيّن. والحمد لله. ١٠١٧-[شنعة المسخ على صورة الخنزير والقرد] قال الله تعالى: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [٤] وفي الموضع الذي ذكر أنّه مسخ ناسا خنازير قد ذكر القرود. ولم يذكر أنّه مسخ قوما خنازير، ولم يمسخ منهم قرودا. وإذا كان الأمر كذلك فالمسخ على صورة القردة أشنع؛ إذ كان المسخ على صورتها أعظم، وكان العقاب به أكبر. وإنّ الوقت الذي قد ذكر أنّه قد مسخ ناسا قرودا فقد كان مسخ ناسا خنازير. فلم يدع ذكر الخنازير وذكر القرود؛ إلّا والقرود في هذا الباب أوجع وأشنع وأعظم في العقوبة، وأدلّ على شدّة السّخطة. هذا قول بعضهم. ١٠١٨-[استطراد لغوي] قال: ويقال لموضع الأنف من السّباع الخطم، والخرطوم- وقد يقال ذلك للخنزير- والفنطيسة [٥] ، والجمع الفناطيس. وقال الأعرابيّ: كأنّ فناطيسها كراكر [٦] الإبل.

стр. 756

١٠١٩-[خصائص حيوانات بعض البلدان] وقال صاحب المنطق: لا يكون خنزير ولا أيّل بحريّا. وذكر أنّ خنازير بعض البلدان يكون لها ظلف واحد، ولا يكون بأرض نهاوند حمار؛ لشدّة برد الموضع، ولأنّ الحمار صرد. وقال: في أرض كذا وكذا لا يكون بها شيء من الخلد، وإن نقله إنسان إليها لم يحفر، ولم يتّخذ بها بيتا. وفي الجزيرة التي تسمّى صقلّية لا يكون بها صنف من النمل، الذي يسمّى أقرشان. ١٠٢٠-[قول أهل الكتابين في المسخ] وأهل الكتابين [١] ينكرون أن يكون الله تعالى مسخ النّاس قرودا وخنازير، وإنما مسخ امرأة لوط حجرا. كذلك يقولون. [باب في الحيات] (القول في الحيات) اللهمّ جنّبنا التكلف، وأعذنا من الخطل، واحمنا من العجب بما يكون منّا، والثّقة بما عندنا، واجعلنا من المحسنين. حدثنا أبو جعفر المكفوف النحويّ العنبريّ، وأخوه روح الكاتب ورجال من بني العنبر، أن عندهم في رمال بلعنبر حيّة تصيد العصافير وصغار الطير بأعجب صيد. زعموا أنها إذا انتصف النهار واشتدّ الحرّ في رمال بلعنبر، وامتنعت الأرض على الحافي والمنتعل، ورمض [٢] الجندب، غمست هذه الحيّة ذنبها في الرّمل، ثم انتصبت كأنها رمح مركوز، أو عود ثابت، فيجيء الطائر الصغير أو الجرادة، فإذا رأى عودا قائما وكره الوقوع على الرّمل لشدّة حرّه، وقع على رأس الحيّة، على أنّها عود. فإذا وقع على رأسها قبضت عليه. فإن كان جرادة أو جعلا أو بعض ما لا يشبعها مثله، ابتلعته وبقيت على انتصابها. وإن كان الواقع على رأسها طائرا يشبعها مثله أكلته وانصرفت. وأنّ ذلك دأبها ما منع الرّمل جانبه في الصّيف والقيظ، في انتصاف النهار والهاجرة. وذلك أنّ الطائر لا يشكّ أنّ الحيّة عود، وأنه سيقوم له مقام الجذل [٣] للحرباء، إلى أن يسكن الحرّ ووهج الرّمل.

стр. 757

وفي هذا الحديث من العجب أن تكون هذه الحيّة تهتدي لمثل هذه الحيلة. وفيه جهل الطائر بفرق ما بين الحيوان والعود. وفيه قلة اكتراث الحيّة بالرّمل الذي عاد كالجمر، وصلح أن يكون ملّة [١] وموضعا للخبزة، ثمّ أن يشتمل ذلك الرّمل على ثلث الحيّة ساعات من النّهار، والرمل على هذه الصفة. فهذه أعجوبة من أعاجيب ما في الحيّات. وزعم لي [٢] رجال من الصّقالبة، خصيان وفحول، أنّ الحيّة في بلادهم تأتي البقرة المحفّلة [٣] فتنطوي على فخذيها وركبتيها إلى عراقيبها، ثمّ تشخص صدرها نحو أخلاف ضرعها، حتى تلتقم الخلف؛ فلا تستطيع البقرة مع قوّتها أن تترمرم [٤] . فلا تزال تمصّ اللبن، وكلما مصّت استرخت. فإذا كادت تتلف أرسلتها. وزعموا أن تلك البقرة إمّا أن تموت، إمّا أن يصيبها في ضرعها فساد شديد تعسر مداواته. والحيّة تعجب باللبن. وإذا وجدت الأفاعي الإناء غير مخمّر كرعت فيه، وربّما مجّت فيه ما صار في جوفها، فيصيب شارب ذلك اللبن أذى ومكروه كثير. ويقال إنّ اللبن محتضر [٥] . وقد ذهب ناس إلى العمّار، على قولهم إنّ الثوب المعصفر محتضر [٥] . فظنّ كثير من العلماء أنّ المعنى في اللبن إنما رجع إلى الحيّات. والحيّة تعجب باللّفّاح [٦] والبطّيخ، وبالحرف [٧] ، والخردل المرخوف [٨] ؛ وتكره ريح السذاب [٩] والشّيح، كما تكره الوزغ ريح الزّعفران.

стр. 758

وليس في الأرض شيء جسمه مثل جسم الحيّة، إلا والحيّة أقوى بدنا منه أضعافا. ومن قوّتها أنها إذا أدخلت رأسها في جحرها، أو في صدع إلى صدرها، لم يستطع أقوى النّاس وهو قابض على ذنبها بكلتا يديه أن يخرجها؛ لشدّة اعتمادها، وتعاون أجزائها. وليست بذات قوائم لها أظفار أو مخالب أو أظلاف، تنشبها في الأرض، وتتشبث بها، وتعتمد عليها. وربما انقطعت في يدي الجاذب لها، مع أنها لدنة ملساء علكة فيحتاج الرفيق في أمرها عند ذلك، أن يرسلها من يديه بعض الإرسال، ثمّ ينشطها كالمختطف والمختلس، وربما انقطع ذنبها في يد الجاذب لها. فأمّا أذناب الأفاعي فإنها تنبت. ومن عجيب ما فيها من هذا الباب، أنّ نابها يقطع بالكاز [١] ، فينبت حتى يتمّ نباته في أقلّ من ثلاث ليال. والخطّاف في هذا الباب خلاف الخنزير؛ لأنّ الخطاف إذا قلمت إحدى عينيه رجعت. وعين البرذون يركبها البياض، فيذهب في أيّام يسيرة. وناب الأفعى يحتال له بأن يدخل في فيها حمّاض أترجّ [٢] ، ويطبق لحيها الأعلى على الأسفل، فلا تقتل بعضّتها أياما صالحة. والمغناطيس الجاذب للحديد، إذا حكّ عليه الثّوم، لم يجذب الحديد. ١٠٢١-[خصائص الأفعى] والأفعى لا تدور عينها في رأسها، وهي تلد وتبيض، وذلك أنها إذا طرّقت [٣] ببيضها تحطّم في جوفها، فترمي بفراخها أولادا، حتى كأنها من الحيوان الذي يلد حيوانا مثله. وفي الأفاعي من العجب أنها تذبح حتى يفرى منها كلّ ودج، فتبقى كذلك

стр. 759

أيّاما لا تموت. وأمرت الحاوي فقبض على خرزة [١] عنقها، فقلت له: اقبضها من الخرزة [١] التي تليها قبضا رفيقا. فما فتح بينها بقدر سمّ الإبرة حتّى بردت ميّتة. وزعم أنّه قد ذبح غيرها من الحيّات فعاشت على شبيه بذلك، ثمّ إنه فصل تلك الخرزة [١] على مثال ما صنع بالأفعى، فماتت بأسرع من الطّرف. ١٠٢٢-[قوة بدن الممسوح] وكلّ شيء ممسوح البدن، ليس بذي أيد ولا أرجل، فإنّه يكون شديد البدن، كالسّمكة والحيّة. ١٠٢٣-[سم الأفعى] وزعم أحمد بن غالب قال: باعني حوّاء ثلاثين أفعى بدينارين، وأهدي إليّ خمسا اصطادها من قبالة القلب، في تلك الصحارى على شاطئ دجلة. قال: وأردتها للتّرياق. قال: فقال لي حين جاءني بها: قل لي: من يعالجها؟ قال: فقلت له: فلان الصيدلانيّ. فقال: ليس عن هذا سألتك، قل لي: من يذبحها ويسلخها؟ قال: قلت: هذا الصيدلانيّ بعينه. قال: أخاف أن يكون مغرورا من نفسه. إنّه والله إن أخطأ موضع المفصل من قفاه، وحركته أسرع من البرق، فإن كان لا يحسن ولا يدري كيف يتغفله، فينقره نقرة، لم يفلح بعدها أبدا. ولكني سأتطوّع لك بأن أعمل ذلك بين يديه. قال: فبعثت إليه. وكان رأسه إلى الجونة [٢] ، فيغفل الواحدة فيقبض على قفاها بأسرع من الطّرف، ثمّ يذبحها. فإذا ذبحها سال من أفواهها لعاب أبيض، فيقول: هذا هو السم الذي يقتل! قال: فجالت يده جولة، وقطرت من ذلك اللّعاب قطرة على طرف قميص الصيدلانيّ. قال: فتفشّى ذلك القاطر حتّى صار في قدر الدّرهم العظيم. ثم إنّ الحوّاء امتحن ذلك الموضع فتهافت في يده، وبقيت الأفاعي مذبّحة تجول في الطست ويكدم بعضها بعضا، حتى أمسينا. قال: وبكرت على أبي رجاء إلى باب الجسر، أحدّثه بالحديث، فقال لي وددت أنّي رأيت موضع القطرة من قميص الصّيدلاني! قال: فو الله مارمت حتّى مرّ معي إلى الصّيدلانيّ، فأريته موضعه. وأصحابنا يزعمون أنّ لعاب الأفاعي لا يعمل في الدّم. إلّا أنّ أحمد بن المثنّى

стр. 760

زعم أنّ من الأفاعي جنسا لا يضرّ الفراريج من بين الأشياء، ولا أدري أيّ الخبرين أبعد: أخبر ابن غالب في تفسيخ الثّوب، أو خبر ابن المثنى في سلامة الفرّوج على الأفعى؟ ١٠٢٤-[ما تضيء عينه من الحيوان] وزعم محمد بن الجهم أنّ العيون التي تضيء بالليل كأنها مصابيح، عيون الأسد والنمور، والسّنانير والأفاعي. فبينا نحن عنده إذ دخل عليه بعض من يجلب الأفاعي من سجستان، ويعمل التّرياقات، ويبيعها أحياء ومعمولة [١] ، فقال له: حدّثهم بالذي حدّثتني به من عين الأفعى. قال: نعم، كنت في منزلي نائما في ظلمة، وقد كنت جمعت رؤوس أفاع كنّ عندي، لأرمي بها، وأغفلت تحت السّرير رأسا واحدا، ففتحت عيني تجاه السّرير في الظلمة، فرأيت ضياء إلّا أنّه ضئيل ضعيف رقيق، فقلت: عين غول أو بعض أولاء السّعالى، وذهبت نفسي في ألوان من المعاني، فقمت فقدحت نارا، وأخذت المصباح معي، ومضيت نحو السرير فلم أجد تحته إلّا رأس أفعى، فأطفأت السّراج ونمت وفتحت عيني، فإذا ذلك الضوء على حاله، فنهضت فصنعت كصنيعي الأوّل، حتى فعلت ذلك مرارا. قال: فقلت آخر مرّة: ما أرى شيئا إلّا رأس أفعى، فلو نحّيته! فنحّيته وأطفأت السّراج، ثمّ رجعت إلى منامي، ففتحت عيني فلم أر الضّوء، فعلمت أنّه من عين الأفعى، ثمّ سألت عن ذلك، فإذا الأمر حقّ، وإذا هو مشهور في أهل هذه الصّناعة. ١٠٢٥-[علة قوة بدن الحية] قال: وربّما قبض الرّجل الشديد الأسر والقوّة القبضة على قفا الحيّة فتلتفّ عليه فتصرعه. وفي صعودها وفي سعيها خلف الرّجل الشديد الحضر، أو عند هربها حتّى تفوت وتسبق، وليست بذات قوائم، وإنما تنساب على بطنها، وفي تدافع أجزائها وتعاونها، وفي حركة الكلّ من ذات نفسها، دليل على إفراط قوّة بدنها. ومن ذلك أنها لا تمضغ، وإنما تبتلع، فربّما كان في البضعة أو في الشيء الذي ابتلعته عظم، فتأتي جذم شجرة، أو حجرا شاخصا [٢] فتنطوي عليه انطواء شديدا فيتحطّم ذلك العظم حتّى يصير رفاتا.

стр. 761

ثمّ يقطع ذنبها فينبت. ثمّ تعيش في الماء، إن صارت في الماء، بعد أن كانت برّيّة، وتعيش في البرّ بعد أن طال مكثها في الماء وصارت مائية. قال: وإنّما أتتها هذه القوّة، واشتدّت فقر ظهرها هذه الشّدّة؛ لكثرة أضلاعها، وذلك أنّ لها من الأضلاع عدد أيّام الشّهر. وهي مع ذلك أطول الحيوان عمرا. ١٠٢٦-[موت الحية] ويزعمون أنّ الحيّة لا تموت حتف أنفها، وإنّما تموت بعرض يعرض لها. ومع ذلك فإنه ليس في الحيوان شيء هو أصبر على جوع من حيّة؛ لأنّها إن كانت شابّة فدخلت في حائط صخر، فتتبّعوا موضع مدخلها بوتد أو بحجر، ثمّ هدموا هذا الحائط، وجدوها هناك منطوية وهي حيّة. فالشّابة تذكر بالصّبر عند هذه العلّة. فإن هرمت صغرت في بدنها، وأقنعها النّسيم، ولم تشته الطعم. وقد قال الشاعر:- وهو جاهليّ [١]-: [من الرجز] فابعث له من بعض أعراض اللّمم ... لميمة من حنش أعمى أصم قد عاش حتى هو لا يمشي بدم ... فكلّما أقصد منه الجوع شم وهذا القول لهذا المعنى. وفي هذا الوجه يقول الشاعر [٢] : [من الرجز] داهية قد صغرت من الكبر ... صلّ صفا ما ينطوي من القصر طويلة الإطاق من غير خفر ... كمطرق قد ذهبت به الفكر [٣] جاء بها الطوفان أيّام زخر ١٠٢٧-[صبر الحية على فقد الطّعم] ومن أعاجيبها أنها وإن كانت موصوفة بالشّره والنّهم، وسرعة الابتلاع، فلها في الصّبر في أيّام الشّتاء ما ليس للزّهيد. ثمّ هي بعد ممّا يصير بها الحال إلى أن تستغني عن الطّعم.

стр. 762

١٠٢٨-[النمس والثعابين] ثمّ قد يزعمون أنّ بمصر دويبّة يقال لها النمس يتّخذها الناطور إذا اشتدّ خوفه من الثّعابين؛ لأنّ هذه الدّابة تنقبض وتنضمّ، تتضاءل وتستدقّ، حتّى كأنها قديدة [١] أو قطعة حبل، فإذا عضّها الثّعبان وانطوى عليها زفرت، وأخذت بنفسها وزخرت جوفها فانتفخ. فتفعل ذلك وقد انطوى عليها، فتقطعه قطعا من شدّة الزّخرة. وهذا من أعجب الأحاديث. ١٠٢٩-[القواتل من الحيات] والثّعابين إحدى القواتل. ويزعمون أنها ثلاثة أجناس لا ينجع فيها رقية ولا حيلة، كالثعبان، والأفعى، والهنديّة. ويقال: إنّ ما سواها فإنما يقتل مع ما يمدّها من الفزع؛ فقد يفعل الفزع وحده؛ فكيف إذا قارن سمّها؟! وسمّها إن لم يقتل أمرض. ١٠٣٠-[ما يفعل الفزع في المسموم] ويزعمون أنّ رجلا قال [٢] تحت شجرة، فتدلّت عليه حيّة منها فعضّت رأسه، فانتبه محمرّ الوجه، فحكّ رأسه، وتلفّت، فلم ير شيئا، فوضع رأسه ينام، وأقام مدّة طويلة لا يرى بأسا، فقال له بعض من كان رأى تدلّيها عليه ثمّ تقلّصها عنه وهروبها منه: هل علمت من أيّ شيء كان انتباهك تحت الشّجرة؟ قال: لا والله، ما علمت. قال: بلى، فإنّ الحيّة الفلانيّة نزلت عليك حتّى عضّت رأسك، فلما جلست فزعا تقلّصت عنك وتراجعت. ففزع فزعة وصرخ صرخة كانت فيها نفسه. وكأنهم توّهموا أنّه لما فزع واضطراب، وقد كان ذلك السمّ مغمورا ممنوعا فزال مانعه، وأوغله ذلك الفزع، حين تفتّحت منافسه، إلى موضع الصّميم والدّماغ وعمق البدن، فانحلّ موضع العقد الذي انعقدت عليه أجزاؤه وأخلاطه. وأنشد الأصمعيّ: [من الرجز] نكيثة تنهشه بمنبذ

стр. 763

وأنشد لأبي دؤاد الإياديّ [١] : [من الخفيف] فأتاني تقحيم كعب لي المن ... طق إن النّكيثة الإقحام [٢] قال: فالفزع إمّا أن يكون يوصل السمّ إلى المقاتل، وإمّا أن يكون معينا له، كتعاون الرّجلين على نزع وتد. فهم لا يجزمون على أنّ الحيّة من القواتل البتّة، إلّا أن تقتل إذا عضّت النائم والمغشيّ عليه، والطفل الغرير، والمجنون الذي لا يعقل، وحتّى تجرّب عليه الأدوية. ١٠٣١-[الترياق وانقلاب الأفعى] وكنت يوما عند أبي عبد الله أحمد بن أبي دؤاد، وكان عنده سلمويه وابن ماسويه، وبختيشوع بن جبريل، فقال: هل ينفع التّرياق من نهشة أفعى؟ فقال بعضهم: إذا عضّت الأفعى فأدركت قبل أن تنقلب نفع الترياق، وإن لم تدرك لم ينفع؛ لأنهم إن قلّلوا من التّرياق قتله السّمّ، وإن كثّروا منه قتله الفاضل عن مقدار الحاجة. قلت: فإنّ ابن أبي العجوز خبّرني بأنها ليست تنقلب لمجّ السمّ وإفراغه، ولكنّ الأفعى في نابها عصل [٣] ، وإذا عضّت استفرغت إدخال النّاب كلّه، وهو أحجن أعصل، فيه مشابه من الشّصّ، فإذا انقلبت كان أسهل لنزعه وسلّه. فأمّا لصبّ السّمّ وإفراغه فلا. قال: والله لعلّه ما قلت! قلت: ما أسرع ما شككت!!. ثمّ قلت له: فكأنما وضعوا الترياق واجتلبوا الأفاعي وضنّوا وعزموا على أنه لا ينفع إلّا بدرك الأفعى قبل أن تنقلب! وكيف صار التّرياق بعد الانقلاب لا يكون إلّا في إحدى منزلتين: إمّا أن يقتل بكثرته، وإمّا ألّا ينفع بقلّته! فكأنّ الترياق ليس نفعه إلّا في المنزلة الوسطى التي لا تكون فاضلة ولا ناقصة! ولكني أقول لك: كيف يكون نفعه إذا كان الترياق جيّدا قويّا، وعوجل فسقي المقدار الأوسط، قبل أن يبلغ الصّميم، ويغوص في العمق. وعلى هذا وضع، وهم كانوا أحزم وأحذق من أن يتكلّفوا شيئا، ومقداره من النّفع لا يوصل إلى معرفته.

стр. 764

ويقول بعض الحذّاق: إنّ سقي التّرياق بعد النهش بساعة أو ساعتين موت المنهوش. ثم قلت له: وما علّمك؟ وبأيّ سبب أيقنت أنها تمجّ من جوف نابها شيئا؟! ولعله ليس هنالك إلّا مخالطة جوهر ذلك النّاب لدم الإنسان! أولسنا قد نجد من الإنسان من يعضّ صاحبه فيقتله، ويكون معروفا بذلك؟! وقد تقرّون أنّ الهنديّة والثّعبان يقتلان، إمّا بمخالطة الرّيق الدم، وإمّا بمخالطة السّنّ الدّم، من غير أن تدّعوا أنّ أسنانهما مجوّفة. وقد أجمع جميع أصحاب التجارب أنّ الحيّة تضرب بقصبة فتكون أشدّ عليها من العصا. وقد يضرب الرجل على جسده بقضبان اللّوز وقضبان الرّمان، وقضبان اللّوز أعلك [١] وألدن، ولكنّها أسلم، وقضبان الرّمّان أخفّ وأسخف ولكنها أعطب. وقد يطأ الإنسان على عظم حيّة أو إبرة عقرب، وهما ميتتان، فيلقى الجهد. وقد يخرج السّكّين من الكير وهو محمى، فيغمس في اللبن فمتى خالط الدّم قام مقام السمّ، من غير أن يكون مجّ في الدّم رطوبة غليظة أو رقيقة. وبعض الحجارة يكوى بها- وهو رخو- الأورام حتى يفرقها ويحمصها [٢] من غير أن يكون نفذ إليها شيء منه، وليس إلّا الملاقاة. قلت: ولعلّ قوى قد انفصلت من أنياب الأفاعي إلى دماء النّاس. وقد رووا أنّه قيل لجالينوس: إنّ ها هنا رجلا يرقي العقارب فتموت، أو تنحلّ فلا تعمل، فرآه يرقيها ويتفل عليها، فدعا به بحضرة جماعة وهو على الرّيق، ودعا بغدائه فتغدّى معه، ثمّ دعي له بالعقارب فتفل عليها، فلم يجد لعابه يصنع شيئا إلّا أن يكون ريقا. وهو حديث يدور بين أهل الطبّ، وأنت طبيب. فلم أره في يومه ذلك قال شيئا إلّا من طريق الحزر والحدس، والبلاغات. ١٠٣٢-[سموم الحيات والعقارب] وسموم الحيّات ذوات الأنياب، والعقارب ذوات الإبر، إنما تعمل في الدّم بالإجماد والإذابة. وكذا سموم ذوات الشعر والقرون والجمّ، إنما تعمل في العصب، ومنها ما يعمل في الدم.

стр. 765

١٠٣٣-[شرب المسموم للّبن] وحدّثني بعض أصحابنا قال: كنت إمّا برماي وإما بباري وهما بلاد حيّات وأفاع، ونحن في عرس، إذ أدخلوا الخدر العروس فأبطؤوا عليه شيئا، فأغفى وتلوّت على ذراعه أفعى، فذهب ينفضها وحجمت على ذراعه- وقد يقال ذلك إذا كانت العضّة في صورة شرط الحجّام- فصرخ وجاؤوا يتعادون [١] فوجدوها فقتلوها، وسقوه في تلك اللّيلة لبن أربعين عنزا، كلّما استقرّ في جوفه قعب من ذلك اللّبن قاء فيخرج منه كأمثال طلع الفحّال [٢] الأبيض، فيه طرائق من دسم تعلوه خضرة، حتى استوفى ذلك اللّبن كله. قال: فعندها قال شيخ من أهل القرية: إن كنتم أخرجتم ذلك السّمّ فقد أخرجتم نفسه معه! قال: فغبر أيّاما بأسوإ حال ثمّ مات. قال: وكنت أعجب من سرعة استحالة اللّبن وجموده. ١٠٣٤-[اكتفاء الحيات والضباب بالنسيم] قلت: والحيّات البرّيّة إذا هرمت تنسّمت النّسيم فاكتفت بذلك، وكذلك الضّباب إذا هرمت. قال: ولا يكون ذلك للمائيّة من حيّات الغياض وشطوط الأنهار، ومناقع المياه. ١٠٣٥-[الحيات المائية] قال: والحيّات المائيّة، إمّا أن تكون برّيّة أو جبليّة، فاكتسحتها السّيول واحتملتها في كثير من أصناف الحشرات والدّوابّ والسّباع، فتوالدت تلك الحيّات وتلاقحت هناك. وإمّا أن تكون كانت أمهاتها وآباؤها في حيّات الماء. وكيف دارت الأمور فإنّ الحيّات في أصل الطّبع مائيّة. وهي تعيش في النّدى، وفي الماء، وفي البرّ وفي البحر، وفي الصّخر والرّمل. ومن طباعها أن ترقّ وتلطف على شكلين: أحدهما لطول العمر، والآخر للبعد من الرّيف. وعلى حسب ذلك تعظم في المياه والغياض. قال: وكلّ شيء في الماء ممّا يعايش السمك، مما أشبه الحيّات كالمارماهي والأنكليس فإنها كلها على ضربين: فأحدهما من أولاد الحيات انقلبت بما عرض لها من طباع البلد والماء. والآخر من نسل سمك وحيات تلاقحت؛ إذ كان طباع السمك قريبا من طباع تلك الحيّات. والحيّات في الأصل مائيّة، وكلّها كانت حيّات.

стр. 766

١٠٣٦-[قرابة بعض النبات لبعض] وقد زعم أهل البصرة أنّ مشان [١] الكوفة قريب من برنيّ [٢] البصرة، قلبته البلدة. ويزعم أهل الحجاز أنّ نخل النارجيل [٣] هو نخل المقل [٤] ، ولكنّه انقلب لطباع البلدة. وأشباه ذلك كثير. ويزعمون أنّ الفيلة مائية الطّباع بالجاموسيّة والخنزيريّة التي فيها. ١٠٣٧-[الذئب والنسيم] قال: والذّئب أيضا، وإن كان عندهم ممّا لا يجتزي بالنّسيم، فإنّه من الحيوان الذي يفتح فاه للنّسيم؛ ليبرد جوفه من اللهيب الذي يعتري السّباع؛ ولأنّ ذلك يمدّ قوّته، ويقطع عنه ببرودته ولطافته الرّيق. فإن كان ذا سعر إذا عدا احتشى ريحا. ١٠٣٨-[صبر الذئب والأسد على الطعام] وربّما جاع الأسد ففعل فعل الذّئب، فالأسد والذّئب يختلفان في الجوع والصبر؛ لأنّ الأسد شديد النّهم، رغيب حريص شره؛ وهو مع ذلك يحتمل أن يبقى أيّاما لا يأكل شيئا. والذّئب وإن كان أقفر منزلا، وأقلّ خصبا، وأكثر كدّا وإخفاقا، فلا بدّ له من شيء يلقيه في جوفه، فإذا لم يجد شيئا استعار النسيم، [وربما استفّ التراب] [٥] . ١٠٣٩-[حيلة بعض الجائعين] والنّاس إذا جاعوا واشتدّ جوعهم شدّوا على بطونهم العمائم. فإن استقلوا، وإلّا شدّوا الحجر. ١٠٤٠-[شعر في الذئب] وأنشد: [من الطويل] كسيد الغضا العادي أضلّ جراءه ... على شرف مستقبل الرّيح يلحب [٦]

стр. 767

كأنّه يجمع استدخال الرّيح والنّسيم، فلعلّه أن يجد ريح جرائه. وقال الرّاجز [١] : [من الرجز] يستخبر الرّيح إذا لم يسمع ... بمثل مقراع الصّفا الموقّع [٢] ١٠٤١-[شمّ الظليم] والظّليم يكون على بيضه فيشمّ ريح القانص من أكثر من غلوة، ويبعد عن رئاله فيشمّ ريحها من مكان بعيد. وأنشدني يحيى بن نجيم بن زمعة قال [٣] : [من الرجز] أشمّ من هيق وأهدى من جمل [٤] وأنشدني عمرو بن كركرة: [من الرجز] ما زال يشتمّ اشتمام الهيق قال: وإنّما جعله ذئب غضا لأنهم يقولون: ذئب الخمر أخبث. ويقولون: شيطان الحماطة: يريدون الحيّة [٥] . ١٠٤٢-[الحيّات الخفيفة والثقيلة] وكلّ حيّة خفيفة الجسم فهي شيطان. والثّقال لا تنشط من أرض إلى أرض، وتثقل عمّا تبلغه المستطيلات الخفاف. وقال طرفة [٦] : [من الطويل] تلاعب مثنى حضرميّ كأنّه ... تعمّج شيطان بذي خروع قفر

стр. 768

الكرماني عن أنس- ولا أدري من أنس هذا- في صفة ناقة: [من الطويل] شناحية فيها شناح كأنّها ... حباب بكفّ الشّأو من أسطع حشر [١] والحباب: الحيّة الذّكر. ١٠٤٣-[المضاف إلى النبات من الحيوان] وكما يقولون [٢] : ذئب الخمر، يقولون: أرنب الخلّة [٣] ، وتيس الرّبل، وضبّ السّحا [٣] . والسّحا بقلة تحسن حاله من أكلها. وكذلك يقولون: «ما هو إلّا قنفذ برقة» [٤] لأنه يكون أخبث له. ١٠٤٤-[خصائص البلدان] وذلك كلّه على قدر طبائع البلدان والأغذية العاملة في طبائع الحيوان. ألا ترى أنّهم يزعمون أنّ من دخل أرض تبّت [٥] لم يزل ضاحكا مسرورا، من غير عجب حتّى يخرج منها. ومن أقام بالموصل حولا ثم تفقّد قوّته وجد فيها فضلا. ومن أقام بالأهواز حولا فتفقّد عقله ذو فراسة وجد النّقصان فيه بيّنا. كما يقال في حمّى خيبر، وطحال البحرين، ودماميل الجزيرة، وجرب الزّنج. وقال الشمّاخ [٦] : [من الوافر] كأنّ نطاة خيبر زوّدته ... بكور الورد ريّثة القلوع [٧] وقال أوس بن حجر [٨] : [من الطويل] كأنّ به إذ جئته خيبريّة ... يعود عليه وردها وقلالها [٩]

стр. 769

وقال آخر [١] : [من الرجز] كأنّ حمّى خيبر تملّه وكذلك القول في وادي جحفة، وفي مهيعة، وفي أصول النخل حيث كان. وقال عبد الله بن همام السّلوليّ في دماميل الجزيرة [٢] : [من الطويل] أتيح له من شرطة الحيّ جانب ... غليظ القصيرى لحمه متكاوس تراه إذا يمضي يحكّ كأنّما ... به من دماميل الجزيرة ناخس فحدّثني أبو زفر الضّراري قال [٣] : مات ضرار بن عمرو وهو ابن تسعين سنة بالدّماميل. قلت: والله إنّ هذا لعجب! قال: كلّا، إنّما احتملها من الجزيرة. وكذلك القول في طواعين الشّام. قال أحد بني المغيرة، فيمن مات منهم بطواعين الشام، ومن مات منهم بطعن الرّماح أيّام تلك المغازي [٤] : [من السريع] من ينزل الشّام ويعرس به ... فالشّام إن لم يفنه كاذب أفنى بني ريطة فرسانهم ... عشرين لم يقصص لهم شارب ومن بني أعمامهم مثلهم ... لمثل هذا عجب العاجب طعن وطاعون مناياهم ... ذلك ما خطّ لنا الكاتب ١٠٤٥-[قدوم عبد الله بن الحسن على عمر بن عبد العزيز وهشام] قال [٥] ولمّا قدم عبد الله بن الحسن بن الحسن ﵃، على عمر بن عبد العزيز- ﵁ في حوائج له، فلمّا رأى مكانه بالشام، وعرف سنّه وسمته وعقله، ولسانه، وصلاته وصيامه، فلم يكن شيء أحبّ إليه من ألّا يراه أحد من أهل الشام، فقال له: إنّي أخاف عليك طواعين الشّام؛ فإنّك لن تغنم أهلك أكثر

стр. 770

منك، فالحق بهم؛ فإنّ حوائجك ستسبقك إليهم. ثمّ قدم على هشام، فكره عبد الله أن يدخل منزل له حتّى يأتيه في ثياب سفره؛ مخافة سوء ظنّه. فلما أعلمه الحاجب مكانه، ودخل عليه وعاينه، كره أن يقيم بها طرفة عين. قال: اذكر حوائجك. قال: أحطّ رحلي وأضع ثياب سفري، وأتذكّر حوائجي. قال: إنّك لن تجدني في حال خيرا لك منّي الساعة! يريد أنّ القلوب أرقّ ما تكون إذا تلاقت العيون عن بعد عهد. وليس ذلك أراد. ١٠٤٦-[طحال البحرين] والعامّة تنشد [١] : [من الطويل] من يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائع ونظر دكين الرّاجز، إلى أبي العباس محمّد بن ذويب الفقيميّ الرّاجز، وهو غليّم مصفرّ مطحول، وهو يمتح على بكرة ويرتجز. فقال: من هذا العمانيّ؟ فلزمته هذه النّسبة [٢] . ١٠٤٧-[جرب الزنج] وحدّثني يوسف الزّنجي أنّه لا بدّ لكلّ من قدم من شقّ العراق إلى بلاد الزّنج ألّا يزال جربا، ما أقام بها. وإن أكثر من شرب نبيذها، أو شراب النّارجيل، طمس الخمار على عقله، حتّى لا يكون بينه وبين المعتوه إلّا الشّيء اليسير [٣] . ١٠٤٨-[طبيعة المصيصة] وخبّرني كم شئت من الغزاة، أن من أطال الصّوم بالمصيصة في أيّام الصّيف، هاج به المرار. وأنّ كثيرا منهم قد جنّوا عن ذلك الاحتراق [٤] . ١٠٤٩-[حمى الأهواز] فأمّا قصبة الأهواز، فإنّها قلبت كلّ من نزلها من بني هاشم إلى كثير من

стр. 771

طباعهم وشمائلهم، ولا بدّ للهاشميّ، قبيح الوجه كان أو حسنا، أو دميما كان أو بارعا رائعا، من أن يكون لوجهه وشمائله طبائع يبين بها من جميع قريش وجميع العرب. فلقد كادت البلدة أن تنقل ذلك فتبدّله، ولقد تخيّفته وأدخلت الضّيم عليه، وبيّنت أثرها فيه فما ظنّك بصنيعها في سائر الأجناس [١] ؟! ولفساد عقولهم، ولؤم طبع بلادهم، لا تراهم مع تلك الأموال الكثيرة، والضّياع الفاشية، يحبّون من البنين والبنات ما يحبّه أوساط أهل الأمصار على الثّروة واليسار، وإن طال ذلك. والمال منبهة كما تعلمون. وقد يكتسب الرّجل، من غيرهم، المويل [٢] اليسير، فلا يرضى لولده حتّى يفرض له المؤدّبين، ولا يرضى لنسائه مثل الذي كان يرضاه قبل ذلك. وليس في الأرض صناعة مذكورة، ولا أدب شريف؛ ولا مذهب محمود، لهم في شيء منه نصيب وإن خسّ [٣] . ولم أر بها وجنة حمراء لصبيّ ولا صبيّة، ولا دما ظاهرا ولا قريبا من ذلك. وهي قتّالة للغرباء. وعلى أنّ حمّاها خاصّة ليست للغريب بأسرع منها إلى القريب. ووباؤها وحمّاها، في وقت انكشاف الوباء ونزوع الحمّى عن جميع البلدان. وكلّ محموم في الأرض فإنّ حمّاه لا تنزع عنه، ولا تفارقه وفي بدنه منها بقيّة، فإذا نزعت عنه فقد أخذ منها عند نفسه البراءة، إلى أن يعود إلى الخلط، وأن يجمع في جوفه الفساد [٤] . وليست كذلك الأهواز لأنها تعاود من نزعت عنه من غير حدث، كما تعاود أصحاب الحدث؛ لأنّهم ليسوا يؤتون من قبل النّهم [٥] ، ومن قبل الخلط والإكثار، وإنّما يؤتون من عين البلدة. وكذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها الطّاعن في منازلها، المطلّ عليها؛ والجرّارات [٦] في بيوتها ومقابرها ومنابرها. ولو كان في العالم شيء هو شرّ من

стр. 772

الأفعى والجرّارة، لما قصّرت قصبة الأهواز عن توليده وتلقيحه. وبليتها أنّها من ورائها سباخ [١] ومناقع مياه غليظة وفيها أنهار تشقها تسايل كنفهم، ومياه أمطارهم ومتوضّآتهم. فإذا طلعت الشّمس فطال مقامها، وطالت مقابلتها لذلك الجبل، قبل بالصّخرية التي فيه تلك الجرّارات. فإذا امتلأت يبسا وحرارة، وعادت جمرة واحدة، قذفت ما قبلت من ذلك عليهم. وقد تحدث تلك السّباخ وتلك الأنهار بخارا فاسدا، فإذا التقى عليهم ما تحدث السّباخ وما قذفه ذلك الجبل، فسد الهواء. وبفساد الهواء يفسد كلّ شيء يشتمل عليه ذلك الهواء. وحدّثني إبراهيم بن عباس بن محمد بن منصور، عن مشيخة من أهل الأهواز، عن القوابل، أنهنّ ربّما قبلن [٢] الطّفل المولود، فيجدنه في تلك السّاعة محموما. يعرفن ذلك ويتحدّثن به. ١٠٥٠-[عيون فراخ الحيات والخطاطيف] قال: ويعرض لفراخ الحيّات مثل الذي يعرض لفراخ الخطاطيف؛ فإنّ نازعا لو نزع عيون فراخ الخطاطيف، وفراخ الحيّات، لعادت بصيرة. ١٠٥١-[مفارقة السلحفاة والرق والضفدع للماء] وزعم أنّ السّلحفاة والرّقّ، والضّفدع، ممّا لا بدّ له من التنفّس، ولا بدّ لها من مفارقة الماء، وأنّها تبيض وتكتسب الطعم وهي خارجة من الماء، وذلك للنّسب الذي بينها وبين الضّب، وإن كان هذا برّيّا وهذا بحريّا. ١٠٥٢-[شبه بعض الحيوان البري بنظيره من البحري] ويزعمون أنّ ما كان في البرّ من الضبّ والورل والحرباء، والحلكاء، وشحمة الأرض، والوزغ والعظاء [٣] مثل الذي في البحر من السّلحفاة والرّقّ، والتّمساح،

стр. 773

والضّفدع، وأنّ تلك الأجناس البرّية وإن اختلفت في أمورها، فإنّها قد تتشابه في أمور، وأنّ هذه الأجناس البحرية من تلك، ككلب الماء من كلب الأرض. ١٠٥٣-[صبر بعض الحيوان عن الطعم] وقد زعم صاحب المنطق أنّ الحيّة وسامّ أبرص من العظاء، والتّمساح، تسكن في أعشّتها الأربعة أشهر الشديدة البرد، لا تطعم شيئا، وأنّ سائر الحيّات تسكن بطن الأرض. فأمّا الأفاعي فإنّها تسكن في صدوع الصّخر. وليس لشيء من الحيوان من الصّبر عن الطّعم ما لهذه الأجناس. وإنّ الفيل ليناسبها من وجهين: أحدهما من طول العمر، فإنّ منها ما قد عاش أربعمائة سنة. والوجه الآخر أنّ الفيلة مائيّة وهذه الأجناس مائيّة وإن كان بعضها لا يسكن الماء. ١٠٥٤-[داهية الغبر] قال: وسمعت يونس بن حبيب يقول [١] : «داهية الغبر» قال [٢] : وقيل ذلك لأنها ربّما سكنت بقرب ماء، إمّا غدير وإما عين، فتحمي ذلك الموضع. وربما غبر ذلك الماء في المنقع حينا وقد حمته. وقال الكذّاب الحرمازيّ [٣] : [من الرجز] يا ابن المعلّى نزلت إحدى الكبر ... داهية الدّهر وصمّاء الغبر قال: وسأل الحكم بن مروان بن زنباع، عن بني عبد الله بن غطفان، قال: أفعى إن أيقظتها لسعتك، وإن تركتها لم تضرك. ١٠٥٥-[نادرة تتعلق بالحيات] وذكر عن سعيد بن صخر قال: نهش رجل من أهل البادية كثير المال، فأشفى على الموت، فأتاهم رجل فقال: أنا أرقيه، فما تعطوني؟ فشارطوه على ثلاثين درهما، فرقاه وسقاه أشياء ببعض الأخلاط، فلمّا أفاق قال الرّاقي والمداوي: حقي! قال الملدوغ: وما حقه، قالوا: ثلاثون درهما. قال أعطيه من مالي ثلاثين درهما في نفثات نفثها، وحمض سقاه! لا تعطوه شيئا!

стр. 774

١٠٥٦-[حديث سكر الشطرنجي] وحدّثني بعض أصحابنا عن سكّر الشّطرنجيّ، وكان أحمق القاصّين، وأحذقهم بلعب الشّطرنج، وسألته عن خرق كان في خرمة [١] أنفه فقلت له: ما كان هذا الخرق؟ فذكر أنّه خرج إلى جبّل [٢] يتكسّب بالشّطرنج، فقدم البلدة وليس معه إلّا درهم واحد، وليس يدري أينجح أم يخفق، ويجد صاحبه الذي اعتمده أم لا يجده؟ فورد على حوّاء [٣] وبين يديه جون [٤] عظام فيها حيات جليلة. والحيّة إذا عضّت لم تكن غايتها النّهش أو العضّ، وأن ترضى بالنّهش، ولكنّها لا تعضّ إلّا للأكل والابتلاع. وربّما كانت الحيّات عظاما جدّا ولا سموم لها، ولا تعقر بالعضّ، كحيات الجولان. وفي البادية حيّة يقال لها الحفّاث، والحفّاث من الحيّات تأكل الفأر وأشباه الفأر، ولها وعيد منكر، ونفخ وإظهار للصّولة، وليس وراء ذلك شيء. والجاهل ربّما مات من الفزع منها. وربّما جمعت الحيّة السّمّ وشدّة الجرح، والعضّ والابتلاع، وحطم العظم. فوقف سكّر على الحوّاء وقد أخرج من جونته أعظم حيّات في الأرض، وادّعى نفوذ الرّقية وجودة التّرياق، فقال له سكّر: خذ منّي هذا الدّرهم، وارقني رقية لا تضرّني معها حيّة أبدا! قال: فإنّي أفعل. قال: فأرسل قبل ذلك حيّة، حتّى ترقيني بعد أن تعضّني، فإن أفقت علمت أنّ رقيتك صحيحة. قال: فإنّي أفعل، فاختر أيّتهنّ شئت. فأشار إلى واحدة ممّا تعضّ للأكل دون السّمّ، فقال: دع هذه، فإنّ هذه إن قبضت على لحمك لم تفارقك حتى تقطعك! قال: فإنّي لا أريد غيرها. وظنّ أنّه إنّما زواها عنه لفضيلة فيها. قال: أمّا إذ أبيت إلّا هذه فاختر موضعا من جسدك حتّى أرسلها عليه. فاختار أنفه، فناشده وخوّفه، فأبى إلّا ذلك أو يردّ عليه درهمه. فأخذها الحّواء وطواها على يده، كي لا يدعها تنكز [٥] فتقطع أنفه من أصله. ثمّ أرسلها عليه. فلما أنشبت أحد نابيها في شقّ أنفه صرخ عليه صرخة جمعت عليه أهل تلك

стр. 775

البلدة، ثمّ غشي عليه، فأخذ الحوّاء فوضع في السّجن، وقتلوا تلك الحيّات، وتركوه حتّى أفاق كانّه أجنّ الخلق، فتطوّعوا بحمله فحملوه مع المكاري [١] ، وردّوه إلى البصرة، وبقي أثر نابها في أنفه إلى أن مات. ١٠٥٧-[أظلم من حية] قال: وأشياء من الحشرات لا تتخذ لنفسها ولا لبيضها ولا أولادها بيوتا، بل تظلم كلّ ذي جحر جحره، فتخرجه منه، أو تأكله إنّ ثبت لها. والعرب تقول للمسيء: «أظلم من حيّة» لأنّ، الحيّة لا تتّخذ لنفسها بيتا. وكلّ بيت قصدت نحوه هرب أهله منه. وأخلوه لها. ١٠٥٨-[الورل والحية] والورل يقوى على الحيّات ويأكلها أكلا ذريعا. وكلّ شدّة يلقاها ذو جحر منها فهي تلقى مثل ذلك من الورل. والورل ألطف جرما من الضّبّ. وزعم أنّهم يقولون: «أظلم من ورل» [٢] كما يقولون: «أظلم من حيّة» [٣] ، وكما يقولون: «أظلم من ذئب» [٤] ويقولون: «من استرعى الذّئب ظلم» [٥] . ١٠٥٩-[الورل والضبّ] وبراثن الورل أقوى من براثن الضّبّ. والضّباب تحفر جحرتها في الكدى [٦] . والورل لا يحفر لنفسه بل يخرج الضّبّ من بيته. فتزعم الأعراب أنّه إنما صار لا يحفر لنفسه إبقاء على براثنه. ويمنع الحيّة أن تحفر بيتها أنّ أسنانها أكلّ من أسنان الفأر ومن التي تحفر بالأفواه والأيدي، كالنمل والذّرّ وما أشبه ذلك. والحيّة لا ترى أن تعاني ذلك، وحفر غيرها ومعاناته يكفيها.
следующие страницы →