← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أهوى إلى باب جحر في مقدّمه ... مثل العسيب ترى في رأسه قزعا اللّون أربد والأنياب شابكة ... عصل ترى السّمّ يجري بينها قطعا يهوي إلى الصّوت والظلماء عاكفة ... تعرد السّيل لاقى الحيد فاطّلعا لو نال كفّك آبت منه مخضبة ... بيضاء قد جللت أنيابها قزعا بيعت بوكس قليل فاستقلّ بها ... من الهزال أبوها بعد ما ركعا فردّ عليه يحيى فقال [١] : [من البسيط] كم حيّة ترهب الحيّات صولته ... يحمى لريديه قد غادرته قطعا [٢] يلقين حيّة قفّ ذا مساورة ... يسقى به القرن من كأس الرّدى جرعا [٣] تكاد تسقط منهنّ الجلود؛ لما ... يعلمن منه إذا عاينّه، قزعا [٤] أصمّ ما شمّ من خضراء أيبسها ... أو مسّ من حجر أوهاه فانصدعا [٥] وقال آخر: [من السريع] وكم طوت من حنش راصد ... للسّفر في أعلى الثّنيّات أصمّ أعمى لا يجيب الرّقى ... يفترّ عن عصل حديدات [٦] منهرت الشدق رقود الضحى ... سار طمور في الدّجنّات [٧] ذي هامة رقطاء مفطوحة ... من الدّواهي الجبليّات صلّ صفا، تنطف أنيابه ... سمام ذيفان مجيرات [٨] مطلن في اللّحيين مطلا إلى ... رأس وأشداق رحيبات قدّمن عن ضرسين واستأخرا ... إلى سماخين ولهوات [٩] يسبته الصّبح وطورا له ... نفخ ونفث في المغارات [١٠]

стр. 842

وتارة تحسبه ميّتا ... من طول إطراق وإخبات [١] وقال آخر، وهو جاهليّ [٢] : [من الرجز] لا همّ إن كان أبو عمرو ظلم ... وخانني في علمه وقد علم فابعث له في بعض أعراض اللّمم ... لميمة من حنش أعمى أصم أسمر زحّافا من الرّقط العرم ... قد عاش حتى هو لا يمشي بدم [٣] فكلّما أقصد منه الجوع شم ... حتى إذا أمسى أبو عمرو ولم يمسّ منه مضض ولا سقم ... قام وودّ بعدها أن لم يقم ولم يقم لإبل ولا غنم ... ولا لخوف راعه ولا لهم حتّى دنا من رأس نضناض أصم ... فخاضه بين الشّراك والقدم [٤] بمذرب أخرجه من جوف كم ... كأنّ وخز نابه إذا انتظم [٥] وخزة إشفى في عطوف من أدم [٦] ومخالب الأسد وأشباه الأسد من السّباع، تكون في غلف، إذا وطئت على بطون أكفها ترفّعت المخالب ودخلت في أكمام لها، وهو قول أبي زبيد [٧] : [من الوافر] بحجن كالمحاجن في فتوخ ... يقيها فضّة الأرض الدّخيس [٨] وكذلك أنياب الأفاعي، هي ما لم تعضّ فمصونة في أكمام، ألا تراه يقول [٩] : [من الرجز] فخاضه بين الشّراك والقدم ... بمذرب أخرجه من جوف كم

стр. 843

وقال آخر [١] : [من الرجز] أنعت نضناضا كثير الصّقر ... مولده كمولد ابن الدّهر [٢] كانا جميعا ولدا في شهر ... يظلّ في مرأى بعيد القعر بين حوافي سدر وصخر [٣] وقال: [من الطويل] وكيف وقد أسهرت عينك تبتغي ... عنادا لنابي حيّة قد تربّدا [٤] من الصّمّ يكفي مرّة من لعابه ... وما عاد إلّا كان في العود أحمدا [٥] وقال خلف الأحمر- وهي مخلوطة فيها شيء، وله شيء، من الغبرة وما علمت أنّ وصف عين الأفعى على معرفة واختبار غيره- وهو قوله [٦] : [من الرجز] ١- أفعى رخوف العين مطراق البكر ... داهية قد صغرت من الكبر [٧] ٣- صلّ صفا ما ينطوي من القصر ... طويلة الإطراق من غير حسر [٨] ٥- كأنّما قد ذهبت به الفكر ... شقّت له العينان طولا في شتر ٧- مهروتة الشدقين حولاء النظر ... جاء بها الطّوفان أيام زخر ٩- كأنّ صوت جلدها إذا استدرّ ... نشيش جمر عند طاه مقتدر ١١٥١-[أحاديث في الوزغ] هشام بن عروة قال: أخبرني أبي أنّ عائشة أمّ المؤمنين ﵂ كانت تقتل الأوزاغ.

стр. 844

يحيى بن أبي أنيسة، عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة قالت [١] : «سمعت رسول الله ﷺ يقول للوزغ: فويسق» . قالت [١] : «ولم أسمع رسول الله ﷺ أمر بقتله» . قال: قالت عائشة ﵂ [١] : «سمعت سعدا يقول: أمر رسول الله ﷺ بقتله» . عبد الرحمن بن زياد قال: أخبرني هشام عن عروة عن عائشة «أنّ رسول الله ﷺ قال للوزغ: الفويسق» . أبو بكر الهذليّ، عن معاذ عن عائشة قالت: «دخل رسول الله ﷺ عليّ وفي يدي عكّاز فيه زجّ، فقال: يا عائشة ما تصنعين بهذا؟ قلت: أقتل به الوزغ في بيتي. قال: إن تفعلي فإنّ الدّوابّ كلها، حين ألقي إبراهيم ﷺ في النّار، كانت تطفئ عنه، وإنّ هذا كان ينفخ عليه، فصمّ وبرص» [٢] . وهذه الأحاديث كلها يحتجّ بها أصحاب الجهالات، ومن زعم أنّ الأشياء كلها كانت ناطقة، وأنها أمم مجراها مجرى الناس. ١١٥٢-[تأوّل آيات من الكتاب] وتأوّلوا قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [٣] ، وقالوا: قال الله : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [٤] وقال تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [٥] وقال: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [٦] .

стр. 845

فذهبت الجهمية ومن أنكر إيجاد الطّبائع مذهبا، وذهب ابن حائط ومن لفّ لفّه من أصحاب الجهالات مذهبا، وذهب ناس من غير المتكلمين، واتّبعوا ظاهر الحديث وظاهر الأشعار، وزعموا أنّ الحجارة كانت تعقل وتنطق، وإنما سلبت المنطق فقط. فأمّا الطير والسّباع فعلى ما كانت عليه. قالوا: والوطواط، والصّرد، والضفدع، مطيعات ومثابات والعقرب، والحيّة والحدأة، والغراب، والوزغ، والكلب، وأشباه ذلك، عاصيات معاقبات. ولم أقف على واحد منهم فأقول له: إنّ الوزغة التي تقتلها على أنّها كانت تضرم النّار على إبراهيم أهي هذه أم هي من أولادها فمأخوذة هي بذنب غيرها؟ أم تزعم أنّه في المعلوم أن تكون تلك الوزغ لا تلد ولا تبيض ولا تفرخ إلّا من يدين بدينها، ويذهب مذهبها؟! وليس هؤلاء ممّن يفهم تأويل الأحاديث، وأيّ ضرب منها، يكون مردودا، وأيّ ضرب منها يكون متأوّلا، وأيّ ضرب منها يقال إنّ ذلك إنّما هو حكاية عن بعض القبائل. ولذلك أقول: لولا مكان المتكلمين لهلكت العوامّ، واختطفت واسترقت، ولولا المعتزلة لهلك المتكلمون. ١١٥٣-[أحاديث في الوزغ] شريك عن التّخميّ، عن ليث، عن نافع، أنّ ابن عمر كان يقتل الوزغ في بيته ويقول هو شيطان! هشام بن حسّان، عن خالد الرّبعيّ، قال: لم يكن شيء من خشاش الأرض إلّا كان يطفئ النّار عن إبراهيم، إلّا الوزغ، فإنّه كان ينفخ عليه. حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت القاسم بن محمّد يقول إنّ الأوازغ كانت يوم حرق بيت المقدس تنفخه والوطاوط بأجنحتها. شريك عن النّخعيّ، عن جابر، عن ابن عباس، قال: الوزغ شريك الشيطان. أبو داود الواسطيّ قال: أخبرنا أبو هاشم، قال [١] : من قتل وزغة حطّ الله عنه سبعين خطيئة، ومن قتل سبعا كان كعتق رقبة.

стр. 846

هشام بن حسّان، عن واصل مولى أبي عيينة، عن عقيل، عن يحيى بن يعمر، قال: لأن أقتل مائة من الوزغ أحبّ إليّ من أن أعتق مائة رقبة. وهذا الحديث ليس من شكل الأوّل، لأنّ يحيى بن يعمر لم يزعم أنّه يقتله لكفره أو لكفر أبيه، ولكنها دابّة تطاعم الحيّات وتزاقّها وتقاربها، وربّما قتلت بعضّتها، وتكرع في المرق واللّبن ثمّ تمجّه في الأناء فينال النّاس بذلك مكروه كبير، من حيث لا يعلمون. وقتله في سبيل قتل الحيّات والعقارب. ١١٥٤-[صنع السم من الأوزاغ] وأهل السّجن يعملون منها سموما أنفذ من سم البيش [١] ، ومن ريق الأفاعي، وذلك أنّهم يدخلون الوزغ قارورة، ثمّ يصبّون فيها من الزّيت ما يغمرها، ويضعونها في الشّمس أربعين يوما، حتّى تختلط بالزّيت وتصير شيئا واحدا، فإن مسح السّجين منه على رغيف مسحة يسيرة فأكل منه عشرة أنفس ماتوا. ولا أدري لم توخّوا من مواضع الدّفن عتب الأبواب. ١١٥٥-[أوامر النبي ﷺ ونواهيه] يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله، قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بأربع ونهانا عن أربع، أمرنا أن نجيف أبوابنا، وأن نخمّر آنيتنا، وأن نوكي أسقيتنا، وأن نطفئ سرجنا. فإنّ الشّيطان إذا وجد بابا مجافا لم يفتحه، وإناء مخمّرا لم يكشفه، وسقاء موكى لم يحلّه. وإنّ الفويسقة تأتي المصباح فتضرمه على أهل البيت [٢] . ونهانا عن أربع: نهانا عن اشتمال الصّمّاء، وأن يمشي أحدنا في النّعل الواحدة أو الخفّ الواحد، وأن يحتبي الرّجل منّا في الثّوب الواحد ليس عليه غيره، وأن يستلقي أحدنا على ظهره ويرفع إحدى رجليه على الأخرى» [٣] . وهذا الحديث ليس هذا موضعه، وهو يقع في باب جملة القول في النّار، وهو يقع بعد هذا الذي يلي القول في النعام.

стр. 847

١١٥٦-[أحاديث في قتل الحيات] شعبة أبو بسطام، قال أخبرني أبو قيس، قال: جلست إلى علقمة بن قيس، وربيع بن خثيم فقال ربيع: قولوا وافعلوا خيرا تجزوا خيرا، وقال علقمة: من استطاع منكم ألّا يرى الحيّة، إلّا قتلها إلّا التي مثل الميل؛ فإنّها جانّ. وإنّه لا يضرّه قتل حيّة أو كافر. إسماعيل المكي، عن أبي إسحاق، عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: من قتل حيّة فقتل كافرا. ثم سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول: من قتل حيّة أو عقربا قتل كافرا. وهذا ممّا يتعلق به أصحاب ابن حائط، وتأويله في الحديث الآخر. عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي قال: سمعت القاسم بن عبد الرحمن، يقول: قال عبد الله: من قتل حيّة أو عقربا فكأنّما قتل كافرا. فعلى هذا المعنى يكون تأليف الحديث. سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن رسول الله ﷺ قال: «ما سالمناهنّ مذ حاربناهنّ» . سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قالت عائشة: «من ترك قتل حيّة مخافة أثآرها فعليه لعنة الله والملائكة» . الرّبيع بن صبيح عن عطاء الخراسانيّ قال: كان فيما أخذ على الحيّات ألّا يظهرن. فمن ظهر منهنّ حلّ قتله. وقتالهنّ كقتال الكفّار، ولا يترك قتلهنّ إلا شاكّ. وهذا ممّا يتعلّق به أصحاب ابن حائط. محمد بن عجلان قال: سمعت أبي يحدّث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما سالمناهنّ مذ حاربناهنّ» . ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أخبرني أبو الطفيل أنّه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول: «اقتلوا من الحيّات ذا الطفيتين، والكلب الأسود البهيم ذا الغرّتين» [١] . قال: والغرّة: حوّة تكون بعينيه.

стр. 848

١١٥٧-[قول صاحب المنطق في طعام الحيوان ومسكنه] قال صاحب المنطق: الطير على ضربين: أوابد وقواطع، ومنه ما يأكل اللحم لا يأكل غيره وإن لم يكن ذا سلاح. فأمّا ذو السّلاح فواجب أن يكون طعامه اللّحم. ومن الطّير ما يأكل الحبوب لا يعدوها، ومنه المشترك الطّباع، كالعصفور والدّجاج والغراب. فإنها تأكل النوعين جميعا، وكطير الماء، يأكل السّمك ويلقط الحبّ. ومنه ما يأكل شيئا خاصّا، مثل جنس النّحل المعسّل الذي غذاؤه شيء واحد، وجنس العنكبوت، فإن طعم النحل المعسّل العسل، والعنكبوت يعيش من صيد الذباب. ومن الحيوان ما له مسكن ومأوى، كالخلد، والفأر، والنّمل، والنّحل، والضّبّ. ومنه ما لا يتّخذ شيئا يرجع إليه كالحيّات لأنّ ذكورة الحيّات سيّارة، وإناثها إنّما تقيم في المكان إلى تمام خروج الفراخ من البيض، واستغناء الفراخ بأنفسها. ومنها ما يكون يأوي إلى شقوق الصّخور والحيطان، والمداخل الضّيّقة، مثل سامّ أبرص. قال: والحيّات تألفها كما تألف العقارب الخنافس. والعظايا تألف المزابل والخرابات. والوزغ قريبة من النّاس. ١١٥٨-[زعم زرادشت في العظايا وسوامّ أبرص] وزعم زرادشت أنّ العظايا ليست من ذوات السّموم، وأنّ سامّ أبرص من ذوات السّموم، وأنّ أهرمن [١] لما قعد ليقسم السّموم. كان الحظ الأوفر لكلّ شيء سبق إلى طلبه، كالأفاعي، والثّعابين والجرّارات، وأنّ نصيب الوزغ نصيب وسط قصد، لا يكمل أن يقتل، ولكنّه يزاقّ [٢] الحيّة، فتميره [٣] ممّا عندها. ومتى دبر [٤] الوزغ جاء منه السمّ القاتل، أسرع من سمّ البيش، ومن لعاب الأفاعي، فأمّا العظاية فإنّها احتبست عن الطّلب حتى نفذ السمّ، وأخذ كلّ شيء قسطه، على قدر السّبق والبكور، فلما جاءت العظاية وقد فني السمّ، دخلها من الحسرة، وممّا علاها من الكرب، حتى جعلت وجهها إلى الخرابات والمزابل، فإذا رأيت العظاية تمشي مشيا

стр. 849

سريعا ثمّ تقف، فإنّ تلك الوقفة إنّما هي لما يعرض لها من التذكّر والحسرة على ما فاتها من نصيبها من السمّ. ١١٥٩-[الرد على ما زعم زرادشت] ولا أعلم العظاية في هذا القياس إلّا أكثر شرورا من الوزغ؛ لأنها لولا إفراط طباعها في الشّرارة، لم يدخلها من قوّة الهمّ مثل الذي دخلها ولم يستبن للنّاس من اغتباط الوزغ بنصيبه من السمّ، بقدر ما استبان من ثكل العظاية، وتسلّلها وإحضارها وبكائها وحزنها، وأسفها على ما فاتها من السّمّ. ١١٦٠-[زعم زرادشت في خلق الفأرة والسّنّور] ويزعم زرادشت، وهو مذهب المجوس، أنّ الفأرة من خلق الله، وأنّ السّنّور من خلق الشّيطان، وهو إبليس، وهو أهرمن [١] . فإذا قيل له: كيف تقول ذلك والفأرة مفسدة، تجذب فتيلة المصباح فتحرق بذلك البيت والقبائل الكثيرة، والمدن العظام، والأرباض الواسعة، بما فيها من النّاس والحيوان والأموال، وتقرض دفاتر العلم، وكتب الله، ودقائق الحساب، والصّكاك [٢] ، والشّروط؛ وتقرض الثّياب، وربّما طلبت القطن لتأكل بزره فتدع اللّحاف غربالا، وتقرض الجرب، وأوكية الأسقية والأزقاق والقرب فتخرج جميع ما فيها؛ وتقع في الآنية وفي البئر، فتموت فيه وتحوج النّاس إلى مؤن عظام؛ وربّما عضّت رجل النّائم، وربّما قتلت الإنسان بعضّتها. والفأر بخراسان ربّما قطعت أذن الرّجل. وجرذان أنطاكية تعجز عنها السّنانير، وقد جلا عنها قوم وكرهها آخرون لمكان جرذانها، وهي التي فجرت المسنّاة [٣] ، حتى كان ذلك سبب الحسر [٤] بأرض سبأ؛ وهي المضروب بها المثل، وسيل العرم ممّا تؤرخ بزمانه العرب. والعرم: المسنّاة. وإنما كان جرذا. وتقتل النّخل والفسيل، وتخرّب الضّيعة، وتأتي على أزمّة الركاب والخطم، وغير ذلك من الأموال.

стр. 850

والنّاس ربما اجتلبوا السّنانير ليدفعوا بها بوائق الفأر- فكيف صار خلق الضّارّ المفسد من الله، وخلق النّافع من الضّرر من خلق الشيطان؟! والسّنّور يعدى به على كلّ شيء خلقه الشّيطان من الحيّات، والعقارب، والجعلان، وبنات وردان، والفأرة لا نفع لها، ومؤنها عظيمة. قال: لأنّ السّنّور لو بال في البحر لقتل عشرة آلاف سمكة! فهل سمعت بحجّة قطّ، أو بحيلة، أو بأضحوكة، أو بكلام ظهر على تلقيح هرة، يبلغ مؤن هذا الاعتلال؟! فالحمد لله الذي كان هذا مقدار عقولهم واختيارهم. وأنشد أبو زيد [١] : [من الرجز] والله لو كنت لهذا خالصا ... لكنت عبدا آكل الأبارصا يعني جماع سامّ أبرص: أبارص. ١١٦١-[تأثير أكل سامّ أبرص والسمانى] وسامّ أبرص ربّما قتل أكله، وليس يؤكل إلّا من الجوع الشّديد. وربما قتل السّنانير وبنات عرس، والشّاهمرك [٢] ، وجميع اللّقاطات. وقال آخر [٣] : [من الوافر] كأنّ القوم عشّوا لحم ضأن ... فهم نعجون قد مالت طلاهم وهو شيء يعرض عن أكل دسم الضّأن، وهو أيضا يلقى على دسمه النّعاس. وقد يفعل ذلك الحيق. والخشخاش. والخشخاش يسمّى بالفارسيّة «أناركبو» وتأويله رمّان الخسّ. وإنما اشتقّ له ذلك إذ كان يورث النّعاس، كما يورثه الخس. وأكل الطّعام الذي فيه سمان يورث الدّوار. وزعموا أنّ صبيّا من الأعراب فيما

стр. 851

مضى من الدّهر، صاد هامة على قبر، فظنها سمان، فأكلها فغثت نفسه، فقال [١] : [من الرجز] نفسي تمقّس من سمانى الأقبر ويقال: غثت نفسه غثيانا وغثيا، ولقست تلقس لقسا، وتمقّست تتمقّس تمقسا: إذا غثيت. ١١٦٢-[أكل الحيات] وأخبرني صباح بن خاقان، قال: كنت بالبادية، فرأيت ناسا حول نار فسألت عنهم، فقالوا: قد صادوا حيات فهم يشوونها ويأكلونها؛ إذ نظرت إلى رجل منهم ينهش حية قد أخرجها من الجمر، فرأيته إذا امتنعت عليه يمدّها كما يمدّ عصب لم ينضج. فما صرفت بصري عنه حتّى لبط به [٢] ، فما لبث أن مات، فسألت عن شأنه، فقيل لي: عجّل عليها قبل أن تنضج وتعمل النّار في متنها. وقد كان قد بغداد وفي البصرة جماعة من الحوّائين، يأكل أحدهم أيّ حيّة أشرت إليها في جونته، غير مشويّة. وربّما أخذ المرارة وسط راحته، فلطعها بلسانه، ويأكل عشرين عقربانة نيّة بدرهم. وأما المشويّ فإنّ ذلك عنده عرس. ١١٦٣-[شعر في الحيات] وقال كثيّر [٣] : [من الوافر] وما زالت رقاك تسلّ ضغني ... فتخرج من مكامنها ضبابي وترقيني لك الحاوون حتّى ... أجابت حيّة خلف الحجاب وقال أبو عدنان، وذكر ابن ثروان الخارجيّ، حين كان صار إلى ظهر البصرة، وخرج إليه من خرج من بني نمير: [من الطويل] حسبت نميرا يا ابن ثروان كالألى ... لقيتهم بالأمس: ذهلا ويشكرا كما ظنّ صيّاد العصافير أنّ في ... جميع الكوى، جهلا، فراخا وأطيرا

стр. 852

فأدخل يوما كفّه جحر أسود ... فشرشره بالنّهش حتى تشرشرا [١] أراد قول رؤبة [٢] : [من الرجز] كنتم كمن أدخل في حجر يدا ... فأخطأ افعى ولاقى الأسودا لو مسّ حرفي حجر تقصّدا ... بالشّمّ لا بالسمّ منه قصدا [٣] فقدّم الأسود على الأفعى، وهذا لا يقوله من يعرف مقدار سمّ الحيات، وقال عنترة [٤] : [من الطويل] حلفنا لهم والخيل تردي بنا معا ... نزايلكم حتّى تهرّوا العواليا عوالي سمر من رماح ردينة ... هرير الكلاب يتّقين الأفاعيا وقال النبي ﷺ : «اتقوا ذا الطّفيتين والأبتر» [٥] . شبّه الخيطين على ظهره بخوص المقل. وأنشدت لأبي ذؤيب [٦] : [من الطويل] عفت غير نؤي الدّار لأيا أبينه ... وأقطاع طفي قد عفت في المعاقل [٧] والطّفي: خوص المقل. وهم يصفون بطن المرأة الهيفاء الخميصة البطن، ببطن الحيّة. وهي الأيم. وقال العجّاج [٨] : [من الرجز] وبطن أيم وقواما عسلجا [٩]

стр. 853

وقال أدهم بن أبي الزّعراء، وشبّه نفسه بحيّة: [من الطويل] وما أسود بالبأس ترتاح نفسه ... إذا حلبة جاءت ويطرق للحسّ به نقط حمر وسود كأنما ... تنضّح نضحا بالكحيل وبالورس [١] أصمّ قطاريّ يكون خروجه ... قبيل غروب الشّمس مختلط الدّمس [٢] له منزل، أنف ابن قترة يغتذي ... به السمّ، لم يظهر نهارا إلى الشّمس [٣] يقيل إذا ما قال بين شواهق ... تزلّ العقاب عن نفانفها الملس [٤] بأجرأ منّي يا ابنة القوم مقدما ... إذا الحرب دبّت أو لبست لها لبسي [٥] فأجابه عنترة الطائي، فقال [٦] : [من الطويل] عساك تمنى من أراقم أرضنا ... بأرقم يسقى السمّ من كلّ منطف [٧] وقال عنترة [٨] : [من الطويل] أترجو حياة يا ابن بشر بن مسهر ... وقد علقت رجلاك في ناب أسودا أصمّ جباليّ إذا عضّ عضّة ... تزايل عنه جلده فتبدّدا بسلع صفا لم يبد للشّمس قبلها ... إذا ما رآه صاحب اليمّ أرعدا [٩] له ربقة في عنقه من قميصه ... وسائره عن متنه قد تقدّدا [١٠] رقود ضحيّات، كأن لسانه ... إذا سمع الأجراس مكحال أرمدا [١١] يفيت النّفوس قبل أن يقع الرّقى ... وإن أبرق الحاوي عليه وأرعدا [١٢]

стр. 854

وقال آخر [١] : [من البسيط] لا ينبت العشب في واد تكون به ... ولا يجاورها وحش ولا شجر ربداء شابكة الأنياب ذابلة ... ينبو، من اليبس، عن يافوخها الحجر لو سرّحت بالنّدى ما مسّها بلل ... ولو تكنّفها الحاوون ما قدروا [٢] قد حاوروها فما قام الرّقاة لها ... وخاتلوها فما نالوا ولا ظفروا تقصر الورل العادي بضربتها ... نكزا، ويهرب عنها الحيّة الذّكر [٣] جملة القول في الظليم ١١٦٤-[أعاجيب في الظليم] فممّا فيه من الأعاجيب أنّه يغتذي الصّخر، ويبتلع الحجارة، ويعمد إلى المرو، والمرو من الحجارة التي توصف بالملاسة، ويبتلع الحصى، والحصى أصلب من الصّخر، ثمّ يميعه ويذيبه في قانصته، حتّى يجعله كالماء الجاري، ويقصد إليه وهو واثق باستمرائه وهضمه، وأنّه له غذاء وقوام. وفي ذلك أعجوبتان: إحداهما التّغذّي بما لا يتغذّي به. والأخرى استمراؤه وهضمه للشيء الذي لو ألقي في شيء ثم طبخ أبدا ما انحلّ ولا لان، والحجارة هو المثل المضروب في الشدّة. قال الشاعر: [من البسيط] حتى يلين لضرس الماضغ الحجر وقال آخر [٤] : [من البسيط] ما أطيب العيش لو أنّ الفتى حجر ... تنبو الحوادث عنه وهو ملموم [٥] ووصف الله قلوب قوم بالشدّة والقسوة، فقال: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [٦] ، وقال في التشديد: ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [٧] . لأنه حين حذر

стр. 855

النّاس أعلمهم أنّه يلقي العصاة في نار تأكل الحجارة. ومن الحجارة ما يتّخذه الصفّارون [١] علاة [٢] دون الحديد؛ لأنّه أصبر على دقّ عظام المطارق والفطّيسات [٣] . فجوف النعامة يذيب هذا الجوهر الذي هذه صفته. ١١٦٥-[أكل النعام الحصى والحجارة] وقال ذو الرّمّة [٤] : [من البسيط] أذاك أم خاضب بالسّيّ مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب [٥] شخت الجزارة مثل البيت سائره ... من المسوح خدبّ شوقب خشب [٦] كأنّ رجليه مسماكان من عشر ... صقبان لم يتقشّر عنهما النّجب [٧] الهاه آء وتنّوم، وعقبته ... من لائح المرو، والمرعى له عقب [٨] وقال أبو النّجم [٩] : [من الرجز] والمرو يلقيه إلى أمعائه ... في سرطم ماد على التوائه [١٠] يمور في الحلق على علبائه ... تمعّج الحيّة في غشائه [١١] هاد ولو حار بحوصلائه [١٢] ومن زعم أنّ جوف الظّليم إنما يذيب الحجارة بقيظ الحرارة فقد أخطأ. ولكن

стр. 856

لابدّ من مقدار للحرارة ونحو غرائز أخر، وخاصّيّات أخر، ألا ترى أنّ القدور التي يوقد تحتها الأيّام واللّيالي، لا تذوب. ١١٦٦-[القول في الخاصّيّات والمقابلات والغرائز] وسأدلك على أنّ القول في الخاصّيّات والمقابلات والغرائز حقّ. ألا ترى أنّ جوف الكلب والذّيب يذيبان العظام ولا يذيبان نوى التمر، ونوى التمر أرخى وألين وأضعف من العظام المصمتة. وما أكثر ما يهضم العظم. وقد يهضم العظم جوف الأسد وجوف الحيّة. إذا ازدردت بضع اللحم بالشّره والنّهم، وفيها بعض العظام. والبراذين التي يحيل أجوافها القتّ والتّبن روثا، لا تستمري الشعير. والإبل تقبض بأسنانها على أغصان أمّ غيلان، وله شوك كصياصي [١] البقر، والقضبان علكة [٢] يابسة جرد، وصلاب متينة، فتستمرئها وتجعلها ثلطا [٣] ، ولا تقوى على هضم الشّعير المنقع، وليس ذلك إلّا بالخصائص والمقابلات. وقد قدّر كلّ شيء لشيء. ولولا ذلك لما نفذ خرطوم البعوضة والجرجسة في جلد الفيل والجاموس، ولما رأيت الجاموس يهرب إلى الانغماس في الماء مرّة، ومرّة يتلطّخ بالطّين، ومرّة يجعله أهله على ربيث الدكان. ولو دفعوا إليك مسلّة شديدة المتن، لما أدخلتها في جلد الجاموس إلّا بعد التكلّف، وإلّا ببعض الاعتماد. والذي سخّر جلد الجاموس حتّى انفرى وانصدع لطعنة البعوضة، وسخّر جلد الحمار لطعنة الذّباب، وسخّر الحجارة لجوف الظليم، والعظم لجوف الكلب- هو الذي سخّر الصّخر الصّلب لأذناب الجراد، إذا أرادت أن تلقي بيضها؛ فإنّها في تلك الحال متى عقدت ذنبها في ضاحي صخرة انصدعت لها. ولو كان انصداعها من جهة الأسر [٤] ، ومن قوّة الآلة، ومن الصّدم وقوّة الغمز، لا نصدعت لما هو في الحسّ أشدّ وأقوى، ولكنّه على جهة التّسخير، والمقابلات، والخصائص. وكذلك عود الحلفاء، مع دقّته ورخاوته ولين انعطافه، إذا نبت في عمق الأرض، وتلقّاه الآجرّ والخزف الغليظ، ثقب ذلك، عند نباته وشبابه، وهو في ذلك عبقر نضير. وزعم لي ناس من أهل الأردنّ، أنّهم وجدوا الحلفاء قد خرق جوف القار [٥] .

стр. 857

وزعم لي أبو عتّاب الجرّار، أنّه سمع الأكرة يخبرون أنّهم وجدوه قد خرق فلسا بصريّا [١] . وليس ذلك لشدّة الغمز وحدّة الرأس، ولكنه يكون على قدر ملاقاة الطباع. ويزعمون أنّ الصّاعقة تسقط في حانوت الصّيقل [٢] فتذيب السّيوف بطبعها، وتدع الأغماد على شبيه بحالها، وتسقط على الرّجل ومعه الدراهم فتسبك الدّراهم، ولا يصيب الرجل أكثر من الموت. والبحريّون عندنا بالبصرة والأبلّة التي تكون فيها الصّواعق. لا يدعون في صحون دورهم وأعالي سطوحهم، شيئا من الصّفر إلّا رفعوه؛ لأنّها عندهم تنقضّ من أصل مخارجها، على مقدار من محاذاة الأرض، ومقابلة المكان. فإذا كان الصّفر لها ضاحيا، عدلت إليه عن سننها [٣] . وما أنكر ما قالوا. وقد رأيتهم يستعملون ذلك. وقد يسقط النّوى في تراب المتوضّإ، فإذا صهرج [٤] نبت، فإذا انتهى إلى الصّاروج أمسك. وإن كان الصّاروج رقيقا فإن قيّر، وجعل غلظه بقدر طول الإبهام، نبت ذلك النّوى حتّى يخرق ذلك القار. ولو رام رجل خرقه بمسمار أو سكّة، لما بلغ إرادته حتى يشقّ على نفسه. والذي سخّر هذه الأمور القويّة في مذهب الرّأي وإحساس النّاس، هو الذي سخّر القمقم، والطّيجن [٥] ، والمرجل، والطّست [٦] ، لإبرة العقرب. فما أحصي عدد من أخبرني من الحوّائين، من أهل التّجارب، أنّها ربّما خرجت من جحرها في اللّيل لطلب الطّعم. ولها نشاط وعرام، فتضرب كلّ ما لقيت ولقيها: من حيوان، أو نبات، أو جماد. وزعم لي خاقان بن صبيح- واستشهد المثنّى بن بشر، وما كان يحتاج خبره إلى شاهد؛ لصدقه- أنّه سمع في داره نقرة وقعت على قمقم- وقد كان سمع بهذا

стр. 858

الحديث- فنهض نحو الصّوت، فإذا هو بعقرب فتعاورها هو والمثني بنعالهما حتى قتلاها، ثمّ دعوا بماء فصبّاه في القمقم في عشيّتهما، وهو صحيح لا يسيل منه شيء. فمن تعجّب من ذلك فليصرف بديّا تعجّبه إلى الشيء الذي تقذفه بذنبها العقرب في بدن الإنسان والحمير والبغال، فليفكّر في مقدار ذلك من القلة والكثرة. فقد زعم لي ناس من أهل العسكر أنّهم وزنوا جرّارة [١] بعد أن ألسعوها فوجدوا وزنها على تحقيق الوزن على مقدار واحد، فإن كان الشيء المقذوف من شكل الشيء الحارّ، فلم قصّرت النّار عن مبلغ عمله؟! وإن كان من شكل الشيء البارد فلم قصّر الثلج عن مبلغ عمله؟! فقد وجب الآن أنّ السمّ ليس يقتل بالحرارة، ولا بالبرودة إذا كان باردا. ولو وجدنا فيما أردنا شيئا بلغ مبلغ الثّلج والنار لذكرناه. فقد دلّ ما ذكرنا على أنّ جوف النّعامة ليس يذيب الصّخر الأملس بالحرارة، ولكنّه لا بدّ على كلّ حال من مقدار من الحرارة، مع خاصيّات أخر، ليست بذات أسماء، ولا تعرف إلّا بالوهم في الجملة. ١١٦٧-[علة قتل السم] والسمّ يقتل بالكمّ والكيف والجنس، والكمّ المقدار، والكيف: الحدّ. والجنس: عين الجوهر وذاته. وتزعم الهند أنّ السمّ إنما يقتل بالغرابة، وأنّ كلّ شيء غريب خالط جوف حيوان قتله. وقد أبى ذلك ناس فقالوا: وما باله يكون غريبا إذا لاقى العصب واللّحم، وربّما كان عاملا فيهما جميعا. بل ليس يقتل إلّا بالجنس، وليس تحسّ النّفس إلّا بالجنس، ولو كان الذي يميت حسّهما إنّما يميته لأنّه غريب. جاز أيضا أن يكون الحسّاس إنما حسّ لأنه غريب، ولو كان هذا جائزا لقيل في كلّ شيء. وقال ابن الجهم: لولا أنّ الذهب المائع، والفضّة المائعة، يجمدان إذا صارا في جوف الإنسان. وإذا جمدا لم يجاوزا مكانهما- لكانا من القواتل بالغرابة. وهذا القول دعوى في النّفس، والنّفس تضيق جدّا. وما قرأت للقدماء في النفس الأجلاد الكثيرة. وإنما يستدلّ ببقاء تلك الكتب على وجه الدّهر إلى يومنا هذا، ونسخ الرّجال لها أمّة بعد أمّة، وعمرا بعد عمر، على جهل أكثر النّاس بالكلام. والمتكلمون يريدون أن يعلموا كلّ شيء، ويأبى الله ذلك. فهذا باب من أعاجيب الظليم.

стр. 859

باب آخر وهو عندي أعجب من الأول وهو ابتلاعه الجمر حتى ينفذ إلى جوفه، فيكون جوفه هو العامل في إطفائه، ولا يكون الجمر هو العامل في إحراقه. وأخبرني إبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النّظّام- وكنّا لا نرتاب بحديثه إذا حكى عن سماع أو عيان- أنّه شهد محمد بن عبد الله- يلقي الحجر في النّار، فإذا عاد كالجمر قذف به قدّامه، فإذا هو يبتلعه كما يبتلع الجمر. كنت قلت له: إنّ الجمر سخيف سريع الانطفاء إذا لقي الرّطوبات، ومتى أطبق عيه شيء يحول بينه وبين النّسيم خمد، والحجر أشدّ إمساكا لما يتداخله من الحرارة، وأثقل ثقلا، وألزق لزوقا وأبطأ انطفاء، فلو أحميت الحجارة! فأحماها ثم قذف بها إليه، فابتلع الأولى فارتبت به، فلما ثنى وثلّث اشتدّ تعجبي له، فقلت له: لو أحميت أواقيّ الحديد، ما كان منها ربع رطل ونصف رطل! ففعل، فابتلعه، فقلت: هذا أعجب من الأوّل والثّاني، وقد بقيت علينا واحدة، وهو أن ننظر: أيستمري الحديد كما يستمري الحجارة؟ ولم يتركنا بعض السفهاء وأصحاب الخرق [١] أن نتعرّف ذلك على الأيّام. وكنت عزمت على ذبحه وتفتيش جوفه وقانصته، فلعلّ الحديد يكون قد بقي هناك لا ذائبا ولا خارجا فعمد بعض ندمائه إلى سكّين فأحمي، ثم ألقاه إليه فابتلعه، فلم يجاوز أعلى حلقه حتى طلع طرف السّكين من موضع مذبحه، ثمّ خرّ ميّتا. فمنعنا بخرقه من استقصاء ما أردنا. ١١٦٨-[شبه النعامة بالبعير وبالطائر] وفي النّعامة أنّها لا طائر ولا بعير، وفيها من جهة المنسم والوظيف [٢] والخرمة [٣] ، والشقّ الذي في أنفه، ما للبعير. وفيها من الرّيش والجناحين والذّنب والمنقار، ما للطائر. وما كان فيها من شكل الطّائر أخرجها ونقلها إلى البيض، وما كان فيها من شكل البعير لم يخرجها ولم ينقلها إلى الولد. وسماها أهل

стр. 860

فارس: «أشتر مرغ» ، كأنّهم قالوا: هو طائر وبعير. وقال يحيى بن نوفل [١] : [من الوافر] فأنت كساقط بين الحشايا ... تصير إلى الخبيث من المصير ومثل نعامة تدعى بعيرا ... تعاظمها إذا ما قيل طيري فإن قيل احملي قالت فإنّي ... من الطّير المربّة بالوكور [٢] ثمّ هجا خالدا فقال: وكنت لدى المغيرة عير سوء ... تصول، من المخافة، للزّئير لأعلاج ثمانية وعلج ... كبير السّنّ ذي بصر ضرير هتفت بكلّ صوتك: أطعموني ... شرابا، ثمّ بلت على السّرير وإنما قيل ذلك في النّعامة؛ لأنّ النّاس يضربون بها المثل للرّجل إذا كان ممّن يعتلّ في كلّ شيء يكلفونه بعلة، وإن اختلف ذلك التكليف، وهو قولهم: «إنما أنت نعامة، إذا قيل لها احملي قالت: أنا طائر، وإذا قيل لها طيري قالت: أنا بعير» ، ١١٦٩-[قصة أذني النعامة] وتزعم الأعراب أنّ النّعامة ذهبت تطلب قرنين، فرجعت مقطوعة الأذنين؛ فلذلك يسمّونه الظليم، ويصفونه بذلك [٣] . وقد ذكر أبو العيال الهذليّ ذلك، فقال [٤] : [من الكامل] وإخال أنّ أخاكم وعتابه ... إذ جاءكم بتعطّف وسكون يمسي إذا يمسي ببطن جائع ... صفر ووجه ساهم مدهون [٥] فغدا يمثّ ولا يرى في بطنه ... مثقال حبّة خردل موزون [٦]

стр. 861

أو كالنّعامة إذ غدت من بيتها ... ليصاغ قرناها بغير أذين فاجتثّت الأذنان منها فانثنت ... صلماء ليست من ذوات قرون [١] ١١٧٠-[تقليد الغراب للعصفور] ويقولون: ذهب الغراب يتعلم مشية العصفور، فلم يتعلّمها، ونسي مشيته، فلذلك صار يحجل ولا يقفز قفزان العصفور. ١١٧١-[مشي طوائف من الحيوان] والبرغوث والجرادة ذات قفز، ولا تمشي مشية لدّيك والصّقر والبازي، ولكن تمشي مشية المقيّد أو المحجّل خلقه. قال أبو عمران الأعمى، في تحوّل قضاعة إلى قحطان عن نزار [٢] : [من الطويل] كما استوحش الحيّ المقيم ففارقوا ال ... خليط فلا عزّ الّذين تحمّلوا كتارك يوما مشية من سجيّة ... لأخرى ففاتته فأصبح يحجل ١١٧٢-[عظام النعامة] ومن أعاجيبها أنّها مع عظم عظامها، وشدّة عدوها، لا مخّ فيها. وفي ذلك يقول الأعلم الهذلي [٣] : [من الوافر] على حتّ البراية زمخريّ الس ... واعد ظلّ في شري طوال يعني ظليما شبّه به عدو فرسه. والحتّ: السريع. والشّري: الحنظل. وبرايته: قوّته على ما يبريه من السّير. والسّواعد: مجاري مخّه في العظم وكذلك مجاري عروق الضّرع، يقال لها السّواعد. قال: ونظنّ إنّما قيل لها ذلك لأنّ بعضها يسعد بعضا، كأنّه من التّعاون أو من المواساة.

стр. 862

قال: والزّمخريّ: الأجوف. ويقال: إنّ قصب عظم الظّليم لا مخّ له. وقال أبو النّجم [١] : [من الرجز] هاو يظلّ المخّ في هوائه وواحد السّواعد: ساعد. وقال صاحب المنطق: ليس المخّ إلّا في المجوّفة، مثل عظم الأسد. وفي بعض عظامه مخّ يسير. وكذلك المخّ قليل في عظام الخنازير، وليس في بعضها منه شيء البتّة. ١١٧٣-[بيض النعام] ومن أعاجيبها [٢] أنّها مع عظم بيضها تكثّر عدد البيض، ثمّ تضع بيضها طولا، حتى لو مددت عليها خيطا لما وجدت لها منه خروجا عن الأخرى، تعطي كلّ بيضة من ذلك قسطه، ثمّ هي مع ذلك ربّما تركت بيضها وذهبت تلتمس الطّعام، فتجد بيض أخرى فتحضنه، وربّما حضنت هذه بيض تلك، وربّما ضاع البيض بينهما. وأمّا عدد بيضها ورئالها فقد قال ذو الرّمّة [٣] : [من البسيط] أذاك أم خاضب بالسّيّ مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب وفي وضعها له طولا وعرضا على خطّ وسطر، يقول [٤] : [من الوافر] وما بيضات ذي لبد هجفّ ... سقين بزاجل حتّى روينا [٥] وضعن فكلّهنّ على غرار ... هجان اللّون لم تقرع جنينا يبيت يحفهنّ بمرفقيه ... ويلحفهنّ هفهافا ثخينا [٦]

стр. 863

وقال الآخر [١] : [من البسيط] تهوي بها مكربات في مرافقها ... فتل صلاب مياسير معاجيل [٢] يدا مهاة، ورجلا خاضب سنق ... كأنّه من جناه الشّري مخلول [٣] هيق هجفّ وزفّانيّة مرطى ... زعراء، ريش جناحيها هراميل [٤] كأنما منثنى أقماع ما هصرت ... من العفاء بليتيها ثآليل [٥] تروّحا من سنام العرق فالتبطا ... إلى القنان التي فيها المداحيل [٦] إذا استهلّا بشؤبوب فقد فعلت ... بما أصابا من الأرض الأفاعيل [٧] فصادفا البيض قد أبدت مناكبها ... منها الرّئال، لها منها سرابيل [٨] فنكّبا ينقفان البيض عن بشر ... كأنها ورق البسباس مغسول [٩] ١١٧٤-[تشبيه القدر الضخمة بالنعامة] والشّعراء يشبّهون القدر الضّخمة التي تكون بمنزل العظيم وأشباهه من

стр. 864

الأجواد، بالنّعامة. قال الرّمّاح، ابن ميّادة [١] : [من الطويل] وقلت لها لا تعجلي.... ... كذلك تقري الشوك ما لم تردد إلى جامع مثل النّعامة يلتقي ... عوازبه فوق............. جامع: يعني القدر. وجعلها مثل النّعامة. وقال ابن ميادة [٢] يمدح الوليد بن يزيد: [من الطويل] نتاج العشار المنقيات إذا شتت ... روابدها مثل النّعام العواطف [٣] وقال الفرزدق [٤] : [من الطويل] وقدر كحيزوم النّعامة أحمشت ... بأجذال خشب زال عنها هشيمها [٥] ١١٧٥-[لعب الذئب بالنعام] وضحك أبو كلدة حين أنشد شعر ابن النّطّاح، وهو قوله [٦] : [من الكامل] والذّئب يلعب بالنّعام الشّارد قال: وكيف يلعب بالنّعام، والذّئب لا يعرض لبيض النّعام وفراخه حين لا يكونان حاضرين، أو يكون أحدهما، لأنّهما متى ناهضاه ركضه الذّكر فرماه إلى الأنثى، وأعجلته الأنثى فركضته ركضة تلقيه إلى الذّكر فلا يزالان كذلك حتى يقتلاه أو يعجزهما هربا، وإذا حاول ذلك منه أحدهما لم يقو عليه. قال: فكيف يقول: [من الكامل] والذّئب يلعب بالنّعام الشّارد وهذه حاله مع النّعام؟!

стр. 865

وزعم أنّ نعامتين اعتورتا ذئبا فهزمتاه، وصعد شجرة، فجالدهما، فنقره أحدهما، فتناول الذّئب رأسه فقطعه، ثمّ نزل إلى الآخر فساوره فهزمه. ١١٧٦-[جبن الظليم] والظّليم يوصف بالجبن، ويوصف بالنّفار والتّوحّش وقال سهم بن حنظلة [١] ، في هجائه بني عامر: [من المتقارب] إذا ما رأيت بني عامر ... رأيت جفاء ونوكا كثيرا نعام تجرّ بأعناقها ... ويمنعها نوكها أن تطيرا ١١٧٧-[شدة ضرر النعامة] والنّعامة تتخذها النّاس في الدّور، وضررها شديد، لأنّها ربّما رأت في أذن الجارية أو الصبيّة قرطا فيه حجر، أو حبّة لؤلؤ، فتخطفه لتأكله. فكم أذن قد خرقتها! وربّما رأت ذلك في لبّة [٢] الصبيّ أو الصبيّة، فتضربه بمنقارها، فربّما خرقت ذلك المكان. ١١٧٨-[تشبيه الفرس بالظليم] وممّا يشبّه به الفرس ممّا في الظليم، قول امرئ القيس بن حجر [٣] : [من الطويل] وخدّ أسيل كالمسنّ وبركة ... كجؤجؤ هيق دفّه قد تموّرا [٤] وقال عقبة بن سابق: [من الخفيف] وله بركة كجؤجؤ هيق ... ولبان مضرّج بالخضاب [٥] وقال أبو داؤد الإيادي [٦] : [من مجزوء الكامل] يمشي كمشي نعامت ... ين يتابعان أشقّ شاخص [٧]

стр. 866

وقال آخر: [من الوافر] كأنّ حماته كردوس فحل ... مقلّصة على ساقي ظليم [١] وقال أبو داؤد الإياديّ [٢] : [من الكامل] كالسّيد ما استقبلته وإذا ... ولّى تقول ململم ضرب [٣] لأم إذا استقبلته ومشى ... متتابعا ما خانه عقب [٤] يمشي كمشي نعامة تبعت ... أخرى إذا ما راعها خطب القول فيما اشتقّ له من البيض اسم قال العدبّس الكنانيّ: باضت البهمى [٥] : أي سقطت نصالها [٦] وباض الصّيف، وباض القيظ: اشتدّ الحرّ وخرج كلّ ما فيه- من ذلك. وقال الأسديّ: [من الطويل] فجئنا وقد باض الكرى في عيوننا ... فتى من عيوب المقرفين مسلّما [٧] وقال أميّة بن أبي الصّلت [٨] : [من الخفيف] ركبت بيضة البيات عليهم ... لم يحسّوا منها سواها نذيرا [٩] وقال الرّاعي [١٠] ، يهجو ابن الرّقاع: [من البسيط] لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا ابن الرّقاع، ولكن لست من أحد تأبى قضاعة لم تقبل لكم نسبا ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد

стр. 867

وفي المديح قول عليّ بن أبي طالب ﵁: «أنا بيضة البلد» ، [١] ومنه «بيضة الإسلام» [٢] . وبيضة القبّة: أعلاها، وكذلك الصّومعة، والبيض: قلانس الحديد. وقال أبو حيّة النّميريّ [٣] : [من الوافر] وصدّ الغانيات البيض عنّي ... وما إن كان ذلك عن تقالي [٤] رأين الشّيب باض على لداتي ... وأفسد ما عليّ من الجمال [٥] وبيض الجرح والخراج والحبن [٦] : الوعاء الذي يجمع فيه الصّديد، إذا خرج برئ وصلح. وقد يسمّون ما في بطون إناث السّمك بيضا، وما في بطون الجراد بيضا، وإن كانوا لا يرون قشرا يشتمل عليه، ولا قيضا [٧] يكون لما فيه حضنا. والخرشاء: قشرة البيض إذا خرج ما فيه. وسلخ الحيّة يقال له الخرشاء. ١١٧٩-[شعر في التشبيه بالبيض] وقال الأعشى [٨] في تشبيه اللّفاء الحسناء [٩] بالبيضة: [من السريع] أو بيضة في الدّعص مكنونة ... أو درّة سيقت إلى تاجر [١٠] وقال في بيض الحديد [١١] : [من الطويل] كأنّ نعام الدّوّ باض عليهم ... إذا شام يوما للصّريخ المندّد [١٢]

стр. 868

وقال الأعشى [١] : [من الطويل] أتتنا من البطحاء يبرق بيضها ... وقد رفعت نيرانها فاستقلّت وقال زيد الخيل [٢] : [من الطويل] كأنّ نعام الدّوّباض عليهم ... فأحداقهم تحت الحديد خوازر [٣] قال: ويقال تقيّضت البيضة، والإناء، والقارورة، تقيّضا: إذا انكسرت فلقا. فإذا هي لم تتفلّق فلقا وهي متلازقة، فهي منقاضة انقياضا. وقيض البيضة: قشرتها اليابسة. وغرقئها: القشرة الرّقيقة التي بين اللّحم وبين الصّميم. قال: والصّميم: الجلدة. قال: ويقال غرقأت البيضة: إذا خرجت وليس لها قشر ظاهر غير الغرقئة. قال الرّدّاد: غرقأت الدّجاجة بيضها، فالبيضة مغرقأة. والخرشاء: القشرة الغليظة من البيضة، بعد أن تثقب فيخرج ما فيها من البلل؛ وجماعها الخراشيّ، غير مهموز. قال: وقال ردّاد: خرشاء الحيّة: سلخها حين تنسلخ. قال: وتغدّى أعرابيّ عند بعض الملوك، فدبّت على حلقه قملة، فتناولها فقصعها بإبهامه وسبّابته، ثمّ قتلها، فقالوا له: ويلك! ما صنعت؟! فقال: بأبي أنتم وأمي، ما بقي إلا خرشاؤها! وقال المرقّش [٤] : [من السريع] إن تغضبوا نغضب لذاكم كما ... ينسلّ من خرشائه الأرقم [٥] وقال دريد بن الصّمّة في بيض الحديد [٦] : قال: ويقال في الحافر نزا ينزو. وأمّا الظّليم فيقال: قعا يقعو، مثل البعير.

стр. 869

يقال: قاع يقوع قوعا وقياعا، وقعا يقعو قعوا. فهذا ما يسوّون فيه بينه وبين البعير. ويقال: خفّ البعير، والجمع أخفاف. ومنسم البعير، والجمع مناسم؛ وكذلك يقال للنّعامة. وقال الرّاعي [١] : [من الطويل] ورجل كرجل الأخدريّ يشيلها ... وظيف على خفّ النّعامة أروح [٢] وقال جران العود [٣] : [من الطويل] لها مثل أظفار العقاب ومنسم ... أزجّ كظنبوب النّعامة أروح [٤] قال: والزّاجل: ماء الظّليم؛ وهو كالكراض من ماء الفحل. وأنشد لابن أحمر [٥] : [من الوافر] وما بيضات ذي لبد هجفّ ... سقين بزاجل حتّى روينا وقال الطّرمّاح [٦] : [من الخفيف] سوف تدنيك من لميس سبندا ... ة أمارت بالبول ماء الكراض [٧] وربّما استعاروا المناسم. قال الشاعر: [من الرجز] توعدني بالسّجن والآدات ... إذا عدت تأظبت أدات تربط بالحبل أكيرعات قال: ويقال لولد النّعام: الرّأل، والجمع رئال ورئلان؛ وحفّان. وحفّانة

стр. 870

للواحدة، والجمع حفّان؛ وحسكل. ويقال: هذا خيط نعام وخيطان. وقال الأسود بن يعفر: [من الكامل] وكأنّ مرجعهم مناقف حنظل ... لعب الرّئال بها وخيط نعام ويقال: قطيع من نعام، ورعلة من نعام. وقال الأصمعيّ: الرّعلة: القطعة من النّعام. والسّرب من الظّباء والقطا. والإجل من الظّلف. وقال طفيل الغنويّ [١] في بيضة الحيّ وما أشبه ذلك: [من الطويل] ضوابع تنوي بيضة الحيّ بعدما ... أذاعت بريعان السّوام المعزّب [٢] قال: ويقال: للظليم إذا رعى في هذا النّبات ساعة وفي هذا ساعة قد عقّب يعقّب تعقيبا. وأنشدني لذي الرّمّة [٣] : [من البسيط] ألهاه آء وتنّوم وعقبته ... من لائح المرو والمرعى له عقب قال: ويقال للرجل، إذا كان صغير الأذنين لاصقتين بالرّأس: أصمع؛ وامرأة صمعاء. ويقال: خرج السهم متصمّعا: إذا ابتلّت قذذه من الدّم وانضمّت. وقال أبو ذؤيب [٤] : [من الكامل] سهما فخرّ وريشه متصمّع ويقال: أتانا بثريدة مصمّعة: إذا دقّقها وحدّد رأسها. وصومعة الرّاهب منه؛ لأنها دقيقة الرأس. وفلان أصمع القلب: إذا كان ذكيا حديدا ماضيا. وقال طرفة [٥] : [من الطويل] لعمري لقد مرّت عواطس جمّة ... ومرّ قبيل الصّبح ظبي مصمّع [٦]

стр. 871

أراد: ماضيا. وقال الشاعر في بيضة البلد: [من البسيط] أقبلت توضع بكرا لا خطام لها ... حسبت رهطك عندي بيضة البلد ويشبّه عظام جماجم الرؤوس ببيض النّعام. وقال الأعرج القينيّ: [من الوافر] بكينا بالرّماح غداة طرق ... على قتلى بناصفة كرام [١] جماجم غودرت بحمام عرق ... كأنّ فراشها بيض النّعام [٢] وقال مقاتل بن طلبة [٣] : [من الطويل] رأيت سحيما فاقد الله بينها ... تنيك بأيديها وتأبى أيورها وقال السّحيمي يردّ عليه: [من الطويل] مقاتل، بشّرها ببيض نعامة ... وإن لم تبشّرها فأنت أميرها وقال أبو الشّيص الخزاعي في بيضة الخدر: [من البسيط] وأبرز الخدر من ثنييه بيضته ... وأعجل الرّوع نصل السّيف يخترط [٤] فثمّ تفديك منّا كلّ غانية ... والشّيخ يفديك والولدان والشّمط [٥] وقال جحش بن نصيب: [من الطويل] كأنّ فلاق الهام تحت سيوفنا ... خذاريف بيض عجّل النّقف طائره [٦] وقال مهلهل [٧] في بيضة الخدر: [من الكامل] وتجول بيضات الخدور حواسرا ... يمسحن فضل ذوائب الأيتام [٨]

стр. 872

وهو وما قبله يدلان على أنهم لا يشبّهون ببيض النّعام إلّا الأبكار. قال الشاعر [١] : [ممن الطويل] وبيض أفقنا بالضّحى من متونها ... سماوة بيض كالخباء المقوّض [٢] هجوم عليها نفسه، غير أنّه ... متى يرم في عينيه بالشّخص ينهض [٣] يعني بالبيض بيض النّعام. وسماوة الشيء: شخصه. لأنّ الظّليم لما رآهم فزع ونهض. وهذا البيت أيضا يدلّ على أنّه فروقة [٤] . وقال ذو الرّمّة [٥] في بيض النّعام: [من الطويل] تراه إذا هبّ الصّبا درجت به ... غرابيب من بيض هجائن دردق [٦] قال: والصّبا والجنوب تهبّان في أيام يبس البقل، وهو الوقت الذي يثقب النّعام فيه البيض. يقول: درجت به رئلان سود غرابيب، وهي من بيض هجائن: أي بيض. والدّردق: الصّغار، وهو من صغر الرّئلان. قال طفيل بن عوف الغنويّ [٧] ، وذكر كيف يأخذون بيض النّعام: [من الطويل] عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا تمّ حول مجرّم [٨]

стр. 873

سوى نار بيض أو غزال معفّر ... أغنّ من الخنس المناخر توءم [١] هذه إبل راع معزب صاحب بواد وبدوة لا يأتي المحاضر والمياه حيث تكون النّيران. وهو صاحب لبن وليس صاحب بقل، فإبله لا ترى نارا سوى نار بيض أو غزال. ١١٨٠-[نار الصّيد] وهذه النّار هي النّار التي يصطاد بها الظّباء والرّئلان وبيض النّعام [٢] لأنّ هذه كلّها تعشى إذا رأت نارا، ويحدث لها فكرة فيها ونظر. والصبيّ الصغير كذلك. وأوّل ما يعابث الرّضيع، أوّل ما يناغي، المصباح. وقد يعتري مثل ذلك الأسد، ويعتري الضّفدع؛ لأنّ الضّفدع ينقّ، فإذا رأى نارا سكت. وهذه الأجناس قد تغترّ بالنّار، ويحتال لها بها. ١١٨١-[تشبيه الغيوم بالنّعام] وتوصف الغيوم المتراكمة بأنّ عليها نعاما. قال الشّاعر [٣] : [من المتقارب] كأنّ الرّباب دوين السّحا ... ب نعام تعلّق بالأرجل [٤] وقال آخر [٥] : [من الطويل] خليليّ لا تستسلما وادعوا الّذي ... له كلّ أمر أن يصوب ربيع حيا لبلاد أبعد المحل أهلها ... وفي العظم شيء في شظاه صدوع [٦] بمستنضد غرّ النّشاص كأنها ... جبال عليهنّ النّسور وقوع [٧] ١١٨٢-[استطراد لغوي] وقال آخر [٨] : [من الكامل] وضع النّعامات الرّجال بريدها ... من بين مخفوض وبين مظلّل [٩]

стр. 874

والنعائم في السماء [١] ، والنعائم والنّعامتان من آلات البئر. والنعامة: بيت الصائد. وقال في مثل ذلك عروة بن مرّة الهذليّ [٢] : [من الطويل] وذات ريد كزنق الفأس مشرفة ... طريقها سرب بالنّاس مجبوب [٣] لم يبق من عرشها إلّا نعامتها ... حالان منهزم منها ومنصوب [٤] ١١٨٣-[مسكن الأروى والنعام] وفي المثل: «ما يجمع بين الأروى والنّعام» [٥] لأنّ الأروى تسكن الجبال ولا تسهل [٦] ، والنّعام تسكن السهل ولا ترقى في الجبال. ولذلك قال الشاعر [٧] : [من المتقارب] وخيل تكردس بالدّارعين ... كمشي الوعول على الظّاهره [٨] وقال كثيّر [٩] : [من الكامل] يهدي مطايا كالحنيّ ضوامرا ... بنياط أغبر شاخص الأميال [١٠]

стр. 875

فكأنّه إذ يغتدي متسنّما ... وهدا فوهدا ناعق برئال [١] ١١٨٤-[تشبيه النعام بالسحاب] وقال الأعشى [٢] ، في تشبيه النّعام بما يتدلّى من السّحاب من قطع الرّباب: [من مجزوء الكامل] يا هل ترى برقا على ال ... جبلين يعجبني انجيابه [٣] من ساقط الأكناف ذي ... زجل أربّ به سحابه [٤] مثل النّعام معلّقا ... لمّا زقا ودنا ربابه [٥] وقال وشبّه ناقته بالظّليم [٦] : [من الكامل] وإذا أطاف لبابه بسديسه ... ومسافرا ولجا به وتزيّدا شبّهته هقلا يباري هقلة ... ربداء في خيط نقانق أربدا [٧] وذكر زهير [٨] الظّليم وأولاده، حتّى شبّه ناقته بالظّليم: [من الطويل] كأنّي وردفي والقراب ونمرقي ... على خاضب السّاقين أزعر نقنق [٩] تراخى به حبّ الضّحاء وقد رأى ... سماوة قشراء الوظيفين عوهق [١٠] تحنّ إلى ميل الحبابير جثّم ... لدى سكن من بيضها المتفلّق [١١] تحطّم عنها عن خراطم أسيح ... وعن حدق كالسّبج لم يتفلّق

стр. 876

السّبج: الخرز ١١٨٥-[النعامة فرس خالد بن نضلة] وكان اسم فرس خالد بن نضلة: «النّعامة» . قال: [من الطويل] تدارك إرخاء النّعامة حنثرا ... ودودان أدّته إليّ مكبّلا ١١٨٦-[تشبيه مشي الشيخ بهدجان الرئال] وقال عروة بن الورد [١] : [من الطويل] أليس ورائي أن أدبّ على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي رهينة قعر البيت كلّ عشيّة ... يطيف بي الولدان أهدج كالرّأل شبّه هدجان الشّيخ الضّعيف في مشيته بهدجان الرّأل. وقال أبو الزّحف [٢] : [من الرجز] أشكو إليك وجعا بركبتي ... وهدجانا لم يكن في مشيتي كهدجان الرّأل حول الهيقت [٣] وقال آخر، ولست أدري أيّهما حمل على صاحبه: [من الرجز] أشكو إليك وجعا بمرفقي ... وهدجانا لم يكن في خلقي كهدجان الرّأل حول النّقنق ولم يفضحه إلّا قوله: أشكو إليك وجعا بمرفقي لأنّ الأوّل حكى أنّ وجعه في المكان الذي يصيب الشّيوخ، ووجع المرفق مثل وجع الأذن، وضربان الضّرس ليس من أوجاع الكبر في شيء.

стр. 877

١١٨٧-[شعر فيه ذكر النعامة] وقال ابن ميّادة [١] ، وذكر بني نعامة من بني أسد- وقد كان قطريّ بن الفجاءة يكنى أبا نعامة-: [من الطويل] فهل يمنعنّي أن أسير ببلدة ... نعامة، مفتاح المخازي وبابها ١١٨٨-[جعل البيضة الفاسدة مثلا] وهجا دريد بن الصّمّة رجلا فجعل البيضة الفاسدة مثلا له، ثمّ ألحق النّسر بأحرار الطّير وكرامها- وما رأيتهم يعرفون ذلك لنسر- فقال [٢] : [من الطويل] فإنّي على رغم العذول لنازل ... بحيث التقى عيط وبيض بني بدر أيا حكم السّوءات لا تهج واضطجع ... فهل أنت إن هاجيت إلّا من الخضر وهل أنت إلّا بيضة مات فرخها ... ثوت في سلوخ الطير في بلد قفر حواها بغاث: شرّ طير علمتها ... وسلّاء ليست من عقاب ولا نسر ١١٨٩-[استطراد لغوي] ويقال للأنثى من ولد النّعامة: قلوص؛ على التشبيه بالنّعام من الإبل. وهذا الجمع إلى ما جعلوه له من اسم البعير، وإلى ما جعلوا له من الخفّ والمنسم، والخرمة، وغير ذلك. قال عنترة [٣] : [من الكامل] تأوي له قلص النّعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم [٤]

стр. 878

وقال شماخ بن ضرار [١] : [من الطويل] قلوص نعام زفّها قد تموّرا [٢] ١١٩٠-[وصف الرئال] ووصف لبيد الرّئال فقال [٣] : [من الوافر] فأضحت قد خلت إلّا عرارا ... وعزفا، بعد أحياء حلال [٤] وخيطا من خواضب مزلفات ... كأنّ رئالها ورق الإفال [٥] وقال حسان بن ثابت، ﵁ [٦] : [من الوافر] لعمرك إنّ إلّك في قريش ... كإلّ السّقب من رأل النّعام [٧] وقد عاب عليه هذا البيت ناس، وظنّوا أنّه أراد التبعيد، فذكر شيئين قد يتشابهان من وجوه. وحسان لم يرد هذا، وإنما أراد ضعف نسبه في قريش، وأنّه حين وجد أدنى نسب انتحل ذلك النّسب. ١١٩١-[النعامة، فرس الحارث بن عباد] وقال الفرزدق- وذكر الفرس الذي يقال له: «النّعامة» وهو فرس الحارث بن

стр. 879

عباد، التي يقول فيها [١] : [من الخفيف] قرّبا مربط النّعامة منّي ... لقحت حرب وائل عن حيال وقول الفرزدق [٢] : [من الطويل] ترييك نجوم اللّيل والشّمس حيّة ... كرام بنات الحارث بن عباد نساء أبوهنّ الأغرّ، ولم تكن ... من الحتّ في أجبالها وهداد [٣] أبوها الذي آوى النّعامة بعدما ... أبت وائل في الحرب غير تماد وقد مدحوا بنات الحارث بن عباد هذا، فمن ذلك قوله [٤] : [من الكامل] جاؤوا بحارشة الضّباب كأنّهم ... جاؤوا ببنت الحارث بن عباد [٥] ويلحق هذا البيت بموضعه، من قولهم. باض الصّيف، وباض القيظ. وقال مضرّس [٦] : [من الطويل] بلمّاعة قد باكر الصّيف ماءها ... وباضت عليها شمسه وحرائره ١١٩٢-[ابن النعامة، فرس خزز بن لوذان] وابن النّعامة: فرس خزز بن لوذان. وهو الذي يقول لامرأته حين أنكرت عليه إيثاره فرسه باللبن [٧] : [من الكامل] كذب العتيق وماء شنّ بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي [٨]

стр. 880

إنّي لأخشى أن تقول خليلتي ... هذا غبار ساطع فتلبّب [١] إنّ العدوّ لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحّلي وتخضبي ويكون مركبك القعود وحدجه ... وابن النّعامة يوم ذلك مركبي [٢] ١١٩٣-[شعر في النعامة] وقال أبو بكر الهذليّ [٣] : [من الكامل] وضع النّعامات الرّجال بريدها ... يرفعن بين مشعشع [٤] ومهلّل وقال ذو الإصبع العدوانيّ [٥] : [من البسيط] ولي ابن عمّ على ما كان من خلق ... مخالف لي أقليه ويقليني [٦] أزرى بنا أنّنا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني [٧] وقال أبو داؤد الإياديّ في ذكر الصّيد، وذكر فرسه [٨] : [من الخفيف] وأخذنا به الصّرار وقلنا ... لحقير بنانه أضمار [٩] وأتى يبتغي تفرّس أمّ البي ... ض شدّا وقد تعالى النهار غير جعف أوابد ونعام ... ونعام خلالها أثوار في حوال العقارب العمر فيها ... حين ينهضن بالصّباح عذار ثم قال: يتكشّفن عن صرائع ستّ ... قسّمت بينهنّ كأس عقار بين ربداء كالمظلّة أفق ... وظليم مع الظّليم حمار
следующие страницы →