← Адаб

Адаб · id 23775

الحيوان

الجاحظ

Полный текст (2 028 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فإنّها تجيء بالغيث. وإذا غيثت الأرض ومطرت أحدث الله للعيدان جدّة. وللأشجار أغصانا لم تكن. ١٢٦٢-[نار اليراعة] ونار أخرى، وهي شبيهة بنار البرق، ونار أبي حباحب، وهي «نار اليراعة» ، واليراعة: طائر صغير، إن طار بالنّهار كان كبعض الطّير، وإن طار باللّيل كان كأنّه شهاب قذف أو مصباح يطير. ١٢٦٣-[الدفء برؤية النار] وفي الأحاديث السّائرة المذكورة في الكتب، أنّ رجلا ألقي في ماء راكد في شتاء بارد، في ليلة من الحنادس [١] ، لا قمر ولا ساهور [٢]- وإنما ذكر ذلك، لأنّ ليلة العشر والبدر والطّوق الذي يستدير حول القمر، يكون كاسرا [٣] من برد تلك الليلة- قالوا: فما زال الرجل حيّا وهو في ذلك تارز [٤] جامد، ما دام ينظر إلى نار، كانت تجاه وجهه في القرية، أو مصباح، فلما طفئت انتفض. ١٢٦٤-[نار الخلعاء والهرّاب] وقال الشّاعر [٥] : [من الطويل] ونار قبيل الصّبح بادرت قدحها ... حيا النّار قد أوقدتها للمسافر [٦] يقول: بادرت اللّيل، لأنّ النّار لا ترى بالنهار، كأنه كان خليعا أو مطلوبا. وقال آخر: [من الطويل] ودوّيّة لا يثقب النّار سفرها ... وتضحي بها الوجناء وهي لهيد [٧]

стр. 947

كأنّهم كانوا هرّابا، فمن حثهم السّير لا يوقدون لبرمة ولا ملّة؛ لأنّ ذلك لا يكون إلّا بالنزول والتمكث، وإنما يجتازون بالبسيسة [١] ، أو بأدنى علقة. وقال بعض اللّصوص [٢] : [من الرجز] ملسا بذود الحدسيّ ملسا ... نبّهت عنهن غلاما غسّا [٣] لمّا تغشّى فروة وحلسا ... من غدوة حتّى كأنّ الشّمسا [٤] بالأفق الغربيّ تكسى ورسا ... لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا [٥] ولا تطيلا بمناخ حبسا ... وجنّباها أسدا وعبسا قال: والبسيسة: أن يبلّ الدّقيق بشيء حتى يجتمع ويؤكل. ١٢٦٥-[نار الوشم] ونار أخرى، وهي «نار الوشم والميسم» يقال للرجل: ما نار إبلك؟ فيقول: علاط [٦] ، أو خباط [٧] ، أو حلقة [٨] أو كذا وكذا. ١٢٦٦-[رجز لبعض اللصوص] وقرّب بعض اللّصوص إبلا من الهواشة [٩] ، وقد أغار عليها من كلّ جانب،

стр. 948

وجمعها من قبائل شتى، فقرّبها إلى بعض الأسواق، فقال له بعض التّجار: ما نارك؟ وإنما يسأله عن ذلك؛ لأنهم يعرفون بميسم كلّ قوم كرم إبلهم من لؤمها. فقال [١] : [من الرجز] تسألني الباعة ما نجارها ... إذ زعزعوها فسمت أبصارها [٢] فكلّ دار لأناس دارها ... وكلّ نار العالمين نارها وقال الكردوس المرادي [٣] : [من الطويل] تسائلني عن نارها ونتاجها ... وذلك علم لا يحيط به الطّمش والطّمش: الخلق. والورى: النّاس خاصّة تمّ المصحف الرابع من كتاب الحيوان، ويليه إن شاء الله تعالى المصحف الخامس. وأوله: نبدأ في هذا الجزء بتمام القول في نيران العجم والعرب، ونيران الدّيانة، ومبلغ أقدارها.

стр. 949

فهرس الجزءين الثالث والرابع من كتاب الحيوان

стр. 950

فهرس أبواب المصحف الثالث باب ذكر الحمام ٣ باب في صدق الظن وجودة الفراسة ٢٧ باب من المديح بالجمال وغيره ٥ باب آخر في مثل ذلك من الغضب وفي ذكر الجنون في المواضع التي يكون ذكره فيها محمودا ٥٤ باب من الفطن وفهم الرّطانات والكنايات والفهم والإفهام ٦٣ باب ذكر خصال الحرم ٧٢ باب ذكر الحمام ٧٥ باب ومن كرم الحمام ١١٠ باب ليس في الأرض جنس يعتريه الأوضاح ١١٩ باب الحمام طائر لئيم ١٢٤ باب القول في أجناس الذّبّان ١٤٣ باب رجع القول إلى ذكر الذّبّان ١٨٠ باب القول في الغربان ١٩٤ باب فيمن يهجى ويذكر بالشّؤم ٢٣٢ باب في مديح الصّالحين والفقهاء ٢٣٨ باب القول في الجعلان والخنافس ٢٤١ باب القول في الهدهد ٢٤٩ باب القول في الرّخم ٢٥٣ باب القول في الخفاش ٢٥٦

стр. 951

فهرس أبواب المصحف الرابع القول في الذّرّة والنمّل ٢٦٢ باب جملة القول في القرد والخنزير ٢٧٨ رجع القول إلى ذكر الخنزير ٢٩١ القول في الحيّات ٣١٣ ومن أعاجيب الحيّات ٣٧٣ أصوات خشاش الأرض ٣٧٣ باب من ضرب المثل للرجل الداهية وللحيّ الممتنع بالحية ٣٧٤ جملة القول في الظّليم ٤١١ باب آخر وهو أعجب من الأول ٤١٦ القول فيما اشتقّ له من البيض اسم ٤٢٣ القول في النيران ٤٨٨ باب آخر ٤٩٠

стр. 952

الجزء الخامس (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) * [تتمة القول في النيران وأقسامها] [القول في نيران العرب والعجم] (أول المصحف الخامس من كتاب الحيوان في الكتاب على بقية النبران) نبدأ في هذا الجزء بتمام القول في نيران العرب والعجم، ونيران الدّيانة ومبلغ أقدارها عند أهل كلّ ملّة وما يكون منها مفخرا، وما يكون منها مذموما، وما يكون صاحبها بذلك مهجورا. ونبدأ بالإخبار عنها وبدئها، وعن نفس جوهرها، وكيف القول في كمونها وظهورها، إن كانت النار قد كانت موجودة العين قبل ظهورها، وعن كونها، على المجاورة كان ذلك أم على المداخلة، وفي حدوث عينها إن كانت غير كامنة، وفي إحالة الهواء لها والعود جمرا، إن كانت الاستحالة جائزة، وكانت الحجّة في تثبيت الأعراض صحيحة. وكيف القول في الضّرام الذي يظهر من الشجر، وفي الشّرر الذي يظهر من الحجر. وما القول في لون النار في حقيقتها. وهل يختلف الشّرار في طبائعها، أم لا اختلاف بين جميع جواهرها، أم يكون اختلافها على قدر اختلاف مخارجها ومداخلها، وعلى قدر اختلاف ما لاقاها وهيّجها؟ ١٢٦٧-[قول أبي إسحاق النظام في النار] ونبدأ، باسم الله وتأييده، بقول أبي إسحاق. قال أبو إسحاق: الناس اسم للحرّ والضّياء. فإذا قالوا: أحرقت أو سخّنت، فإنما الإحراق والتسخين لأحد هذين الجنسين المتداخلين، وهو الحرّ دون الضياء. وزعم أن الحرّ جوهر صعّاد. وإنما اختلفا، ولم يكن اتّفاقهما على الصعود موافقا بين جواهرهما؛ لأنهما متى صارا من العالم العلويّ إلى مكان صار أحدهما فوق صاحبه. وكان يجزم القول ويبرم الحكم بأنّ الضياء هو الذي يعلو إذا انفرد، ولا يعلى.

стр. 953

قال: ونحن إنما صرنا إذا أطفأنا نار الأتّون [١] وجدنا أرضه وهواه وحيطانه حارّة، ولم نجدها مضيئة، لأن في الأرض، وفي الماء الذي قد لابس الأرض، حرّا كثيرا، وتداخلا متشابكا؛ وليس فيهما ضياء. وقد كان حرّ النار هيّج تلك الحرارة فأظهرها، ولم يكن هناك ضياء من ملابس فهيّجه الضياء وأظهره، كما اتصل الحرّ بالحرّ فأزاله من موضعه، وأبرزه من مكانه. فلذلك وجدنا أرض الأتّون [١] ، وحيطانها، وهواها حارّة، ولم نجدها مضيئة. وزعم أبو إسحاق أنّ الدليل على أن في الحجر والعود نارا مع اختلاف الجهات، أنه يلزم من أنكر ذلك أن يزعم أن ليس في السّمسم دهن ولا في الزّيتون زيت. ومن قال ذلك لزمه أن يقول: أن ليس في الإنسان دم، وأنّ الدّم إنّما تخلّق عند البطّ [٢] ، وكان ليس بين من أنكر أن يكون الصّبر [٣] مرّ الجوهر، والعسل حلو الجوهر قبل ألّا يذاقا، وبين السمسم والزيتون قبل أن يعصرا- فرق. وإن زعم الزاعم أنّ الحلاوة والمرارة عرضان، والزيت والخلّ جوهر، وإذا لزم من قال ذلك في حلاوة العسل، وحموضة الخلّ، وهما طعمان- لزمه مثل ذلك في ألوانهما، فيزعم أنّ سواد السّبج [٤] ، وبياض الثلج، وحمرة العصفر، وصفرة الذهب، وخضرة البقل، إنما تحدث عند رؤية الإنسان، وإن كانت المعاينة والمقابلة غير عاملتين في تلك الجواهر. قال: فإذا قاس ذلك المتكلّم في لون الجسم بعد طعمه، وفي طوله وعرضه وصورته بعد رائحته، وفي خفته وثقل وزنه، كما قاس في رخاوته وصلابته- فقد دخل في باب الجهالات، ولحق بالذين زعموا أن القربة ليس فيها ماء، وإن وجدوها باللمس ثقيلة مزكورة [٥] وإنما تخلّق عند حلّ رباطها. وكذلك فليقولوا في الشمس والقمر، والكواكب، والجبال، إذا غابت عن أبصارهم. قال: فمن هرب عن الانقطاع إلى الجهالات، كان الذي هرب إليه أشدّ عليه.

стр. 954

وكان يضرب لهما مثلا ذكرته لظرافته: حكى عن رجل أحدب سقط في بئر، فاستوت حدبته وحدثت له أدرة [١] في خصيته، فهنّاه رجل عن ذهاب حدبته، فقال: الذي جاء شرّ من الذي ذهب! ١٢٦٨-[رد النظام على ضرار في إنكار الكمون] وكان أبو إسحاق يزعم أن ضرار بن عمرو قد جمع في إنكاره القول بالكمون الكفر والمعاندة؛ لأنه كان يزعم أن التوحيد لا يصحّ إلا مع إنكار الكمون، وأن القول بالكمون لا يصحّ إلا بأن يكون في الإنسان دم. وإنما هو شيء تخلّق عند الرّؤية. قال: وهو قد كان يعلم يقينا أنّ جوف الإنسان لا يخلو من دم. قال: ومن زعم أن شيئا من الحيوان يعيش بغير الدم، أو شيء يشبه الدم، فواجب عليه أن يقول بإنكار الطبائع؛ ويدفع الحقائق بقول جهم في تسخين النار وتبريد الثلج، وفي الإدراك والحسّ، والغذاء والسّمّ. وذلك باب آخر في الجهالات. ومن زعم أن التوحيد لا يصلح إلا بألّا يكون في الإنسان دم، وإلا بأن تكون النار لا توجب الإحراق، والبصر الصحيح لا يوجب الإدراك- فقد دلّ على أنه في غاية النقص والغباوة، أو في غاية التكذيب والمعاندة. وقال أبو إسحاق: وجدنا الحطب عند انحلال أجزائه، وتفرّق أركانه التي بني عليها، ومجموعاته التي ركّب منها وهي أربع: نار، ودخان، وماء، ورماد، ووجدنا للنار حرّا وضياء، ووجدنا للماء صوتا، ووجدنا للدّخان طعما ولونا ورائحة، ووجدنا للرّماد طعما ولونا ويبسا، ووجدنا للماء السائل من كل واحد من أصحابه. ثمّ وجدناه ذا أجناس ركّبت من المفردات. ووجدنا الحطب ركّب على ما وصفنا، فزعمنا أنه ركّب من المزدوجات، ولم يركّب من المفردات. قال أبو إسحاق: فإذا كان المتكلم لا يعرف القياس ويعطيه حقه فرأى أنّ العود حين احتكّ بالعود أحدث النار فإنه يلزمه في الدخان مثل ذلك، ويلزمه في الماء السائل مثل ذلك. وإن قاس قال في الرّماد مثل قوله في الدخان والماء. وإلا فهو إما جاهل، وإمّا متحكم.

стр. 955

وإن زعم أنه إنما أنكر أن تكون النار كانت في العود، لأنه وجد النار أعظم من العود، ولا يجوز أن يكون الكبير في الصغير، وكذلك الدخان- فليزعم أن الدخان لم يكن في الحطب، وفي الزّيت وفي الزّيت وفي النّفط. فإن زعم أنهما سواء، وأنه إنما قال بذلك لأن بدن ذلك الحطب لم يكن يسع الذي عاين من بدن النار والدخان، فليس ينبغي لمن أنكر كمونها من هذه الجهة أن يزعم أنّ شرر القدّاحة والحجر لم يكونا كامنين في الحجر والقدّاحة. وليس ينبغي أن ينكر كمون الدم في الإنسان، وكمون الدّهن في السمسم، وكمون الزيت في الزيتون. ولا ينبغي أن ينكر من ذلك إلا ما لا يكون الجسم يسعه في العين. فكيف وهم قد أجروا هذا الإنكار في كلّ ما غاب عن حواسّهم من الأجسام المستترة بالأجسام حتى يعود بذلك إلى إبطال الأعراض؟! كنحو حموضة الخلّ، وحلاوة العسل، وعذوبة الماء، ومرارة الصبر. قال: فإن قاسوا قولهم وزعموا أن الرماد حادث، كما قالوا في النار والدّخان، فقد وجب عليهم أن يقولوا في جميع الأجسام مثل ذلك كالدقيق المخالف للبرّ في لونه، وفي صلابته، وفي مساحته، وفي أمور غير ذلك منه. فقد ينبغي أن يزعم أن الدقيق حادث، وأن البرّ قد بطل. وإذا زعم ذلك زعم أنّ الزّبد الحادث بعد المخض لم يكن في اللبن، وأنّ جبن اللبن حادث، وقاس ماء الجبن على الجبن. وليس اللبن إلا الجبن والماء. وإذا زعم أنهما حادثان، وأن اللبن قد بطل، لزمه أن يكون كذلك الفخّار، الذي لم نجده حتى عجنّا التراب اليابس المتهافت على حدته، بالماء الرّطب السيّال على حدته، ثم شويناه بالنار الحارّة الصّعّادة على حدتها. ووجدنا الفخار في العين واللمس والذّوق والشّمّ، وعند النّقر والصّكّ- على خلاف ما وجدنا عليه النار وحدها، والماء وحده، والتّراب وحده؛ فإنّ ذلك الفخار هو تلك الأشياء. والحطب هو تلك الأشياء، إلا أن أحدها من تركيب العباد، والآخر من تركيب الله. والعبد لا يقلب المركّبات عن جواهرها بتركيبه ما ركب منها. والحجر متى صكّ بيضة كسرها، وكيف دار الأمر، سواء كانت الرّيح تقلبه أو إنسان.

стр. 956

فإن زعموا أن الفخار ليس ذلك التّراب، وذلك الماء، وتلك النار، وقالوا مثل ذلك في جميع الأخبصة [١] والأنبذة، كان آخر قياسهم أن يجيبوا بجواب أبي الجهجاه؛ فإنه زعم أن القائم غير القاعد، والعجين غير الدقيق. وزعم- ولو أنه لم يقل ذلك- أن الحبّة متى فلقت فقد بطل الصحيح، وحدث جسمان في هيئة نصفي الحبّة. وكذلك إذا فلقت بأربع فلق، إلى أن تصير سويقا، ثم تصير دقيقا، ثم تصير عجينا، ثم تصير خبزا، ثم تعود رجيعا وزبلا، ثم تعود ريحانا وبقلا، ثم يعود الرجيع أيضا لبنا وزبدا؛ لأن الجلّالة [٢] من البهائم تأكله، فيعود لحما ودما. وقال: فليس القول إلا ما قال أصحاب الكمون، أو قول هذا. ١٢٦٩-[ردّ النظام على أصحاب الأعراض] قال أبو إسحاق: فإن اعترض علينا معترض من أصحاب الأعراض فزعم أن النار لم تكن كامنة، وكيف تكمن فيه وهي أعظم منه؟ ولكنّ العود إذا احتكّ بالعود حمي العودان، وحمي من الهواء المحيط بهما الجزء الذي بينهما، ثم الذي يلي ذلك منهما، فإذا احتدم رقّ، ثم جفّ والتهب. فإنما النار هواء استحال. والهواء في أصل جوهره حارّ رقيق، وهو جسم رقيق، وهو جسم خوّار، جيّد القبول، سريع الانقلاب. والنار التي تراها أكثر من الحطب، إنما هي ذلك الهواء المستحيل، وانطفاؤها بطلان تلك الأعراض الحادثة من النارية فيه. فالهواء سريع الاستحالة إلى النار، سريع الرجوع إلى طبعه الأول. وليس أنها إذا عدمت فقد انقطعت إلى شكل لها علويّ واتصلت، وصارت إلى تلادها [٣] ، ولا أنّ أجزاءها أيضا تفرقت في الهواء، ولا أنها كانت كامنة في الحطب، متداخلة منقبضة فيه، فلما ظهرت انبسطت وانتشرت. وإنما اللهب هواء استحال نارا؛ لأن الهواء قريب القرابة من النار، والماء هو حجاز بينهما، لأنّ النار يابسة حارة، والماء رطب بارد، والهواء حارّ رطب، فهو يشبه الماء من جهة الرطوبة والصفاء، ويشبه النار بالحرارة والخفة فهو يخالفهما ويوافقهما؛ فلذلك جاز أن ينقلب إليهما انقلابا سريعا، كما ينعصر الهواء إذا استحال رطبا

стр. 957

وحدث له كثافة، إلى أن تعود أجزاؤه مطرا. فالماء ضدّ النار، والهواء خلاف لهما، وليس بضدّ. ولا يجوز أن ينقلب الجوهر إلى ضده حتى ينقلب بديّا إلى خلافه. فقد يستقيم أن ينقلب الماء هواء، ثم ينقلب الهواء نارا، وينقلب الهواء ماء، ثم ينقلب الماء أرضا. فلا بدّ في الانقلاب من الترتيب والتدريج. وكلّ جوهر فله مقدمات؛ لأن الماء قد يحيل الطين صخرا، وكذلك في العكس، فلا يستحيل الصخر هواء، والهواء صخرا، إلا على هذا التنزيل والترتيب. وقال أبو إسحاق لمن قال بذلك من حذّاق أصحاب الأعراض: قد زعمتم أن النار التي عاينّاها لم تخرج من الحطب، ولكنّ الهواء المحيط بهما احتدم واستحال نارا. فلعلّ الحطب الذي يسيل منه الماء الكثير، أن يكون ذلك الماء لم يكن في الحطب، ولكنّ ذلك المكان من الهواء استحال ماء. وليس ذلك المكان من الهواء أحقّ بأن يستحيل ماء من أن يكون سبيل الدخان في الاستحالة سبيل النار والماء. فإن قاس القوم ذلك، فزعموا أن النار التي عاينّاها، وذلك الماء والدخان في كثافة الدخان وسواده، والذي يتراكم منه في أسافل القدور وسقف المطابخ إنما ذلك هواء استحال، فلعلّ الرماد أيضا، هواء استحال رمادا. فإن قلتم: الدّخان في أول ثقله المتراكم على أسافل القدور، وفي بطون سقف مواقد الحمامات، الذي إذا دبّر ببعض التدبير جاء منه الأنقاس [١] العجيبة أحق بأن استحال أرضيّا. فإن قاس صاحب العرض، وزعم أن الحطب انحلّ بأسره، فاستحال بعضه رمادا كما قد كان بعضه رمادا مرة، واستحال بعضه ماء كما كان بعضه ماء مرة، وبعضه استحال أرضا، كما كان بعضه أرضا مرة، ولم يقل إن الهواء المحيط به استحال رمادا، ولكنّ بعض أخلاط الحطب استحال رمادا ودخانا، وبعض الهواء المتصل به استحال ماء وبعضه استحال نارا، على قدر العوامل، وعلى المقابلات له. وإذا قال صاحب العرض ذلك كان قد أجاب في هذه الساعة على حدّ ما نزّلته لك. وهذا باب من القول في النار. وعلينا أن نستقصي للفريقين والله المعين. ١٢٧٠-[ردّ على منكري كمون النار في الحطب] وباب آخر، وهو أن بعض من ينكر كمون النار في الحطب قالوا: إن هذا الحرّ

стр. 958

الذي رأيناه قد ظهر من الحطب، لو كان في الحطب لكان واجبا أن يجده من مسّه كالجمر المتوقد، إذا لم يكن دونه مانع منه. ولو كان هناك مانع لم يكن ذلك المانع إلا البرد؛ لأن اللون والطعم والرائحة لا يفاسد الحرّ، ولا يمانعه إلا الذي يضادّه، دون الذي يخالفه ولا يضاده. فإن زعم زاعم أنه قد كان هناك من أجزاء البرد ما يعادل ذلك الحرّ ويطاوله، ويكافيه ويوازيه؛ فلذلك صرنا إذا مسسنا الحطب لم نجده مؤذيا، وإنما يظهر الحرق ويحرق لزوال البرد، إذا قام في مكانه وظهر الحرّ وحده فظهر عمله. ولو كان البرد المعادل لذلك الحرّ مقيما في العود على أصل كمونه فيه. لكان ينبغي لمن مسّ الرّماد بيده أن يجده أبرد من الثلج. فإذا كان مسه كمسّ غيره، فقد علمنا أنه ليس هناك من البرد ما يعادل هذا الحرّ الذي يحرق كلّ شيء لقيه. فإن زعم أنهما خرجا جميعا من العود، فلا يخلو البرد أن يكون أخذ في جهته، فلم وجدنا الحرّ وحده وليس هو بأحق أن نجده من ضدّه. وإن كان البرد أخذ شمالا، وأخذ الحرّ جنوبا، فقد كان ينبغي أن يجمد ويهلك ما لاقاه، كما أهلك الحر وأحرق وأذاب كلّ ما لاقاه. قالوا: فلما وجدنا جميع أقسام هذا الباب، علمنا أن النار لم تكن كامنة في الحطب. قال أبو إسحاق: والجواب عن ذلك أنا نزعم أن الغالب على العالم السفليّ الماء والأرض، وهما جميعا باردان، وفي أعماقهما وأضعافهما من الحر ما يكون مغمورا ولا يكون غامرا، ويكون مقموعا ولا يكون قامعا؛ لأنه هناك قليل، والقليل ذليل، والذليل غريب، والغريب محقور. فلما كان العالم السفلي كذلك، اجتذب ما فيه من قوة البرد وذلك البرد الذي كان في العود عند زوال مانعه؛ لأن العود مقيم في هذا العالم. ثم لم ينقطع ذلك البرد إلى برد الأرض، الذي هو كالقرص له، إلا بالطّفرة [١] والتخليف [٢] ، لا بالمرور على الأماكن والمحاذاة لها وقام برد الماء منه مقام قرص الشمس من الضياء الذي يدخل البيت للخرق الذي يكون فيه، فإذا سدّ فمع السّدّ ينقطع إلى قرصه، وأصل جوهره.

стр. 959

فإذا أجاب بذلك أبو إسحاق لم يجد خصمه بدّا من أن يبتدئ مسألة في إفساد القول بالطفرة والتخليف. ولولا ما اعترض به أبو إسحاق من الجواب بالطفرة في هذا الموضع، لكان هذا مما يقع في باب الاستدلال على حدوث العالم. ١٢٧١-[قول النظام في الكمون] وكان أبو إسحاق يزعم أن احتراق الثوب والحطب والقطن، إنما هو خروج نيرانه منه، وهذا هو تأويل الاحتراق، وليس أن نارا جاءت من مكان فعملت في الحطب، ولكن النار الكامنة في الحطب لم تكن تقوى على نفي ضدّها عنها، فلما اتصلت بنار أخرى، واستمدّت منها، قويتا جميعا على نفي ذلك المانع، فلما زال المانع ظهرت. فعند ظهورها تجزّأ الحطب وتجفف وتهافت؛ لمكان عملها فيه. فإحراقك للشيء إنما هو إخراجك نيرانه منه. وكان يزعم أن حرارة الشمس، إنما تحرق في هذا العالم بإخراج نيرانها منه. وهي لا تحرق ما عقد العرض وكثّف تلك النداوة؛ لأن التي عقدت تلك الأجزاء من الحر أجناس لا تحترق، كاللون والطعم والرائحة، والصوت. والاحتراق إنما هو ظهور النار عند زوال مانعها فقط. وكان يزعم أن سمّ الأفعى مقيما في بدن الأفعى، ليس يقتل، وأنه متى مازج بدنا لا سمّ فيه لم يقتل ولم يتلف، وإنما يتلف الأبدان التي فيها سموم ممنوعة مما يضادّها. فإذا دخل عليها سم الأفعى، عاون السم الكامن ذلك السمّ الممنوع على مانعه. فإذا زال المانع تلف البدن. فكان المنهوش عند أبي إسحاق، إنما كان أكثر ما أتلفه السمّ الذي معه. وكذلك كان يقول في حرّ الحمّام، والحر الكامن في الإنسان: أنّ الغشي الذي يعتريه في الحمام ليس من الحر القريب، ولكن من الحر الغريب، حرّك الحرّ الكامن في الإنسان، وأمدّه ببعض أجزائه، فلما قوي عند ذلك على مانعه فأزاله، صار ذلك العمل الذي كان يوقعه بالمانع واقعا به. وإنما ذلك كماء حار يحرق اليد، صبّ عليه ماء بارد، فلما دخل عليه الماء البارد صار شغله بالداخل، وصار من وضع يده فيه ووضع يده في شيء قد شغل فيه بغيره. فلما دفع الله، ، عنه ذلك الجسم

стр. 960

الذي هو مشغول به، صار ذلك الشّغل مصروفا إلى من وضع يده فيه؛ إذ كان لا ينفكّ من عمله. وكان مع ذلك يزعم أنك لو أطفأت نار الأتّون [١] لم تجد شيئا من الضوء، ووجدت الكثير من الحر؛ لأن الضياء لما لم يكن له في الأرض أصل ينسب إليه، وكان له في العلوّ أصل، كان أولى به. وفي الحقيقة أنهما جميعا قد اتصلا بجوهرهما من العالم العلويّ. وهذا الحر الذي تجده في الأرض، إنما هو الحرّ الكامن الذي زال مانعه. هكذا كان ينبغي أن يقول. وهو قياسه. وكان يزعم أنك إن أبصرت مصباحا قائما إلى الصّبح أن الذي رأيته في أول وهلة قد بطل من هذا العالم، وظفر من الدهن بشيء من وزنه وقدره بلا فضل [٢] ، ثم كذلك الثالث والرابع والتاسع. فأنت إن ظننت أن هذا المصباح ذلك، فليس به، ولكن ذلك المكان لما كان لا يخلو من أقسام متقاربة متشابهة، ولم يكن في الأول شية [٣] ولا علامة، وقع عندك أن المصباح الذي رأيته مع طلوع الفجر، هو الذي رأيته مع غروب الشّفق. وكان يزعم أن نار المصباح لم تأكل شيئا من الدّهن ولم تشربه، وأن النار لا تأكل ولا تشرب، ولكن الدهن ينقص على قدر ما يخرج منه من الدخان والنار الكامنين، اللذين كانا فيه. وإذا خرج كلّ شيء فهو بطلانه. [باب في المجاز والتشبيه بالأكل] ١٢٧٢-[المجاز والتشبيه الأكل] وقد يقولون ذلك أيضا على المثل، وعلى الاشتقاق، وعلى التشبيه. فإن قلتم: فقد قال الله في الكتاب: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ [٤] علمنا أن الله، ، إنما كلمهم بلغتهم.

стр. 961

وقد قال أوس بن حجر [١] : [من الطويل] فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكّلا [٢] وقد أكلت أظفاره الصّخر كلما ... تعايا عليه طول مرقى توصّلا فجعل النحت والتّنقّص أكلا. وقال خفاف بن ندبة [٣] : [من البسيط] أبا خراشة أمّا كنت ذا نفر ... فإنّ قومي لم تأكلهم الضبع والضّبع: السّنة. فجعل تنقّص الجدب، والأزمة، أكلا. باب آخر مما يسمونه أكلا وقال مرداس بن أديّة [٤] : [من البسيط] وأدّت الأرض منّي مثل ما أكلت ... وقرّبوا لحساب القسط أعمالي وأكل الأرض لما صار في بطنها: إحالتها له إلى جوهرها. [باب آخر في المجاز والتشبيه بالأكل] (باب آخر) ١٢٧٣-[في المجاز والتشبيه بالأكل] وهو قول الله : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [٥] وقوله

стр. 962

تعالى، عزّ اسمه: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [١] . وقد يقال لهم ذلك وإن شربوا بتلك الأموال الأنبذة، ولبسوا الحلل، وركبوا الدوابّ، ولم ينفقوا منها درهما واحدا في سبيل الأكل. وقد قال الله : إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [٢] . وهذا مجاز آخر. وقال الشاعر في أخذ السّنين من أجزاء الخمر [٣] : [من الخفيف] أكل الدّهر ما تجسّم منها ... وتبقّى مصاصها المكنونا [٤] وقال الشاعر: [من السريع] مرّت بنا تختال في أربع ... يأكل منها بعضها بعضا [٥] وهل قوله [٦] : «وقد أكلت أظفاره الصّخر» ، إلا كقوله [٧] : [من الطويل] كضبّ الكدى أفنى براثنه الحفر [٨] وإذا قالوا: أكله الأسد، فإنما يذهبون إلى الأكل المعروف. وإذا قالوا: أكله الأسود [٩] ، فإنما يعنون النّهش واللّدغ والعضّ فقط. وقد قال الله : أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [١٠] . ويقال: هم لحوم الناس.

стр. 963

وقال قائل لإسماعيل بن حماد: أيّ اللّحمان أطيب؟ قال: لحوم الناس، هي والله أطيب من الدجاج، ومن الفراخ، والعنوز الحمر [١] . ويقولون في باب آخر: فلان يأكل الناس. وإن لم يأكل من طعامهم شيئا. وأما قول أوس بن حجر [٢] : [من الطويل] وذو شطبات قدّه ابن مجدّع ... له رونق ذرّيّه يتأكّل [٣] فهذا على خلاف الأول. وكذلك قول دهمان النهري [٤] : [من الرمل] سألتني عن أناس أكلوا ... شرب الدّهر عليهم وأكل فهذا كله مختلف، وهو كله مجاز. [باب آخر في مجاز الذوق] (باب آخر) ١٢٧٤-[في مجاز الذوق] وهو قول الرّجل إذا بالغ في عقوبة عبده: ذق! و: كيف ذقته؟! و: كيف وجدت طعمه! وقال : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [٥] . وأما قولهم: «ما ذقت اليوم ذواقا» [٦] ، فإنه يعني: ما أكلت اليوم طعاما، ولا شربت شرابا، وإنما أراد القليل والكثير، وأنه لم يذقه، فضلا عن غير ذلك.

стр. 964

وقال بعض طبقات الفقهاء، ممن يشتهي أن يكون عند الناس متكلما: ما ذقت اليوم ذواقا على وجه من الوجوه، ولا على معنى من المعاني، ولا على سبب من الأسباب، ولا على جهة من الجهات، ولا على لون من الألوان. وهذا من عجيب الكلام! قال: ويقول الرجل لوكيله: ايت فلانا فذق ما عنده وقال شمّاخ بن ضرار [١] : [من الطويل] فذاق فأعطته من اللّين جانبا ... كفى، ولها أن يغرق السهم حاجز وقال ابن مقبل [٢] : [من البسيط] أو كاهتزاز ردينيّ تذاوقه ... أيدي التّجار فزادوا متنه لينا [٣] وقال نهشل بن حرّيّ [٤] : [من الوافر] وعهد الغانيات كعهد قين ... ونت عنه الجعائل مستذاق [٥] الجعائل: من الجعل. وتجاوزوا ذلك إلى أن قال يزيد بن الصّعق، لبني سليم حين صنعوا بسيّدهم العباس ما صنعوا. وقد كانوا توّجوه وملّكوه، فلما خالفهم في بعض الأمر وثبوا عليه، وكان سبب ذلك قلة رهطه. وقال يزيد بن الصّعق [٦] : [من الوافر] وإن الله ذاق حلوم قيس ... فلما ذاق خفّتها قلاها

стр. 965

رآها لا تطيع لها أميرا ... فخلّاها تردّد في خلاها [١] فزعم أن الله، ، يذوق. وعند ذلك قال عباس الرّعلي يخبر عن قلّته وكثرتهم، فقال [٢] : [من الطويل] وأمّكم تزجي التّؤام لبعلها ... وأمّ أخيكم كزّة الرّحم عاقر [٣] وزعم يونس أنّ أسلم بن زرعة لما أنشد هذا البيت اغرورقت عيناه. وجعل عباس أمّه عاقرا إذ كانت نزورا. وقد قال الغنويّ [٤] : [من الكامل] وتحدثوا ملأ لتصبح أمّنا ... عذراء لا كهل ولا مولود جعلها إذ قلّ ولدها كالعذراء التي لم تلد قطّ. لما كانت كالعذراء جعلها عذراء. وللعرب إقدام على الكلام، ثقة بفهم أصحابهم عنهم. وهذه أيضا فضيلة أخرى. وكما جوّزوا لقولهم أكل وإنما عضّ، وأكل وإنما أفنى، وأكل وإنما أحاله، وأكل وإنما أبطل عينه- جوّزوا أيضا أن يقولوا: ذقت ما ليس بطعم، ثم قالوا: طعمت، لغير الطعام. وقال العرجيّ [٥] : [من الطويل] وإن شئت حرّمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا [٦] وقال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [٧] ، يريد: لم يذق طعمه.

стр. 966

وقال علقمة بن عبدة [١] : [من البسيط] وقد أصاحب فتيانا طعامهم ... حمر المزاد ولحم فيه تنشيم [٢] يقول: هذا طعامهم في الغزو والسفر البعيد الغاية، وفي الصيف الذي يغيّر الطعام والشراب. والغزو على هذه الصفة من المفاخر؛ ولذلك قال الأول [٣] : [من مجزوء الكامل] لا لا أعقّ ولا أحو ... ب ولا أغير على مضر لكنّما غزوي إذا ... ضجّ المطيّ من الدّبر وعلى المعنى الأول قول الشاعر [٤] : [من الرجز] قالت ألا فاطعم عميرا تمرا ... وكان تمري كهرة وزبرا وعلى المعنى الأول قال حاتم: «هذا فصدي أنه!» [٥] ولذلك قال الرّاجز [٦] : [من الرجز] لعامرات البيت بالخراب يقول: هذا هو عمارتها.

стр. 967

١٢٧٥-[تأويل النظام لقولهم: النار يابسة] وكان أبو إسحاق يتعجب من قولهم: النار يابسة. قال: أما قولهم: الماء رطب، فيصح؛ لأنا نراه سيّالا. وإذا قال الأرض يابسة، فإنما يريد التراب المتهافت فقط. فإن لم يرد إلا بدن الأرض الملازم بعضه لبعض؛ لما فيها من اللّدونة فقط، فقد أخطأ، لأن أجزاء الأرض مخالطة لأجزاء الماء، فامتنعت من التهافت على أقدار ذلك. ومتى حفرنا ودخلنا في عمق الأرض، وجدنا الأرض طينا؛ بل لا تزال تجد الطين أرطب حتى تصير إلى الماء. والأرض اليوم كلها أرض وماء، والماء ماء وأرض، وإنما يلزمها من الاسم على قدر الكثرة والقلة. فأما النار فليست بيابسة البدن. ولو كانت يابسة البدن لتهافتت تهافت التراب، ولتبرّأ بعضها من بعض. كما أن الماء لما كان رطبا كان سيّالا. ولكن القوم لما وجدوا النار تستخرج كل شيء في العود من النار فظهرت الرطوبات لذلك السبب، ووجدوا العود تتميز أخلاطه عند خروج نيرانه التي كانت إحدى مراتعها من التمييز فوجدوا العود قد صار رمادا يابسا متهافتا- ظنوا أن يبسه إنما هو مما أعطته النار وولّدت فيه. والنار لم تعطه شيئا، ولكن نار العود لما فارقت رطوبات العود، ظهرت تلك الرطوبات الكامنة والمانعة، فبقي من العود الجزء الذي هو الرماد، وهو جزء الأرض وجوهرها؛ لأن العود فيه جزء أرضيّ، وجزء مائيّ، وجزء ناريّ، وجزء هوائيّ، فلما خرجت النار واعتزلت الرطوبة بقي الجزء الأرضيّ. فقولهم: النار يابسة، غلط، وإنما ذهبوا إلى ما تراه العيون، ولم يغوصوا على مغيّبات العلل. وكان يقول: ليس القوم في طريق خلّص المتكلمين، ولا في طريق الجهابذة المتقدّمين. ١٢٧٦-[علاقة الذكاء بالجنس] وكان يقول: إنّ الأمّة التي لم تنضجها الأرحام [١] ، ويخالفون في ألوان أبدانهم،

стр. 968

وأحداق عيونهم، وألوان شعورهم، سبيل الاعتدال- لا تكون عقولهم وقرائحهم إلا على حسب ذلك. وعلى حسب ذلك تكون أخلاقهم وآدابهم، وشمائلهم، وتصرّف هممهم في لؤمهم وكرمهم، لاختلاف السّبك وطبقات الطبخ. وتفاوت ما بين الفطير والخمير [١] ، والمقصّر والمجاوز- وموضع العقل عضو من الأعضاء، وجزء من تلك الأجزاء- كالتفاوت الذي بين الصّقالبة والزّنج [٢] . وكذلك القول في الصور ومواضع الأعضاء. ألا ترى أن أهل الصين والتّبّت، حذّاق الصناعات، لها فيها الرّفق والحذق، ولطف المداخل، والاتساع في ذلك، والغوص على غامضه وبعيده. وليس عندهم إلا ذلك؛ فقد يفتح لقوم في باب الصناعات ولا يفتح لهم في سوى ذلك. ١٢٧٧-[تخطئة من زعم أن الحرارة تورث اليبس] قال: وكان يخطّئهم في قولهم: إن الحرارة تورث اليبس، لأن الحرارة إنما ينبغي أن تورث السخونة، وتولّد ما يشاكلها. ولا تولد ضربا آخر مما ليس منها في شيء. ولو جاز أن تولّد من الأجناس التي تخالفها شكلا واحدا لم يكن ذلك الخلاف بأحقّ من خلاف آخر. إلا أن يذهبوا إلى سبيل المجاز: فقد يقول الرجل: إنما رأيتك لأني التفتّ. وهو إنما رآه لطبع في البصر الدرّاك [٣] ، عند ذلك الالتفات. وكذلك يقول: قد نجد النار تداخل ماء القمقم [٤] بالإيقاد من تحته، فإذا صارت النار في الماء لابسته، واتصلت بما فيه من الحرارات، والنار صعّادة- فيحدث عند ذلك للماء غليان؛ لحركة النار التي قد صارت في أضعافه. وحركتها تصعّد. فإذا ترفّعت أجزاء النار رفعت معها لطائف من تلك الرّطوبات التي قد لابستها؛ فإذا دام ذلك الإيقاد من النار الداخلة على الماء، صعدت أجزاء الرطوبات

стр. 969

الملابسة لأجزاء النار. ولقوة حركة النار وطلبها التّلاد [١] العلويّ، كان ذلك. فمتى وجد من لا علم له في أسفل القمقم كالجبس [٢] ، أو وجد الباقي من الماء مالحا عند تصعّد لطائفه، على مثال ما يعتري ماء البحر- ظنّ أن النار التي أعطته اليبس. وإن زعموا أن النار هي الميبّسة- على معنى ما قد فسرنا- فقد أصابوا. فإن ذهبوا إلى غير المجاز أخطؤوا. وكذلك الحرارة، إذا مكنت في الأجساد بعثت الرطوبات ولابستها، فمتى قويت على الخروج أخرجتها منه، فعند خروج الرطوبات توجد الأبدان يابسة، ليس أن الحرّ يجوز أن يكون له عمل إلا التسخين والصعود؛ والتقلب إلى الصعود من الصعود، كما أن الاعتزال من شكل الزوال [٣] . وكذلك الماء الذي يفيض إلى البحر من جميع ظهور الأرضين وبطونها، إذا صار إلى تلك الحفرة العظيمة. فالماء غسّال مصّاص، والأرض تقذف إليه ما فيها من الملوحة. وحرارة الشمس والذي يخرج إليه [٤] من الأرض، من أجزاء النيران المخالطة يرفعان لطائف الماء بارتفاعهما، وتبخيرهما. فإذا رفعا اللطائف، فصار منهما مطر وما يشبه المطر، وكان ذلك دأبهما، عاد ذلك الماء ملحا لأن الأرض إذا كانت تعطيه الملوحة، والنيران تخرج منه العذوبة واللطافة- كان واجبا أن يعود إلى الملوحة. ولذلك يكون ماء البحر أبدا على كيل واحد، ووزن واحد؛ لأن الحرارت تطلب القرار وتجري في أعماق الأرض، وترفع اللطائف [٥] ؛ فيصير مطرا، وبردا، وثلجا، وطلّا [٦] . ثم تعود تلك الأمواه سيولا تطلب الحدور [٧] ، وتطلب القرار، وتجري في أعماق الأرض، حتى تصير إلى ذلك الهواء. فليس يضيع من ذلك الماء شيء، ولا يبطل منه شيء. والأعيان قائمة. فكأنه منجنون [٨] غرف من بحر، وصبّ في جدول يفيض إلى ذلك النهر.

стр. 970

فهو عمل الحرارات [١] إذا كانت في أجواف الحطب، أو في أجواف الأرضين، أو في أجواف الحيوان. والحر إذا صار في البدن، فإنما هو شيء مكره، والمكره لا يألو يتخلص وهو لا يتخلص إلا وقد حمل معه كلّ ما قوي عليه، مما لم يشتد، فمتى خرج خرج معه ذلك الشيء. قال: فمن ههنا غلط القوم. ١٢٧٨-[قول الدّهرية في أركان العالم] قال أبو إسحاق: قالت الدهرية في عالمنا هذا بأقاويل: فمنهم من زعم أن عالمنا هذا من أربعة أركان: حرّ، وبرد، ويبس، وبلّة [٢] . وسائر الأشياء نتائج، وتركيب، وتوليد. وجعلوا هذه الأربعة أجساما. ومنهم من زعم أن هذا العالم من أربعة أركان: من أرض، وهواء، وماء، ونار. وجعلوا الحر، والبرد، واليبس، والبلّة أعراضا في هذه الجواهر. ثم قالوا في سائر الأراييح، والألوان، والأصوات: ثمار هذه الأربعة [٣] ، على قدر الأخلاط، في القلة والكثرة، والرقة والكثافة. فقدّموا ذكر نصيب حاسّة اللمس فقط، وأضربوا عن أنصباء الحواسّ الأربع. قالوا: ونحن نجد الطّعوم غاذية وقاتلة، وكذلك الأراييح [٤] . ونجد الأصوات ملذة ومؤلمة، وهي مع ذلك قاتلة وناقصة للقوى متلفة. ونجد للألوان في المضار والمنافع، واللّذاذة والألم، المواقع التي لا تجهل، كما وجدنا مثل ذلك في الحر والبر، واليبس والبلّة، ونحن لم نجد الأرض باردة يابسة، غير أنا نجدها مالحة، أي ذات مذاقة ولون كما وجدناها ذات رائحة، وذات صوت متى قرع بعضها بعضا. فبرد هذه الأجرام وحرها، ويبسها ورطوبتها، لم تكن فيها لعلة كون الطّعوم والأراييح والألوان فيها. وكذلك طعومها، وأراييحها وألوانها، لم تكن فيها لمكان كمون البرد، واليبس، والحر، والبلّة فيها.

стр. 971

ووجدنا كلّ ذلك إما ضارّا وإما نافعا، وإما غاذيا وإما قاتلا، وإما مؤلما وإما ملذّا. وليس يكون كون الأرض مالحة أو عذبة، ومنتنة أو طيبة أحقّ بأن يكون علة لكون اليبس والبرد، والحر والرطوبة، من أن يكون كون الرطوبة واليبس، والحر والبرد- علّة لكون اللون والطعم والرائحة. وقد هجم الناس على هذه الأعراض الملازمة، والأجسام المشاركة هجوما واحدا، على هذه الحلية والصورة ألفاها الأول والآخر. قال: فكيف وقع القول منهم على نصيب هذه الحاسّة [١] ، وحدها ونحن لم نر من البلّة، أو من اليبس نفعا ولا ضرّا، تنفرد به دون هذه الأمور؟!. قال: والهواء يختلف على قدر العوامل فيه من تحت ومن فوق، ومن الأجرام المشتملة عليه والمخالطة له. وهو جسم رقيق، وهو في ذلك محصور، وهو خوّار سريع القبول. وهو مع رقّته يقبل ذلك الحصر؛ مثل عمل الريح والزّقّ [٢] ، فإنها تدفعه من جوانبه، وذلك لعلة الحصر ولقطعه عن شكله. والهواء ليس بالجسم الصعاد، والجسم النّزّال، ولكنه جسم به تعرف المنازل والمصاعد. والأمور ثلاثة: شيء يصعد في الهواء، وشيء ينزل في الهواء، وشيء مع الهواء. فكما أن الصاعد فيه، والمنحدر- لا يكونان إلا مخالفين، فالواقع معه لا يكون إلا موافقا. ولو أنّ إنسانا أرسل من يده- وهو في قعر الماء- زقّا [٢] منفوخا، فارتفع الزّقّ لدفع الريح التي فيه، لم يكن لقائل أن يقول: ذلك الهواء شأنه الصعود بل إنما ينبغي أن يقول: ذلك الهواء من شأنه أن يصير إلى جوهره، ولا يقيم في غير جوهره؛ إلا أن يقول: من شأنه أن يصعد في الماء، كما أن من شأن الماء أن ينزل في الهواء، وكما أن الماء يطلب تلاد الماء، والهواء يطلب تلاد الهواء. قالوا: والنار أجناس كثيرة مختلفة. وكذلك الصاعد. ولا بدّ إذا كانت مختلفة

стр. 972

أن يكون بعضها أسرع من بعض، أو يكون بعضها إذا خرج من عالم الهواء، وصار إلى نهاية، إلى حيث لا منفذ- ألّا يزال فوق الآخر الذي صعد معه، وإن وجد مذهبا لم يقم عليه. ويدلّ على ذلك أنا نجد الضياء صعّادا، والصوت صعّادا، ونجد الظلام رابدا [١] ، وكذلك البرد والرّطوبة. فإذا صح أن هذه الأجناس مختلفة، فإذا أخذت في جهة، علمنا أن الجهة لا تخالف بين الأجناس ولا توافق، وأن الذي يوافق بينهما ويخالف اختلاف الأعمال. ولا يكون القطعان متفقين، إلا بأن يكون سرورهما سواء. وإذا صارا إلى الغاية، صار اتصال كل واحد منهما بصاحبه، كاتصال بعضه ببعض. ثم لا يوجد أبدا، إلا إمّا أعلى، وإما أسفل. قال أبو إسحاق: فيستدل على أن الضياء أخفّ من الحر بزواله. وقد يذهب ضوء الأتّون، وتبقى سخونته. قال أبو إسحاق: لأمر ما حصر الهواء في جوف هذا الفلك. ولا بد لكل محصور من أن يكون تقلبه وضغطه على قدر شدة الحصار. وكذلك الماء إذا اختنق. قال: والريح هواء نزل لا غير. فلم قضوا على طبع الهواء في جوهريته باللدونة، والهواء الذي يكون بقرب الشمس، والهواء الذي بينهما على خلاف ذلك؟ ولولا أن قوى البرد غريزية فيه، لما كان مروّحا عن النفوس، ومنفّسا عن جميع الحيوان إذا اختنق في أجوافها البخار والوهج المؤذي، حتى فزعت إليه واستغاثت به، وصارت تجتلب من روحه وبرد نسيمه، في وزن ما خرج من البخار الغليظ، والحرارة المستكنّة. قال: وقد علموا ما في اليبس من الخصومة والاختلاف. وقد زعم قوم أن اليبس إنما هو عدم البلّة. قالوا: وعلى قدر البلة قد تتحول عليه الأسماء. حتى قال خصومهم: فقولوا أيضا إنما نجد الجسم باردا على قدر قلة الحرّ فيه. وكذلك قالوا في الكلام: إن الهواء إنما يقع عندنا أنه مظلم لفقدان الضياء،

стр. 973

ولأن الضياء قرص قائم، وشعاع ساطع فاصل، وليس للظلام قرص. ولو كان في هذا العالم شيء يقال له ظلام، لما قام إلا في قرص، فكيف تكون الأرض قرصة، والأرض غبراء، ولا ينبغي أن يكون شعاع الشيء أسبغ منه [١] . قال: والأول لا يشبه القول في اليبس والبلة، والقول في الحر والبرد، والقول في اليبس والرطوبة. والقول في الخشونة واللين، لأن التراب لو كان كله يابسا، وكان اليبس في جميع أجزائه شائعا، لم يكن بعضه أحق بالتقطيع والتبرد والتهافت، من الجزء الذي نجده متمسكا [٢] . قال خصمه: ولو كان أيضا التهافت الذي نجده فيه إنما هو لعدم البلة، وكله قد عدم البلّة، لكان ينبغي للكل أن يكون متهافتا، ولا نجد منه جزأين متلازقين. فإن زعمتم أنه إنما اختلف في التهافت على قدر اختلاف اليبس، فينبغي لكم أن تجعلوا اليبس طبقات، كما يجعل ذلك للخضرة والصّفرة. وقال إبراهيم: أرأيت لو اشتمل اليبس الذي هو غاية التّراب كله كما عرض لنصفه، أما كان واجبا أن يكون الافتراق داخلا على الجميع؟ وفي ذلك القول بالجزء الذي لا يتجزأ. وأبو إسحاق، وإن كان اعترض على هؤلاء في باب القول في اليبس، فإنّ المسألة عليه في ذلك أشد. وكان أبو إسحاق يقول: من الدليل على أن الضياء أخفّ من الحرّ أنّ النار تكون منها على قاب غلوة [٣] فيأتيك ضوؤها ولا يأتيك حرها. ولو أن شمعة في بيت غير ذي سقف، لارتفع الضوء في الهواء حتى لا تجد منه على الأرض إلا الشيء الضعيف، وكان الحرّ على شبيه بحاله الأول. ١٢٧٩-[رد النظام على الديصانية] وقال أبو إسحاق: زعمت الديصانية [٤] أن أصل العالم إنما هو من ضياء وظلام،

стр. 974

وأن الحرّ والبرد، واللون والطعم والصوت والرائحة، إنما هي نتائج على قدر امتزاجهما [١] . فقيل لهم: وجدنا الحبر إذا اختلط باللبن صار جسما أغبر، وإذا خلطت الصّبر [٢] بالعسل صار جسما مرّ الطعم على حساب ما زدنا. وكذلك نجد جميع المركبات. فما لنا إذا مزجنا بين شيئين من ذوات المناظر، خرجنا إلى ذوات الملامس، وإلى ذوات المذاقة والمشّمة؟! وهذا نفسه داخل على من زعم أن الأشياء كلها تولدت من تلك الأشياء الأربعة [٣] ، التي هي نصيب حاسة واحدة [٤] . ١٢٨٠-[نقد النظام لبعض مذاهب الفلاسفة] وقال أبو إسحاق: إن زعم قوم أن ههنا جنسا هو روح، وهو ركن خامس- لم نخالفهم. وإن زعموا أن الأشياء يحدث لها جنس إذا امتزجت بضرب من المزاج، فكيف صار المزاج يحدث لها جنسا وكلّ واحد منه إذا انفرد لم يكن ذا جنس، وكان مفسدا للجسم، وإن فصل عنها أفسد جنسها؟! وهل حكم قليل ذلك إلا كحكم كثيره؟ ولم لا يجوز أن يجمع بين ضياء وضياء فيحدث لهما منع الإدراك؟!. فإن اعتلّ القوم بالزاج [٥] والعفص [٦] والماء، وقالوا: قد نجد كلّ واحد من هذه الثلاثة ليس بأسود، وإذا اختلطت صارت جسما واحدا أشدّ سوادا من الليل، ومن السّبج [٧] ، ومن الغراب- قال أبو إسحاق: بيني وبينكم في ذلك فرق. أنا أزعم أن السواد قد يكون كامنا ويكون ممنوع المنظرة، فإذا زال مانعه ظهر، كما أقول في

стр. 975

النار والحجر [١] وغير ذلك من الأمور الكامنة. فإن قلتم بذلك فقد تركتم قولكم. وإن أبيتم فلا بدّ من القول. قال أبو إسحاق: وقد خلط أيضا كثير منهم فزعموا أن طباع الشيخ البلغم. ولو كان طباعه البلغم، والبلغم ليّن رطب أبيض، لما ازداد عظمه نحولا، ولونه سوادا، وجلده تقبّضا. وقال النّمر بن تولب [٢] : [من الطويل] كأنّ محطّا في يدي حارثيّة ... صناع علت منّي به الجلد من عل [٣] وقال الراجز [٤] : [من الرجز] وكثرت فواضل الإهاب [٥] قال: ولكنهم لما رأوا بدنه يتغضّن، ويظهر من ذلك التغضّن رطوبات بدنية كالبلغم من الفم، والمخاط السائل من الأنف، والرّمص [٦] والدمع من العين، ظنوا أن ذلك لكثرة ما فيه من أجزاء الرطوبات. وأرادوا أن يقسّموا الصّبا والشباب، والكهولة والشيوخة على أربعة أقسام كما تهيأ لهم ذلك في غير باب. وإذا ظهرت تلك الرطوبات، فإنما هي لنفي اليبس لها، ولعصره قوى البدن. ولو كان الذي ذكروا لكان دمع الصّبا أكثر ومخاطه أغزر، ورطوباته أظهر. وفي البقول والرياحين والأغصان والأشجار ذلك؛ إذ كانت في الحداثة أرطب، وعلى مرور السنين والأيام أيبس. قال الرّاجز [٧] : [من الرجز]

стр. 976

اسمع أنبّئك بآيات الكبر ... نوم العشيّ وسعال بالسّحر [١] وسرعة الطّرف وضعف في النظر ... وتركي الحسناء في قبل الطّهر [٢] وحذر أزداده إلى حذر ... والناس يبلون كما يبلى الشجر [٣] وكان يتعجّب من القول بالهيولى. وكان يقول: قد عرفنا مقدار رزانة [٤] البلّة. وسنعطيكم أن للبرد وزنا. أليس الذي لا تشكّون فيه أن الحر خفيف ولا وزن له، وأنه إذا دخل في جرم له وزن صار أخفّ. وإنكم لا تستطيعون أن تثبتوا لليبس من الوزن مثل ما تثبتون للبلّة. وعلى أنّ كثيرا منكم يزعم أن البرد المجمد للماء هو أيبس. وزعم بعضهم أن البرد كثيرا ما يصاحب اليبس، وأن اليبس وحده لو حلّ بالماء لم يجمد، وأن البرد وحده لو حلّ بالماء لم يجمد، وأن الماء أيضا يجمد لاجتماعهما عليه. وفي هذا القول أن شيئين مجتمعين قد اجتمعا على الإجماد، فما تنكرون أن يجتمع شيئان على الإذابة؟!. وإن جاز لليبس أن يجمد جاز للبلّة أن تذيب. قال أبو إسحاق: فإن كان بعض هذه الجواهر صعّادا وبعضها نزّالا، ونحن نجد الذهب أثقل من مثله من هذه الأشياء النزّالة، فكيف يكون أثقل منها وفيه أشياء صعّادة؟!. فإن زعموا أن الخفة إنما تكون من التّخلخل والسّخف [٥] ، وكثرة أجزاء الهواء في الجرم. فقد ينبغي أن يكون الهواء أخفّ من النار، وأن النار في الحجر، كما أن فيه هواء. والنار أقوى رفع الحجر من الهواء الذي فيه.

стр. 977

وكان يقول: من الدليل على أن النار كامنة في الحطب، أن الحطب يحرق بمقدار من الإحراق، ويمنع الحطب أن يخرج جميع ما فيه من النيران، فيجعل فحما، فمتى أحببت أن تستخرج الباقي من النار استخرجته، فترى النار عند ذلك يكون لها لهب دون الضرام. فمتى أخرجت تلك النار الباقية، ثم أوقدت عليها ألف عام لم تستوقد. وتأويل: «لم تستوقد» إنما هو ظهور النار التي كانت فيه. فإذا لم يكن فيه شيء فكيف يستوقد؟. وكان يكثر التعجّب من ناس كانوا ينافسون في الرّآسة، إذا رآهم يجهلون جهل صغار العلماء، وقد ارتفعوا في أنفسهم إلى مرتبة كبار العلماء. وذلك أن بعضهم كان يأخذ العود فينقيه [١] فيقول: أين تلك النار الكامنة؟! ما لي لا أراها، وقد ميّزت العود قشرا بعد قشر؟!. ١٢٨١-[استخراج الأشياء الكامنة] فكان يقول في الأشياء الكامنة: إن لكل نوع منها نوعا من الاستخراج، وضربا من العلاج. فالعيدان تخرج نيرانها بالاحتكاك، واللبن يخرج زبده بالمخض، وجبنه يجمع بإنفحّة [٢] ، وبضروب من علاجه. ولو أن إنسانا أراد أن يخرج القطران من الصّنوبر، والزّفت من الأرز [٣] ؛ لم يكن يخرج له بأن يقطع العود ويدقّه ويقشره، بل يوقد له نارا بقربه، فإذا أصابه الحرّ عرق وسال، في ضروب من العلاج. ولو أن إنسانا مزج بين الفضة والذهب، وسبكهما سبيكة واحدة، ثم أراد أن يعزل أحدهما من صاحبه لم يمكنه ذلك بالفرض [٤] والدّق. وسبيل التفريق بينهما قريبة سهلة عند الصّاغة، وأرباب الحملانات [٥] . ١٢٨٢-[رد النظام على أرسطاطاليس] وزعم أبو إسحاق أن أرسطاطاليس كان يزعم أن الماء الممازج للأرض لم

стр. 978

ينقلب أرضا، وأن النار الممازجة للماء لم تنقلب ماء. وكذلك ما كان من الماء في الحجر، ومن النار في الأرض والهواء. وأن الأجرام إنما يخفّ وزنها وتسخف [١] ، على قدر ما فيها من التخلخل [٢] ومن أجزاء الهواء. وأنها ترزن [٣] وتصلب وتمتن على قدر قلّة ذلك فيها. ومن قال هذا القول في الأرض والماء والنار والهواء، وفيما تركّب منها من الأشجار وغير ذلك- لم يصل إلى أن يزعم أن في الأرض عرضا يحدث، وبالحرا [٤] أن يعجز عن تثبيت كون الماء والأرض والنار عرضا. وإذا قال في تلك الأشجار بتلك القالة [٥] ، قال في الطول والعرض، والعمق، وفي التربيع والتثليث والتدوير، بجواب أصحاب الأجسام. وكما يلزم أصحاب الأعراض [٦] أصحاب الأجسام [٧] بقولهم في تثبيت السكون والحركة أن القول في حراك الحجر كالقول في سكونه- كذلك أصحاب الأجسام يلزمون كلّ من زعم أن شيئا من الأعراض لا ينقض أنّ الجسم يتغير في المذاقة والملمسة والمنظرة والمشمّة من غير لون الماء. وفي برودة نفس الأرض وتثبيتها كذلك. ومتى وجدنا طينة مربّعة صارت مدوّرة، فليس ذلك بحدوث تدوير لم يكن. فكان عنده تغيّره في العين أولى من تغيّر الطينة في العين من البياض إلى السواد. وسبيل الصلابة والرّخاوة؛ والثقل والخفّة، سبيل الحلاوة والملوحة، والحرارة والبرودة.

стр. 979

١٢٨٣-[أصحاب القول بالاستحالة] وليس يقيس القول في الأعراض إلا من قال بالاستحالة. وليس في الاستحالة شيء أقبح من قولهم في استحالة الجبل الصّخير [١] إلى مقدار خردلة، من غير أن يدخل أجزاءه شيء على حال. فهو على قول من زعم أنّ الخردلة تتنصّف أبدا أحسن. فأما إذا قال بالجزء الذي لا يتجزأ، وزعم أن أقل الأجسام، الذي تركيبه من ثمانية أجزاء لا تتجزأ، أو ستة أجزاء لا تتجزأ، يستحيل جسما على قدر طول العالم وعرضه وعمقه- فإنّا لو وجدناه كذلك لن نجد بدّا من أن نقول: إنا لو رفعنا من أوهامنا من ذلك شبرا من الجميع، فإن كان مقدار ذلك الشبر جزءا واحدا فقد وجدناه جسما أقلّ من ثمانية أجزاء ومن ستة أجزاء. وهذا نقض الأصل. مع أنّ الشبر الذي رفعناه من أوهامنا، فلا بدّ إن كان جسما أن يكون من ستة أجزاء أو من ثمانية أجزاء. وهذا كله فاسد. ١٢٨٤-[الأضواء والألوان] والنار حرّ وضياء، ولكلّ ضياء بياض ونور، وليس لكلّ بياض نور وضياء. وقد غلط في هذا المقام عالم من المتكلمين. والضياء ليس بلون، لأن الألوان تتفاسد، وذلك شائع في كلها، وعامّ في جميعها؛ فاللبن والحبر يتفاسدان، ويتمازج التراب اليابس والماء السائل، كما يتمازج الحارّ والبارد، والحلو والحامض. فصنيع البياض في السواد، كصنيع السواد في البياض. والتفاسد الذي يقع بين الخضرة والحمرة، فبذلك الوزن يقع بين البياض وجميع الألوان. وقد رأينا أن البياض ميّاع [٢] مفسد لسائر الألوان. فأنت قد ترى الضياء على خلاف ذلك؛ لأنه إذا سقط على الألوان المختلفة كان عمله فيها عملا واحدا، وهو التفصيل بين أجناسها، وتمييز بعضها من بعض، فيبين عن جميعها إبانة واحدة، ولا تراه يخصّ البياض إلا بما يخص بمثله السواد، ولا يعمل في الخضرة إلا مثل عمله في الحمرة، فدلّ ذلك على أن جنسه خلاف أجناس الألوان، وجوهره خلاف جواهرها، وإنما يدل على اختلاف الجواهر اختلاف الأعمال؛ فباختلاف الأعمال واتفاقها تعرف اختلاف الأجسام واتفاقها.

стр. 980

جملة القول في الضد والخلاف والوفاق قالوا: الألوان كلها متضادّة، وكذلك الطعوم، وكذلك الأراييح، وكذلك الأصوات، وكذلك الملامس: من الحرارة والبرودة، واليبس والرطوبة، والرخاوة والصلابة، [والملاسة] [١] والخشونة. وهذه جميع الملامس. وزعموا أن التضادد إنما يقع بين نصيب الحاسّة الواحدة فقط. فإذا اختلفت الحواس صار نصيب هذه الحاسة الواحدة من المحسوسات، خلاف نصيب تلك الحاسة، ولم يضادّها بالضّدّ كاللّون واللون؛ لمكان التفاسد، والطعم والرائحة؛ لمكان التفاسد. ولا يكون الطعم ضدّ اللون، ولا اللون ضدّ الطعم، بل يكون خلافا. ولا يكون ضدّا ولا وفاقا، لأنه من غير جنسه، ولا يكون ضدّا، لأنه [لا] [١] يفاسده. وزعم من لا علم له من أصحاب الأعراض [٢] ، أن السواد إنما ضادّ البياض، لأنهما لا يتعاقبان، ولا يتناوبان، ولأنهما يتنافيان. قال القوم: لو كان ذلك من العلة، كان ينبغي لذهاب الجسم قدما أن يكون بعضه يضاد بعضا، لأن كونه في المكان الثاني لا يوجد مع كونه في المكان الثالث. وكذلك التربيع: كطينة لو ربّعت بعد تثليثها، ثم ربّعت بعد ذلك. ففي قياسهم أن هذين التربيعين ينبغي لهما أن يكونا متضادّين، إذ كانا متنافيين، لأن الجسم لا يحتمل في وقت واحد طولين، وأن الضدّ يكون على ضدين: يكون أحدهما أن يخالف الشيء الشيء من وجوه عدة، والآخر [أن] [٣] يخالفه من وجهين [أو وجه] [٣] فقط. قالوا: والبياض يخالف الحمرة ويضادّها، لأنه يفاسدها ولا يفاسد الطعم؛ وكذلك البياض للصفرة والحوّة [٤] والخضرة. فأما السواد خاصة فإن البياض يضاده بالتفاسد، وكذلك التفاسد، وكذلك السواد. وبقي لهما خاصة من الفصول في أبواب المضادة: أن البياض ينصبغ ولا يصبغ، والسواد يصبغ ولا ينصبغ، وليس كذلك سائر الألوان لأنها كلها تصبغ وتنصبغ.

стр. 981

قالوا: فهذا باب يساق. باب آخر إن الصفرة متى اشتدت صارت حمرة، ومتى اشتدت الحمرة صارت سوادا، وكذلك الخضرة متى اشتدت صارت سوادا. والسواد يضاد البياض مضادة تامة، وصارت الألوان الأخر فيما بينها تتضاد عادة، وصارت الطّعوم والأراييح والملامس تخالفها ولا تضادها. ١٢٨٥-[أصل الألوان] وقد جعل بعض من يقول بالأجسام [١] هذا المذهب دليلا على أن الألوان كلّها إنما هي من السواد والبياض، وإنما تختلفان على قدر المزاج. وزعموا أن اللون في الحقيقة إنما هو البياض والسواد، وحكموا في المقالة الأولى بالقوة للسواد على البياض؛ إذ كانت الألوان كلها كلما اشتدت قربت من السواد، وبعدت من البياض، فلا تزال كذلك إلى أن تصير سوادا. وقد ذكرنا قبل هذا قول من جعل الضياء والبياض جنسين مختلفين، وزعم أن كلّ ضياء بياض وليس كلّ بياض ضياء. ١٢٨٦-[عظم شأن المتكلمين] وما كان أحوجنا وأحوج جميع المرضى أن يكون جميع الأطباء متكلمين، وإلى أن يكون المتكلمون علماء؛ فإن الطبّ لو كان من نتائج حذاق المتكلمين ومن تلقيحهم له، لم نجد في الأصول التي يبنون عليها من الخلل ما نجد. ١٢٨٧-[ألوان النّيران والأضواء] وزعموا أن النار حمراء، وذهبوا إلى ما ترى العين، والنار في الحقيقة بيضاء. ثم قاسوا على خلاف الحقيقة المرّة الحمراء [٢] ، وشبّهوها بالنار. ثم زعموا أن المرة الحمراء مرّة. وأخلق بالدخان أن يكون مرّا. وليس الدخان من النار في شيء.

стр. 982

وكل نور وضياء هو أبيض، وإنما يحمرّ في العين بالعرض الذي يعرض للعين. فإذا سلمت من ذلك، وأفضت إليه العين رأته أبيض، وكذلك نار العود تنفصل من العود، وكذلك انفصال النار من الدّهن ومعها الدخان ملابسا لأجزائها. فإذا وقعت الحاسة على سواد أو بياض في مكان واحد، كان نتاجهما [١] في العين منظرة [٢] الحمرة. ولو أنّ دخانا عرض بينك وبينه قرص الشمس أو القمر لرأيته أحمر. وكذلك قرص الشمس في المشرق أحمر وأصفر، للبخار والغبار المعترض بينك وبينه. والبخار والدخان أخوان. ومتى تحلّق القرص في كبد السماء، فصار على قمة رأسك؛ ولم يكن بين عينيك وبينه إلا بقدر ما تمكن البخار من الارتفاع في الهواء صعدا- وذلك يسير قليل- فلا تراه حينئذ إلا في غاية البياض. وإذا انحطّ شرقا أو غربا صار كلّ شيء بين عينيك وبين قرصها من الهواء، ملابسا للغبار والدخان والبخار، وضروب [٣] الضّباب والأنداء [٤] فتراها إما صفراء، وإما حمراء. ومن زعم أن النار حمراء فلم يكذب إن ذهب إلى ما ترى العين، ومن ذهب إلى الحقيقة والمعلوم في الجوهرية، فزعم أنها حمراء، ثم قاس على ذلك جهل وأخطأ. وقد نجد النار تختلف على قدر اختلاف النّفط الأزرق، والأسود، والأبيض. وذلك كله يدور في العين مع كثرة الدخان وقلته. ونجد النار تتغير في ألوانها في العين، على قدر جفوف الحطب ورطوبته، وعلى قدر أجناس العيدان والأدهان، فنجدها شقراء، ونجدها خضراء إذا كان حطبها مثل الكبريت الأصفر.

стр. 983

١٢٨٨-[سبب تلون السحاب] ونجد لون السحاب مختلفا في الحمرة والبياض، على قدر المقابلات والأعراض، ونجد السحابة بيضاء، فإذا قابلت الشمس بعض المقابلة، فإن كانت السحابة غربية أفقيه والشمس منحطّة، رأيتها صفراء، ثم سوداء، تعرض للعين لبعض ما يدخل عليها. ١٢٨٩-[شعر في ألوان النار] وقال الصّلتان الفهميّ في النار: [من الطويل] وتوقدها شقراء في رأس هضبة ... ليعشو إليها كلّ باغ وجازع [١] وقال مزرّد بن ضرار [٢] : [من الطويل] فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت ... بعلياء نشز، للعيون النواظر [٣] وقال آخر [٤] : [من الطويل] ونار كسحر العود يرفع ضوءها ... مع الليل هبّات الرياح الصّوارد [٥] والغبار يناسب بعض الدخان. ولذلك قال طفيل الغنويّ [٦] : [من الطويل] إذا هبطت سهلا كأنّ غباره ... بجانبها الأقصى دواخن تنضب [٧] لأن دخانه يكون أبيض يشبه الغبار، وناره شقراء. والعرب تجمع الدخان دواخن. وقال الأزرق الهمدانيّ: [من الطويل] ونوقدها شقراء من فرع تنضب ... وللكمت أروى للنّزال وأشبع

стр. 984

وذلك أن النار إذا ألقي عليها اللحم فصار لها دخان، اصهابّت [١] بدخان ماء اللحم وسواد القتار [٢] . وهذا يدل أيضا على ما قلنا. وفي ذلك يقول الهيّبان الفهميّ: [من الوافر] له فوق النّجاد جفان شيزى ... ونار لا تضرّم للصّلاء [٣] ولكن للطّبيخ، وقد عراها ... طليح الهمّ مستلب الفراء [٤] وما غذيت بغير لظى، فناري ... كمرتكم الغمامة ذي العفاء [٥] وقال سحر العود: [من الوافر] له نار تشبّ على يفاع ... لكلّ مرعبل الأهدام بالي [٦] ونار فوقها بجر رحاب ... مبجّلة تقاذف بالمحال [٧] ١٢٩٠-[اختلاف ألوان النار] ويدلّ أيضا على ما قلنا: أن النار يختلف لونها على قدر اختلاف جنس الدّهن والحطب والدخان، وعلى قدر كثرة ذلك وقلّته، وعلى قدر يبسه ورطوبته- قول الراعي حين أراد أن يصف لون ذئب فقال [٨] : [من الكامل] وقع الربيع وقد تقارب خطوه ... ورأى بعقوته أزلّ نسولا [٩]

стр. 985

متوضّح الأقراب فيه شهبة ... هشّ اليدين تخاله مشكولا [١] كدخان مرتجل بأعلى تلعة ... غرثان ضرّم عرفجا مبلولا [٢] المرتجل: الذي أصاب رجلا من جراد، فهو يشويه. وجعله غرثان لكون الغرث لا يختار الحطب اليابس على رطبه، فهو يشويه بما حضره. وأدار هذا الكلام، ليكون لون الدخان بلون الذئب الأطحل [٣] متفقين. ١٢٩١-[تعظيم زرادشت لشأن النار] وزرادشت هو الذي عظم النار وأمر بإحيائها، ونهى عن إطفائها، ونهى الحيّض عن مسها والدنوّ منها. وزعم أن العقاب في الآخرة إنما هو بالبرد والزمهرير والدّمق [٤] . ١٢٩٢-[سبب تخويف زرادشت أصحابه بالبرد والثلج] وزعم أصحاب الكلام أن زرادشت- وهو صاحب المجوس- جاء من بلخ، وادعى أن الوحي نزل عليه على جبال سيلان، وأنه حين دعا سكان تلك الناحية الباردة، الذين لا يعرفون إلا الأذى بالبرد، ولا يضربون المثل إلا به؛ حتى يقول الرجل لعبده: لئن عدت إلى هذا لأنزعنّ ثيابك، ولأقيمنّك في الريح، ولأوقفنّك في الثلج! فلما رأى موقع البرد منهم هذا الموقع، جعل الوعيد بتضاعفه، وظنّ أنّ ذلك أزجر لهم عما يكره. وزرادشت في توعده تلك الأمة بالثلج دون النار، مقرّ بأنه لم يبعث إلا إلى أهل تلك الجبال. وكأنه إذا قيل له: أنت رسول إلى من؟ قال لأهل البلاد الباردة، الذين لابدّ لهم من وعيد، ولا وعيد لهم إلا بالثلج. وهذا جهل منه، ومن استجاب له أجهل منه. ١٢٩٣-[ردّ على زرادشت في التخويف بالثلج] والثلج لا يكمل لمضادّة النار، فكيف يبلغ مبلغها؟ والثلج يؤكل ويشرب،
следующие страницы →