١١١٣-[عود إلى القول في الحيات]
ثمّ رجع بنا القول إلى ما في الحيّات من العلم والعبرة، والفائدة والحكمة؛ ولذلك قال أبو ذرّ الغفاريّ: «لقد تركنا رسول الله، ﷺ ، وما يمرّ بنا طائر إلا وعندنا من شأنه علم» . وهذا القول صحيح عن أبي ذر، ولم يخصّ أبو ذرّ خشاش الطّير من بغاثها وأحرارها، ولا ما يدخل في بابة الهمج. وقد أريناك من تحقيق قوله طرفا. ولعلك إن جمعت نظرك إلى نظرنا، أن تستتمّ هذا الباب، فقد قال الشاعر [١] : [من الطويل]
خليليّ ليس الرأي في رأي واحد ... أشيرا عليّ اليوم ما تريان
وقال الأحنف: «ما من الناس أحد إلّا وقد تعلّمت منه شيئا، حتّى من الأمة الورهاء والعبد الأوره» .
والحيّات مختلفات الجهات جدّا، وهي من الأمم التي يكثر اختلاف أجناسها في الضّرر والسمّ، وفي الصّغر والعظم، وفي التعرّض للنّاس، وفي الهرب منهم. فمنها ما لا يؤذي إلّا أن يكون الناس قد آذوها مرّة. وأمّا الأسود فإنّه يحقد ويطالب، ويكمن في المتاع حتى يدرك بطائلته. وله زمان يقتل فيه كلّ شيء نهشه.
وأمّا الأفعى فليس ذلك عندها، ولكنها تظهر في الصّيف مع أوّل الليل، إذا سكن وهج الرّمل وظاهر الأرض؛ فتأتي قارعة الطّريق حتى تستدير وتطحن كأنّها رحى، ثمّ تلصق بدنها بالأرض وتشخص رأسها؛ لئلّا يدركها السّبات، معترضة؛ لئلّا يطأها إنسان أو دابّة فتنهشه. كأنّها تريد ألّا تنهش إلّا بأن يتعرّض لها، وهي قد تعرّضت لنهشه باعتراضها في الطّريق وتناومها عليه! وهي من الحيّات التي ترصد وتوصف بذلك. قال معقل بن خويلد [٢] : [من الطويل]
أبا معقل لا توطئنكم بغاضتي ... رؤوس الأفاعي في مراصدها العرم
يريد: الأفاعي في مراصدها. وكلّ منقّطة فهي عرماء، من شاة أو غير ذلك.
وقال آخر: [من الرجز]
وكم طوت من حنش وراصد ... للسّفر في أعلى البيات قاصد
стр. 807
والأفعى تقتل في كلّ حال وفي كلّ زمان. والشّجاع يواثب ويقوم على ذنبه، وربّما بلغ رأسه رأس الفارس.
وليس يقتلها- إذا تطوّقت على الطّريق وفي المناهج، أو اعترضتها لتقطعها عابرة إلى الجانب الآخر- شيء كأقاطيع الشّياه إذا مرّت بها، وكذلك الإبل الكثيرة إذا مرّت، فإنّ الحيّة إذا وقعت بين أرجلها كان همتها نفسها، ولم يكن لها همة إلّا التّخلص بنفسها؛ لئلّا تعجلها بالوطء. فإن نجت من وطء أيديها، لم تنج من وطء أرجلها. وإن سلمت من واحدة لم تسلم من التي تليها، إلى آخرها.
وقال عمر بن لجأ، وهو يصف إبله [١] : [من الرجز]
تعرّض الحيّات في غشاشها
وقال ذو الأهدام: [من الرجز]
تعجلها عن نهشها والنّكز
ومن ذلك أنّ العقرب تقع في يد السّنّور، فيلعب بها ساعة من اللّيل وهي في ذلك مسترخية مستخذية لا تضربه. والسّنانير من الخلق الذي لا تسرع السّموم فيه.
١١١٤-[مسالمة الأفعى للقانص والراعي]
وربّما باتت الأفعى عند رأس الرّجل وعلى فراشه فلا تنهشه. وأكثر ما يوجد ذلك من القانص والرّاعي. قال الشاعر [٢] : [من الوافر]
تبيت الحيّة النّضناض منه ... مكان الحبّ مستمع السّرار
قال: الحبّ: الحبيب. والنضناض من الحيّات: الذي يحرّك لسانه. وعن عيسى بن عمر قال: قلت لذي الرّمّة: ما النضناض؟ فأخرج لسانه يحرّكه.
وإنما يصف القانص وأنّه يبيت بالقفر. ومثله قول أبي النجم [٣] : [من الرجز]
تحكي لنا القرناء في عرزالها ... جري الرّحى تجري على ثفالها
стр. 808
العرزال: المكان وفي ذلك يقول أبو وجزة [١] : [من البسيط]
تبيت جارته الأفعى وسامره ... ربد به عاذر منهنّ كالجرب
وقوله: ربد، يريد البعوض. وعاذر: أثر.
١١١٥-[مسالمة الأفعى]
قال: وبات يحيى بن منقاش مع دارم الدارميّ، فلما أصبح يحيى رأى بينهما أفعى مستوية، فوثب يحيى ليقتلها، فقال له دارم. قد أعتقتها وحرّرتها! ولم تقتلها وهي ضجيعتي من أوّل الليل؟ فقال يحيى: [من الطويل]
أعوذ بربّي أن ترى لي صحبتي ... يطيف بنا ليلا محرّر دارم
من الخرس لا ينجو صحيحا سليمها ... وإن كان معقودا بحلي التمائم
١١١٦-[القول في العقرب]
والعقارب في ذلك دون الحيّات، إلّا الجرّارات، فإنها ربّما باتت في لحاف الرّجل اللّيلة بأسرها، وتكون في قميصه عامّة يومها، فلا تلسعه. فهي بالأفعى أشبه.
فأمّا سائر العقارب فإنها تقصد إلى الصّوت، فإذا ضربت إنسانا فرّت كما يصنع المسيء الخائف للعقاب.
والعقرب لا تضرب الميت ولا المغشيّ عليه، ولا النائم إلّا أن يحرك شيئا من جسده، فإنها عند ذلك تضربه.
ويقال إنها تأوي مع الخنافس وتسالمها، ولا تصادق من الحيّات إلا كلّ أسود سالخ.
وحدّث أبو إسحاق المكي قال: كان في دار نصر بن الحجاج السّلمي عقارب إذا لسعت قتلت، فدبّ ضيف لهم على بعض أهل الدّار فضربته عقرب على مذاكيره، فقال نصر يعرّض به [٢] : [من المتقارب]
وداري إذا نام سكّانها ... أقام الحدود بها العقرب
стр. 809
إذا غفل الناس عن دينهم ... فإن عقاربها تضرب
قال: فأدخل النّاس بها حوّاء، وحكوا له شأن تلك العقارب، فقال: إن هذه العقارب تستقي من أسود سالخ. ونظر إلى موضع في الدار فقال: احفروا هاهنا.
فحفروا عن أسودين: ذكر وأنثى، وللذّكر خصيتان ورأوا حول الذّكر عقارب كثيرة فقتلوها.
قال: وقال الفضل بن عبّاس حين راهنه عقرب بالشّعر، وقيل لكلّ واحد منهما:
لست في شيء حتّى تغلب صاحبك، فقال الفضل [١] : [من السريع]
قد تجر العقرب في سوقنا ... لا مرحبا بالعقرب التّاجره
كل عدوّ يتّقى مقبلا ... وعقرب تخشى من الدّابره
كلّ عدوّ كيده في استه ... فغير ذي أيد ولا ضائره
قد ضاقت العقرب واستيقنت ... بأنّ لا دنيا ولا آخره
إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النّعل لها حاضره
واسم أم حارثة بن بدر، عقرب. وآل أبي موسى يكتنون بأبي العقارب. ومن هؤلاء الذين يكتنون بالعقرب: ابن أبي العقرب الليثيّ الخطيب الفصيح، الراوية.
ورووا أنّ عقربا لسعت النبيّ ﷺ فقال: «لعنها الله، فإنّها لا تبالي من ضربت!» وقال الضّبيّ: أنا عقرب، أضرّ ولا أنفع [٢] .
وكان الرّجل تلسعه الجرّارة بعسكر مكرم، أو بجند يسابور، فتقتله؛ وربّما تناثر لحمه، وربّما تعفّن وأنتن، حتى لا يدنو منه أحد إلّا وهو مخمّر أنفه، مخافة إعدائه، ولا سيما إن كان قد نال من اللحم وهو لا يعلم أنّ الوخزة التي وخزها كانت من جرّارة.
وكانوا إذا شعروا بها دعوا حجاما، يحجم ذلك الموضع ويمصّه، قبل أن يتفشى فيه السمّ ويدخل تلك المداخل. فكان الحجّام لا يجيئهم حتى يقبض دنانير كثيرة. وإنما كانوا يجودون له بذلك؛ لما كان لصاحبهم في ذلك من الفرج، وما على الحجام في ذلك من ضرر. وذلك أن وجهه ربّما اسمارّ واربدّ، وربّما عطّلت مقاديم
стр. 810
أسنانه وتوجّعت عليه، فيلقى من ذلك الجهد، وذلك لما كان يتّصل إلى فيه من بخار الدّم، ومن ذلك السمّ المخالط لذلك الدّم. ثمّ إنّهم بعد ذلك حشوا أذناب المحاجم بالقطن، فصار القطن لا يمنع قوّة المصّ والجذب، ولم يدعه يصل إلى فم الحجام.
ثمّ إنّهم بعد مدّة سنيّات [١] أصابوا نبتة في بعض الشّعب [٢] ، فإذا عالجوا الملسوع بها حسنت حاله.
والجرّارات تألف الأخواء [٣] التي تكون بحضرة الأتاتين [٤] ، وتألف الحشوش [٥] والمواضع الناريّة. وسمّها نار.
وقيل لماسرجويه: قد نجد العقرب تلسع رجلين فتقتل أحدهما ويقتلها الآخر، وربّما نجت ولم تمت، كما أنّه ربّما عقرت ولم تفت، ونجدها تضرب رجلين في ساعة واحدة، فيختلفان في سوء الحال. ونجدها تختلف مواضع ضررها على قدر الأغذية، وعلى قدر الأزمان، وعلى قدر مواضع الجسد. ونجد واحدا يتعالج بالمسوس [٦] فيحمده، ونجد آخر يدخل يده في مدخل حارّ من غير أن يكون فيه ماء فيحمده، ونجد آخر يعالجه بالنّخالة الحارّة فيحمدها، ونجد آخر يحجم ذلك الموضع فيحمده، ونجد كلّ واحد من هؤلاء يشكو خلاف ما يوافقه، ثم إنّا نجده يعاود ذلك العلاج عند لسعة أخرى فلا يحمده! قال ماسرجويه: لما اختلفت السّموم في أنفسها بالجنس والقدر، وفي الزّمان، باختلاف ما لاقاه اختلف الذي وافقه على حسب اختلافه.
وكان يقول: إنّ قول القائل في العقرب: شرّ ما تكون حين تخرج من جحرها، ليس يعنون من ليلتها- إذ كان لا بدّ من أن يكون لها نصيب من الشدّة- ولكنّهم إنما يعنون: في أوّل ما تخرج من جحرها عند استقبال الصّيف، بعد طول مكثها في غير عالمنا وغذائنا وأنفاسنا ومعايشنا.
стр. 811
والعامّة تزعم أنها شرّ ما تكون إذا ضربت الإنسان وقد خرج من الحمام؛ لتفتح المسامّ، وسعة المجاري، وسخونة البدن. ولذلك صار سمها في الصيف أشدّ. هذا قول أبي إسحاق. كأنّه كان يرى أنّ الهواء كلما كان أحرّ، وكان البدن أسخن كان شرّا.
ونحن نجدهم يصرخون من لسعتها اللّيل كلّه، وإذا طلعت الشمس سكن ما بهم. فإذا بقيت فضلة من تلك الجارحة في الشمس فما أكثر ما يسكن. وسمومها باللّيل أشدّ، إلّا أن يزعم أنّ أجواف الناس في برد الليل أسخن وفي حرّ النهار أفتر.
١١١٧-[الحية الدّساس]
وزعم لي بعض العلماء ممّن قد روى الكتب، وهو في إرث منها، أنّ الحية التي يقال لها: الدسّاس، تلد ولا تبيض؛ وأنّ أنثى النمور لم تضع نمرا قط إلّا ومعه أفعى.
١١١٨-[استحالة الكمأة إلى أفاع]
والأعراب تزعم أنّ الكمأة تبقى في الأرض فتمطر مطرة صيفيّة، فيستحيل بعضها أفاعي. فسمع هذا الحديث منّي بعض الرّؤساء الطّائيّين، فزعم لي أنّه عاين كمأة ضخمة فتأمّلها، فإذا هي تتحرّك، فنهض إليها فقلعها، فإذا هي أفعى. هذا ما حدّثته عن الأعراب، حتّى برئت إلى الله من عيب الحديث.
١١١٩-[زعم صاحب المنطق في الحيات]
وزعم صاحب المنطق أنّ الوزغة والحيّات تأكل اللّحم والعشب. وزعم أنّ الحيّات أظهر كلبا من جميع الحيوان، مع قلّة شرب الماء. وأنّ الأسد مع نهمه قليل شرب الماء. قال: ولا تضبط الحيّات أنفسها إذا شمّت ريح السّذاب، وربّما اصطيدت به وإذا أصابوها كذلك وجدوها وقد سكرت.
قال: والحيات تبتلع البيض، والفراخ، والعشب.
١١٢٠-[سلخ الحيوان]
وزعم أنّ الحيات تسلخ جلودها في أوّل الرّبيع، عند خروجها من أعشّتها وفي أوّل الخريف.
وزعم أن السّلخ يبتدئ من ناحية عيونها أوّلا. قال: ولذلك يظنّ بعض من يعانيها أنها عمياء.
стр. 812
وهي تسلخ من جلودها في يوم وليلة من الرّأس إلى الذّنب، ويصير داخل الجلد هو الخارج، كما يسلخ الجنين من المشيمة، وكذلك جميع الحيوان المحزّز الجسد، وكلّ طائر لجناحه غلاف مثل الجعل والدّبر وكذلك السّرطان، يسلخ أيضا، فيضعف عند ذلك من المشي.
وتسلخ جلودها مرارا.
والسّلخ يصيب عامّة الحيوان [١] : أمّا الطير فسلخها تحسيرها [٢] ، وأمّا ذوات الحوافر فسلخها عقائقها [٣] ، وسلخ الإبل طرح أوبارها، وسلخ الجراد انسلاخ جلودها، وسلخ الأيائل إلقاء [٤] قرونها، وسلخ الأشجار إسقاط ورقها. [٥]
والأسروع: دويبّة تنسلخ فتصير فراشة. وقال الطّرمّاح شعرا [٦] : [من الكامل]
وتجرّد الأسروع واطّرد السّفا ... وجرت بجاليها الحداب القردد [٧]
وانساب حيّات الكثيب وأقبلت ... ورق الفراش لما يشبّ الموقد [٨]
يصف الزّمان.
والدّعموص ينسلخ، فيصير إمّا بعوضة وإما فراشة.
وزعم ثمامة عن يحيى بن برمك أنّ البرغوث ينسلخ فيصير بعوضة، وأنّه البعوضة التي من سلخ دعموص ربّما انسلخت برغوثا.
والنمل تحدث لها أجنحة ويتغيّر خلقها، وذلك هو سلخها. وهلكها يحين عند طيرانها.
والجراد ينسلخ على غير هذا النوع. قال الرّاجز [٩] : [من الرجز]
ملعونة تسلخ لونا لونين
стр. 813
١١٢١-[اختلاف ضرر الأفاعي ونحوها باختلاف البلدان]
قال: وعضّ السّباع ذوات الأربع، ولدغ الهوامّ، يختلف بقدر اختلاف البلدان؛ كالذي يبلغنا عن أفاعي الرّمل، وعن جرّارات قرى الأهواز، وعقارب نصيبين [١] ، وثعابين مصر، وهنديّات [٢] الخرابات.
وفي الشّبثان [٣] ، والزّنابير، والرّتيلات [٤] ما يقتل. فأمّا الطّبّوع [٥] فإنّه شديد الأذى. وللضّمج [٦] أذى لا يبلغ ذلك.
١١٢٢-[أقوال لصاحب المنطق]
وقال صاحب المنطق: ويكون بالبلدة التي تسمّى باليونانية: «طبقون» حيّة صغيرة شديدة اللّدغ، إلا أن تعالج بحجر، يخرج من بعض قبور قدماء الملوك.
ولم أفهم هذا، ولم كان ذلك.
وإذا أكل بعض ذوات السموم من جسد بعضها، كانت أردأ ما تكون سما، مثل العقارب والأفاعي.
قال: والأيّل إذا ألقى قرونه علم أنّه قد ألقى سلاحه فهو لا يظهر. وكذلك إن سمن علم أنّه يطلب، فلا يظهر. وكذلك أوّل ما ينبت قرنه يعرّضه للشمس؛ ليصلب ويجفّ. وإن لدغت الأيّل حيّة أكل السّراطين؛ فلذلك نظنّ أنّ السّراطين صالحة للّديغ من الناس.
قال: وإذا وضعت أنثى الأيّل ولدا أكلت مشيمتها. فيظنّ أنّ المشيمة شيء يتداوى به من علّة النفاس.
قال: والدّبّة إذا هربت دفعت جراءها بين يديها، وإن خافت على أولادها غيّبتها، وإذا لحقت صعدت في الشجر وحملت معها جراءها.
قال: والفهد إذا عراه الدّاء الذي يقال له: «خانق الفهود» أكل العذرة فبرئ منه.
стр. 814
قال: والسّباع تشتهي رائحة الفهود، والفهد يتغيّب عنها، وربّما فرّ بعضها منه فيطمع في نفسه، فإذا أراده السّبع وثب عليه الفهد فأكله.
قال: والتمساح يفتح فاه إذا غمّه ما قد تعلق بأسنانه، حتى يأتي طائر فيأكل ذلك، فيكون طعاما له وراحة للتّمساح.
قال: وأمّا السّلحفاة فإنّها إذا أكلت الأفعى أكلت صعترا جبليّا، وقد فعلت ذلك مرارا، فربما عادت فأكلت منها ثمّ أكلت من الصّعتر مرارا كثيرة، فإذا أكثرت من ذلك هلكت.
قال: وأمّا ابن عرس، فإنّه إذا قاتل الحيّة بدأ بأكل السّذاب، لأنّ رائحة السّذاب مخالفة للحيّة، كما أن سامّ أبرص لا يدخل بيتا فيه زعفران.
قال: والكلاب إذا كان في أجوافها دود أكلت سنبل القمح.
قال: ونظنّ أنّ ابن عرس يحتال للطير بحيلة الذئب للغنم؛ فإنه يذبحها كما يفعل الذئب بالشاة.
قال: وتتقاتل الحيّات المشتركة في الطّعم.
وزعم أنّ القنافذ لا يخفى عليها شيء من جهة الرّيح وتحوّلها وهبوبها، وأنّه كان بقسطنطينيّة رجل يقدّم ويعظّم؛ لأنه كان يعرف هبوب الرّيح ويخبرهم بذلك وإنما كان يعرف الحال فيها بما يرى من هيئة القنافذ.
١١٢٣-[القول في العيون]
والعيون الحمر للعرض المفارق، كعين الغضبان، وعين السّكران، وعين الكلب، وعين الرّمد.
والعيون الذهبيّة، عيون أصناف البزاة من بين العقاب إلى الزّرّق.
والعيون التي تسرج بالليل، عيون الأسد، وعيون النمور، وعيون السّنانير، وعيون الأفاعي.
قال أبو حيّة [١] : [من الطويل]
غضاب يثيرون الذّحول، عيونهم ... كجمر الغضا ذكّيته فتوقّدا
стр. 815
وقال آخر [١] : [من الكامل]
ومدجّج يسعى بشكّته ... محمرّة عيناه كالكلب
رجع بالكلب إلى صفة المدجّج.
وقال معاوية لصحار العبديّ: يا أحمر! قال: والذهب أحمر! قال يا أزرق! قال:
والبازي أرزق! وأنشدوا [٢] : [من الطويل]
ولا عيب فيها غير شكلة عينها ... كذاك عتاق الطير شكل عيونها
وقال آخر: [من الطويل]
وشكلة عين لو حبيت ببعضها ... لكنت مكان العين مرأى ومسمعا
ومن العيون المغرب [٣] ، والأزرق، والأشكل، والأسجر [٤] ، والأشهل [٥] ، والأخيف [٦] . وذلك إذا اختلفا.
وعين الفأرة كحلاء، وهي أبصر بالليل من الفرس والعقاب.
وفي حمرة العينين وضيائهما يقول محمّد بن ذؤيب العمانيّ، في صفة الأسد:
[من الرجز]
أجرأ من ذي لبدة همّاس ... غضنفر مضبّر رهّاس [٧]
منّاع أخياس إلى أخياس ... كأنّما عيناه في مراس [٨]
شعاع مقباس إلى مقباس
وقال المرّار: [من المنسرح]
كأنّما وقد عينيه النّمر
стр. 816
أصوات خشاش الأرض
نحو الضبّ، والورل، والحيّة، والقنفذ، وما أشبه ذلك.
يقال للضبّ والحيّة والورل: فحّ يفحّ فحيحا. وقال رؤبة [١] : [من الرجز]
فحّي فلا أفرق أن تفحّي ... وأن ترحّي كرحى المرحّي [٢]
أصبح من نحنحة وأحّ ... يحكي سعال النّشر الأبحّ [٣]
قال: الفحيح: صوت الحيّة من فيها. والكشيش والنشيش: صوت جلدها إذا حكّت بعضه ببعض. قال الرّاجز في صفة الشّخب والحب [٤] : [من الرجز]
حلبت للأبرش وهو مغض ... حمراء منها شخبة بالمخض
ليست بذات وبر مبيضّ ... كأنّ صوت شخبها المرفضّ
كشيش أفعى أجمعت لعصّ
ويقال للضّبّ والورل: كش يكش كشيشا. وأنشد أبو الجرّاح [٥] : [من الطويل]
ترى الضّبّ إن لم يرهب الضبّ غيره ... يكشّ له مستنكرا ويطاوله [٦]
стр. 817
باب من ضرب المثل للرّجل الداهية وللحيّ الممتنع بالحيّة
قال ذو الإصبع العدوانيّ [١] : [من الهزج]
عذير الحيّ من عدوا ... ن كانوا حيّة الأرض
بغى بعضهم ظلما ... فلم يرع على بعض
وفيهم كانت السّادا ... ت والموفون بالقرض
١١٢٤-[أمثال أشعار في الحية]
يقال: «فلان حيّة الوادي» [٢] ، و: «ما هو إلّا صلّ أصلال» [٣] . والصّلّ: الداهية والحيّة. قال النّابغة [٤] : [من البسيط]
ماذا رزئنا به من حيّة ذكر ... نضناضة بالرّزايا، صلّ أصلال
وقال آخر: [من المنسرح]
صلّ صفا تنطف أنيابه ... سمام ذيفان مجيرات
وقال آخر [٥] : [من المديد]
مطرق يرشح سمّا، كما ... أطرق أفعى ينفث السمّ صلّ
ومن أمثالهم: «صمّي صمام» [٦] ، و: «صمّي ابنة الجبل» ، [٦] وهي الحيّة.
стр. 818
قال الكميت [١] : [من الوافر]
إذا لقي السّفير لها ونادى ... بها: صمّي ابنة الجبل، السّفير
ومن أمثالهم: «جاء بأمّ الرّبيق على أريق» [٢] ، أمّ الرّبيق: إحدى الحيات. وأريق:
أمّ الطّبق. ضربوا به مثلا في الدواهي. وأصلها من الحيّات قال [٣] : [من البسيط]
إذا وجدت بواد حيّة ذكرا ... فاذهب ودعني أمارس حية الوادي
وفي المثل: «أدرك القويّمة لا تأكلها الهويّمة» [٤] يعني الصبي الذي يدرج ويتناول كلّ شيء سنح له، ويهوي به إلى فيه. كأنه قال لأمّه: أدركيه لا تأكله الهامّة! وهي الحيّة. وهو قوله في التعويذ: «ومن كلّ شيطان وهامّة، ونفس وعين لامّة» .
وقال الأخطل، في جعلهم الرّجل الشّجاع وذا الرّأي الدّاهية حية- وكذلك يجعلون إذا أرادوا تعظيم شأنها. وإذا أرادوا ذلك فما أكثر ما يجعلون الحيّة ذكرا. قال الأخطل [٥] : [من الطويل]
أنبئت كلبا تمنّى أن يسافهنا ... وطالما سافهونا ثمّ ما ظفروا
كلفتمونا رجالا قاطعي قرن ... مستلحقين كما يستلحق اليسر [٦]
ليست عليهم إذا عدّت خصالهم ... خصل وليس لهم إيجاب ما قمروا
قد أنذروا حيّة في رأس هضبته ... وقد أتتهم به الأنباء والنذر
باتوا رقودا على الأمهاد ليلهم ... وليلهم ساهر فيها، وما شعروا
ثمّت قالوا أمات الماء حيّته ... وما يكاد ينام الحية الذّكر
١١٢٥-[حيّة الماء]
وما أكثر ما يذكرون حيّة الماء؛ لأنّ حيّات الماء فيها تفاوت. إمّا أن تكون لا تضرّ كبير ضرر، وإمّا أن تكون أقتل من الحيّات والأفاعي.
стр. 819
١١٢٦-[سبب وجود الحيات في بعض البيوت]
ويقال إنّ الهنديّات إنّما تصير في البيوت والدّور، والإصطبلات، والخرابات؛ لأنّها تحمل في القضب وفي أشباه ذلك.
والحيّات تأكل الجراد أكلا شديدا، فربّما فتح رأس كرزه وجرابه وجوالقه، الذي يأتي الجراد، وقد ضربه برد السّحر، وقد تراكم بعضه على بعض؛ لأنّها موصوفة بالصّرد.
والحيّات توصف بالصّرد، كذلك الحمير، والماعز من الغنم. ولذلك قال الشاعر [١] : [من الطويل]
بليت كما يبلى الوكاء ولا أرى ... جنابا ولا أكناف ذروة تخلق [٢]
ألوّي حيازيمي بهنّ صبابة ... كما تتلوّى الحيّة المتشرّق
وإنما تشرّق إذا أدركها برد السّحر ولم تصر بعد إلى صلاحها، وإذا خرجت بالليل تكتسب الطعم كما يفعل ذلك سائر السّباع. فربما اجترف صاحب الكرز الجراد، فأدخله كرزه، وفيه الأفعى وأسود سالخ، حتى ينقل ذلك إلى الدّور، فرّبما لقى النّاس منها جهدا.
وقال بشر بن المعتمر، في شعره المزاوج [٣] : [من الرجز]
يا عجبا والدّهر ذو عجائب ... من شاهد وقلبه كالغائب
وحاطب يحطب في بجاده ... في ظلمة الليل وفي سواده [٤]
يحطب في بجاده الأيم الذكر ... والأسود السّالخ مكروه النّظر
١١٢٧-[شعر في حية الماء]
فممن ذكر حيّة الماء، عبد الله بن همّام السلوليّ فقال: [من البسيط]
كحيّة الماء لا تنحاش من أحد ... صلب المراس إذا ما حلّت النّطق
стр. 820
وقال الشّمّاخ بن ضرار [١] : [من البسيط]
خوص العيون تبارى في أزمّتها ... إذا تفصّدن من حرّ الصّياخيد [٢]
وكلّهن تباري ثني مطّرد ... كحية الماء ولّى غير مطرود [٣]
وقال الأخطل [٤] : [من الطويل]
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حيّة البحر
وقال أيضا [٥] : [من الطويل]
هلمّ ابن صفّار فإنّ قتالنا ... جهارا وما منّا ملاوذة العذر
فإنّك في قيس لتال مذبذب ... وغيرك منهم ذو الثّناء وذو الفخر
ونحن منعنا ماء دجلة منكم ... ونمنع ما بين العراق إلى البشر
ألا يا ابن صفّار فلا ترم العلى ... ولا تذكرن حيّات قومك في الشّعر
فما تركت حيّاتنا لك حيّة ... تحرّك في أرض براح ولا بحر
وقال نفيع يعيّره بالكحيل [٦] : [من الطويل]
فإن تك قتلاكم بدجلة غرّقت ... فما أشبهت قتلى حنين ولا بدر
ثووا إذ لقونا بالكحيل كما ثوى ... شمام إلى يوم القيامة والحشر [٧]
بدجلة حالت حربنا دون قومنا ... وأوطاننا ما بين دجلة فالحضر
ولو كنتم حيّات بحر لكنتم ... غداة الكحيل إذ تقومون في الغمر
١١٢٨-[ما يشبّه بالأيم]
فالأيم الحيّة الذكر يشبهون به الزّمام، وربّما شبّهوا الجارية المجدولة الخميصة
стр. 821
الخواصر، في مشيها، بالأيم؛ لأنّ الحيّة الذّكر ليس له غبب، وموضع بطنه مجدول غير متراخ. وقال ابن ميّادة [١] : [من الطويل]
قعدت على السّعلاة تنفض مسحها ... وتجذب مثل الأيم في بلد قفر [٢]
تيمّم خير النّاس من آل حاضر ... وتحمل حاجات تضمّنها صدري [٣]
١١٢٩-[شعر في حمرة العين]
وقال الآخر في حمرة عين الأفعى [٤] : [من البسيط]
لولا الهراوة والكفّات أوردني ... حوض المنيّة قتّال لمن علقا [٥]
أصمّ منهرت الشّدقين ملتبد ... لم يغذ إلّا المنايا من لدن خلقا [٦]
كأنّ عينيه مسماران من ذهب ... جلاهما مدوس التّألاق فائتلقا [٧]
وقال في حمرة عيون النّاس في الحرب وفي الغضب، ابن ميّادة [٨] : [من الطويل]
وعند الفزاري العراقي عارض ... كأنّ عيون القوم في نبضة الجمر
وفي حمرة العين من جهة الخلقة، يقول أبو قردودة، في ابن عمار حين قتله النّعمان [٩] : [من البسيط]
إنّي نهيت ابن عمّار وقلت له: ... لا تأمنن أحمر العينين والشعره
إنّ الملوك متى تنزل بساحتهم ... تطر بنارك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدمت ... ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره
стр. 822
١١٣٠-[أسماء الحية]
وأكثر ما يذكرون من الحيات بأسمائها دون صفاتها: الأفعى، والأسود، والشجاع، والأرقم. قال عمر بن لجأ [١] : [من الرجز]
يلزق بالصّخر لزوق الأرقم
وقال آخر [٢] : [من الطويل]
ورفّع أولى القوم وقع خرادل ... ووقع نبال مثل وقع الأساود
١١٣١-[أولاد الأفاعي]
وفي بعض كتب الأنبياء، أنّ الله ﵎ قال لبني إسرائيل: «يا أولاد الأفاعي» .
١١٣٢-[مثل وشعر في الحية]
ويقال: «رماه الله بأفعى حارية» [٣] وهي التي تحري، وكلما كبرت في السن صغرت في الجسم. وأنشد الأصمعيّ في شدّة اسوداد أسود سالخ: [من الرجز]
مهرّت الأشداق عود قد كمل ... كأنما قيّظ من ليط جعل
وقال جرير في صفة عروق بطن الشّبعان [٤] : [من الطويل]
وأعور من نبهان أمّا نهاره ... فأعمى، وأمّا ليله فبصير
رفعت له مشبوبة يلتوي بها ... يكاد سناها في السماء يطير
فلما استوى جنباه لاعب ظلّه ... عريض أفاعي الحالبين ضرير
قال: ويقال: «أبصر من حيّة» [٥] ، كما يقال: «أسمع من فرس» [٦] ، و «أسمع من عقاب» [٧] . وقال الراجز: [من الرجز]
أسمع من فرخ العقاب الأشجع
стр. 823
وقال آخر [١] : [من الطويل]
أسود شرى لاقت أسود خفيّة ... تساقوا على حرد دماء الأساود [٢]
ضرب المثل بجنسين من الأسود، إذ كانا عنده الغاية في الشدّة والهول، فلم يقنع بذلك حتى ردّ ذلك كلّه إلى سموم الحيّات.
١١٣٣-[ما يشبّه بالأسود]
وفي هول منظر الأسود يقول الشاعر [٣] : [من الكامل]
من دون سيبك لون ليل مظلم ... وحفيف نافجة وكلب موسد
والضّيف عندك مثل أسود سالخ ... لا بل أحبّهما إليك الأسود
ويصفون ذوائب الناس، فإذا بلغوا الغاية شبهوها بالأساود. قال جران العود [٤] :
[من الطويل]
ألا لا تغرّنّ امرأ نوفليّة ... على الرّأس منها، والترائب وضّح [٥]
ولا فاحم يسقى الدّهان كأنّه ... أساود يزهاها لعينك أبطح [٦]
قال: والخرشاء: القشرة الغليظة بعد أن تنقب فيخرج ما فيها، وجماعه الخراشيّ، غير مهموز. قال: وخرشاء الحيّة: سلخها حين تسلخ. وقال: هذا أسود سالخ، وهذان أسودان سالخان، وأساود سالخة. وقال مرقّش [٧] : [من السريع]
إن يغضبوا يغضب لذاكم كما ... ينسلّ عن خرشائه الأرقم
стр. 824
١١٣٤-[علة تعليق الحلي والخلاخيل على السليم]
وكانوا يرون أنّ تعليق الحلي، وخشخشة الخلاخيل على السّليم، ممّا لا يفيق ولا يبرأ إلّا به. وقال زيد الخيل [١] : [من الطويل]
أيم يكون النعل منه ضجيعة ... كما علّقت فوق السليم الخلاخل
وخبّرني خالد بن عقبة، من بني سلمة بن الأكوع، وهو من بني المسبع، أنّ رجلا من حزن، من بني عذرة، يسمّى أسباط، قال في تعليقهم الحلي على السّليم [٢] : [من الطويل]
أرقت فلم تطعم لي العين مهجعا ... وبتّ كما بات السليم مقرّعا
كأني سليم ناله كلم حيّة ... ترى حوله حلي النّساء مرصّعا
وقال الذّبيانيّ [٣] : [من الطويل]
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع [٤]
يسهّد من ليل التّمام سليمها ... لحلي النّساء في يديه قعاقع [٥]
١١٣٥-[استطراد فيه لغة وشعر]
قال: ويقال لسان طلق ذلق [٦] . يقال للسليم إذا لدغ: قد طلّق، وذلك حين ترجع إليه نفسه. وهو قول النابغة [٧] : [من الطويل]
تناذرها الرّاقون من سوء سمّها ... تطلّقه طورا وطورا تراجع
стр. 825
وقال العبدي [١]- إن كان قاله-: [من الطويل]
تبيت الهموم الطّارقات يعدنني ... كما تعتري الأهوال رأس المطلّق
وأنشد [٢] : [من الوافر]
تلاقي من تذكّر آل ليلى ... كما يلقى السّليم من العداد
والعداد: الوقت. يقال: إنّ تلك اللّسعة لتعادّه: إذا عاده الوجع في الوقت الذي لسع فيه.
١١٣٦-[الحمل المصليّ]
وذكر النبيّ ﷺ السّمّ الذي كان في الحمل المصليّ، الذي كانت اليهوديّة قدّمته إليه فنال منه، فقال: «إنّ تلك الأكلة لتعادّني» [٣] .
١١٣٧-[نفع الحية]
وفي الحيّة قشرها، وهو أحسن من كلّ ورقة وثوب، وجناح، وطائر؛ وأعجب من ستر العنكبوت، وغرقئ البيض.
ويقال في مثل، إذا مدحوا الخفّ اللّطيف، والقدم اللّطيفة قالوا: كأنّه لسان حيّة.
وبالحيّة يتداوى من سمّ الحيّة. وللدغ الأفاعي يؤخذ التّرياق الذي لا يوجد إلّا بمتون الأفاعي. قال كثيّر [٤] : [من الوافر]
وما زالت رقاك تسلّ ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي
وترقيني لك الحاوون حتّى ... أجابك حيّة تحت الحجاب
стр. 826
١١٣٨-[قصة امرأة لدغتها حية]
جويبر بن إسماعيل، عن عمّه، قال: حججت فإنّا لفي وقعة مع قوم نزلوا منزلنا، ومعنا امرأة، فنامت فانتبهت وحيّة منطوية عليها، قد جمعت رأسها مع ذنبها بين ثدييها، فهالها ذلك وأزعجنا، فلم تزل منطوية عليها لا تضرّها بشيء، حتّى دخلنا أنصاب الحرم [١] ، فانسابت فدخلت مكّة، فقضينا نسكنا وانصرفنا، حتّى إذ كنّا بالمكان الذي انطوت عليها فيه الحيّة، وهو المنزل الذي نزلناه، نزلت فنامت واستيقظت، فإذا الحيّة منطوية عليها، ثمّ صفرت الحيّة فإذا الوادي يسيل حيّات عليها، فنهشتها حتّى نقت عظامها، فقلت لجارية كانت لها: ويحك: أخبرينا عن هذه المرأة. قالت: بغت ثلاث مرّات، كلّ مرّة تأتي بولد، فإذا وضعته سجرت التّنّور، ثمّ ألقته فيه.
١١٣٩-[قول امرأة في عليّ والزّبير وطلحة]
قال ونظرت امرأة إلى عليّ، والزّبير، وطلحة، رضي الله تعالى عنهم، وقد اختلفت أعناق دوابّهم حين التقوا، فقالت: من هذا الذي كأنه أرقم يتلمّظ؟ قيل لها: الزّبير. قالت: فمن هذا الذي كأنّه كسر ثمّ جبر؟ قيل لها: عليّ. قالت: فمن هذا الذي كأنّ وجهه دينار هرقليّ؟ قيل لها: طلحة.
١١٤٠-[استطراد لغوي]
وقال أبو زيد: نهشت أنهش نهشا. والنّهش: هو تناولك الشّيء بفيك، فتمضغه فتؤثّر فيه ولا تجرحه. وكذلك نهش الحيّة. وأمّا نهش السّبع فتناوله من الدّابّة بفيه، ثمّ يقطع ما أخذ منه فوه. ويقال نهشت اللحم أنهشه نهشا، وهو انتزاع اللّحم بالثّنايا؛ للأكل. ويقال نشطت العقد نشطا: إذا عقدته بأنشوطة. ونشطت الإبل تنشط نشطا: إذا ذهبت على هدى أو غير هدى، نزعا أو غير نزع. ونشطته الحيّة فهي تنشطه نشطا، وهو أن تعضّه عضّا. ونكزته الحيّة تنكزه نكزا، وهو طعنها الإنسان بأنفها. فالنّكز من كلّ دابّة سوى الحيّة العضّ. ويقال: نشطته شعوب نشطا وهي المنيّة.
قال: وتقول العرب. نشطته الشّعوب، فتدخل عليها التعريف.
стр. 827
ويسمون النهيش سليما على الطيرة. قال ابن ميّادة: [١] [من الطويل]
كأنّي بها لما عرفت رسومها ... قتيل لدى أيدي الرّقاة سليم
وممّا يضربون به المثل بالحيّات في دواهي الأمر، كقول الأقيبل القينيّ [٢] :
[من البسيط]
لقد علمت وخير القول أنفعه ... أنّ انطلاقي إلى الحجّاج تغرير
لئن ذهبت إلى الحجّاج يقتلني ... إنّي لأحمق من تحدى به العير
مستحقبا صحفا تدمى طوابعها ... وفي الصّحائف حيّات مناكير
وقال الأصمعيّ: يقال للحيّة الذّكر أيّم وأيم، مثقّل ومخفف، نحو ليّن ولين، وهيّن وهين. قال الشاعر [٣] : [من البسيط]
هينون لينون أيسار ذوو يسر ... سوّاس مكرمة أبناء أيسار
وأنشد في تخفيف الأيم وتشديده [٤] : [من الكامل]
ولقد وردت الماء لم تشرب به ... زمن الرّبيع إلى شهور الصّيّف
إلّا عواسر كالمراط معيدة ... باللّيل مورد أيّم متغضّف
الصّيّف، يعني مطر الصّيف. والعواسر: يعني ذئابا رافعة أذنابها.
والمراط: السهام التي قد تمرّط ريشها. ومعيدة: يعني معاودة للورد. يقول هو مكان لخلائه يكون فيه الحيّات، وترده الذّئاب. ومتغضّف يريد بعضه على بعض، يريد تثني الحيّة.
وأنشد لابن هند: [من البسيط]
أودى بأمّ سليمى لاطئ لبد ... كحيّة منطو من بين أحجار
стр. 828
وقال محمد بن سعيد: [من البسيط]
قريحة لم تدنّيها السّياط ولم ... تورد عراكا ولم تعصر على كدر
كمنطوى الحيّة النّضناض مكمنها ... في الصّدر ما لم يهيّجها على زور
الليث للّيث منسوب أظافره ... والحيّة الصّلّ نجل الحيّة الذّكر
وقال ذو الرّمّة [١] : [من الطويل]
وأحوى كأيم الضّال أطرق بعدما ... حبا تحت فينان من الظّلّ وارف
قال: ويقال انبسّت الحيّات: إذا تفرّقت وكثرت. وذلك عند إقبال الصّيف. قال أبو النّجم [٢] : [من الرجز]
وانبس حيّات الكثيب الأهيل
وقال الطّرمّاح [٣] : [من الكامل]
وتجرّد الأسروع واطّرد السّفا ... وجرت بجاليها الحداب القردد
وانساب حيّات الكثيب وأقبلت ... ورق الفراش لما يشبّ الموقد
قال: ويقال جبأ عليه الأسود من حجره: إذا فاجأه. وهو يجبأ جبأ وجبوا.
وقال رجل من بني شيبان [٤] : [من الطويل]
وما أنا من ريب المنون بجبّإ ... وما أنا من سيب الإله بيائس [٥]
١١٤١-[شرع الحيّة في اللبن]
قال: ويقال: اللّبن محتضر فغطّ إناءك. كأنّهم يرون أنّ الجنّ تشرع فيه، على
стр. 829
تصديق الحديث في قول المفقود لعمر، حين سأله وقد استهوته الجانّ: ما كان طعامهم؟ قال الرّمّة. يريد العظم البالي. قال: فما شرابهم؟ قال: الجدف. قال: وهو كلّ شراب لا يخمّر.
وتقول الأعراب: ليس ذلك إلّا في اللّبن. وأمّا النّاس فيذهبون إلى أنّ الحيّات تشرع في اللّبن، وكذلك سامّ أبرص، كذلك الحيّات تشرع في كثير من المرق.
١١٤٢-[حديث في المعصفر]
وجاء في الحديث: «لا تبيتوا في المعصفر؛ فإنها محتضرة» أي يحضرها الجنّ والعمّار.
١١٤٣-[شعر فيه مجون]
وقال الشاعر فيما يمجنون به، من ذكر الأفعى [١] : [من الوافر]
رماك الله من أير بأفعى ... ولا عافاك من جهد البلاء
أجبنا في الكريهة حين تلقى ... ونعظا ما تفتّر في الخلاء!!
فلولا الله ما أمسى رفيقي ... ولولا البول عوجل بالخصاء
وقال أبو النّجم [٢] : [من الكامل]
نظرت فأعجبها الذي في درعها ... من حسنها ونظرت في سرباليا
فرأت لها كفلا ينوء بخصرها ... وعثا روادفه وأخثم ناتيا [٣]
ورأيت منتشر العجان مقبّضا ... رخوا حمائله وجلدا باليا
أدني له الرّكب الحليق كأنّما ... أدني إليه عقاربا وأفاعيا [٤]
وقال آخر [٥] : [من الطويل]
مريضة أثناء التّهادي كأنّما ... تخاف على أحشائها أن تقطّعا
تسيب انسياب الأيم أخصره النّدى ... يرفّع من أطرافه ما ترفّعا
стр. 830
١١٤٤-[شعر في العقربان]
وقال إياس بن الأرتّ [١] : [من السريع]
كأنّ مرعى أمّكم سوءة ... عقربة يكومها عقربان
إكليلها زول وفي شولها ... وخز حديد مثل وخز السنان
كلّ امرئ قد يتّقى مقبلا ... وأمّكم قد تتّقى بالعجان
وقال آخر [٢] لمضيفه: [من الوافر]
تبيت تدهده القذّان حولي ... كأنّك عند رأسي عقربان [٣]
فلو أطعمتني حملا سمينا ... شكرتك؛ والطّعام له مكان
١١٤٥-[شعر في الأفاعي]
وقال النّابغة [٤] : [من المتقارب]
فلو يستطيعون دبّت لنا ... مذاكي الأفاعي وأطفالها [٥]
وقال رجل من قريش: [من البسيط]
ما زال أمر ولاة السّوء منتشرا ... حتّى أظلّ عليهم حيّة ذكر
ذو مرّة تفرق الحيّات صولته ... عفّ الشّمائل قد شدّت له المرر
لم يأتهم خبر عنه يلين له ... حتّى أتاهم به عن نفسه الخبر
وقال بشار [٦] : [من الطويل]
تزلّ القوافي عن لساني كأنّها ... حمات الأفاعي ريقهنّ قضاء
وقال: [من الطويل]
فكم من أخ قد كان يأمل نفعكم ... شجاع له ناب حديد ومخلب
أخ لو شكرتم فعله لو عضضتم ... رؤوس الأفاعي عضّ لا يتهيّب
стр. 831
وقال الحارث دعيّ الوليد، في ذكر الأسود بالسمّ من بين الحيّات: [من الطويل]
فإن أنت أقررت الغداة بنسبتي ... عرفت وإلّا كنت فقعا بقردد [١]
ويشمت أعداء ويجذل كاشح ... عمرت لهم سمّا على رأس أسود
وقال آخر: [من البسيط]
ومعشر منقع لي في صدورهم ... سمّ الأساود يغلي في المواعيد
وسمتهم بالقوافي فوق أعينهم ... وسم المعيديّ أعناق المقاحيد [٢]
وقال أبو الأسود [٣] : [من المنسرح]
ليتك آذنتني بواحدة ... جعلتها منك آخر الأبد
تحلف ألّا تبرّني أبدا ... فإنّ فيها بردا على كبدي
إن كان رزقي إليك فارم به ... في ناظري حيّة على رصد
وقال أبو السّفّاح يرثي أخاه يحيى بن عميرة ويسمّيه بالشجاع: [من السريع]
يعدو فلا تكذب شدّاته ... كما عدا اللّيث بوادي السّباع [٤]
يجمع عزما وأناة معا ... ثمّت ينباع انبياع الشجاع [٥]
وقال المتلمّس [٦] : [من الطويل]
فأطرق إطراق الشجاع، ولو يرى ... مساغا لنابيه الشّجاع لصمّما
وقال معمر بن لقيط أو ابن ذي القروح: [من الطويل]
شموس يظلّ القوم معتصما به ... وإن كان ذا حزم من القوم عاديا
стр. 832
أبيت كما بات الشجاع إلى الذّرى ... وأغدو على همّي وإن بتّ طاويا
وإنّي أهضّ الضّيم منّي بصارم ... رهيف وشيخ ماجد قد بنى ليا
وهكذا صفة الأفعى؛ لأنها أبدا نابتة مستوية، فإن أنكرت شيئا فنشطتها كالبرق الخاطف.
ووصف آخر أفعى، فقال [١] : [من الرجز]
وقد أراني بطويّ الحسّ ... وذات قرنين طحون الضّرس
نضناضة مثل انثناء المرس ... تدير عينا كشهاب القبس
لمّا التقينا بمضيق شكس ... حتى قنصت قرنها بخمس [٢]
وهم يتهاجون بأكل الأفاعي والحيّات. قال الشاعر: [من الطويل]
فإياكم والرّيف لا تقربنّه ... فإن لديه الموت والحتم قاضيا
هم طردوكم عن بلاد أبيكم ... وأنتم حلول تشتوون الأفاعيا
وقال عمر بن أبي ربيعة [٣] : [من الطويل]
ولمّا فقدت الصّوت منهم وأطفئت ... مصابيح شبّت بالعشاء وأنؤر
وغاب قمير كنت أرجو مغيبه ... وروّح رعيان وهوّم سمّر
ونفّضت عنّي اللّيل أقبلت مشية ال ... حباب، وركني خيفة القوم أزور
١١٤٦-[ضرب المثل بسمّ الأساود]
وضرب كلثوم بن عمرو، المثل بسمّ الأساود، فقال [٤] : [من الطويل]
تلوم على ترك الغنى باهليّة ... طوى الدّهر عنها كلّ طرف وتالد
رأت حولها النّسوان يرفلن في الكسا ... مقلّدة أجيادها بالقلائد [٥]
يسرّك أنّي نلت ما نال جعفر ... من الملك، أو ما نال يحيى بن خالد
стр. 833
وأنّ أمير المؤمنين أعضّني ... معضّهما بالمرهفات البوارد! [١]
ذريني تجئني ميتتي مطمئنّة ... ولم أتقحّم هول تلك الموارد
فإن كريمات المعالي مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود
١١٤٧-[القول في الحيّات]
وفي التشنيع لحيّات الجبل، يقول اللّعين المنقريّ [٢] ، لرؤبة بن العجّاج: [من البسيط]
إني أنا ابن جلا إن كنت تعرفني ... يا رؤب، والحيّة الصّماء في الجبل
أبا الأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز جلب اللؤم والكسل
الأصمعيّ، قال: حدّثني ابن أبي طرفة. قال [٣] مرّ قوم حجّاج من أهل اليمن مع المساء، برجل من هذيل، يقال له أبو خراش، فسألوه القرى، فقال لهم: هذه قدر، وهذه مسقاة، وبذلك الشّعب ماء! فقالوا: ما وفّيتنا حقّ قرانا! فأخذ القربة فتقلّدها يسقيهم، فنهشته حيّة.
قال أبو إسحاق: بلغني وأنا حدث، أن النبي ﷺ «نهى عن اختناث فم القربة، والشرب منه» [٤] . قال: فكنت أقول إنّ لهذا الحديث لشأنا، وما في الشرب من فم قربة حتّى يجيء فيها هذا النهي؟! حتّى قيل: إنّ رجلا شرب من فم قربة، فوكعته حيّة فمات، وإنّ الحيّات تدخل في أفواه القرب، فعلمت أنّ كلّ شيء لا أعرف تأويله من الحديث، أنّ له مذهبا وإن جهلته.
وقال الشاعر في سلخ الحيّة: [من الرجز]
حتّى إذا تابع بين سلخين ... وعاد كالميسم أحماه القين [٥]
أقبل وهو واثق بثنتين: ... بسمّه الرّأس ونهش الرّجلين
قال: كأنه ذهب إلى أنّ سمّه لا يكون قاتلا مجهزا حتّى تأتي عليه سنتان.
стр. 834
وزعم بعضهم أنّ السّلخ للحيّة مثل البزول والقروح للخف والحافر. قال: وليس ينسلخ إلّا بعد سنين كثيرة، ولم يقفوا من السّنين على حدّ.
وزعم بعضهم أنّ الحيّة تسلخ في كلّ عام مرّتين، والسلخ في الحيات كالتّحسير من الطير، وأنّ الطير لا تجتمع قويّة إلّا بعد التحسير وتمام نبات الرّيش.
وكذلك الحيّة، تضعف في أيام السّلخ ثمّ تشتدّ بعد.
قال الأصمعيّ: أخبرني أبو رفاعة، شيخ من أهل البادية، قال: رأيت في المنام كأني أتخطّى حيّات. فمطرت السماء، فجعلت أتخطى سيولا.
وحكى الأصمعيّ أنّ رجلا رأى في المنام في بيوته حيّات، فسأل عن ذلك ابن سيرين أو غيره، فقال: هذا رجل يدخل منزله أعداء المسلمين. وكانت الخوارج تجتمع في بيته.
قال العرجيّ [١] ، في دبيب السمّ في المنهوش: [من الطويل]
وأشرب جلدي حبّها ومشى به ... كمشي حميّا الكأس في جلد شارب
يدبّ هواها في عظامي وحبها، ... كما دبّ في الملسوع سمّ العقارب
وقال العرجيّ في العرماء من الأفاعي، وكونها في صدوع الصّخر، فقال [٢] : [من الطويل]
تأتي بليل ذو سعاة فسلّها ... بها حافظ هاد ولم أرق سلما
كمثل شهاب النّار في كفّ قابس ... إذا الرّيح هبت من مكان تضرّما
أبرّ على الحوّاء حتى تناذروا ... حماه محاماة من الناس، فاحتمى
يظلّ مشيحا سامعا، ثمّ إنها ... إذا بعثت لم تأل إلّا تقدّما
قال: ويقال: تطوّت الحيّة. وأنشد العرجيّ [٣] : [من الخفيف]
ذكرتني إذ حيّة قد تطوّت ... فرقا عند عرسه في الثياب [٤]
стр. 835
وقال الشّماخ، أو البعيث [١] : [من الطويل]
وأطرق إطراق الشجاع وقد جرى ... على حدّ نابيه الذّعاف المسمّم
١١٤٨-[ما ينبح من الحيوان]
والأجناس التي تذكر بالنّباح: الكلب، والحيّة [٢] ، والظّبي إذا أسنّ، والهدهد.
وقد كتبنا ذلك مرة ثمّ.
قال أبو النّجم [٣] : [من الرجز]
والأسد قد تسمع من زئيرها ... وباتت الأفعى على محفورها
تأسيرها يحتكّ في تأسيرها ... مرّ الرّحى تجري على شعيرها [٤]
كرعدة الجراء أو هديرها ... تضرّم القصباء في تنّورها
توقّر النّفس على توقيرها ... تعلّم الأشياء في تنقيرها
في عاجل النفس وفي تأخيرها
١١٤٩-[أقسام الحيوان من حيث تحركه]
وسنذكر مسألة وجوابها. وذلك أنّ ناسا زعموا أنّ جميع الحيوان على أربعة أقسام. شيء يطير، وشيء يمشي، وشيء يعوم، وشيء ينساح.
وقد قال الله : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ، يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ
[٥] .
وقد وضع الكلام على قسمة أجناس الحيوان، وعلى تصنيف ضروب الخلق، ثمّ قصّر عن الشيء الذي وضع عليه كلامه، فلم يذكر ما يطير وما يعوم، ثمّ جعل ما ينساح، مثل الحيّات والدّيدان، ممّا يمشي؛ والمشي لا يكون إلّا برجل، كما أنّ العضّ لا يكون إلا بفم، والرّمح لا يكون إلّا بحافر؛ وذكر ما يمشي على أربع، وهاهنا
стр. 836
دوابّ كثيرة تمشي على ثمان قوائم، وعلى ستّ، وعلى أكثر من ثمان. ومن تفقّد قوائم السّرطان وبنات وردان، وأصناف العناكب- عرف ذلك.
قلنا: قد أخطأتم في جميع هذا التّأويل وحدّه. فما الدّليل على أنّه وضع كلامه في استقصاء أصناف القوائم؟ وبأيّ حجة جزمتم على ذلك؟ وقد قال الله :
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ*
[١] وترك ذكر الشّياطين والنّار لهم آكل، وعذابهم بها أشدّ. فترك ذكرهم من غير نسيان، وعلى أنّ ذلك معلوم عند المخاطب. وقد قال الله : خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً
[٢] أخرج من هذا العموم عيسى ابن مريم، وقد قصد في مخرج هذا الكلام إلى جميع ولد آدم. وقال:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
[٣] أدخل فيها آدم وحوّاء. ثمّ قال على صلة الكلام: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ
[٤] أخرج منها آدم وحوّاء وعيسى ابن مريم.
وحسن ذلك إذ كان الكلام لم يوضع على جميع ما تعرفه النّفوس من جهة استقصاء اللّفظ. فقوله: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ
[٥] كان على هذا المثال الذي ذكرنا. وعلى أنّ كلّ شيء يمشي على أربع فهو مما يمشي على رجلين، والذي يمشي على ثمان هو مما يمشي على أربع، وعلى رجلين وإذا قلت: لي على فلان عشرة آلاف درهم، فقد خبّرت أنّ لك عليه ما بين درهم إلى عشرة آلاف.
وأمّا قولكم: إنّ المشي لا يكون إلّا بالأرجل، فينبغي أيضا أن تقولوا فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
[٦] : إنّ ذلك خطأ؛ لأنّ السّعي لا يكون إلّا بالأرجل.
وفي هذا الذي جهلتموه ضروب من الجواب:
- أمّا وجه منه: فهو قول القائل وقول الشّاعر: «ما هو إلّا كأنه حيّة» و: «كأنّ مشيته مشية حيّة» يصفون ذلك، ويذكرون عنده مشية الأيم والحباب، وذكور
стр. 837
الحيّات. ومن جعل للحيّات مشيا من الشعراء، أكثر من أن نقف عليهم. ولو كانوا لا يسمّون انسيابها وانسياحها مشيا وسعيا، لكان ذلك مما يجوز على التشبيه والبدل، وأن قام الشيء مقام الشيء أو مقام صاحبه؛ فمن عادة العرب أن تشبّه به في حالات كثيرة. وقال الله تعالى: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ
[١] والعذاب لا يكون نزلا، ولكنّه أجراه مجرى كلامهم، كقول حاتم حين أمروه بفصد بعير، وطعنه في سنامه، وقال:
«هذا فصده!» [٢] .
وقال الآخر [٣] : [من الرجز]
فقلت يا عمرو اطعمنّي تمرا ... فكان تمري كهرة وزبرا [٤]
وذمّ بعضهم الفأر، وذكر سوء أثرها في بيته، فقال [٥] : [من الرجز]
يا عجّل الرّحمن بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب
يقول: هذا هو عمارتها. كما يقول الرّجل، «ما نرى من خيرك ورفدك إلّا ما يبلغنا من حطبك علينا، وفتّك في أعضادنا!» [٦] .
وقال النّابغة في شبيه بهذا، وليس به [٧] : [من الطويل]
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
- ووجه آخر: أنّ الأعراب تزعم- وكذلك قال ناس من الحوّائين والرّقائين- إنّ للحيّة حزوزا في بطنه، فإذا مشى قامت حزوزه، وإذا ترك المشي تراجعت إلى مكانها، وعادت تلك المواضع ملسا. ولم توجد بعين ولا لمس، ولا يبلغها إلّا كلّ حوّاء دقيق الحسّ.
وليس ذلك بأعجب من شقشقة الجمل العربيّ؛ فإنّه يظهرها كالدّلو، فإذا هو أعادها إلى لهاته تراجع ذلك الجلد إلى موضعه، فلا يقدر أحد عليه بلمس ولا عين.
стр. 838
وكذلك عروق الكلى إلى المثانة التي يجري فيها الحصى المتولّد في الكلية إذا قذفته تلك العروق إلى المثانة، فإذا بال الإنسان انضمّت العروق واتّصلت بأماكنها، والتحمت حتى كان موضعها كسائر ما جاوز تلك الأماكن.
- ووجه آخر: وهو أنّ هذا الكلام عربيّ فصيح؛ إذ كان الذي جاء به عربيّا فصيحا، ولو لم يكن قرآنا من عند الله ﵎، ثمّ كان كلام الذي جاء به، وكان ممّن يجهل اللّحن ولا يعرف مواضع الأسماء في لغته، لكان هذا- خاصّة- ممّا لا يجهله.
فلو أنّنا لم نجعل لمحمّد ﷺ ، فضيلة في نبوّة، ولا مزيّة في البيان والفصاحة، لكنّا لا نجد بدّا من أن نعلم أنّه كواحد من الفصحاء. فهل يجوز عندكم أن يخطئ أحد منهم في مثل هذا في حديث، أو وصف أو خطبة، أو رسالة، فيزعم أن كذا وكذا يمشي أو يسعى أو يطير، وذلك الذي قال ليس من لغته ولا من لغة أهله؟! فمعلوم عند هذا الجواب، وعند ما قبله، أنّ تأويلكم هذا خطأ.
وقال الله : إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ
[١] وأصحاب الجنّة لا يوصفون بالشّغل، وإنما ذلك جواب لقول القائل: خبّرني عن أهل الجنّة، بأيّ شيء يتشاغلون؟ أم لهم فراغ أبدا؟ فيقول المجيب: لا، ما شغلهم إلّا في افتضاض الأبكار، وأكل فواكه الجنّة، وزيارة الإخوان على نجائب الياقوت! وهذا على مثال جواب عامر بن عبد قيس، حين قيل له وقد أقبل من جهة الحلبة، وهو بالشام: من سبق؟ قال: رسول الله ﷺ ! قيل: فمن صلّى؟ قال: أبو بكر! قال: إنّما أسألك عن الخيل! قال: وأنا أجيبك عن الخير! [٢] وهو كقول المفسّر حين سئل عن قوله: لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[٣] فقال: ليس فيها بكرة وعشيّ. وقد صدق القرآن، وصدق المفسّر، ولم يتناكرا، ولم يتنافيا؛ لأنّ القرآن ذهب إلى المقادير، والمفسّر ذهب إلى الموجود، من دوران ذلك مع غروب الشّمس وطلوعها.
стр. 839
وعلى ذلك المعنى روي عن عمر أنّه قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ ، أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما» [١] .
قد كان المسلمون يتكلمون في الصّلاة ويطبّقون [٢] إذا ركعوا، فنهى عن ذلك إمام من الأئمّة، وضرب عليه، بعد أن أظهر النّسخ، وعرّفهم أن ذلك من المنسوخ، فكأنّ قائلا قال: أتنهانا عن شيء، وقد كان على عهد النبيّ ﷺ ؟ فيقول: نعم. وقد قدّم الاحتجاج في النّاسخ والمنسوخ.
ومن العجب أنّ ناسا جعلوا هذا القول على المنبر من عيوبه. فإن لم يكن المعنى فيه على ما وصفنا، فما في الأرض أجهل من عمر حين يظهر الكفر في الإسلام على منبر الجماعة، وهو إنّما علاه بالإسلام. ثمّ في شيء ليس له حجّة فيه ولا علة. وأعجب منه تلك الأمّة، وتلك الجماعة التي لم تنكر تلك الكلمة في حياته، ولا بعد موته؛ ثمّ ترك ذلك جميع التّابعين وأتباع التّابعين، حتّى أفضى الأمر إلى أهل دهرنا هذا.
وتلك الجماعة هم الذين قتلوا عثمان على أن سيّر رجلا، وهذا لا يقوله إلّا جاهل أو معاند.
وعلى تأويل قوله: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ
[٣] قال: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ
[٤] وقال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا، قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ
[٥] فجعل للنّار خزائن، وجعل لها خزنة، كما جعل في الجنّة خزائن وجعل لها خزنة.
стр. 840
ولو أنّ جهنّم فتحت أبوابها، ونحّي عنها الخزنة، ثمّ قيل لكلّ لصّ في الأرض، ولكلّ خائن في الأرض: دونك؛ فقد أبيحت لك! لما دنا منها، وقد جعل لها خزائن وخزنة. وإنّما هذا على مثال ما ذكرنا. وهذا كثير في كلام العرب.
والآي التي ذكرنا في صدق هذا الجواب، كلها حجج على الخوارج في إنكارهم المنزلة بين المنزلتين.
١١٥٠-[شعر في الحيات]
وقال خلف الأحمر في ذكر الحيّات: [من الوافر]
يرون الموت دوني إن رأوني ... وصلّ صفا لنابيه ذباب [١]
من المتحرّمات بكهف طود ... حرام ما يرام له جناب [٢]
أبى الحاوون أن يطؤوا حماه ... ولا تسري بعقوته الذّئاب [٣]
كأنّ دما أمير على قراه ... وقطرانا أمير به كباب [٤]
إذا ما استجرس الأصوات أبدى ... لسانا دونه الموت الضباب
إذا ما الليل ألبسه دحاه ... سرى أصمى تصيح له الشّعاب [٥]
فقلت لحيّان بن عتبي: لم قال موسى بن جابر الحنفيّ: [من الرمل]
طرد الأروى فما تقربه ... ونفى الحيّات عن بيض الحجله
قال: لأنّ الذّئاب تأكل الحيّات. قلت: فلم قال خلف الأحمر:
ولا تسري بعقوته الذئاب؟
قال: لأنّ الذّئاب تأكل الحيّات. فظننت أنّه حدس ولم يقل بعلم.
وقال الزّياديّ في يحيى بن أبي حفصة [٦] : [من البسيط]
إني ويحيى وما يبغي كملتمس ... صيدا وما نال منه الرّيّ والشّبعا
стр. 841
أهوى إلى باب جحر في مقدّمه ... مثل العسيب ترى في رأسه قزعا
اللّون أربد والأنياب شابكة ... عصل ترى السّمّ يجري بينها قطعا
يهوي إلى الصّوت والظلماء عاكفة ... تعرد السّيل لاقى الحيد فاطّلعا
لو نال كفّك آبت منه مخضبة ... بيضاء قد جللت أنيابها قزعا
بيعت بوكس قليل فاستقلّ بها ... من الهزال أبوها بعد ما ركعا
فردّ عليه يحيى فقال [١] : [من البسيط]
كم حيّة ترهب الحيّات صولته ... يحمى لريديه قد غادرته قطعا [٢]
يلقين حيّة قفّ ذا مساورة ... يسقى به القرن من كأس الرّدى جرعا [٣]
تكاد تسقط منهنّ الجلود؛ لما ... يعلمن منه إذا عاينّه، قزعا [٤]
أصمّ ما شمّ من خضراء أيبسها ... أو مسّ من حجر أوهاه فانصدعا [٥]
وقال آخر: [من السريع]
وكم طوت من حنش راصد ... للسّفر في أعلى الثّنيّات
أصمّ أعمى لا يجيب الرّقى ... يفترّ عن عصل حديدات [٦]
منهرت الشدق رقود الضحى ... سار طمور في الدّجنّات [٧]
ذي هامة رقطاء مفطوحة ... من الدّواهي الجبليّات
صلّ صفا، تنطف أنيابه ... سمام ذيفان مجيرات [٨]
مطلن في اللّحيين مطلا إلى ... رأس وأشداق رحيبات
قدّمن عن ضرسين واستأخرا ... إلى سماخين ولهوات [٩]
يسبته الصّبح وطورا له ... نفخ ونفث في المغارات [١٠]
стр. 842
وتارة تحسبه ميّتا ... من طول إطراق وإخبات [١]
وقال آخر، وهو جاهليّ [٢] : [من الرجز]
لا همّ إن كان أبو عمرو ظلم ... وخانني في علمه وقد علم
فابعث له في بعض أعراض اللّمم ... لميمة من حنش أعمى أصم
أسمر زحّافا من الرّقط العرم ... قد عاش حتى هو لا يمشي بدم [٣]
فكلّما أقصد منه الجوع شم ... حتى إذا أمسى أبو عمرو ولم
يمسّ منه مضض ولا سقم ... قام وودّ بعدها أن لم يقم
ولم يقم لإبل ولا غنم ... ولا لخوف راعه ولا لهم
حتّى دنا من رأس نضناض أصم ... فخاضه بين الشّراك والقدم [٤]
بمذرب أخرجه من جوف كم ... كأنّ وخز نابه إذا انتظم [٥]
وخزة إشفى في عطوف من أدم [٦]
ومخالب الأسد وأشباه الأسد من السّباع، تكون في غلف، إذا وطئت على بطون أكفها ترفّعت المخالب ودخلت في أكمام لها، وهو قول أبي زبيد [٧] : [من الوافر]
بحجن كالمحاجن في فتوخ ... يقيها فضّة الأرض الدّخيس [٨]
وكذلك أنياب الأفاعي، هي ما لم تعضّ فمصونة في أكمام، ألا تراه يقول [٩] :
[من الرجز]
فخاضه بين الشّراك والقدم ... بمذرب أخرجه من جوف كم
стр. 843
وقال آخر [١] : [من الرجز]
أنعت نضناضا كثير الصّقر ... مولده كمولد ابن الدّهر [٢]
كانا جميعا ولدا في شهر ... يظلّ في مرأى بعيد القعر
بين حوافي سدر وصخر [٣]
وقال: [من الطويل]
وكيف وقد أسهرت عينك تبتغي ... عنادا لنابي حيّة قد تربّدا [٤]
من الصّمّ يكفي مرّة من لعابه ... وما عاد إلّا كان في العود أحمدا [٥]
وقال خلف الأحمر- وهي مخلوطة فيها شيء، وله شيء، من الغبرة وما علمت أنّ وصف عين الأفعى على معرفة واختبار غيره- وهو قوله [٦] : [من الرجز]
١- أفعى رخوف العين مطراق البكر ... داهية قد صغرت من الكبر [٧]
٣- صلّ صفا ما ينطوي من القصر ... طويلة الإطراق من غير حسر [٨]
٥- كأنّما قد ذهبت به الفكر ... شقّت له العينان طولا في شتر
٧- مهروتة الشدقين حولاء النظر ... جاء بها الطّوفان أيام زخر
٩- كأنّ صوت جلدها إذا استدرّ ... نشيش جمر عند طاه مقتدر
١١٥١-[أحاديث في الوزغ]
هشام بن عروة قال: أخبرني أبي أنّ عائشة أمّ المؤمنين ﵂ كانت تقتل الأوزاغ.
стр. 844
يحيى بن أبي أنيسة، عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة قالت [١] : «سمعت رسول الله ﷺ يقول للوزغ: فويسق» .
قالت [١] : «ولم أسمع رسول الله ﷺ أمر بقتله» .
قال: قالت عائشة ﵂ [١] : «سمعت سعدا يقول: أمر رسول الله ﷺ بقتله» .
عبد الرحمن بن زياد قال: أخبرني هشام عن عروة عن عائشة «أنّ رسول الله ﷺ قال للوزغ: الفويسق» .
أبو بكر الهذليّ، عن معاذ عن عائشة قالت: «دخل رسول الله ﷺ عليّ وفي يدي عكّاز فيه زجّ، فقال: يا عائشة ما تصنعين بهذا؟ قلت: أقتل به الوزغ في بيتي. قال: إن تفعلي فإنّ الدّوابّ كلها، حين ألقي إبراهيم ﷺ في النّار، كانت تطفئ عنه، وإنّ هذا كان ينفخ عليه، فصمّ وبرص» [٢] .
وهذه الأحاديث كلها يحتجّ بها أصحاب الجهالات، ومن زعم أنّ الأشياء كلها كانت ناطقة، وأنها أمم مجراها مجرى الناس.
١١٥٢-[تأوّل آيات من الكتاب]
وتأوّلوا قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[٣] ، وقالوا: قال الله : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
[٤] وقال تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ
[٥] وقال: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[٦] .
стр. 845
فذهبت الجهمية ومن أنكر إيجاد الطّبائع مذهبا، وذهب ابن حائط ومن لفّ لفّه من أصحاب الجهالات مذهبا، وذهب ناس من غير المتكلمين، واتّبعوا ظاهر الحديث وظاهر الأشعار، وزعموا أنّ الحجارة كانت تعقل وتنطق، وإنما سلبت المنطق فقط. فأمّا الطير والسّباع فعلى ما كانت عليه.
قالوا: والوطواط، والصّرد، والضفدع، مطيعات ومثابات والعقرب، والحيّة والحدأة، والغراب، والوزغ، والكلب، وأشباه ذلك، عاصيات معاقبات.
ولم أقف على واحد منهم فأقول له: إنّ الوزغة التي تقتلها على أنّها كانت تضرم النّار على إبراهيم أهي هذه أم هي من أولادها فمأخوذة هي بذنب غيرها؟ أم تزعم أنّه في المعلوم أن تكون تلك الوزغ لا تلد ولا تبيض ولا تفرخ إلّا من يدين بدينها، ويذهب مذهبها؟! وليس هؤلاء ممّن يفهم تأويل الأحاديث، وأيّ ضرب منها، يكون مردودا، وأيّ ضرب منها يكون متأوّلا، وأيّ ضرب منها يقال إنّ ذلك إنّما هو حكاية عن بعض القبائل.
ولذلك أقول: لولا مكان المتكلمين لهلكت العوامّ، واختطفت واسترقت، ولولا المعتزلة لهلك المتكلمون.
١١٥٣-[أحاديث في الوزغ]
شريك عن التّخميّ، عن ليث، عن نافع، أنّ ابن عمر كان يقتل الوزغ في بيته ويقول هو شيطان! هشام بن حسّان، عن خالد الرّبعيّ، قال: لم يكن شيء من خشاش الأرض إلّا كان يطفئ النّار عن إبراهيم، إلّا الوزغ، فإنّه كان ينفخ عليه.
حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت القاسم بن محمّد يقول إنّ الأوازغ كانت يوم حرق بيت المقدس تنفخه والوطاوط بأجنحتها.
شريك عن النّخعيّ، عن جابر، عن ابن عباس، قال: الوزغ شريك الشيطان.
أبو داود الواسطيّ قال: أخبرنا أبو هاشم، قال [١] : من قتل وزغة حطّ الله عنه سبعين خطيئة، ومن قتل سبعا كان كعتق رقبة.