طباعهم وشمائلهم، ولا بدّ للهاشميّ، قبيح الوجه كان أو حسنا، أو دميما كان أو بارعا رائعا، من أن يكون لوجهه وشمائله طبائع يبين بها من جميع قريش وجميع العرب. فلقد كادت البلدة أن تنقل ذلك فتبدّله، ولقد تخيّفته وأدخلت الضّيم عليه، وبيّنت أثرها فيه فما ظنّك بصنيعها في سائر الأجناس [١] ؟! ولفساد عقولهم، ولؤم طبع بلادهم، لا تراهم مع تلك الأموال الكثيرة، والضّياع الفاشية، يحبّون من البنين والبنات ما يحبّه أوساط أهل الأمصار على الثّروة واليسار، وإن طال ذلك. والمال منبهة كما تعلمون.
وقد يكتسب الرّجل، من غيرهم، المويل [٢] اليسير، فلا يرضى لولده حتّى يفرض له المؤدّبين، ولا يرضى لنسائه مثل الذي كان يرضاه قبل ذلك. وليس في الأرض صناعة مذكورة، ولا أدب شريف؛ ولا مذهب محمود، لهم في شيء منه نصيب وإن خسّ [٣] . ولم أر بها وجنة حمراء لصبيّ ولا صبيّة، ولا دما ظاهرا ولا قريبا من ذلك. وهي قتّالة للغرباء.
وعلى أنّ حمّاها خاصّة ليست للغريب بأسرع منها إلى القريب. ووباؤها وحمّاها، في وقت انكشاف الوباء ونزوع الحمّى عن جميع البلدان.
وكلّ محموم في الأرض فإنّ حمّاه لا تنزع عنه، ولا تفارقه وفي بدنه منها بقيّة، فإذا نزعت عنه فقد أخذ منها عند نفسه البراءة، إلى أن يعود إلى الخلط، وأن يجمع في جوفه الفساد [٤] .
وليست كذلك الأهواز لأنها تعاود من نزعت عنه من غير حدث، كما تعاود أصحاب الحدث؛ لأنّهم ليسوا يؤتون من قبل النّهم [٥] ، ومن قبل الخلط والإكثار، وإنّما يؤتون من عين البلدة.
وكذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها الطّاعن في منازلها، المطلّ عليها؛ والجرّارات [٦] في بيوتها ومقابرها ومنابرها. ولو كان في العالم شيء هو شرّ من
стр. 772
الأفعى والجرّارة، لما قصّرت قصبة الأهواز عن توليده وتلقيحه. وبليتها أنّها من ورائها سباخ [١] ومناقع مياه غليظة وفيها أنهار تشقها تسايل كنفهم، ومياه أمطارهم ومتوضّآتهم.
فإذا طلعت الشّمس فطال مقامها، وطالت مقابلتها لذلك الجبل، قبل بالصّخرية التي فيه تلك الجرّارات. فإذا امتلأت يبسا وحرارة، وعادت جمرة واحدة، قذفت ما قبلت من ذلك عليهم.
وقد تحدث تلك السّباخ وتلك الأنهار بخارا فاسدا، فإذا التقى عليهم ما تحدث السّباخ وما قذفه ذلك الجبل، فسد الهواء. وبفساد الهواء يفسد كلّ شيء يشتمل عليه ذلك الهواء.
وحدّثني إبراهيم بن عباس بن محمد بن منصور، عن مشيخة من أهل الأهواز، عن القوابل، أنهنّ ربّما قبلن [٢] الطّفل المولود، فيجدنه في تلك السّاعة محموما.
يعرفن ذلك ويتحدّثن به.
١٠٥٠-[عيون فراخ الحيات والخطاطيف]
قال: ويعرض لفراخ الحيّات مثل الذي يعرض لفراخ الخطاطيف؛ فإنّ نازعا لو نزع عيون فراخ الخطاطيف، وفراخ الحيّات، لعادت بصيرة.
١٠٥١-[مفارقة السلحفاة والرق والضفدع للماء]
وزعم أنّ السّلحفاة والرّقّ، والضّفدع، ممّا لا بدّ له من التنفّس، ولا بدّ لها من مفارقة الماء، وأنّها تبيض وتكتسب الطعم وهي خارجة من الماء، وذلك للنّسب الذي بينها وبين الضّب، وإن كان هذا برّيّا وهذا بحريّا.
١٠٥٢-[شبه بعض الحيوان البري بنظيره من البحري]
ويزعمون أنّ ما كان في البرّ من الضبّ والورل والحرباء، والحلكاء، وشحمة الأرض، والوزغ والعظاء [٣] مثل الذي في البحر من السّلحفاة والرّقّ، والتّمساح،
стр. 773
والضّفدع، وأنّ تلك الأجناس البرّية وإن اختلفت في أمورها، فإنّها قد تتشابه في أمور، وأنّ هذه الأجناس البحرية من تلك، ككلب الماء من كلب الأرض.
١٠٥٣-[صبر بعض الحيوان عن الطعم]
وقد زعم صاحب المنطق أنّ الحيّة وسامّ أبرص من العظاء، والتّمساح، تسكن في أعشّتها الأربعة أشهر الشديدة البرد، لا تطعم شيئا، وأنّ سائر الحيّات تسكن بطن الأرض. فأمّا الأفاعي فإنّها تسكن في صدوع الصّخر.
وليس لشيء من الحيوان من الصّبر عن الطّعم ما لهذه الأجناس. وإنّ الفيل ليناسبها من وجهين: أحدهما من طول العمر، فإنّ منها ما قد عاش أربعمائة سنة.
والوجه الآخر أنّ الفيلة مائيّة وهذه الأجناس مائيّة وإن كان بعضها لا يسكن الماء.
١٠٥٤-[داهية الغبر]
قال: وسمعت يونس بن حبيب يقول [١] : «داهية الغبر» قال [٢] : وقيل ذلك لأنها ربّما سكنت بقرب ماء، إمّا غدير وإما عين، فتحمي ذلك الموضع. وربما غبر ذلك الماء في المنقع حينا وقد حمته. وقال الكذّاب الحرمازيّ [٣] : [من الرجز]
يا ابن المعلّى نزلت إحدى الكبر ... داهية الدّهر وصمّاء الغبر
قال: وسأل الحكم بن مروان بن زنباع، عن بني عبد الله بن غطفان، قال: أفعى إن أيقظتها لسعتك، وإن تركتها لم تضرك.
١٠٥٥-[نادرة تتعلق بالحيات]
وذكر عن سعيد بن صخر قال: نهش رجل من أهل البادية كثير المال، فأشفى على الموت، فأتاهم رجل فقال: أنا أرقيه، فما تعطوني؟ فشارطوه على ثلاثين درهما، فرقاه وسقاه أشياء ببعض الأخلاط، فلمّا أفاق قال الرّاقي والمداوي: حقي! قال الملدوغ: وما حقه، قالوا: ثلاثون درهما. قال أعطيه من مالي ثلاثين درهما في نفثات نفثها، وحمض سقاه! لا تعطوه شيئا!
стр. 774
١٠٥٦-[حديث سكر الشطرنجي]
وحدّثني بعض أصحابنا عن سكّر الشّطرنجيّ، وكان أحمق القاصّين، وأحذقهم بلعب الشّطرنج، وسألته عن خرق كان في خرمة [١] أنفه فقلت له: ما كان هذا الخرق؟ فذكر أنّه خرج إلى جبّل [٢] يتكسّب بالشّطرنج، فقدم البلدة وليس معه إلّا درهم واحد، وليس يدري أينجح أم يخفق، ويجد صاحبه الذي اعتمده أم لا يجده؟
فورد على حوّاء [٣] وبين يديه جون [٤] عظام فيها حيات جليلة.
والحيّة إذا عضّت لم تكن غايتها النّهش أو العضّ، وأن ترضى بالنّهش، ولكنّها لا تعضّ إلّا للأكل والابتلاع. وربّما كانت الحيّات عظاما جدّا ولا سموم لها، ولا تعقر بالعضّ، كحيات الجولان.
وفي البادية حيّة يقال لها الحفّاث، والحفّاث من الحيّات تأكل الفأر وأشباه الفأر، ولها وعيد منكر، ونفخ وإظهار للصّولة، وليس وراء ذلك شيء. والجاهل ربّما مات من الفزع منها. وربّما جمعت الحيّة السّمّ وشدّة الجرح، والعضّ والابتلاع، وحطم العظم.
فوقف سكّر على الحوّاء وقد أخرج من جونته أعظم حيّات في الأرض، وادّعى نفوذ الرّقية وجودة التّرياق، فقال له سكّر: خذ منّي هذا الدّرهم، وارقني رقية لا تضرّني معها حيّة أبدا! قال: فإنّي أفعل. قال: فأرسل قبل ذلك حيّة، حتّى ترقيني بعد أن تعضّني، فإن أفقت علمت أنّ رقيتك صحيحة. قال: فإنّي أفعل، فاختر أيّتهنّ شئت. فأشار إلى واحدة ممّا تعضّ للأكل دون السّمّ، فقال: دع هذه، فإنّ هذه إن قبضت على لحمك لم تفارقك حتى تقطعك! قال: فإنّي لا أريد غيرها. وظنّ أنّه إنّما زواها عنه لفضيلة فيها. قال: أمّا إذ أبيت إلّا هذه فاختر موضعا من جسدك حتّى أرسلها عليه. فاختار أنفه، فناشده وخوّفه، فأبى إلّا ذلك أو يردّ عليه درهمه. فأخذها الحّواء وطواها على يده، كي لا يدعها تنكز [٥] فتقطع أنفه من أصله. ثمّ أرسلها عليه. فلما أنشبت أحد نابيها في شقّ أنفه صرخ عليه صرخة جمعت عليه أهل تلك
стр. 775
البلدة، ثمّ غشي عليه، فأخذ الحوّاء فوضع في السّجن، وقتلوا تلك الحيّات، وتركوه حتّى أفاق كانّه أجنّ الخلق، فتطوّعوا بحمله فحملوه مع المكاري [١] ، وردّوه إلى البصرة، وبقي أثر نابها في أنفه إلى أن مات.
١٠٥٧-[أظلم من حية]
قال: وأشياء من الحشرات لا تتخذ لنفسها ولا لبيضها ولا أولادها بيوتا، بل تظلم كلّ ذي جحر جحره، فتخرجه منه، أو تأكله إنّ ثبت لها.
والعرب تقول للمسيء: «أظلم من حيّة» لأنّ، الحيّة لا تتّخذ لنفسها بيتا. وكلّ بيت قصدت نحوه هرب أهله منه. وأخلوه لها.
١٠٥٨-[الورل والحية]
والورل يقوى على الحيّات ويأكلها أكلا ذريعا. وكلّ شدّة يلقاها ذو جحر منها فهي تلقى مثل ذلك من الورل. والورل ألطف جرما من الضّبّ.
وزعم أنّهم يقولون: «أظلم من ورل» [٢] كما يقولون: «أظلم من حيّة» [٣] ، وكما يقولون: «أظلم من ذئب» [٤] ويقولون: «من استرعى الذّئب ظلم» [٥] .
١٠٥٩-[الورل والضبّ]
وبراثن الورل أقوى من براثن الضّبّ. والضّباب تحفر جحرتها في الكدى [٦] .
والورل لا يحفر لنفسه بل يخرج الضّبّ من بيته. فتزعم الأعراب أنّه إنما صار لا يحفر لنفسه إبقاء على براثنه. ويمنع الحيّة أن تحفر بيتها أنّ أسنانها أكلّ من أسنان الفأر ومن التي تحفر بالأفواه والأيدي، كالنمل والذّرّ وما أشبه ذلك. والحيّة لا ترى أن تعاني ذلك، وحفر غيرها ومعاناته يكفيها.
стр. 776
١٠٦٠-[شعر في ظلم الحية]
وفي ضرب المثل بظلم الحيّة، يقول مضرّس بن لقيط [١] : [من الطويل]
لعمرك إنّي لو أخاصم حيّة ... إلى فقعس ما أنصفتني فقعس
إذا قلت مات الدّاء بيني وبينهم ... سعى حاطب منهم لآخر يقبس
فما لكم طلسا إليّ كأنّكم ... ذئاب الغضا والذّئب بالليل أطلس [٢]
وجعله أطلس؛ لأنّه حين تشتدّ ظلمة اللّيل فهو أخفى له، ويكون حينئذ أخبث له وأضرى.
وقال حريز بن نشبة العدويّ، لبني جعفر بن كلاب، وضرب جور الحيّة والذّئب في الحكم مثلا، فقال [٣] : [من البسيط]
كأنّني حين أحبو جعفرا مدحي ... أسقيهم طرق ماء غير مشروب [٤]
ولو أخاصم أفعى نابها لثق ... أو الأساود من صمّ الأهاضيب [٥]
لكنتم معها إلبا، وكان لها ... ناب بأسفل ساق أو بعرقوب [٦]
ولو أخاصم ذئبا في أكيلته ... لجاءني جمعكم يسعى مع الذّيب [٧]
١٠٦١-[فم الأفعى]
قال: والحيّة واسعة الشّحو والفم، لها خطم، ولذلك ينفذ نابها. وكذلك كلّ ذي فم واسع الشّحو، كفم الأسد. فإذا اجتمع له سعة الشّحو وطول اللّحيين، وكان ذا خطم وخرطوم فهو أشدّ له؛ كالخنزير، والذّئب والكلب. ولو كان لرأس الحيّة عظم كان أشدّ لعضّتها، ولكنّه جلد قد أطبق على عظمين رقيقين مستطيلين بفكّها الأعلى والأسفل. ولذلك إذا أهوى الرّجل بحجر أو عصى، رأيتها تلوّي رأسها وتحتال
стр. 777
في ذلك، وتمنعه بكلّ حيلة، لأنّها تعلم وتحسّ بضعف ذلك الموضع منها، وهو مقتل. وما أكثر ما يكون في أعناقها تخصير [١] ، ولتندورها أغباب [٢] ، وذلك في الأفاعي أعمّ. وذلك الموضع المستدقّ [١] إنّما هو شيء كهيئة الخريطة، وكهيئة فم الجراب، منضمّ الأثناء، مثنّى الغضون. فإذا شئت أن تفتح انفتح لك فم واسع.
ولذلك قال إبراهيم بن هانئ: كان فتح فم الجراب يحتاج إلى ثلاثة أيد، ولولا أنّ الحمالين قد جعلوا أفواههم بدل اليد الثّالثة لقد كان ذلك ممتنعا حتّى يستعينوا بيد إنسان.
وهذا ممّا يعدّ في مجون ابن هانئ.
وكذلك حلوق الحيّات وأعناقها وصدورها، قد تراها فتراها في العين دقيقة، ولا سيّما إذا أفرطت في الطّول.
١٠٦٢-[شراهة الحية والأسد]
وهي تبتلع فراخ الحمام. والحية أنهم وأشره من الأسد. والأسد يبلع البضعة العظيمة من غير مضع، وذلك لما فيه من فضل الشره. وكذلك الحيّة. وهما واثقان بسهولة وسعة المخرج.
١٠٦٣-[تنّين أنطاكية]
وممّا عظّمها وزاد في فزع النّاس منها، الذي يرويه أهل الشام، وأهل البحرين، وأهل أنطاكية، وذلك أنّي رأيت الثلث الأعلى من منارة مسجد أنطاكية أظهر جدّة من الثلثين الأسفلين، فقلت لهم: ما بال هذا الثلث الأعلى أجدّ وأطرى؟ قالوا: لأنّ تنّينا [٣] ترفّع من بحرنا هذا، فكان لا يمرّ بشيء إلّا أهلكه، فمرّ على المدينة في الهواء، محاذيا لرأس هذه المنارة، وكان أعلى ممّا هي عليه، فضربه بذنبه ضربة، حذفت من الجميع أكثر من هذا المقدار، فأعادوه بعد ذلك، ولذلك اختلف في المنظر.
ولم يزل أهل البقاع يتدافعون أمر التّنّين. ومن العجب أنّك تكون في مجلس
стр. 778
وفيه عشرون رجلا، فيجري ذكر التّنّين فينكره بعضهم. وأصحاب التثبت يدّعون العيان. والموضع قريب، ومن يعاينه كثير. وهذا اختلاف شديد.
١٠٦٤-[الحية الأصلة]
والأعراب تقول في الأصلة قولا عجيبا: تزعم أنّ الحيّة التي يقال لها الأصلة لا تمرّ بشيء إلّا احترق. مع تهاويل كثيرة، وأحاديث شنيعة.
١٠٦٥-[الأجدهاني]
وتزعم الفرس أنّ الأجدهاني أعظم من البعير، وأنّ لها سبعة رؤوس، وربّما لقيت ناسا فتبتلع من كلّ جهة فم ورأس إنسانا. وهو من أحاديث الباعة والعجائز.
١٠٦٦-[الحية ذات الرأسين]
وقد زعم صاحب المنطق أنّه قد ظهرت حيّة لها رأسان. فسألت أعرابيّا عن ذلك فزعم أنّ ذلك حقّ. فقلت له: فمن أي جهة الرّأسين تسعى؟ ومن أيّهما تأكل وتعضّ؟ فقال: فأمّا السّعي فلا تسعى، ولكنّها تسعى إلى حاجتها بالتقلب، كما يتقلّب الصّبيان على الرّمل. وأمّا الأكل فإنها تتعشى بفم وتتغدّى بفم. وأمّا العضّ فإنها تعضّ برأسيها معا!! فإذا به أكذب البريّة. وهذه الأحاديث كلها، ممّا يزيد في الرعب منها، والاستهالة لمنظرها.
١٠٦٧-[فرانق الأسد]
ومثل شأن التّنّين مثل أمر فرانق [١] الأسد، فإنّ ذكره يجري في المجلس، فيقول بعضهم: أنا رأيته وسمعته!
١٠٦٨-[فزع الناس من الحية]
وربما زاد في الرعب منها والاستهالة لمنظرها قول جميع المحدّثين: إنّ من أعظم ما خلق الله الحية والسّرطان والسّمك!
١٠٦٩-[طول عمر الحية]
وتقول الأعراب: إنّ الحية أطول عمرا من النّسر، وإن الناس لم يجدوا حية قطّ ماتت حتف أنفها، وإنما تموت بالأمر يعرض لها. وذلك لأمور؛ منها قولهم: إنّ فيها شياطين، وإنّ فيها من مسخ، وإنّ إبليس إنما وسوس إلى آدم وإلى حوّاء من جوفها.
стр. 779
وزعم لي الفضل بن إسحاق، أنه كان لأبيه نخّان [١] ، وأنّ طول كلّ نخّ تسعة عشر ذراعا.
١٠٧٠-[تخلّق القشور للحيات]
ومن الحيّات الجرد والزعر، وذلك فيها من [الغالب] [٢] .
ومنها ذوات شعر، ومنها ذوات قرون. وإنّما يتخلق لها في كلّ عام قشر وغلاف [فهي تسلخ القشور الناعمة والغلف، التي على مقادير أجسادها، وإنما يستدل بالقشور، فأما الجلود فإن أبدانها لا تفارقها إلا بسلخ السكين] [٣] .
١٠٧١-[تقشر جلد الإنسان]
وأمّا الجلود فإنّ الأرمينيّ زعم أنه كان عندهم رجل ينقشر من جلده وينسلخ في كلّ شهر مرّة. قال فجمع ذلك فوجد فيه ملء جراب أو قال: أكثر.
١٠٧٢-[علة الفزع من الحية]
وأمّا الذي لا أشك في أنه قد زاد في أقدارها في النفوس، وعظّم من أخطارها، وهوّل من أمرها، ونبّه على ما فيها من الآية العجيبة والبرهان النيّر، والحجّة الظاهرة، فما في قلب العصا حيّة، وفي ابتلاعها ما هوّل به القوم وسحروا من أعين النّاس، وجاؤوا به من الإفك. قال الله : وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
[٤] ، إلى قوله: فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ
[٥] .
فإن قلت: إنه إنما حوّل العصا ثعبانا لأنهم جاؤوا بحبال وعصيّ؛ فحوّلوها في أعين الناس كلها حيّات، فلذلك قلب الله العصا حية على هذه المعارضة. ولو كانوا
стр. 780
حين سحروا أعين الناس جعلوا حبالهم وعصيّهم ذئابا في أعين الناس ونمورا، لجعل الله عصا موسى ذئبا أو نمرا، فلم يكن ذلك لخاصّة في بدن الحية.
قلنا: الدّليل على باطل ما قلتم، قول الله تعالى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى.
قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى قالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
[١] وقال الله : إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً
[٢] إلى قوله: وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
[٣] فقلبت العصا جانّا، وليس هناك حبال ولا عصيّ. وقال الله: قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
[٤] فقلب العصا حيّة كان في حالات شتّى. فكان هذا ممّا زاد في قدر الحية.
وقد ورد أنه ﷺ قال في دعائه أن لا يميته الله لديغا [٥] . وتأويل ذلك: أنّه ﷺ ما استعاذ بالله من أن يموت لديغا، وأن تكون ميتته بأكل هذا العدوّ، إلا وهو من أعداء الله، بل من أشدّهم عداوة.
وقال النبيّ ﷺ : «أشدّ النّاس عذابا بوم القيامة من قتل نبيّا أو قتله نبيّ» كأنّه كان في المعلوم أنّ النبيّ لا يقتل أحدا، ولا يتفّق ذلك إلّا في أشرار الخلق. ويدلّ على ذلك، الذي اتفّق من قتل أبيّ بن خلف بيده، والنّضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاصي- صبرا [٦] .
وحدّثت عن عبد الله بن أبي هند، قال: حدّثني صيفي بن أبي أيّوب، أنه سمع أبا بشير الأنصاريّ يقول: «كان رسول ﷺ يتعوّذ من هؤلاء السّبع: كان يقول:
اللهمّ إني أعوذ بك من الهدم [٧] وأعوذ بك من التردّي، وأعوذ بك من الغمّ
стр. 781
والغرق [١] ، وأعوذ بك من الحرق والهرم، وأعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان عند الموت وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبرا، وأعوذ بك من أن أموت لديغا» [٢] .
وطلحة بن عمرو قال: حدثني عطاء أنّ رسول الله ﷺ كان يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من الأسد والأسود، وأعوذ بك من الهدم» [٣] .
١٠٧٣-[استطراد لغوي]
قال: ويقال للحيّة: صفرت تصفر صفيرا، والرجل يصفر بالطير للتنفير، وبالدوابّ وببعض الطير للتعليم. وتتخذ الصّفّارة يصفر بها للحمام وللطير في المزارع. قال أعشى همدان يهجو رجلا: [من الكامل]
وإذا جثا للزّرع يوم حصاده ... قطع النّهار تأوّها وصفيرا
١٠٧٤-[لسان الحية]
والحيّة مشقوقة اللسان سوداؤه. وزعم بعضهم أن لبعض الحيّات لسانين. وهذا عندي غلط، وأظنّ أنّه لما رأى افتراق طرف اللسان قضى بأنّ له لسانين.
١٠٧٥-[عجيبة للضب]
ويقال: إن للضّبّ أيرين، ويسمّى أير الضّبّ نزكا. قال الشاعر [٤] : [من الطويل]
كضبّ له نزكان كانا فضيلة ... على كلّ حاف في الأنام وناعل [٥]
قال أبو خلف النمريّ: سئل أبو حيّة النميري عن أير الضّبّ، فزعم أنّ أير الضّب كلسان الحيّة: الأصل واحد، الفرع اثنان.
стр. 782
١٠٧٦-[عقاب الحية في زعم المفسرين]
وبعض أصحاب التفسير يزعم أنّ الله عاقب الحيّة حين أدخلت إبليس في جوفها، حتى كلّم آدم وحوّاء وخدعهما على لسانها، ببشر خصال: منها شقّ اللسان.
قالوا: فلذلك ترى الحيّة إذا ضربت للقتل كيف تخرج لسانها لتري الضّارب عقوبة الله، كأنها تسترحم. وصاحب هذا التفسير لم يقل ذلك إلّا لحيّة كانت عنده تتكلم، ولولا ذلك لأنكر آدم كلامها، وإن كان إبليس لا يحتال إلّا من جهة الحيّة، ولا يحتال بشيء غير مموّه ولا مشبّه.
١٠٧٧-[استطراد لغوي]
قال: ويقال: أرض محواة ومحياة من الحيّات، كما يقال أرض مضبّة وضببة من الضّباب، وفائرة من الفأر.
١٠٧٨-[هذا أجل من الحرش]
وقال الأصمعيّ في تفسير قولهم في المثل: «هذا أجلّ من الحرش» [١] : إنّ الضّبّ قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجنّ! قال: وذلك أنّهم يزعمون أن الحرش تحريك اليد عند جحر الضّبّ، ليخرج إذا ظنّ أنه حية- قال: وسمع ابنه صوت الحفر فقال: يا أبه هذا الحرش؟ قال: يا بنيّ، هذا أجلّ من الحرش! فأرسلها مثلا.
١٠٧٩-[الحيوانات التي تأكل الحيات]
بين الحيات وبين الخنازير عداوة، والخنازير تأكلها أكلا ذريعا. وسموم ذوات الأنياب من الحيّات، وذوات الإبر، سريعة في الخنازير، وهي تهلك عند ذلك هلاكا وشيكا، فلذلك لا ترضى بقتلها حتى تأكلها. وتأكل الحيّات العقبان، والأيائل، والأراويّ، والأوعال، والسّنانير والشّاهمرك [٢] ، والقنفذ. إلّا أن القنفذ أكثر ما يقصد إلى الأفاعي، وإنما يظهر بالليل. قال الرّاجز: [من الرجز]
قنفذ ليل دائم التّجآب
وهذا الراجز هو أبو محمد الفقعسيّ.
стр. 783
١٠٨٠-[القول في القنفذ]
وكذلك يشبه النّمّام، والمداخل، والدّسيس، بالقنفذ، لخروجه بالليل دون النهار، ولاحتياله للأفاعي. قال عبدة بن الطبيب [١] : [من الكامل]
اعصوا الذي يلقي القنافذ بينكم ... متنصّحا وهو السّمام الأنقع
يزجي عقاربه ليبعث بينكم ... حربا كما بعث العروق الأخدع [٢]
حرّان لا يشفي غليل فؤاده ... عسل بماء في الإناء مشعشع [٣]
لا تأمنوا قوما يشب صبيهم ... بين القوابل بالعداوة ينشع [٤]
وهذا البيت الآخر يضم إلى قول مجنون بني عامر [٥] : [من الطويل]
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا
ويضم إليه قول ابن أود: «الطينة تقبل الطبائع ما كانت ليّنة» .
ثم قال عبدة بن الطّبيب [٦] ، في صلة الأبيات التي ذكر فيها القنفذ والنّميمة:
[من الكامل]
إنّ الذين ترونهم خلّانكم ... يشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا
قوم إذا دمس الظّلام عليهم ... جذعوا قنافذ بالنميمة تمزع
وهذا الشعر من غرر الأشعار. وهو ممّا يحفظ.
وقال الأوديّ [٧] : [من البسيط]
كقنفذ القنّ لا تخفى مدارجه ... خبّ إذا نام عنه الناس لم ينم [٨]
стр. 784
وفي عهد آل سجستان على العرب حين افتتحوها [١] : لا تقتلوا قنفذا ولا ورلا ولا تصيدوا، لأنها بلاد أفاع. وأكثر ما يجتلب أصحاب صنعة الترياق والحواؤون الأفاعي من سجستان. وذلك كسب لهم وحرفة ومتجر. ولولا كثرة قنافذها لما كان لهم بها قرار.
والقنفذ لا يبالي أيّ موضع قبض من الأفعى. وذلك أنه إن قبض على رأسها أو على قفاها فهي مأكولة على أسهل الوجوه، وإن قبض على وسطها أو على ذنبها، جذب ما قبض عليه، فاستدار وتجمّع، ومنحه سائر بدنه، فمتى فتحت فاها لتقبض على شيء منه، لم تصل إلى جلده مع شوكه النّابت فيه. والأفعى تهرب منه، وطلبه لها وجراءته عليها، على حسب هربها منه وضعفها عنه.
١٠٨١-[أمثال في الحية والورل والضّبّ]
وأمّا قولهم: «أضل من حيّة» ؛ و «أضلّ من ورل» ؛ [٢] و «أضلّ من ضبّ» [٢] .
فأمّا الحيّة فإنّها لا تتّخذ لنفسها بيتا، والذّكر لا يقيم في الموضع، وإنما يقيم على بيضها بقدر ما تخرج فراخها وتقوى على الكسب والتماس الطعم، ثمّ تصير الأنثى سيّارة، فمتى وجدت جحرا دخلت واثقة بأنّ السّاكن فيه بين أمرين: إمّا أقام فصار طعما لها، وإمّا هرب فصار البيت لها ما أقامت فيه ساعة، كان ذلك من ليل أو نهار.
١٠٨٢-[بيض الحيات وجسمها]
وقد رأيت بيض الحيّات وكسرتها لأتعرّف ما فيها. فإذا هو بيض مستطيل أكدر اللون أخضر، وفي بعضه نمش [٣] ولمع [٤] . فأمّا داخله فلم أرقيحا قطّ، ولا صديدا خرج من جرح فاسد، إلّا والّذي في بيضها أسمج منه وأقذر. ويزعمون أنها كثيرة البيض جدّا، وأنّ السلامة في بيضها على دون ذلك، وأنّ بيضها يكون منضّدا في جوفها طولا على غرار واحد، وعلى خيط واحد.
وهي طويلة البطن والأرحام. وعدد أضلاعها عدد أيام الشهر. وكان ذلك بعض ما زاد في شدّة بدنها.
стр. 785
١٠٨٣-[أكثر الحيوان نسلا]
والخلق الكثير الذّرء [١] الدّجاج. والضّبّ أكثر بيضا من الدّجاجة. والخنزيرة تضع عشرين خنّوصا.
ويخرج من أجواف العقارب عقارب صغار، كثيرة العدد جدّا. وعامّة العقارب إذا حبلت كان حتفها في ولادها، لأنّ أولادها إذا استوى خلقها أكلت بطون الأمّهات حتّى تثقبها. وتكون الولادة من ذلك الثّقب، فتخرج ولأمهات ميّتة.
وأكثر من ذلك كله ذرء السّمك، لأنّ الإنسان لو زعم أنّ بيضة واحدة من بعض الأسبور عشرة آلاف بيضة، لكان ذلك لعظم ما تحمل، ولدقّة حبّه وصغره. ولكن يعتريها أمران: أحدهما الفساد، والآخر أنّ الذكورة في أوان ولادة الإناث تتبع أذنابها، فكلّما زحرت بشيء التقمته والتهمته.
ثمّ السّمك بعد ذلك في الجملة إنما طبعها أن يأكل بعضها بعضا.
١٠٨٤-[علة كثرة الأولاد]
ويزعمون أن الكثرة في الأولاد إنّما تكون من العفن واللّخن [٢] ، وعلى قدر كثرة المائيّة وقلّتها. فذهبوا إلى أنّ أرحام الرّوميّات والنّصرانيّات أكثر لخنا ورطوبة، لأنّ غسل الفروج بالماء البارد مرارا في اليوم، ممّا يطيّب الأرحام، وينفي اللّخن [٢] والعفن، ويزعمون أنّ المرأة إذا كان فرجها نظيفا، وكانت معطّرة قويّة المنّة [٣] قلّ حملها، فإن أفرطت في السّمن عادت عاقرا. وسمان الرّجال لا يكاد يعتريهم ذلك.
وكذلك العاقر من إناث الإبل والبقر والغنم والنّخل. إذا قويت النّخلة وكانت شابّة، وسمن جمّارها، صارت عاقرا لا تحمل، فيحتالون عند ذلك بإدخال الوهن عليها.
١٠٨٥-[طعن في التعليل السابق]
وقد طعن في ذلك ناس فقالوا: إنّ في الضّبّ على خلاف ما ذكرتم. قد تبيض الأنثى سبعين بيضة فيها سبعون حسلا [٤] . ولولا أنّ الضّبّ يأكل ولده لانتفشت
стр. 786
الصحارى ضبابا. والضب لا يحفر إلّا في كدية [١] وفي بلاد العراد [٢] . وإذا هرمت تبلّغت بالنّسيم. وهذا كله ممّا يستدلّ به على بعد طبعها من اللّخن والعفن.
وقيل لهم: قد يمكن أن يكون ذلك كذلك في جميع صفاتها إلّا في أرحامها فقط.
١٠٨٦-[سفاد الحيات]
وليس للحيّات سفاد معروف ينتهي إليه علم، ويقف عليه عيان. وليس عند الناس في ذلك إلّا الذي يرون من ملاقاة الحيّة للحيّة، والتواء كلّ منهما على صاحبه، حتى كأنهما زوج خيزران مفتول، أو خلخال مفتول. فأمّا أن يقفوا على عضو يدخل أو فرج يدخل فيه فلا.
١٠٨٧-[شعر في الأيم والجرادة الذكر]
والعرب تذكر الحيّات بأسمائها وأجناسها. فإذا قالوا: أيم، فإنما يريدون الذّكر دون الأنثى. ويذكرونه عند جودة الانسياب، وخفّة البدن، كما تذكر الشّعراء في صفة الخيل الجرادة الذّكر، دون الأنثى. فهم وإن ألحقوا لها فإنما يريدون الذّكر. قال بشر بن أبي خازم [٣] : [من الوافر]
جرادة هبوة فيها اصفرار
لأنّ الأنثى لا تكون صفراء، وإنما الموصوف بالصّفرة الذّكر، لأن الأنثى تكون بين حالتين: إمّا أنّ تكون حبلى ببيضها فهي مثقلة، وإمّا أن تكون قد سرأت [٤] وقذفت بيضها، فهي أضعف ما تكون.
قال الشاعر [٥] : [من الطويل]
أتذهب سلمى في اللّمام ولا ترى ... وفي اللّيل أيم حيث شاء يسيب [٦]
стр. 787
١٠٨٨-[آثار الحيات والعظاء في الكثبان]
وإذا انسابت في الكثبان والرّمل، يبين مواضع مزاحفها، وعرفت آثارها.
وقال آخر [١] : [من الوافر]
كأنّ مزاحف الحيّات فيها ... قبيل الصّبح آثار السّياط
وكذلك يعرفون آثار العظاء. وأنشد ابن الأعرابيّ: [من الطويل]
بها ضرب أذناب العظاء كأنها ... ملاعب ولدان تخطّ وتمصع [٢]
وقال الآخر، وهو يصف حيّات [٣] : [من المتقارب]
كأنّ مزاحفها أنسع ... جررن فرادى ومثناتها
وقال ثمامة الكلبيّ [٤] : [من الوافر]
كأنّ مزاحف الهزلى صباحا ... خدود رصائع جدلت تؤاما
والهزلى من الحيّات. قال جرير أو غيره [٥] : [من الطويل]
ومن ذات أصفاء سهوب كأنها ... مزاحف هزلى بينها متباعد [٦]
وقال بعض المحدثين، وذكر حال البرامكة كيف كانت، وإلى أيّ شيء صارت: [من الكامل]
وإذا نظرت إلى التّرى بعراصهم ... قلت: الشجاع ثوى بها والأرقم
وقال البعيث [٧] : [من الطويل]
لقى حملته أمّة وهي ضيفة ... فجاءت بيتن للضيافة أرشما [٨]
стр. 788
مدامن جوعات كأنّ عروقه ... مسارب حيّات تسرّبن سمسما [١]
١٠٨٩-[أعجوبة جلد الحية]
[وليس في الأرض قشر ولا ورقة] [٢] ، ولا ثوب، ولا جناح، ولا ستر عنكبوت، إلا وقشر الحيّة أحسن منه وأرقّ، وأخفّ وأنعم، وأعجب صنعة وتركيبا.
ولذلك وصف كثيّر قميص ملك، فشبّهه بسلخ الحيّة، حيث يقول [٣] : [من الطويل]
إذا ما أفاد المال أودى بفضله ... حقوق، فكره العاذلات يوافقه
يجرّر سربالا عليه كأنّه ... سبيء لهزلى لم تقطّع شرانقه [٤]
والسّبيء: السّلخ والجلد. قال الشاعر [٥] : [من الطويل]
وقد نصل الأظفار وانسبأ الجلد
١٠٩٠-[صمم النعام والأفعى]
وترعم العرب أنّ النّعام والأفعى صمّ لا تسمع، وكذلك هما من بين جميع الخلق. وسنذكر من ذلك في هذا الموضع طرفا، ونؤخر الباقي إلى الموضع الذي نذكر فيه جملة القول في النّعام.
وقد ابتلينا بضربين من الناس، ودعواهما كبيرة، أحدهما يبلغ من حبه للغرائب أن يجعل سمعه هدفا لتوليد الكذابين، وقلبه قرارا لغرائب الزّور. ولكلفه بالغريب، وشغفه بالطّرف، لا يقف على التّصحيح والتمييز، فهو يدخل الغثّ في السمين، والممكن في الممتنع، ويتعلّق بأدنى سبب ثمّ يدفع عنه كلّ الدّفع.
والصّنف الآخر، وهو أنّ بعضهم يرى أنّ ذلك لا يكون منه عند من يسمعه يتكلم إلا من خاف التقزّز من الكذب.
فزعم ناس أنّ الدّليل على أنّ الأفاعي صمّ، قول الشاعر: [من الرجز]
أنعت نضناضا من الحيّات ... أصمّ لا يسمع للرّقاة [٦]
стр. 789
قد ذكروا بالصّمم أجناسا من خبيثات الحيّات، وذهبوا إلى امتناعها من الخروج عند رقية الرّاقي عند رأس الجحر، فقال بعضهم: [من الرجز]
وذات قرنين من الأفاعي ... صمّاء لا تسمع صوت الدّاعي
ويزعمون أنّ كلّ نضناض أفعى. وقال آخر [١] : [من المتقارب]
ومن حنش لا يجيب الرّقا ... ة أرقش ذي حمة كالرّشا [٢]
أصمّ سميع طويل السّبا ... ت منهرت الشدق عاري النسا [٣]
فزعم أنّه أصمّ سميع، فجاز له أن يجعله أصمّ بقوله: «ومن حنش لا يجيب الرّقاة» وقال الآخر [٤] : [من السريع]
أصمّ أعمى لا يجيب الرّقى ... يفترّ عن عصل حديدات [٥]
والأفعى ليس بأعمى، وعينه لا تنطبق، وإن قلعت عينه عادت. وهو قائم العين كعين الجرادة، كأنها مسمار مضروب. ولها بالليل شعاع خفيّ. قال الرّاعي يصف الأفعى: [من الطويل]
ويدني ذراعيه إذا ما تبادرا ... إلى رأس صلّ قائم العين أسفع
وهذه صفة سليم الأفعى، فيجوز أن يكون الشاعر وصفها بالتمنع من الخروج بالصّمم، كما وصفها بالعمى، لمكان السّبات وطول الإطراق.
قال الشاعر [٦] : [من المتقارب]
أصمّ سميع طويل السّبات ... منهرت الشّدق عاري القرا
وقال آخر: [من السريع]
منهرت الشّدق رقود الضّحى ... سار طمور بالدّجنّات [٧]
стр. 790
وتارة تحسبه ميّتا ... من طول إطراق وإخبات [١]
يسبته الصّبح وطورا له ... نفخ ونفث في المغارات
ويعلم أنّه وصف أفعى بقوله: [من السريع]
أصمّ أعمى لا يجيب الرّقى ... يفترّ عن عصل حديدات
منهرت الشّدق رقود الضّحى
«الخ» ثم ذكر أنيابه، فقال:
قدّمن عن ضرسيه واستأخرا ... إلى صماخين ولهوات
فجعله أعصل الأنياب، منهرت الأشداق، ثمّ وصفها بالسّبات وطول الإطراق، وبسرعة النّشطة [٢] ، وخفّة الحركة، إذا هّمت بذلك وكانت تعظم.
١٠٩١-[شعر في صفة الحية]
وقد وصفتها امرأة جاهليّة بجميع هذه الصّفة، إلّا أنها زادت شيئا. والشّعر صحيح. وليس في أيدي أصحابنا من صفة الأفاعي مثلها.
وقد رأيت عند داود بن محمّد الهاشميّ كتابا في الحيّات، أكثر من عشرة أجلاد، ما يصحّ منها مقدار جلد ونصف.
ولقد ولّدوا على لسان خلف الأحمر، والأصمعيّ، أرجازا كثيرة. فما ظنّك بتوليدهم على ألسنة القدماء! ولقد ولّدوا على لسان جحشويه في الحلاق أشعارا ما قالها جحشويه قط. فلو تقذّروا من شيء تقذّروا من هذا الباب.
والشّعر الذي في الأفعى [٣] : [من الكامل]
قد كاد يقتلني أصمّ مرقّش ... من حبّكم، والخطب غير كبير
خلقت لهازمه عزين ورأسه ... كالقرص فلطح من دقيق شعير
ويدير عينا للوقاع كأنّها ... سمراء طاحت من نفيض برير
стр. 791
وكأنّ ملقاه بكلّ تنوفة ... ملقاك كفّة منخل مأطور [١]
وكأنّ شدقيه إذا استعرضته ... شدقا عجوز مضمضت لطهور
فقد زعمت [٢] كما ترى أنها تدير عينا، وزعم الأوّل أنها قائمة العين [٣] . إلّا أن تزعم أنها لم ترد بالإدارة أن مقلتها تزول عن موضعها، ولكنّها أرادت أنّها جوّالة في إدراك الأشخاص، البعيدة والقريبة، والمتيامنة والمتياسرة وقد يجوز أن يكون إنّما جعلها سميعة لدقّة الحسّ، وكثرة الاكتراث وجودة الشمّ، لا جودة السّمع؛ فإنّ الذين زعموا أنّ النّعامة صمّاء زعموا أنّها تدرك من جهة الشمّ والعين، جميع الأمور التي كانت تعرفها من قبل السّمع لو كانت سميعة. وقد قال الشاعر في صفة الحيّة [٤] : [من البسيط]
تهوي إلى الصّوت والظلماء عاكفة ... تعرّد السّيل لاقى الحيد فاطّلعا [٥]
هذا بعد أن قال:
إني وما تبتغي منّي كملتمس ... صيدا وما نال منه الرّيّ والشّبعا
أهوى إلى باب جحر في مقدّمه ... مثل العسيب ترى في رأسه نزعا
اللّون أربد والأنياب شابكة ... عصل ترى السمّ يجري بينها قطعا [٦]
أصم ما شمّ من خضراء أيبسها ... أو شمّ من حجر أوهاه فانصدعا
فقد جعل لها أنيابا عصلا، ووصفها بغاية الخبث، وزعم أنها تسمع. فهؤلاء ثلاثة شعراء.
١٠٩٢-[الثقة بالعلماء]
فإن قلت: إنّ المولّد لا يؤمن عليه الخطأ، إذ كان دخيلا في ذلك الأمر، وليس كالأعرابيّ الذي إنما يحكي الموجود الظاهر له، الذي عليه نشأ، وبمعرفته غذي.
стр. 792
فالعلماء الذين اتّسعوا في علم العرب، حتى صاروا إذا أخبروا عنهم بخبر كانوا الثّقات فيما بيننا وبينهم، هم الذين نقلوا إلينا. وسواء علينا جعلوه كلاما وحديثا منثورا، أو جعلوه رجزا وقصيدا موزونا.
ومتى أخبرني بعض هؤلاء بخبر لم أستظهر عليه بمسألة الأعراب. ولكنه إن تكلم وتحدّث، فأنكرت في كلامه بعض الإعراب، لم أجعل ذلك قدوة حتى أوقفه عليه، لأنّه ممّن لا يؤمن عليه اللّحن الخفيّ قبل التفكر. فهذا وما أشبهه حكمه خلاف الأوّل.
١٠٩٣-[ضروب من الرّقية]
والرّقية تكون على ضروب: فمنها الذي يدّعيه الحوّاء والرّقّاء؛ وذلك يشبه بالذي يدّعي ناس من العزائم على الشياطين والجن، وذلك أنهم يزعمون أن في تلك الرّقية عزيمة لا يمتنع منها الشيطان، فكيف العامر [١] ؟! وأن العامر إذا سئل بها أجاب، فيكون هو الذي يتولى إخراج الحيات من الصّخر. فإن كان الأمر على ما قالوا فما ينبغي أن يكون بين خروج الأفاعي الصمّ وغيرها فرق، إذا كانت العزائم والرّقى والنّفث ليس شيئا يعمل في نفس الحيّة، وإنّما هو شيء يعمل في الذي يخرج الحيّة.
وإذا كان ذلك كذلك فالسّميع والأصمّ فيه سواء.
وكذلك يقولون في التّحبيب والتّبغيض، وفي النّشرة وحلّ العقدة، وفي التّعقيد والتحليل.
ويزعمون أنّ الجن لا تجيب صاحب العزيمة حتى يتوحّش ويأتي الخرابات والبراريّ، ولا يأنس بالناس، ويتشبّه بالجنّ، ويغسل بالماء القراح [٢] ، ويتبخّر باللّبان الذّكر، ويراعي المشتري فإذا دقّ ولطف، وتوحّش وعزم، أجابته الجنّ، وذلك بعد أن يكون بدنه يصلح هيكلا لها، وحتّى يلذّ دخوله وادي منازلها، وألّا يكره ملابسته والكون فيه. فإن هو ألحّ عليها بالعزائم، ولم يأخذ لذلك أهبته خبلته، وربّما قتلته، لأنها تظنّ أنّه متى توحّش لها، واحتمى، وتنظف فقد فرغ. وهي لا تجيب بذلك فقط، حتى يكون المعزّم مشاكلا لها في الطّباع.
فيزعمون أنّ الحيّات إنما تخرج إخراجا، وأنّ الذي يخرجها هو الذي يخرج سمومها من أجساد النّاس، إذا عزم عليها.
стр. 793
والرّقية الأخرى بما يعرف من التعويذ. قال أبو عبيدة: سمعت أعرابيّا يقول:
قد جاءكم أحدكم يسترقيكم فارقوه. قال: فعوّذوه ببعض العوائذ.
والوجه الآخر مشتقّ من هذا ومحمول عليه، كالرّجل يقول: ما زال فلان يرقي فلانا حتّى لان وأجاب.
١٠٩٤-[قول الشعراء والمتكلمين في رقى الحيات]
وقد قالت الشعراء في الجاهليّة والإسلام في رقى الحيات، وكانوا يؤمنون بذلك ويصدقون به، وسنخبر بأقاويل المتكلمين في ذلك، وبالله التوفيق.
ومنهم من زعم أنّ إخراج الحيّة من جحرها إلى الرّاقي، إنما كان للعزيمة والإقسام عليها، ولأنّها إذا فهمت ذلك أجابت ولم تمتنع.
وكان أميّة بن أبي الصّلت، لا يعرف قولهم في أنّ العمّار هم الذين يجيبون العزائم بإخراج الحيّات من بيوتها، وفي ذلك يقول [١] : [من البسيط]
والحيّة الذّكر الرّقشاء أخرجها ... من جحرها أمنات الله والقسم
إذا دعا باسمها الإنسان أو سمعت ... ذات الإله بدا في مشيها رزم [٢]
من خلفها حمّة لولا الذي سمعت ... قد كان ثبتها في جحرها الحمم [٣]
ناب حديد وكفّ غير وادعة ... والخلق مختلف في القول والشّيم [٤]
إذا دعين بأسماء أجبن لها ... لنافث يعتديه الله والكلم [٥]
لولا مخافة ربّ كان عذّبها ... عرجاء تظلع، في أنيابها عسم [٦]
وقد بلته فذاقت بعض مصدقه ... فليس في سمعها، من رهبة صمم [٧]
فكيف يأمنها أم كيف تألفه ... وليس بينهما قربى، ولا رحم!
стр. 794
يقول: لو أنّها أخرجت حين استحلفت بالله لما خرجت، إذ ليس بينهما قربى ولا رحم. ثمّ ذكر الحمّة والنّاب.
وقال آخرون: إنما الحيّة مثل الضبّ والضّبع، إذا سمع بالله والهدم والصّوت خرج ينظر. والحوّاء [١] إذا دنا من الجحر رفع صوته وصفّق بيديه، وأكثر من ذلك، حتى يخرج الحيّة، كما يخرج الضب والضّبع.
وقال كثيّر [٢] : [من الطويل]
وسوداء مطراق إليّ من الصّفا ... أنيّ إذا الحاوي دنا فصدا لها [٣]
والتّصدية. التّصفيق، قال الله تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
[٤] الآية. فالمكاء: صوت بين النّفخ والصّفير، والتّصدية: تصفيق اليد باليد.
فكان الحوّاء يحتال بذلك للحيّة، ويوهم من حضر أنّه بالرّقية أخرجها، وهو في ذلك يتكلم ويعرّض، إلّا أنّ ذلك صوت رفيع. وهو لو رفع صوته ببيت شعر أو بخرافة، لكان ذلك والذي يظهر من العزيمة عند الحيّة سواء. وإنّما ينكر الصّوت، كما ينكره الضّبّ وغير ذلك من الوحش.
ثم قال [٥] : [من الطويل]
كففت يدا عنها وأرضيت سمعها ... من القول حتّى صدّقت ما وعى لها
وأشعرتها نفثا بليغا، فلو ترى ... وقد جعلت أن ترعني النّفث بالها
تسلّلتها من حيث أدركها الرّقى ... إلى الكفّ لما سالمت، وانسلالها
فقال كما ترى:
كففت يدا عنها وأرضيت سمعها
(البيت) ثم قال:
وأشعرتها نفثا بليغا فلو ترى
стр. 795
وقال الأعشى [١] : [من الطويل]
أبا مسمع إني امرؤ من قبيلة ... بنى لي عزّا موتها وحياتها
فلا تلمس الأفعى يديك تريدها ... إذا ما سعت يوما إليها سفاتها
وقال آخر: [من الرجز]
يدعو به الحيّة في أقطاره ... فإن أبى شمّ سفا وجاره
والسّفا: التراب اليابس بين التربين. يقال سفا وسفاة.
١٠٩٥-[من حيل الحواء والراقي]
والحوّاء والرّاقي يري النّاس أنّه إذا رأى جحرا لم يخف عليه: أجحر حيّة هو أم جحر شيء غيره، فإن كان جحر حيّة لم يخف عليه أهي فيه أم لا، ثمّ إذا رقى وعزّم فامتنعت من الخروج، وخاف أن تكون أفعى صمّاء لا تسمع، وإذا أراغها [٢] ليأخذها فأخطأ، لم يأمن من أن تنقره نقرة؛ لا يفلح بعدها أبدا، فهو عند ذلك يستبري بأن يشمّ من تراب الجحر، فلا يخفى عليه: أهي أفعى أم حيّة من سائر الحيات. فلذلك قال:
يدعو به الحية في أقطاره
(البيت) والوجار: الجحر.
١٠٩٦-[ريح الأفعى]
وزعم لي بعض الحوّائين أنّ للحيّات نتنا وسهكا [٣] ، وأن ريح الأفعى معروفة.
وليس شيء أغلق، ولا أعنق [٤] ، ولا أسرع أخذا لرائحة من طين أو تراب، وأنّه إذا شمّ من طينة الجحر لم يخف عليه. وقال: اعتبر ذلك بهذا الطين السداني والرّاهطي إذا ألقي في الزّعفران والكافور، أو غيره ذلك من الطّيب، فإنّه متى وضع إلى جنب روثة أو عذرة، قبل ذلك الجسم.
стр. 796
والرّقاء يوهم النّاس إذا دخل دورهم لاستخراج الحيّات أنّه يعرف أماكنها برائحتها، فلذلك يأخذ قصبة ويشعب رأسها، ثم يطعن بها في سقف البيت والزّوايا، ثمّ يشمها ويقول مرة: فيها حيّات؛ ويقول مرّة: بلى فيها حيّات، على قدر الطمع في القوم، وفي عقولهم.
١٠٩٧-[تأثير الأصوات في المخلوقات]
وأمر الصّوت عجيب، وتصرّفه في الوجوه عجب. فمن ذلك أنّ منه ما يقتل، كصوت الصاعقة. ومنها ما يسرّ النفوس حتى يفرط عليها السّرور؛ فتقلق حتى ترقص، وحتّى ربما رمى الرّجل بنفسه من حالق [١] . وذلك مثل هذه الأغاني المطربة.
ومن ذلك ما يكمد. ومن ذلك ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه، كنحو هذه الأصوات الشجية، والقراءات الملحّنة. وليس يعتريهم ذلك من قبل المعاني؛ لأنهم في كثير من ذلك لا يفهمون معاني كلامهم. وقد بكى ماسرجويه من قراءة أبي الخوخ، فقيل له: كيف بكيت من كتاب الله ولا تصدّق به؟ قال: إنما أبكاني الشجا! وبالأصوات ينوّمون الصّبيان والأطفال.
والدّوابّ تصرّ [٢] آذانها إذا غنّى المكاري. والإبل تصرّ آذانها إذا حدا في آثارها الحادي، وتزداد نشاطا، وتزيد في مشيها. ويجمع بها الصّيّادون السّمك في حظائرهم التي يتّخذونها له. وذلك أنّهم يضربون بعصيّ معهم، ويعطعطون [٣] ، فتقبل أجناس السّمك شاخصة الأبصار مصغية إلى تلك الأصوات، حتّى تدخل في الحظيرة ويضرب بالطّساس للطّير، وتصاد بها. ويضرب بالطّساس للأسد وقد أقبلت، فتروعها تلك الأصوات.
وقال صاحب المنطق: الأيائل تصاد بالصّفير والغناء. وهي لا تنام مادامت تسمع ذلك من حاذق الصوت. فيشغلونها بذلك ويأتون من خلفها فإن رأوها مسترخية الآذان وثبوا عليها، وإن كانت قائمة الأذنين فليس إليها سبيل.
والصّفير تسقى به الدوابّ الماء، وتنفّر به الطير عن البذور.
стр. 797
وزعم صاحب المنطق أنّ الرّعد الشّديد إذا وافق سباحة السّمك في أعلى الماء رمت ببيضها قبل انتهاء الأجل. وربّما تمّ الأجل فتسمع الرّعد الشّديد، فيتعطّل عليها أيّاما بعد الوقت.
وقال أبو الوجيه العكليّ: أحبّ السّحابة الخرساء ولا أحبها! فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لأنها لا تخرس حتى تمتلئ ماء وتصبّ صبّا كثيرا، ويكون غيثا طبقا [١] .
وفي ذلك الحيا [٢] . إلّا أنّ الكماة لا تكون على قدر الغيث. ذهب إلى أنّ للرّعد في الكمأة عملا.
وقال جعفر بن سعيد: سأل كسرى عن الكمأة فقيل له: لا تكون بالمطر دون الرّعد، ولا بالرّعد دون المطر. قال: فقال كسرى: رشّوا بالماء واضربوا بالطبول! وكان من جعفر على التمليح. وقد علم جعفر أنّ كسرى لا يجهل هذا المقدار.
فالحيّة واحدة من جميع أجناس الحيوان الذي للصّوت في طبعه عمل. فإذا دنا الحوّاء وصفق بيديه، وتكلم رافعا صوته حتى يزيّد، خرج إليه كلّ شيء كان في الجحر، فلا يشكّ من لا علم له أنّ من لا علم له أنّ لحيّة خرجت من جهة الطاعة وخوف المعصية، وأنّ العامر [٣] أخرجها تعظيما للعزيمة، ولأنّ المعتزم مطاع في العمّار. والعامّة أسرع شيء إلى التّصديق.
١٠٩٨-[شعر في الروح وهيكلها]
وفي الرّوح، وفي أنّ البدن هيكل لها، يقول سليمان الأعمى؛ وكان أخا مسلم ابن الوليد الأنصاريّ. وكانوا لا يشكون بأنّ سليمان هذا الأعمى، كان من مستجيبي بشار الأعمى، وأنّه كان يختلف إليه وهو غلام فقبل عنه ذلك الدّين. وهو الذي يقول [٤] : [من المديد]
إنّ في ذا الجسم معتبرا ... لطلوب العلم مقتبسه
هيكل للرّوح ينطقه ... عرقه والصّوت من نفسه
стр. 798
لا تعظ إلّا اللّبيب فما ... يعدل الضّلع على قوسه
ربّ مغروس يعاش به ... فقدته كفّ مغترسه
وكذاك الدّهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
١٠٩٩-[قول في شعر لأمية بن أبي الصلت]
وكانت العرب تقول: كان ذلك إذ كان كلّ شيء ينطق، وكان ذلك والحجارة رطبة.
قال أميّة [١] : [من الوافر]
وإذ هم لا لبوس لهم تقيهم ... وإذ صمّ السّلام لهم رطاب [٢]
بآية قام ينطق كلّ شيء ... وخان أمانة الدّيك الغراب
وأرسلت الحمامة بعد سبع ... تدلّ على المهالك لا تهاب
تلمّس هل ترى في الأرض عينا ... وعاينة بها الماء العباب
فجاءت بعد ما ركضت بقطف ... عليها التّأط والطّين الكباب [٣]
فلما فرّسوا الآيات صاغوا ... لها طوقا كما عقد السّخاب [٤]
إذا ماتت تورّثه بنيها ... وإن تقتل فليس له انسلاب
ضفذكر رطوبة الحجارة، وأنّ كلّ شيء قد كان ينطق. ثمّ خبّر عن منادمة الدّيك الغراب، واشتراط الحمامة على نوح، وغير ذلك ممّا يدلّ على ما قلنا. ثم ذكر الحيّة، وشأن إبليس وشأنها، فقال: [من الوافر]
كذي الأفعى تربّبها لديه ... وذي الجنّيّ أرسلها تساب [٥]
فلا ربّ البريّة يأمننها ... ولا الجنيّ أصبح يستتاب
стр. 799
فإن قلت: إنّ أميّة كان أعرابيّا، وكان بدويّا، وهذا من خرافات أعراب الجاهليّة، وزعمت أنّ أميّة لم يأخذ ذلك عن أهل الكتاب فإني سأنشدك لعديّ بن زيد، وكان نصرانيّا ديانا، وترجمانا، وصاحب كتب، وكان من دهاة أهل ذلك الدّهر.
١١٠٠-[آدم ﵇ والحية]
قال عديّ بن زيد، يذكر شأن آدم ومعصيته، وكيف أغواه، وكيف دخل في الحية، وأنّ الحية كانت في صورة جمل فمسخها الله عقوبة لها، حين طاوعت عدوّه على وليّه. فقال [١] : [من البسيط]
قضى لستّة أيّام خليقته ... وكان آخرها أن صوّر الرّجلا
دعاه آدم صوتا فاستجاب له ... بنفخة الروح في الجسم الذي جبلا
ثمّت أورثه الفردوس يعمرها ... وزوجه صنعة من ضلعه جعلا
لم ينهه ربّه عن غير واحدة ... من شجر طيّب: أن شمّ أو أكلا
فكانت الحيّة الرّقشاء إذ خلقت ... كما ترى ناقة في الخلق أو جملا
فعمدا للتي عن أكلها نهيا ... بأمر حوّاء لم تأخذ له الدّغلا
كلاهما خاط إذ بزّا لبوسهما ... من ورق التّين ثوبا لم يكن غزلا
فلاطها الله إذ أغوت خليفته ... طول اللّيالي ولم يجعل لها أجلا [٢]
تمشي على بطنها في الدّهر ما عمرت ... والتّرب تأكله حزنا وإن سهلا
فأتعبا أبوانا في حياتهما ... وأوجدا الجوع والأوصاب والعللا
وأوتيا الملك والإنجيل نقرؤه ... نشفي بحكمته أحلامنا عللا
من غير ما حاجة إلّا ليجعلنا ... فوق البريّة أربابا كما فعلا
١١٠١-[عقاب حواء وآدم والحية]
فرووا أنّ كعب الأحبار قال: مكتوب في التوارة أنّ حوّاء عند ذلك عوقبت بعشر خصال، وأنّ آدم لمّا أطاع حوّاء وعصى ربّه عوقب بعشر خصال، وأنّ الحيّة التي دخل فيها إبليس عوقبت أيضا بعشر خصال.
стр. 800
وأوّل خصال حوّاء التي عوقبت بها وجع الافتضاض، ثم الطلق، ثمّ النّزع، ثمّ بقناع الرّأس، وما يصيب الوحمى والنفساء من المكروه، والقصر في البيوت، والحيض، وأنّ الرّجال هم القوّامون عليهنّ، أن تكون عند الجماع هي الأسفل.
وأمّا خصال آدم ﷺ : فالذي انتقص من طوله، وبما جعله الله يخاف من الهوامّ والسّباع، ونكد العيش، وبتوقع الموت، وبسكنى الأرض، وبالعري من ثياب الجنّة، وبأوجاع أهل الدنيا، وبمقاساة التحفظ من إبليس، وبالمحاسبة بالطّرف، وبما شاع عليه من اسم العصاة.
وأمّا الحيّة فإنها عوقبت بنقص جناحها، وقطع أرجلها، والمشي على بطنها، وبإعراء جلدها- حتى يقال: «أعرى من حيّة» وبشقّ لسانها- لذلك كلما خافت من القتل أخرجت لسانها لتريهم العقوبة- وبما ألقي عليها من عداوة النّاس، وبمخافة الناس، وبجعله لها أوّل ملعون من اللّحم والدّم، وبالذي ينسب إليها من الكذب والظلم [١] .
فأمّا الظلم فقولهم: «أظلم من حيّة» [٢] وأما الكذب فإنها تنطوي في الرّمل على الطّريق وتدخل بعض جسدها في الرّمل، فتظهر كأنها طبق خيزران. ومنها حيّات بيض قصار تجمع بين أطرافها على طرق الناس، وتستدير كأنها طوق أو خلخال، أو سوار ذهب أو فضة- ولما تلقي على نفسها من السّبات، ولما تظهر من الهرب من الناس. وكلّ ذلك إنما تغرّهم وتصطادهم بتلك الحيلة، فذلك هو كذبها.
١١٠٢-[عقاب الأرض]
قال: وعوقبت الأرض حين شربت دم ابن آدم بعشر خصال: أنبت فيها الشّوك، وصيّر فيها الفيافي، وخرق فيها البحار، وملّح أكثر مائها، وخلق فيها الهوامّ والسّباع، وجعلها قرارا لإبليس والعاصين، وجعل جهنّم فيها، وجعلها لا تربي ثمرتها. إلّا في الحرّ، وهي تعذّب بهم إلى يوم القيامة، وجعلها توطأ بالأخفاف، والحوافر، والأظلاف، والأقدام، وجعلها مالحة الطّعم.
ثم لم تشرب بعد دم ابن آدم دم أحد من ولده، ولا من غير ولده. قال: ولذلك
стр. 801
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لأبي مريم الحنفيّ: «لأنا أشدّ لك بغضا من الأرض للدم» [١] .
وزعم صاحب المنطق أنّ الأرض لا تشرب الدّم، إلّا يسيرا من دماء الإبل خاصّة.
١١٠٣-[اختبار العسل]
وإذا أرادوا أن يمتحنوا جودة العسل من رداءته، قطروا على الأرض منه قطرة.
فإذا استدارت كأنها قطعة زئبق، ولم تأخذ من الأرض ولم تعطها فهو الماذيّ الخالص الذّهبيّ. فإن كان فيه غشوشة نفشت القطرة على قدر ما فيها، وأخذت من الأرض وأعطتها. وإن لم يقدروا على اللّحم الغريض دفنوه وغرّقوه في العسل، فإنهم متى رجعوا فغسلوه عنه وجدوه غضّا طريّا، لأنّه ذهبيّ الطّباع، ليس بينه وبين سائر الأجرام شيء. فهو لا يعطيه شيئا ولا يأخذ منه. وكذلك الذّهب إذا كان مدفونا.
١١٠٤-[زمن الفطحل]
وهذه الأحاديث، وهذه الأشعار، تدلّ على أنّهم قد كانوا يقولون: إنّ الصخور كانت رطبة ليّنة، وإنّ كلّ شيء قد كان يعرف وينطق وإنّ الأشجار والنّخل لم يكن عليها شوك. وقد قال العجّاج، أو رؤبة [٢] : [من الرجز]
أو عمر نوح زمن الفطحل ... والصّخر مبتلّ كطين الوحل
١١٠٥-[مرويات كعب الأحبار]
وأنا أظنّ أنّ كثيرا ممّا يحكى عن كعب أنّه قال: «مكتوب في التوراة» أنّه إنّما قال: «نجد في الكتب» ، وهو إنّما يعني كتب الأنبياء، والذي يتوارثونه من كتب سليمان؛ وما في كتبهم من مثل كتب إشعياء وغيره. والذين يروون عنه في صفة عمر بن الخطاب ﵁، وأشباه ذلك، فإن كانوا صدقوا عليه وكان الشيخ لا يضع الأخبار فما كان وجه كلامه عندنا إلّا على ما قلت لك.
стр. 802
١١٠٦-[نطق الحية]
وفي أنّ الحيّة قد كانت تسمع وتنطق، يقول النّابغة في المثل الذي ضربه، وهو قوله [١] : [من الطويل]
أليس لنا مولى يحبّ سراحنا ... فيعذرنا من مرّة المتناصره
ليهنكم أن قد نفيتم بيوتنا ... محلّ عبيدان المحلّئ باقره [٢]
وإني للاق من ذوي الضّغن نكبة ... بلا عثرة والنفس لا بدّ عاثره
كما لقيت ذات الصّفا من حليفها ... وما انفكّت الأمثال في الناس سائره
فقالت له: أدعوك للعقل وافرا ... ولا تغشينّي منك للظّلم بادره [٣]
فواثقها بالله حتّى تراضيا ... فكانت تديه الجزع خفيا وظاهره
فما توفّى العقل إلّا أقلّه ... وجارت به نفس عن الخير جائره
تفكّر أنّى يجمع الله شمله ... فيصبح ذا مال ويقتل واتره
فظلّ على فأس يحدّ غرابها ... ليقتلها، والنّفس للقتل حاذره [٤]
فلما وقاها الله ضربة فأسه ... ولله عين لا تغمّض ساهره
فقال: تعالي نجعل الله بيننا ... على العقل حتّى تنجزي لي آخره
فقالت: يمين الله، أفعل؛ إنّني ... رأيتك ختّارا يمينك فاجره
أبى لك قبر لا يزال مواجها ... وضربة فأس فوق رأسي فاقره [٥]
فذهب النّابغة في الحيّات مذهب أميّة بن أبي الصّلت، وعديّ بن زيد، وغيرهما من الشعراء.
١١٠٧-[حال الصخور والأشجار في ماضي الزمان]
وأنشدني عبد الرحمن بن كيسان: [من الطويل]
فكان رطيبا يوم ذلك صخرها ... وكان خضيدا طلحها وسيالها [٦]
стр. 803
فزعم كما ترى أنّ الصّخور كانت ليّنة، وأنّ الأشجار: الطلح والسّيال كانت خضيدا لا شوك عليها.
وزعم بعض المفسّرين وأصحاب الأخبار، أنّ الشّوك إنما اعتراها في صبيحة اليوم الذي زعمت النّصارى فيه أنّ المسيح ابن الله.
وكان مقاتل يقول- حدّثنا بذلك عنه أبو عقيل السّواق، وكما أحد رواته والحاملين عنه- إنّ الصّخور كانت ليّنة، وإنّ قدم إبراهيم ﵇ أثرت في تلك الصخرة، كتأثير أقدام الناس في ذلك الزّمان. إلّا أنّ الله تعالى توفّى تلك الآثار، وعفّى عليها، ومسحها ومحاها، وترك أثر مقام إبراهيم ﷺ . والحجّة إنما هي في إفراده بذلك ومحو ما سواه من آثار أقدام الناس. ليس أنّ إبراهيم ﷺ كان وطئ على صخرة خلقاء يابسة فأثّر فيها.
١١٠٨-[فضل المتكلمين والمعتزلة]
وأنا أقول على تثبيت ذلك بالحجة. ونعوذ بالله من الهذر والتكلف وانتحال ما لا أقوم به. أقول: إنّه لولا مكان المتكلمين لهلكت العوامّ من جميع الأمم، ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوامّ من جميع النّحل. فإن لم أقل، ولولا أصحاب إبراهيم وإبراهيم لهلكت العوامّ من المعتزلة، فإني أقول: إنه قد أنهج لهم سبلا، وفتق لهم أمورا، واختصر لهم أبوابا ظهرت فيها المنفعة، وشملتهم بها النعمة.
١١٠٩-[ما يحتاج إليه الناس]
وأنا أزعم أن الناس يحتاجون بديّا إلى طبيعة ثم إلى معرفة، ثم إلى إنصاف.
وأوّل ما ينبغي أن يبتدئ به صاحب الإنصاف أمره ألّا يعطى نفسه فوق حقها، وألّا يضعها دون مكانها، وأن يتحفظ من شيئين؛ فإن نجاته لا تتمّ إلّا بالتحفظ منهما:
أحدهما تهمة الإلف، والآخر تهمة السّابق إلى القلب- والله الموفق.
١١١٠-[معاناة الجاحظ في تأليف هذا الكتاب]
وما أكثر ما يعرض في وقت إكبابي على هذا الكتاب، وإطالتي الكلام، وإطنابي في القول، بيت ابن هرمة، حيث يقول [١] : [من البسيط]
إنّ الحديث تغر القوم خلوته ... حتى يلجّ بهم عيّ وإكثار
стр. 804
وقولهم في المثل: «كل مجر في الخلاء يسرّ» [١] .
وأنا أعوذ بالله أن أغرّ من نفسي، عند غيبة خصمي، وتصفح العلماء لكلامي، فإني أعلم أن فتنة اللسان والقلم، أشدّ من فتنة النساء، والحرص على المال.
وقد صادف هذا الكتاب مني حالات تمنع من بلوغ الإرادة فيه، أوّل ذلك العلة الشديدة، والثانية قلة الأعوان، والثالثة طول الكتاب، والرابعة أني لو تكلفت كتابا في طوله، وعدد ألفاظه ومعانيه، ثمّ كان من كتب العرض والجوهر، والطّفرة، والتولد، والمداخلة، والغرائز، والتماس- لكان أسهل وأقصر أياما، وأسرع فراغا؛ لأني كنت لا أفزع فيه إلى تلقّط الأشعار، وتتبّع الأمثال، واستخراج الآي من القرآن، والحجج من الرّواية، مع تفرّق هذه الأمور في الكتب، وتباعد ما بين الأشكال. فإن وجدت فيه خللا من اضطراب لفظ، ومن سوء تأليف، أو من تقطيع نظام، ومن وقوع الشيء في غير موضعه- فلا تنكر، بعد أن صوّرت عندك حالي التي ابتدأت عليها كتابي.
ولولا ما أرجو من عون الله على إتمامه؛ إذ كنت لم ألتمس به إلّا إفهامك مواقع الحجج لله، وتصاريف تدبيره، والذي أودع أصناف خلقه من أصناف حكمته- لما تعرّضت لهذا المكروه.
فإن نظرت في هذا الكتاب فانظر فيه نظر من يلتمس لصاحبه المخارج، ولا يذهب مذهب التعنّت، ومذهب من إذا رأى خيرا كتمه، وإذا رأى شرّا أذاعه.
وليعلم من فعل ذلك أنّه قد تعرّض لباب إن أخذ بمثله، وتعرّض له في قوله وكتبه، أن ليس ذلك إلّا من سبيل العقوبة، والأخذ منه بالظلامة. فلينظر فيه على مثال ما أدّب الله به، وعرّف كيف يكون النظر والتفكير والاعتبار والتعليم؛ فإنّ الله يقول: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ
[٢] .
١١١١-[الحكمة في الأشياء الصغيرة]
فينبغي أن تكون إذا مررت بذكر الآية والأعجوبة، في الفراشة والجرجسة، ألّا تحقر تلك الآية، وتصغّر تلك الأعجوبة؛ لصغر قدرهما عندك، ولقلّة معرفتهما عند
стр. 805
معرفتك، لصغر أجسامهما عند جسمك. ولكن كن عند الذي يظهر لك من تلك الحكم، ومن ذلك التّدبير، كما قال الله : وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
[١] ثم قال: فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها
[١] ثمّ قال الله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ
[٢] . وقد قال عامر بن عبد قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» [٣] .
١١١٢-[حث على التنبّه عند النظر]
وأنا أعيذ نفسي بالله أن أقول إلّا له، وأعيذك بالله أن تسمع إلّا له. وقد قال الله : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
[٤] فاحذر من أن تكون منهم، وممّن ينظر إلى حكمة الله وهو لا يبصرها، وممّن يبصرها بفتح العين واستماع الآذان؛ ولكن بالتوقف من القلب، والتثبت من العقل، وبتحفيظه وتمكينه من اليقين، والحجّة الظاهرة. ولا يراها من يعرض عنها.
وقد قال الله : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
[٥] وقال: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
[٦] ولو كانوا صمّا بكما وكانوا هم لا يعقلون، لما عيّرهم بذلك، كما لم يعيّر من خلقه معتوها كيف لم يعقل، ومن خلقه أعمى كيف لم يبصر، وكما لم يلم الدوابّ، ولم يعاقب السّباع. ولكنّه سمّى البصير المتعامي أعمى، والسميع المتصامم أصمّ، والعاقل المتجاهل جاهلا.
وقد قال الله : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[٧] فانظر كما أمرك الله، وانظر من الجهة التي دلّك منها، وخذ ذلك بقوة. قال تعالى: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ*
[٨] .
стр. 806
١١١٣-[عود إلى القول في الحيات]
ثمّ رجع بنا القول إلى ما في الحيّات من العلم والعبرة، والفائدة والحكمة؛ ولذلك قال أبو ذرّ الغفاريّ: «لقد تركنا رسول الله، ﷺ ، وما يمرّ بنا طائر إلا وعندنا من شأنه علم» . وهذا القول صحيح عن أبي ذر، ولم يخصّ أبو ذرّ خشاش الطّير من بغاثها وأحرارها، ولا ما يدخل في بابة الهمج. وقد أريناك من تحقيق قوله طرفا. ولعلك إن جمعت نظرك إلى نظرنا، أن تستتمّ هذا الباب، فقد قال الشاعر [١] : [من الطويل]
خليليّ ليس الرأي في رأي واحد ... أشيرا عليّ اليوم ما تريان
وقال الأحنف: «ما من الناس أحد إلّا وقد تعلّمت منه شيئا، حتّى من الأمة الورهاء والعبد الأوره» .
والحيّات مختلفات الجهات جدّا، وهي من الأمم التي يكثر اختلاف أجناسها في الضّرر والسمّ، وفي الصّغر والعظم، وفي التعرّض للنّاس، وفي الهرب منهم. فمنها ما لا يؤذي إلّا أن يكون الناس قد آذوها مرّة. وأمّا الأسود فإنّه يحقد ويطالب، ويكمن في المتاع حتى يدرك بطائلته. وله زمان يقتل فيه كلّ شيء نهشه.
وأمّا الأفعى فليس ذلك عندها، ولكنها تظهر في الصّيف مع أوّل الليل، إذا سكن وهج الرّمل وظاهر الأرض؛ فتأتي قارعة الطّريق حتى تستدير وتطحن كأنّها رحى، ثمّ تلصق بدنها بالأرض وتشخص رأسها؛ لئلّا يدركها السّبات، معترضة؛ لئلّا يطأها إنسان أو دابّة فتنهشه. كأنّها تريد ألّا تنهش إلّا بأن يتعرّض لها، وهي قد تعرّضت لنهشه باعتراضها في الطّريق وتناومها عليه! وهي من الحيّات التي ترصد وتوصف بذلك. قال معقل بن خويلد [٢] : [من الطويل]
أبا معقل لا توطئنكم بغاضتي ... رؤوس الأفاعي في مراصدها العرم
يريد: الأفاعي في مراصدها. وكلّ منقّطة فهي عرماء، من شاة أو غير ذلك.
وقال آخر: [من الرجز]
وكم طوت من حنش وراصد ... للسّفر في أعلى البيات قاصد
стр. 807
والأفعى تقتل في كلّ حال وفي كلّ زمان. والشّجاع يواثب ويقوم على ذنبه، وربّما بلغ رأسه رأس الفارس.
وليس يقتلها- إذا تطوّقت على الطّريق وفي المناهج، أو اعترضتها لتقطعها عابرة إلى الجانب الآخر- شيء كأقاطيع الشّياه إذا مرّت بها، وكذلك الإبل الكثيرة إذا مرّت، فإنّ الحيّة إذا وقعت بين أرجلها كان همتها نفسها، ولم يكن لها همة إلّا التّخلص بنفسها؛ لئلّا تعجلها بالوطء. فإن نجت من وطء أيديها، لم تنج من وطء أرجلها. وإن سلمت من واحدة لم تسلم من التي تليها، إلى آخرها.
وقال عمر بن لجأ، وهو يصف إبله [١] : [من الرجز]
تعرّض الحيّات في غشاشها
وقال ذو الأهدام: [من الرجز]
تعجلها عن نهشها والنّكز
ومن ذلك أنّ العقرب تقع في يد السّنّور، فيلعب بها ساعة من اللّيل وهي في ذلك مسترخية مستخذية لا تضربه. والسّنانير من الخلق الذي لا تسرع السّموم فيه.
١١١٤-[مسالمة الأفعى للقانص والراعي]
وربّما باتت الأفعى عند رأس الرّجل وعلى فراشه فلا تنهشه. وأكثر ما يوجد ذلك من القانص والرّاعي. قال الشاعر [٢] : [من الوافر]
تبيت الحيّة النّضناض منه ... مكان الحبّ مستمع السّرار
قال: الحبّ: الحبيب. والنضناض من الحيّات: الذي يحرّك لسانه. وعن عيسى بن عمر قال: قلت لذي الرّمّة: ما النضناض؟ فأخرج لسانه يحرّكه.
وإنما يصف القانص وأنّه يبيت بالقفر. ومثله قول أبي النجم [٣] : [من الرجز]
تحكي لنا القرناء في عرزالها ... جري الرّحى تجري على ثفالها
стр. 808
العرزال: المكان وفي ذلك يقول أبو وجزة [١] : [من البسيط]
تبيت جارته الأفعى وسامره ... ربد به عاذر منهنّ كالجرب
وقوله: ربد، يريد البعوض. وعاذر: أثر.
١١١٥-[مسالمة الأفعى]
قال: وبات يحيى بن منقاش مع دارم الدارميّ، فلما أصبح يحيى رأى بينهما أفعى مستوية، فوثب يحيى ليقتلها، فقال له دارم. قد أعتقتها وحرّرتها! ولم تقتلها وهي ضجيعتي من أوّل الليل؟ فقال يحيى: [من الطويل]
أعوذ بربّي أن ترى لي صحبتي ... يطيف بنا ليلا محرّر دارم
من الخرس لا ينجو صحيحا سليمها ... وإن كان معقودا بحلي التمائم
١١١٦-[القول في العقرب]
والعقارب في ذلك دون الحيّات، إلّا الجرّارات، فإنها ربّما باتت في لحاف الرّجل اللّيلة بأسرها، وتكون في قميصه عامّة يومها، فلا تلسعه. فهي بالأفعى أشبه.
فأمّا سائر العقارب فإنها تقصد إلى الصّوت، فإذا ضربت إنسانا فرّت كما يصنع المسيء الخائف للعقاب.
والعقرب لا تضرب الميت ولا المغشيّ عليه، ولا النائم إلّا أن يحرك شيئا من جسده، فإنها عند ذلك تضربه.
ويقال إنها تأوي مع الخنافس وتسالمها، ولا تصادق من الحيّات إلا كلّ أسود سالخ.
وحدّث أبو إسحاق المكي قال: كان في دار نصر بن الحجاج السّلمي عقارب إذا لسعت قتلت، فدبّ ضيف لهم على بعض أهل الدّار فضربته عقرب على مذاكيره، فقال نصر يعرّض به [٢] : [من المتقارب]
وداري إذا نام سكّانها ... أقام الحدود بها العقرب
стр. 809
إذا غفل الناس عن دينهم ... فإن عقاربها تضرب
قال: فأدخل النّاس بها حوّاء، وحكوا له شأن تلك العقارب، فقال: إن هذه العقارب تستقي من أسود سالخ. ونظر إلى موضع في الدار فقال: احفروا هاهنا.
فحفروا عن أسودين: ذكر وأنثى، وللذّكر خصيتان ورأوا حول الذّكر عقارب كثيرة فقتلوها.
قال: وقال الفضل بن عبّاس حين راهنه عقرب بالشّعر، وقيل لكلّ واحد منهما:
لست في شيء حتّى تغلب صاحبك، فقال الفضل [١] : [من السريع]
قد تجر العقرب في سوقنا ... لا مرحبا بالعقرب التّاجره
كل عدوّ يتّقى مقبلا ... وعقرب تخشى من الدّابره
كلّ عدوّ كيده في استه ... فغير ذي أيد ولا ضائره
قد ضاقت العقرب واستيقنت ... بأنّ لا دنيا ولا آخره
إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النّعل لها حاضره
واسم أم حارثة بن بدر، عقرب. وآل أبي موسى يكتنون بأبي العقارب. ومن هؤلاء الذين يكتنون بالعقرب: ابن أبي العقرب الليثيّ الخطيب الفصيح، الراوية.
ورووا أنّ عقربا لسعت النبيّ ﷺ فقال: «لعنها الله، فإنّها لا تبالي من ضربت!» وقال الضّبيّ: أنا عقرب، أضرّ ولا أنفع [٢] .
وكان الرّجل تلسعه الجرّارة بعسكر مكرم، أو بجند يسابور، فتقتله؛ وربّما تناثر لحمه، وربّما تعفّن وأنتن، حتى لا يدنو منه أحد إلّا وهو مخمّر أنفه، مخافة إعدائه، ولا سيما إن كان قد نال من اللحم وهو لا يعلم أنّ الوخزة التي وخزها كانت من جرّارة.
وكانوا إذا شعروا بها دعوا حجاما، يحجم ذلك الموضع ويمصّه، قبل أن يتفشى فيه السمّ ويدخل تلك المداخل. فكان الحجّام لا يجيئهم حتى يقبض دنانير كثيرة. وإنما كانوا يجودون له بذلك؛ لما كان لصاحبهم في ذلك من الفرج، وما على الحجام في ذلك من ضرر. وذلك أن وجهه ربّما اسمارّ واربدّ، وربّما عطّلت مقاديم
стр. 810
أسنانه وتوجّعت عليه، فيلقى من ذلك الجهد، وذلك لما كان يتّصل إلى فيه من بخار الدّم، ومن ذلك السمّ المخالط لذلك الدّم. ثمّ إنّهم بعد ذلك حشوا أذناب المحاجم بالقطن، فصار القطن لا يمنع قوّة المصّ والجذب، ولم يدعه يصل إلى فم الحجام.
ثمّ إنّهم بعد مدّة سنيّات [١] أصابوا نبتة في بعض الشّعب [٢] ، فإذا عالجوا الملسوع بها حسنت حاله.
والجرّارات تألف الأخواء [٣] التي تكون بحضرة الأتاتين [٤] ، وتألف الحشوش [٥] والمواضع الناريّة. وسمّها نار.
وقيل لماسرجويه: قد نجد العقرب تلسع رجلين فتقتل أحدهما ويقتلها الآخر، وربّما نجت ولم تمت، كما أنّه ربّما عقرت ولم تفت، ونجدها تضرب رجلين في ساعة واحدة، فيختلفان في سوء الحال. ونجدها تختلف مواضع ضررها على قدر الأغذية، وعلى قدر الأزمان، وعلى قدر مواضع الجسد. ونجد واحدا يتعالج بالمسوس [٦] فيحمده، ونجد آخر يدخل يده في مدخل حارّ من غير أن يكون فيه ماء فيحمده، ونجد آخر يعالجه بالنّخالة الحارّة فيحمدها، ونجد آخر يحجم ذلك الموضع فيحمده، ونجد كلّ واحد من هؤلاء يشكو خلاف ما يوافقه، ثم إنّا نجده يعاود ذلك العلاج عند لسعة أخرى فلا يحمده! قال ماسرجويه: لما اختلفت السّموم في أنفسها بالجنس والقدر، وفي الزّمان، باختلاف ما لاقاه اختلف الذي وافقه على حسب اختلافه.
وكان يقول: إنّ قول القائل في العقرب: شرّ ما تكون حين تخرج من جحرها، ليس يعنون من ليلتها- إذ كان لا بدّ من أن يكون لها نصيب من الشدّة- ولكنّهم إنما يعنون: في أوّل ما تخرج من جحرها عند استقبال الصّيف، بعد طول مكثها في غير عالمنا وغذائنا وأنفاسنا ومعايشنا.