Полный текст (1 139 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
"عن سعيد بن مسروق" الثوري والد سفيان وهو ثقة أيضاً "عن إبراهيم التيمي" ثقة أيضاً "عن عمرو بن ميمون" الأودي، ثقة عابد "عن أبي عبد الله الجدلي" الطائي، ثقة أيضاً "عن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ " يقول: "عن خزيمة بن ثابت" بن الفاكه الأنصاري، ذو الشهادتين، بدري، شهد بدراً، وجعل النبي ﵊ شهادته عن شهادة رجلين؛ لأنه شهد للنبي ﵊ في عقد لم يشهده، والقصة مشهورة "عن النبي ﷺ أنه سئل عن المسح على الخفين؟ " أي: عن مدته؟ "فقال: ((للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة)) " كما في رواية أبي داود، وذكر عن يحيى بن معين أنه صحح حديث خزيمة بن ثابت في المسح؛ لأن السند رجاله كلهم ثقات "وأبو عبد الله الجدلي اسمه: عبد بن عبد، ويقال: عبد الرحمن بن عبد".
"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود وابن ماجه وابن أبي شيبة والبزار "قال: "وفي الباب عن علي" أخرجه مسلم "وأبي بكرة" عند ابن خزيمة والدارقطني "وأبي هريرة" عند ابن أبي شيبة والبزار "وصفوان بن عسال" عند الترمذي، الحديث الذي يليه "وعوف بن مالك" عند أحمد في المسند والطبراني والبزار "وابن عمر وجرير" عند الطبراني، كلاهما عند الطبراني.
قال بعد ذلك: "حدثنا هناد قال: حدثنا أبو الأحوص" سلام بن سليم الحنفي مولاهم، ثقة متقن، وجاء في ترجمته عن أبي الأحوص أنه خرج عليه خوارج فقتلوه، عن أبي الأحوص أنه خرج عليه خوارج فقتلوه، وعن هذه تستعمل في غير الرواية، عن ذكر القصة، قصة أبي الأحوص، وليس المراد الرواية عن أبي الأحوص بعد ما قتل هذا لا يتصور.
стр. 667
"عن عاصم بن أبي النجود" عاصم بن بهدلة بن أبي النجود، القارئ المشهور، إمام في القراءة، تكلم في حفظه بالنسبة للرواية "عن زر بن حبيش" الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم "عن صفوان بن عسال" المرادي صحابي "قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفْراً" جمع سافر، كصحب جمع صاحب، وركب جمع راكب، أي إذا كنا مسافرين، سفراً من السفور وهو البروز عن البلد والخروج منه، ومنه السفور بالنسبة للنساء إذا أبرزن بعض أو شيئاً من بشرتهن سمي سفوراً "يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم" يعني في الطهارة الصغرى في الحدث الأصغر في الوضوء يمسح على الخفين، وأما بالنسبة للغسل فلا يمسح على الخفين، ولكن من غائط وبول ونوم، عطف على مقدر يدل عليه إلا من جنابة، كما في رواية النسائي: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم إلا من جنابة، وعلى هذا حديث الباب فيه تقديم وتأخير.
"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه الإمام الشافعي وأحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والبيهقي، وخرج في كثير من الدواوين إلا أنه لا يوجد في الصحيحين.
стр. 668
"وقد روى الحكم بن عتيبة" وهو ثقة ثبت، حجة "وحماد" بن أبي سليمان "عن إبراهيم النخعي عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت ولا يصح" والسبب بينه الترمذي بقوله: "قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي حديث المسح" ففيه انقطاع، هناك عن عمرو بن ميمون عن أبي عبد الله الجدلي، حديث حسن صحيح، وهنا إبراهيم النخعي عن أبي عبد الله الجدلي قال: لا يصح؛ لأن فيه انقطاع، قال شعبة: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي حديث المسح، وقال زائدة: قوله: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي حديث المسح هل يدل على أنه لم يسمع منه مطلقاً؟ لا، لا يدل على أنه لم يسمع منه مطلقاً، ولو قيل بأن العبارة تدل على أنه سمع منه بعض الأحاديث إلا أنه لم يسمع منه حديث المسح لكان له وجه، وإلا لقال: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي، فيسكت أو يقول شيئاً، لكن لما قال حديث المسح يفهم منه أنه سمع غير حديث المسح.
"وقال زائدة عن منصور: كنا في حجرة إبراهيم التيمي ومعنا إبراهيم النخعي" في بعض الروايات العكس: كنا في حجرة إبراهيم النخعي ومعنا إبراهيم التيمي "فحدثنا إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون" وهذه المسألة لا يترتب عليها شيء، سواءً كانوا في بيت أو في حجرة إبراهيم التيمي أو النخعي، المقصود أنهما موجودان معناً "فحدثنا إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ في المسح على الخفين"، "حدثنا إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت في المسح على الخفين" فتبين أن هناك واسطة بينهما إبراهيم التيمي والنخعي عمرو بن ميمون.
"قال محمد بن إسماعيل: أحسن شيء في هذا الباب حديث صفوان بن عسال المرادي" إذا كان هناك انقطاع بين إبراهيم النخعي وأبي عبد الله الجدلي فهناك أيضاً انقطاع آخر.
"قال محمد بن إسماعيل -وهو البخاري-: أحسن شيء في هذا الباب حديث صفوان بن عسال المرادي".
стр. 669
وقال البخاري أيضاً: لا يعرف للجدلي سماع من خزيمة، وقال يحيى بن معين: هو صحيح، صححه لما يشهد له، لا بمفرد إسناده، وإنما لما يشهد له، وأما البخاري فقد ضعفه بالانقطاع، وإن قال .. ، الإمام البخاري يرى أن حديث صفوان هو أحسن شيء في هذا الباب، يعني في التوقيت، وأما حديث خزيمة ففيه انقطاع في أكثر من موضع.
"قال أبو عيسى: وهو - أي التوقيت - قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن" وعلى هذا جمهور أهل العلم وهو الحق والصواب؛ لأن الدليل دل عليه.
"قال أبو عيسى: وقد روى عن بعض أهل العلم أنهم لم يوقتوا في المسح على الخفين، وهو قول مالك بن أنس" مالك لا يرى التوقيت، والليث بن سعد كذلك.
يقول ابن العربي في العارضة: سمع مطرف مالكاً يقول: التوقيت في المسح على الخفين بدعة، مطرف بن عبد الله سمع مالكاً يقول: التوقيت في المسح على الخفين بدعة، وروى عنه أشهب كقول الجمهور، التوقيت، لكن مثل هذا يدخله الابتداع؟ يعني أصل المسألة إذا كان الخلاف فيها مع مبتدعة، وهي في الأصل فرعية نقلت إلى مسائل الاعتقاد فصارت أصلية، أصل المسألة، مسألة المسح على الخفين، أما التوقيت فالخلاف فيها بين مالك وبين أئمة كبار، لهم أدلتهم فهي مسألة فرعية، فلا يمكن أن يبدع فيها، إلا على قول من يقول: إن كل مخالفة في العبادات بدعة، وهو الذي يميل إليه الشيخ الألباني ﵀، لكن هذا القول يلزم عليه لوازم كثيرة أن كل من رجح قولاً مرجوحاً أو عمل بدليل ضعيف أو ارتكب مكروهاً، لو ارتكب مكروه صار مبتدع، فضلاً عن أن يرتكب محرم، وهذا مخالف لقول عامة أهل العلم في تحديد البدعة.
يقول: التوقيت في المسح على الخفين بدعة، وروى عنه أشهب كقول الجمهور.
стр. 670
"قال أبو عيسى: والتوقيت أصح" ودليله ما ذكر في الباب، ودليل من يرى عدم التوقيت حديث أبي بن عمارة أنه قال: أمسح يا رسول الله على الخفين؟ قال: ((نعم)) قال: يوماً؟ قال: ((نعم)) قال: ويومين؟ قال: ((نعم)) قال: وثلاثة؟ قال: ((نعم وما شئت)) يعني فلا توقيت، أخرجه أبو داود، وقال: ليس بالقوي، وضعفه البخاري، وقال: لا يصح، ونقل النووي في شرح المهذب اتفاق الأئمة على ضعفه، وعلى كل حال لا يعارض به ما صح من أحاديث الباب.
"وقد روى هذا الحديث عن صفوان بن عسال أيضاً من غير حديث عاصم".
لأن عاصم فيه كلام لأهل العلم من جهة حفظه، فأراد الترمذي أن يبين أن عاصماً لم يتفرد بالحديث بل توبع عليه، ولذلك صححه، يقول النووي: مذهب الشافعي وكثيرين أن ابتداء المدة من حين الحدث بعد لبس الخف، وهذا أيضاً معروف عند الحنابلة، من حين الحدث بعد لبس الخف لا من حين اللبس، ولا من حين المسح، وهو قول أبي حنيفة، ونقل عن الأوزاعي وأبي ثور وأحمد، أنهم قالوا: أن ابتداءها من وقت اللبس، أنه من وقت اللبس، إما من أول حدث أو من وقت اللبس، والمرجح أنه لا هذا ولا هذا، أنه من أول مسح؛ لأنه في الحديث قال: ((يمسح المقيم)) يمسح يوم وليلة، ما قال: يلبس المقيم، قال: ((يمسح المقيم يوماً وليلة)) فدل على أن العدد يبدأ من المسح، وهذا هو الراجح -إن شاء الله تعالى-.
سم.
عفا الله عنك.
قال الترمذي -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء في المسح على الخفين أعلاه وأسفله:
حدثنا أبو الوليد الدمشقي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: أخبرني ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله.
قال أبو عيسى: وهذا قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء، وبه يقول مالك والشافعي وإسحاق، وهذا حديث معلول لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم.
стр. 671
قال أبو عيسى: وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن مبارك روى هذا عن ثور عن رجاء بن حيوة قال: حُدثت عن كاتب المغيرة مرسل عن النبي ﷺ ولم يُذكر فيه المغيرة.
يقول الإمام -رحمه الله تعالى-:
"باب: ما جاء في المسح على الخفين أعلاه وأسفَلِه"
لأن الأعلى بدل من الخفين، بدل بعض والأسفل معطوف عليه، وعلى الخفين مجرور، كما هو معلوم الخفين مجرور، أعلاه وأسفله، ولو قال: أعلاهما وأسلفهما طابق الوصف أو البدل المبدل، تطابق المتبوع مع التابع، والمطابقة مطلوبة إذاً لا بد من تقدير، مع أنه جاء في بعض النسخ: "أعلاهما وأسفلهما" وهنا نحتاج إلى تقدير نقول: باب ما جاء في المسح على كل واحد من الخفين أعلاه وأسفله.
قال: "حدثنا أبو الوليد" أحمد بن عبد الرحمن بن بكار "الدمشقي" صدوق فيما قاله أهل العلم "قال: حدثنا الوليد بن مسلم" القرشي مولاهم، ثقة، مدلس، شديد التدليس "قال: أخبرني ثور بن يزيد" أبو خالد الحمصي، ثقة "عن رجاء بن حيوة" الكندي، ثقة فقيه "عن كاتب المغيرة" جاءت تسميته بأنه وراد، وهو ثقة أيضاً "عن المغيرة بن شعبة" وهو صحابي "أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله" وأخرجه أبو داود وابن ماجه وأحمد.
"قال أبو عيسى: وهذا -يعني مسح أعلى الخف وأسفله- قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ كابن عمر والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء، وبه يقول مالك والشافعي وإسحاق" وقال أبو حنيفة: لا يمسح إلا الأعلى.
قال المؤلف: "وهذا حديث معلول" معلول يعني فيه علة، والتعبير المفضل عندهم أن يقال: معل، لا معلول ولا معلل، إنما يقال: معل، والعلة سبب خفي غامض يقدح في صحة الحديث الذي ظاهره السلامة منها، "معلول لم يسنده -يعني يصله ويرفعه- عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم"
стр. 672
"قال أبو عيسى: وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل البخاري" أبو زرعة الرازي، ومحمد بن إسماعيل البخاري "عن هذا الحديث؟ فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن مبارك روى هذا عن ثور عن رجاء بن حيوة وقال: حدثت عن كاتب المغيرة" وهنا عن رجاء عن كاتب المغيرة بدون واسطة، قال: "لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور" أن ابن المبارك جعل هناك واسطة مجهولة بين رجاء بن حيوة وكاتب المغيرة، بينا الوليد بن مسلم جعله عن رجاء عن كاتب بدون واسطة "قال: حدثت عن كاتب المغيرة بصيغة المجهول مرسل عن النبي ﷺ ولم يذكر فيه المغيرة" مرسل، حدثت عن كاتب المغيرة ولم يذكر فيه المغيرة، فهو مما يرفعه كاتب المغيرة إلى النبي ﵊ مع أنه روي عن رجاء بن حيوة بواسطة مجهول، قال: فالحديث ضعيف، فعلى هذا فالحديث ضعيف.
يقول الشارح المباركفوري: لم أجد في هذا الباب حديثاً مرفوعاً صحيحاً خالياً عن الكلام، وصح خلافه عن علي وغيره كما سيأتي في الباب الذي يليه، الباب الذي يليه يقتصر فيه على مسح أعلى الخف، على ظاهر الخف.
سم.
عفا الله عنك.
قال -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء في المسح على الخفين ظاهرهما:
حدثنا علي بن حجر قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما".
قال أبو عيسى: حديث المغيرة حديث حسن وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن المغيرة، ولا نعلم أحداً يذكر عن عروة عن المغيرة على ظاهرهما غيره، وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وأحمد، قال محمد: وكان مالك بن أنس يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد.
هذا يسأل يقول: كيف يكون الوليد بن مسلم ثقة مدلس؟
نعم التدليس وجد عند الأكابر، وجد عن الحسن البصري، تدليسه شديد، ووجد أيضاً على قلة وندرة عند السفيانين، وعلى كل حال التدليس لا ينافي التوثيق، فإذا صرح المدلس بالتحديث فلا يكون له أثر.
هل الرسول ﵊ يفعل المكروه؟ وكيف يكون ذلك؟
стр. 673
الرسول ﵊ يأمر بالشيء أو ينهى عن الشيء، ثم يترك ما أمره به لبيان الجواز، يعني لبيان أن الأمر للاستحباب، والصارف هذا الفعل، والترك بالنسبة له تشريع يؤجر عليه، وكذلك إذا نهى عن شيء فإن الأصل في النهي التحريم، لكن إذا فعله يكون النهي للكراهة، مصروف من التحريم إلى الكراهة، والصارف هو فعل النبي ﵊، وفعله ليس بمكروه لأنه تشريع.
قال ﵀: "باب: ما جاء في المسح على الخفين ظاهرهما"
"حدثنا علي بن حجر قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد" القرشي مولاهم، المدني، صدوق، قال: "عن أبيه" عبد الله بن ذكوان أبي الزناد "عن عروة بن الزبير" هنا صرح الترمذي وغيره أيضاً صرح بأنه ابن الزبير، وفي مسند الطيالسي عن عروة بن المغيرة يعني ابن شعبة، عن عروة بن المغيرة لا عروة بن الزبير، وعلى كل حال سواءً كان هذا أو هذا فهما ثقتان، لا يقدح عدم تمييز أحدهما عن الآخر "قال: "رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما" أي أعلاهما، وهذا دليل من اقتصر على مسح أعلى الخف.
"قال أبو عيسى: حديث المغيرة حديث حسن" وأخرجه أبو داود وسكت عليه يعني فهو صالح؛ لأن ما يرويه أبو داود ويسكت عليه كما قال: وما سكت عنه فهو صالح، ولا شك أنه أصح من حديث المغيرة السابق أنه مسح أعلاه وأسفله.
стр. 674
قال: "وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن المغيرة، ولا نعلم أحداً يذكر عن عروة عن المغيرة على ظاهرهما غيره" يعني غير عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، غير عبد الرحمن بن أبي الزناد لا يذكره، فالمسح على الخف يحتاج إلى أن يقال: على ظاهره؟ يعني جاءت صفة المسح وأنها بالأصابع تكون كالخطوط على ظهر الخف، وهنا يقول: على ظاهرهما؛ ليبين ضعف الحديث السابق، والتنصيص على الظاهر لا شك أنه لبيان حقيقة المسح، وإلا لو قلنا: المسح ما جاء بيانه في السنة لاختلف فيه أهل العلم كاختلافهم في مسح الرأس على ما تقدم، من مسح ثلاث شعرات إلى مسح جميع الرأس؛ لأن البدل له حكم المبدل، المسح على الخف بدلاً عن غسل الرجل والرجل يغسل أعلاها وأسفلها وجوانبها، تغسل من جميع جهاتها، إذن المسح كمسح الرأس يمسح من جميع جهاته، لكنه بهذا الحديث يبين ضعف الحديث السابق، وأن المسح إنما هو على الظاهر فقط.
قال: وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وأحمد، يعني وأبو حنيفة، يعني المسح على الظاهر فقط، وقال علي ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه ظاهرهما، أخرجه أبو داود، وحسنه الحافظ في البلوغ، وقال في التلخيص: إسناده صحيح، لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه؛ لأنه هو الذي يباشر الأرض، يباشر الأقذار، يباشر الأوساخ، وقد يباشر نجاسات، فيكون أسفله أعلى، لكن الدين دين اتباع، ليس عليك إلا أن تقول: سمعنا وأطعنا، ولا تعارض برأيك.
"قال محمد: وكان مالك بن أنس يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد".
يعني يضعفه، وصحح الترمذي عدة من أحاديثه، وقال في اللباس: ثقة حافظ، فعلى هذا الحديث أقل أحواله أنه حسن، يجب العمل به.
стр. 675
يقول الشوكاني في نيل الأوطار: ليس بين الحديثين تعارض يعني الذي يقول: يمسح أعلاه وأسفله والذي يقول: يمسح أعلاه فقط، ظاهره فقط، ليس بينهما تعارض، يقول: غاية الأمر أن النبي ﷺ مسح تارة على باطن الخف تارة على باطن الخف وظاهره، وتارة على ظاهره فقط، ولم يرو عنه ما يقتضي المنع من إحدى الصيغتين فكان جميع ذلك جائز وسنة.
أقول: كلام الشوكاني متجه أنه يخير بينهما لو صح حديث المغيرة في مسح أسفل الخف وأعلاه، لكنه لم يصح، والعبادات توقيف، فلا يتجه كلام الشوكاني حينئذٍ.
المسح على الخفين فرع عن غسل الرجلين، وثبت بالسنة أن الرجل اليمنى تغسل قبل الرجل اليسرى، والبدل له حكم المبدل، وعلى هذا تمسح الخف اليمنى قبل الخف اليسرى، تمسح الخف اليمنى قبل اليسرى، وإذا أدخل الخفين ورجلاه طاهرتان ساغ له أن يمسح، شريطة أن يكونا طاهرتين معاً؛ لأن هذا الأصل في الحال، ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)) وعلى هذا لو غسل الرجل اليمنى ثم أدخلها الخف ثم غسل الرجل اليسرى ثم أدخلها الخف على قول الأكثر لا يصح؛ لأنه أدخل اليمنى حال كون القدمين غير طاهرتين، والمطلوب طاهرتين معاً، حتى قال بعض أهل العلم: لتصحح مثل هذه الصورة إذا غسل اليمنى ثم أدخلها الخف ثم غسل اليسرى ثم أدخلها الخف لتصحيحها أن ينزع الخف اليمنى ثم يلبسها، من غير إحداث غسل، حتى قال من يقول: إن هذا عبث، مجرد يخلع الخف ثم يلبسه ليصحح المسح هذا عبث، لكنه اتباع أيضاً ((دعهما فإني أدخلتهما)) حال كونهما ((طاهرتين)) يعني معاً، مجتمعتين فلا بد أن تتم الطهارة ليسوغ المسح، ثم إذا تمت الطهارة ولبس الخفين وبدأ المسح من أول مسح، بدأت المدة من أول مسح كما تقدم، فإذا انتهت المدة صلى الفجر بالوضوء الكامل، غسل رجليه ولبس الخفين، ثم بعد ذلك لم يمسح عليهما إلا لصلاة الظهر، ينتهي المسح بوضوء الظهر؛ لأنه مسح الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.
стр. 676
الذي يقول من أول حدث يقول: إنه يبدأ المسح إذا جاء من صلاة الصبح وانتقضت طهارته من أول حدث بعد لبس، وهذا قول معروف عند أهل العلم يقول به الشافعية والحنابلة، والذي يقول من اللبس يقول: ما يمسح عليها الفجر؛ لأنه لبسها قبل صلاة الفجر، والقول المرجح أنه من أول مسح، مثل ما ذكرنا أنه في الحديث قال: ((يمسح المقيم)) فالعدة إنما هي للمسح، لا للبس ولا للحدث.
إذا تمت هذه المدة فإنه حينئذٍ لا يسوغ له أن يصلي حتى ينزع الخفين ويتوضأ وضوءاً كاملاً.
قد يقول قائل: إن تمام المدة أو نزع الخفين على الطهارة لم يذكر في نواقض الوضوء، نقول: نعم ليس بناقض للوضوء، لكنه إن صلى بالخفين بعد تمام المدة أو بعد نزعهما ولو لم تتم المدة قلنا: إنه صلى بقدم غير مغسولة، وخف غير مأذون بمسحها، فلا هذا ولا هذا، طهارة ناقصة، يعني الذي استمر وعليه الخف الطهارة لم تنتقض، يعني تمت المدة لصلاة الظهر جاءت صلاة الظهر وهو على طهارة، يقولون: لا يجوز أن تصلي صلاة الظهر حتى تنزع؛ لأن المدة تمت، أذن لك أن تمسح يوم وليلة، ما زاد على ذلك يجوز وإلا ما يجوز؟ لا يجوز، هذا حد من حدود الله لا تتعداه، لا تتعدى ما حد الله لك، فلا يجوز لك أن تتعدى هذه المدة.
يقول قائل: مثل الطهارة ما انقطعت، الطهارة تامة، نقول: هو يصلي بقدم غير مغسولة، هل يستطيع أن يقول: إني غسلت قدمي؟ يستطيع؟ ما يستطيع، هل يقول: إني أصلي بخف مأذون لي فيها؟ غير مأذون لك فيها، مأذون لك أن تمسح يوم وليلة فقط، وإذا خلعها مسح فرض فرضين ثم خلعها، لا يجوز له أن يصلي كذلك؛ لأنه ليس عليه خف ممسوح ولا رجل مغسولة، وعلى هذا المرجح أنه إذا تمت المدة لا يجوز له أن يستمر، وكذلك إذا خلع الخف فإنه لا يجوز له أيضاً أن يصلي ولو كانت الطهارة باقية؛ لأننا لو قلنا: إنه إذا خلع الخف طهارته كاملة، يرد على هذا أنه لو مسح أربعة أوقات ثم نزع الخف المدة ما زالت باقية، المدة المحددة شرعاً مازالت باقية، نزع الخف ثم لبسه، هل يمسح بعد لبسه وقت واحد، أو خمسة أوقات؟ نعم؟ هو بقي له وقت وما زال على طهارته، وأراد أن يلبسها.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 677
هو الآن مسح أربعة أوقات، قلنا: إنه مسح صلاة الظهر، ثم بعد ذلك صلى الفجر فنزعها، ثم لبسها، القول الذي قررناه أن الطهارة انتهت، الآن لا بد من لبسها على كمال الطهارة، يعني هل نقول بعد نزعه الخف وطهارته لم تنتقض، ومدته لم تنتهِ هل نقول: طهارته كاملة وإلا ناقصة؟ نعم؟ لا يخلو إما أن نقول: طهارة كاملة وإلا ناقصة؟ إن قلنا: ناقصة قلنا: خلاص بطلت، وإن قلنا: كاملة فله أن يلبس الخفين ويمسح خمسة أوقات، ولا قائل بهذا من أحد من أهل العلم، لا يقول بهذا من أهل العلم أحد.
ننتبه لهذه المسألة، يعني الذين يقولون: إنه إذا نزع الخف بعد أن مسح عليه وقتين ثلاثة ولم يحدث يقولون: هو طاهر، كما لو مسح على رأسه ثم حلقه، وهذا ما يقرره شيخ الإسلام ﵀.
نقول: إذا نزع الخف شيخ الإسلام يقول: طاهر، نقول: يا شيخ الإسلام هل طهارته ناقصة وإلا كاملة؟ لا يخلو إما أن يقول: ناقصة وإلا أن يقول: كاملة، إن قال ناقصة، قلنا: لا يصلي فيها؛ لأنه لا تصح الصلاة بطهارة ناقصة صح وإلا لا؟ إذا قال: كاملة يلزم عليه أنه يلبس الخفين على هذه الطهارة الكاملة ويستقبل خمسة أوقات جديدة؛ لأنه أدخلهما طاهرتين، أدخلهما حال كون الرجلين طاهرتين، وشيخ الإسلام ما يقول بهذا؛ لأنه يلزم عليه أن يمسح تسعة أوقات، هل يقول شيخ الإسلام بهذا؟ ما يقول بهذا، وعلى هذا لو نزع الخفين انتهت الطهارة، صارت الرجل لا مغسولة، وليس عليها خف، وكذلك لو تمت المدة الطهارة ناقصة، الرجل غير مغسولة، والخف غير مأذون بمسحها، وقياس الخف بعد نزعه على مسح الرأس ثم حلقه قياس مع الفارق، نقول: مسح الرأس طهارة أصلية، ومسح الخف على خلاف الأصل طهارة فرعية، ولا يقاس الفرع على الأصل، حتى في كلام شيخ الإسلام لو رجعتم إلى الاختيارات وجدتم أنه لا ينزل الفرع منزلة الأصل، وإن كان يقول: بقياس الخف على الرأس، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا، إذا قلنا ... ، لو قال: أدخلتهما طاهرتين، إذا كانت الطهارة كاملة ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)).
طالب:. . . . . . . . .
стр. 678
ما يمكن، ما يمكن، إن كانت ناقصة انتهى الإشكال انحلت، وإن كانت كاملة فليلبسهما وليستقبل خمسة أوقات، هذا مفاده ((دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)) أدخلهما طاهرتين فليستقبل خمسة أوقات، أما أن تلفق من هذا وهذا ما تجي.
سم.
عفا الله عنك.
قال -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين:
حدثنا هناد ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "توضأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين وإن لم يكن نعلين إذا كانا ثخينين.
قال: وفي الباب عن أبي موسى.
قال أبو عيسى: سمعت صالح بن محمد الترمذي قال: سمعت أبا مقاتل السمرقندي يقول: دخلت على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه فدعا بماء فتوضأ وعليه جوربان فمسح عليهما، ثم قال: فعلت اليوم شيئاً لم أكن أفعله مسحت على الجوربين غير منعلين.
يقول -رحمه الله تعالى-:
"باب: ما جاء في المسح على الجوربين والنعلين" والجوربان تثنية جورب، يقول في القاموس: الجورب لفافة الرجل، جمعه جواربة وجوارب.
قال ابن العربي: الجورب غشاء للقدم من صوف يتخذ للدفء وهو التسخان، يعني المسح على التساخين يعني الجوارب، والنعلين تثنية نعل، قال في القاموس: النعل ما وقيت به القدم من الأرض جمعه نعال، والمراد هنا إذا كان تحتهما جوربان، أما النعال التي لا تستر الكعبين فإنه لا يجوز المسح عليه، ما لا يستر المفروض لا يجوز المسح عليه.
قال: "حدثنا هناد ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا وكيع عن سفيان" وهو الثوري "عن أبي قيس" عبد الرحمن بن ثروان الأودي، صدوق "عن هزيل بن شرحبيل" ثقة مخضرم "عن المغيرة بن شعبة قال: "توضأ النبي ﷺ ومسح على الجوربين والنعلين".
стр. 679
"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان، وضعفه جمع من أهل العلم، منهم النسائي في الكبرى، وقال أبو داود في سننه: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به، وقال البيهقي: حديث منكر، ضعفه سفيان الثوري وابن مهدي وأحمد ويحيى بن معين وعلي بن المديني ومسلم بن الحجاج، والمعروف عن المغيرة المسح على الخفين، يعني لا على الجوربين والنعلين، مع أنه جاء عن جمع من الصحابة، وصححه الترمذي كما سمعتم، ولما نقل الشيخ أحمد شاكر أقوال من ضعفه وهم جمع غفير من أهل العلم قال: وليس الأمر كما قال هؤلاء الأئمة، والصواب صنيع الترمذي في تصحيح هذا الحديث، وهو حديث آخر، يعني إذا جعلنا هذا الحديث هو حديث المسح على الخفين قلنا: لا بد من تضعيفه، إذا قلنا: إنه حديث واحد إلا لو جاء الجمع بين مسح على الخفين، والجوربين، والنعلين، قلنا: حديث مشتمل على جمل أفرد بعضها وجمعت أحياناً، لكن من قال: إن حديث المسح على الخفين حديث المغيرة واحد، حديث واحد بجميع ألفاظه فلا شك أن بعض ألفاظه أرجح من بعض، ولذا يقول: وليس الأمر كما قال هؤلاء الأئمة والصواب صنيع الترمذي في تصحيح هذا الحديث، وهو حديث آخر؛ لأنه يلتبس على بعض طلاب العلم، لا يلتبس على الأئمة الذين ذكروا، لا، لكن يلتبس على بعض طلاب العلم أن يرد حديث في الباب عن صحابي ويرد حديث آخر في الباب عن نفس الصحابي، إذا كانت القصة واحدة فالحديث واحد، وإذا كانت القصص متعددة فأحاديث؛ لأن المدار في الجمع والتفريق على الراوي، على المخرج، على الصحابي، يعني إذا روي عدة جمل فمثلاً روى البخاري بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) وعن أبي هريرة أيضاً قال رسول الله ﷺ : ((من قام ليلة القدر غفر له ما تقدم من ذنبه)) هل هذه أحاديث ثلاثة أو ثلاث جمل من حديث واحد؟ هل هي أحاديث ثلاثة، أو حديث واحد فرقه البخاري؟ هو مخرجه واحد، الذي عندنا أيضاً مخرجه المغيرة واحد، ويقول أحمد شاكر: وهو حديث
стр. 680
آخر، هذا لا يمكن الجزم بقاعدة مطردة أن كل ما جاء من هذا النوع حديث واحد أو أحاديث، بل لا بد من قرائن تحتف بذلك، وهنا الأئمة كلهم جعلوه حديثاً واحداً، وضعفوا هذا اللفظ؛ لأن حديث المسح على الخفين أرجح، فحكموا للراجح بأنه هو المحفوظ، والمرجوح بأنه شاذ.
أحمد شاكر قال: ليس الأمر كما قال هؤلاء الأئمة والصواب صنيع الترمذي في تصحيح هذا الحديث، وهو حديث آخر غير حديث المسح على الخفين، وقد روى الناس عن المغيرة أحاديث المسح في الوضوء، فمنهم من روى المسح على الخفين، ومنهم من روى المسح على العمامة، ومنهم من روى المسح على الجوربين، وليس شيء منها بمخالف للآخر، إذ هي أحاديث متعددة، وروايات عن حوادث مختلفة، نعم إذا أثبتنا أنها حوادث مختلفة لا شك أنها تكون أحاديث، ولو كان الصحابي واحد، والمغيرة صحب النبي ﵊ نحو خمس سنين، فمن المعقول أن يشهد من النبي ﵊ وقائع متعددة في وضوئه ويحكيها، فيسمع بعض الرواة منها شيئاً، ويسمع غيره شيء آخر، وهذا واضح بديهي.
على كل حال مثل هذا الكلام للشيخ أحمد شاكر هو لا شك من علمه ومعرفته وخبرته واطلاعه على خفايا العلل ودقائقها، لكن قوله لا يقابل أو يقارن بأقوال الأئمة السابقين.
قال: "وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ " قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وابن مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد عمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، وقال ابن المنذر: يروى المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي ﷺ ، وأوصلهم ابن القيم إلى ثلاثة عشر صحابياً.
يعني المسح على الجوربين معوله على الحديث، وقد ضعفه من سمعتم من أهل العلم، أو المعول على صنيع هؤلاء الصحابة مجتمعين، وأنهم لا يمكن أن يعملوا؟ علي بن أبي طالب، ابن مسعود، البراء، أنس، أبو أمامة، سهل بن سعد، عمرو بن حريث، عمر بن الخطاب، ابن عباس، هؤلاء تسعة، قال ابن المنذر: يروى المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة، وأوصلهم ابن القيم إلى ثلاثة عشر صحابياً.
стр. 681
يعني هؤلاء مجتمعين فيهم القدوة، ومن عمل بالمسح على الجوربين قال: أولاً: عمل هؤلاء الصحابة واحتمال ثبوت الحديث، ولما في الجورب من معنى الخف؛ لأنه يستر القدم ويشق نزعه كالخف.
قال: "وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: يمسح على الجوربين وإن لم تكن نعلين" يعني وإن لم يوجد نعلان، وإن لم يكن مع الجوربين نعال، فإنه يمسح عليها، أي وإن لم يوجد نعلان أو لم يكن الجوربان منعلين والتنعيل بالنسبة للجورب ليس معنى هذا أنه يلبس الجورب ويلبس النعل فوقه، لا، إنما ينعل من الأسفل، فيوضع الجلد على أسفله.
"إذا كانا ثخينين" أي غليظين، يستران المفروض، فالمخرق الذي لا يستر المفروض أو الخفيف الذي تبدو معه البشرة هذا لا يسمح عليه؛ لأن ما ظهر من محل الفرض فرضه الغسل بخلاف ما خفي، وإذا وجد خرق أو خفة في الجورب تبين معها الرجل وتظهر فإنه حينئذٍ لا يمسح عليه؛ لأن ما برز وظهر محله أو فرضه الغسل.
"إذا كانا ثخينين" أي غليظين، وعلم من هذا القيد أن الجوربين إذا كانا رقيقين لا يجوز المسح عليهما عند هؤلاء الأئمة، وبقولهم قال: صاحبا أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد.
"قال: وفي الباب عن أبي موسى" وهو مخرج عند ابن ماجه.
"قال أبو عيسى -يعني هذا المقطع الجاي أربعة أسطر لا توجد في كثير من النسخ زيادة-: "سمعت صالح بن محمد الترمذي قال: سمعت أبا مقاتل السمرقندي يقول: دخلت على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه فدعا بماء فتوضأ وعليه جوربان فمسح عليهما، ثم قال: فعلت اليوم شيئاً لم أكن أفعله مسحت على الجوربين وهما غير منعلين".
وهذا يدل على أن المسح على الجوربين كان آخر الأمرين من حال أبي حنيفة كقول صاحبيه وقول بقية الأئمة.
سم.
عفا الله عنك.
قال -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء في المسح على الجوربين والعمامة:
стр. 682
حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سليمان التيمي عن بكر بن عبد الله المزني عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه ﵁ قال: توضأ النبي ﷺ ومسح على الخفين والعمامة، قال بكر: وقد سمعت من ابن المغيرة، قال: وذكر محمد بن بشار في هذا الحديث في موضع آخر أنه مسح على ناصيته وعمامته، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن المغيرة بن شعبة، ذكر بعضهم المسح على الناصية والعمامة ولم يذكر بعضهم الناصية.
وسمعت أحمد بن الحسن يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان.
قال: وفي الباب عن عمرو بن أمية وسلمان وثوبان وأبي أمامة.
قال أبو عيسى: حديث المغيرة بن شعبة حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وعمر وأنس وبه يقول الأوزاعي وأحمد وإسحاق قالوا: يمسح على العمامة.
قال أبو عيسى: وسمعت الجارود بن معاذ يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: إن مسح على العمامة يجزئه للأثر.
فيه تقديم وتأخير، ففي طبعة الشيخ أحمد شاكر قال: "وقال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي.
قال أبو عيسى: وسمعت الجارود بن معاذ ... إلى آخره.
على كل حال هو سيأتي في النسخ الأخرى، نعم.
عفا الله عنك.
حدثنا هناد قال: حدثنا على بن مسهر عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال ﵁ أن النبي ﷺ مسح على الخفين والخمار.
حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق هو القرشي عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: "سألت جابر بن عبد الله عن المسح على الخفين فقال: السنة يا ابن أخي، قال: وسألته عن المسح على العمامة فقال: أمس الشعر الماء.
стр. 683
وقال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين: لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"باب: ما جاء في المسح على العمامة" العمامة معروفة، وهي ما يوضع على الرأس، ولبسها النبي ﵊، وقال جمع من أهل العلم بسنيتها، وجاء ما جاء في تفضيل الصلاة بالعمامة، وإن كان فيه ضعف.
على كل حال العمامة جاءت بها النصوص الكثيرة، ويختلفون هل هي من باب الاقتداء فتكون سنة أو هي من باب العادات والألبسة مردها إلى العادات والأعراف فلا تكون سنة حينئذٍ إلا إذا عرفت في بلد من البلدان؟
قال: "حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد -القطان- عن سليمان التيمي عن بكر بن عبد الله المزني -ثقة- عن الحسن -البصري- عن ابن المغيرة بن شعبة -حمزة بن المغيرة بن شعبة- عن أبيه قال: توضأ النبي ﷺ ومسح على الخفين" وهذا أدلته كثيرة "والعمامة" وهو ما يغطى به الرأس، جمعها عمائم.
стр. 684
"قال بكر: وقد سمعت من ابن المغيرة" يعني سمعت هذا الحديث من ابن المغيرة أي: بلا واسطة الحسن، يعني مرة سمعه منه بواسطة، ومرة سمعه منه بغير واسطة، قال: وذكر محمد بن بشار في هذا الحديث في موضع آخر أنه مسح على ناصيته وعمامته، والناصية مقدم الرأس، وفي رواية لمسلم: "مسح على الخفين ومقدم رأسه، وعلى عمامته" يعني إذا كان المسح على الناصية والعمامة عند من يقول بإجزاء مسح بعض الرأس كالأئمة الثلاثة ومن يقول بقولهم، هذا ما فيه إشكال، إلا إذا كان الظاهر بعد العمامة أقل من الربع على ما يقوله الحنفية، هم يقولون: بمسح بعض الرأس، جزء من الرأس كقول الشافعية والمالكية، وعلى هذا إذا مسح على الناصية سقط فرضه ومسحه على العمامة استحباب، والذي يقول بوجوب تعميم الرأس بالمسح يقول: المسح على العمامة مقصود شرعي، وحكم شرعي ثبت بمثل هذا الحديث وغيره، أما الذي يقول: بمسح بعض الرأس هذا ما عنده إشكال، لو لم يمسح العمامة ما تأثر وضوؤه، لكن الإشكال فيمن يرى مسح جميع الرأس، فلا بد أن يقول بجواز المسح على العمامة، أو بوجوب نزعها عند الوضوء واستيعاب الرأس بالغسل.
"وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن المغيرة بن شعبة، وذكر بعضهم المسح على الناصية والعمامة ولم يذكر بعضهم الناصية".
ولا شك أن الذاكرين للناصية ثقات حفاظ، فزيادتها مقبولة، ولو اقتصر على العمامة ولم يمسح شيئاً من الرأس لم يجزه عند الثلاثة، وذهب أحمد إلى جواز الاقتصار على العمامة قاله النووي، ويدل لمذهب أحمد حديث الباب، مسح على الخفين والعمامة.
أما حديث مسح على ناصيته وعمامته فلا يدل على مذهب أحمد، وإن دل على مذهب الجمهور، الذين يقولون بالاكتفاء بمسح بعض الرأس.
стр. 685
"وسمعت أحمد بن الحسن يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان" إمام من أئمة المسلمين صاحب تحري وتثبت، بل يرمى بالتشديد، على كل حال هو من أئمة المسلمين حتى قال: الإمام أحمد: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان، ويلتبس بأبي الحسن بن القطان الفاسي، يلتبس به؛ لأن أقواله تدور قال ابن القطان، قال ابن القطان في كتب الرجال، في كتب الحديث، يلتبس بهذا، وهذا متقدم وذاك متأخر، أبو الحسن بن القطان الفاسي صاحب (بيان الوهم والإيهام).
قال: "وفي الباب عن عمرو بن أمية وسلمان وثوبان وأبي أمامة".
أما حديث عمرو بن أمية فهو مخرج في المسند والبخاري وابن ماجه، وسلمان في المسند والترمذي، وثوبان في المسند أيضاً وأبي داود، وحديث أبي أمامة عند الطبراني، وكذلك عنده أحاديث خزيمة بن ثابت، وأبي طلحة وأبي ذر وأنس عند البيهقي، وله طرق، وفي الباب أحاديث كثيرة عن جمع من الصحابة يراجع لها نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية للزيلعي.
"قال أبو عيسى: حديث المغيرة بن شعبة حديث حسن صحيح" وأخرجه مسلم لكن بزيادة الناصية، ووهم ابن المنذر حيث قال: متفق عليه؛ لأن البخاري لم يخرجه "وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر وعمر وأنس وبه يقول الأوزاعي وأحمد واسحاق قالوا: يمسح على العمامة".
واختلفوا: هل يشترط أن تلبس على طهارة كالخف؟ وهل لها وقت محدد كالخف يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر؟ فقال أبو ثور: يشترط، وبه يقول أيضاً الحنابلة أنها كالخف، يعني غاية أمرها مع الخلاف فيها أنها كالخف، والخف يشترط فيه ذلك، إذاً يشترط فيها ذلك، وورد التوقيت عند الطبراني لكنه ضعيف، "وقال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين: لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة" يعني يكمل مسح الرأس بمسح العمامة "وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي".
стр. 686
قال ابن حجر: اختلف السلف في معنى المسح على العمامة فقيل: إنه كمل عليها بعد مسح الناصية، وبه قال الجمهور، وتقدم في كلام الترمذي ذكر القائلين بالاقتصار على مسحها، وأنها كالخف، تمسح على سبيل الاستقلال.
"قال أبو عيسى: وسمعت الجارود بن معاذ يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: إن مسح على العمامة يجزئه للأثر" يعني للحديث الوارد في ذلك.
قال: "حدثنا هناد قال: حدثنا على بن مسهر عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال أن النبي ﷺ مسح على الخفين والخمار".
نعم مسح على الخفين، ومسح على العمامة، لكن كيف يمسح على الخمار والخمار للنساء؟ المراد به ما هو أعم من ذلك، وهو ما يخمر ويغطى به الرأس، فالمقصود به العمامة.
قال: "حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق -بن عبد الله بن الحارث- القرشي" العامري المدني ثقة "عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر" أخو سلمة، وقيل: هو سلمة، مقبول كما قال ابن حجر، قال: "سألت جابر بن عبد الله عن المسح على الخفين؟ فقال: هو السنة يا ابن أخي، قال: وسألته عن المسح على العمامة؟ فقال: أمس الشعر الماء" يعني لا تمسح على العمامة فقط، بل لا بد من الجمع بين العمامة ومسح الشعر.
"فقال: أمس الشعر الماء" قال ابن قدامه: وان نزع العمامة بعد المسح عليها بطلت طهارته.
أمس الشعر: فعل أمر من الرباعي أمس يمس، وجاء: مُس الماء من الثلاثي.
يقول ابن قدامة: وان نزع العمامة بعد المسح عليها بطلت طهارته نص عليه أحمد، يعني كما لو نزع الخف، قال: والتوقيت فيها كالتوقيت في مسح الخف، وفي موطأ محمد: أن المسح على العمامة منسوخ، لكنه لم يذكر المستند، ولا شك أنه ثابت عن النبي ﵊، لكن هل تمسح على جهة الاستقلال، أو تمسح تكميلاً لمسح الرأس، هذا محل الخلاف، فالحنابلة يقولون: بشروطها: أن تكون محنكة، وأن تكون ذات ذؤابة، تمسح استقلالاً ولو لم يمسح معها شيء من الرأس، والجمهور يقولون: لا بد من مسح جزء من الرأس.
طالب:. . . . . . . . .
يعني مسح على الخفين؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 687
هذه ما في شك أن (على) تدل على العلو، لكن لقائل أن يقول: لو لم يرد نص في ذلك لقلنا: إن البدل له حكم المبدل، وما دام الرجل تغسل من جميع الجهات فالخف يمسح من جميع الجهات، وجاء ما يدل على أنه مسح على الخف وأسفله، نعم، وعلى كل حال المرجح أن المسح لأعلى الخف.
يقول: ذكرتم أن دميم الخلقة إذا دعا بتحسين خلقه يعتبر اعتداء في الدعاء، فما تقولون: في حديث الأبرص والأقرع والأعمى؟
هذا في شرع من قبلنا، وعلى كل حال السنن الإلهية لا تتغير، يعني لو دعا أن تنقلب سيارته من كذا إلى كذا؛ لأن بينهما فرق وبون شاسع في القيمة وفي الشكل وفي الاستعمال، أو زوجته تنقلب من كذا إلى كذا، أو بيته ينقلب من كذا إلى كذا، هذا مخالف للسنن الإلهية فلا يدعى به؛ لأنه اعتداء.
стр. 688
شرح سنن الترمذي - أبواب الطهارة (٢٣)
شرح: باب: ما جاء في الغسل من الجنابة، وباب: هل تنقض المرأة شعرها عند الغسل؟ وباب: ما جاء أن تحت كل شعرة جنابة، وباب: ما جاء في الوضوء بعد الغسل، وباب: ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل، وباب: ما جاء أن الماء من الماء.
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا يقول ما الدليل على الصلاة على النبي ﵊ في التشهد الأول؟ وكيف الجمع بينها وبين ما صحت به السنة أنه ﵊ كأنه على الرضف، يعني الحجار المحماة؟
أولاً: صحت به السنة لم تصح به السنة، الحديث ضعيف عند أهل العلم، وأما الصلاة على النبي ﵊ في التشهد الأول فقال به جمع من أهل التحقيق، وإن كان الجمهور على خلافه، وأن التشهد الأول ينتهي بالشهادة، وما يستدل به بالصلاة على النبي ﵊ في التشهد الثاني يستدل به في التشهد الأول، هذه حجة من يقول: بأنه يصلى على النبي ﵊ في التشهد الأول، ويقول: وكذلك أن الصلاة على النبي ﵊ من جنس الدعاء لا من جنس التشهد ثم ليتخير من المسألة ما شاء يعني بعد انقضاء التشهد، وعلى كل حال سواء تشهد أو لم يتشهد الأمر فيه سعة -إن شاء الله تعالى-.
فعلى هذا لو أطال الإمام التشهد الأول فهل يصلي على النبي ﵊؟ أو يكرر التشهد الأول أو يسكت؟ الذين لا يرون الصلاة على النبي ﵊ في التشهد الأول وأنها ركن في غير موضعه قالوا: يسكت أو يكرر التشهد، لكن الذين قولون: الأمر في سعة، وأن الدليل الذي يثبت به الصلاة على النبي ﵊ في التشهد الثاني هو نفسه الدليل الذي يثبت به في التشهد الأول، ومثلما قلنا: الأمر -إن شاء الله- فيه سعة.
قال: ما حكم من يجمع بين قراءتين أو روايتين مثلاً يقرأ بحفص وشعبة في آن واحد؟
стр. 689
التلفيق عند جمع من أهل العلم مردود، مردود عند جمع، وإن كانت القراءة كلها متواترة، ومنهم من يرى أنها ما دامت ثابتة عن النبي ﵊ بالسند المتواتر، وأنها قراءة تجوز القراءة بها إجماعاً فلا مانع أن يقرأ آية أو كلمة على قراءة والثانية على قراءة أخرى، وعموماً أهل العلم يكرهون مثل هذا التلفيق كراهة شديدة حتى في الحديث، الذي بابه أوسع من القرآن، حتى في الحديث، والمسألة مفترضة فيما يقرأ بينه وبين نفسه أو يقرأ لنفسه أما من يقرأ للناس في الصلاة فلا يجوز التشويش عليهم، والتطرق الخلل إلى معتقدهم في القرآن؛ لأن عامة الناس لا يعرفون هذه الأمور.
يقول: وكذلك لو سمعت إماماً يقرأ بالصلاة ثم أخطأ وهذا الخطأ موافق لقراءة أخرى فهل أرد عليه مثل يعملون وتعملون؟
مثلما قلنا: عند من يمنع ويشدد في المنع وهذا قول معروف عند أهل العلم ترد عليه ما دام ماشي على قراءة وما قرأه في التعقيب: يعملون وتعلمون مخالف لهذه القراءة ترد عليه، وعند ما يسامح في هذا ويتوسع والتشويش على عامة الناس أمر مرفوض، وكان السبب الأول في جمع القرآن هو خشية أن يفتتن الناس؛ لأن هذا الخلاف في أصل من أوصل الدين، الذي هو القرآن فإذا وقع فيه الاختلاف لا شك أن القلوب تتنافر ويحصل الخلل والفرقة؛ لأن أعظم ما يجمع الناس كلام الله -جل وعلا- القرآن الذي لا اختلاف فيه.
يقول: كيف نشأت القراءات ونحن نعلم أن القراءات بعد زمن النبي ﵊؟
يعني وجود القراء بعد زمن النبي ﵊ لا يعني أن القراءات بعد زمنه ﵊ بل كل هذه القراءات متلقاة عنه ﵊، عنه عن جبريل عن رب العزة -جل وعلا-، ما دامت متواترة فهي ثابتة عنه ﵊، ولا يجوز أن يقال: أنها بعد وفاة النبي ﵊، نعم القراء بعد زمن النبي ﵊، لكن هم يتلقونها بالأسانيد المتواترة القطعية، تواتر الطبقة جيل عن جيل إلى أن وصلوا إلى النبي ﵊.
يقول: وأن عثمان ﵁ جمع القرآن على حرف قريش؟
стр. 690
نعم كانت القراءة على الأحرف السبعة توسعة على الناس، لما دخلوا في الإسلام وهم متفاوتون متباينون في السن وفي اللهجات يصعب على القبيلة هذه أن تنطق بهذا الحرف، ويصعب على القبيلة الأخرى أن تنطق بالحرف الآخر، ويصعب على الكبير أن ينطق بما ينطق به الصغير وهكذا؛ لأن كبار السن يصعب عليهم التعلم، وشواهد الأحوال موجودة الآن، لو تأتي بكبير ستين سبعين سنة وتعلمه الحروف وتعلمه القرآن من جديد صعب عليه جداً، بل بعضهم يستحيل تعليمه، بعض كبار السن يستحيل تعليمه، وبعضهم يقبل التعليم على صعوبة، على كل حال هذه توسعة القراءة على سبعة أحرف، ثم لم رأى عثمان ﵁ أن جمعهم على حرف واحد هو الذي يجمع قلوبهم على هذا الأصل الأصيل، ووافقه جميع الصحابة لم يخالفه أحد منهم، وثبت هذا بإجماع من الصحابة، والإجماع لا يثبت إلا بدليل يعني يكون له أصل ومستند من مشكاة النبوة، فعلى هذا لا يجوز القراءة على .. ، أو القراءة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان، على هذا يقرر أهل العلم.
يقول: في قوله ﵊: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)) فهل هذا يدل على أن العبادات كالنوافل في الصلاة والذكر أفضل من غيرها أم أنه مجرد خبر؟
стр. 691
من أهل العلم من يرى أنه مجرد خبر، مجرد خبر كما جاء في النيل والفرات وسيحان وجيحان من أنهار الجنة، مثلها أنها لا مزية لها على غيرها، ولو لم يرد إلا هذا لقلنا: إن هذه الروضة مثل تلك الأنهار، يعني ما يشرع أن الإنسان يذهب إلى النيل أو إلى الفرات يغتسل فيها؛ ليغتسل بينها، لا، لكن ورود مثل قوله ﵊: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) يدل على أن هذه الروضة لها مزية، لها مزية وهي من رياض الجنة، ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) وأما تفسير رياض الجنة بأنها حلق الذكر فهذا تفسير بفرد من أفراد العام لا يقتضي التخصيص، كما في قوله -جل وعلا-: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [(٦٠) سورة الأنفال] ((ألا إن القوة الرمي)) يقول ﵊، تخصيص القوة بالرمي لا يعني أن نقتصر عليه ولا نستعمل غيره مما نتقوى به على الأعداء، فهذا تنصيص على فرد من أفراد العام وهو عند أهل العلم لا يقتضي التخصيص، فروضة من رياض الجنة ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) يبقى مسألة وهي مسألة سد الذريعة، يعني لو كان الشخص ممن ينظر إليه ويقتدى به ويظن بعض الجهال أن لهذا الروضة مزية غير ما يتعبد به من قراءة، من تلاوة، من صلاة، من ذكر، قد يظن أنه يتبرك بها، ولولا أنه يتبرك بها ما جاء إليها هذا الشخص الذي ينظر إليه ويقتدى به، إذا خشي من ذلك أن يضل الناس بسببه يترك سداً للذريعة، وإلا فالأصل قوله ﵊: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)).
يقول: ماذا عن كتاب إحياء علوم الدين؟
стр. 692
إحياء علوم الدين للغزالي كتاب معروف ومشهور ومتداول، وهو في جميع الأقطار الإسلامية له شأن عظيم، هو ديدن عند كثير من المسلمين، في كثير من الأقطار، لكنه فيه شوب البدعة واضحة، والخروج عن منهج السلف الصالح في كثير من المباحث العقدية، وفيه أيضاً أخبار باطلة لا أصل لها، وأحاديث موضوعة، هذا موجود، وفيه فوائد لا سيما ما يتعلق بأمراض القلوب، ومن هنا جاء التشديد في أمره بالنسبة لشيوخنا وشيوخهم إلى أئمة الدعوة كلهم لا يرون القراءة في هذا الكتاب لما فيه من مخالفات عقدية، وفيه أحاديث باطلة، وفيه مسائل معروفة، ومعروف أن الغزالي من حيث الاعتقاد أشعري من الأسماء والصفات وغيرها وهو أيضاً متصوف، قد شاب الزهد الديني بالفلسفة القديمة، فمنهجه في هذا خاطئ وباطل -نسأل الله العافية- وعنده طوام، لكن لا يعني أن طالب العلم الذي يميز بين الحق والباطل يمنع من الإفادة منه، نعم لما كان الأمر على الحيطة والحذر وإمكان تحقيق هذه الحيطة بمنع الكتاب كان لا يوجد في البلد مثلاً إلا نسخة واحدة هذه يمكن منع الإطلاع عليها، لكن الآن كم طبع الكتاب من طبعة؟ وكم من نسخة في كل طبعة؟ وكم من نسخة في بيت كل طالب علم من طلاب العلم الآن؟ هذا لا يمكن منعه، وعلى هذا ينبه على خطأه، وفي تقديري أن لو انبرى له طالب علم بارع متميز وقرأه وعلق عليه وبين الأخطاء التي فيه يمكن أن يستفاد منه، أما في وضعه الحالي فطالب العلم المتوسط قد لا يتخلص من كثير من مخالفاته.
يقول: ما صحت حديث: ((رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً))؟
الحديث حسن، فليحرص طالب العلم على هذه الأربع الركعات.
يقول: بيع السواك بين الأذان والإقامة ما حكمه؟
إذا كان خارج المسجد فلا بأس به.
يقول: ما مفهوم قول الإمام أحمد: فقه الحديث أحب إليّ من حفظه؟
стр. 693
واضح أن الثمرة العظمى من النصوص هي العمل، هي العمل والعمل لا يتم إلا بعد الفقه والاستنباط، هذا مهم جداً بالنسبة لطالب العلم فهم النصوص والاستنباط من النصوص، العمل بالنصوص هذه هي الثمرة العظمى، وما الحفظ سواء كان في الصدر أو في الكتاب إلا من أجل أن تفهم هذه النصوص، ويستنبط منها، ويعمل بها، لكن لا يعني هذا أننا نقلل من شأن الحفظ، لا، الحفظ هو الذي يسعفك في كل وقت، مثل ما قيل: "من عمدته الحفظ كمن زاده التمر، ومن معوله على الكتاب كمن زاده البر" التمر في أي وقت احتجت إليه تأكله، لكن البر، البر يحتاج إلى طحن، يحتاج إلى طبخ، يحتاج إلى معاناة، فالذي حفظه في كتابه يحتاج إلى مراجعة الكتاب، وأما الذي حفظه في صدره فلا يحتاج، والحافظة موهبة من الله -جل وعلا- قد لا يستطيعها كثير من الناس، لكن الفهم الفهم، مثلما قلنا: إن المعول على هذا التفقه والاستنباط والعمل، التفقه والاستنباط من أجل العمل، فعلى هذا الفقه له شأن عظيم في هذه النصوص.
يقول: هل هناك من جمع اختيارات ابن حجر الفقهية وكذلك الحديثية؟
في بحوث كثيرة جداً حول ابن حجر لا سيما ما يتعلق بالحديث، أما بالنسبة للفقه فهي قليلة.
يقول: هل يجوز النظر إلى المرأة الكبيرة التي لا أجد في النظر إليها فتنة لأجل السلام عليها؟
النظر ممنوع من الرجال إلى النساء، وكونها كبيرة أو لا تشتهى نعم هذا يخفف في المسألة، لكن لا يبيح لك أن تنظر إليها من غير حجاب، يجب عليها الحجاب إلا إذا كانت من القواعد التي لا ترجو نكاحاً فيخفف في أمر حجابها.
يقول: هل قال أحد بطهارة المذي؟
أولاً: حكمه أنه نجس نجاسة مخففة عند أهل العلم يكتفي فيها بالنضح ليست كنجاسة البول، ومنهم من نظر إلى هذا التخفيف الوارد من الشرع فقال بطهارته كالمني.
يقول: إذا أعطيت شخصاً زكاة على أنه يصلي في بيته ثم تبين عدم صحة ذلك يعني أنه لا يصلي البتة -نسأل الله السلامة والعافية-، فهل أعيد دفع الزكاة؟
стр. 694
إذا كنت تحريت وبحثت وسألت وأعطيته من أجل أن يستمر على ملازمة العبادة؛ لأنه لا يستطيع الحضور إلى المسجد، أما إذا كان يصلي في بيته وهو يستطيع الحضور إلى المسجد فمثل هذا يهجر، ولا يعطى من الزكاة، ويبين له أن منعه من الزكاة من أجل عدم حضوه الجماعة لعلى ذلك أن يكون رادع له عن معصيته التي ارتكبها؛ لأن الصلاة مع الجماعة واجبة وهو عاصٍ بتركها.
يقول: أليس إذا غسل رجلاً ثم أدخلها ثم غسل الثانية ثم أدخلها في الخف يكون قد أدخلهما طاهرتين؟ فقوله: ((طاهرتين)) حال للثنتين جميعاً وليس لواحدة، فلو قال: إني أدخلتهما طاهرتين أي أحد القدمين صح الاستدلال فما قولكم؟
هذه المسألة، السؤال هذا استعجلنا أو أعجلنا في مسألة بحثها أهل العلم ونذكرها في موطنها -إن شاء الله تعالى-، لكن نشير إليها الآن، يعني إذا غسل العضو ارتفع الحديث عنه وإلا الحدث شيء واحد لا يرتفع إلا إذا اكتملت الطهارة؟ بمعنى أنه لو غسل وجهه وغسل يديه يجوز أن يمس المصحف قبل أن يغسل قدميه؟ يجوز وإلا ما يجوز؟ إذاً لا يرتفع الحدث ولا يصح وصف الرجل بأنها طهارة حتى يغسل الثانية.
يقول: إذا كان من أصول الحنفية أن الزيادة على القرآن نسخ فكيف يرون المسح على الخفين مع أن الآحاد عندهم لا ينسخ القرآن؟
أولاً: المسح على الخفين ورد بالتواتر القطعي، وينسخ به القرآن عند من لا يرى نسخ القرآن بالآحاد، لكن هناك مسائل كثيرة ثبتت بأحاديث آحاد وقالوا بها، مسائل كثيرة لم تثبت إلا أنها وردة بأحاديث ضعيفة وقالوا بها، فبهذا يلزمون، يلزمون بنقض هذه القاعدة.
سم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء في الغسل من الجنابة:
стр. 695
حدثنا هناد قال: حدثنا وكيع عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس ﵄، عن خالته ميمونة ﵂ قالت: "وضعت للنبي ﷺ غسلاً فاغتسل من الجنابة فأكفأ الإناء بشماله على يمينه فغسل كفيه، ثم أدخل يده في الإناء فأفاض على فرجه، ثم دلك بيده الحائط أو الأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه ثلاثاً، ثم أفاض على سائر جسده، ثم تنحى فغسل رجليه".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وفي الباب عن أم سلمة وجابر وأبي سعيد وجبير بن مطعم وأبي هريرة.
حدثنا بن أبي عمر قال: حدثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء، ثم غسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يشرب شعره الماء، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وهو الذي اختاره أهل العلم في الغسل من الجنابة أنه يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفرغ على رأسه ثلاث مرات، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ثم يغسل قدميه، والعلم على هذا عند أهل العلم.
وقالوا: إن انغمس الجنب في الماء ولم يتوضأ أجزأه، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"باب: ما جاء في الغسل من الجنابة" الجنابة في الأصل البعد، الجار الجنب يعني البعيد، سمي جنباً لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [(٤٣) سورة النساء] ومنهي أن يقرب موضع الصلاة اللي هو المسجد، فعليه أن يبتعد عنه، وقيل: لمجانبته الناس حتى يغتسل، مع أن المسلم طاهر، وفي حديث أبي هريرة أنه لما لقي النبي ﵊ انخنس، ابتعد عنه؛ لأنه كان جنباً، فالأصل في التسمية هو هذا، وأن الجنب يبتعد عن الناس، ويبتعد عن مواطن الصلاة.
стр. 696
والجنب يقع على الواحد والاثنين والجمع المذكر والمؤنث، فتقول: هذا جنب وهذه جنب وهذان جنب وهؤلاء جنب ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ [(٦) سورة المائدة] فاللفظ يقع على هذه الأحوال المختلفة في حال الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، مثل طفل ثم إيش؟ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [(٦٧) سورة غافر] ما قال: أطفالاً فيستوي في المذكر والمؤنث والمثنى والمفرد والجمع، والجنب المراد به الذي يجب عليه الغسل بجماع أو إنزال.
قال -رحمه الله تعالى-:
"حدثنا هناد" وهو ابن السري مر مراراً "قال: حدثنا وكيع" هو الإمام وكيع بن الجراح الرؤاسي "عن الأعمش" سليمان بن مهران "عن سالم بن أبي الجعد" الأشجعي الكوفي ثقة، وهو من رجال الكتب الستة "عن كريب" بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم، ولى ابن عباس، وهو ثقة أيضاً "عن -عبد الله- ابن عباس" ﵁ حبر الأمة، وترجمان القرآن ﵃ "عن خالته ميمونة" بن الحارث الهلالية، زوج النبي ﵊، تزوجها النبي ﵊ وبنى بها في سرف، وماتت سنة إحدى وخمسين بسرف، نفس المكان "قالت: وضعت للنبي ﷺ غسلاً" يعني ماء يغتسل به، الماء الذي يغتسل به يسمى غسل، كالأكل لما يؤكل ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ [(٣٥) سورة الرعد] يعني ما يؤكل "فاغتسل" يعني: أراد الاغتسال، لأنه مر بنا مراراً أن الفعل الماضي يطلق ويراد به الفراغ من الشيء، وهذا هو الأصل، ولذا سمي ماضياً، ويطلق الفعل الماضي ويراد به الشروع فيه، ويطلق ويراد به إرادة الفعل، هنا أراد أن يغتسل "فاغتسل من الجنابة" أو يقال: شرع فيها؟ و (من) في قوله: "من الجنابة" سببية، يعني بسببها "فأكفأ الإناء" يعني أماله، ومثله أصغى "فأكفاء الإناء بشماله على يمينه، فغسل كفيه" يعني أخذ بيمينه فغسل بها الكفين، اليمنى واليسرى، والكف إلى المفصل إلى الرسغ "ثم أدخل يده في الإناء" في الجملة الأولى "فأكفأ بشماله على يمينه فغسل كفيه" ثم بعد ذلك لما غسل كفيه ساغ أن يدخل اليد في الإناء، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها، إما على سبيل الاستحباب أو على سبيل الوجوب في حالة ما إذا قام من النوم.
стр. 697
"ثم أدخل يده في الإناء فأفاض على فرجه" يعني صب الماء على فرجه بيده اليمنى وغسله باليسرى "ثم دلك بيده الحائط" الحائط الجدار "أو الأرض" شك هل دلك بيده؟ أو شكت هل دلك بيده ﵊ الحائط أو الأرض؟ المقصود أنه إذا غسل فرجه يدلك يده بالأرض أو بالحائط ليذهب إن كان فيها شيء علق بها من هذا المكان، ومنهم من يقول: إن هذه من أجل إذهاب الرائحة؛ لأن مثل هذا الدلك يقضي على الرائحة، وإلا فالماء يذهب عين النجاسة "ثم دلك بيده الحائط أو الأرض، ثم مضمض واستنشق" مضمض واستنشق، غسل يديه ثم غسل فرجه وما تلوث بسبب الجماع ثم مضمض واستنشق "وغسل وجهه وذراعيه" يبدأ بالمضمضة والاستنشاق ثلاثاً كما هو السنة في الضوء من كف واحدة "وغسل وجهه وذراعيه" غسل وجهه المعروف الحدود: من منابة شعر الرأس طولاً ومن الذقن إلى الأذن عرضاً "وذراعيه" والذراع يطلق على الكف والساعد "ثم أفاض على رأسه ثلاثاً" ثم أفاض يعني الماء على رأسه ثلاثاً، وظاهره أنه لم يمسح رأسه، لم يمسح رأسه، ولم يكمل وضوءه، يعني غسل يديه وفرجه، ثم مضمض واستنشق، غسل وجهه وذراعيه، ثم بعد ذلك أفاض الماء على رأسه ثلاثاً، وهذه الإفاضة تابعة للوضوء وإلا للغسل؟ للغسل؛ لأنه لو كان وضوءاً لاكتفى بالمسح كما هو شأن الوضوء، فعلى هذا الوضوء كامل وإلا ناقص؟ ناقص "ثم أفاض على رأسه ثلاثاً" وأهل العلم يبحثون مسألة إجزاء غسل الرأس عن مسحه، فمنهم من يقول: إنه مسح وزيادة، فيجزئ، ومنهم من يقول: إن غسل الرأس مردود؛ لأنه على خلاف ما أمر به النبي ﵊ ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) مردود، ولا يجزئ الغسل عن المسح، فمن قال: إن الغسل يجزئ عن المسح قال: إنه توضأ، وأخر غسل الرجلين، وسيأتي ما في هذا من كلام حكم تأخير غسل الرجلين عن الغسل، فجاء ما يدل على تقديمهما، وجاء ما يدل على تأخيرهما، توضأ وضوءه للصلاة، مقتضى هذا أنه توضأ إلى أن غسل رجليه ثم اغتسل فقدم غسل الرجلين، وهنا قال: "ثم أفاض على رأسه ثلاثاً، ثم أفاض على سائر جسده" يعني باقي جسده، والسائر هو الباقي، وقد يستعمل للجميع، وقد يستعمل للجميع، وقد وقع عند البخاري من حديث عائشة ثم
стр. 698
يفيض الماء على جلده كله، قال ابن حجر: والتأكيد يدل على أنه عمم جميع الجسد لا غالب الجسد، وهذا يدل على أنه بعد ذلك يعمم جميع بدنه بما في ذلك ما غسل للوضوء، يعني إذا توضأ وضوءه للصلاة ثم بعد ذلك أفاض الماء على رأسه، ثم غسل سائر جسده هل يغسل ذراعيه ورجليه؟ أو لا يغسلهما باعتبار أنه غسل هذه الأعضاء في الوضوء؟ فإذا قلنا: سائر الباقي، أن المراد بسائر هو الباقي قلنا: ما يلزم أن يغسل ذراعيه؛ لأنه غسلهما مع الوضوء، ولا يلزم أن يغسل رجليه؛ لأنه غسلهما مع الوضوء، أو سوف يغسلهما بعد ذلك كما في هذا الحديث، على كل حال قوله: ثم يفيض الماء على جلده كله يشمل أعضاء الوضوء التي سبق غسلها، قال: "ثم تنحى" أي تحول عن مكانه إلى ناحية أخرى "فغسل رجليه" وفي هذا تأخير غسل الرجلين عن بعد الغسل، والانتقال عن مكان أخر، وهو مخالف لحديث عائشة الآتي: "توضأ وضوءه للصلاة" فإما أن يقال: إن حديث عائشة: "توضأ وضوءه للصلاة" يعني في غالبه، محمول على الغالب، وأنه لا يبقى إلا الرجلين تغسل بعد، وإما أن يقال: هذه صورة وهذه صورة، ويمكن حمل الصورتين على حالين بأن يقال: إذا كان المكان نظيفاً ولا يلوث الرجلين فمثل هذا المكان أقول: ففي مثل هذا المكان يتوضأ الوضوء الكامل كما يتوضأ للصلاة ويغسل رجليه قبل الغسل، وإذا كان المكان قد يلوث القدمين بعد الغسل بأن يكون فيه طين وما أشبه ذلك فإنه يتحول عن مكانه ويغسل رجليه.
"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" هذا حديث حسن صحيح، ورواه الجماعة، رواه الجماعة البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد، يعني مخرج في دواوين الإسلام كلها.
стр. 699
"قال: وفي الباب عن أم سلمة" وهذا عند مسلم "وجابر" عند ابن ماجه "وأبي سعيد" عند ابن ماجه أيضاً "وجبير بن مطعم" عند البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي "وأبي هريرة" عند ابن ماجه، يعني ابن ماجه خرج كل هذه الأحاديث حديث أم سلمة في مسلم جابر وأبي سعيد وجبير بن مطعم وأبي هريرة كلهم عند ابن ماجه، ما يدل على أن ابن ماجه تفرد بأحاديث لم تذكر عند غيره، فزوائده على الكتب الخمسة كثيرة، زوائده على الكتب الخمسة كثيرة، وهذا هو ما جعل ابن طاهر يجعل ابن ماجه هو سادس الكتب، أول من أدخل ابن ماجه مع الكتب وجعله السادس أبو الفضل بن طاهر لكثرة زوائده على الكتب الخمسة، وهنا هذه الأحاديث التي أشار إليها الترمذي يعني جلها عند ابن ماجه يعني ما في إلا واحد لا يوجد عن ابن ماجه، وخمسة موجودة عنده، مما يدل على أن هذا الكتاب ينبغي أن يعتنى به، ففيه زوائد كثيرة، وإن كان كثير مما يتفرد به ضعيف، لكن يحتاج إليه.
стр. 700
"قال: حدثنا بن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة" قلنا: فيما تقدم أن (من) هذه سببية "بدأ فغسل يديه" وفي نسخة: "بغسل يديه"، بدأ بغسل يديه أو بدأ فغسل يديه، وفيه ما تقدم من مشروعية ذلك، إما وجوباً كما في حال الاستيقاظ من النوم على ما تقدم، أو استحباباً، وجوباً واستحباباً، "قبل أن يدخلهما الإناء ثم غسل فرجه" وفي نسخة: "ثم يغسل"، "ثم غسل فرجه ويتوضأ" يعني قوله: "ويتوضأ" مناسب للنسخة الأخرى التي فيها: "ويغسل فرجه"، "ويتوضأ وضوءه للصلاة" وضوءه منصوب على نزع الخافض، يعني توضأ كوضوئه للصلاة، يعني مثل ما في حديث: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) يعني: كذكاة أمه منصوب على نزع الخافض، هذا على رواية النصب، ويستدل بها من يقول: إن الجنين يذكى مثل ذكاة أمه، وهو قول الحنفية، والجمهور على أن الراوية الراجحة: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) يعني هي ذكاة أمه فتكفي، فلا تحتاج إلى تذكية "ويتوضأ وضوءه للصلاة" ومقتضى ذلك أنه يغسل رجليه قبل أن يفرغ على أو يفيض على رأسه الماء، وفيه ما تقدم أنه أحياناً يقدم غسل الرجلين كما في حديث عائشة، وأحياناً يؤخر غسل الرجلين كما في حديث ميمونة "ثم يشرب شعره الماء" يشرب من التشريب، يعني يسقي رأسه الماء، يسقي الماء رأسه، "ثم يشرب شعره الماء" كما في قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [(٩٣) سورة البقرة] يعني أدخل في قلوبهم حب العجل، وهنا يشرب شعره الماء، وشعره مفعول أول والماء مفعول ثاني، ليشرب "ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات" ثلاث حثيات يعني: غرفات بيديه واحدها حثية.
стр. 701
"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" ورواه الشيخان وأبو داود والنسائي، قال: "وهو الذي اختاره أهل العلم في الغسل من الجنابة أنه يتوضأ وضأه للصلاة -كاملاً- ثم يفرغ -أي يصب- على رأسه ثلاث مرات ثم يفيض -يعني يسيل- الماء على سائر جسده"، قال: "ثم يغسل قدميه" يعني على ما جاء في حديث ميمونة، ثم يغسل قدميه، "والعمل على هذا عند أهل العلم وقولوا: إن انغمس الجنب في الماء ولم يتوضأ أجزأه، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق" من وصف غسل النبي ﵊ ذكروا أنه توضأ وضوءه للصلاة، إجمالاً وتفصيلاً، بعض الأحاديث مجمل توضأ وضوءه للصلاة، وبعضها تفصيل: غسل يديه ثم مضمض واستنشق وغسل وجه إلى أن أكمل الوضوء، فكل من وصف غسل النبي ﵊ ذكر أنه توضأ قبله، كل من وصف غسل النبي ﵊ ذكروا أنه توضأ قبله، ثم أفاض الماء على رأسه ثلاثاً، ثم أفاض الماء على سائر جسده، وليس فيه تثليث، يعني يغسل شقه الأيمن ثم شقه الأيسر ولم يذكر فيه تثليث، وهذا هو الغسل الكامل، وإن كان بعضهم يرى أنه يفيض الماء على شقه الأيمن ثلاثاً ثم على شقه الأيسر ثلاثاً، يعني لم تأتِ به الرواية، وإنما قالوا: إن التثليث مستحب في الوضوء وفي غسل الرأس في الغسل فينبغي أن يكون مستحباً في الباقي، على كل حال الغسل الكامل هو ما جاء عنه ﵊، والمجزئ هو تعميم الجسد بالماء، ولا يلزم منه أن يتوضأ قبله ولا بعده، قال: وقالوا: إن انغمس الجنب في الماء ولم يتوضأ أجزأه، يعني أن الوضوء ليس بواجب في غسل الجنابة، لماذا؟ لأنه إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد، عبادتان من جنس واحد ليست إحداهما مقضيه والأخرى مؤداة قالوا: دخلت الصغرى في الكبرى، يعني كمن جاء والإمام راكع يكبر تكبيرة الإحرام وتدخل فيها تكبيرة الركوع، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، يعني ابن رجب ﵀ في قواعده ذكر أمثلة كثيرة لهذه القاعدة، "وهو وقول الشافعي وأحمد وإسحاق" وهو قول أبي حنيفة أيضاً وأصحابه، ونقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل.
стр. 702
قال الإمام الشافعي ﵀: فرض الله تعالى الغسل مطلقاً لم يذكر فيه شيئاً يبدأ به قبل شيء، فكيف ما جاء به المغتسل أجزأه، إذا أتى بغسل جميع بدنه، والاحتياط في الغسل ما روت عائشة، يعني في حديث الباب: "يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يشرب شعره الماء، ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات" ثم بعد ذلك يفيض الماء على بدنه، والاحتياط في الغسل ما روت عائشة، وقال ابن عبد البر: إن لم يتوضأ قبل الغسل ولكن عم جسده ورأسه ونواه فقد أدى ما عليه بلا خلاف، لكنهم مجمعون على استحباب الوضوء قبل الغسل؛ لأن كل من وصف غسل النبي ﵊ ذكر أنه توضأ، لكنهم مجمعون على استحباب الوضوء قبل الغسل، الآن قال: إن لم يتوضأ قبل الغسل ولكن عم جسده ورأسه ونواه فقد أدى ما عليه بلا خلاف، وابن بطال نقل الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل، وتعقب ابن حجر دعوى الإجماع فقد ذهب جماعة بقوله: ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء، الغسل لا ينوب على الوضوء للمحدث، انتهى كلام ابن حجر، وقال ابن العربي في العارضة، قال أبو ثور: يلزم الجمع بين الضوء والغسل، كما روي عن النبي ﷺ ، وعنه ثلاثة أجوبة؛ لأن ابن العربي يري أنه بالإجماع لا يلزم، ولم ذكر كلام أبي ثور أجاب عنه بثلاثة أجوبة.
الأول: أن ذلك ليس بجمع وإنما هو غسل كله، غسل كله يعني كونه غسل يديه وغسل وجهه وذراعيه، وأفاض الماء على رأسه، ثم عمم هذا غسل وليس بوضوء، يعني هذه أبعاض للغسل وليست من الوضوء، أن ذلك ليس بجمع وإنما هو الغسل كله.
الثاني: أنه إن كان جمع بينهما فإنما ذلك استحباب، استحباب بدليل قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ [(٤٣) سورة النساء] وقوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ [(٦) سورة المائدة] يعني ما ذكر غير الاغتسال، وما ذكر غير التطهر، فهذا هو الفرض، يقول: فهذا هو الفرض.
الثالث: أن سائر الأحاديث ليس فيها ذكر الوضوء، سائر الأحاديث يعني غير ما ذكر من حديث ميمونة وحديث عائشة يقول: ليس فيها ذكر للوضوء، وإنما إذا سئل النبي ﵊ قال: أن تفعل كذا وكذا، وليس فيه ذكر للوضوء.
стр. 703
يقول الشارح المبارك فوري: في كل من هذه الأجوبة الثلاثة عندي نظر، أما الأول فلأن ظاهر حديث ميمونة وعائشة هو الجمع بينهما وهذا ظاهر، يعني أما في حديث عائشة نص ويتوضأ وضوءه للصلاة، وأما الثاني: فلأن المراد بقوله: ﴿حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ [(٤٣) سورة النساء] هو الاغتسال الشرعي المأثور عن النبي ﵊ وفيه الوضوء، وكذلك التطهر.
وأما الثالث: فلأن عدم ذكر الوضوء في بعض أحاديث الغسل ليس بدليل على أنه ليس بواجب في غسل الجنابة، والله أعلم.
يعني كونه يشرح في غسله ﵊ من الجنابة ثم لا يذكر في نصوص أخرى إما لأن المشروح له الغسل قد علم ذلك فيما قبل، والسنة إذا ثبتت بحديث واحد لا يلزم بيانها في كل مناسبة، كما هو معلوم، فبهذه الأجوبة الثلاثة عن قول ابن العربي في إجابته عن إيجاب أبي ثور للوضوء ومخالفته للإجماع الذي نقلوه.
سم.
عفا الله عنك.
قال -رحمه الله تعالى-:
باب: هل تنقض المرأة شعرها عند الغسل ؟
حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان عن أيوب بن موسى عن المقبري عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة ﵂ قالت: "قلت: يا رسول الله: إني امرأة أشد ضفر رأسي أفانقظه لغسل الجنابة؟ قال: ((لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي على سائر جسدك الماء فتطهرين)) أو قال: ((فإذا أنتِ قد تطهرتِ)).
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم أن المرأة إذا اغتسلت من الجنابة فلم تنقض شعرها أن ذلك يجزئها بعد أن تفيض الماء على رأسها.
يقول المؤلف –رحمه الله تعالى-:
"باب: هل تنقض المرأة شعرها عند الغسل؟ " لأن الشعر إذا ظفر ونسج وأدخل بعضه في بعض قد ينبو الماء عن أصوله، قد لا يصل الماء إلى أصوله، والمطلوب في الغسل أن تروى أصول الشعر، ويشرب الشعر الماء على ما تقدم.
стр. 704
يقول: "حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان" هو ابن عيينة كما في رواية أبي داود "عن أيوب بن موسى" بن عمرو بن سعيد بن العاص، الأموي، الفقيه، وهو من رجال الكتب الستة "عن سعيد" بن أبي سعيد "المقبري" وهو ثقة أيضاً "عن عبد الله بن رافع" المخزومي المدني، مولى أم سلمة وهو ثقة "عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله" أم سلمة هند بنت أبي أمية زوج النبي ﵊، "قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي" أشد يعني: أحكم "ضفر رأسي" يعني نسجه وفتله "ضفر رأسي" يعني شعر رأسها "أفانقضه؟ " أي أفرقه ليصل الماء إلى باطنه "لغسل الجنابة" وفي رواية مسلم: "للحيضة والجنابة" لأن هذا الرواية نحتاجها -رواية مسلم- نحتاجها لمناقشة قول من يقول بالتفريق بين غسل الحيض، أقول: نحتاج رواية مسلم: "للحيضة والجنابة" لمناقشة من يقول بالتفريق بين غسل الحيض فينقض له الشعر، وغسل الجنابة فلا ينقض له "أفانقضه لغسل الجنابة قال: ((لا، إنما يكفيك أن تحثين)) " وفي نسخة: "تحثي" يعني تصبي ((على رأسك الماء ثلاث حثيات)) وتحثي معروف أن (أن) تنصب، تنصب الفعل المضارع وتحثين إلغاء لفعلها، وقد جاء إلغاؤها وإثبات النون معها في شواهد كثيرة، منها قول الشاعر:
أن تقرأنِ على أسماء ويحكما ... مني السلام وألا تشعرا أحداً
يعني في صدر البيت ألغاها، ألغى عملها، وفي أخره "وألا تشعرا" أعملها وحذف النون.
((أن تحثين على رأسك ثلاث حثيات من ماء)) بإثبات النون تحثين، كما قرره أهل العلم لغة، يقول ابن مالك في ألفيته:
وبعضهم أهمل (أن) حملاً على ... (ما) أختها حيث استحقت عملاً
يعني أهمل (أن) وجعلها لا تنصب الفعل المضارع كما في البيت.
أن تقرأنِ على أسماء. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
стр. 705
((على رأسك ثلاث حثيات من ماء)) مع أنه جاء في نسخ أخرى: ((أن تحثي)) بدون نون على الجادة ((ثم تفيضين)) وفي النسخ التي أشير إليها: ((تفيضي)) بحذف النون ((على سائر جسدك فتطهرين))، قال: ((إنما يكفيك أن تحثين على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفضين)) ليس فيه ذكر للوضوء قبل الغسل ((على سائر جسدك فتطهرين)) لكن قد يقول قائل: إن الحديث جاء إجابة لسؤال، وهو نقض الشعر المضفور يعني المنسوج المدخل بعضه في بعض، فيكون الجواب مطابق للسؤال، وذكر الوضوء قدر زائد على ما جاء في السؤال، وعلى هذا لا يقال: إن مثل هذا بيان ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، هو بيان لشعر الرأس هل ينقض أو لا ينقض؟ وما عدا ذلك ثبت بأدلة أخرى ((فتطهرين)) أو قال: ((فإذا أنت قد تطهرت)).
"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" ورواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، يعني رواه الجماعة ما عدا البخاري، "قال: والعمل على هذا عند أهل العلم أن المرأة إذا اغتسلت من الجنابة فلم تنقض شعرها أن ذلك يجزئها بعد أن تفيض الماء على رأسها".
следующие страницы →