← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

السّبج: الخرز ١١٨٥-[النعامة فرس خالد بن نضلة] وكان اسم فرس خالد بن نضلة: «النّعامة» . قال: [من الطويل] تدارك إرخاء النّعامة حنثرا ... ودودان أدّته إليّ مكبّلا ١١٨٦-[تشبيه مشي الشيخ بهدجان الرئال] وقال عروة بن الورد [١] : [من الطويل] أليس ورائي أن أدبّ على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي رهينة قعر البيت كلّ عشيّة ... يطيف بي الولدان أهدج كالرّأل شبّه هدجان الشّيخ الضّعيف في مشيته بهدجان الرّأل. وقال أبو الزّحف [٢] : [من الرجز] أشكو إليك وجعا بركبتي ... وهدجانا لم يكن في مشيتي كهدجان الرّأل حول الهيقت [٣] وقال آخر، ولست أدري أيّهما حمل على صاحبه: [من الرجز] أشكو إليك وجعا بمرفقي ... وهدجانا لم يكن في خلقي كهدجان الرّأل حول النّقنق ولم يفضحه إلّا قوله: أشكو إليك وجعا بمرفقي لأنّ الأوّل حكى أنّ وجعه في المكان الذي يصيب الشّيوخ، ووجع المرفق مثل وجع الأذن، وضربان الضّرس ليس من أوجاع الكبر في شيء.

стр. 877

١١٨٧-[شعر فيه ذكر النعامة] وقال ابن ميّادة [١] ، وذكر بني نعامة من بني أسد- وقد كان قطريّ بن الفجاءة يكنى أبا نعامة-: [من الطويل] فهل يمنعنّي أن أسير ببلدة ... نعامة، مفتاح المخازي وبابها ١١٨٨-[جعل البيضة الفاسدة مثلا] وهجا دريد بن الصّمّة رجلا فجعل البيضة الفاسدة مثلا له، ثمّ ألحق النّسر بأحرار الطّير وكرامها- وما رأيتهم يعرفون ذلك لنسر- فقال [٢] : [من الطويل] فإنّي على رغم العذول لنازل ... بحيث التقى عيط وبيض بني بدر أيا حكم السّوءات لا تهج واضطجع ... فهل أنت إن هاجيت إلّا من الخضر وهل أنت إلّا بيضة مات فرخها ... ثوت في سلوخ الطير في بلد قفر حواها بغاث: شرّ طير علمتها ... وسلّاء ليست من عقاب ولا نسر ١١٨٩-[استطراد لغوي] ويقال للأنثى من ولد النّعامة: قلوص؛ على التشبيه بالنّعام من الإبل. وهذا الجمع إلى ما جعلوه له من اسم البعير، وإلى ما جعلوا له من الخفّ والمنسم، والخرمة، وغير ذلك. قال عنترة [٣] : [من الكامل] تأوي له قلص النّعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم [٤]

стр. 878

وقال شماخ بن ضرار [١] : [من الطويل] قلوص نعام زفّها قد تموّرا [٢] ١١٩٠-[وصف الرئال] ووصف لبيد الرّئال فقال [٣] : [من الوافر] فأضحت قد خلت إلّا عرارا ... وعزفا، بعد أحياء حلال [٤] وخيطا من خواضب مزلفات ... كأنّ رئالها ورق الإفال [٥] وقال حسان بن ثابت، ﵁ [٦] : [من الوافر] لعمرك إنّ إلّك في قريش ... كإلّ السّقب من رأل النّعام [٧] وقد عاب عليه هذا البيت ناس، وظنّوا أنّه أراد التبعيد، فذكر شيئين قد يتشابهان من وجوه. وحسان لم يرد هذا، وإنما أراد ضعف نسبه في قريش، وأنّه حين وجد أدنى نسب انتحل ذلك النّسب. ١١٩١-[النعامة، فرس الحارث بن عباد] وقال الفرزدق- وذكر الفرس الذي يقال له: «النّعامة» وهو فرس الحارث بن

стр. 879

عباد، التي يقول فيها [١] : [من الخفيف] قرّبا مربط النّعامة منّي ... لقحت حرب وائل عن حيال وقول الفرزدق [٢] : [من الطويل] ترييك نجوم اللّيل والشّمس حيّة ... كرام بنات الحارث بن عباد نساء أبوهنّ الأغرّ، ولم تكن ... من الحتّ في أجبالها وهداد [٣] أبوها الذي آوى النّعامة بعدما ... أبت وائل في الحرب غير تماد وقد مدحوا بنات الحارث بن عباد هذا، فمن ذلك قوله [٤] : [من الكامل] جاؤوا بحارشة الضّباب كأنّهم ... جاؤوا ببنت الحارث بن عباد [٥] ويلحق هذا البيت بموضعه، من قولهم. باض الصّيف، وباض القيظ. وقال مضرّس [٦] : [من الطويل] بلمّاعة قد باكر الصّيف ماءها ... وباضت عليها شمسه وحرائره ١١٩٢-[ابن النعامة، فرس خزز بن لوذان] وابن النّعامة: فرس خزز بن لوذان. وهو الذي يقول لامرأته حين أنكرت عليه إيثاره فرسه باللبن [٧] : [من الكامل] كذب العتيق وماء شنّ بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي [٨]

стр. 880

إنّي لأخشى أن تقول خليلتي ... هذا غبار ساطع فتلبّب [١] إنّ العدوّ لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحّلي وتخضبي ويكون مركبك القعود وحدجه ... وابن النّعامة يوم ذلك مركبي [٢] ١١٩٣-[شعر في النعامة] وقال أبو بكر الهذليّ [٣] : [من الكامل] وضع النّعامات الرّجال بريدها ... يرفعن بين مشعشع [٤] ومهلّل وقال ذو الإصبع العدوانيّ [٥] : [من البسيط] ولي ابن عمّ على ما كان من خلق ... مخالف لي أقليه ويقليني [٦] أزرى بنا أنّنا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني [٧] وقال أبو داؤد الإياديّ في ذكر الصّيد، وذكر فرسه [٨] : [من الخفيف] وأخذنا به الصّرار وقلنا ... لحقير بنانه أضمار [٩] وأتى يبتغي تفرّس أمّ البي ... ض شدّا وقد تعالى النهار غير جعف أوابد ونعام ... ونعام خلالها أثوار في حوال العقارب العمر فيها ... حين ينهضن بالصّباح عذار ثم قال: يتكشّفن عن صرائع ستّ ... قسّمت بينهنّ كأس عقار بين ربداء كالمظلّة أفق ... وظليم مع الظّليم حمار

стр. 881

ومهاتين حرس ورئال ... وشبوب كأنّه أوثار [١] ووصف علقمة بن عبدة [٢] ناقته، وشبّهها بأشياء منها، ثمّ أطنب في تشبيهه إيّاها بالظّليم: [من البسيط] تلاحظ السّوط شزرا وهي ضامزة ... كما توجسّ طاوي الكشح موشوم [٣] كأنّها خاضب زعر قوائمه ... أجني له باللّوى شري وتنّوم [٤] يظلّ في الحنظل الخطبان ينقفه ... وما استطفّ من التّنّوم مخذوم [٥] فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنه ... أسكّ ما يسمع الأصوات مصلوم [٦] يكاد منسمه يختلّ مقلته ... كأنّه حاذر للنّخس مشهوم [٧] حتى تذكّر بيضات وهيّجه ... يوم رذاذ، عليه الرّيح مغيوم فلا تزيّده في مشيه نفق ... ولا الزّفيف دوين الشّدّ مسؤوم [٨] يأوي إلى حسكل زعر حواصلها ... كأنّهنّ إذا برّكن جرثوم [٩] وضّاعة كعصيّ الشّرع جؤجؤه ... كأنّه بتناهي الرّوض علجوم [١٠]

стр. 882

حتى تلافى وقرن الشّمس مرتفع ... أدحيّ عرسين فيه البيض مركوم [١] يوحى إليها بإنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الرّوم [٢] صعل، كأنّ جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم [٣] تحفّه هقلة سطعاء خاضبة ... تجيبه بزمار فيه ترنيم [٤] ١١٩٤-[النعامة التي تطحن] الأصمعيّ قال: أخبرني رجل من أهل البصرة قال: أرسل شيخ من ثقيف ابنه فلانا- ولم يحفظ اسمه- إلى ابن سيرين، فكلمه بكلام، وأمّ ابنه هذا قاعدة، ولا يظنّ أنّها تفطن، فقال له: يا بنيّ اذهب إلى ابن سيرين، فقل له: رجل رأى أنّ له نعامة تطحن. قال: فقلت له؛ فقال: هذا رجل اشترى جارية فخبّأها في بني حنيفة. قال: فجئت أبي فأخبرته، فنافرته أمّي، وما زالت به حتى اعترف أنّ له جارية في بني حنيفة. وما أعرف هذا التأويل. ولولا أنّه من حديث الأصمعي مشهور ما ذكرته في كتابي. ١١٩٥-[مسيلمة الكذاب] وأمّا قول الشاعر الهذليّ في مسيلمة الكذاب، في احتياله وتمويهه وتشبيه ما يحتال به من أعلام الأنبياء، بقوله [من الطويل] ببيضة قارور وراية شادن ... وتوصيل مقصوص من الطير جادف

стр. 883

قال: هذا شعر أنشدناه أبو الزّرقاء سهم الخثعمي، هذا منذ أكثر من أربعين سنة. والبيت من قصيدة قد كان أنشدنيها فلم أحفظ منها إلّا هذا البيت. فذكر أنّ مسيلمة طاف قبل التنبّي، في الأسواق التي كانت بين دور العجم والعرب، يلتقون فيها للتسوّق والبياعات، كنحو سوق الأبلّة، وسوق لقه، وسوق الأنبار، وسوق الحيرة. قال: وكان يلتمس تعلّم الحيل والنّيرجات [١] ، واختيارات النّجوم والمتنبئين. وقد كان أحكم حيل السّدنة [٢] والحوّاء [٣] وأصحاب الزّجر [٤] والخطّ [٥] ومذهب الكاهن والعيّاف والسّاحر، وصاحب الجنّ الذي يزعم أنّ معه تابعه. قال: فخرج وقد أحكم من ذلك أمورا. فمن ذلك أنّه صبّ على بيضة من خلّ قاطع- والبيض إذا أطيل إنقاعه في الخلّ لان قشره الأعلى، حتّى إذا مددته استطال واستدقّ وامتدّ كما يمتدّ العلك، أو على قريب من ذلك- قال: فلمّا تمّ له فيها ما طاول وأمّل، طوّلها ثمّ أدخلها قارورة ضيّقة الرّأس، وتركها حتّى جفّت ويبست. فلمّا جفّت انضمّت، وكلما انضمّت استدارت، حتى عادت كهيئتها الأولى. فأخرجها إلى مجّاعة، وأهل بيته، وهم أعراب، وادّعى بها أعجوبة، وأنّها جعلت له آية. فآمن به في ذلك المجلس مجّاعة. وكان قد حمل معه ريشا في لون ريش أزواج حمام، وقد كان يراهنّ في منزل مجّاعة مقاصيص. فالتفت، بعد أن أراهم الآية في البيض، إلى الحمام فقال لمجّاعة: إلى كم تعذّب خلق الله بالقصّ؟! ولو أراد الله للطّير خلاف الطّيران لما خلق لها أجنحة، وقد حرّمت عليكم قصّ أجنحة الحمام! فقال له مجّاعة كالمتعنت: فسل الذي أعطاك في البيض هذه الآية أن ينبت لك جناح هذا الطائر الذّكر السّاعة! فقلت لسهم: أما كان أجود من هذا وأشبه أن يقول: فسل الذي أدخل لك هذه البيضة فم هذه القارورة أن يخرجها كما أدخلها. قال. فقال: كأنّ القوم كانوا

стр. 884

أعرابا، ومثل هذا الامتحان من مجّاعة كثير، ولعمري إنّ المتنبئ ليخدع ألفا مثل قيس ابن زهير، قبل أن يخدع واحدا من آخر المتكلمين، وإن كان ذلك المتكلم لا يشقّ غبار قيس فيما قيس بسبيله. قال مسيلمة: فإن أنا سألت الله ذلك، فانتبه له حتى يطير وأنتم ترونه، أتعلمون أني رسول الله إليكم؟ قالوا: نعم. قال: فإني أريد أن أناجي ربّي، وللمناجاة خلوة، فانهضوا عنّي، وإن شئتم فادخلوه هذا البيت وأدخلوني معه، حتى أخرجه إليكم السّاعة في الجناحين يطير، وأنتم ترونه. ولم يكن القوم سمعوا بتغريز الحمام، ولا كان عندهم باب الاحتياط في أمر المحتالين. وذلك أن عبيدا الكيّس، فإنّه المقدّم في هذه الصناعة، لو منعوه السّتر والاختفاء، لما وصل إلى شيء من عمله جلّ ولا دقّ؛ ولكان واحدا من النّاس. فلما خلا بالطائر أخرج الريش الذي قد هيّأه، فأدخل طرف كلّ ريشة ممّا كان معه، في جوف ريش الحمام المقصوص، من عند المقطع والقصّ. وقصب الرّيش أجوف، وأكثر الأصول حداد وصلاب. فلما وفّى الطّائر ريشه صار في العين كأنّه برذون موصول الذّنب، لا يعرف ذلك إلّا من ارتاب به. والحمام بنفسه قد كان له أصول ريش، فلما غرّزت تمت فلما أرسله من يده طار. وينبغي ألّا يكون فعل ذلك بطائر قد كانوا قطوه بعد أن ثبت عندهم. فلما فعل ذلك ازداد من كان آمن به بصيرة، وآمن به آخرون لم يكونوا آمنوا به، ونزع منهم في أمره كلّ من كان مستبصرا في تكذيبه. قال: ثمّ إنّه قال لهم- وذلك في مثل ليلة منكرة الرّياح مظلمة، في بعض زمان البوارح [١]- إنّ الملك على أن ينزل إليّ، والملائكة تطير، وهي ذوات أجنحة، ولمجيء الملك زجل وخشخشة وقعقعة، فمن كان منكم ظاهرا فليدخل منزله؛ فإنّ من تأمّل اختطف بصره! ثمّ صنع راية من رايات الصّبيان التي تعمل من الورق الصّينيّ، ومن الكاغد [٢] ، وتجعل لها الأذناب والأجنحة، وتعلّق في صدورها الجلاجل [٣] ، وترسل يوم الرّيح بالخيوط الطّوال الصّلاب.

стр. 885

قال: فبات القوم يتوقّعون نزول الملك، ويلاحظون السّماء، وأبطأ عنهم حتّى قام جلّ أهل اليمامة؛ وأطنبت الرّيح [١] وقويت، فأرسلها، وهم لا يرون الخيوط، واللّيل لا يبين عن صورة الرّقّ، وعن دقّة الكاغد. وقد توهّموا قبل ذلك الملائكة. فلمّا سمعوا ذلك ورأوه تصارخوا وصاح: من صرف بصره ودخل بيته فهو آمن! فأصبح القوم وقد أطبقوا على نصرته والدّفع عنه. فهو قوله [٢] : [من الطويل] ببيضة قارور وراية شادن ... وتوصيل مقصوص من الطير جادف فقلت لسهم: يكون مثل هذا الأمر العجيب، فلا يقول فيه شاعر، ولا يشيع به خبر؟! قال: أو كلما كان في الأرض عجب، أو شيء غريب، فقد وجب أن يشيع ذكره، ويقال فيه الشّعر، ويجعل زمانه تاريخا! ألسنا معشر العرب نزعم أنّ كسرى أبرويز، وهو من أحرار فارس، من الملوك الأعاظم، وسليل ملوك، وأبو ملوك، مع حزمه ورأيه وكماله، خطب إلى النّعمان بن المنذر، وإلى رجل يرضى أن تكون امرأته ظئرا لبعض ولد كسرى، وهو عامله، ويسمّيه كسرى عبدا، وهو مع ذلك أحيمر أقيشر، إمّا من أشلاء قصيّ بن معد، وإما من عرض لخم. وهو الذي قالوا: تزوّج مومسة- وهي الفاجرة؛ ولا يقال لها مومسة إلّا وهي بذلك مشهورة- وعرفها بذلك، وأقام عليها، وهجي بها ولم يحفل بهجائهم. وممّا زاد في شهرتها قصّة المرقش. وناكها قرّة بن هبيرة حين سباها. فعلم بذلك وأقام عليها، ثمّ لم يرض حتّى قال لها: هل مسّك؟ قالت: وأنت والله لو قدر عليك لمسّك! فلم يرض بها حتى قال لها: صفيه لي. فوصفته حتّى قالت: كأنّ شعر خدّيه حلق الدّرع! وبال على رأسه خلف ابن نوالة الكناني عام حجّ، ونصّره عديّ بن زيد بأحمق سبب [٣] . وخطب أخوه المنذر إلى عبيدة بن همام، فردّه أقبح الرّدّ، وقال [٤] : [من المتقارب]

стр. 886

أتوني ولم أرض ما بيّتوا ... وقد طرقوني بأمر نكر لأنكح أيّمهم منذرا ... وهل ينكح العبد حرّ لحر ثمّ مع ذلك خطب إليه كسرى بعض بناته فرغب بها عنه، حتّى كان ذلك سبب هربه وعلّة لقتله- فهل رأيت شاعرا في ذلك الزّمان مع كثرة الشعراء فيه، ومع افتخارهم بالذي كان منهم في يوم جلولى [١] ويوم ذي قار، وفي وقائع المثنّى بن حارثة وسعد بن أبي وقّاص- فهل سمعت في ذلك بشعر صحيح طريف المخرج، كما سمعته في جميع مفاخرهم ممّا لا يداني هذا المفخر؟! ولقد خطب بعض إخوته إلى رجال من نزار، من غير أهل البيوتات، فرغبوا عنهم. وأمّ النعمان سلمى بنت الصّائغ [٢] : يهوديّ من أنباط الشام، ثمّ كان نجله لفعل غير محمود. وقد قال جبلة بن الأيهم، لحسّان بن ثابت: قد دخلت عليّ ورأيتني، فأين أنا من النّعمان؟ قال: والله [٣] ....... فالنّعمان مع هذه المثالب كلّها قد رغب بنفسه عن مصاهرة كسرى، وهو من أنبه الأكاسرة. وكما كان أبرويز أعظم خطرا، كانت أنفته أفخر للعرب، وأدلّ على ما يدّعون من العلوّ في النسب وكان الأمر مشهودا ظاهرا، ومردّدا على الأسماع مستفيضا. فإذ قد تهيّأ أن يكون مثل هذا الأمر الجليل، والمفخر العظيم، والعرب أفخر الأمم، ومع ذلك قد أغفلوه- فشأن مسيلمة أحقّ بأن يجوز ذلك عليه.

стр. 887

وأنشدني يوسف لبعض شعراء بني حنيفة، وكان يسمّى مسيلمة ويكنى أبا ثمامة [١] : [من مجزوء الكامل] لهفي عليك أبا ثمامه ... لهفي على ركني شمامه كم آية لأبيهم ... كالشّمس تطلع من غمامه وقد كتبنا قصّته وقصّة ابن النّوّاحة (في كتابنا الذي ذكرنا فيه فصل ما بين النبيّ والمتنبي) وذكرنا جميع المتنبئين، وشأن كلّ واحد منهم على حدته، وبأيّ ضرب كان يحتال، وذكرنا جملة احتيالاتهم، والأبواب التي تدور عليها مخاريقهم. فإن أردت أن تعرف هذا الباب فاطلب هذا الكتاب؛ فإنّه موجود. ١١٩٦-[هجاء عبد القيس للنعمان] وقد هجا عبد القيس بن خفاف البرجميّ، النّعمان بن المنذر، في الجاهليّة، وذكر ولادة الصّائغ له فقال [٢] : [من الخفيف] لعن الله ثمّ ثنّى بلعن ... ابن ذا الصّائغ، الظلوم الجهولا يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثمّ لا يرزأ العدوّ فتيلا [٣] ١١٩٧-[سهم الحنفي] وكان سهم الحنفيّ يلي طبرستان، لمعن بن زائدة، مع حداثة سنه يومئذ، وكان له مروءة وقدر في نفسه. ١١٩٨-[حظ القبائل من الشعر] وبنو حنيفة مع كثرة عددهم، وشدّة بأسهم، وكثرة وقائعهم، وحسد العرب لهم على دارهم وتخومهم وسط أعدائهم، حتى كأنهم وحدهم يعدلون بكرا كلها- ومع ذلك لم نر قبيلة قطّ أقلّ شعرا منهم. وفي إخوتهم عجل قصيد ورجز، وشعراء ورجّازون. وليس ذلك لمكان الخصب وأنّهم أهل مدر، وأكّالو تمر؛ لأنّ الأوس والخزرج كذلك، وهم في الشعر كما قد علمت. وكذلك عبد

стр. 888

القيس النّازلة قرى البحرين، فقد تعرف أنّ طعامهم أطيب من طعام أهل اليمامة. وثقيف أهل دار ناهيك بها خصبا وطيبا، وهم وإن كان شعرهم أقلّ، فإنّ ذلك القليل يدلّ على طبع في الشعر عجيب. وليس ذلك من قبل رداءة الغذاء، ولا من قلّة الخصب الشّاغل والغنى عن النّاس؛ وإنّما ذلك عن قدر ما قسم الله لهم من الحظوظ والغرائز، والبلاد والأعراق مكانها. وبنو الحارث بن كعب قبيل شريف، يجزون مجاري ملوك اليمن، ومجاري سادات أعراب أهل نجد ولم يكن لهم في الجاهليّة كبير حظّ في الشعر. ولهم في الإسلام شعراء مفلقون. وبنو بدر كانوا مفحمين، وكان ما أطلق الله به ألسنة العرب خيرا لهم من تصيير الشعر في أنفسهم. وقد يحظى بالشعر ناس ويخرج آخرون، وإن كانوا مثلهم أو فوقهم. ولم تمدح قبيلة في الجاهليّة، من قريش، كما مدحت مخزوم. ولم يتهيّأ من الشّاهد والمثل لمادح في أحد من العرب، ما تهيّأ لبني بدر. وقد كان في ولد زرارة لصلبه، شعر كثير، كشعر لقيط وحاجب وغيرهما من ولده. ولم يكن لحذيفة ولا حصن، ولا عيينة بن حصن، ولا لحمل بن بدر. شعر مذكور. وقد كان عبد العزيز بن مروان أحظى في الشعر من كثير من خلفائهم. ولم يكن أحد من أصحابنا، من خلفائنا وأئمتنا، أحظى في الشعر من الرّشيد. وقد كان يزيد ابن مزيد وعمّه، ممّن أحظاه الشّعر. وما أعلم في الأرض نعمة بعد ولاية الله، أعظم من أن يكون الرّجل ممدوحا. ١١٩٩-[الصّمّ من الحيوان] تقول العرب: ضربان من الحيوان لا يسمعان الأصوات. وذلك عامّ في الأفاعي والنّعام. واعتدّ من ادّعى للنّعام الصّمم بقول علقمة [١] : [من البسيط] فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنه ... أسكّ ما يسمع الأصوات مصلوم

стр. 889

قال: ولا يصلح أن تكون «ما» في الموضع الذي ذكر؛ لأنّ ذلك يصير كقول القائل: التمر حلو، والثّلج بارد، والنّار حارّة. ولا يحتاج إلى أن يخبر أنّ الذي يسمع هذا الصّوت؛ لأنه لا مسموع إلّا الصّوت. قال خصمه: فقد قال علقمة بن عبدة: [من البسيط] حتّى تلافى وقرن الشّمس مرتفع ... أدحيّ عرسين فيه البيض مركوم يوحي إليها بإنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الرّوم ثم قال: تحفّه هقلة سفعاء خاذلة ... تجيبه بزمار فيه ترنيم واحتجّ من زعم أنها تسمع، بقوله [١] : [من الطويل] وصحم صيام بين صمد ورجلة ... وبيض تؤام بين ميث ومذنب [٢] متى ما تشأ تسمع عرارا بقفرة ... يجيب زمارا كاليراع المثقب [٣] وقال الطّرمّاح [٤] : [من الكامل] يدعو العرار بها الزّمار كأنّه ... ألم تجاوبه النّساء العوّد [٥] قال: وصوت النعامة الذّكر: العرار. وصوت الأنثى: الزّمار. وأنشد الذي زعم أنّها لا تسمع، قول أسامة بن الحارث الهذليّ [٦] : [من الطويل] تذكّرت إخواني فبتّ مسهّدا ... كما ذكرت بوّا من اللّيل فاقد [٧]

стр. 890

لعمري لقد أمهلت في نهي خالد ... عن الشّام إمّا يعصينّك خالد [١] وأمهلت في إخوانه فكأنّما ... تسمّع بالنّهي النّعام المشرّد وقال الذي زعم أنّها تسمع: فقد قال الله : أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ [٢] ولو عنى أنّ عماهم كعمى العميان، وصممهم كصمم الصّمّان، لما قال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [٣] وإنّما ذلك كقوله: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ* [٤] وكيف تسمع المدبر عنك! ولذلك يقال: «إنّ الحبّ يعمي ويصمّ» [٥] . وقد قال الهذليّ: [من الطويل] تسمّع بالنّهي النّعام المشرّد والشارد النافر عنك لا يوصف بالفهم. ولو قال: تسمع بالنّهي، وسكت- كان أبلغ فيما يريد. وهو كما قال الله تعالى: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ* [٤] . قال الرّاجز [٦] : [من الرجز] ردي ردي ورد قطاة صمّا ... كدريّة أعجبها برد الما [٧] أي لأنها لا تسمع صوتا يثنيها ويردّها. وأنشد قول الشاعر [٨] : [من الطويل] دعوت خليدا دعوة فكأنما ... دعوت به ابن الطّود أو هو أسرع والطّود: الجبل. وابنه: الحجر الذي يتدهده [٩] منه، كقوله [١٠] : [من الطويل] كجلمود صخر حطّه السّيل من عل

стр. 891

وقال الرّاجز [١] : [من الرجز] ومنهل أعور إحدى العينين ... بصير أخرى وأصمّ الأذنين كأنّه كان في ذلك المنهل بيران، والآبار أعين، فغوّرت إحدى البيرين وتركت الأخرى وقوله: «أصمّ الأذنين» لما أن كان عنده في الأرض فضاء وخلاء، حيث لا يسمع فيه صوت. جعله أن كان لا يسمع صوتا أصمّ؛ وإن كان ذلك لفقد الأصوات. قال: وقد قال الحارث بن حلّزة قولا يدلّ على أنّها تسمع، حيث قال [٢] : [من الخفيف] ولقد أستعين يوما على اله ... مّ إذا خفّ بالثّويّ الثّواء بزفوف كأنها هقلة أ ... مّ رئال دوّيّة سفعاء [٣] ثم قال: آنست نبأة وأفزعها القن ... اص عصرا وقد دنا الإمساء فترى خلفهنّ من سرعة المش ... ي منينا كأنّه أهباء [٤] ولو قال: «أفزعها القنّاص» ولم يقل: «آنست نبأة» - والنّبأة الصّوت- لكان لكم في ذلك مقال. وقال امرؤ القيس [٥] : [من الطويل] وصمّ صلاب ما يقين من الوجى ... كأنّ مكان الرّدف منه على رال [٦] وإنما يعني أنها مصمتة غير جوفاء. وقال الآخر [٧] : [من البسيط] قل ما بدا لك من زور ومن كذب ... حلمي أصمّ وأذني غير صمّاء (علا) ، والتاج (فرر) ، والجمهرة ١٢٦، والعين ٧/١٧٤، والخزانة ٢/٣٩٧، ٣/٢٤٢، ٢٤٣، والمقاصد النحوية ٣/٤٤٩، وبلا نسبة في اللسان والتاج (حطط) .

стр. 892

يريد أنّ حلمه ليس بسخيف متخلخل، وليس بخفيف سار، ولكنّه مصمت. قال الشاعر [١] : [من الطويل] وأسأل من صمّاء ذات صليل وإنّما يريد أرضا يابسة، ورملة نشّافة، تسأل الماء: أي تريده وتبتلعه؛ وهي في ذلك صمّاء. ١٢٠٠-[ذكر الصّمّ في القرآن الكريم] وقد قال الله لناس يسمعون: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [٢] ذلك على المثل. وقال: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [٣] . وذلك كلّه على ما فسّرنا. وقال: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً [٤] وقال أيضا: إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ [٥] . ١٢٠١-[شعر في الصمم] وقال عنترة [٦] : [من الطويل] ظللنا نكرّ المشرفيّة فيهم ... وخرصان صمّ السّمهريّ المثقف [٧] وقال العجير السّلوليّ [٨] : [من الطويل] وقد جذب القوم العصائب مؤخرا ... ففيهنّ عن صلع الرّجال حسور فظلّ رداء العصب ملقى كأنّه ... سلى فرس تحت الرّجال عقور [٩]

стр. 893

لو ان الصّخور الصّمّ يسمعن صلقنا ... لرحن وفي أعراضهنّ فطور [١] وقال زهير [٢] : [من المديد] ليتني خلقت للأبد ... صخرة صمّاء في كبد لا تشكّي شرّ جارتها ... خلقت غليظة الكبد وقالت جمل بنت جعفر: [من الطويل] بني جعفر لا سلم حتّى نزوركم ... بكلّ ردينيّ وأبيض ذي أثر [٣] وحتّى تروا وسط البيوت مغيرة ... تصمّكم بالضّرب حاشية الذّعر [٤] تبين لذي الشّكّ الذي لم يكن درى ... ويبصرها الأعمى ويسمع ذو الوقر [٥] وقال دريد [٦] : [من الوافر] متى كان الملوك قطينا ... عليّ ولاية صمّاء منّي ١٢٠٢-[مثل وحديث في الصمم] ومن الأمثال قولهم: «صمّت حصاة بدم» [٧] قال: فأصله أن يكثر القتل وسفك الدّماء، حتّى لو وقعت حصاة على الأرض لم يسمع لها صوت؛ لأنّها لا تلقى صلابة الأرض. وقد جاء في بعض الحديث: «إذا كانت تلك الملاحم بلغت الدّماء الثّنن» [٨] يعني ثنن الخيل، وهو الشّعر الذي خلف الحافر.

стр. 894

وقال الزّبير بن عبد المطّلب [١] : [من الوافر] وينبي نخوة المختال عنّي ... جراز الحدّ ضربته صموت [٢] لأنّ السّيف إذا مرّ في العظم مرّا سريعا فلم يكن له صوت- كان في معنى الصامت. ١٢٠٣-[شعر في الصمم] وقال ابن ميّادة [٣] : [من الطويل] متى أدع في قيس بن عيلان خائفا ... إلى فزع تركب إليّ خيولها بملمومة كالطّود شهباء فيلق ... رداح يصمّ السّامعين صليلها [٤] لأنّ الصّوت إذا اشتدّ جدّا لم يفهم معناه، إن كان صاحبه أراد أن يخبر عن شيء. ومتى كثرت الأصوات صارت وغى [٥] ، ومنع بعضها بعضا من الفهم. فإذا لم يفهمها صار في معنى الأصمّ، فجاز أن يسمّى باسم الأصمّ. وعلى ذلك قال الأضبط بن قريع، حين آذوه بنو سعد فتحوّل من جوارهم في آخرين فآذوه، فقال: «بكلّ واد بنو سعد» [٦] . وقال جران العود [٧] : [من الطويل] وقالت لنا والعيس صعر من البرى ... وأخفافها بالجندل الصّمّ تقذف [٨]

стр. 895

١٢٠٤-[قول منكر صمم النعام] وقال الذي ينكر صمم شيء من الخلق: اعتللتم في صمم النّعام بقول زهير: [من الوافر] [أصكّ مصلّم الأذنين أجنى ... له بالسّيّ تنّوم وآء] [١] وبقول أوس بن حجر [٢] : [من الطويل] وينهى ذوي الأحلام عنّي حلومهم ... وأرفع صوتي للنّعام المخزّم يريد خرق أنفه، وهو في موضع الخرمة من البعير. وأمّا قوله: «وأرفع صوتي للنّعام» فإنما خصّ بذلك النّعام لأنّها تجمع الشّرود والنّفار، إلى الموق وسوء الفهم. ولو قال: «وأرفع صوتي للحمير والدّوابّ» لكان كذلك. والمصلّمة: السّكّ التي ليس لآذانها حجم. ١٢٠٥-[رد على منكر الصمم] قال: قول الذي زعم أنها ليست بصماء لا يجوز؛ لأنّ الدواب تسمع وتفهم الزّجر، وتجيب الدّعاء. بل لو قال: وأرفع صوتي للصخور والحجارة، كان صوابا، وكان لرفع صوته معنى؛ إذ كان الرّفع والوضع عند الصّخور سواء. وليس كذلك الدوابّ. ولو كان إنما جعله مصلّما، وجعل آذان النّعام مصلومة، لأنه ليس لآذانها حجم فالطير كله كذلك إلّا الخفّاش. وكلّ شيء يبيض من الحيوان فليس لها حجم آذان. ففي قصدهم بهذه الكلمة إلى النّعام، بين جميع ما ليس لأذنيه حجم، دليل على أنّ تأويلكم خطأ. قال علقمة بن عبدة [٣] : [من البسيط] فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنه ... أسكّ ما يسمع الأصوات مصلوم

стр. 896

وقالت كبشة بنت معد يكرب [١] : [من الطويل] وأرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه ألّا تغلّوا لهم دمي [٢] ولا تأخذوا منهم إفالا وأبكرا ... وأترك في بيت بصعدة مظلم [٣] جدعتم بعبد الله آنف قومكم ... بني مازن أن سبّ راعي المخزّم فإن أنتم لم تثأروا لأخيكم ... فمشّوا بآذان النّعام المصلّم فلو كانت إنّما تريد أنّه ليس لمسامعها حجم، كانت الدّنيا لها معرضة. وقال عنترة [٤] : [من الكامل] وكأنّما أقص إلإكام عشيّة ... بقريب بين المنسمين مصلّم [٥] تأوي له حزق النّعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم [٦] ولو كان عنترة إنّما أراد عدم الحجم، لقد كانت الدّنيا له معرضة. وقال زهير [٧] : [من الوافر] بآرزة الفقارة لم يخنها ... قطاف في الرّكاب ولا خلاء [٨]

стр. 897

كأنّ الرحل منها فوق صعل ... من الظلمان جؤجؤه هواء [١] أصكّ مصلّم الأذنين، أجنى ... له بالسّيّ تنّوم وآء [٢] ١٢٠٦-[رد منكر صمم النعام] قال القوم: فإنّا لا نقول ذلك، ولكنّ العرب في أمثالها تقول: إنّ النّعامة ذهبت تطلب قرنين فقطعوا أذنيها [٣] . ليجعلوها مثلا في الموق وسوء التدبير. فإذا ذكر الشّاعر الظّليم، وذكر أنّه مصلّم الأذنين، فإنما يريد هذا المعنى. فكثر ذلك حتى صار قولهم: مصلم الأذنين، مثل قولهم صكّاء. وسواء قال صكّاء، أو قال نعامة، كما أنّه سواء قال خنساء أو قال مهاة ونعجة وبقرة وظبية؛ لأنّ الظّباء والبقر كلها فطس خنس وإذا سمّوا امرأة خنساء فليس الخنس والفطس يريدون، بل كأنهم قالوا: مهاة وظبية. ولذلك قال المسيّب بن علس [٤] ، في صفة النّاقة: [من الكامل] صكّاء ذعلبة إذا استقبلتها ... حرج إذا استدبرتها هلواع [٥] فتفهّم هذا البيت، فإنه قد أحسن فيه جدّا. والصّكك في الناس، والاصطكاك في رجلي الناقة عيب. فهو لم يكن ليصفها بما فيه عيب، ولكنّه لا يفرق بين قوله صكّاء، وبين قوله نعامة، وكذلك لا يفرّقون بين قولهم أعلم، وبين قولهم: بعير. قال الراجز: [من الرجز] إني لمن أنكر أو توسّما ... أخو خناثير يقود الأعلما [٦]

стр. 898

كأنه يقول: يقود بعيرا. وهو كقول عنترة [١] : [من الكامل] وحليل غانية تركت مجدّلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم ١٢٠٧-[ردّ مدّعي الصّمم] فقال من ادّعى للنّعام الصّمم: أمّا قولكم: من الدّليل على أن النّعامة تسمع قول الشاعر [٢] : [من الكامل] تدعو النّعام به العرار وقوله [٣] : [من الطويل] متى ما تشأ تسمع عرارا بقفرة ... يجيب زمارا كاليراع المثقّب وقوله [٤] : [من الخفيف] آنست نبأة وأفزعها القنّاص عصرا وقد دنا الإمساء فليس ذلك أراد. وقد يراك الأخرس من النّاس- والأخرس أصمّ- فيعرف ما تقول، بما يرى من صورة حركتك، كما يعرف معانيك من إشارتك، ويدعوك ويطلب إليك بصوت؛ وهو لم يسمع صوتك قط فيقصد إليه، ولكنه يريد تلك الحركة، وتلك الحركة تولد الصّوت، أراده هو أو لم يرده. ويضرب فيصيح، وهو لم يقصد إلى الصّياح، ولكنّه متى أدار لسانه في جوبة الفم بالهواء الذي فيه، والنّفس الذي يحضره جمّاع [٥] الفم، حدث الصّوت. وهذا إنما غايته الحركة فيعرف صورة تلك الحركة. والأخرس يرى النّاس يصفّقون بأيديهم، عند دعاء إنسان، أو عند الغضب والحدّ، فيعرف صورة تلك الحركة؛ لطول تردادها على عينيه، كما يعرف سائر الإشارات. وإذا تعجّب ضرب بيديه كما يضربون. فالنّعامة تعرف صورة إشارة الرّئلان وإرادتها، فتعقل ذلك، وتجاوبها بما تعقل عنها من الإشارة والحركة، وغدت لحركتها أصوات. ولو كانا يسمعان لم تزد حالهما في التّفاهم على ذلك.

стр. 899

١٢٠٨-[الشّمّ عند الحيوان] والعرب تقول: «أشمّ من نعامة» [١] و: «أشمّ من ذرّة» [١] . قال الرّاجز [٢] : [من الرجز] أشمّ من هيق وأهدى من جمل وقال الحرمازيّ، في أرجوزته [٢] : [من الرجز] وهو يشتمّ اشتمام الهيق قال: وأخبرنا ابن الأعرابيّ أنّ أعرابيّا كلم صاحبه، فرآه لا يفهم عنه ولا يسمع فقال: «أصلخ كصلخ النّعامة!» [٣] . وقد يكون الفرس في الموكب وخلفه، على قاب غلوتين، حجر أو رمكة [٤] ، فيتحصّن [٥] تحت راكبه، من غير أن تكون صهلت. والذّئب يشتمّ ويستروح من ميل، والذّرّة تشتمّ ما ليس له ريح، ممّا لو وضعته على أنفك ما وجدت له رائحة وإن أجدت التشمّم، كرجل الجرادة تنبذها من يدك في موضع لم تر فيه ذرّة قطّ، فلا تلبث أن ترى الذّرّ إليها كالخيط الأسود الممدود. وقال الشّاعر [٦] ، وهو يصف استرواح الناس: [من الطويل] وجاء كمثل الرّأل يتبع أنفه ... لعقبيه من وقع الصّخور قعاقع [٧] فإنّ الرّأل يشتم رائحة أبيه وأمّه والسّبع والإنسان من مكان بعيد. وشبّه به رجلا جاء يتّبع الرّيح فيشتمّ.

стр. 900

١٢٠٩-[استطراد لغوي] وقال الآخر [١] : [من الكامل] والمرء لم يغضب لمطلب أنفه ... أو عرسه لكريهة لم يغضب ومطلب أنفه: فرج أمّه؛ لأنّ الولد إذا تمّت أيّامه في الرّحم، قلا [٢] مكانه وكرهه، وضاق به موضعه، فطلب بأنفه موضع المخرج ممّا هو فيه من الكرب، حتّى يصير أنفه ورأسه على فم الرّحم، تلقاء فم المخرج. فالأناء [٣] والمكان يرفعانه في تلك الجهة، والولد يلتمس تلك الجهة بأنفه، ولولا أنّه يطلب الهواء من ذاته، ويكره مكانه من ذاته، ثمّ خرج إلى عالم آخر خلاف عالمه الذي ربّي فيه، لمات؛ كما يموت السّمك إذا فارقه الماء. ولكنّ الماء لمّا كان قابلا لطباع السمك غاذيا لها، والسّمك مريدا له، كان في مفارقته له عطبه. وكان في مفارقة الولد لجوف البطن واغتذائه فضلات الدّم، ما لا ينقص شيئا من طباعه وطباع المكان الذي كان له مرّة مسكنا. فلذلك قال الشّاعر الجاهلي [٤] : [من الكامل] والمرء لم يغضب لمطلب أنفه ... أو عرسه لكريهة لم يغضب يقول: متى لم يحم فرج أمّه وامرأته، فليس ممّن يغضب من شيء يؤول إليه. ١٢١٠-[قول المتكلّمين في صمم الأخرس] وزعم المتكلّمون أنّ الأخرس أصمّ، وأنّه لم يوت من العجز عن المنطق لشيء في لسانه، ولكنّه إنّما أتي في ذلك؛ لأنّه حين لم يسمع صوتا قطّ، مؤلّفا أو غير مؤلّف، لم يعرف كيفيّته فيقصد إليه. وأنّ جميع الصّمّ ليس فيهم مصمت [٥] ، وإنما يتفاوتون في الشّدّة واللّين؛ فبعضهم يسمع الهدّة والصّاعقة، ونهيق الحمار إذا كان قريبا منه، والرّعد الشّديد، لا يسمع غير ذلك. ومنهم من يسمع السّرار، وإذا رفعت له الصّوت لم يسمع. ومتى كلّمته وقرّت الشّكاية في أذنه، فهم عنك كلّ الفهم. وإن

стр. 901

تكلّمت على ذلك المقدار في الهواء، ولم يكن ينفذ في قناة تحصره وتجمعه، حتّى تؤدّيه إلى دماغه- لم يفهمه. فالأصمّ في الحقيقة إنّما هو الأخرس، والأخرس إنّما سمّي بذلك على التشبيه والقرابة. ومتى ضرب الأصمّ من النّاس إنسانا أو شيئا غيره، ظنّ أنّه لم يبالغ، حتّى يسمع صوت الضربة. قال الشّاعر [١] : [من الطويل] أشار بهم لمع الأصمّ فأقبلوا ... عرانين، لا يأتيه للنّصر محلب [٢] وقال الأسديّ [٣] : [من المتقارب] وأوصيكم بطعان الكماة ... فقد تعلمون بأن لا خلودا وضرب الجماجم ضرب الأصمّ ... حنظل شابة يجنى الهبيدا [٤] وقال الهذلي [٥] : [من البسيط] فالطعن شغشغة والضّرب معمعة ... ضرب المعوّل تحت الدّيمة العضدا [٦] وإنما جعله تحت الدّيمة؛ لأنّ الأغصان والأشجار تصير ألدن وأعلك، فيحتاج

стр. 902

الذي يضرب تلك الأصول قبل المطر، إلى عشر ضربات حتّى يقطع ذلك المضروب؛ فإذا أصابه المطر احتاج إلى أكثر من ذلك. ١٢١١-[تفسير بيت من الشعر] وأنشدني يحيى الأغر: [من المتقارب] كضرب القيون سبيك الحديد يوم الجنائب ضربا وكيدا [١] فلم أعرفه؛ فسألت بعض الصّياقلة فقال: نعم، هذا بيّن معروف. إذا أخرجنا الحديدة من الكير في يوم شمال [٢] ، واحتاجت في القطع إلى مائة ضربة، احتاجت في قطعها يوم الجنوب إلى أكثر من ذلك، وإلى أشدّ من ذلك الضّرب؛ لأنّ الشمال ييبّس ويقصف، والجنوب يرطّب ويلدّن. ١٢١٢-[الأخرس] والإنسان أبدا أخرس، إذا كان لا يسمع ولا يتبيّن الأصوات التي تخرج من فيه، على معناه [٣] . ويقال في غير الإنسان، على غير ذلك. قال كثيّر [٤] : [من الطويل] ألم تسألي يا أمّ عمرو فتخبري ... سلمت وأسقاك السّحاب البوارق بكيا لصوت الرّعد خرس روائح ... ونعق ولم يسمع لهن صواعق ١٢١٣-[السحابة الخرساء] وتقول العرب: «مازلت تحت عين خرساء» . والعين: السحابة تبقى أيّاما تمطر. وإذا كثر ماؤها وكثف، ولم يكن فيها مخارق تمدح ببرق [٥] .

стр. 903

ومتى رأيت البرق سمعت الرّعد بعد. والرّعد يكون في الأصل قبله، ولكنّ الصّوت لا يصل إليك في سرعة البرق؛ لأنّ البارق والبصر أشدّ تقاربا من الصّوت والسّمع. وقد ترى الإنسان، وبينك وبينه رحله فيضرب بعصا إمّا حجرا، وإمّا دابّة، وإمّا ثوبا، فترى الضّرب، ثمّ تمكث وقتا إلى أن يأتيك الصّوت. فإذا لم تصوّت السّحابة لم تبشّر بشيء، وإذا لم يكن لها رزّ [١] سمّيت خرساء. ١٢١٤-[الصخرة الصماء] وإذا كانت الصّخرة في هذه الصّفة سمّيت صماء. قال الأعشى [٢] : [من الكامل] وإذا تجيء كتيبة ملمومة ... مكروهة يخشى الكماة نزالها وعلى غير هذا المعنى قال كثيّر [٣] : [من الطويل] كأني أنادي صخرة، حين أعرضت ... من الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت ومن هذا الشّكل قول زهير [٤] : [من الكامل] وتنوفة عمياء لا يجتازها ... إلا المشيّع ذو الفؤاد الهادي [٥] قفر هجعت بها، ولست بنائم، ... وذراع يلقية الجران وسادي [٦]

стр. 904

ووقعت بين قتود عنس ضامر ... لحّاظة طفل العشيّ سناد [١] فجعل التّنوفة عمياء، حين لم تكن بها أمارات. ١٢١٥-[الحيوان الأعمى] ودابّة يقال لها الزّبابة، عمياء صمّاء، تشبه الفأرة؛ وليست بالخلد؛ لأنّ الخلد أعمى وليس بأصمّ. والزباب يكون في الرّمل. وقال الشاعر [٢] : [من مجزوء الكامل] وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا وكلّ مولود في الأرض يولد أعمى، إن كان تأويل العمى أنّه لا يبصر إلّا بعد أيام. فمنه ما يفتح عينيه بعد أيّام كالجرو؛ إلّا أولاد الدّجاج؛ فإنّ فراريجها تخرج كاسية كاسبة. ١٢١٦-[شعر فيه مجون] وقال أبو الشمقمق- وجعل الأير أعمى أصمّ على التشبيه- فقال [٣] : [من الطويل] فسلّم عليه فاتر الطرف ضاحكا ... وصوّت له بالحارث بن عباد بأصلع مثل الجرو جهم غضنفر ... معاود طعن جائف وسناد أصمّ وأعمى ينغض الدّهر رأسه ... يسير على ميل بغير قياد [٤] ١٢١٧-[قول لمن زعم أن النعامة تسمع] وقال من زعم أنّ النّعامة تسمع: يدلّ على ذلك قول طرفة [٥] : [من المنسرح] هل بالدّيار الغداة من خرس ... أم هل بربع الجميع من أنس

стр. 905

سوى مهاة تقرو أسرّته ... وجؤذر يرتعي على كنس [١] أو خضاب يرتعي بهقلته ... متى ترعه الأصوات يهتجس [٢] فقد قال طرفة كما ترى: متى ترعه الأصوات يهتجس وقال الآخر: جوابنا في هذا هو جوابنا فيما قبله. ١٢١٨-[فكاهة] وروى الهيثم بن عديّ، وسمعه بعض أصحابنا من أبي عبيدة، قال: تضارط أعرابيّان عند خالد بن عبد الله، أحدهما تميميّ والآخر أزديّ فضرط الأزديّ ضرطة ضئيلة، فقال التميميّ: [من الطويل] حبقت عجيفا محثلا ولو انّني ... حبقت لأسمعت النّعام المشرّدا [٣] فمرّ كمّر المنجنيق وصوته ... يبذّ هزيم الرّعد، بدءا عمرّدا [٤] ١٢١٩-[سبب إطلاق لقب نعامة على بعض الناس] وزعم أبو عمرو الشّيبانيّ عن بعض العرب، أنّ كلّ عربيّ وأعرابيّ كان يلقّب نعامة، فإنما يلقّب بذلك لشدّة صممه. وأنّه سأله عن الظليم: هل يسمع؟ فقال: يعرف بأنفه وعينه، ولا يحتاج معهما إلى سمع. وأنشدني: [من الطويل] فجئتك مثل الهقل يشتمّ رأله ... ولا عرف إلّا سوفها وشميمها [٥] وزعم أنّ لقب بيهس نعامة، وأنه لقّب بذلك لأنّه كان في خلق نعامة، وكان

стр. 906

شديد الصّمم مائقا. فأنشد لعديّ بن زيد [١] : [من الطويل] ومن حذر الأيّام ما حزّ أنفه ... قصير وخاض الموت بالسّيف بيهس [٢] نعامة لمّا صرّع القوم رهطه ... تبيّن في أثوابه كيف يلبس وقال المتنخّل الهذليّ [٣] وذكر سيفا: [من السريع] منتخب اللّبّ له ضربة ... خدباء كالعطّ من الخذعل [٤] يقول: هذا السّيف أهوج لا عقل له. والخدب في هذا الموضوع: الهوج. وتهاوي الشيء لا يتمالك. ويقال للسّيف لا يبالي ما لقي. ١٢٢٠-[شعر في التشبيه بالنعام] وقال الأعشى [٥] في غير هذا الباب: [من المتقارب] كحوصلة الرّال في جريها ... إذا جليت بعد إقعادها [٦] «كحوصلة الرّأل» يصف الخمر بالحمرة. جليت: أخرجت؛ وهو مأخوذ من جلوة العروس القاعدة، إذا قعدت عن الطّلب. ومثله في غير الخمر قول علقمة [٧] : [من البسيط] تأوي إلى حسكل حمر حواصله ... كأنّهنّ إذا برّكن جرثوم

стр. 907

وقال الأخنس بن شهاب [١] : [من الطويل] تظلّ بها ربد النّعام كأنّها ... إماء تزجّي بالمساء حواطب [٢] تزجّي: تدفع؛ وذلك أنّه يثقل حملها فتمشي مشية النّعامة. وقال الرّاجز [٣] : [من الكامل] وإذا الرّياح تروّحت بعشيّة ... رتك النّعام إلى كثيف العرفج [٤] والرّتك: مشي سريع. يقول تبادر إلى الكثيف تستتر به من البرد. وقال [٥] : [من الكامل] رتك النّعامة في طريق حام [٦] ١٢٢١-[زعم في استقبال الظليم للريح] وليس لقول من زعم أنّ الظليم إذا عدا استقبل الرّيح [٧] ، وإنّما ذلك مخافة أن تكون الرّيح من خلفه فتكبته- معنى؛ لأنّا نجدهم يصفون جميع ما يستدعونه باستقبال الرّيح. قال عبدة بن الطّبيب [٨] ، يصف الثّور: [من البسيط] مستقبل الرّيح يهفو وهو مبترك ... لسانه عن شمال الشّدق معدول [٩]

стр. 908

ووصف الذّيب طفيل الغنويّ، فقال [١] : [من الطويل] كسيد الغضا العادي أضلّ جراءه ... على شرف مستقبل الرّيح يلحب ١٢٢٢-[استطراد] ويلحق بموضع ذكر الضّرب الشديد، قولهم في المثل: «ضربناهم ضرب غرائب الإبل» [٢] . قال أبو حيّة [٣] : [من الطويل] جديرون يوم الرّوع أن يخضبوا القنا ... وأن يتركوا الكبش المدجّج ثاويا [٤] ضربناهم ضرب الجنابى على جبى ... غرائب تغشاه حرارا ضواريا [٥] وإذا جاءت عطاشا قد بلغ منها العطش واليبس، قيل: جاءت تصلّ أجوافها صليلا. قال الرّاعي [٦] : [من الكامل] فسقوا صوادي يسمعون عشيّة ... للماء في أجوافهنّ صليلا قال: وأنشدنا أبو مهديّة، لمزاحم العقيليّ [٧] : [من الطويل] غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها ... تصلّ، وعن قيض بزيزاء مجهل [٨]

стр. 909

قال الزّيزاء: المكان الغليظ. وقال آخر [١] : [من الطويل] ألم تعلمي يا أمّ حسّان أنّني ... إذا عبرة نهنهتها فتجلّت [٢] رجعت إلى صدر كجرّة حنتم ... إذا قرعت صفرا من الماء صلّت [٣] ١٢٢٣-[اختبار لأحد الحوّاء] وزعم ابن أبي العجوز الحوّاء، أنّ الأفاعي صمّ، فلذلك لا تجيب الرّقى، ثمّ زعم لي في ذلك المجلس أنّ أمير المؤمنين المنصور، أراد امتحان رقى حيّة وأن يتعرّف صحّتها من سقمها، وأنّه أمر فصاغوا له أفعى من رصاص، فجاءت ولا يشكّ النّاظر فيها؛ وأنّه أمر بإلزاقها في موضع من السّقف؛ وأنّه أحضره وقال له: إنّ هذه الأفعى قد صارت في هذه الدّار، وقد كرهتها لمكانها؛ فإن احتلت لي برقية، أو بما أحببت أحسنت إليك. قال: إن أردت أن آخذها هربت، ولكن أرقيها حتى تنزل! فرقاها فلما رآها لا تتحرّك زاد في رفع صوته وألقى قناعه، فلما رآها لا تتحرّك نزع عمامته وزاد في رفع صوته. فلما رآها لا تتحرّك نزع قلنسوته وزاد في رفع صوته. فلما رآها لا تتحرّك نزع ثيابه، وزاد في رفع صوته، حتّى أزبد، وتمرّغ في الأرض، فلما فعل ذلك سال ذلك الرّصاص وذاب، حتى صار بين أيديهم، فأقرّ عند ذلك المنصور بجودة رقيته. فقلت له: ويلك! زعمت قبيل أنّ الأفاعي لا تجيب الرّقى؛ لأنها لا تسمع، وهي حيوان، ثمّ زعمت أنّها أجابت، وهي جماد!! ١٢٢٤-[نفار النعامة وغيرها] وقال الشّاعر: [من الطويل]

стр. 910

وربداء يكفيها الشّميم وما لها ... سوى الرّبد من أنس بتلك المجاهل يخبر أنّ النّعامة لا تستأنس بشيء من الوحش، وأنّ الشّمّ يغنيها في فهم ما تحتاج إليه. وهي مع ذلك إذا صارت إلى دور النّاس، فليس معها من الوحشة منهم، على قدر ما يذكرون. وفي الوحش ما يأنس، وفيها ما لا يأنس. وقال كثيّر [١] : [من الطويل] فأقسمت لا أنساك ما عشت ليلة ... وإن شحطت دار وشطّ مزارها وما استنّ رقراق السّراب وما جرت ... ببيض الرّبا أنسيّها ونوارها [٢] ووصف بلادا قفارا غير مأنوسة فقال [٣] : [من الخفيف] ما ترى العين حولها من أنيس ... قربها غير رابدات الرّئال [٤] خصّها بالذّكر؛ لأنها أنفر وأشرد، وأقلّ أنسا من جميع الوحش. وقال الأحيمر [٥] : كنت آتي الظّبي حتى آخذ بذارعيه؛ وما كان شيء من بهائم الوحش ينكرني إلّا النّعام. وأنشد قول ذي الرّمّة [٦] : [من الطويل] وكلّ أحمّ المقلتين كأنّه ... أخو الإنس من طول الخلاء المغفّل [٧]

стр. 911

يدلّ على ذلك في قدر ما شاهدنا أنّهم يخرجون إلى الصّحارى الأغفال، التي لم يذعر صيدها، ولا يطؤها النّاس، فيأتون الوحش فوضى هملا، ومعهم كلابهم وفهودهم تتلوى بأيديهم، فيتقدّمون إلى المواضع التي لو كانوا ابتدؤوا الصّيد من جهتها لأخذوا ما أخذوا فإذا نفرت وحوش هذه الأرض، ومرّت بالأرض المجاورة لها، نفرت سكّان تلك الأرض مع هذه النّوافر، ولا تعود تلك الصحارى إلى مثل ما كانت عليه، من كثرة الوحش حينا. ومتى لم تنفّرها الأعراب بالكلاب والقسيّ، ونصب الحبائل، رتعت بقربهم، ثمّ دنت منهم أوّلا فأوّلا، حتى تطأ أكناف بيوتهم. وهي اليوم في حير [١] المعتصم بالله والواثق بالله على هذه الصّفة. ١٢٢٥-[إقبال الظّباء على الناس] وخبّرني إبراهيم بن السّنديّ قال خبرني عبد الملك بن صالح، وإسحاق بن عيسى، وصالح صاحب الموصل، أنّ خالد بن برمك، بينا هو على سطح من سطوح القرى مع قحطبة، وهم يتغدّون، وذلك في بعض منازلهم، حين فصلوا من خراسان إلى الجبل. قال: وبين قحطبة وبين الأعداء مسيرة أيّام وليال. قال: فبينا خالد يتغدّى معه وذلك حين نزلوا وبهم كلال السّير، وحين علّقوا [٢] على دوابّهم، ونصبوا قدورهم، وقرّبوا سفرهم [٣] . قال فنظر خالد إلى الصّحراء، فرأى أقاطيع الظّباء قد أقبلت من جهة الصّحارى، حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: أيّها الأمير! ناد في النّاس: «يا خيل الله اركبي» [٤] ؛ فإنّ العدوّ قد حثّ إليك السّير، وغاية أصحابك أن يسرجوا ويلجموا قبل أن يروا سرعان الخيل [٥] . فقام قحطبة مذعورا، فلما لم ير شيئا يروعه، ولم ير غبارا قال لخالد: ما هذا الرّأي! قال: أيّها الأمير! لا تتشاغل بي وبكلامي، وناد في النّاس. أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت، فارقت مواضعها حتّى خالطت الناس؟! إنّ وراءها

стр. 912

جمعا عظيما!. قال: فو الله ما ألجموا وأسرجوا حتى رأوا ساطع الغبار، ولا تلبّسوا [١] وتسلّحوا حتّى رأوا الطليعة [٢] . فما التأموا حتى استوى أصحاب قحطبة على ظهور خيولهم. ولولا نظرة خالد بن برمك وفراسته، لقد كان ذلك الجيش اصطلم [٣] . ١٢٢٦-[قصة في قوة الشمّ] وكان إبراهيم بن السّنديّ يحدّثنا من صدق حسّ أبيه في الشّمّ، بشيء ما يحكى مثله إلّا عن السّباع والذّرّ والنّعام. وزعم أنّ أباه قال ذات يوم: أجد ريح بول فأرة! ثمّ تشمّم وأجال أنفه في المجلس، فقال: هو في تلك الزّاوية! فنظروا فإذا على طرف البساط من البلل بقدر الدّرهم، أو أوسع شيئا، فقضوا أنّه بول فأرة. قال: وشهدته مرّة وأشراطه [٤] قيام على رأسه في السّماطين [٥] ، فقال: أجد ريح جورب عفن منتن! فتشمّمنا بأجمعنا، فلم نجد شيئا، ثمّ تشمّم وقال: انزعوا خفّ ذاك. فنزعوا خفّه، فكلّما مدّ النازع له شيئا بدا من لفافته. فما زال النّتن يكثف ويزداد، حتى خلع خفّه ونزعه من رجله، فظهر من نتن لفافته ما عرف به صدق حسّه. ثمّ قال: انزعوا الآن أخفافكم بأجمعكم، فلا بدّ من ألّا يكون في جميع اللّفائف منتن غير لفافته، أو تكون لفافته أنتنها؛ فنزعوا، فلم يجدوا في جميعها لفافة منتنة غيرها. وأنشدوا [٦] : [من الطويل] غزا ابن عمير غزوة تركت لنا ... ثناء كنتن الجورب المتخرّق ١٢٢٧-[أقوى درجات التشمم] وليس الذي يحكى من صدق الحسّ في الشّم- عن بعض النّاس، وعن النّعام والسّباع، والفأر والذّرّ، وضروب من الحشرات- من شكل ما نطق به القرآن العظيم،

стр. 913

من شأن يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسّلام حين يقول تعالى: قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ، قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [١] . وكان هذا من يعقوب بعد أن قال يوسف اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ [٢] . ولذلك قال: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ [١] ثمّ قال: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً [٣] . وإنّما هذا علامة ظهرت له خاصة؛ إذ كان النّاس لا يشتمّون أرواح [٤] أولادهم إذا تباعدوا عن أنوفهم، وما في طاقة الحصان الذي يجد ريح الحجر [٥] ممّا يجوز الغلوتين والثّلاث [٦] . فكيف يجد الإنسان وهو بالشّام ريح ابنه في قميصه، ساعة فصل من أرض مصر؟! ولذلك قال: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [٧] . ١٢٢٨-[بعض المجاعات] وقد غبر [٨] موسى وهو يسير أربعين عاما، لا يذوق ذواقا [٩] . وجاع أهل المدينة في تلك الحطمة [١٠] ، حتى كان أصحاب رسول الله ﷺ يشدّون الحجر على بطونهم، من الجوع والجهد [١١] . وكان النبيّ ﷺ ، وعلى آله الطّيبين الطاهرين

стр. 914

يقول: «إنّي لست كأحدكم، إنّي أبيت عند ربّي، يطعمني ويسقيني» [١] . ١٢٢٩-[جدال في ذبح الحيوان وقتله] ورجال ممّن ينتحل الإسلام، يظهرون التقذّر من الصّيد، ويرون أنّ ذلك من القسوة، وأنّ أصحاب الصّيد لتؤدّيهم الضّراوة التي اعترتهم من طروق الطّير في الأوكار، ونصب الحبائل للظّباء، التي تنقطع عن الخشفان [٢] حتى تموت هزلا وجوعا، وإشلاء السّباع على بهائم الوحش وستسلم أهلها إلى القسوة، وإلى التهاون بدماء النّاس. والرّحمة شكل واحد. ومن لم يرحم الكلب لم يرحم الظّبي، ومن لم يرحم الظّبي لم يرحم الجدي، ومن لم يرحم العصفور لم يرحم الصّبيّ. وصغار الأمور تؤدّي إلى كبارها. وليس ينبغي لأحد أن يتهاون بشيء ممّا يؤدي إلى القسوة يوما ما. وأكثر ما سمعت هذا الباب، من ناس من الصّوفيّة، ومن النّصارى؛ لمضاهاة النّصارى سبيل الزّنادقة، في رفض الذبائح، والبغض لإراقة الدّماء، والزّهد في أكل اللّحمان. وقد- كان يرحمك الله- على الزّنديق ألّا يأتي ذلك في سباع الطّير، وذوات الأربع من السّباع. فأما قتل الحيّة والعقرب، فما كان ينبغي لهم البتّة أن يقفوا في قتلهما طرفة عين؛ لأنّ هذه الأمور لا تخلو من أن تكون شرّا صرفا، أو يكون ما فيها من الخير مغمورا بما فيها من الشرّ. والشّرّ شيطان، والظّلمة عدوّ النّور. فاستحياء الظلمة وأنت قادر على إماتتها، لا يكون من عمل النّور. بل قد ينبغي أن تكون رحمة النّور لجميع الخلائق والنّاس، إلى استنقاذهما من شرور الظّلمة. وكما ينبغي أن يكون حسنا في العقل استحياء النّور والعمل في تخليصه والدّفع عنه- فكذلك ينبغي أن يكون قتل الظّلمة وإماتتها، والعون على إهلاكها، وتوهين أمرها- حسنا.

стр. 915

والبهيمة التي يرون أن يدفعوا عنها أيضا ممزوجة [١] ، إلّا أنّ شرّها أقلّ. فهم إذا استبقوها فقد استبقوا الشّرور المخالطة لها. فإن زعموا أنّ ذلك إنّما جاز لهم؛ لأنّ الأغلب على طباعها النّور فليغتفروا في هذا الموضع إدخال الأذى على قليل ما فيها من أجزاء الشّرّ كما اغتفروا ما في إدخال الروح والسّرور على ما في البهيمة من أجزاء الظّلمة لدفعهم عن البهيمة؛ إذ كان أكثر أجزائها من النّور. وإنّما ذكرت ما ذكرت؛ لأنّهم قالوا: الدّليل على أنّ الذي أنتم فيه، من أكل الحيوان كلّ يوم من الذبائح، مكروه عند الله، أنّكم لم تروا قطّ ذبّاحي الحيوان ولا قتّالي الإنسان، ولا الذين لا يقتاتون إلّا اللّحمان يفلحون أبدا. ويستغنون؛ كنحو صيّادي السّمك وصيّادي الوحش وأصناف الجزّارين والقصّابين، والشّوّائين والطهّائين والفهّادين والبيازرة [٢] والصّقّارين والكلابين؛ لا ترى أحدا منهم صار إلى غنى ويسر، ولا تراه أبدا إلا فقيرا محارفا [٣] ، وعلى حال مشبهة بحاله الأولى. وكذلك الجلادون، ومن يضرب الأعناق بين يدي الملوك. وكذلك أصحاب الاستخراج والعذاب، وإن أصابوا الإصابات، وجميع أهل هذه الأصناف. نعم؛ وحتّى ترى بعضهم وإن خرج نادرا خارجيّا، ونال منهم ثروة وجاها وسلطانا، فإمّا أن يقتل، وإمّا يغتصب نفسه بميتة عاجلة، عند سروره بالثّروة، أو يبعث الله عليه المحق [٤] فلا ينمو له شيء، وإما ألّا يجعل من نسلهم عقبا مذكورا، ولا ذكرا نبيها وذرّيّة طيبة، مثل الحجّاج بن يوسف، وأبي مسلم، ويزيد بن أبي مسلم ومثل أبي الوعد، ومثل رجال ذكروهم لا نحبّ أن نسميهم. قال: فإنّ هؤلاء، مع كثرة الطّروقة [٥] وظهور القدرة، ومع كثرة الإنسال، قد قبح الله أمرهم، وأخمل أولادهم. فهم بين من لم يعقب، أو بين من هو في معنى من لم يعقب.
следующие страницы →