يدلّ على ذلك في قدر ما شاهدنا أنّهم يخرجون إلى الصّحارى الأغفال، التي لم يذعر صيدها، ولا يطؤها النّاس، فيأتون الوحش فوضى هملا، ومعهم كلابهم وفهودهم تتلوى بأيديهم، فيتقدّمون إلى المواضع التي لو كانوا ابتدؤوا الصّيد من جهتها لأخذوا ما أخذوا فإذا نفرت وحوش هذه الأرض، ومرّت بالأرض المجاورة لها، نفرت سكّان تلك الأرض مع هذه النّوافر، ولا تعود تلك الصحارى إلى مثل ما كانت عليه، من كثرة الوحش حينا.
ومتى لم تنفّرها الأعراب بالكلاب والقسيّ، ونصب الحبائل، رتعت بقربهم، ثمّ دنت منهم أوّلا فأوّلا، حتى تطأ أكناف بيوتهم. وهي اليوم في حير [١] المعتصم بالله والواثق بالله على هذه الصّفة.
١٢٢٥-[إقبال الظّباء على الناس]
وخبّرني إبراهيم بن السّنديّ قال خبرني عبد الملك بن صالح، وإسحاق بن عيسى، وصالح صاحب الموصل، أنّ خالد بن برمك، بينا هو على سطح من سطوح القرى مع قحطبة، وهم يتغدّون، وذلك في بعض منازلهم، حين فصلوا من خراسان إلى الجبل. قال: وبين قحطبة وبين الأعداء مسيرة أيّام وليال. قال: فبينا خالد يتغدّى معه وذلك حين نزلوا وبهم كلال السّير، وحين علّقوا [٢] على دوابّهم، ونصبوا قدورهم، وقرّبوا سفرهم [٣] .
قال فنظر خالد إلى الصّحراء، فرأى أقاطيع الظّباء قد أقبلت من جهة الصّحارى، حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: أيّها الأمير! ناد في النّاس: «يا خيل الله اركبي» [٤] ؛ فإنّ العدوّ قد حثّ إليك السّير، وغاية أصحابك أن يسرجوا ويلجموا قبل أن يروا سرعان الخيل [٥] . فقام قحطبة مذعورا، فلما لم ير شيئا يروعه، ولم ير غبارا قال لخالد: ما هذا الرّأي! قال: أيّها الأمير! لا تتشاغل بي وبكلامي، وناد في النّاس.
أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت، فارقت مواضعها حتّى خالطت الناس؟! إنّ وراءها
стр. 912
جمعا عظيما!. قال: فو الله ما ألجموا وأسرجوا حتى رأوا ساطع الغبار، ولا تلبّسوا [١] وتسلّحوا حتّى رأوا الطليعة [٢] . فما التأموا حتى استوى أصحاب قحطبة على ظهور خيولهم. ولولا نظرة خالد بن برمك وفراسته، لقد كان ذلك الجيش اصطلم [٣] .
١٢٢٦-[قصة في قوة الشمّ]
وكان إبراهيم بن السّنديّ يحدّثنا من صدق حسّ أبيه في الشّمّ، بشيء ما يحكى مثله إلّا عن السّباع والذّرّ والنّعام. وزعم أنّ أباه قال ذات يوم: أجد ريح بول فأرة! ثمّ تشمّم وأجال أنفه في المجلس، فقال: هو في تلك الزّاوية! فنظروا فإذا على طرف البساط من البلل بقدر الدّرهم، أو أوسع شيئا، فقضوا أنّه بول فأرة.
قال: وشهدته مرّة وأشراطه [٤] قيام على رأسه في السّماطين [٥] ، فقال: أجد ريح جورب عفن منتن! فتشمّمنا بأجمعنا، فلم نجد شيئا، ثمّ تشمّم وقال: انزعوا خفّ ذاك. فنزعوا خفّه، فكلّما مدّ النازع له شيئا بدا من لفافته. فما زال النّتن يكثف ويزداد، حتى خلع خفّه ونزعه من رجله، فظهر من نتن لفافته ما عرف به صدق حسّه. ثمّ قال: انزعوا الآن أخفافكم بأجمعكم، فلا بدّ من ألّا يكون في جميع اللّفائف منتن غير لفافته، أو تكون لفافته أنتنها؛ فنزعوا، فلم يجدوا في جميعها لفافة منتنة غيرها.
وأنشدوا [٦] : [من الطويل]
غزا ابن عمير غزوة تركت لنا ... ثناء كنتن الجورب المتخرّق
١٢٢٧-[أقوى درجات التشمم]
وليس الذي يحكى من صدق الحسّ في الشّم- عن بعض النّاس، وعن النّعام والسّباع، والفأر والذّرّ، وضروب من الحشرات- من شكل ما نطق به القرآن العظيم،
стр. 913
من شأن يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسّلام حين يقول تعالى: قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ، قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ
[١] . وكان هذا من يعقوب بعد أن قال يوسف اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
[٢] . ولذلك قال: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ
[١] ثمّ قال: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً
[٣] .
وإنّما هذا علامة ظهرت له خاصة؛ إذ كان النّاس لا يشتمّون أرواح [٤] أولادهم إذا تباعدوا عن أنوفهم، وما في طاقة الحصان الذي يجد ريح الحجر [٥] ممّا يجوز الغلوتين والثّلاث [٦] . فكيف يجد الإنسان وهو بالشّام ريح ابنه في قميصه، ساعة فصل من أرض مصر؟! ولذلك قال: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
[٧] .
١٢٢٨-[بعض المجاعات]
وقد غبر [٨] موسى وهو يسير أربعين عاما، لا يذوق ذواقا [٩] . وجاع أهل المدينة في تلك الحطمة [١٠] ، حتى كان أصحاب رسول الله ﷺ يشدّون الحجر على بطونهم، من الجوع والجهد [١١] . وكان النبيّ ﷺ ، وعلى آله الطّيبين الطاهرين
стр. 914
يقول: «إنّي لست كأحدكم، إنّي أبيت عند ربّي، يطعمني ويسقيني» [١] .
١٢٢٩-[جدال في ذبح الحيوان وقتله]
ورجال ممّن ينتحل الإسلام، يظهرون التقذّر من الصّيد، ويرون أنّ ذلك من القسوة، وأنّ أصحاب الصّيد لتؤدّيهم الضّراوة التي اعترتهم من طروق الطّير في الأوكار، ونصب الحبائل للظّباء، التي تنقطع عن الخشفان [٢] حتى تموت هزلا وجوعا، وإشلاء السّباع على بهائم الوحش وستسلم أهلها إلى القسوة، وإلى التهاون بدماء النّاس.
والرّحمة شكل واحد. ومن لم يرحم الكلب لم يرحم الظّبي، ومن لم يرحم الظّبي لم يرحم الجدي، ومن لم يرحم العصفور لم يرحم الصّبيّ. وصغار الأمور تؤدّي إلى كبارها.
وليس ينبغي لأحد أن يتهاون بشيء ممّا يؤدي إلى القسوة يوما ما. وأكثر ما سمعت هذا الباب، من ناس من الصّوفيّة، ومن النّصارى؛ لمضاهاة النّصارى سبيل الزّنادقة، في رفض الذبائح، والبغض لإراقة الدّماء، والزّهد في أكل اللّحمان.
وقد- كان يرحمك الله- على الزّنديق ألّا يأتي ذلك في سباع الطّير، وذوات الأربع من السّباع. فأما قتل الحيّة والعقرب، فما كان ينبغي لهم البتّة أن يقفوا في قتلهما طرفة عين؛ لأنّ هذه الأمور لا تخلو من أن تكون شرّا صرفا، أو يكون ما فيها من الخير مغمورا بما فيها من الشرّ. والشّرّ شيطان، والظّلمة عدوّ النّور. فاستحياء الظلمة وأنت قادر على إماتتها، لا يكون من عمل النّور. بل قد ينبغي أن تكون رحمة النّور لجميع الخلائق والنّاس، إلى استنقاذهما من شرور الظّلمة.
وكما ينبغي أن يكون حسنا في العقل استحياء النّور والعمل في تخليصه والدّفع عنه- فكذلك ينبغي أن يكون قتل الظّلمة وإماتتها، والعون على إهلاكها، وتوهين أمرها- حسنا.
стр. 915
والبهيمة التي يرون أن يدفعوا عنها أيضا ممزوجة [١] ، إلّا أنّ شرّها أقلّ. فهم إذا استبقوها فقد استبقوا الشّرور المخالطة لها.
فإن زعموا أنّ ذلك إنّما جاز لهم؛ لأنّ الأغلب على طباعها النّور فليغتفروا في هذا الموضع إدخال الأذى على قليل ما فيها من أجزاء الشّرّ كما اغتفروا ما في إدخال الروح والسّرور على ما في البهيمة من أجزاء الظّلمة لدفعهم عن البهيمة؛ إذ كان أكثر أجزائها من النّور.
وإنّما ذكرت ما ذكرت؛ لأنّهم قالوا: الدّليل على أنّ الذي أنتم فيه، من أكل الحيوان كلّ يوم من الذبائح، مكروه عند الله، أنّكم لم تروا قطّ ذبّاحي الحيوان ولا قتّالي الإنسان، ولا الذين لا يقتاتون إلّا اللّحمان يفلحون أبدا. ويستغنون؛ كنحو صيّادي السّمك وصيّادي الوحش وأصناف الجزّارين والقصّابين، والشّوّائين والطهّائين والفهّادين والبيازرة [٢] والصّقّارين والكلابين؛ لا ترى أحدا منهم صار إلى غنى ويسر، ولا تراه أبدا إلا فقيرا محارفا [٣] ، وعلى حال مشبهة بحاله الأولى.
وكذلك الجلادون، ومن يضرب الأعناق بين يدي الملوك. وكذلك أصحاب الاستخراج والعذاب، وإن أصابوا الإصابات، وجميع أهل هذه الأصناف.
نعم؛ وحتّى ترى بعضهم وإن خرج نادرا خارجيّا، ونال منهم ثروة وجاها وسلطانا، فإمّا أن يقتل، وإمّا يغتصب نفسه بميتة عاجلة، عند سروره بالثّروة، أو يبعث الله عليه المحق [٤] فلا ينمو له شيء، وإما ألّا يجعل من نسلهم عقبا مذكورا، ولا ذكرا نبيها وذرّيّة طيبة، مثل الحجّاج بن يوسف، وأبي مسلم، ويزيد بن أبي مسلم ومثل أبي الوعد، ومثل رجال ذكروهم لا نحبّ أن نسميهم.
قال: فإنّ هؤلاء، مع كثرة الطّروقة [٥] وظهور القدرة، ومع كثرة الإنسال، قد قبح الله أمرهم، وأخمل أولادهم. فهم بين من لم يعقب، أو بين من هو في معنى من لم يعقب.
стр. 916
فقلت للنّصارى بديّا: كيف كان النّاس أيّام الحكم بما في التّوراة أيّام موسى وداود، وهما صاحبا حروب وقتل، وسباء وذبائح؟! نعم حتى كان القربان كله أو عامّته حيوانا مذبوحا، لذلك سمّيتم بيت المذبح.
ولسنا نسألكم عن سيرة النّصارى اليوم، ولكنّا نسألكم عن دين موسى وحكم التّوراة، وحكم صاحب الزّبور. وما زالوا عندكم إلى أن أنكروا ربوبيّة المسيح، على أكثر من حالنا اليوم في الذبائح. وأنتم في كثير من حالاتكم تغلون علينا السّمك، حتى نتوخّى أيّاما بأعيانها، فلا نشتري السّمك إلا فيها؛ طلبا للإمكان والاسترخاص، وهي يوم الخميس، ويوم السّبت، ويوم الثّلاثاء؛ لأنّ شراءكم في ذلك اليوم يقلّ. على أنّكم تكثرون من الذّبائح في أيّام الفصح، وهل تدعون أكل الحيوان إلّا أيّاما معدودة، وساعات معلومة؟!.
فإذا كانت الحرفة والمحن إنّما لزما القصّابين والجزّارين والشّوّائين، وأصناف الصّيّادين، من جهة العقوبة- فأنتم شركاء صيّادي السّمك خاصّة؛ لأنّكم آكل الخلق له، وأنتم أيضا شركاء القصّابين في عامّة الدّهر. فلا أنتم تدينون للإسلام فتعرفوا ما عليكم ولكم، وفصل ما بين الرّحمة والقسوة، وما الرّحمة، وفي أيّ موضع يكون ذلك القتل رحمة؟ فقد أجمعوا على أنّ قتل البعض إحياء للجميع، وأنّ إصلاح النّاس. في إقامة جزاء الحسنة والسيئة. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[١] .
والقود حياة. وهذا شيء تعمل به الأمم كلها، غير الزّنادقة. والزّنادقة لم تكن قطّ أمّة، ولا كان لها ملك ومملكة، ولم تزل بين مقتول وهارب ومنافق. فلا أنتم زنادقة. ولا ينكر لمن كان ذلك مذهبه أن يقول هذا القول.
فأنتم لا دهريّة، ولا زنادقة، ولا مسلمون؛ ولا أنتم راضون بحكم الله أيّام التّوراة.
فإن كان هذا الحكم قد أمر الله به- وهو عدل- فليس بين الزّمانين فرق.
وبعد فإنّا نجدكم تأكلون السّمك أكلا ذريعا، وتتقذرون من اللّحمان! أفلأنّ السّمك لا يألم القتل، أم لأنّ السّمك لمّا قتلتموه بلاسكّين لم يحسّ قتله؟! فالجميع حيوان، وكلّ مقتول يألم، وكلّ يحسّ. فكيف صار أكل اللّحم قسوة، وأكل السّمك ليس بقسوة؟!. وكيف صار ذبح البهائم قسوة ولا تكون تفرقة ما بين
стр. 917
السّمك والماء حتّى تموت قسوة! وكيف صار ذبح الشّاة قسوة وصيد السمك بالسّنانير المذرّبة المعقّفة [١] ليس لها شعائر تخالف العقاف المنصوص في جهاتها.
وكيف وهي وإن لم تنشب في أجوافها، وتقبض على مجامع أرواحها، لم تقدر على أخذها؟!.
وكيف صار وجء اللّبّة [٢] من الجزور أقسى من ضرب النبائل؟! أم كيف صار طعن العير بالرّمح، ونصب الحبائل للظّباء، وإرسال الكلاب عليها أشدّ من وقع النّبائل في ظهر السّمك؟! ولأنّكم تكثرون قولكم: لا نأكل شيئا فيه دم أيّام صومنا، فللسّمك دم، ولا بدّ لجميع الحيوان من دم أو شيء يشاكل الدّم، فما وجه اعتلالكم بالدّم؟! ألأنّ كلّ شيء فيه دم فهو أشدّ ألما؟ فكيف نعلم ذلك؟ وما الدّليل عليه؟
فإن زعمتم أنّ ذلك داخل في باب التعبّد والمصلحة، لا في باب القياس والرّحمة والقسوة، فهذا باب آخر. إلّا أن تدّعوا أنّ ذوات الدّماء أقوى للأبدان، وآشر [٣] للنّفوس، فأردتم بذلك قلّة الأشر وضعف البدن. فإن كان ذلك كذلك فقد ينبغي أن يكون هذا المعنى مستبينا في آكلي السّمك من البحريين.
وأمّا ما ذكرتم من ملازمة الحرفة لهؤلاء الأصناف، فإنّ كلّ من نزلت صناعته، ودقّ خطر تجارته، كذلك سبيله.
وأحلّ الكسب كلّه وأطيبه عند جميع النّاس سقي الماء، إمّا على الظّهر، وإمّا على دابّة. ولم أر سقّاء قطّ بلغ حال اليسار والثّروة وكذلك ضرّاب اللّبن، والطّيّان، والحرّاث. وكذلك ما صغر من التّجارات والصّناعات.
ألا ترون أنّ الأموال كثيرا ما تكون عند الكتّاب، وعند أصحاب الجوهر، وعند أصحاب الوشي والأنماط [٤] ، وعند الصّيارفة والحنّاطين [٥] ، وعند البحريّين
стр. 918
والبصريين. والجلّاب [١] أبدا، والبيازرة [٢] أيسر ممّن يبتاع منهم.
وجمل الأموال حقّ بأن تربح الجمل من تفاريق الأموال. وكذلك سبيل القصّاب والجزّار، والشّوّاء، والبازيار [٢] ، والفهّاد.
وأمّا ما ذكرتم من انقطاع نسل القساة، وخمول أولادهم، كانقطاع نسل فرعون، وهامان، ونمرود، وبخت نصّر، وأشباههم، فإنّ الله يقول: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *
[٣] .
وإن شئتم أن تعدّوا من المذكورين بالصّلاح أكثر من هؤلاء ممّن كان عقيما أو كان ميناثا [٤] ، أو يكون ممّن نبت لهم أولاد سوء عقّوهم في حياتهم، وعرّضوهم للسّبّ بعد موتهم- لوجدتموهم.
وعلى أني لم أنصب نفسي حربا للحجّاج بن يوسف، ويزيد بن أبي مسلم، أتحرى بهما، وهما عندي من أهل النّار. ولكنّي عرفت مغزاكم.
وعلى أنّكم ليس القصّابين أردتم، ولكنّكم أردتم دين المسلمين.
وقد خرج الحجّاج من الدّنيا سليما في بدنه، وظاهر نعمته، وعليّ مرتبته من الملك، ومكانه من جواز الأمر والنّهي.
فإن كان الله عندكم سلّمه وعاقب أولاده، وكان ذلك دينكم فإنّ هذا قول إن خاطبتم به الجبريّة [٥] فعسى أن تتعلّقوا منهم بسبب فأمّا من صحّح القول بالعدل فإنّ هذا القول عنده من الخطإ الفاحش الذي لا شبهة فيه.
١٢٣٠-[شعر في فقر القانص]
وكان ممّا أنشدوا من الدّليل على أنّ القانص لا يزال فقيرا- قول ذي الرّمة [٦] :
[من البسيط]
стр. 919
حتّى إذا ما لها في الجدر واتّخذت ... شمس النّهار شعاعا بينها طبب [١]
ولاح أزهر مشهور بنقبته ... كأنّه حين يعلو عاقرا لهب [٢]
هاجت به جوّع طلس مخصّرة ... شوازب لاحها التّغريث والجنب [٣]
جرد مهرّتة الأشداق ضارية ... مثل السّراحين في أعناقها العذب [٤]
ومطعم الصّيد هبّال لبغيته ... ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب [٥]
مقزّع أطلس الأطمار ليس له ... إلّا الضّراء وإلّا صيدها نشب [٦]
فانصاع جانبه الوحشيّ وانكدرت ... يلحبن لا يأتلي المطلوب والطّلب [٧]
قال: فجعله كما ترى مقزّعا أطلس الأطمار، وخبّر أنّ كلابه نشبه، وأنّه ألفى أباه كذلك.
стр. 920
وأنشدوا في ذلك قول الآخر: [من الطويل]
وأعصم أنسته المنيّة نفسه ... رعى النبع والظّيّان في شاهق وعر [١]
موارده قلت تصفّقه الصّبا ... بنيق مزلّ، غير كدر ولا نزر [٢]
قرته السّحاب ماءها، وتهدّلت ... عليه غصون دانيات من السّمر [٣]
أتيح له طلح إزاه بكفّه: ... هتوف وأشباه تخيّرن من حجر [٤]
أبو صبية لا يستدرّ إذا شتا ... لقوحا، ولا عنزا، وليس بذي وفر [٥]
له زوجة شمطاء يدرج حولها ... فطيم تناجيه، وآخر في الحجر [٦]
مشوّهة لم تعب طيبا ولم تبت ... تقتّر هنديّا بليل على جمر [٧]
محدّدة العرقوب ثلّم نابها ... تعرّقها الأوذار من فقر الحمر [٨]
مسفّعة الخدّين، سوّد درعها ... تقدّرها باللّيل، والأخذ بالقدر [٩]
كغول الفلاة لم تخضّب بنانها ... ولم تدر ما زيّ الخرائد بالمصر [١٠]
فأرسل سهما أرهف القين حدّه ... فأنفذ حضنيه فخرّ على النّحر [١١]
стр. 921
١٢٣١-[مساءلة أبي إسحاق للمنانية]
كان أبو إسحاق يسأل المنانيّة [١] ، عن مسألة قريبة المأخذ قاطعة، وكان يزعم أنّها ليست له.
وذلك أنّ المنانيّة تزعم أنّ العالم بما فيه، من عشرة أجناس: خمسة منها خير ونور، وخمسة منها شرّ وظلمة. وكلّها حاسّة وحارّة.
وأنّ الإنسان مركّب من جميعها على قدر ما يكون في كلّ إنسان من رجحان أجناس الخير على أجناس الشّرّ، ورجحان أجناس الشّرّ على أجناس الخير.
وأنّ الإنسان وإن كان ذا حواسّ خمسة، فإنّ في كلّ حاسّة متونا من ضدّه من الأجناس الخمسة. فمتى نظر الإنسان نظرة رحمة فتلك النّظرة من النّور، ومن الخير.
ومتى نظر نظرة وعيد، فتلك النّظرة من الظلمة. وكذلك جميع الحواسّ.
وأنّ حاسّة السّمع جنس على حدة، وأنّ الذي في حاسّة البصر من الخير والنّور، لا يعين الذي في حاسّة السّمع من الخير ولكنه لا يضادّه، ولا يفاسده، ولا يمنعه. فهو لا يعينه لمكان الخلاف والجنس، ولا يعين عليه؛ لأنّه ليس ضدّا.
وأنّ أجناس الشّرّ خلاف لأجناس الشّرّ، ضدّ لأجناس الخير. وأجناس الخير يخالف بعضها بعضا ولا يضادّ. وأنّ التّعاون والتآدي [٢] لا يقع بين مختلفها، ولا بين متضادّها، وإنما يقع بين متفقها.
قال: فيقال للمنانيّ: ما تقول في رجل قال لرجل: يا فلان، هل رأيت فلانا؟
فقال المسؤول: نعم قد رأيته. أليس السّامع قد أدّى إلى النّاظر، والنّاظر قد أدّى إلى الذّائق؟! وإلّا فلم قال اللّسان: نعم! إلّا وقد سمع الصّوت صاحب اللّسان؟! وهذه المسألة قصيرة كما ترى، ولا حيلة له بأن يدفع قوله.
١٢٣٢-[مساءلة المأمون لزنديق]
ومسألة أخرى، سأل عنها أمير المؤمنين الزّنديق الذي كان يكنى بأبي عليّ،
стр. 922
وذلك عند ما رأى من تطويل محمّد بن الجهم وعجز العتبي وسوء فهم القاسم بن سيّار، فقال له المأمون: أسألك عن حرفين فقط. خبّرني: هل ندم مسيء قطّ على إساءته، أو نكون نحن لم نندم على شيء كان منّا قط؟! قال: بل ندم كثير من المسيئين على إساءتهم. قال: فخبّرني عن النّدم على الإساءة، إساءة أو إحسان؟ قال:
إحسان. قال: فالذي ندم هو الذي أساء أو غيره؟ قال: الذي ندم هو الذي أساء. قال:
فأري صاحب الخير هو صاحب الشّرّ، وقد بطل قولكم: إنّ الذي ينظر نظر الوعيد غير الذي ينظر نظر الرحمة. قال: فإني أزعم أنّ الذي أساء غير الذي ندم. قال: فندم على شيء كان منه أو على شيء كان من غيره؟ فقطعه بمسألته [١] ، ولم يتب ولم يرجع، حتى مات، وأصلاه الله نار جهنّم.
١٢٣٣-[شعر في هجو الزنادقة]
وقد ذكر حمّاد عجرد ناسا في هجائه لبشار [٢] ، فقال: [من الكامل]
لو كنت زنديقا، عمار، حبوتني ... أو كنت أعبد غير ربّ محمّد
أو كنت عندك أو تراك عرفتني ... كالنّضر أو ألفيت كابن المقعد
أو كابن حمّاد ربيئة دينكم ... جبل وما جبل الغويّ بمرشد [٣]
لكنّني وحّدت ربّي مخلصا ... فجفوتني بغضا لكلّ موحّد
وحبوت من زعم السّماء تكوّنت، ... والأرض خالقها لها لم يمهد
والنّسم مثل الزّرع آن حصاده ... منه الحصيد ومنه ما لم يحصد [٤]
وحمّاد هذا أشهر بالزّندقة من عمارة بن حربية، الذي هجاه بهذه الأبيات.
وأمّا قوله:
وحبوت من زعم السّماء تكوّنت
فليس يقول أحد: إنّ الفلك بما فيه من التّدبير، تكوّن بنفسه ومن نفسه!
стр. 923
فجهل حمّاد بهذا المقدار من مقالة القوم، كأنّه عندي ممّا يعرفه من براءته الساحة.
فإن كان قد أجابهم فإنما هو من مقلّديهم.
وهجا حمّاد بن الزّبرقان، حمادا الراوية فقال [١] : [من الكامل]
نعم الفتى لو كان يعرف ربّه ... ويقيم وقت صلاته حمّاد
هدلت مشافره الدّنان فأنفه ... مثل القدوم يسنّها الحدّاد [٢]
وابيضّ من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد
فقد كان كما ترى:
هدلت مشافره الدنان فأنفه ... مثل القدوم.....
(البيت) فقد رأيت جماعة ممّن يعاقرون الشّراب، قد عظمت آنفهم. وصارت لهم خراطيم، منهم روح الصّائغ، وعبد الواحد صاحب اللؤلويّ وجماعة من ندمان [٣] حمّاد بن الصّباح، وعبد الله أخو نهر ابن عسكر وناس كثير.
ويدلّ على ذلك من المنافرة قول جرير [٤] للأخطل: [من الكامل]
وشربت بعد أبي ظهير وابنه ... سكر الدّنان كأنّ أنفك دمّل
وكان منهم يونس بن فروة. وفي يونس يقول حمّاد عجرد [٥] : [من الكامل]
أما ابن فروة يونس فكأنّه ... من كبره أير الحمار القائم
ما النّاس عندك غير نفسك وحدها ... والخلق عندك ما خلاك بهائم
إنّ الذي أصبحت مفتونا به ... سيزول عنك وأنف جارك راغم
فتعضّ من ندم يديك على الذى ... فرّطت فيه، كما يعض النّادم
فلقد رضيت بعصبة آخيتهم ... وإخاهم لك بالمعرّة لازم
فعلمت حين جعلتهم لك دخلة ... أني لعرضك في إخائك ظالم [٦]
стр. 924
١٢٣٤-[ذكر بعض الزنادقة]
[١] وكان حمّاد عجرد، وحمّاد الرّاوية، وحمّاد بن الزّبرقان، ويونس بن هارون، وعلي بن الخليل، ويزيد بن الفيض، وعبادة وجميل بن محفوظ، وقاسم، ومطيع، ووالبة بن الحباب، وأبان بن عبد الحميد، وعمارة بن حربية، يتواصلون، وكأنهم نفس واحدة وكان بشّار ينكر عليهم.
ويونس الذي زعم حماد عجرد أنّه قد غرّ نفسه بهؤلاء، كان أشهر بهذا الرّأي منهم، وقد كان كتب كتابا لملك الرّوم في مثالب العرب، وعيوب الإسلام، بزعمه.
١٢٣٥-[هجاء أبي نواس لأبان اللاحقي والزنادقة]
وذكر أبو نواس أبان بن عبد الحميد اللّاحقي، وبعض هؤلاء، ذكر إنسان يرى لهم قدرا وخطرا، في هجائيّة لأبان، وهو قوله [٣] : [من المجتث]
جالست يوما أبانا ... لا درّ درّ أبان
ونحن حضر رواق ال ... أمير بالنهروان
حتّى إذا ما صلاة الأ ... أولى أتت لأذان
فقام ثمّ بها ذو ... فصاحة وبيان
فكلّ ما قال قلنا ... إلى انقضاء الأذان
فقال: كيف شهدتم ... بذا، بغير عيان؟!
لا أشهد الدّهر حتّى ... تعاين العينان!
فقلت: سبحان ربّي! ... فقال: سبحان ماني [٣] !
فقلت: عيسى رسول ... فقال: من شيطان!
فقلت: موسى كليم ال ... مهيمن المنّان
فقال: ربّك ذو مق ... لة إذا ولسان!
стр. 925
فنفسه خلقته ... أم من؟! فقمت مكاني
عن كافر يتمرّى ... بالكفر بالرّحمن [١]
يريد أن يتسوّى ... بالعصبة المجّان
بعجرد وعباد ... والوالبيّ الهجان
وقاسم ومطيع ... ريحانة النّدمان
وتعجّبي من أبي نواس، وقد كان جالس المتكلمين أشدّ من تعجّبي من حمّاد، حين يحكي عن قوم من هؤلاء قولا لا يقوله أحد. وهذه قرّة عين المهجوّ.
والذي يقول: سبحان ماني يعظم أمر عيسى تعظيما شديدا فكيف يقول: إنّه من قبل شيطان؟! وأما قوله: «فنفسه خلقته أم من» فإنّ هذه مسألة نجدها ظاهرة على ألسن العوامّ. والمتكلمون لا يحكون هذا عن أحد.
وفي قوله: «والوالبيّ الهجان» دليل على أنّه من شكلهم.
والعجب أنّه [٢] يقول في أبان: إنّه ممّن يتشبه بعجرد ومطيع، ووالبة بن الحباب، وعليّ بن الخليل [٣] ، وأصبغ [٤]- وأبان فوق ملء الأرض من هؤلاء، ولقد كان أبان، وهو سكران، أصحّ عقلا من هؤلاء وهم صحاة. فأمّا اعتقاده فلا أدري ما أقول لك فيه: لأنّ النّاس لم يؤتوا في اعتقادهم الخطأ المكشوف، من جهة النظر.
ولكن للنّاس تأسّ وعادات، وتقليد للآباء والكبراء، ويعملون على الهوى، وعلى ما يسبق إلى القلوب، ويستثقلون التّحصيل، ويهملون النّظر، حتى يصيروا في حال متى عاودوه وأرادوه، نظروا بأبصار كليلة، وأذهان مدخولة، ومع سوء عادة. والنّفس لا تجيب وهي مستكرهة. وكان يقال: «العقل إذا أكره عمي» . ومتى عمي الطّباع وجسا وغلط وأهمل، حتّى يألف الجهل، لم يكد يفهم ما عليه وله. فلهذا وأشباهه قاموا على الإلف، والسّابق إلى القلب.
стр. 926
١٢٣٦-[شعر لحماد عجرد]
وقال حمّاد عجرد: [من مجزوء الرمل]
اعلموا أنّ لودّي ... ثمنا عندي ثمينا
ليت شعري أيّ حكم ... قد أراكم تحكمونا
أن تكونوا غير معطي ... ن وأنتم تأخذونا
ابن لقمان بن عاد ... في است هذا الدّين دينا [١]
وما رأيت أحدا وضع لقمان بن عاد في هذا الموضع، غيره! وقال حمّاد عجرد في بشار: [من مجزوء الكامل]
يا ابن الخبيثة إنّ أمّ ... ك لم تكن ذات اكتتام
وتبدّلت ثوبان ذا الأ ... ير المضبّر والعرام [٢]
ثوبان دقّاق الأزز ... بأرواث حسام
عرد كقائمة السّر ... ير يبيلها عند الرّطام [٤]
وأتت سميعة بعدها ... بالمصملّات العظام [٤]
أخت لهم كانت تكابر ... أن تسافح من قيام
وقال حمّاد يذكر بشارا: [من السريع]
غزالة الرجسة أو بنتها ... سميعة الناعية الفهرا
وقال وذكر أمّه: [من الكامل]
أبني غزالة يا بني جشم استها ... ليحقكم أن تفرحوا لا تجزعوا [٥]
стр. 927
وما كان ينبغي لبشّار أن يناظر حمادا من جهة الشعر وما يتعلّق بالشّعر، لأنّ حمّادا في الحضيض، وبشّارا مع العيّوق. وليس في الأرض مولّد قرويّ يعدّ شعره في المحدث إلّا وبشّار أشعر منه.
١٢٣٧-[شعر في هجو بعض الزنادقة]
وقال أبو الشمقمق [١] في جميل بن محفوظ: [من المتقارب]
وهذا جميل على بغله ... وقد كان يعدو على رجله
يروح ويغدو كأير الحمار ... ويرجع صفرا إلى أهله [٢]
وقد زعموا أنّه كافر ... وأنّ التّزندق من شكله
كأني به قد دعاه الإمام ... وآذن ربّك في قتله
١٢٣٨-[عيوب المعنى في شعر أبي نواس]
وأمّا أبو نواس فقد كان يتعرّض للقتل بجهده. وقد كانوا يعجبون من قوله [٣] :
[من المديد]
كيف لا يدنيك من أمل ... من رسول الله من نفره
فلما قال [٤] : [من المنسرح]
فاحبب قريشا لحبّ أحمدها ... واشكر لها الجزل من مواهبها
جاء بشيء غطّى على الأوّل.
وأنكروا عليه قوله: [من الرجز]
لو أكثر التّسبيح ما نجّاه
стр. 928
فلما قال [١] : [من البسيط]
يا أحمد المرتجى في كلّ نائبة ... قم سيّدي نعص جبّار السّموات [٢]
غطّى هذا على الأوّل. وهذا البيت مع كفره مقيت جدا. وكان يكثر في هذا الباب.
وأما سوى هذا الفنّ فلم يعرفوا له من الخطإ إلا قولّه [٣] : [من السريع]
أمستخبر الدّار هل تنطق ... أنا مكان الدار لا أنطق
كأنها إذ خرست جارم ... بين ذوي تفنيده مطرق [٤]
فعابوه بذلك، وقالوا: لا يقول أحد: لقد سكت هذا الحجر، كأنّه إنسان ساكت، وإنما يوصف خرس الإنسان بخرس الدّار، ويشبّه صممه بصمم الصّخر.
وعابوه بقوله، حين وصف عين الأسد بالجحوظ، فقال [٥] : [من السريع]
كأنّ عينه إذا التهبت ... بارزة الجفن عين مخنوق
وهم يصفون عين الأسد بالغؤور. قال الرّاجز [٦] : [من الرجز]
كأنما ينظر من جوف حجر
وقال أبو زبيد [٧] : [من البسيط]
كأنّ عينيه في وقبين من حجر ... قيضا اقتياضا بأطراف المناقير [٨]
ومع هذا فإنّا لا نعرف بعد بشّار أشعر منه.
стр. 929
وقال أبو زبيد [١] : [من الطويل]
وعينان كالوقبين في ملء صخرة ... ترى فيهما كالجمرتين تسعّر
١٢٣٩-[قصة راهبين من الزّنادقة]
وحدّثني أبو شعيب القلّال، وهو صفريّ [٢] ، قال: رهبان الزّنادقة سيّاحون؛ كأنهم جعلوا السّياحة بدل تعلق النّسطوري [٣] في المطامير [٤] .
ومقام الملكانيّ [٥] في الصّوامع، ومقام النّسطوريّ في المطامير [٤] .
قال: ولا يسيحون إلا أزواجا. ومتى رأيت منهم واحدا فالتفتّ رأيت صاحبه، والسّياحة عندهم ألّا يبيت أحدهم في منزل ليلتين. قال: ويسيحون على أربع خصال: على القدس، والطّهر، والصّدق، والمسكنة. فأمّا المسكنة، فأن يأكل من المسألة، وممّا طابت به أنفس النّاس له حتّى لا يأكل إلّا من كسب غيره الذي عليه غرمه ومأثمه، وأمّا الطهر فترك الجماع، وأمّا الصّدق فعلى ألّا يكذب. وأما القدس فعلى أن يكتم ذنبه، وإن سئل عنه.
قال: فدخل الأهواز منهم رجلان، فمضى أحدهما نحو المقابر للغائط، وجلس الآخر بقرب حانوت صائغ، وخرجت امرأة من بعض تلك القصور ومعها حقّ [٦] فيه أحجار نفيسة، فلما صعدت من الطّريق إلى دكان الصّائغ زلقت فسقط الحقّ من يدها، وظليم لبعض أهل تلك الدّور يتردّد فلما سقط الحقّ وباينه الطّبق [٧] ، تبدّد ما
стр. 930
فيه من الأحجار، فالتقم ذلك الظّليم أعظم حجر فيه وأنفسه، وذلك بعين السّائح؛ ووثب الصّائغ وغلمانه فجمعوا تلك الأحجار، ونحّوا النّاس وصاحوا بهم فلم يدن منهم أحد، وفقدوا ذلك الحجر، فصرخت المرأة، فكشف القوم وتناحوا [١] ، فلم يصيبوا الحجر، فقال بعضهم: والله ما كان بقربنا إلّا هذا الرّاهب الجالس، وما ينبغي أن يكون إلّا معه! فسألوه عن الحجر؛ فكره أن يخبرهم أنه في جوف الظليم فيذبح الظليم، فيكون قد شارك في دم بعض الحيوان، فقال ما أخذت شيئا! وبحثوه وفتّشوا كلّ شيء معه وألحّوا عليه بالضّرب، وأقبل صاحبه وقال: اتّقوا الله! فأخذوه وقالوا:
دفعته إلى هذا حتّى غيّبه! فقال: ما دفعت إليه شيئا! فضربوهما ليموتا. فبينما هما كذلك إذ مرّ رجل يعقل، ففهم عنهم القصّة، ورأى ظليما يتردّد فقال لهم: أكان هذا الظليم يتردّد في الطريق حين سقط الحجر؟ قالوا: نعم. قال: فهو صاحبكم.
فعوّضوا أصحاب الظليم، وذبحوه وشقّوا عن قانصته، فوجدوا الحجر وقد نقص في ذلك المقدار من الزّمان شبيها بشطره، إلّا أنها أعطته لونا صار الذي استفادوه من جهة اللّون أربح لهم من وزن ذلك الشّطر أن لو كان لم يذهب.
ونار القانصة غير نار الحجر.
стр. 931
[باب في النّيران وأقسامها]
(القول في النّيران وأقسامها) [١] ونحن ذاكرون جملا من القول في النّيران وأجناسها، ومواضعها، وأيّ شيء منها يضاف إلى العجم، وأيّ شيء منها يضاف إلى العرب، ونخبر عن نيران الدّيانات، وغير الدّيانات، وعمّن عظّمها وعمّن استهان بها، وعمّن أفرط في تعظيمها حتّى عبدها. ونخبر عن المواضع التي عظّم فيها من شأن النّار.
١٢٤٠-[نار القربان]
[٢] فمن مواضعها التي عظّمت بها أنّ الله جعلها لبني إسرائيل في موضع امتحان إخلاصهم، وتعرّف صدق نياتهم، فكانوا يتقرّبون بالقربان. فمن كان منهم مخلصا نزلت نار من قبل السّماء حتّى تحيط به فتأكله، فإذا فعلت ذلك كان صاحب القربان مخلصا في تقرّبه. ومتى لم يروها وبقي القربان على حاله، قضوا بأنّه كان مدخول القلب فاسد النّية. ولذلك قال الله تعالى في كتابه: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[٣] .
والدّليل على أنّ ذلك قد كان معلوما، قول الله : قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ
ثمّ إنّ الله ستر على عباده، وجعل بيان ذلك في الآخرة. وكان ذلك التّدبير مصلحة ذلك الزّمان [٤] ، ووفق طبائهم وعللهم، وقد كان القوم من المعاندة والغباوة على مقدار لم يكن لينجع فيهم ويكمل لمصلحتهم إلا ما كان في هذا الوزن، فهذا باب من عظم شأن النّار في صدور النّاس.
стр. 932
١٢٤١-[نار موسى]
[١] وممّا زاد في تعظيم شأن النّار في صدور النّاس قول الله : وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى. إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً
[٢] ، وقال : إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[٣] .
وكان ذلك مما زاد في قدر النّار في صدور النّاس.
١٢٤٢-[نار إبراهيم]
[٤] ومن ذلك نار إبراهيم ﷺ ، وقال الله : قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ. قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ
[٥] ثم قال: قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
[٦] فلما قال الله :
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
[٧] كان ذلك ممّا زاد في نباهة النّار وقدرها في صدور النّاس.
стр. 933
باب آخر
١٢٤٣-[نار الشجر]
[١] وهو قوله : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
[٢] .
والنّار من أكبر الماعون، وأعظم [المنافع] [٣] المرافق [في هذه الدنيا على عباده] [٣] . ولو لم يكن فيها إلّا أنّ الله قد جعلها الزاجرة عن المعاصي، لكان ذلك ممّا يزيد في قدرها، وفي نباهة ذكرها.
وقال تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ
[٤] ، ثم قال: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
[٥] . فقف عند قوله [٦] : نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً
فإن كنت بهذا القول مؤمنا فتذكّر ما فيها من النعمة أولا ثم آخرا، ثم توهّم مقادير النعم وتصاريفها [٧] .
١٢٤٤-[نار الله]
[٨] وقد علمنا أنّ الله عذّب الأمم بالغرق، والرّياح، وبالحاصب، والرّجم، وبالصّواعق، وبالخسف، والمسخ، وبالجوع، وبالنقص من الثمرات، ولم يبعث عليهم نارا، كما بعث عليهم ماء وريحا وحجارة. [وإنما] [٩] جعلها من عقاب الآخرة [وعذاب العقبى] [٩] ، ونهى أن يحرق بها شيء من الهوامّ [١٠] ، وقال [رسول الله ﷺ ] [٩] : «لا تعذّبوا بعذاب الله» [١١] . فقد عظّمها كما ترى.
стр. 934
فتفهّم- رحمك الله- فقد أراد الله إفهامك.
وقال الله تعالى للثّقلين: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[١] ، فجعل الشّواظ والنّحاس، وهما النّار والدّخان، من الآية. ولذلك قال على نسق الكلام: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
[١] ولم يعن أن التّعذيب بالنّار نعمة يوم القيامة، ولكنه أراد التّحذير بالخوف والوعيد بها، غير إدخال النّاس فيها، وإحراقهم بها.
١٢٤٥-[نار الشجر]
وقال المرّار بن منقذ [٢] : [من الكامل]
وكأنّ أرحلنا بجوّ محصب ... بلوى عنيزة من مقيل التّرمس
في حيث خالطت الخزامى عرفجا ... يأتيك قابس أهلها لم يقبس
أراد خصب الوادي ورطوبته. وإذا كان كذلك لم تقدح عيدانه، فإن دخلها مستقبس لم يور نارا.
وقال كثيّر [٣] : [من الطويل]
له حسب في الحيّ، وار زناده ... عفار ومرخ حثّه الوري عاجل [٤]
والعفار والمرخ، من بين جميع العيدان التي تقدح، أكثرها في ذلك وأسرعها.
قال: ومن أمثالهم: «في كلّ الشّجر نار، واستمجد المرخ والعفار» [٥] .
١٢٤٦-[نار الاستمطار]
[٦] ونار أخرى، وهي النّار التي كانوا يستمطرون بها في الجاهليّة الأولى؛ فإنهم
стр. 935
كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات وركد عليهم البلاء، واشتدّ الجدب، واحتاجوا إلى الاستمطار، استجمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثمّ عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها، السّلع والعشر [١] ، ثمّ صعدوا بها في جبل وعر، وأشعلوا فيها النّيران، وضجّوا بالدّعاء والتضرّع. فكانوا يرون أنّ ذلك من أسباب الشّقيا. ولذلك قال أميّة [٢] : [من الخفيف]
سنة أزمة تخيّل بالنّا ... س ترى للعضاه فيها صريرا [٣]
إذ يسفّون بالدّقيق وكانوا ... قبل لا يأكلون شيئا فطيرا [٤]
ويسوقون باقرا يطرد السّه ... ل مهازيل خشية أن يبورا [٥]
عاقدين النّيران في شكر الأذ ... ناب عمدا كيما تهيج البحورا [٦]
فاشتوت كلها فهاج عليهم ... ثمّ هاجت إلى صبير صبيرا [٧]
فرآها الإله ترشم بالقط ... ر وأمسى جنابهم ممطورا [٨]
فسقاها نشاصه واكف الغى ... ث منهّ إذ رادعوه الكبيرا [٩]
سلع ما ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت البنقورا [١٠]
стр. 936
هكذا كان الأصمعيّ ينشد هذه الكلمة، فقال له علماء بغداد: صحفت، إنما هي البيقور، مأخوذة من البقر.
وأنشد القحذمي للورل الطائيّ [١] : [من البسيط]
لا درّ درّ رجال خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلّعة ... ذريعة لك بين الله والمطر [٢]
قال: ويقال بقر، وبقير، وبيقور، وباقر. ويقال للجماعة منها قطيع، وإجل، وكور، وأنشد [٣] : [من الطويل]
فسكّنتهم بالقول حتى كأنّهم ... بواقر جلح أسكنتها المراتع [٤]
وأنشد [٥] : [من البسيط]
ولا شبوب من الثيران أفرده ... عن كوره كثرة الإغراء والطّرد [٦]
١٢٤٧-[نار الحلف]
[٧] ونار أخرى، هي التي توقد عند التّحالف؛ فلا يعقدون حلفهم إلّا عندها.
فيذكرون عند ذلك منافعها، ويدعون إلى الله ، بالحرمان والمنع من منافعها، على الذي ينقض عهد الحلف، ويخيس بالعهد.
стр. 937
ويقولون في الحلف: الدّم الدّم، والهدم الهدم [١] ، يحرّكون الدّال في هذا الموضع؛ لا يزيده طلوع الشمس إلا شدّا، وطول اللّيالي إلّا مدّا، ما بلّ البحر صوفة [٢] ، وما أقام رضوى في مكانه، (إن كان جبلهم رضوى [٣] ) .
وكلّ قوم يذكرون جبلهم، والمشهور من جبالهم.
وربّما دنوا منها حتى تكاد تحرقهم.
ويهوّلون على من يخاف عليه الغدر، بحقوقها ومنافعها، والتّخويف من حرمان منفعتها. وقال الكميت [٤] : [من المتقارب]
كهولة ما أوقد المحلفو ... ن للحالفين وما هوّلوا
وأصل الحلف والتّحالف، إنما هو من الحلف والأيمان. ولقد تحالفت قبائل من قبائل مرّة بن عوف، فتحالفوا عند نار فدنوا منها، وعشوا [٥] بها، حتّى محشتهم. فسمّوا: المحاش [٦] .
وكان سيدهم والمطاع فيهم، أبو ضمرة يزيد بن سنان بن أبي حارثة. ولذلك يقول النّابغة [٧] : [من الكامل]
جمّع محاشك يا يزيد فإنّني ... جمّعت يربوعا لكم وتميما [٨]
стр. 938
ولحقت بالنّسب الذي عيّرتني ... وتركت أصلا يا يزيد ذميما [١]
وقوله: «تميم» يريد: تميمة [٢] . فحذف الهاء.
١٢٤٨-[التحالف والتعاقد على الملح]
وربّما تحالفوا وتعاقدوا على الملح. والملح شيئان: أحدهما المرقة، والأخرى اللّبن. وأنشدوا لشتيم بن خويلد الفزاري [٣] : [من المتقارب]
لا يبعد الله ربّ العباد ... والملح ما ولدت خالده
وأنشدوا فيه قول أبي الطّمحان [٤] : [من الطويل]
وإني لأرجو ملحها في بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبرا
وذلك أنّه كان جاورهم، فكان يسقيهم اللّبن؛ فقال: أرجو أن تشكروا لي ردّ إبلي، على ما شربتم من ألبانها، وما بسطت من جلد أشعث أغبر. كأنّه يقول: كنتم مهازيل- والمهزول يتقشّف جلده وينقبض- فبسط ذلك من جلودكم.
١٢٤٩-[نار المسافر]
[٥] ونار أخرى، وهي النّار التي كانوا ربّما أوقدوها خلف المسافر، وخلف الزّائر
стр. 939
الذي لا يحبّون رجوعه. وكانوا يقولون في الدّعاء: أبعده الله وأسحقه، وأوقد نارا خلفه، وفي إثره! وهو معنى قول بشار [١]- وضربه مثلا: [من المتقارب]
صحوت وأوقدت للجهل نارا ... وردّ عليك الصّبا ما استعارا
وأنشدوا [٢] : [من الطويل]
وجمّة أقوام حملت ولم تكن ... لتوقد نارا إثرهم للتندّم
والجمّة: الجماعة يمشون في الصلح. وقال الراجز [٣] في إبله: [من الرجز]
تقسم في الحقّ وتعطى في الجمم
يقول: لا تندم على ما أعطيت في الحمالة، عند كلام الجماعة فتوقد خلفهم نارا كي لا يعودوا.
١٢٥٠-[نار الإنذار]
[٤] ونار أخرى وهي النّار التي كانوا إذا أرادوا حربا، وتوقّعوا جيشا عظيما، وأرادوا الاجتماع أوقدوا ليلا على جبلهم نارا؛ ليبلغ الخبر أصحابهم.
وقد قال عمرو بن كلثوم [٥] : [من الوافر]
ونحن غداة أوقد في خزاز ... رفدنا فوق رفد الرّافدينا
وإذا جدّوا في جمع عشائرهم إليهم أوقدوا نارين. وهو قول الفرزدق [٦] :
[من الكامل]
لولا فوارس تغلب ابنة وائل ... سدّ العدوّ عليك كلّ مكان
стр. 940
ضربوا الصّنائع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرفتا على النّيران
١٢٥١-[نار الحرّتين]
[١] ونار أخرى، وهي «نار الحرّتين» ، وهي نار خالد بن سنان، أحد بني مخزوم، من بني قطيعة بن عبس. ولم يكن في بني إسماعيل نبيّ قبله. وهو الذي أطفأ الله به نار الحرّتين. وكانت ببلاد بني عبس، فإذا كان اللّيل فهي نار تسطع في السّماء، وكانت طيّئ تنفش [٢] بها إبلها من مسيرة ثلاث، وربّما ندرت منها العنق [٣] فتأتي على كلّ شيء فتحرقه. وإذا كان النهار فإنما هي دخان يفور. فبعث الله خالد بن سنان فاحتفر لها بئرا، ثمّ أدخلها فيها، والنّاس ينظرون؛ ثمّ اقتحم فيها حتى غيّبها.
وسمع بعض القوم وهو يقول: [هلك الرّجل! فقال خالد بن سنان] [٤] : كذب ابن راعية المعز، لأخرجنّ منها وجبيني يندى! فلمّا حضرته الوفاة، قال لقومه: إذا أنا متّ ثمّ دفنتموني، فاحضروني بعد ثلاث؛ فإنّكم ترون عيرا أبتر يطوف بقبري، فإذا رأيتم ذلك فانبشوني؛ فإني أخبركم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فاجتمعوا لذلك في اليوم الثالث، فلما رأوا العير [٥] وذهبوا ينبشونه، اختلفوا، فصاروا فرقتين، وابنه عبد الله في الفرقة التي أبت أن تنبشه، وهو يقول: لا أفعل! إني إذا أدعى ابن المنبوش! فتركوه.
وقد قدمت ابنته على النبيّ ﷺ ، فبسط لها رداءه وقال: هذه ابنة نبيّ ضيّعه قومه.
قال: وسمعت سورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
فقالت: قد كان أبي يتلو هذه السورة.
والمتكلّمون لا يؤمنون بهذا، ويزعمون أنّ خالدا هذا كان أعرابيّا وبريّا، من أهل شرج وناظرة [٦] ، ولم يبعث الله نبيّا قطّ من الأعراب ولا من الفدّادين [٧] أهل
стр. 941
الوبر، وإنما بعثهم من أهل القرى، وسكّان المدن [١] .
وقال خليد عينين [٢] : [من الطويل]
وأي نبيّ كان في غير قومه ... وهل كان حكم الله إلّا مع النّخل
وأنشدوا [٣] : [من الوافر]
كنار الحرّتين لها زفير ... يصمّ مسامع الرّجل السّميع
١٢٥٢-[تعظيم النار وعبادتها]
وما زال النّاس كافّة، والأمم قاطبة- حتى جاء الله بالحقّ- مولعين بتعظيم النّار؛ حتى ضلّ كثير من النّاس لإفراطهم فيها، أنهم يعبدونها [٤] .
فأما النار العلويّة، كالشمس والكواكب، فقد عبدت البتّة. قال الله تعالى:
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[٥] .
وقد يجيء في الأثر وفي سنّة بعض الأنبياء، تعظيمها على جهة التعبّد والمحنة، وعلى إيجاب الشكر على النّعمة بها وفيها. فيغلط لذلك كثير من النّاس، فيجوزون الحدّ، ويزعم أهل الكتاب أنّ الله تعالى أوصاهم بها، وقال: «لا تطفئوا النّيران من بيوتي» . فلذلك لا تجد الكنائس والبيع [٦] ، وبيوت العبادات، إلّا وهي لا تخلو من نار أبدا، ليلا ولا نهارا؛ حتّى اتّخذت للنّيران البيوت والسّدنة. ووقفوا عليها الغلّات الكثيرة.
١٢٥٣-[نار المجوس]
أبو الحسن عن مسلمة وقحدم، أنّ زيادا بعث عبد الله بن أبي بكرة، وأمره أن
стр. 942
يطفئ النيران، فأراد عبد الله أن يبدأ بنار جور فيطفئها [١] ، فقيل له: ليست للمجوس نار أعظم من نار الكاريان [٢] من دار الحارث. فإن أطفأتها لم يمتنع عليك أحد، وإن أطفأت سافلتها استعدّوا للحرب وامتنعوا. فابدأ بها. فخرج إلى الكاريان فتحصّن أهلها في القلعة. وكان رجل من الفرس من أهل تلك البلاد معروف بالشدّة. لا يقدر عليه أحد، وكان يمرّ كلّ عشيّة بباب منزله استخفافا وإذلالا بنفسه، فغمّ ذلك عبد الله، فقال: أما لهذا أحد؟! وكان مع عبد الله بن أبي بكرة رجل من عبد القيس، من أشدّ النّاس بطشا، وكان جبانا، فقالوا له: هذا العبدي، هو شديد جبان. وإن أمرته به خاف القتال فلم يعرض له. فاحتل له حيلة. فقال: نعم.
قال: فبينا هو في مجلسه إذ مرّ الفارسيّ، فقال عبد الله: ما رأيت مثل خلق هذا، وما في الأرض- كما زعموا- أشدّ منه بطشا! ما يقوى عليه أحد! فقال العبدي:
ما تجعلون لي إن احتملته حتّى أدخله الدّار وأكتفه؟ فقال له عبد الله: لك أربعة آلاف درهم. فقال: تفون لي بألف؟ قال: نعم! فلمّا كان الغد مرّ الفارسيّ، فقام إليه العبديّ فاحتمله فيما امتنع ولا قدر أن يتحرّك، حتّى أدخله الدّار وضرب به الأرض ووثب عليه النّاس فقتلوه، وغشي على العبدي حين قتلوه. فلما قتل أعطى أهل القلعة بأيديهم [٣] . فقتل ابن أبي بكرة الهرابذة، وأطفأ النّار، ومضى يطفئ النّيران حتّى بلغ سجستان.
والمجوس تقدّم النّار في التّعظيم على الماء، وتقدّم الماء في التّعظيم على الأرض. ولا تكاد تذكر الهواء.
١٢٥٤-[نار السعالي والجن والغيلان]
ونار أخرى، التي يحكونها من نيران السّعالي [٤] والجنّ وهي غير نار الغيلان.
وأنشد أبو زيد لسهم بن الحارث [٥] : [من الطويل]
стр. 943
ونار قد حضأت بعيد هدء ... بدار لا أريد بها مقاما [١]
سوى تحليل راحلة وعين ... أكالئها مخافة أن تناما
أتوا ناري، فقلت منون أنتم ... فقالوا: الجنّ! قلت: عموا ظلاما [٢]
فقلت: إلى الطّعام، فقال منهم ... زعيم: نحسد الإنس الطعاما
وهذا غلط وليس من هذا الباب، وسنضعه في موضعه إن شاء الله تعالى. بل الذي يقع ههنا قول أبي المطراب عبيد بن أيّوب [٣] : [من الطويل]
فلله درّ الغول أيّ رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقفّر [٤]
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حواليّ نيرانا تبوخ وتزهر [٥]
١٢٥٥-[نار الاحتيال]
[٦] وما زالت السّدنة تحتال للنّاس جهة النّيران بأنواع الحيل، كاحتيال رهبان كنيسة القمامة ببيت المقدس بمصابيحها، وأنّ زيت قناديلها يستوقد لهم من غير نار، في بعض ليالي أعيادهم قال [٧] : وبمثل احتيال السّادن لخالد بن الوليد، حين رماه بالشّرر؛ ليوهمه أنّ ذلك من الأوثان، أو عقوبة على ترك عبادتها وإنكارها، والتعرّض لها؛ حتى قال [٨] :
[من الرجز]
يا عزّ كفرانك لا سبحانك ... إنّي وجدت الله قد أهانك
حتى كشف الله ذلك الغطاء، من رسول الله ﷺ .
١٢٥٦-[نار الصيد]
[٩] ونار أخرى، وهي النّار التي توقد للظباء وصيدها، لتعشى إذا أدامت النّظر،
стр. 944
وتختل من ورائها، ويطلب بها بيض النعام في أفاحيصها ومكناتها.
ولذلك قال طفيل الغنوي [١] : [من الطويل]
عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا تمّ حول مجرّم
سوى نار بيض أو غزال بقفرة ... أغنّ من الخنس المناخر توءم
١٢٥٧-[نار التهويل]
[٢] وقد يوقدون النّيران يهوّلون بها على الأسد إذا خافوها، والأسد إذا عاين النّار حدق إليها وتأمّلها، فما أكثر ما تشغله عن السابلة، ومرّ أبو ثعلب الأعرج. على وادي السّباع، فعرض له سبع، فقال له المكاري:
لو أمرت غلمانك فأوقدوا نارا، وضربوا على الطّساس [الذي معهم] [٣] ففعلوا فأحجم عنها [٤] ، فأنشدني له ابن أبي كريمة، في حبّه بعد ذلك للنّار، ومدحه لها وللصوت الشّديد، بعد بغضه لهما وهو قوله [٥] : [من الطويل]
فأحببتها حبّا هويت خلاطها ... ولو في صميم النّار نار جهنّم
وصرت ألذّ الصّوت لو كان صاعقا ... وأطرب من صوت الحمار المرقّم [٦]
١٢٥٨-[نار الاصطلاء]
[٧] وروي أنّ أعرابيّا اشتدّ عليه البرد، فأصاب نارا، فدنا منها ليصطلي بها، وهو يقول: اللهم لا تحرمنيها في الدّنيا ولا في الآخرة!.
١٢٥٩-[سكوت الضفدع عند رؤية النار]
وممّا إذا أبصر النّار اعترته الحيرة، الضّفدع؛ فإنّه لا يزال ينقّ فإذا أبصر النّار سكت.
стр. 945
١٢٦٠-[نار الحباحب]
[١] ومن النّيران «نار الحباحب» وهي أيضا «نار أبي الحباحب» . وقال أبو حيّة [٢] : [من الطويل]
يعشّر في تقريبه فإذا انحنى ... عليهنّ في قفّ أرنّت جنادله [٣]
وأوقدن نيران الحباحب والتقى ... غضا تتراقى بينهنّ ولاوله [٤]
وقال القطاميّ [٥] في نار أبي الحباحب: [من الطويل]
تخوّد تخويد النّعامة بعدما ... تصوّبت الجوزاء قصد المغارب [٦]
ألا إنما نيران قيس إذا اشتوت ... لطارق ليل مثل نار الحباحب
ويصفون نارا أخرى، وهي قريبة من نار أبي الحباحب، وكلّ نار تراها العين ولا حقيقة لها عند التماسها [٧] ، فهي نار أبي الحباحب. ولم أسمع في أبي حباحب نفسه شيئا.
١٢٦١-[نار البرق]
وقال الأعرابيّ، وذكر البرق [٨] : [من الطويل]
نار تعود به للعود جدّته ... والنّار تشعل نيرانا فتحترق
يقول: كلّ نار في الدّنيا فهي تحرق العيدان وتبطلها وتهلكها، إلّا «نار البرق» ،
стр. 946
فإنّها تجيء بالغيث. وإذا غيثت الأرض ومطرت أحدث الله للعيدان جدّة. وللأشجار أغصانا لم تكن.
١٢٦٢-[نار اليراعة]
ونار أخرى، وهي شبيهة بنار البرق، ونار أبي حباحب، وهي «نار اليراعة» ، واليراعة: طائر صغير، إن طار بالنّهار كان كبعض الطّير، وإن طار باللّيل كان كأنّه شهاب قذف أو مصباح يطير.
١٢٦٣-[الدفء برؤية النار]
وفي الأحاديث السّائرة المذكورة في الكتب، أنّ رجلا ألقي في ماء راكد في شتاء بارد، في ليلة من الحنادس [١] ، لا قمر ولا ساهور [٢]- وإنما ذكر ذلك، لأنّ ليلة العشر والبدر والطّوق الذي يستدير حول القمر، يكون كاسرا [٣] من برد تلك الليلة- قالوا: فما زال الرجل حيّا وهو في ذلك تارز [٤] جامد، ما دام ينظر إلى نار، كانت تجاه وجهه في القرية، أو مصباح، فلما طفئت انتفض.
١٢٦٤-[نار الخلعاء والهرّاب]
وقال الشّاعر [٥] : [من الطويل]
ونار قبيل الصّبح بادرت قدحها ... حيا النّار قد أوقدتها للمسافر [٦]
يقول: بادرت اللّيل، لأنّ النّار لا ترى بالنهار، كأنه كان خليعا أو مطلوبا.
وقال آخر: [من الطويل]
ودوّيّة لا يثقب النّار سفرها ... وتضحي بها الوجناء وهي لهيد [٧]
стр. 947
كأنّهم كانوا هرّابا، فمن حثهم السّير لا يوقدون لبرمة ولا ملّة؛ لأنّ ذلك لا يكون إلّا بالنزول والتمكث، وإنما يجتازون بالبسيسة [١] ، أو بأدنى علقة. وقال بعض اللّصوص [٢] : [من الرجز]
ملسا بذود الحدسيّ ملسا ... نبّهت عنهن غلاما غسّا [٣]
لمّا تغشّى فروة وحلسا ... من غدوة حتّى كأنّ الشّمسا [٤]
بالأفق الغربيّ تكسى ورسا ... لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا [٥]
ولا تطيلا بمناخ حبسا ... وجنّباها أسدا وعبسا
قال: والبسيسة: أن يبلّ الدّقيق بشيء حتى يجتمع ويؤكل.
١٢٦٥-[نار الوشم]
ونار أخرى، وهي «نار الوشم والميسم» يقال للرجل: ما نار إبلك؟ فيقول:
علاط [٦] ، أو خباط [٧] ، أو حلقة [٨] أو كذا وكذا.
١٢٦٦-[رجز لبعض اللصوص]
وقرّب بعض اللّصوص إبلا من الهواشة [٩] ، وقد أغار عليها من كلّ جانب،
стр. 948
وجمعها من قبائل شتى، فقرّبها إلى بعض الأسواق، فقال له بعض التّجار: ما نارك؟
وإنما يسأله عن ذلك؛ لأنهم يعرفون بميسم كلّ قوم كرم إبلهم من لؤمها. فقال [١] :
[من الرجز]
تسألني الباعة ما نجارها ... إذ زعزعوها فسمت أبصارها [٢]
فكلّ دار لأناس دارها ... وكلّ نار العالمين نارها
وقال الكردوس المرادي [٣] : [من الطويل]
تسائلني عن نارها ونتاجها ... وذلك علم لا يحيط به الطّمش
والطّمش: الخلق. والورى: النّاس خاصّة تمّ المصحف الرابع من كتاب الحيوان، ويليه إن شاء الله تعالى المصحف الخامس.
وأوله: نبدأ في هذا الجزء بتمام القول في نيران العجم والعرب، ونيران الدّيانة، ومبلغ أقدارها.
стр. 949
فهرس الجزءين الثالث والرابع من كتاب الحيوان
стр. 950
فهرس أبواب المصحف الثالث
باب ذكر الحمام ٣
باب في صدق الظن وجودة الفراسة ٢٧
باب من المديح بالجمال وغيره ٥
باب آخر في مثل ذلك من الغضب وفي ذكر الجنون في المواضع التي يكون ذكره فيها محمودا ٥٤
باب من الفطن وفهم الرّطانات والكنايات والفهم والإفهام ٦٣
باب ذكر خصال الحرم ٧٢
باب ذكر الحمام ٧٥
باب ومن كرم الحمام ١١٠
باب ليس في الأرض جنس يعتريه الأوضاح ١١٩
باب الحمام طائر لئيم ١٢٤
باب القول في أجناس الذّبّان ١٤٣
باب رجع القول إلى ذكر الذّبّان ١٨٠
باب القول في الغربان ١٩٤
باب فيمن يهجى ويذكر بالشّؤم ٢٣٢
باب في مديح الصّالحين والفقهاء ٢٣٨
باب القول في الجعلان والخنافس ٢٤١
باب القول في الهدهد ٢٤٩
باب القول في الرّخم ٢٥٣
باب القول في الخفاش ٢٥٦