← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 23777

شرح سنن الترمذي - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (1 139 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

"قال أبو عيسى: وأصح شيء في هذا عند حديث إسرائيل وقيس عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله؛ لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء" يعني من معمر بن راشد وعمار بن رزيق وزهير وزكريا بن أبي زائدة، أثبت من هؤلاء كلهم؛ لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق، عرفنا السبب؟ إذا تعارضت الروايات وكان فيها المتصل وفيها المنقطع وفيها المرسل وفيها الموصول وفيها المرفوع وفيها الموقوف، الأقوال المعروفة عند أهل العلم الأربعة ممن يحكم على مثل هذا الاختلاف بأحكام مطردة، هذا مفروغ منه معروف، منهم من يحكم للاتصال مطلقاً والرفع، ومنهم من يحكم للإرسال والوقف مطلقاً، ومنهم من يحكم للأكثر، ومنهم من يحكم للأحفظ، وهنا الترمذي حكم للأحفظ على الأكثر، وكأنه تبع في هذا أبا حاتم الرازي، أبو حاتم الرازي هذا منهجه وهذه طريقته، وقد قال في الحديث مثل ما قال الترمذي، وهو إمام من أئمة الحديث لا يقدح فيه، لكن أين إمامته من إمامة الإمام البخاري؟ لا سيما ما أودعه البخاري في صحيحه، يعني إذا اختلف قول الإمام البخاري مع قول الإمام أحمد أو مع قول أبي حاتم، أو مع قول الأئمة الكبار فمن يرجح؟ نعم إن كان قول البخاري في صحيحه إن كان قوله مدون يعني ترجيحه مدون في صحيحه الذي تلقته الأمة بالقبول فلا يرجح عليه أحد، وإن كان قوله مما يروى عنه في غير كتابه فقوله كغيره من الأئمة ينظر فيه، يعني لو كان الترجيح ذكره الإمام الترمذي عن البخاري ما هو في صحيحه إنما نقله الترمذي عن البخاري في جامعه نقول: ينظر، قول البخاري مثل غيره من الأئمة، يعني ليس بأحفظ من الإمام أحمد، وليس بأكثر تعليل للأحاديث من على بن المديني، هو كغيره من الأئمة ينظر فيه، لكن إذا أودع كلامه في صحيحه الذي تلقته الأمة بالقبول، فيرجح على غيره مطلقاً، الإمام البخاري لما رجح رواية الرفع في حديث ابن عمر في رفع اليدين بعد الركعتين، والإمام أحمد رجح الوقف، يعني لو كان قول البخاري منقول من قبل الترمذي أو غيره، منقول عنه نظرنا في قوله مع قول الإمام أحمد، لكن ما دام في صحيحه، وصحيحه له شأن عند الأمة، تلقت الأمة بالقبول حتى اكتسب القطيعة بهذا القبول، قلنا: لا

стр. 177

ينظر لقول أحد مع قوله ﵀، مع أنه لا يلزم إمام بقول إمام، لا نقول: لماذا الترمذي ما قلد البخاري؟ قلد أبا حاتم ولم يقلد البخاري؟ لا يلزم مجتهد بقول مجتهد. يقول: "وسألت محمد عن هذا فلم يقضِ فيه بشيء، وكأنه رأى -يعني الإمام البخاري- حديث زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله أشبه" يعني أشبه بالصحة، وأقرب إلى الصواب "ووضعه في كتابه الجامع" وإذا وجدنا الترجيح من قبل الإمام البخاري في جامعه لم ننظر إلى غيره، أما إذا وجدنا ترجيحه فيما ينقل عنه خارج الجامع قلنا: إمام من أئمة المسلمين، وينظر في ترجيحه مع أقوال الأئمة الآخرين. "قال أبو عيسى: وأصح شيء عندي في هذا إسرائيل وقيس عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله؛ لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء" يعني من هؤلاء مجتمعين، معمر وهو إمام وعمار بن رزيق وزهير وزكريا بن أبي زائدة، وهنا رجح رواية الأحفظ على رواية الأكثر، وتابعه يعني إسرائيل على روايته عن أبي إسحاق، تابعه على ذلك قيس بن الربيع، قيس بن الربيع. "قال أبو عيسى: وسمعت أبا موسى محمد بن المثنى -العنزي المعروف، شيخ الأئمة- يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان، عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل، لأنه كان يأتي به أتم" يعني يأتي به على وجهه لا يخرم منه كلمة، يعني أنه يضبط حديث أبي إسحاق، إسرائيل يضبط حديث أبي إسحاق، ولهذا رجح على غيره من قبل الإمام الترمذي، الترجيح في مثل هذه المواطن لا يتسنى لكل أحد، لا يتسنى لكل أحد، فلو نظرنا كيف رجح الإمام الترمذي رواية إسرائيل على رواية أئمة حفاظ ثقات مجتمعين أربعة أو خمسة يرجح عليهم رواية واحد لا شك أن القرائن دلته على ترجيح رواية إسرائيل، وغيره رجح رواية غير إسرائيل على روايته لا سيما وأن الحديث الذي من طريق إسرائيل يروى بسند منقطع، ورواية غيره متصلة، وعرفنا أن الترمذي لا يرجح المنقطع على المتصل لذات الانقطاع والاتصال، وإنما يعل المتصلة بهذه الطريق المنقطعة.

стр. 178

"قال أبو عيسى: وزهير" هو ابن معاوية ثقة ثبت عند الأئمة توفي سنة اثنتين وسبعين ومائة "في أبي إسحاق ليس بذلك" يعني في روايته عن أبي إسحاق ليس بذاك، يعني ليس بذاك القوي "لأن سماعه منه بآخرة" كذا ضبط هنا، ويضبطه أهل العلم بأخرة بالقصر، يعني بعد ما تغير أبو إسحاق "قال: وسمعت أحمد بن الحسن -بن جنيدب- الترمذي" الحافظ، الجوال، أحد أوعية العلم، توفي سنة خمس ومائتين "يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث" لعله سنة خمسين ومائتين؛ لأنه يروي عنه الترمذي وهو يروي عن أحمد، "سمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير" زائدة بن قدامة الثقفي أحد الأعلام "إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبالي ألا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق" لأنه سمع منه بعد الاختلاط "وأبو إسحاق اسمه: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني" ثقة عابد، توفي سنة تسع وعشرين ومائة "وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه ولا يُعرف اسمه" وسماه الإمام مسلم في الكنى سماه عامر، لكنه مشهور بكنيته، وهذه هي العادة أن من اشتهر بشيء من اسم أو كنية أو لقب فإنه يضيع ما سواه. الشارح المبارك فوري: يقول: اعلم أن الترمذي رجح رواية إسرائيل على رواية زهير التي خرجها الإمام البخاري في صحيحه، يقول: اعلم أن الترمذي رجح رواية إسرائيل على رواية زهير التي وضعها الإمام البخاري في صحيحه، وعلى رواية معمر وغيره بثلاثة وجوه: الأول: أن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من زهير ومعاوية وغيرهما. الثانية: أن قيس بن الربيع تابع إسرائيل على روايته عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبي عبد الله عن عبد الله. الثالث: أن سماع إسرائيل من أبي إسحاق ليس في أخر عمره، يعني بعد الاختلاط والتغير وسماع زهير منه في آخر عمره، هذه الأوجه التي رجح الترمذي بها رواية إسرائيل على رواية غيره.

стр. 179

قلت -الشارح يقول كذا- قلت: في كل من هذه الوجه الثلاثة نظر، فما قال في الوجه الأول: فهو معارض بما قال الآجري: سألت أبا داود عن زهير وإسرائيل في أبي إسحاق فقال: زهير فوق إسرائيل بكثير، وما قال في الوجه الثاني من متابعة قيس بن الربيع لرواية إسرائيل فإن شريكاً القاضي تابع زهيراً، وشريك أوثق من قيس، وأيضاً تابع زهيراً إبراهيم بن يوسف عن أبيه وابن حماد الحنفي وأبو مريم، وزكريا بن أبي زائدة، وما قاله في الوجه الثالث فهو معارض بما قال الذهبي في الميزان. قال أحمد حنبل: حديث زكريا وإسرائيل عن أبي إسحاق لين، سمعا منه بآخرة أو بأخرة؟ بما في ذلك إسرائيل التي رجحها الترمذي، فظهر الآن أنه ليس لترجيح رواية إسرائيل وجه صحيح، بل الظاهر أن الترجيح لرواية زهير التي رجحها الإمام البخاري ووضعها في صحيحة، يعني إذا اعتبرنا الإمام الترمذي من أئمة هذا الشأن ولا يقدح فيه أحد، إمام يعني لا يتطاول عليه عالم فضلاً عن طالب علم، لكن أين إمامة الترمذي من إمامة البخاري في هذا الشأن؟ معول الإمام الترمذي في العلل على البخاري، سواء كان في جامعه أو في علله، هو يعول كثيراً على الإمام البخاري. يقول: قال الحافظ ابن حجر في مقدمته -مقدمة فتح الباري-: حكى ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة أنهما رجحا رواية إسرائيل، وكأن الترمذي تبعهما في ذلك، والذي يظهر أن الذي رجحه البخاري هو الأرجح، وبيان ذلك أن مجموع كلام هؤلاء الأئمة مشعر بأن الراجح على الروايات كلها، أم طريق إسرائيل وهي عن عبيدة عن أبيه وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد منقطعاً، أو رواية زهير وهي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود فيكون متصلاً، وهو تصرف صحيح؛ لأن الأسانيد فيه إلى زهير وإلى إسرائيل أثبت من بقية الأسانيد، وإذا تقرر ذلك كان دعوى الاضطراب في الحديث منفية؛ لأن الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطرباً إلا بشرطين. أحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل الصحيح بالمرجوح.

стр. 180

وثانيهما: مع الاستواء أن يعتذر الجمع على قواعد المحدثين، أو يغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه، فحينئذٍ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف في الحكم لصحة ذلك الحديث لذلك، وهاهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه؛ لأن الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسناد منها من مقال غير الطرقين المقدم ذكرهما عن زهير وعن إسرائيل، مع أنه يمكن رد أكثر الطرق إلى رواية زهير، والذي يظهر بعد ذلك تقديم رواية زهير؛ لأن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق قد تابع زهيراً وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية يحيى بن أبي زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق كرواية زهير، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه من طريق ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود كرواية زهير عن أبي إسحاق، وليث وإن كان ضعيف الحديث فإنه يعتبر به ويستشهد، فيعرف أن له من رواية عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أصلاً انتهى كلام الحافظ. وعلى هذا يرجح ما خرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- واعتمده من الرواية المتصلة، وتكون رواية زهير محفوظة حينئذٍ، وإن كانت روايته عن أبي إسحاق بأخرة.

стр. 181

كيف تكون الرواية محفوظة ورواية زهير عن أبي إسحاق بأخرة كما صرح بذلك الترمذي ووافقه ابن حجر في التقريب؟ وافقه بن حجر في التقريب فيكف تكون محفوظة وقد روى عنه بعد التغير؟ الراوي إذا تغير واختلط هناك التغير الكلي المطبق بحيث لا يحفظ شيئاً من حديثه، ولا يعي شيئاً من أقواله، ومثل هذا لا يمكن أن يروى عنه، لا يروي عنه زهير ولا غير زهير، حتى من دون زهير ما يمكن أن يروي عن مثل هذا، إنما يروي زهير عمن تغير ومثل زهير إنما يروي عن الراوي إذا تغير إذا كان يضبط شيئاً ولا يضبط شيئاً، يضبط بعض أحاديثه ولا يضبط بعض الأحاديث، فيكون ما رواه زهير عنه بعد التغير منه مما ضبطه وأتقنه، وكلكم يعرف الإنسان إذا تغير في أخر عمره إذا وصل الثمانين أو تعدها وحصل عنده بعض الاختلاف بعض القصص والأحداث يسوقها كما هي، كما كان يسوقها في العشرين من عمره، وبعضها يحصل عنده شيء من الاضطراب في سياقها، والتقديم والتأخير والنقص وبعض التغير؛ لئلا يقول: كيف يكون زهير روى عنه بعد التغير وتكون روايته عنه محفوظة؟ لماذا الحافظ ابن حجر يقول: محفوظة ويعترف أن زهير في التقريب إنما روى عن أبي إسحاق بعد التغير، نقول: نعم تكون محفوظة وروايته عنه بعد التغير لكن المتغير يحفظ شيئاً ويضيع أشياء، فيكون هذا مما ضبطه وأتقنه، إذاً هذا ظاهر. اقتراحات من بعض الإخوان أن مثل هذه الأمور لا نعرج عليها ولا نلتفت إليها، ونكتفي بمتن الحديث إذا صح، ونقرر المسائل الفقيهة على ضوئه. نقول: إذا ما تعرضنا ما تعرضنا لمثل هذه الأمور، نأخذ متن فقهي يكون أريح لنا شوي، لكن تخريج طالب العلم على مثل هذه الأمور في غاية الأهمية، نعم بعض الإخوان قد يكون تحصيله لا يؤهله إلى مثل هذه الأمور، لكن يلحق -إن شاء الله-. سم. عفا الله عنك. باب: ما جاء في كراهية ما يستنجى به: حدثنا هناد قال: حدثنا حفص بن غياث عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن)). وفي الباب عن أبي هريرة وسلمان وجابر وابن عمر.

стр. 182

قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم وغيره عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله أنه كان مع النبي ﷺ ليلة الجن ... الحديث بطوله، فقال الشعبي: إن النبي ﷺ قال: ((لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن)) وكأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، وفي الباب عن جابر وابن عمر ﵄.

стр. 183

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في كراهية ما يستنجى به" أي بيان الأشياء التي يكره الاستنجاء بها، والكراهة هنا يراد بها التحريم، وجاءت بها النصوص من الكتاب والسنة وأكثر إطلاقات السلف لهذا اللفظ إنما يقصد به ويراد به التحريم، وإن اصطلح العلماء على جعل الكراهة للتنزيه، الكراهة القسيمة للتحريم حملوها على التنزيه، وأكثر النصوص نصوص الكتاب والسنة جاءت الكراهة يراد بها التحريم، وجاءت أيضاً على لسان الصحابة والتابعين والأئمة، حتى على لسان مالك وأبي حنفية وأحمد والشافعي، الأئمة الكبار يطلقون الكراهة ويريدون بها التحريم، ومنها ما معنا، "باب: ما جاء في كراهية ما يستنجى به" لئلا يقول قائل: الإمام ترجم بالكراهة، والكراهة تعني أن الحكم -حكم هذا مكروه- الاستنجاء بما يذكر مكروه، من روث وعظام، وإذا راجع كتب الأصول وجد أن المكروه ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، والكراهة عند أهل العلم تزول بأدنى حاجة، فإذا احتاج إلى ما ذكر زالت الكراهة، نقول: هذا الكلام ليس بصحيح، ويحصل خلط كبير حينما تختلف الحقائق العرفية الاصطلاحية مع الحقيقة الشرعية، حينما تختلف الحقيقة العرفية الاصطلاحية عند أهل العلم مع الحقيقة الشرعية، في مثل هذا إذا حملنا الكراهة على الكراهة الاصطلاحية ارتكبنا محظور كبير، وقل مثل هذا فيما إذا حملنا قول النبي ﵊: ((غسل الجمعة واجب)) إذا حملنا هذا النص على الحقيقة العرفية الاصطلاحية وهو التأثيم وقعنا في المحظور نفسه، إلا أن هذا في ارتكاب المحظور، في التساهل في ارتكاب المحظور، وذاك في التشديد في أمر لم يوجب شرعاً، فهذه الاصطلاحات حصلت من أهل العلم واتفقوا عليها، وتداولوها وتناولوا عليها كتبهم، لكن إذا قارناها بالاصطلاحات سواء كانت اللغوية أو الحقائق الشرعة وجدنا فيها نوع من الاختلاف، نعم كل ما قرب الاصطلاح العرفي الاصطلاحي عند العلماء من الاستعمال الشرعي كان أولى، لئلا يحصل مثل هذا الاضطراب، لكن إذا حصل الاصطلاح ولا مشاحاة في الاصطلاح عند أهل العلم لا بد أن ننظر إلى الحقائق كل شيء في موضعه، كل حقيقة في موضعها، يعني لو نظرنا

стр. 184

إلى قول الحنفية في زكاة الفطر أنها ليست فرض وإنما هي واجبة بناءاً على أن الاصطلاح عندهم أن الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، والصحابي يقول: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر" على كل حال مسألة اختلاف الاصطلاحات واختلاف الحقائق الثلاث لا بد من مراعاتها.

стр. 185

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "حدثنا هناد" بن السري، الثقة الحافظ المعروف "قال: حدثنا حفص بن غياث" بن طلق بن معاوية النخعي، أبو عمر الكوفي أيضاً ثقة "عن داود بن أبي هند" القشيري مولاهم ثقة أيضاً "عن الشعبي" عامر بن شراحيل، ثقة فقيه معروف "عن علقمة" بن قيس النخعي، كذلك ثقة فقيه "عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن)) " لا تستنجوا (لا) ناهية، والأصل في النهي التحريم، ((بالروث)) يعني الرجيع، رجيع الدواب، ((ولا بالعظام)) جمع عظم، وتقدم الكلام فيهما، في الدرس الماضي والعلة في ذلك ((فإنه زاد إخوانكم من الجن)) وفي رواية مسلم في قصة ليلة الجن وسألوه عن الزاد فقال: ((لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة لدوابكم))، ((فإنه زاد إخوانكم من الجن)) فإنه يعود إلى أقرب مذكور وهو العظام، فإنه يعني العظام، وأما الروث فإنه علف دوابهم كما جاء مفصلاً على رواية مسلم، سألوه عن الزاد فقال: ((لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة لدوابكم)) جاء التعليل بهذه ((فإنه زاد إخوانكم من الجن)) وجاء التعليل في رواية الدارقطني: بكونهما لا يطهران، التعليل بأكثر من علة كونه زاد إخواننا من الجن، أو علف دوابهم ظاهر، تكون العلة لهذا، وهو إفساد للطعام والعلف، وعلى هذا يطرد في زاد الإنس وعلف دواب الإنس، لا يجوز الاستنجاء به، إذا قلنا: العلة الواردة في هذا الحديث هي مناط الحكم، فإنهما لا يطهران تطهير حقيقي أو تطهير حكمي؟ تطهير حقيقي وإلا تطهير حكمي؟ بمعنى أنه لو أتينا بروث أو عظم لو أتى شخص بروث أو بعظم ما وجد غيره فاستعملهما وأنقيا المحل، يكفي وإلا ما يكفي؟ أنقيا المحل، وطهراه كما تطهر الحجارة؟ نعم؟ فإنهما لا يطهران، المنفي هنا الطهارة الحقيقية أو الطهارة الحكمية؟ طالب: الطهارة الحكمية.

стр. 186

نعم الطهارة الحكمية، الطهارة الحكمية منتفية، وقد يقول قائل: إنه قد يحمل على الطهارة الحقيقية، بمعنى أن الروث ركس، والركس هو الرجس، والرجس النجس، فالنجس لا يطهر يزيد المحل نجاسة، لا سيما إذا كانت روثة حمار كما في الحديث السابق، لكن إذا كانت روثة مأكول اللحم لا يتجه إلى القول بأنها طهارة حكمية، أما الطهارة الحقيقية فقد تحصل، هذا بالنسبة للروث، بالنسبة للعظم قد تحمل الطهارة على الحقيقية، وهي فيما إذا كان العظم طري أملس لا يزيل النجاسة، لكن إذا كان خشن يزيل النجاسة حقيقة يبقى أنه لا يزيلها حكماً، وعلى هذا النهي عن الاستنجاء بالروث والعظام لذات المنهي عنه أو لأمر خارج؟ لأنه قد يقول قائل: النهي ثابت والتحريم حاصل والإثم لازم، لكن ما وجدت إلا هذا وتنظفت، تصح الطهارة حينئذٍ وإلا لا؟ عرفنا أنه إذا كان النهي عائد إلى ذات المنهي عنه أو إلى شرطه فإن العبادة تبطل، أو العقد أيضاً يبطل مع التحريم، إذا عاد إلى أمر خارج فإنه يصح مع التحريم، فالنهي هنا لذات المنهي عنه إذا قلنا: العلة فإنهما لا يطهران، صار لذات المنهي عنه؛ لأنه لا يطهر، أما إذا عللنا بأنه زاد إخواننا من الجن قلنا: النهي لأمر خارج فيحصل التطهير به مع التحريم، وإذا ثبتت رواية: "فإنهم لا يطهران" وهي عند الدارقطني، وأثبتها بعضهم انتهى الكلام، لكن لو لم يرد في النص إلا حديث الباب: ((فإنها زاد إخوانكم من الجن)) قلنا: النهي زاد لأمر خارج عن العبادة، ولا ارتباط له بها كمن صلى بعمامة حرير أو خاتم ذهب أو مسبل لا أثر لذلك على الصلاة وإن كان محرماً. يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: "في الباب عن أبي هريرة" وهذا عند الإمام البخاري "وسلمان" عند مسلم والأربعة "وجابر" عند مسلم "وابن عمر".

стр. 187

"قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم" بن مقسم الأسدي، المعروف بابن عُلية، ثقة ثبت "وغيره عند داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله أنه كان مع النبي ﷺ ليلة الجن، الحديث بطوله" بنصب الحديث أي: أتم الحديث، أو اقرأ الحديث بطوله "وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم" المعروف بابن عُلية ثقة "وغيره عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله أنه كان مع النبي ﷺ ليلة الجن .. الحديث بطوله، فقال الشعبي: أن البني ﷺ قال: ((لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن)) " لكن ثبت في صحيح مسلم وفي جامع الترمذي أن ابن مسعود قال: "ما صحبه منا أحد" يعني ليلة الجني "ما صحبه منا أحد" أنه كان مع النبي ﷺ ليلة الجن في هذا الحديث الذي يرويه ابن عُلية عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود، سند ظاهره الصحة، في صحيح مسلم وجامع الترمذي ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- يقول: "ما صحبه منا أحد" يعني ليلة الجن، المؤلف -رحمه الله تعالى- يقول: "وكأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث" إسماعيل بن علية يقول: روايته أصح من رواية حفص بن غياث، يعني التي سيرويها المؤلف بإسناده فيما يأتي في كتاب التفسير، يعني متأخر جداً، وهي في صحيح مسلم أيضاً، والعلة في ذلك لأن راوية إسماعيل مقطوعة، ورواية حفص بن غياث مسندة ففي رواية إسماعيل هي من كلام الشعبي، وراية حفص إلى ابن مسعود.

стр. 188

انتبهوا لهذا يا إخوان، الآن رواية إسماعيل أصح، ورواية حفص أصح من رواية حفص لماذا؟ لأن رواية إسماعيل مقطوعة، كيف تكون أصح وهي مقطوعة ورواية حفص بن غياث مسندة؟ في رواية إسماعيل الكلام للشعبي وليس لابن مسعود، ورواية حفص من كلام ابن مسعود، ابن مسعود يقول: "ما صحبه منا أحد" والذي عندنا عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله أنه كان ما قال: عن عبد الله كنت، ننتبه يا إخوان، الذي ينظر إلى إسناد الترمذي يقول: ما في إشكال، إسناد متصل ويش لونك تقول: رواية مقطوعة؟ يقول: عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله أنه كان مع النبي ﷺ الكلام لمن؟ ظاهر اللفظ، ظاهر الإسناد أنه لعلقمة، وعلقمة يحكي قصة لم يشهدها فهي مقطوعة، ورواية حفص بن غياث من كلام ابن مسعود قال: "ما صحبه منا أحد" يعني ليلة الجن، إذا كان الأمر كذلك رواية الشعبي مقطوعة، رواية إسماعيل مقطوعة، ورواية حفص مسندة، كيف يقول: رواية إسماعيل أصح من رواية حفص؟ هل لأن رواية إسماعيل مثبِتة ورواية حفص نافية والمثبت مقدم على النافي أو لماذا؟ لأن الأوجه التي ذكرت تقتضي العكس في الحكم، وجه الترجيح الذي ذكر رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث لماذا؟ رواية حفص هي التي خرجها المؤلف وخرجها مسلم، ورواية إسماعيل هي التي ذكرها الترمذي هنا، يقول: "رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث" العلة ويش السبب؟ السبب قالوا: لأن رواية إسماعيل مقطوعة وعرفنا وجه القطع فيها؛ لأن الراوي يحكي قصة لم يشهدها.

стр. 189

عن عبد الله أنه كان ما قال: إني كنت، يعني عن عبد الله يعني عن قصة عبد الله أنه كان؛ لأنها قد ترد عن ولا يقصد بها الرواية، وإنما يقصد بها القصة، لا يقصد بها الرواية فتحمل على الاتصال بالشرطين المعروفين لا، عن أبي الأحوص أنه خرج عليه خوارج فقتلوه (عن) هذه يقصد بها الرواية؟ يروى عن أبي الأحوص أو قصة أبي الأحوص؟ قصة بلا شك؛ لأنه خرج عليه خوارج وقتلوه ما يمكن أن يحدث، وهنا عن عبد الله أنه كان مع النبي يعني عن قصة عبد الله أنه كان مع النبي ﵊ ليلة الجن فتكون مقطوعة، طيب رواية حفص بن غياث مخرجة في مسلم أن ابن مسعود قال: "ما صحبه منا أحد" يعني ليلة الجن، مقتضى كونها مقطوعة والثاني مسندة هل يعني هذا أن المقطوع أصح من المسند أو مثلما قلنا في الحديث السابق أنه يعل الرواية المسندة بالرواية المقطوعة؟ نعم؟ يعلها. "والعمل على هذا عند أهل العلم" والعلم على هذا الحديث عند أهل العلم أنه لا يجوز الاستنجاء بالعظم والروث، نأتي إلى الحديث هل النفي أو الإثبات أرجح؟ أو يمكن الجمع بين الروايتين؟ وأنهم كانوا مع النبي ﵊ في أول الأمر، ثم افتقدوه وقلقوا عليه؟ يعني في أول الأمر مع النبي ﵊، ثم جاءه داعي الجن وذهب معه وليس معه أحد، يعني لما ذهب إلى الجن ما معه أحد، لكن قبل ذلك كانوا معه، وكان ممن معه ابن مسعود، فمن أثبت أراد أول الأمر، ومن نفى أراد أخر الأمر، وبهذا تجتمع الروايات، وعلى كل حال الحديث صحيح، حديث الباب صحيح حديث ابن مسعود، قوله: "وفي الباب عن جابر وابن عمر ﵄" هذا تكرار، تقدم في أثناء الباب. عفا الله عنك. باب: ما جاء في الاستنجاء بالماء: حدثنا قتيبة ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب البصري، قالا: حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن معاذة عن عائشة قالت: "مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم، فإن رسول الله ﷺ كان يفعله". وفي الباب عن جرير بن عبد الله البجلي وأنس وأبي هريرة.

стр. 190

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم يختارون الاستنجاء بالماء، وإن كان الاستنجاء بالحجارة يجزئ عندهم، فإنهم استحبوا الاستنجاء بالماء ورأوه أفضل، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في الاستنجاء بالماء"، يقول: "حدثنا قتيبة" يعني ابن سعيد "ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب -الأموي- البصري " صدوق من كبار العاشرة "قالا: حدثنا أبو عوانة" الوضاح بن عبد الله اليشكري "عن قتادة" بن دعامة السدوسي "عن معاذة" قتادة ثقة ثبت، لكنه يدلس وهنا بالعنعنة، ولا يقبل من حديثه إلا ما صرح فيه بالتحديث، خلا ما في الصحيحين من ذلك "عن معاذة" بنت عبد الله العدوية البصرية العابدة، ثقة "عن عائشة ﵂ قالت –للنساء-: "مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء" أن يستطيبوا يعني: يستنجوا، والاستنجاء هو الإستطابة "بالماء فإني أستحييهم" يعني أستحيي منهم "فإن رسول الله ﷺ كان يفعله" تعني الاستنجاء بالماء، وورد في أحاديث أنه كان يذهب لقضاء الحاجة فيتبع بإدارة فيها الماء ﵊. أولاً: الحديث فيه عنعنة قتادة، لكن يشهد له حديث جرير وأنس وأبي هريرة، فيه أيضاً قول عائشة للنساء: "مرن أزوجكن أن يستطيبوا بالماء" الأمر بالأمر بالشيء يعني لو أن النبي ﵊ قال هذا الكلام "مرن أزواجكن" أو قال للأزواج: "مروا زوجاتكم" مسألة الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر به أو لا؟ مسألة خلافية معروفة عند أهل العلم "مرن أزواجكن" هل معنى هذا أن عائشة تأمر الأزواج فقط أو يدخل فيه النساء؟ يعني أمر الرجال يدخل فيه النساء أو لا يدخل؟ الأصل أن يدخل النساء؛ لأن النساء شقائق الرجال، وكأن عائشة ﵂ لما كلفت النساء بأمر الأزواج كأنها استغنت عن أمر النساء أنفسهن.

стр. 191

"مرن أزواجكن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم" أستحييهم بيائين لغة قريش، ولغة تميم ياء واحدة، ويظهر أثر ذلك في الجزم، إذا أدخلنا على المضارع جازم بقيت ياء في لغة قريش، وحذفت ياء، وعلى لغة تميم لا يبقى شيء، ((إذا لم تستحي)) كسرة وإلا ياء؟ قريش ياء ((إذا لم تستحي))، وعلى لغة تميم ((إذا لم تستحِ)) بكسرة؛ لأن على لغة قريش حذفت ياء وبقيت ياء ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي﴾ [(٢٦) سورة البقرة] بيائين، في البخاري الترجمة: "باب: إذا لم تستحِ" بكسرة على لغة تميم، والحديث بياء على لغة قريش. ((فإني استحييهم، فإن رسول الله ﷺ كان يفعله" والأمر هنا للاستحباب؛ لأن مجرد الفعل لا يقتضى الوجوب، وتعني بذلك الاستنجاء بالماء. قال: "وفي الباب عن جرير" بن عبد الله البجلي، وخرجه في صحيح ابن خزيمة "وعن أنس" وهو في الصحيحين في البخاري ومسلم في حديث أنس: "فأنطلق أنا وغلام نحوي" والخلاف في الغلام هل هو ابن مسعود أو غيره معروف "وأبي هريرة" عند أبي داود والترمذي وابن ماجه في قصة أهل قباء، وأن النبي ﵊ سألهم لما أثنى الله عليهم قالوا: إنا نتبع الحجارة الماء، والحديث ضعيف.

стр. 192

"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أحمد والنسائي "وعليه العمل عند أهل العلم يختارون الاستنجاء بالماء" لأنه أنقى "وإن كان الاستنجاء بالحجارة يجزئ عندهم، فإنهم استحبوا الاستنجاء بالماء، ورأوه أفضل، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق" يقول العيني في شرح البخاري: مذهب جمهور السلف والخلف والذي أجمع عليه أهل الفتوى أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر، فيقدم الحجر أولاً، ثم يستعمل الماء فتخف النجاسة بالاستنجاء بالحجر، وتقل مباشرة اليد بها، ولكونه أبلغ في النظافة، فإذا أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل، لكونه يزيل عين النجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين دون الأثر، وعرفنا أن القدر المجزئ في الاستنجاء أو في الاستجمار بالحجارة يعني ألا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء، وأما ضابط الإزالة بالماء فعود خشونة المحل كما يقول أهل العلم، والحجر يزيل العين دون الأثر لكنه متفق عليه، وتصح الصلاة معه، وجاء عن حذيفة أنه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال: إذاً لا يزال في يدي نتن، يعني رائحة، وعن ابن عمر أنه كان لا يستنجي بالماء، وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء لأنه مطعوم، وما دام ثبت عن النبي ﷺ فلا كلام لأحد كائناً من كان، ثم حصل الإجماع عليه، نعم. عفا الله عنك. باب: ما جاء أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة أبعد في المذهب: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن المغيرة بن شعبة قال: "كنت مع النبي ﷺ في سفر فأتى النبي ﷺ حاجته فأبعد في المذهب" قال: وفي الباب عن عبد الرحمن بن أبي قراد وأبي قتادة وجابر ويحيى بن عبيد عن أبيه وأبي موسى وابن عباس وبلال بن الحارث. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ويروى عن النبي ﷺ أنه كان يرتاد لبوله مكاناً كما يرتاد منزلاً، وأبو سلمة اسمه: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري.

стр. 193

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء أن النبي ﷺ كان إذا أراد الحاجة أبعد في المذهب" من أدبه ﵊ ومن كمال خلقه أنه إذا أراد الحاجة أبعد، لئلا يتأذى الناس بما يخرج أثناء قضاء الحاجة، بالرائحة، بالحشرات، بالخارج نفسه، فيبعد، لئلا يتأذى الناس بذلك، وجاء اللعن ((واتقوا الملاعن)) الذي يبول في طريق الناس وفي ظلهم، لكن تقدم في حديث حذيفة أن النبي ﵊ انتهى إلى سباطة قوم، فبال قائم على ما تقدم فدل على أن أمر البول أسهل من أمر الغائط؛ لأن البول لا رائحة له، ولا يصاحبه صوت بخلاف الغائط، لكن ومع ذلك لا يجوز البول لا في طريق الناس ولا في ظلهم ولا تحت شجرة، ولا في الموارد ولا في غيرها مما جاء النهي عنه. "إذا أراد الحاجة أبعد في المذهب" وهذا نص الحدث "قال: حدثنا محمد بن بشار" الإمام الحافظ، المعروف ببندار "قال: حدثنا عبد الوهاب -بن عبد المجيد الثقفي" أبو محمد البصري ثقة، توفي سنة أربع وتسعين ومائة "عن محمد بن عمرو" بن علقمة بن وقاص الليثي، صدوق، تكلم فيه من جهة حفظه، ومنهم من وثقه لعدالته، وعلى كل حال حديثه من قبيل الحسن، وإذا وجد له متابع أو شاهد صُحح، كما قال الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-: والحسن المشهور بالعدالة ... والصدق روايه إذا أتى له طرق أخرى نحوها من الطرق ... صححته كمتن (لولا أن أشق) إذ تابعوا محمد بن عمرو ... . . . . . . . . . اللي عندنا هذا. . . . . . . . . . ... عليه فارتقى الصحيح يجري

стр. 194

"عن أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ثقة مكثر، فقيه، قيل: إنه أحد الفقهاء السبعة، وأبو سلمة أسمه: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، على ما سيأتي في كلام الإمام -رحمه الله تعالى- "عن أبي سلمة عن المغيرة بن شعبة" بن مسعود الثقفي، صحابي مشهور "قال: "كنت مع النبي ﷺ في سفر فأتى النبي ﷺ حاجته فأبعد في المذهب" والمذهب إما مصدر ميمي يقال: ذهب يذهب ذهاباً ومذهباً، أو مكان الذهاب الذي يذهب إليه لقضاء الحاجة "قال: وفي الباب عن عبد الرحمن بن أبي قراد" الأنصاري صحابي، وحديثه في النسائي وابن ماجه "وعن أبي قتادة" وهذا لم يقف عليه الشارح، وجاء من عند أبي داود وابن ماجه "ويحيى بن عبيد عن أبيه وأبي موسى وابن عباس" وهذا عند الطبراني في الأوسط، لكن سنده ضعيف جداً "وبلال بن الحارث" عند ابن ماجه، وهو ضعيف أيضاً. "قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" إذا نظرنا إلى إسناده فمحمد بن بشار وعبد الوهاب الثقفي ثقتان، ومحمد بن عمرو صدوق، وأبو سلمة ثقة، والصحابي لا كلام فيه، فالإسناد ما فيه إلا محمد بن عمرو وحديثه حسن، يعني لو لم يرد إلا من هذا الطريق لكان حكمه الحسن، لكن يشهد له ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- من الشواهد، ولذا "قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" صححه بشواهده، أخرجه الدارمي وبقية الأربعة، "ويروى عن النبي ﷺ أنه كان يرتاد لبوله مكاناً" يعني ليناً، سهلاً رخواً لئلا يرتد الرشاش عليه كما يرتاد منزلاً، يعني هو بحاجة إلى هذا كما أنه بحاجة إلى المنزل المناسب. يقول الشارح: لم أقف على من أخرج الحديث بهذا اللفظ؛ لأن المؤلف يقول: "ويروى عن النبي ﷺ " يعني لو أخرجه بإسناده كفى، لكن ذكره بدون إسناد وصدره بصيغة التمريض لا بد أن يبحث عن مصدر أخر، يخرج فيه ليحكم عليه بما يليق به، فالشارح يقول: لم أقف على من أخرج حديثه بهذا اللفظ، وفي الأوسط للطبراني عن أبي هريرة بلفظ: "كان رسول الله ﷺ يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله.

стр. 195

وروى أبو داود عن أبي موسى قال: كنت مع النبي ﷺ ذات يوم فأراد أن يبول، فأتى دمثاً في أصل جدار فبال ثم قال: ((إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله)) يعني ليطلب لبوله مكاناً رخواً لئلا يرتد عليه رشاش البول "وأبو سلمة أسمه: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري" ومثل هذا الحكم لو لم يرد فيه نص مطلوب وإلا ما هو بمطلوب؟ يعني هل يقصد الإنسان المكان الصلب وإلا يقصد المكان الرخو؟ لا بد المكان الرخو لئلا يرتد إليه الرشاش، أو المكان المنحدر بحيث يجلس في أسفله بحيث يرجع إليه، على كل حال عليه أن يحتاط لنفسه وألا يترك للنجاسة سبيلاً إلى أن تصل إليه، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ها؟ هذا سؤال يقول: من الإنترنت: هل معنى الحديث القدسي: ((وإذا ذكرني في نفسي ذكرته في نفسي)) أي نذكر الله بقلوبنا ولا نحرك شفتينا؟ وهل يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن في نفسه وهو ينظر بعينه دون أن يحرك الشفتين؟ على كل حال الأجر لا يترتب إلا على الذكر، والذكر قول، وجاء بهذا اللفظ في كثير من الأحاديث، من قال كذا، فلا يترتب الأجر عليه إلا بالذكر باللسان، لكن لا يلزم أن يكون محظوراً بحضرة أحد، يذكر الله وهو خالي ليذكره الله في نفسه، يعني خالياً عن الناس، ولا يلزم أن يكون بقلبه، بدليل المقابلة ((من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)). يقول: ما هي الصيغة التي كان ﷺ يقولها وهو يستغفر مثلاً أكان يقول: أستغفر الله أو استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؟ ثبت أنه يقول بعد دبر كل صلاة أنه يستغفر، وذكر الراوي أنه يقول: ((استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله)) والسين والتاء للطلب يعني يطلب المغفرة من الله -جل وعلا- وهذه جملة كاملة مفيدة يثبت بها ما رتب عليها، وإن قال: أستغفرك لا إله إلا أنت وأتوب إليك، كما جاء في بعض الروايات، وهذه صيغ تقال هذه أحياناً وهذه أحياناً. يقول: الذي مكتوب تحت الحديث في جامع الترمذي هل هي من الشواهد أم من المتابعات؟ لا هي شواهد؛ لأنه يذكرها عن صحابة آخرين، إذا اختلف الصحابي فهو الشاهد.

стр. 196

يقول: هل يجوز لنا الذين يسمعونكم عبر الإنترنت أن نروي عنك -حفظك الله- جامع الترمذي بصيغة حدثنا الشيخ؟ لا مانع إلا لم يكن هناك تدليس؛ لأن بعض الناس يستغل مثل هذه الأمور ويقول: سمعت فلان أو حدثنا فلان وهو عبر شريط وإلا آلة ويقصد بذلك أنه رحل من أجل الشيخ وطلب العلم، هذا يسميه أهل العلم تدليس، مثل تدليس البلدان، يقول: سمعت فلان بالقدس مثلاً، ويوهم الناس أنه رحل إلى القدس وطلب العلم على أهلها، ومراده بالقدس حي من أحياء بلده، أو بقرطبة أو بالحمراء أو بإشبيليا هذه أحياء، فإذا لم يقصد بذلك التدليس فهو سماع مع الأمن من تزييف الصوت؛ لأن هناك من يقلد الأصوات كما يوجد من يقلد الخطوط، فإذا صحت الرواية بالوجادة وصح لمن وجد بخط شيخٍ لا يشك أنه خطه يقول: وجدت بخط فلان كذلك يقول: سمعت صوت فلان بحيث لا يشك فيه. هل تشترطون الإجازة في الرواية عنكم أو يكفينا السماع فقط؟ يقول: وإشارتي لهذا الأمر لأنني أريد تحفيز طلاب العلم في المثابرة والجد معكم؟ على كل حال من سمع كلام لا يشك فيه يرويه وينقله شريطة أن يكون أمين فاهماً حافظاً ضابطاً؛ لأن الآفة في كثير من الأخبار هي الرواة، وتنقل الأقوال بالنفي والإثبات عن شيخ واحد في مجلس واحد. يقول: نرجو تذكير الإخوة بمسألة بحث حكم استخدام الظفر مع أنه من مدى الحبشة في غير الذكاة؟ قلنا: يبحث إلى يوم السبت ما أدري حضره أحد وإلا لا؟ نترك البقية للغد -إن شاء الله تعالى-. اللهم صلِ على محمد.

стр. 197

شرح سنن الترمذي - أبواب الطهارة (٧) شرح: باب: ما جاء في كراهية البول في المغتسل، وباب: ما جاء في السواك، وباب: ما جاء إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها. الشيخ/ عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا يقول: إنه كان مواظب على الصلاة ولكن الوساوس تحول بينه وبينها حتى ترك الصلاة منذ عشرين يوماً قال: وأنا أيضاً كنت متزوجاً، ولا أشك أن العقد انفسخ بسبب تركي للصلاة، وأنا أريد أن أعود إلى أن أصلي حتى أدخل الإسلام من جديد، حتى أعيد العقد مرة أخرى، فهل تصح توبتي مع أني أريد أن أتوب حالاً، حتى يمكن لي أن أعيد هذه المرأة لتصبح زوجتي؟ يعني لو لم تكن هذه المرأة ربما لتأخرت عن التوبة من كثرت من أجد من الوساوس؟ فهل تصح توبتي أم لا؟ التوبة بابها مفتوح، وإذا تاب العبد التوبة النصوح بشروطها المعروفة عند أهل العلم فما الذي يحول دون قبولها؟! فعليه أن يبادر بالتوبة فوراً، بشروطها المعروفة عند أهل العلم، أن يقلع، وأن يندم، وأن يعزم على ألا يعود، ثم بعد ذلك يعقد عقداً صحيحاً إذا كان يرى أن هذا يبين منه زوجته كما أشار في سؤاله وإلا هو من أهل المغرب والمغاربة مالكية كما هو معروف، لكن إذا رأى ذلك ورأى أن الأحوط تجديد العقد فهو أكمل. يقول: ما رأيكم في الكتب التالية لطالب العلم: (تحفة الباري في شرح البخاري) ستة مجلدات طبعة دار الكتب العلمية؟ تحفة الباري هذا شرح للشيخ زكريا الأنصاري، شرح مختصر، وهو مطبوع قديماً في المطبعة الميمنية على هامش إرشاد الساري، وقديماً من مائة سنة، والكتاب مختصر نافع، أما طبعة دار الكتب العلمية فجميع طباعاتها على حد علمي أنها ليست متقنة. التفسير الشامل للدكتور أمير عبد العزيز ستة عشر جزءاً أو ستة أجزاء دار السلام؟ ما رأيت الكتاب أنا. هذا بالنسبة لمدى الحبشة والظفر هذا نقل من فتح الباري وكتابته رديئة، قوله ﷺ : ((أما الظفر فمدى الحبشة)) أي وهم كفار وقد نهيتهم عن التشبه بهم قاله ابن الصلاح وتبعه النووي وقيل: ينهى عنها لأن الذبح بها تعذيب للحيوان ... نقول: العلة منصوصة في الحديث لأنها مدى الحبشة.

стр. 198

يقول: ولا يقع به غالباً إلا الخنق الذي ليس هو على صورة الذبح، وقد قالوا: إن الحبشة تدمي مذابح الشاة بالظفر حتى تزهق نفسها خنقاً، واعترض على التعليل الأول بأنه لو كان كذلك لمتنع الذبح بالسكين وسائر ما يذبح به الكفار، وأجيب بأن الذبح بالسكين هو الأصل، وأما ما يلتحق بها فهو الذي يعتبر فيه التشبه لضعفها، ومن ثم كانوا يسألون عن جواز الذبح بغير السكين وشبهها عما سيأتي واضحاً، ثم وجدت في المعرفة للبيهقي من رواية حرملة عن الشافعي أنه حمل الظفر في هذا الحديث على النوع الذي يدخل في البخور فقال: مقصود الحديث أن السن إنما يذكى بها إذا كانت منتزعة، فأما وهو ثابتة فلو ذبح بها لكانت منخنقة، يعني فدل على أن المراد بالسن السن المنتزعة، وهذا خلاف ما نقل عن الحنفية من جوازه بالسن المنفصلة، قال: وأما الظفر فلو كان المراد به ظفر الإنسان لقال فيه ما قال في السن؟ لكن الظاهر أنه أراد به الظفر الذي هو طيب من بلاد الحبشة، وهو لا يفري فيكون في معنى الخنق. هذا نقله من فتح الباري. يقول: وفيه المنع من الذبح بالسن والظفر متصلاً كان أو منفصلاً، طاهراً كان أو متنجساً، وفرق الحنفية بين السن والظفر المتصلين فخصوا المنع بهما وأجازوا بالمنفصلين، وفرقوا بأن المتصل يصير في معنى الخنق، والمنفصل في معنى الحجر، وجزم ابن دقيق العيد بحمل الحديث على المتصلين، ثم قال: استدل به قوم على منع الذبح بالعظم مطلقاً لقوله: ((أما السن فعظم)) فعلل منع الذبح به لكونه عظماً، والحكم يعم بعموم علته، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة ظاهر هذا أنه من كلام النبي ﷺ ، وهو تنبيه على تعليل منع التذكية بالسن لكونه عظماً، فيلزم على هذا تقوية المنع من السن أو تعدية المنع من السن إلى كل عظم من حيث أنه عظم متصلاً كان أو منفصلاً، وإليه ذهب النخعي وغيره، وفقهاء أصحاب الحديث منعوا الذكاة بالظفر والعظم حيث كان، وأجازوه بما عدا ذلك للحديث، وهو أحد أقوال مالك.

стр. 199

يقول: منعوا الذكاة بالعظم حيث كان وأجازوه بما عدا ذلك من حديث وهو أحد أقوال مالك، ((وأما الظفر فمدى الحبشة)) يعني أن الحبشة يذبحون بأظفارهم ولا يستعملون السكاكين في الذبح، فمنعنا الشرع من ذلك لئلا نتشبه بهم، فقيل: إنهم كانوا يغرزون أظفارهم في موضع الذبح فتنخنق الذبيحة، وعلى هذا فيكون محل المنع إنما هو الظفر المتصل، ويكون حجة إلى ما صار إليه ابن حبيب من ذلك، انتهى. وقيل بالفرق بين المتصل منهما فلا تجوز الذكاة به، وبين المنفصل فتجوز الذكاة به قاله ابن حبيب، فالأول تمسك بالعموم، والثاني نظر للمعنى؛ لأنه يحصل بهما الذبح وهو ضعيف، والثالث بأن الظفر المتصل خنق، والسن المتصل نهش، والصحيح الأول، وما عدا ذلك فليس عليه معول. وهذا أيضاً في المسألة نفسها لكنه من اجتهاده لا نقلاً عن أحد. يقول: ذكرت في قوله ﵊: ((وأما الظفر فمدى الحبشة)) وقلتم هل تطرد العلة في غير الذبح أم لا؟ وأعرض على فضيلتكم ما ظهر لي، فإن كان صواب فالحمد لله، وإن كان خطأ فهو فهم مني أرجو تصوبيه، ولم أقرأه في كتاب، بل نزلت هذا الفرع على الأصول ظهر لي أن هذا العموم مخصوص بالآتي: مخصوص بالعرف، حيث أن العرف والعادة تخصص العموم، ذكر ذلك صاحب المراقي قال: والعرف حيث قارن الخطابا ... . . . . . . . . . أي العرف من المخصصات للعموم، أيضاً هذا العموم مخصص بإقرار النبي ﵊، حيث إن إعمال الظفر في غير الذبح لا شك أنه شائع، وتحيل العادة عدم حدوثه فإقرار النبي ﷺ لهذه الأفعال مخصص للعموم، وأيضاً قوله: أما الظفر فمدى الحبشة هذه تعريف الجزأين المسند والمسند إليه يقتضي الحصر والقصر على الحبشة فقط ... وما أردي كيف؟ نعم التعريف الجزأين يدل على الحصر لكن الظفر مدى الحبشة، إذا قلنا: إنه خاص بهم ومنعنا من التشبه بهم، فسبب المنع التشبه.

стр. 200

هذا تعريف الجزأين المسند والمسند إليه يقتصر الحصر على الحبشة فقط، يعني يمنع منه الحبشة فقط؟ والسؤال من المسلمين، والتعليل لمنع المسلمين منه لكونه من مدى الحبشة، وقد يقال: إن هذا مخصوص بما كانت أظافره كأظفار الحبشة فيكون العموم مخصوص بمن كانت أظفاره طويلة كالأحباش. بعض الفقهاء رخص في ترك الأظافير في السفر؛ لأنه قد يحتاج إليها ... يحتاج إليها في حل عقدة مثلاً يحتاج إليها في حل عقدة، وحل العقد لا تستعمل بالمدى، أما علة المنع لكونه مدية يستعملها الكفار، فمن هذه الحيثية إذا استعملناه فيما لا يستعمل إلا بالمدية كالذبح ونحوه مثل هذا يتجه المنع. والأسئلة كثيرة نقتصر على هذا. سم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال المصنف -رحمه الله تعالى-: باب: ما جاء في كراهية البول في المغتسل: حدثنا علي بن حجر وأحمد بن محمد بن موسى مردويه قالا: أخبرنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن أشعث بن عبد الله عن الحسن عن عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ نهى أن يبول الرجل في مستحمه، وقال: ((إن عامة الوسواس منه)). قال: وفي الباب عن رجل من أصحاب النبي ﷺ . قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث أشعث بن عبد الله، ويقال له: أشعث الأعمى، وقد كره قوم من أهل العلم البول في المغتسل وقالوا: "عامة الوسواس منه" ورخص فيه بعض أهل العلم منهم ابن سيرين، وقيل له: إنه يقال: إن عامة الوسواس منه، فقال: ربنا الله لا شريك له، وقال ابن المبارك: قد وسّع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء، قال أبو عيسى: حدثنا بذلك أحمد بن عبدة الآملي عن حبان عن عبد الله بن المبارك. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في كراهية البول في المغتسل" ما جاء في كراهية البول في المغتسل.

стр. 201

"حدثنا علي بن حجر" السعدي "وأحمد بن محمد بن موسى" المروزي أبو العباس السمسار المعروف بمردويه الحافظ، توفي سنة خمس وثلاثين مائتين "قالا" يعني علي بن حجر وأحمد بن محمد مردويه "قالا: أخبرنا عبد الله بن المبارك" المروزي الذي اجتمعت فيه خصال الخير كما صرح بذلك الأئمة، توفي سنة إحدى وثمانين ومائة "عن معمر" بن راشد الذي تقدم مراراً "عن أشعث بن عبد الله" بن جابر البصري، وثقه النسائي وغيره، وتكلم فيه، ولذا قال ابن حجر: صدوق، تكلم فيه جمع من أهل العلم، ووثقه النسائي على تشدده وغيره "عن الحسن" بن أبي الحسن يسار البصري المتوفى سنة عشر ومائة التابعي الجليل، قد صرح الإمام أحمد بسماعه من عبد الله بن مغفل، لكنه كثير الإرسال والتدليس ﵀ "عن عبد الله بن مغفل" لا بد أن يصرح الحسن بسماعه من عبد الله بن مغفل، ولو جزم أحمد بأنه سمع من عبد الله بن مغفل، مجرد سماعه من عبد الله بن مغفل في الجملة لا يعني أن سماعه لهذا الحديث على وجه الخصوص ثابت، وتدليسه ﵀ شديد لا يقبل إلا إذا صرح "عن عبد الله بن مغفل" أبو عبد الرحمن صحابي جليل، توفي سنة سبع وخمسين "أن النبي ﷺ نهى أن يبول الرجل في مستحمه" يعني في مغتسله، المستحم هو المغتسل، والأصل أن الاغتسال يكون بالماء الحار، الذي هو الحميم فسموا ما يغتسل به مستحم؛ لأن السين والتاء للطلب، يعني يطلب فيه الاستحمام بالماء الحار، والعلة في ذلك نُص عليها، العلة في النهي عن البول في المستحم -في المغتسل- "قال: ((إن عامة الوسواس منه)) وسبب ذلك أنه إذا بال في المستحم ثم وقع عليه الماء -ماء الاغتسال- لا بد أن يتصاعد شيء من هذا البول على جسده، فلهذا منع؛ لأنه ذريعة إلى الوسواس، ذريعة إلى الوسواس، والاحتمال القوي أنه إذا وقع عليه الماء لا سيما إذا كان المغتسل واقفاً ونزل الماء من الأعلى بقوة ينزل على البول ثم يصيب البدن، قد يقول قائل: إن نزول الماء على البول يطهر الأرض، نزول الماء على البول الواقع على الأرض يطهره الماء، هذا الماء الذي نزل على البول واختلط به، يعني إذا كوثر البول بالماء كما في حديث بول الأعرابي يطهره ((أريقوا عليه –أو

стр. 202

أهريقوا- عليه سجلاً من ماء)) يطهره بلا إشكال، لكن هذا الماء الذي اختلط بالبول وتعدى منه إلى البدن مثل هذا يؤثر وإلا ما يؤثر؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . يؤثر في الجملة لكن هل هو مجزوم مقطوع به أو مظنون؟ مظنون، ومثل هذا الظن يتردد في النفس إلى أن يصير وسواس؛ لأن هذا التردد الهاجس والخاطر الذي حصل في النفس بسبب هذا يقوى من كثرة ما يردد في النفس حتى يصير هو الأرجح من ضده، فيصير الوهم ظن، ومن كثرة ما يقع منه مثل هذا الأمر يصير إلى حد الوسواس، والوسواس داء خطير أدى ببعض الناس إلى ترك الصلاة، والأسئلة لا تنقطع عن هذا الداء الخطير، ابتلي كثير من الناس بالوسواس ثم في النهاية تركوا الصلاة، وأدى بهم إلى ما يشبه الجنون، تجده في معاملاته العادية عاقل تصرفاته صحيحة، لكن في عباداته شبه مجنون، يطرق الباب في الساعة الثامنة صباحاً في الشتاء، وقد مضى على صلاة العشاء كم؟ اثنا عشر ساعة أو أكثر، ويقول: إنه إلى الآن يحاول يصلي العشاء فما استطاع، وترك الوظيفة بسبب أنه (مِن) يدخل في الوظيفة يتردد على الدورة ليتوضأ لصلاة الظهر ليصلي مع الجماعة ثم ترك الوظيفة، مثل هذا إشكال كبير في حياته اليومية، يعني خراب، وقد ابتلي به كثير، والأصل يكون بمثل هذا، يكون شيء يسير ثم بعد ذلك يتطور، فمثل هذه المادة التي تورث مثل هذا الداء الخطير يجب حسمها من بداية الطريق، ولا يلتفت إليها. "قال: ((إن عامة الوسواس منه)) " فإذا وقع الماء -ماء الاغتسال- على البول الذي باله في المغتسل والمستحم وأصابه الرشاش -رشاش الماء المختلط بهذا البول- لا شك أن هذا من أقوى ما يورث الوسواس "قال: وفي الباب عن رجل من أصحاب النبي ﷺ " مخرج عند أبي داود والنسائي، عند أبي داود بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ أن يبول في مغتسله" وسكت عنه أبو داود.

стр. 203

"قال أبو عيسى: هذا حديث غريب" خرجه مع الترمذي أبو داود والنسائي وابن ماجه "غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث أشعث بن عبد الله ويقال له: أشعث الأعمى" أولاً: فيه عنعنة الحسن وهو شديد التدليس، فلا يقبل إلا ما صرح به، الأمر الثاني: تفرد أشعث بن عبد الله ووثقه النسائي وغيره، وتكلم فيه، وابن حجر توسط في أمره، وقال: صدوق، لكن هل مثل هذا مما يحتمل تفرده بالخبر، هل فيه من الثقة والضبط والإتقان بحيث يقبل ويحتمل تفرده؟ مثل هذا يحكم عليه بعض الأئمة بأنه منكر، وقد يقال عنه: شاذ، إذا تفرد بالحديث من لا يحتمل تفرده، فمثل هذا يضعف في هذا، لكن لا شك أن العلة لها حظ كبير من النظر، العلة لها حظ كبير من النظر، فالحكم ثابت ولو لم يثبت الخبر، الحكم ثابت؛ لأنه يؤدي إلى الوسواس، والوسواس ممنوع، وكل ما أدى إلى ممنوع فهو ممنوع، والوسائل لها أحكام المقاصد.

стр. 204

"وقد كره قوم من أهل العلم البول في المغتسل، وقالوا: عامة الوسواس منه" يعني إما استدلالاً بهذا الحديث أو عملاً بما يؤدي إليه هذا العمل من الوسواس "ورخص فيه بعض أهل العلم" رخصوا في البول في المستحم لا سيما إذا أجري عليه الماء، بال في مستحمه ثم أجرى عليه الماء ثم اغتسل فيه انتهى الإشكال، انتهى ما يحذر من الوسواس "ورخص فيه بعض أهل العلم منهم -محمد- بن سيرين" الأنصاري أبو بكر البصري المتوفى سنة عشر ومائة "وقيل له إنه يقال: إن عامة الوسواس منه، فقال: ربنا الله لا شريك له" يعني فهو المتوحد في خلقه، لا دخل للبول في المغتسل في شيء؛ لأننا إذا جعلنا البول في المغتسل يورث هذا الأمر كأننا أشركناه مع الله -جل وعلا- في الابتلاء، والله -جل وعلا- وحده لا شريك له هو المؤثر الحقيقي، لكن هل هذا كلام متجه؟ هذا مؤداه إلى إلغاء تأثير الأسباب، هو سبب، البول في المستحم سبب من أسباب الوسواس، والسبب ينكر الأشعرية أن له أثر في المسبب، يقولون: لا أثر له في المسبب البتة ووجوده مثل عدمه، وأن المسبب يحصل عنده لا به، ويقابلهم المعتزلة الذين يقولون: إن السبب يفعل بنفسه مؤثر بذاته، وأما أهل السنة يرون أن للأسباب تأثراً لكن بجعل الله -جل وعلا- هذا التأثير فيها، لا أنها تستقل بهذا التأثير، الأشعرية طرداً لمذهبهم هذا في إلغائهم تأثير الأسباب قالوا: يجوز لأعمى الصين أن يرى بقة الأندلس، كيف الأعمى في أقصى المشرق يرى أصغر البعوض في أقصى المغرب؟! قالوا: نعم لأن البصر سبب والسبب لا أثر له وجوده مثل عدمه، فيجوز عقلاً في عقولهم الكبار التي وصلت إلى هذا الحد، لما تبعوا ولهثوا وراء علم الكلام وأعرضوا عن النصوص، قد يلزمون في أول الأمر بلوازم تقتضيها مذاهبهم ثم تأخذهم العزة بالإثم فيلتزمون بهذه الوازم، قد لا يقول الأشعري في أول الأمر مثل هذا الكلام، لكنه إذا ألزم بهذا نتيجة لإلغائه تأثير الأسباب التزم، التزم به وقد صرحوا به ما هو مجرد إلزام، يعني الكلام الذي ذكرته بحروفه موجود في كلامهم، يجوز لأعمى الصين أن يرى بقة الأندلس، وكلام محمد بن سيرين الإمام لأنه قد يغفل أحياناً عن هذا السبب أو يكون بين أناس يبالغوا في تأثير

стр. 205

الأسباب فتكن ردة الفعل منه مثل هذا الكلام: "ربنا الله وحده لا شريك له" هذا ما في أحد يختلف فيه في أن الله -جل وعلا- لا شريك له، وأنه هو المتفرد بالخلق والإيجاد والنفع والضر، لكن الله -جل وعلا- جل في الأسباب شيء من التأثير، وإلا هل يمكن أن يقول الأشعري: إنه يغتسل ويخرج في أشد أيام البرد عريان ولا يتأثر؟ أو يقول: إن النار لا تدفئ، ما يكن أن يقول هذا، لكنه يقول: إن البرد حصل عند هذا لا به، وأن الدفء حصل عند النار لا بها، طرد لمذهبهم الفاسد في هذه المسألة، ولا شك أن إلغاء الأسباب خلل في العقل، والاعتماد على الأسباب خلل في الشرع في الديانة من قبل الأشخاص، ابن سيرين لما قيل له: إن عامة الوسواس منه قال: ربنا الله لا شريك له، يعني مثل هذا الكلام في الآثار التي هي مجرد احتمال قد يقال مثل هذا الكلام، لكن الآثار التي اطردت العادة بتأثيرها بإذن الله -جل وعلا- مثل الدفء والبرد مثلاً أمور مطردة، يعني هل يقول إنسان عاقل: إن تأثير الجو مثل هذه الأيام مثل تأثيره في أيام أشد أيام البرد، يخرج عاري سواء في مثل هذه الأيام أو أشد البرد لا فرق؟ هذا لا يقوله عاقل، في مثل المسألة التي معنا عامة الوسواس منه، ابن سيرين رأى أن هذا الرجل بال في المستحم وأتبعه الماء مثلاً بعد أن استنجى اتبع هذا الماء وذهب هذا الماء بذلك البول انتهى إشكاله، ما صار له أثر؛ لأنه طهر بهذه الطريقة، وعلى كل حال لا شك أن البول في المستحم مؤثر، مثل المستحمات الموجودة الآن محل قضاء الحاجة في جهة ومحل الاستحمام في جهة، يعني في الدورات المجودة الآن لا يتنزل مثل هذا الكلام، ولا يؤثر أن يبول الإنسان في جهة ويتبعه الماء بعد الاستنجاء ثم يغتسل في جهة أخرى، ولا أثر له البتة.

стр. 206

"وقال ابن المبارك: قد وسع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء" لأنه إذا جرى فيه الماء يطهر المكان لحديث الأعرابي الذي بال في المسجد فأتبعوه ذنوباً من ماء "قد وسع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء" بعضهم يحمل هذا النهي على أنه في المكان الذي ليس فيه منفذ للبول، يعني مكان يستحم فيه فقط، وليس فيه محل خاص للبول ينفذ منه، فإذا بال فيه واستقر في المكان ثم جاءه الرشاش وانتقل إلى البدن لا شك أن مثل هذا يتجه القول بمنعه.

стр. 207

"قال أبو عيسى: حدثنا بذلك" يعني خبر ابن المبارك: "قد وسع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء" قال: "حدثنا بذلك أحمد بن عبدة الآملي" أبو جعفر، صدوق من الحادية عشر "عن حبان عن عبد الله بن المبارك" حبان بن موسى بن سوار السلمي، ثقة، عن عبد الله بن المبارك، والوسواس بفتح الواو وكسرها مصدر وسوس يوسوس وسواساً ووسوسة، وقد يطلق الوسواس بالفتح ويراد به الشيطان، ولابن قدامة رسالة في ذم الموسوسين، ولا شك أن مثل ما تقدم أن الوسواس آفة تقضي على دين الإنسان وهو لا يشعر، وينسلخ من دينه من غير إرادته، يحمله هذا إلى أن يترك الدين بالكلية لأن يتعذب، فبدلاً من أن يرتاح بالصلاة تكون الصلاة عذاب عليه، ثم يترك مستدلاً بقول الله -جل وعلا-: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة] وهذا أمر لا يطيقه إذاً لا يكلف بمثل هذا، كثير من الموسوسين وصل به الأمر إلى حد الجنون، وقد أفتي بعضهم بترك الوضوء، ترك النية، بعضهم يقول: إنه إذا مسك الباب -باب الحمام- تنجس ثم رجع يعيد الوضوء، ومرة جاء شخص إلى المسجد وقال: أنا ما استطعت أن أصلي المغرب فلو أحسنت وصليت بي، أستطيع أن أصلي مأموم لكن لا أستطيع أن أصلي منفرد ولا إمام، فلما كبرت جلس، أتممت الصلاة نافلة وسلمت قلت: ما بالك؟ وما شأنك؟ قال: لما كبرت على أني في صلاة المغرب وإذا أمامي الأجزاء الثلاثة المكتوب عليها العُشر الأخير فلما قرأت العشر الأخير ظننتها صلاة الأخير يعني العشاء فالتبس عليّ الأمر، أنا أريد أن أصلي المغرب فدخلت صلاة الأخير -نسأل الله العافية-، وذهب ما صلى، ما صلى، مرتين أكبر وثلاث ما في فائدة، فعلى الإنسان أن يحسم المادة إذا خشي من هذا الأمر ولو وقع في شيء من التساهل في الوسائل، يعني النية هذه التي هي كارثة بالنسبة للموسوسين يتوضأ ثم يقول: ما نويت، ويتوضأ ثانية ويقول: النية والله فيها شيء، يا أخي توضأ بدون نية، النية شرط لكن إيش معنى النية؟ النية إن قصدت هذا المكان لتغسل فروض الوجه واليدين وتمسح الرأس هذه هي النية، تقصد هذا المكان لهذا العمل هذه هي النية، لا أكثر ولا أقل، فيقال له: توضأ بدون نية، سبحان الله النية شرط

стр. 208

لصحة الوضوء، نعم شرط، لكن بالنسبة لك أنت ما هي بشرط، يكفي أنك تروح للمغتسل المغسلة وتغسل أطرافك، وهذا هو الوضوء وهذه هي نيته. يذكر عن امرأة كبيرة في السن أنها تسرف في الماء وتتوضأ مراراً، فقال لها ابنها: أنا أدعو الشيخ فلان وهو قدوة مقنع بالنسبة لها ولولدها ولأهل بلدها، فقالت: أبداً إذا توضأ الشيخ وشفت وضوءه اقتنعت، فأحضر للشيخ ماء للوضوء قليل جداً، ثم لما توضأ وهي تنظر فقال لها: اقتنعتِ؟ قالت: هي بحاجة إلى أن تعيد الصلوات التي صلتها خلفه، فمثل هذا يحتاج الإنسان أن يتقيه، ووقع فيه بعض طلاب العلم مع الأسف، ولا أبالغ أنني شاهدت بعض أهل العلم الكبار وقعوا في شيء منه يغسل العضو عشر مرات، وهم الكبار، والداعي إلى ذلك في بداية الأمر الحرص على الخير، وهذه من حبائل الشيطان، قد يوقع الإنسان في هذا الباب، من حرصه على الخير أن يزيده من هذا الأمر حتى يقع في البدعة. وذكر عن ابن دقيق العيد والحافظ العراقي أنهم يبالغون في الوضوء، ويغسلون العضو مرات، وقالوا: إن هذا لا يخرجهم عن المشروع، وإنما هو من باب الاحتياط، وشيخ الإسلام ﵀ يقول: إذا أدى الاحتياط إلى ارتكاب محظور أو ترك مأمور فالاحتياط في ترك هذا الاحتياط، وهو وسواس وبدعة من أي شخص صدر، والأمر محدد شرعاً لا يجوز أن نزيد عليه. عفا الله عنك. باب: ما جاء في السواك: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)). قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد عن النبي ﷺ ، وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة وزيد بن خالد عن النبي ﷺ كلاهما عندي صحيح؛ لأنه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنه قد روي من غير وجه، وأما محمد بن إسماعيل فزعم أن حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح.

стр. 209

قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي بكر الصديق وعلي وعائشة وابن عباس وحذيفة وزيد بن خالد وأنس وعبد الله بن عمرو وأم حبيبة وابن عمر وأبي أمامة وأبي أيوب وتمام بن عباس وعبد الله بن حنظلة وأم سلمة وواثلة بن الأسقع وأبي موسى. حدثنا هناد قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل)). قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا أستن، ثم رده إلى موضعه. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: ما جاء في السواك" السواك بكسر السين يطلق على الآلة التي هي العود، ويطلق على الفعل الذي هو التسوك، وهو المراد في هذا الباب الذي هو فعل المكلف، وجمع السواك ها؟ إيش؟ سُوُك، مثل: كتاب وكتب.

стр. 210

قال: "حدثنا أبي كريب" محمد بن العلاء بن كريب، الكوفي، ثقة حافظ "قال: حدثنا عبدة بن سليمان" الكلابي، أبو محمد الكوفي ثقة ثبت "عن محمد بن عمرو" بن علقمة بن وقاص الليثي، صدوق له أوهام "عن أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف الزهري "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لولا أن أشق)) " (لولا) عند أهل العلم حرف امتناع لوجود، لولا حرف امتناع، امتناع الأمر بالسواك لوجود المشقة، و (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر، يعني لولا المشقة والتشديد، والتثقيل على الأمة وهذا من رحمته ورأفته ﵊ بأمته، ولولا ذلك لأمرتهم، والمراد بالأمر أمر الإيجاب، أما أمر الاستحباب فهو ثابت في نصوص كثيرة جداً، فاستحباب السواك مقطوع به، والنصوص متضافرة عليه، أعني أمر الاستحباب أما أمر الوجوب فلا، فامتنع لوجود المشقة، والحديث من أقوى الأدلة على أن الأمر المطلق يقتضي الوجوب، الأمر المطلق في النصوص يقتضي الوجوب؛ لأنه امتنع الأمر هنا، والمراد به أمر الوجوب أما أمر الاستحباب فهو موجود، فدل على أن الأمر إذا أطلق نفياً أو إثباتاً فالمراد به أمر الوجوب، إضافة إلى قول الله -جل وعلا-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [(٦٣) سورة النور] فهذا الوعيد يدل على أن الأمر للوجوب، ولا وعيد إلا على ترك واجب. ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)) الأمة تطلق ويراد بها أمة الإجابة، وتطلق ويراد بها أمة الدعوة، والمراد بها هنا أمة الإجابة ((لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)) وللبخاري تعليقاً عن أبي هريرة: ((عند كل وضوء)) ولأحمد: ((عند كل طهور)) فيجمع بينها، فيستحب السواك عند الوضوء وعند كل طهور بما يشمل الغسل، وعند كل صلاة، وهناك مواضع لإسحتبابه وهو مستحب في كل وقت، ويتأكد استحبابه عند الوضوء، وعند الصلاة، وعند الاستيقاظ من النوم، وعند تغير الفم، وعند أمور وردت بها النصوص، ودعت إليها الحاجة، فكلما احتيج إلى السواك تأكد استحبابه، لطول السكوت وكثرة الكلام، وقلة الأكل أيضاً تتغير المعدة فتصدر روائح تعلق أو يعلق منها ما يعلق بالأسنان فيزال بالسواك.

стр. 211

((عند كل صلاة)) عند الحنفية يقدرون عند وضوء كل صلاة، ولا يرون استحبابه عند الصلاة، الحنفية لا يرون استحباب السواك عند الصلاة، لماذا؟ لأنه مظنة لجرح اللثة وخروج الدم وهذا يبطل الصلاة عندهم، وهو أيضاً من باب إزالة القذر، إزالة المستقذر، وهذا لا ينبغي أن يكون في المسجد، نعم عند الوضوء لا بأس، أما عند الصلاة فلا عندهم، ولكن إذا نظرنا إلى النصوص الواردة في السواك وجدناه عبادة، وأنه مطهرة للفم، وأنه مرضاة للرب، فهو عبادة من هذه الحيثية، ولذا من نظر إليه باعتباره إزالة قذر، قال: يكون التسوك بالشمال، باليد اليسرى، ومن نظر إليه باعتباره عبادة قال: يتسوك باليمين، ويمكن أن يجمع بين الأمرين، فإذا كان في الأسنان ما يقتضي السواك لإزالته فحينئذٍ يتجه القول وهو قول عامة أهل العلم أن التسوك يكون بالشمال، لكن إذا تسوك عند الوضوء، وأزال ما في الأسنان من وسخ، ثم أراد أن يتسوك في المسجد عند إقامة الصلاة، نقول: يتسوك باليمين؛ لأنه عبادة محضة، وليس فيه ما يدل على أنه إزالة مستقذر؛ لأن المستقذر أزيل عند الوضوء. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: لا أعلم أحداً من الأئمة قال بالتسوك باليمين، مع أن جده أبا البركات المجد ابن تيمية يستحب التسوك باليمين، وإذا كان لإزالة القذر فلا شك أن المستقذرات لليد اليسرى، وإذا كان لا يوجد على الأسنان ما يقتضي ما يسمى به قذراً فإنه يتسوك بيده اليمني، وعلى كل حال ثبت استحباب السواك عند الوضوء، وثبت أيضاً التسوك عند كل صلاة، فلا وجه لقول الحنفية، لا وجه لقولهم مع ما ثبت عن النبي ﵊.

стр. 212

"قال أبو عيسى: روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم" هناك فيه أبو كريب السند الأول، ثقة حافظ، وعبدة كذلك، محمد بن عمرو صدوق، يحتاج إلى متابع ليصحح حديثه "عن أبي سلمة" أحد الفقهاء المعروفين "عن أبي هريرة"، وهنا قال: "وروى هذا الحديث محمد بن إسحاق" صاحب المغازي، صدوق أيضاً، لكنه يدلس فلا بد من تصريحه "عن محمد بن إبراهيم" بن الحارث التيمي ثقة، راوي حديث: الأعمال بالنيات، الذي تفرد به وقبله عنه الأئمة وخرجوه، وتلقته الأمة بالقبول "عن أبي سلمة" فمحمد بن إبراهيم أوثق من محمد بن عمرو "عن أبي سلمة عن زيد بن خالد" الجهني، صحابي مشهور، مات سنة ثمان وستين "عن النبي ﷺ " وسيأتي ذكره في أخر الباب. قال المؤلف: "وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة وزيد بن خالد" سواء كان ما جاء من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، أو طريق محمد بن إبراهيم التيمي "كلاهما عندي صحيح؛ لأنه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنه قد روي من غير وجه" لماذا احتاج الإمام أن يقول مثل هذا الكلام؟ محمد بن عمرو بن علقمة صدوق له أوهام فلا يصحح حديثه إلا إذا توبع، يحتاج إلى متابع ليصحح حديثه، والحافظ العراقي ضرب للصحيح لغيره هذا الحديث مثالاً، هذا الحديث حديث محمد بن عمرو ضربه مثالاً للصحيح لغيره، فقال: والحسن المشهور بالعدالة ... والصدق راويه إذا أتى له طرق أخرى نحوها من الطرق ... صححته كمتن (لولا أن أشق) هذا الحديث، كمتن (لولا أن أشق). إذ تابعوا عليه محمد بن عمرو ... عليه فارتقى الصحيح يجري لما توبع محمد بن عمرو بن علقمة وروي من حيث .. ، لأنه قد روي من غير وجه قال الترمذي: هو عنده صحيح، ولا شك أنه صحيح وإن لم يكن صحيح لذاته فهو صحيح لغيره.

стр. 213

وحديث أبي سلمة عن أبي هريرة وزيد بن خالد عن النبي ﷺ كلاهما عندي صحيح؛ لأنهما قد رويا من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنه قد روي من غير وجه، وأما محمد بن إسماعيل البخاري فزعم أن حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح، يعني الحديث الثاني أصح من الأول، طيب حديث أبي سلمة عن أبي هريرة فيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو صدوق له أوهام، والحديث الثاني الذي رجحه الإمام البخاري فيه محمد بن إسحاق وهو وإن كان إماماً في المغازي إلا أن روايته للحديث فيها ما فيها، بل رمي بالكذب، لكن القول الوسط المعتدل فيه أنه صدوق، فهو بمنزلة محمد بن عمرو، ويزيد عليه أنه مدلس لا بد أن يصرح، فكيف رجح الإمام البخاري الحديث الثاني وفيه محمد بن إسحاق على الحديث الأول الذي فيه محمد بن عمرو بن علقمة؟ ما سبب الترجيح؟ يقول الحافظ ابن حجر: حكى الترمذي عن البخاري أنه سأله عن رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ورواية محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد فقال: رواية محمد بن إبراهيم أصح، لا شك أن محمد بن إبراهيم أوثق من محمد بن عمرو، لكن الراوي عن محمد بن إبراهيم لا يترجح على محمد بن عمرو بأي حال من الأحوال، قال: رواية محمد بن إبراهيم أصح، وقال الترمذي: كلا الحديثين صحيح عندي، وترجيح البخاري طريق محمد بن إبراهيم لأمرين: الأول: أن فيه قصة سيأتي في الحديث: "قال أبو سلمة: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات -يعني الخمس- في المسجد -جماعة- وسواكه على أذنه موضع القلم من إذن الكاتب، لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه" هذه قصة، قصة الخبر، هذه قصة ذكرت في الخبر، ولا شك أن ذكر الحديث بفصه، بجميع ما يدور حوله بقصته بسببه يدل على أن الراوي ضبطه وأتقنه، بخلاف الحديث المجرد عن قصته وسببه، فإذا ذكر الراوي الحديث بقصته بسبب وروده بسبب إيراده من قبل الصحابي هذا كله يدل على أن الراوي ضبط الحديث وأتقنه بجميع ما يحتف به، وهذا مرجح عند أهل العلم، الأول: أن فيها قصة، وهو قول أبي سلمة التي ذكرناه.

стр. 214

الثاني: أنه توبع، تابعه يحيى بن أبي كثير على روايته ورواية يحيى بن أبي كثير عند الإمام أحمد بسند لا بأس به، هذه وجوه ترجيح الإمام البخاري لحديث زيد بن خالد على حديث أبي هريرة. "قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي بكر الصديق" رواه أحمد وأبو يعلى "وعلي" رواه الطبراني في الأوسط "وعائشة" عند النسائي وابن خزيمة وابن حبان، وعلقها البخاري "وابن عباس" عند الطبراني في الكبير والأوسط "وحذيفة" وحديثه متفق عليه "وزيد بن خالد" وحديثه عند الترمذي سيأتي، وعند أبي داود، "وأنس" وهو مخرج في البخاري "وعن عبد الله بن عمر" وأخرجه أبو نعيم في كتاب السواك "وابن عمر" عند الإمام أحمد "وأم حبيبة" عند أحمد وأبي يعلى "وأبي أمامة" عند ابن ماجه "وأبي أيوب" عند أحمد والترمذي "وتمام بن عباس" تمام بن عباس هذا من ولد العباس بن عبد المطلب، أخ لعبد الله وهو أصغر أولاده، له رؤية وليست له رواية "وتمام بن عباس" عند أحمد والطبراني في الكبير "وعبد الله بن حنظلة" لم يقف الشارح على من خرجه "وأم سلمة" عند الطبراني "وواثلة بن الأسقع" عند أحمد والطبراني أيضاً "وأبي موسى" عند الشيخين البخاري ومسلم، وفي الباب أحاديث كثيرة جداً تدل على فضل السواك، وجاء فيه ما يدل على أن الصلاة بسواك عن سبعين صلاة، وله طرق تدل على أن له أصلاً، له طرق تدل على أن له أصلاً، فالسواك مأمور به أمر استحباب، وهو مرضاة للرب -جل وعلا-، وأيضاً هو من باب أخذ الزينة للصلاة ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [(٣١) سورة الأعراف].

стр. 215

قال: "حدثنا هناد قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم -بن الحارث التيمي- عن أبي سلمة عن زيد بن خالد الجهني قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم)) أمر إيجاب كما تقدم ((بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل)) وأخر النبي ﵊ الصلاة إلى هذا الوقت، وقال: ((إنه لوقتها لولا أن أشق عليكم)) فيستحب تأخير العشاء ما لم يحصل بذلك مشقة على المأمومين إلى ثلث الليل، ووقت صلاة العشاء يمتد إلى نصف الليل، يمتد إلى نصف الليل، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو في الصحيح. "قال -أبو سلمة-: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات -يعني الخمس- في المسجد -مع الجماعة- وسواكه على أذنه" الجملة حالية والحال أن سواكه على أذنه موضع في "موضع القلم من أذن الكاتب" الكاتب يضع القلم على أذنه، أدركتم شيئاً من هذا وإلا .. ؟ غالباً النجار هو الذي يضع القلم، أما الكاتب ما يضع القلم على أذنه يضع القلم في جيبه هذا الذي أدرك، أما عندهم ما كنت لهم جيوب تحفظ الأقلام وأشياء مهيأة لهذا الأمر "وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا أستن" يعني إستاك "ثم رده -أي السواك- إلى موضعه" من الأذن. "قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" ومخرج عند أبي داود والنسائي ولعله في الكبرى. يقول ابن العربي في عارضة الأحوذي: اختلف العلماء في السواك -يعني في حكمه- فقال إسحاق: هو واجب ومن تركه عمداً أعاد الصلاة، هذا رأي إسحاق، ولكن حديث الباب يرد قوله، ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)) فدل الحديث على عدم وجوبه، وقال الشافعي: هو سنة من سنن الوضوء، واستحبه مالك في كل حال يتغير فيها الفم، فأما من أوجبه يقول ابن العربي: فظاهر الأحاديث تبطل قوله، وعلى كل حال عامة أهل العلم على أنه متسحب، نعم. عفا الله عنك. باب: ما جاء إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها:
следующие страницы →