← Адаб

Адаб · id 23785

الشعر والشعراء

ابن قتيبة

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لا يقدرون على الماء إذ أقبل راكب على بعير، وأنشد بعض القوم [١] : لمّا رأت أنّ الشّريعة همّها ... وأنّ البياض من فرائصها دامى [٢] تيمّمت العين التى عند ضارج ... يفىء عليها الظّلّ عرمضها طامى [٣] فقال الراكب: من يقول هذا؟ قالوا: امرؤ القيس، فقال: والله ما كذب، هذا ضارج عندكم، وأشار إليه، فمشوا على الرّكب، فإذا ماء غدق، وإذا عليه العرمض والظلّ يفىء عليه، فشربوا وحملوا، ولولا ذلك لهلكوا [٤] . ١٥٣* وممّا يتمثّل به من شعره قوله [٥] : وقاهم جدّهم ببنى أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب [٦]

стр. 107

وقوله: صبّت عليه ولم تنصبّ من كثب ... إنّ الشّقاء على الأشقين مصبوب [١] وقوله: وقد طوّفت فى الآفاق حتّى ... رضيت من الغنيمة بالإياب ١٥٤* وممّا يتغنّى به من شعره: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل [٢] : قوله: تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيرى يا امرأ القيس فانزل [٣] وقال أبو النّجم يصف قينة: تغنّى، فإنّ اليوم يوم من الصّبى ... ببعض الذى غنّى امرؤ القيس أو عمرو فظلّت تغنّى بالغبيط وميله ... وترفع صوتا فى أواخره كسر وقوله [٤] : كأنّ المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر يعلّ به برد أنيابها ... إذا طرّب الطائر المستحر [٥] وكلّ ما قيل فى هذا المعنى فمنه أخذ.

стр. 108

١٥٥* واجتمع عند عبد الملك أشراف من الناس والشعراء، فسألهم عن أرقّ بيت قالته العرب، فاجتمعوا على بيت امرئ القيس: وما ذرفت عيناك إلّا لتضربى ... بسهميك فى أعشار قلب مقتّل [١] وقال [٢] : والله أنجح ما طلبت به ... والبرّ خير حقيبة الرّحل وقال [٣] : من آل ليلى وأين ليلى ... وخير ما رمت ما ينال ١٥٦* هو [٤] امرؤ القيس بن حجر بن الحرث بن عمرو بن حجر آكل المرار [٥] بن معاوية بن ثور، وهو كندة. وأمّه فاطمة بنت ربيعة بن الحرث بن

стр. 109

زهير، أخت كليب ومهلهل ابنى ربيعة التّغلبيّين. وكليب هو الذى تقول فيه العرب: «أعزّ من كليب وائل» وبمقتله هاجت حرب بكر وتغلب [١] . ١٥٧* وكان قباذ ملك فارس ملّك الحرث بن عمرو جدّ امرئ القيس على العرب، ويقول أهل اليمن: أن تبّعا الأخير ملّكه، وكان الحرث ابن أخته، فلمّا هلك قباذ وملك أنوشروان ملّك على الحيرة المنذر بن ماء السماء، وكانت عنده هند بنت الحرث بن عمرو بن حجر، فولدت له عمرو بن المنذر وقابوس ابن المنذر. وهند عمّة امرئ القيس، وابنها عمرو هو محرّق. ١٥٨* ثم ملّكت بنو أسد حجرا عليها، فساءت سيرته، فجمّعت له بنو أسد، واستعان حجر ببنى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فقال امرؤ القيس [٢] : تميم بن مرّ وأشياعها ... وكندة حولى جميعا صبر فبعثت بنو أسد إلى بنى حنظلة تستكفّها وتسألها أن تخلى بينها وبين كندة، فاعتزلت بنو حنظلة، والتقت كندة وأسد، فانهزمت كندة وقتل حجر، وغنمت بنو أسد أموالهم. وفى ذلك يقول عبيد بن الأبرص الأسدى: هلّا سألت جموع كن ... دة يوم ولّوا هاربينا [٣] وكان قاتل حجر علباء بن الحرث الأسدىّ، وأفلت امرؤ القيس يومئذ، وحلف لا يغسل رأسه ولا يشرب خمرا حتّى يدرك ثأره ببنى أسد، فأتى ذا جدن الحميرىّ فاستمدّه فأمدّه، وبلغ الخبر بنى أسد فانتقلوا عن منازلهم، فنزلوا على

стр. 110

قوم من بنى كنانة بن خزيمة، والكنانيّون لا يعلمون بمسير امرئ القيس إليهم، فطرقهم فى جند عظيم، فأغار على الكنانييّن وقتل منهم، وهو يظنّ أنهم بنو أسد، ثم تبيّن أنهم ليسوا هم، فقال [١] : ألا يا لهف نفسى إثر قوم ... هم كانوا الشّفاء فلم يصابوا [٢] وقاهم جدّهم ببنى أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب وأفلتهنّ علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب [٣] ثم تبع بنى أسد فأدركهم وقتل فيهم قتلا ذريعا، وقال [٤] : قولا لدودان: عبيد العصا ... ما غرّكم بالأسد الباسل قد قرّت العينان من وائل ... ومن بنى عمرو ومن كاهل نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرّك لأمين على نابل [٥] حلّت لى الخمر وكنت امرءا ... عن شربها فى شغل شاغل فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل [٦] ١٥٩* ثم إنّ المنذر بن ماء السماء غزا كندة فأصاب منهم، وأسر اثنى

стр. 111

عشر فتى من ملوكهم، فأمر بهم فقتلوا بمكان بين الحيرة والكوفة، يقال له جفر الأملاك [١] ، وكان امرؤ القيس يومئذ معهم، فهرب حتى لجأ إلى سعد بن الضّباب الإيادىّ، سيّد إياد، فأجاره. ١٦٠* وكان ابن الكلبّى يذكر أن أمّ سعد كانت عند حجر أبى امرئ القيس، فتزوّجها الضّباب فولدت سعدا على فراشه، واستشهد على ذلك قول امرئ القيس [٢] : يفكّهنا سعد وينعم بالنا ... ويغدو علينا بالجفان وبالجزر ونعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر وهذا الشعر يدلّ على أن العرب كانت فى الجاهلية ترى الولد للفراش [٣] . ١٦١* ثم تحوّل إلى جبلى طيىء [٤] ، فنزل على قوم، منهم عامر بن جوين الطائىّ، فقالت له ابنته: إن الرجل مأكول فكله، فأتى عامر أجأ وصاح: ألا إنّ عامر بن جوين غدر، فلم يجبه الصّدى، ثم صاح: ألا إن عامر بن جوين وفى، فأجابه الصدى، فقال: ما أحسن هذه وما أقبح تلك! ثم خرج امرؤ القيس من عنده، فشيّعه، فرأت ابنته ساقيه وهو مدبر، وكانتا حمشتين [٥] ، فقالت: ما رأيت كاليوم ساقى واف، فقال: هما ساقا غادر أقبح. ويقال: إن صاحب هذا القول أبو حنبل بن مرّ مجير الجراد. ويقال: إن ابنته لمّا أشارت عليه بأخذ ماله دعا بجذعة من غنم، فحلبها فى قدح ثم شرب فروى، ثم استلقى وقال: والله لا أغدر ما أجزأتنى جذعة، ثم

стр. 112

قام فمشى، وكان أعور سناطا [١] قصيرا حمش الساقين، فقالت ابنته: ما رأيت كاليوم ساقى واف؟ فقال لابنته: يا بنيّة، هما ساقا غادر شرّ، وقال: لقد آليت أغدر فى جداع ... ولو منّيت أمّات الرّباع [٢] لأنّ الغدر فى الأقوام عار ... وإنّ الحرّ يجزأ بالكراع ١٦٢* ولم يزل ينتقل من قوم إلى قوم بجبلى طيئ، ثم سمت به نفسه إلى ملك الروم. فأتى السمّوأل بن عادياء اليهودىّ، ملك تيماء، وهى مدينة بين الشأم والحجاز، فاستودعه مائة درع وسلاحا كثيرا، ثم سار ومعه عمرو بن قميئة، أحد بنى قيس بن ثعلبة، وكان من خدم أبيه [٣] ، فبكى ابن قميئة، وقال له: غرّرت بنا، فأنشأ امرؤ القيس يقول [٤] : بكى صاحبى لمّا رأى الدّرب دونه ... وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا فقلت له: لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وإنى أذين إن رجعت مملكا ... بسير ترى منه الفرانق أزورا [٥] على ظهر عادىّ تحاربه القطا ... إذا سافه العود الدّيافىّ جرجرا [٦]

стр. 113

١٦٣* وبلغ الحارث بن أبى شمر الغسّانّى، وهو الحارث الأكبر، ما خلّف امرؤ القيس عند السموأل، فبعث إليه رجلا من أهل بيته، يقال له الحارث بن مالك [١] ، وأمره أن يأخذ منه سلاح امرئ القيس وودائعه، فلمّا انتهى إلى حصن السموأل أغلقه دونه، وكان للسموأل ابن خارج الحصن يتصيّد، فأخذه الحارث، وقال للسموأل: إن أنت دفعت إلّى السلاح وإلّا قتلته، فأبى أن يدفع إليه ذلك، وقال له: اقتل أسيرك فإنى لا أدفع إليك شيئا، فقتله. وضربت العرب المثل بالسموأل فى الوفاء وقد ذكره الأعشى فى قصّة له قد ذكرتها فى أخباره. ١٦٤* وصار امرؤ القيس إلى ملك الروم، فأكرمه ونادمه، واستمدّه فوعده ذلك، وفى هذه القصّة يقول [٢] : ونادمت قيصر فى ملكه ... فأوجهنى وركبت البريدا إذا ما ازدحمنا على سكّة ... سبقت الفرانق سبقا بعيدا ثم بعث معه جيشا فيهم أبناء ملوك الروم، فلمّا فصل قيل لقيصر: إنّك أمددت بأبناء ملوك أرضك رجلا من العرب، وهم أهل غدر، فإذا استمكن ممّا أراد وقهر بهم عدوّه غزاك. فبعث إليه قيصر مع رجل من العرب كان معه يقال له الطّمّاح [٣] بحلّة منسوجة بالذهب مسمومة، وكتب إليه: إنى قد بعثت إليك بحلّتى التى كنت ألبسها يوم الزينة، ليعرف فضل منزلتك عندى، فإذا وصلت

стр. 114

إليك فالبسها على اليمن والبركة، واكتب إلّى من كلّ منزل بخبرك. فلمّا وصلت إليه الحلّة اشتدّ سروره بها، ولبسها، فأسرع فيه السمّ وتنفّط جلده. والعرب تدعوه ذا القروح لذلك، ولقوله [١] : وبدّلت قرحا داميا بعد صحّة ... فيالك نعّمى قد تحوّل أبؤسا وقال الفرزدق: وهب القصائد لى النّوابغ إذ مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول [٢] قال أبو محمد: أبو يزيد هو المخبّل السعدىّ، وذو القروح امرؤ القيس، وجرول الحطيئة. ١٦٥* ولما صار إلى مدينة بالروم تدعى أنقرة ثقل، فأقام بها حتّى مات، وقبر هناك، وقال قبل موته [٣] : ربّ خطبة مسحنفره ... وطعنة مثعنجره وجعبة متحيّره ... تدفن غدا بأنقره ورأى قبرا لامرأة من بنات ملوك الروم هلكت بأنقرة، فسأل عن صاحبه فخبّر بخبرها، فقال [٤] : أجارتنا إنّ المزار قريب ... وإنى مقيم ما أقام عسيب أجارتنا إنّا غريبان ههنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب وعسيب: جبل هناك. ولما بلغ السموأل موت امرئ القيس دفع ما خلّف عنده من السلاح وغيره إلى عصبته.

стр. 115

١٦٦* وكان امرؤ القيس مئناثا لا ذكر له، وغيورا شديد الغيرة، فإذا ولدت له بنت وأدها، فلمّا رأى ذلك نساؤه غيّبن أولادهنّ فى أحياء العرب، وبلغه ذلك فتتبّعهنّ حتّى قتلهنّ. ١٦٧* وكان امرؤ القيس جميلا وسيما، ومع جماله وحسنه مفرّكا [١] لا تريده النساء إذا جرّبنه. وقال لامرأة تزوجها: ما يكره النساء منّى؟ قالت: يكرهن منك أنّك ثقيل الصدر، خفيف العجز، سريع الإراقة، بطىء الإفاقة. وسأل أخرى عن مثل ذلك فقالت: يكرهن منك أنّك إذا عرقت فحت بريح كلب! فقال: أنت صدقتنى، إنّ أهلى أرضعونى بلبن كلبة. ولم تصبر عليه إلا امرأة من كندة يقال لها هند، وكان أكثر ولده منها. ١٦٨* وكان يعدّ من عشّاق العرب والزّناة. وكان يشبّب بنساء: منهنّ فاطمة بنت العبيد بن ثعلبة بن عامر العذرية، وهى التى يقول لها: أفاطم مهّلا بعض هذا التّدلّل [٢] ويقول لها [٣] : لا وأبيك ابنة العامر ... ىّ لا يدّعى القوم أنى أفرّ ومنهنّ أمّ الحارث الكلبيّة، وهى التى يقول فيها [٤] : كدأبك من أمّ الحويرث قبلها ... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل ومنهنّ، عنيزة، وهى صاحبة يوم دارة جلجل [٥] .

стр. 116

١٦٩* قال محمّد بن سلّام: حدّثنى راوية للفرزدق أنّه لم ير رجلا كان أروى لأحاديث امرئ القيس وأشعاره من الفرزدق، هو وأبو شفقل [١] ، لأنّ امرأ القيس كان صحب عمّه شرحبيل قبل الكلاب [٢] ، حتّى قتل شرحبيل بن الحارث، وكان قاتله أخاه معدى كرب بن الحارث، وكان شرحبيل بن الحارث مسترضعا فى بنى دارم رهط الفرزدق، وكان امرؤ القيس رأى من أبيه جفوة، فلحق بعمه، فأقام فى بنى دارم حينا، قال [٣] : قال الفرزدق: أصابنا بالبصرة مطر جود، فلما أصبحت ركبت بغلة وصرت إلى المربد، فإذا آثار دوابّ قد خرجت إلى ناحية البريّة، فظننت أنهم قوم قد خرجوا إلى النزهة، وهم خلقاء أن يكون معهم سفرة. فاتّبعت آثارهم حتى انتهيت إلى بغال عليها رحائل موقوفة على غدير، فأسرعت إلى الغدير فإذا نسوة مستنقعات فى الماء، فقلت: لم أر كاليوم قطّ ولا يوم دارة جلجل! وانصرفت مستحييا، فناديننى: يا صاحب البغلة ارجع نسألك عن شىء، فانصرفت إليهنّ، فقعدن إلى حلوقهنّ فى الماء، ثم قلن: بالله لمّا أخبرتنا ما كان حديث يوم دارة جلجل؟ قال: حدثّنى جدى،

стр. 117

وأنا يومئذ غلام حافظ: أنّ امرأ القيس كان عاشقا لابنة عمّ له يقال لها عنيزة، وأنّه طلبها زمانا فلم يصل إليها، حتى كان يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل. وذلك أنّ الحىّ احتملوا، فتقدّم الرجال وتخلّف النساء والخدم والثقل [١] ، فلمّا رأى ذلك امرؤ القيس تخلّف بعد ما سار مع رجّالة [٢] قومه غلوة [٣] ، فكمن فى غيابة [٤] من الأرض حتّى مرّ به النساء وفيهنّ عنيزة، فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا فاغتسلنا فى هذا الغدير فذهب عنّا بعض الكلال، فنزلن فى الغدير ونحّين العبيد، ثم تجرّدن فوقعن فيه، فأتاهنّ امرؤ القيس وهنّ غوافل، فأخذ ثيابهنّ فجمعها وقعد عليها، وقال: والله لا أعطى جارية منكنّ ثوبها ولو ظلّت فى الغدير يومها حتّى تخرج متجّردة فتأخذ ثوبها! فأبين ذلك عليه، حتّى تعالى النهار، وخشين أن يقصّرن عن المنزل الذى يردنه، فخرجن جميعا غير عنيزة، فناشدته الله أن يطرح إليها ثوبها، فأبى، فخرجت، فنظر إليها مقبلة ومدبرة، وأقبلن عليه فقلت له: إنّك قد عذّبتنا وحبستنا وأجعتنا! قال: فإن نحرت لكنّ ناقتى تأكلن منها؟ قلن: نعم فخرط سيفه فعرقبها ونحرها ثم كشطها، وجمع الخدم حطبا كثيرا فأجّجن نارا عظيمة، فجعل يقطع لهنّ من أطيبها ويلقيه على الجمر، ويأكلن ويأكل معهنّ، ويشرب من فضلة خمر كانت معه ويغنيهنّ، وينبذ إلى العبيد من الكباب، فلما أرادوا الرحيل قالت إحداهن: أنا أحمل طنفسته، وقالت الأخرى: أنا أحمل رحله وأنساعه، فتقسّمن متاع راحلته وزاده، وبقيت عنيزة لم يحمّلها شيئا، فقال لها: يا ابنة الكرام! لابدّ أن

стр. 118

تحملينى معك فإنى لا أطيق المشى، فحملته على غارب بعيرها، وكان يجنح إليها فيدخل رأسه فى خدرها فيقبّلها، فإذا امتنعت مال حدجها، فتقول: عقرت بعيرى فانزل، ففى ذلك يقول [١] : ويوم عقرت للعذارى مطيّتى ... فيا عجبا من رحلها المتحمّل يظلّ العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهدّاب الدّمقس المفتّل [٢] ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت: لك الويلات إنّك مرجلى تقول وقد مال الغبيط بنا معا: ... عقرت بعيرى يا امرأ القيّس فانزل فقلت لها: سيرى وأرخى زمامه ... ولا تبعدينا من جناك المعلّل [٣] ١٧٠* وكان امرؤ القيس فى زمان أنو شروان ملك العجم. لأنى وجدت الباعث فى طلب سلاحه الحارث بن أبى شمر الغسانىّ، وهو الحارث الأكبر، والحارث هو قاتل المنذر بن امرئ القيس الذى نصبه أنوشروان بالحيرة. ووجدت بين أوّل ولاية أنوشروان وبين مولد النبى ﷺ أربعين سنة، كأنّه ولد لثلاث سنين خلت من ولاية هرمز بن كسرى. ١٧١* ومما يشهد لهذا أنّ عمرو بن المسبّح الطائىّ [٤] وفد على النبى ﷺ

стр. 119

إلى المدينة فى وفود العرب، وهو ابن مائة وخمسين سنة، وأسلم، وعمرو يومئذ أرمى العرب، وهو الذى ذكره امرؤ القيس فقال: ربّ رام من بنى ثعل ... مخرج كفّيه من ستره [١] وله يقول الآخر [٢] : نعب الغراب وليته لم ينعب ... بالبين من سلمى وأمّ الحوشب ليت الغراب رمى حماطة قلبه ... عمرو بأسهمه الّتى لم تلغب [٣] ١٧٢* وقد ذكره النبىّ ﷺ فقال: «هو قائد الشعراء إلى النار» وفى خبر آخر: «معه لواء الشعراء إلى النار» . قال ابن الكبىّ [٤] : أقبل قوم من اليمن يريدون النّبى ﷺ ، فضلّوا ووقعوا على غير ماء، فمكثوا ثلاثا لا يقدرون على الماء، فجعل الرجل منهم يستذرى [٥] بفىء السّمر والطّلح، فبينا هم كذلك أقبل راكب على بعير، فأنشد بعض القوم

стр. 120

بيتين من شعر امرئ القيس: لمّا رأت البيتين، فقال الراكب: من يقول هذا الشعر؟ قال: امرؤ القيس، قال والله ما كذب، هذا ضارج عندكم، وأشار لهم إليه، فأتوه فإذا ماء غدق، وإذا عليه العرمض والظلّ يفىء عليه، فشربوا منه وارتووا، حتّى بلغوا النبىّ ﷺ فأخبروه، وقالوا: أحيانا بيتان من شعر امرئ القيس، فقال النبى ﷺ : «ذاك رجل مذكور فى الدنيا شريف فيها، منسىّ فى الآخرة خامل فيها، يجىء يوم القيمة معه لواء الشعراء إلى النار» [١] .

стр. 121

١٧٣* وذكره عمر بن الخطّاب رضى الله عليه فقال: سابق الشعراء، خسف لهم عين الشعر [١] . ١٧٤* قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: يقول من فضّله: إنه أوّل من فتح الشعر واستوقف، وبكى فى الدّمن، ووصف ما فيها. ثم قال: دع ذا رغبة عن المنسبة، فتبعوا أثره. وهو أوّل من شبّه الخيل بالعصا واللّقوة والسّباع والظّباء والطير، فتبعه الشعراء على تشبيهها بهذه الأوصاف. ١٧٥* قال ابن الكلبى [٢] : أوّل من بكى فى الديار امرؤ القيس بن حارثة ابن الحمام بن معاوية [٣] ، وإياه عنى امرؤ القيس بقوله:

стр. 122

يا صاحبىّ قفا النّواعج ساعة ... نبكى الدّيار كما بكى ابن حمام [١] وقال أبو عبيدة: هو ابن خذام، وأنشد: عوجا على الطّلل المحيل لعلّنا ... نبكى الدّيار كما بكى ابن خذام [٢] ١٧٦* قال: وهو القائل [٣] : كأنّى غداة البين يوم تحمّلوا ... لدى سمرات الدار ناقف حنظل أراد أنّه بكى فى الدار عند تحمّلهم، فكأنّه ناقف حنظل، وناقف الحنظلة ينقفها بظفره، فإن صوّتت علم أنّها مدركة فاجتناها، فعينه تدمع لحدّة الحنظل وشدّة رائحته، كما تدمع عينا من يدوف الخردل، فشبّه نفسه حين بكى بناقف الحنظل. ١٧٧* فممّا أخذه الشعراء من شعر امرئ القيس [٤] : قال امرؤ القيس: وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمّل أخذه طرفة فقال: وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلّد

стр. 123

١٧٨* وقال امرؤ القيس يصف فرسا: ويخطو على صمّ صلاب كأنّها ... حجارة غيل وارسات بطحلب [١] أخذه النابغة الجعدىّ فقال: كأنّ حواميه [٢] مدبرا ... خضبن وإن كان لم يخضب حجارة غيل برضراضة ... كسين طلاء من الطّحلب ١٧٩* وقال امرؤ القيس يصف الناقة: كأنّ الحصى من خلفها وأمامها ... إذا نجلته رجلها خذف أعسرا [٣] أخذه الشمّاخ فقال: لها منسم مثل المحارة خفّة ... كأنّ الحصى من خلفه حذف أعسرا [٤] وقال امرؤ القيس يصف فرسا: كميت يزلّ اللبد عن حال متنه ... كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل [٥] أخذه أوس بن حجر فقال:

стр. 124

يزلّ قتود الرّحل عن دأياتها ... كما زلّ عن عظم الشّجيج المحارف [١] ١٨١* وقال امرؤ القيس يصف فرسا: سليم الشّظا عبل الشّوى شنج النّسا ... له حجبات مشرفات على الفال [٢] فأخذه كعب بن زهير [٣] فقال: سليم الشّظا عبل الشّوى شنج النّسا ... كأنّ مكان الرّدف من ظهره قصر وأخذه النّجاشىّ فقال: أمين الشظا عارى الشوى شنج النّسا ... أقبّ الحشا مستذرع النّدفان [٤] ١٨٢* وقال امرؤ القيس: فلأيا بلأى مّا حملنا غلامنا ... على ظهر محبوك السّراة محنّب [٥] فأخذه زهير فقال:

стр. 125

فلأيّا بلأى ما حملتنا غلامنا ... على ظهر محبوك ظماء مفاصله [١] ١٨٣* وقال امرؤ القيس: وعنس كألواح الإران نسأتها ... على لاحب كالبرد ذى الحبرات [٢] أخذه طرفة فقال: أمون كألواح الإران نسأتها ... على لاحب كأنّه ظهر برجد [٣] ١٨٤* وقال امرؤ القيس يصف امرأة: نظرت إليك بعين جازئة ... حوراء حانية على طفل [٤] أخذه المسيّب فقال: نظرت إليك بعيّن جازئة ... فى ظلّ باردة من السّدر ١٨٥* وقال امرؤ القيس يصف الفرس: يجمّ على الساقين بعد كلاله ... جموم عيون الحسى بعد المخيض [٥] أخذه زيد الخيل فقال:

стр. 126

يجمّ على الساقين بعد كلاله ... كما جمّ جفر بالكلاب نقيب [١] ١٨٦* قال أبو عبيدة: هو أوّل منّ قيّد الأوابد. يعنى فى قوله فى وصف الفرس «قيد الأوابد [٢] » فتبعه الناس على ذلك. ١٨٧* وقال غيره: هو أوّل من شبّه الثغر فى لونه بشوك السّيال فقال: منابته مثل السّدوس ولونه ... كشوّك السّيال وهو عذب يفيض [٣] فاتّبعه الناس. وأوّل من قال «فعادى عداء» فاتّبعه الناس [٤] وأوّل من شبّه الحمار «بمقلاء الوليد» ، وهو عود القلة [٥] . و «بكرّ الأندرىّ» والكرّ:

стр. 127

الحبل [١] . وشبّه الطّلل «بوحى الزّبور فى العسيب [٢] » . والفرس «بتيس الحلّب [٣] » . ١٨٨* وممّا انفرد به قوله فى العقاب [٤] : كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى شبّه شيئين بشيئين فى بيت واحد: وأحسن التشبيه. ١٨٩* وقوله: له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل [٥] وقد تبعه الناس فى هذا الوصف وأخذوه، ولم يجتمع لهم ما اجتمع له فى بيت واحد. وكان أشدّهم إخفاء لسرقة القائل، وهو المعذّل: له قصريا رئم وشدقا حمامة ... وسالفتا هيق من الرّبد أربدا [٦] ١٩٠* ويستجاد من قوله [٧] . فإنّك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف، ولم يغلبك مثل مغلّب

стр. 128

١٩١* ويعاب من قوله: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذى تمائم محول [١] إذا ما بكى من خلفها انحرفت له ... بشقّ وتحتى شقّها لم يحوّل قال أبو محمد: وليس هذا عندى عيبا. لأن المرضع والحبلى لا تريدان الرجال ولا ترغبان فى النكاح. فإذا أصباهما وألهاهما كان لغيرهما أشدّ إصباء وإلهاء. ١٩٢* ويعاب من قوله [٢] : أغرّك منّى أنّ حبّك قاتلى ... وأنّك مهما تأمرى القلب يفعل وقالوا: إذا كان هذا لا يغرّ فما الذى يغرّ؟ إنما هذا كأسير قال لآسره: أغرّك منى أنى فى يديك وفى إسارك وأنّك ملكت سفك دمى! قال أبو محمد: ولا أرى هذا عيبا، ولا المثل المضروب له شكلا، لأنّه لم يرد بقوله «حبّك قاتلى» القتل بعينه، وإنما أراد به: أنّه قد برّح بى فكأنّه قد قتلنى. وهذا كما يقول القائل: قتلتنى المرأة بدلها وبعينها، وقتلنى فلان بكلامه. فأراد: أغرّك منّى أن حبّك قد برّح بى وأنّك مهما تأمرى قلبك به من هجرى والسّلوّ عنى يطعك، أى: فلا تغترّرى بهذا، فإنى أملك نفسى وأصبرها عنك وأصرف هواى. ١٩٣* ويعاب عليه تصريحه بالزنا والدّبيب إلى حرم الناس. والشعراء تتوقّى ذلك فى الشعر وإن فعلته. قال [٣] :

стр. 129

سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالا على حال [١] فقالت: سباك الله إنّك فاضحى ... ألست ترى السّمّار والناس أحوالى [٢] فقلت: يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى حلفت لها بالله حلفة فاجر: ... لناموا وما إن من حديث ولا صالى [٣] فلمّا تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذى شماريخ ميّال وصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت، فذلّت، صعبة، أىّ إذلال فأصبحت معشوقا، وأصبح بعلها ... عليه القتام سيّئ الظّنّ والبال [٤]

стр. 130

٢- زهير بن أبى سلمى [١] ١٩٤* هو زهير بن ربيعة بن قرط. والناس ينسبونه إلى مزينة، وإنّما نسبه فى غطفان [٢] ، وليس لهم بيت شعر ينتمون فيه إلى مزينة إلّا بيت كعب بن زهير، وهو قوله: هم الأصل منّى حيث كنت وإنّنى ... من المزنيين المصفّين بالكرم [٣] ١٩٥* ويقال إنّه لم يتّصل الشعر فى ولد أحد من الفحول فى الجاهليّة ما اتّصل فى ولد زهير، وفى الإسلام ما اتّصل فى ولد جرير. وكان زهير راوية أوس بن حجر. ١٩٦* ويروى عن عمر بن الخطّاب أنه قال [٣] : أنشدونى لأشعر شعرائكم، قيل: ومن هو؟ قال: زهير، قيل: وبم صار كذلك؟ قال: كان لا يعاظل

стр. 131

بين القول [١] ، ولا يتّبع حوشىّ الكلام [٢] . ولا يمدح الرجل إلّا بما هو فيه. وهو القائل [٣] : إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية ... من المجد من يسبق إليها يسوّد سبقت إليها كلّ طلق مبرز ... سبوق إلى الغايات غير مخلد ويروى «غير مبلد» ، و «المخلّد» فى هذا الموضع: المبطئ [٤] . فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ... ولكنّ حمد المرء ليس بمخلد ١٩٧* وكان قدامة بن موسى عالما بالشعر، وكان يقدّم زهيرا ويستجيد قوله [٥] : قد جعل المبتغون الخير فى هرم ... والسّائلون إلى أبوابه طرقا من يلق يوما على علّاته هرما ... يلق السّماحة فيه والنّدى خلقا ١٩٨* قال عكرمة بن جرير: قلت لأبى: من أشعر الناس؟ قال: أجاهليّة أم إسلاميّة؟ قلت: جاهليّة، قال: زهير، قلت: فالإسلام؟ قال: الفرزدق، قلت: فالأخطل؟ قال: الأخطل يجيد نعت الملوك ويصيب صفة

стр. 132

الخمر، قلت له: فأنت؟ قال: أنا نحرت الشّعر نحرا. ١٩٩* قال عبد الملك لقوم من الشعراء: أىّ بيت أمدح؟ فاتّفقوا على بيت زهير [١] : تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الّذى أنت سائله ٢٠٠* قيل لخلف الأحمر: زهير أشعر أم ابنه كعب؟ قال: لولا أبيات لزهير أكبرها الناس لقلت إنّ كعبا أشعر منه، يريد قوله [٢] : لمن الديار بقنّة الحجر ... أقوين من حجج ومن دهر [٣] ولأنت أشجع من أسامة إذ ... دعى النزال ولجّ فى الذّعر [٤] ولأنت تفرى ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثمّ لا يفرى لو كنت من شىء سوى بشر ... كنت المنوّر ليلة البدر ٢٠١* وكان زهير يتألّه ويتعفّف فى شعره. ويدلّ شعره على إيمانه بالبعث. وذلك قوله: يؤخّر فيودع فى كتاب فيدّخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم [٥] وشبّه زهير امرأة فى الشعر بثلاثة أوصاف فى بيت واحد فقال [٦] :

стр. 133

تنازعت المها شبها ودرّ الب ... حور وشاكهت فيها الظّباء [١] ثم قال ففسّر: فأمّا ما فويق العقد منها ... فمن أدماء مرتعها الخلاء [٢] وأمّا المقلتان فمن مهاة ... وللدّرّ الملاحة والصّفاء ٢٠٢* وقال بعض الرواة: لو أن زهيرا نظر فى رسالة عمر بن الخطّاب إلى أبى موسى الأشعرى [٣] ما زاد على ما قال: فإنّ الحقّ مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء [٤] يعنى: يمينا أو منافرة إلى حاكم يقطع بالبيّنات أو جلاء، وهو بيان وبرهان يجلو به الحقّ وتتّضح الدعوى. ٢٠٣* ومما يتمثّل به من شعره: وهل ينبت الخطّىّ إلّا وشيجه ... وتغرس إلّا فى معادنها النّخل [٥] ٢٠٤* ويستحسن قوله: يطعنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنوا ... ضارب حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا [٦] ٢٠٥* ويستحسن أيضا قوله:

стр. 134

هو الجواد الّذى يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فينظلم [١] ٢٠٦* قد سبق زهير إلى هذا المعنى، لا ينازعه فيه أحد غير كثير، فإنّه قال يمدح عبد العزيز بن مروان [٢] : رأيت ابن ليلى يعترى صلب ماله ... مسائل شتّى من غنىّ ومصرم مسائل إن توجد لديه تجد بها ... يداه، وإن يظلم بها يتظلّم المصرم: القليل المال. ٢٠٧* هو [٣] زهير بن أبى سلمى، واسم أبى سلمى ربيعة بن رياح المزنىّ، من مزينة مضر، وكان زهير جاهليّا لم يدرك الإسلام، وأدركه ابناه كعب وبجير. وأتى بجير النبىّ ﷺ فأسلم، فكتب إليه كعب [٤] : ألا أبلغا عنّى بجيرا رسالة ... فهل لّك فيما قلت بالخيف هل لّكا سقيت بكأس عنّد آل محمّد ... فأنهلك المأمون منها وعلّكا [٥]

стр. 135

فخالفت أسباب الهدى وتبعته ... على أىّ شىء ويب غيرك دلّكا [١] فبلغ رسول الله ﷺ شعره هذا، فتوعّده ونذر دمه. فكتب بجير إلى كعب يخبره بأنّ رسول الله ﷺ قتل رجلا ممّن كان يهجوه، وأنّه لم يبق من الشعراء الذين كانوا يؤذونه إلا ابن الزّبعرى السهمىّ وهبيرة بن أبى وهب المخزومى، وقد هربا منه، فإن كانت لك فى نفسك حاجة فاقدم عليه، فإنّه لا يقتل أحدا أتاه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج بنفسك. فلمّا ورد عليه الكتاب ضاقت عليه الأرض برحبها، وأرجف به من كان بحضرته من عدوّه، فقال قصيدته التى أوّلها: بانت سعاد فقلبى اليوم متبول وفيها قال: نبّئت أنّ رسول الله أوعدنى ... والعفو عند رسول الله مأمول ثم أتى رسول الله ﷺ فوضع يده فى يده وأنشده شعره، فقبل توبته وعفا عنه، وكساه بردا، فاشتراه منه معاوية بعشرين ألف درهم، فهو عند الخلفاء إلى اليوم [٢] . ٢٠٨* وكان لكعب ابن يقال له عقبة بن كعب، شاعر، ولقبه «المضرّب [٣] » وذلك أنّه شبّب بامرأة من بنى أسد فقال:

стр. 136

ولا عيب فيها غير أنّك واجد ... ملاقيها قد ديّثت بركوب [١] فضربه أخوها مائة ضربة بالسيف، فلم يمت، وأخذ الدية، فسمّى «المضرّب» . وولد لعقبة العوّام، وهو شاعر [٢] . ٢٠٩* فهؤلاء خمسة شعراء فى نسق: العوّام بن عقبة بن كعب بن زهير ابن أبى سلمى، وكان أبو سلمى أيضا شاعرا. وهو القائل فى خاله أسعد المرّىّ [٣] وابنه كعب بن أسعد، وكان حمل أمّه وفارقهما: لتصرفن إبل محبّبة ... من عند أسعد وابنه كعب [٤] الآكلين صريح قومهما ... أكل الحبارى برعم الرّطب [٥] ٢١٠* وقال عمر لابن عبّاس: أنشدنى لشاعر الشعراء، الذى لم يعاظل بين القوافى، ولم يتبع وحشىّ الكلام، قال: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير. فلم يزل ينشده إلى أن برق الصّبح [٦] . ٢١١* وكان زهير أستاذ الحطيئة. وسئل عنه الحطيئة فقال: ما رأيت مثله فى تكفّيه على أكناف القوافى [٧] ، وأخذه بأعنّتها حيث شاء، من اختلاف

стр. 137

معانيها، امتداحا وذمّا. قيل له: ثم من؟ قال: ما أدرى، إلّا أن ترانى مسلنطحا [١] واضعا إحدى رجلىّ على الأخرى رافعا عقيرتى أعوى فى أثر القوافى [٢] . ٢١٢* قال أبو عبيدة: يقول من فضّل زهيرا على جميع الشعراء: إنّه أمدح القوم وأشدّهم أسر شعر. قال: وسمعت أبا عمرو بن العلاء يقول [٣] : الفرزدق يشبّه بزهير وكان الأصمعىّ يقول: زهير والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر، لأنّهم نقّحوه ولم يذهبوا به مذهب المطبوعين. قال: وكان زهير يسمى كبر قصائده «الحوليّات» [٤] . ٢١٣* وكان جيّد شعره فى هرم بن سنان المرّى. وقال عمر رضى الله عنه لبعض ولد هرم: أنشدنى بعض ما قال فيكم زهير، فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن، فقال: يا أمير المؤمنين إنّا كنّا نعطيه فنجزل! فقال عمر رضى الله عنه: ذهب ما أعطيتموه وبقى ما أعطاكم [٥] . ٢١٤* وممّا سبق إليه زهير فأخذ منه قوله يمدح هرما [٦] : هو الجواد الّذى يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظّلم أى يسأل مالا يقدر عليه فيتحمّله. أخذه كثيّر، فقال:

стр. 138

رأيت ابن ليلى تعترى صلب ماله ... مسائل شتّى من غنّى ومعدم [١] مسائل إن توجد لديك بها ... يداك، وإن تظلم بها تتظلّم ٢١٥* وقال زهير [٢] : كما استغاث بسىء فزّ غيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك السّىء: اللبن فى الضّرع. والفزّ: ولد البقرة. والغيطلة: البقرة. والحشك: الدّرّة. أخذه الطّرمّاح فقال: بادر السّىء ولم ينتظر ... نبه فيقات العيون النّيام نبه: تحرّك العروق. الفيقة: مثل الفواق [٣] . ٢١٦* وقال زهير يصف ظبية أكل ولدها السّبع [٤] : أضاعت فلم تغفر لها غفلاتها ... فلاقت بيانا آخر معهد [٥] دما عند شلو تحجل الطّير حوله ... وبضع لحام فى إهاب مقدّد [٦]

стр. 139

وقال الجعدىّ [١] : ولاقت بيانا عند أوّل معهد ... إهابا ومعبوطا من الجوف أحمرا ٢١٧* قال: وممّا سبق إليه كعب بن زهير فأخذه الشعراء منه، قال كعب ابن زهير يذكر ذئبا وغرابا: فلم يجدا إلّا مناخ ميطّة ... تجافى بها زور نبيل وكلكل [٢] ومضربها وسط الحصى بجرانها ... ومثنى نواج لم يخنهنّ مفصل [٣] وموضع طولىّ وأحناء قاتر ... يئط إذا ما شدّ بالنّسع من عل [٤] وأتلع يلوى [٥] بالجديل كأنّه ... عسيب سقاه من سميحة جدول وسمر ظماء واترتهنّ بعد ما ... مضت هجعة من آخر اللّيل ذبّل [٦] سفى فوقهنّ التّرب ضاف كأنّه ... على الفرج والحاذين قنو مذلّل [٧] ومضطمر من خاشع الطّرف، خائف ... لما تضع الأرض القواء وتحمل [٨] فأخذه ذو الرّمّة والطّرمّاح، فقال الطّرمّاح:

стр. 140

أطاف بها طمل حريص فلم يجد ... بها غير ملقى الواسط المتباين [١] ومخفق ذى زرّين فى الأرض متنه ... وفى الكّف مثناه لطيف الأسائن [٢] خفىّ كمجتاز الشّجاع وذبّل ... ثلاث كحبّات الكباث القرائن [٣] وضبثة كفّ باشرت بيمينها ... صعيدا كفاها فقد ماء المصافن [٤] ومعتمد من صدر رجل محالة ... على عجل من خائف غير آمن [٥] مقلصة طارت قرينتها بها ... إلى سلّم فى دفّ عوجاء دافن [٦] وموضع مثنى ركبتين وسجدة ... توخّى بها ركن الحطيم الميامن وقال ذو الرّمّة [٧] : إذا اعتسّ [٨] فيها الذئب لم يلتقط بها ... من الكسب إلا مثل ملقى المشاجر

стр. 141

وبينهما [١] ملقى زمام كأنّه ... مخيط شجاع آخر اللّيل ثائر ومغفى فتى [٢] حلّت له فوق رحله ... ثمانية جردا، صلاة المسافر سوى وطأة [٣] فى الأرض من غير جعدة ... ثنى أختها فى غرز عوجاء ضامر وموضع عرنين [٤] كريم وجبهة ... إلى هدف من مسرع غير فاجر ٢١٨* وقال كعب بن زهير: لا يشتكون الموت إن نزلت بهم ... شهباء ذات معاقم وأوار [٥] سمعه بعضهم فقال: رميت نطاة من الرّسول بفيلق ... شهباء ذات معاقم وأوار [٦] ٢١٩* ومما سبق إليه زهير فلم ينازع فيه قوله: فإنّ الحقّ مقطعه البيت [٧] . يريد أنّ الحقوق إنما تصحّ بواحدة من هذه

стр. 142

الثلاث: يمين أو محاكمة أو حجّة بينة واضحة. وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه إذا أنشد هذا تعجّب من معرفته بمقاطع الحقوق. ٢٢٠* ومن ذلك قوله [١] : يطعنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنوا ... ضارب حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا فجمع فى بيت واحد صنوف القتال. ٢٢١* ومن ذلك قوله [٢] : السّتر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر ٢٢٢* ومما يستجاد له [٣] : وذى نعمة تمّمتها وشكرتها ... وخصم يكاد يغلب الحقّ باطله دفعت بمعروف من القول صائب ... إذا ما أضلّ الناطقين مفاصله وذى خطل فى القول يحسب أنّه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله عبأت له حلما وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله وذى نسب ناء بعيد وصلته ... بمال، وما يدرى بأنّك واصله [٤] وأبيض فيّاض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ نوافله [٥] غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعودا لديه بالصّريم عواذله [٦]

стр. 143

يفدّينه طورا وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله وأعرضن منه عن كريم مرزّا ... جموع على الأمر الذى هو فاعله [١] أخى ثقة ما تذهب الخمر ماله ... ولكنّه قد يذهب المال نائله [٢] تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الذى أنت سائله ٢٢٣* ومن ذلك قوله، ويقال إنّه لولده كعب [٣] : وليس لمن لم يركب الهول بغية ... وليس لرحل حطّه الله حامل [٤] إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل ٢٢٤* ومن ذلك قوله [٥] : وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل [٦] على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلّين السّماحة والبذل [٧] سعى بعدهم قوم لكى يدركوهم ... فلم يبلغوا ولم يليموا ولم يألوا [٨] ٢٢٥* وأخذ العلماء عليه قوله يذكر الضفادع: يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغمّ والغرقا [٩]

стр. 144

وقالوا: ليس خروج الضفادع من الماء مخافة الغمّ والغرق، وإنما ذلك لأنّهنّ يبضن فى الشطوط. ٢٢٦* وأخذ عليه قوله: ثمّ استمرّوا وقالوا: إنّ مشربكم ... ماء بشرقىّ سلمى فيد أوركك [١] وقال الأصمعىّ: سألت بجنبات فيد عن الرّكك؟ فقالوا لى: ما هنا «ركك» ولكن «ركّ» فعلمت أنّ زهيرا احتاج فضعّف. ٢٢٧* وأخذ على ابنه كعب قوله فى وصف ناقة: ضخم مقلّدها فعم مقيّدها قال الأصمعى: هذا خطاء، إنما توصف النجائب بدقّة المذبح. ٢٢٨* ومما يستجاد لكعب ابنه قوله يذكر رجلا قتل من مزينة رهطه: لقد ولّى أليّته جوىّ ... معاشر غير مطلول أخوها فإن تهلك جوىّ فكلّ نفس ... سيجلبها لذلك جالبوها وإن تهلك جوىّ فإنّ حولى ... كظنّك كان بعدك موقدوها وما ساءت ظنونك يوم تؤتى ... بأرماح وفى لك مشرعوها كأنّك كنت تعلم يوم بزّت ... ثيابك ما سيلقى سالبوها فما قلنا لهم: نفس بنفس ... أقيدونا بها إن لم تدوها ولكنّا دفعناها ظماء ... فروّاها بذكرك منهلوها ولو بلغ القتيل فعال حىّ ... لسرّك من سيوفك منتضوها ٢٢٩* ومن ذلك قوله: لو كنت أعجب من شىء لأعجبنى ... سعى الفتى وهو مخبوّ له القدر

стр. 145

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنّفس واحدة والهمّ منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهى العين حتّى ينتهى الأثر ٢٣٠* وكعب القائل [١] : ومن للقوافى شأنها من يحوكها ... إذا ما توى كعب وفوّز جرول [٢] يقول فلا يعيا بشىء يقوله ... ومن قائلها من يسىء ويعمل يقوّمها حتّى تلين متونها ... فيقصر عنها كلّ ما يتمثّل كفيتك لا تلقى من الناس شاعرا ... تنخّل منها مثل ما أتنخّل [٣] وسمعه الكميت فقال فى قصيدة له: وما ضرّها أنّ كعبا توى ... وفوّز من بعده جرول [٤]
следующие страницы →