← Адаб

Адаб · id 23785

الشعر والشعراء

ابن قتيبة

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وبينهما [١] ملقى زمام كأنّه ... مخيط شجاع آخر اللّيل ثائر ومغفى فتى [٢] حلّت له فوق رحله ... ثمانية جردا، صلاة المسافر سوى وطأة [٣] فى الأرض من غير جعدة ... ثنى أختها فى غرز عوجاء ضامر وموضع عرنين [٤] كريم وجبهة ... إلى هدف من مسرع غير فاجر ٢١٨* وقال كعب بن زهير: لا يشتكون الموت إن نزلت بهم ... شهباء ذات معاقم وأوار [٥] سمعه بعضهم فقال: رميت نطاة من الرّسول بفيلق ... شهباء ذات معاقم وأوار [٦] ٢١٩* ومما سبق إليه زهير فلم ينازع فيه قوله: فإنّ الحقّ مقطعه البيت [٧] . يريد أنّ الحقوق إنما تصحّ بواحدة من هذه

стр. 142

الثلاث: يمين أو محاكمة أو حجّة بينة واضحة. وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه إذا أنشد هذا تعجّب من معرفته بمقاطع الحقوق. ٢٢٠* ومن ذلك قوله [١] : يطعنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنوا ... ضارب حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا فجمع فى بيت واحد صنوف القتال. ٢٢١* ومن ذلك قوله [٢] : السّتر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر ٢٢٢* ومما يستجاد له [٣] : وذى نعمة تمّمتها وشكرتها ... وخصم يكاد يغلب الحقّ باطله دفعت بمعروف من القول صائب ... إذا ما أضلّ الناطقين مفاصله وذى خطل فى القول يحسب أنّه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله عبأت له حلما وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله وذى نسب ناء بعيد وصلته ... بمال، وما يدرى بأنّك واصله [٤] وأبيض فيّاض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ نوافله [٥] غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعودا لديه بالصّريم عواذله [٦]

стр. 143

يفدّينه طورا وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله وأعرضن منه عن كريم مرزّا ... جموع على الأمر الذى هو فاعله [١] أخى ثقة ما تذهب الخمر ماله ... ولكنّه قد يذهب المال نائله [٢] تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الذى أنت سائله ٢٢٣* ومن ذلك قوله، ويقال إنّه لولده كعب [٣] : وليس لمن لم يركب الهول بغية ... وليس لرحل حطّه الله حامل [٤] إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل ٢٢٤* ومن ذلك قوله [٥] : وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل [٦] على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلّين السّماحة والبذل [٧] سعى بعدهم قوم لكى يدركوهم ... فلم يبلغوا ولم يليموا ولم يألوا [٨] ٢٢٥* وأخذ العلماء عليه قوله يذكر الضفادع: يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغمّ والغرقا [٩]

стр. 144

وقالوا: ليس خروج الضفادع من الماء مخافة الغمّ والغرق، وإنما ذلك لأنّهنّ يبضن فى الشطوط. ٢٢٦* وأخذ عليه قوله: ثمّ استمرّوا وقالوا: إنّ مشربكم ... ماء بشرقىّ سلمى فيد أوركك [١] وقال الأصمعىّ: سألت بجنبات فيد عن الرّكك؟ فقالوا لى: ما هنا «ركك» ولكن «ركّ» فعلمت أنّ زهيرا احتاج فضعّف. ٢٢٧* وأخذ على ابنه كعب قوله فى وصف ناقة: ضخم مقلّدها فعم مقيّدها قال الأصمعى: هذا خطاء، إنما توصف النجائب بدقّة المذبح. ٢٢٨* ومما يستجاد لكعب ابنه قوله يذكر رجلا قتل من مزينة رهطه: لقد ولّى أليّته جوىّ ... معاشر غير مطلول أخوها فإن تهلك جوىّ فكلّ نفس ... سيجلبها لذلك جالبوها وإن تهلك جوىّ فإنّ حولى ... كظنّك كان بعدك موقدوها وما ساءت ظنونك يوم تؤتى ... بأرماح وفى لك مشرعوها كأنّك كنت تعلم يوم بزّت ... ثيابك ما سيلقى سالبوها فما قلنا لهم: نفس بنفس ... أقيدونا بها إن لم تدوها ولكنّا دفعناها ظماء ... فروّاها بذكرك منهلوها ولو بلغ القتيل فعال حىّ ... لسرّك من سيوفك منتضوها ٢٢٩* ومن ذلك قوله: لو كنت أعجب من شىء لأعجبنى ... سعى الفتى وهو مخبوّ له القدر

стр. 145

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنّفس واحدة والهمّ منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهى العين حتّى ينتهى الأثر ٢٣٠* وكعب القائل [١] : ومن للقوافى شأنها من يحوكها ... إذا ما توى كعب وفوّز جرول [٢] يقول فلا يعيا بشىء يقوله ... ومن قائلها من يسىء ويعمل يقوّمها حتّى تلين متونها ... فيقصر عنها كلّ ما يتمثّل كفيتك لا تلقى من الناس شاعرا ... تنخّل منها مثل ما أتنخّل [٣] وسمعه الكميت فقال فى قصيدة له: وما ضرّها أنّ كعبا توى ... وفوّز من بعده جرول [٤]

стр. 146

٣- كعب بن زهير [١] ٢٣١* وكان كعب فحلا مجيدا، وكان يحالفه أبدا إقتار وسوء حال. وكان أخوه بجير أسلم قبله، وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة، وكان أخوه كعب أرسل إليه ينهاه عن الإسلام، فبلغ ذلك النبىّ ﷺ فتواعده، فبعث إليه بجير فحذّره، فقدم على رسول الله ﷺ ، فبدأ بأبى بكر، فلما سلّم النبىّ ﷺ من صلاة الصّبح جاء به وهو متلثّم بعمامته، فقال: يا رسول الله، هذا رجل جاء يبايعك على الإسلام، فبسط النبىّ ﷺ يده، فحسر كعب عن وجهه، وقال: هذا مقام العائذ بك يا رسول الله، أنا كعب بن زهير، فتجهّمته الأنصار وغلّظت له، لذكره كان قبل ذلك رسول ﷺ ، وأحبّت المهاجرة أن يسلم ويؤمنه النبىّ ﷺ ، فآمنه واستنشده: بانت سعاد فقلبى اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يجز مكبول [٢] وما سعاد غداة البين إذ عرضت ... إلّا أغنّ غضيض الطّرف مكحول [٣] وما تدوم على العهد الذى زعمت ... كما تلوّن فى أثوابها الغول ولا تمسّك بالودّ الذى زعمت ... إلّا كما تمسك الماء الغرابيل كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ... وما مواعيده إلّا الأباطيل نبّئت أنّ رسول الله أوعدنى ... والعفو عند رسول الله مبذول

стр. 147

مهلا هداك الذى أعطاك نافلة ال ... قرآن، فيها مواعيظ وتفصيل [١] لا تأخذنّى بأقوال الوشاة، ولم ... أذنب ولو كثرت فىّ الأقاويل فلما بلغ قوله: إنّ الرّسول لنور يستضاء به ... وصارم من سيوف الله مسلول فى عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكّة لمّا أسلموا: زولوا زالوا، فما زال أنكاس ولا كشف ... يوم اللّقاء ولا سود معازيل [٢] فنظر رسول الله ﷺ إلى من عنده من قريش، كأنّه يومى إليهم أن يسمعوا، حتى قال: يمشون مشى الجمال البهم يعصمهم ... ضرب إذا عرّد السّود التّنابيل [٣] يعرّض بالأنصار، لغلظتهم كانت عليه، فأنكرت قريش عليه وقالوا: لم تمدحنا إذ هجوتهم، فقال: من سرّه شرف الحياة فلا يزل ... فى مقنب من صالحى الأنصار [٤] الباذلين نفوسهم لنبيّهم ... يوم الهياج وسطوة الجبّار

стр. 148

يتطهّرون، كأنّه نسك لهم، ... بدماء من علقوا من الكفّار فكساه النبىّ ﷺ بردة اشتراها معاوية بعد ذلك بعشرين ألف درهم، وهى التى يلبسها الخلفاء فى العيدين. زعم ذلك أبان بن عثمان بن عفّان. ٢٣٢* وقال الحطيئة لكعب: قد علمتم روايتى لكم أهل البيت وانقطاعى إليكم، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك ثم تذكرنى بعدك، فإنّ الناس أروى لأشعاركم، فقال [١] : فمن للقوافى شأنها من يحوكها ... إذا ما مضى كعب وفوّز جرول كفيتك لا تلقى من الناس واحدا ... تنخّل منها مثل ما يتنخّل يثقّفها حتّى تلين كعوبها ... فيقصر عنها من يسىء ويعمل فاعترضه مزرّد أخو الشّمّاخ فقال [٢] : فلست كحسّان الحسام ابن ثابت ... ولست كشمّاخ ولا كالمخبّل فباستك إن خلّفتنى خلف شاعر ... من الناس لا أكفى ولا أتنخّل [٣] وقال الكميت: فدونك مقربة لا تسا ... ط كرها بسوط ولا تركل [٤] مهذّبة لا كقول الهذا ... ء ممّن يسىء ومن يعمل وما ضرّها أنّ كعبا ثوى ... وفوّز من بعده جرول

стр. 149

٤- النابغة الذبيانى [١] ٢٣٣* هو زياد بن معاوية، ويكنّى أبا أمامة، ويقال أبا ثمامة. وأهل الحجاز يفضّلون النابغة وزهيرا. ٢٣٤* وقال شعيب بن صخر: سمعت عيسى بن عمر ينشد عامر بن عبد الملك المسمعىّ شعر النابغة، فقلت: يا أبا عبد الله، هذا والله الشعر، لا قول الأعشى: لسنا نقاتل بالعص ... ىّ ولا نرامى بالحجاره [٢] ٢٣٥* ويقال [٣] : كان النابغة أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتا، كان شعره كلاما ليس فيه تكلّف [٤] ، ونبغ بالشعر بعد ما احتنك، وهلك قبل أن يهتر. ٢٣٦* قال: وكان يقوى فى شعره، فعيب ذلك عليه وأسمعوه فى غناء [٥] : أمن آل ميّة رائح أو مغتد ... عجلان ذا زاد وغير مزوّد زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغداف الأسود ففطن فلم يعد. ٢٣٧* قال الشعبىّ [٦] : دخلت على عبد الملك وعنده رجل لا أعرفه،

стр. 150

فالتفت إليه عبد الملك فقال: من أشعر الناس؟ فقال: أنا، فأظلم ما بينى وبينه، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فتعجب عبد الملك من عجلتى! فقال: هذا الأخطل، فقلت: أشعر منه الذى يقول: هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التّمام [١] للحارث الأكبر والحارث ال ... أصغر والأعرج خير الأنام ثم لهند ولهند وقد ... ينجع فى الرّوضات ماء الغمام ستّة آبائهم ما هم ... هم خير من يشرب صفو المدام فقال الأخطل: صدق يا أمير المؤمنين، النابغة أشعر منّى. فقال لى عبد الملك: ما تقول فى النابغة؟ قلت: قد فضّله عمر بن الخطّاب على الشعراء غير مرّة، خرج وببابه وفد غطفان فقال: أىّ شعرائكم الذى يقول: أتيتك عاريا خلقا ثيابى ... على خوف تظنّ بى الظّنون [٢] فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون قالوا: النابغة، قال: فأىّ شعرائكم الذى يقول: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب قالوا: النابغة، قال: فأىّ شعرائكم الذى يقول [٣] : فإنّك كالّليل الّذى هو مدركى ... وإنّ خلت أنّ المنتأى عنك واسع ويروى «وازع» ، قالوا: النابغة، قال: هذا أشعر شعرائكم. ٢٣٨* قال حسّان [٤] وفدت على النعمان بن المنذر فمدحته، فأجازنى

стр. 151

وأكرمنى، فإنّى لجالس عنده ذات يوم إذا صوت من خلف قبّته يقول: أنام أم يسمع ربّ القبّة ... يا أوهب الناس لعنس صلبه ضرّابة بالمشفر الأذبّه ... ذات نجاء فى يديها جذبه [١] قال: أبو ثمامة! فدخل، فأنشده قصيدته التى على الباء والتى على العين، وكان يوم ترد فيه النّعم السّود، ولم يكن بأرض العرب بعير أسود إلّا له، فأمر له منها بمائة بعير معها رعاؤها ومظالّها وكلابها، فلم أدر على ما أحسده؟ على جودة شعره، أم على جزيل عطيّته؟! ٢٣٩* قال أبو عبيدة عن الوليد بن روح قال: مكث النابغة زمانا لا يقول الشعر، فأمر يوما بغسل ثيابه وعصّب حاجبيه على عينيه، فلمّا نظر إلى الناس قال: المرء يأمل أن يعي ... ش، وطول عيش مّا يضرّه تفنى بشاشته، ويب ... قى بعد حلو العيش مرّه وتخونه الأيّام ح ... تّى لا يرى شيئا يسرّه كم شامت بى إن هلك ... ت، وقائل: لله درّه ٢٤٠* وممّا يتمثل به من شعره: نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدنى ... ولا قرار على زأر من الأسد تمثّل به الحجّاج بن يوسف حين سخط عليه عبد الملك بن مروان [٢] . ٢٤١* وقوله: فلو كفّى اليمين بغتك خونا ... لأفردت اليمين من الشّمال

стр. 152

أخذه المثقّب العبدىّ فقال [١] : ولو أنى تخالفنى شمالى ... بنصر لم تصاحبها يمينى ٢٤٢* وقوله: فحمّلتنى ذنب امرىء وتركته ... كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع [٢] أخذه الكميت فقال: ولا أكوى الصّحاح براتعات ... بهنّ العرّ قبلى ما كوينا [٣] ٢٤٣* وقوله: واستبق ودّك للصّديق ولا تكن ... قتبا يعضّ بغارب ملحاحا [٤] أخذه ابن ميّادة فقال: ما إن ألحّ على الإخوان أسألهم ... كما يلحّ بعضّ الغارب القتب ٢٤٤* ويقال إن النابغة هجا النعمان بقوله [٥] : قبح الله ثمّ ثنّى بلعن ... وارث الصائغ الجبان الجهولا [٦]

стр. 153

والصائغ هو عطيّة، أبو سلمى، أمّ النعمان. ٢٤٥* وكانت العرب تضرب أمثالا على ألسنة الهوامّ [١] . قال المفضّل الضبّىّ: يقال امتنعت بلدة على أهلها بسبب حيّة غلبت عليها، فخرج أخوان يريدانها، فوثبت على أحدهما فقتلته، فتمكّن لها أخوه فى السلاح، فقالت: هل لك أن تؤمننى فأعطيك كلّ يوم دينارا؟ فأجابها إلى ذلك حتّى أثرى، ثم ذكر أخاه، فقال: كيف يهنئنى العيش بعد أخى؟! فأخذ فأسا وصار إلى جحرها، فتمكّن لها، فلمّا خرجت ضربها على رأسها، فأثّر فيه ولم يمعن، ثم طلب الدينار حين فاته قتلها! فقالت: إنّه ما دام هذا القبر بفنائى وهذه الضربة برأسى فلست آمنك على نفسى! فقال النابغة فى ذلك [٢] : تذكّر أنّى يجعل الله فرصة ... فيصبح ذا مال ويقتل واتره فلمّا وقاها الله ضربة فأسه ... وللبرّ عين لا تغمّض ناظره فقالت: معاذ الله أعطيك إننى ... رأيتك غدّارا يمينك فاجره أبى لى قبر لا يزال مقابلى ... وضربة فأس فوق رأسى فاقره ٢٤٦* ومما أخذ منه قوله [٣] : لو أنّها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد [٤] لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد

стр. 154

أخذه ربيعة بن مقروم الضبّىّ فقال [١] : لو أنّها عرضت لأشمط راهب ... فى رأس مشرفة الذّرى يتبتّل [٢] لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولهمّ من ناموسه يتنزّل [٣] ٢٤٧* ومما يتمثّل به أيضا من شعره: ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظّلوم ولا تقعد على ضمد وهو الذلّ والهوان. قال أوس بن حارثة: «المنيّة، ولا الدنيّة، والنار، ولا العار» . ٢٤٨* وقال النابغة فى العفّة، وهو أحسن ما قيل فيه: رقاق النعال طيّب حجزاتهم ... يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب [٤] أخذه عدىّ بن زيد فقال: أجل أنّ الله قد فضّلكم ... فوق من أحكى بصلب وإزار [٥] فالصّلب: الحسب، والإزار: العفاف. ٢٤٩* وفى أمثالهم «أصدق من قطاة» [٦] قال النابغة:

стр. 155

تدعو القطا وبها تدعى إذا نسبت ... يا حسنها حين تدعوها فتنتسب وذلك لأنّها تلفظ باسمها، أخذه أبو نواس فقال: أصدق من قول قطاة قطا ٢٥٠* هو [١] زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان. وسمى النابغة بقوله: فقد نبغت لنا منهم شؤون [٢] وكان شريفا فغضّ منه الشعر. وكان مع النعمان بن المنذر ومع أبيه وجدّه، وكانوا له مكرمين. ٢٥١* قال ابن الكبىّ [٣] : قال حسّان بن ثابت: رحلت إلى النعمان، فلقيت رجلا فقال: أين تريد؟ فقلت: هذا الملك، قال: فإنّك إذا جئته متروك شهرا، ثم يسأل عنك رأس الشهر، ثم أنت متروك شهرا آخر، ثم عسى أن يأذن لك، فإن أنت خلوت به وأعجبته فأنت مصيب منه، وإن رأيت أبا أمامة النابغة فاظعن، فإنّه لا شىء لك. قال: فقدمت عليه، ففعل بى ما قال، ثم خلوت به وأصبت منه مالا كثيرا ونادمته، فبينا أنا معه فى قبّة إذ جاء رجل يرجز حول القبّة: أنمت أم تسمع ربّ القبّة ... يا أوهب الناس لعنس صلبه

стр. 156

ضرّابة بالمشفر الأذبّه ... ذات هباب فى يديها جلبه [١] فقال النعمان: أبو أمامة! فأذنوا له، فدخل فحيّاه وشرب معه، ووردت النّعم السّود، ولم يكن لأحد من العرب بعير أسود يعلم مكانه، ولا يفتحل أحد فحلا أسود، فاستأذنه أن ينشده، فأنشده كلمته التى يقول فيها: فإنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب فدفع إليه مائة ناقة من الإبل السود، فيها رعاؤها، فما حسدت أحدا حسدى النابغة، لما رأيت من جزيل عطيته، وسمعت من فضل شعره. ٢٥٢* ثم إنّ النعمان بلّغ عنه شيئا، فنذر دمه، فسار النابغة إلى ملوك غسّان. وقد اختلفوا فى السبب الذى بلغه عنه، فقال قوم: ذكروا أنّه هجاه فقال: ملك يلاعب أمّه وقطينه ... رخو المفاصل أيره كالمرود [٢] ٢٥٣* وهجاه أيضا فقال قصيدة فيها: قبح الله ثم ثنّى بلعن ... وارث الصائغ الجبان الجهولا [٣] من يضرّ الأدنى ويعجز عن ض ... رّ الأقاصى ومن يخون الخليلا [٤] يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدوّ فتيلا

стр. 157

ووارث الصائغ هو النعمان بن المنذر، وكان الصائغ جدّ النعمان بن المنذر، وأمّه سلمى بنته، واسمه عطيّة، ومنزله فدك. ويقال إن هذا الشعر والذى قبله لم يقله النابغة، وإنما قاله على لسانه قوم حسدوه، منهم عبد قيس بن خفاف التميمىّ [١] ، ومنهم مرّة بن ربيعة بن قرثع السعدىّ [٢] . ٢٥٤* ويقال: كان السبب فى مفارقته إيّاه ومصيره إلى غسّان أن النعمان قال له وعنده المتجردة امرأته: صفها لى فى شعرك يا أبا أمامة! فقال قصيدته التى أوّلها: أمن آل ميّة رائح أو مغتد وقد ذكر فيها بطنها وعكنها [٣] ومتنها وروادفها وفرجها فقال [٤] : وإذا لمست لمست أخثم جاثما ... متحيّزا بمكانه ملء اليد [٥] وإذا طعنت طعنت فى مستهدف ... رابى المجسّة بالعبير مقرمد [٦] وإذا نزعت نزعت عن مستحصف ... نزع الحزوّر بالرّشاء المحصد [٧]

стр. 158

وكان للنعمان نديم يقال له المنخّل اليشكرىّ [١] ، يتّهم بالمتجرّدة، ويظنّ بولد النعمان منها أنّهم منه، وكان المنخّل جميلا، وكان النعمان قصيرا دميما أبرش، فلما سمع المنخّل هذا الشعر قال للنعمان: ما يستطيع أن يقول مثل هذا الشعر إلّا من قد جرّب! فوقر ذلك فى نفسه، وبلغ النابغة ذلك، فخافه فهرب إلى غسّان، فصار فيهم. وانقطع إلى عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبى شمر الغسّانى، وإلى أخيه النعمان بن الحارث، فأقام النابغة فيهم فامتدحهم، فغمّ ذلك النعمان، وبلغه أن الذى قذف به عنده باطل، فبعث إليه: إنّك صرت إلى قوم قتلوا جدى فأقمت فيهم تمدحهم، ولو كنت صرت إلى قومك لقد كان لك فيهم ممتنع وحصن، إن كنّا أردنا بك ما ظننت، وسأله أن يعود إليه. فقال شعره الذى يعتذر فيه، وقدم عليه زبّان بن سيّار ومنظور بن سيّار الفزاريّين، وكان بينهما وبين النعمان دخلل [٢] ، فضرب لهما قبّة، ولا يشعر أن النابغة معهما، ودسّ النابغة أبياتا من قصيدته: يا دار ميّة بالعلياء فالسّند وهى [٣] : نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدنى ... ولا قرار على زأر من الأسد [٤] مهّلا فداء لّك الأقوام كلّهم ... وما أثمّر من مال ومن ولد [٥]

стр. 159

فلا لعمر الّذى مسّحت كعبته ... وما أريق على الأنصاب من جسد [١] ما إن بدأت بشىء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعت سوطى إلىّ يدى فلمّا سمع النعمان الشعر أقسم بالله إنّه لشعر النابغة، وسأل عنه، فأخبر أنّه مع الفزاريّين، وكلّماه فيه فأمّنه. ٢٥٥* قال الأصمعىّ: كان النابغة يضرب له قبّة من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. ٢٥٦* وقال أبو عبيدة: يقول من فضّل النابغة على جميع الشعراء: هو أوضحهم كلاما، وأقلّهم سقطا وحشوا، وأجودهم مقاطع، وأحسنهم مطالع، ولشعره ديباجة، إن شئت قلت: ليس بشعر مولّف، من تأنّثه ولينه، وإشئت قلت: صخرة لو رديت بها الجبال لأزالتها [٢] . قال: وسمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: كان الأخطل يشبّه بالنابغة. قال: وكان يقوى فى شعره، فدخل يثرب فغنّى بشعره، ففطن فلم يعد للإقواء [٣] . ٢٥٧* وممّا سبق إليه النابغة فأخذ منه قوله فى المرأة: لو أنّها عرضت البيتين. أخذه بعض شعراء ضبّة، وأحسبه ربيعة بن مقروم فقال: لو أنها البيتين [٤] . وقال النابغة: فاستبق ودّك البيت. أخذه ابن ميّادة فقال ما إنّ ألحّ البيت [٥] .

стр. 160

٢٥٨* وممّا أخذه العلماء عليه قوله فى صفة الثّور [١] : تحيد عن أستن سود أسافله ... مشى الإماء الغوادى تحمل الحزما [٢] قال الأصمعىّ: وإنّما توصف الإماء فى مثل هذا الموضع بالرّواح. لا بالغدوّ، لأنّهنّ يجئن بالحطب إذا رحن، ومثله قول الأخنس التغلبىّ [٣] : يظلّ بها ربد النعام كأنّها ... إماء تزجّى بالعشىّ حواطب [٤] وقال بعض من طلب له التخرّج: إنّما أراد أن الإماء تغدو لحمل الحزم رواحا. ٢٥٩* وأخذوا عليه قوله [٥] : تخبّ إلى النّعمان حتّى تناله ... فدى لك من ربّ طريفى وتالدى وكنت امرءا لا أمدح الدّهر سوقة ... فلست على خير أتاك بحاسد فامتنّ عليه بمدحه، وجعله خيرا سيق إليه لا يحسده عليه [٦] . ٢٦٠* وأخذوا عليه قوله [٧] : إذا ما غزا بالجيش حلّق فوقه ... عصائب طير تهتدى بعصائب جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب جعل الطير تعلم الغالب من المغلوب قبل التقاء الجمعين، والطير قد تتبع

стр. 161

العساكر للقتلى، ولكنّها لا تعلم أيّها يغلب [١] . ٢٦١* وأخذوا عليه قوله فى وصف السيوف [٢] : يطير فضاضا حولها كلّ قونس ... ويتبعها منهم فراش الحواجب [٣] تقدّ السّلوقىّ المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصّفّاح نار الحباحب [٤] وذكر أنها تقدّ الدروع التى ضوعف نسجها والفارس والفرس، حتى تبلغ الأرض فتنقدح النار بها من الحجارة. ٢٦٢* وقال صالح بن حسّان لجلسائه: أعلمتم أنّ النابغة كان مخنّثا؟! قالوا: وكيف علمت ذلك؟ قال: بقوله [٥] : سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد لا والله ما عرف تلك الإشارة إلّا مخنّث [٦] !! ٢٦٣* قالوا: وقد سبق فى صفة الثور إلى معنى لم يحسن فيه، وأحسن

стр. 162

فيه غيره، قال يذكره [١] : من وحش وجرة موشىّ أكارعه ... طاوى المصير كسيف الصّيقل الفرد [٢] أراد بالفرد: أنّه مسلول من غمده. وأخذه الطّرمّاح فأحسن، قال يذكر الثور: يبدو وتضمره البلاد كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد وكان الأصمعىّ يستحسن قول الطرمّاح. ٢٦٤* قالوا: وأفرط فى وصف العنق بالطّول، فقال يذكر امرأة: إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلّق حيث علّق يفرق والرّعاث: القرط. وقال غيره فأحسن: على أنّ حجليها وإن قلت أوسعا ... صموتان من ملء وقلّة منطق [٣] ٢٦٥* ومما سبق إليه ولم ينازعه قوله [٤] : فإنّك كالّليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع ثم قال: خطاطيف حجن فى حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع قال أبو محمّد: رأيت قوما يستجيدونه. وهو عندى غير جيّد فى المعنى ولا التشبيه.

стр. 163

٢٦٦* وكان الأصمعىّ يكثر التعجّب من قوله [١] : وعيّرتنى بنو ذبيان خشيته ... وهل علىّ بأن أخشاك من عار قال: ومما سبق إليه ولم يجاذبه قوله فى أول شعره: كلينى لهمّ يا أميمة ناصب ٢٦٧* قالوا: وقايس فى شعره فأحسن، قال للنعمان حين فارقه [٢] : ولكنّنى كنت امرأ لى جانب ... من الأرض فيه مستماز ومذهب ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم ... أحكّم فى أموالهم وأقرّب كفعلك فى قوم أراك اصطنعتهم ... ولم ترهم فى شكر ذلك أذنبوا يقول: اجعلنى كقوم صاروا إليك وكانوا مع غيرك، فاصطنعتهم وأحسنت إليهم، ولم ترهم مذنبين إذ فارقوا من كانوا معه، يقول: فأنا مثلهم، صرت عنك إلى غيرك، فاصطنع إلىّ، فلا ترنى مذنبا إذ لم تر أولئك مذنبين [٤] . ٢٦٨* ومن جيّد شعره قوله: ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أىّ الرجال المهذّب؟ يقول: من لم تصلحه وتقوّمه من الناس فلست بمستبقيه ولا راغب فيه [٥] . ٢٦٩* ويستجاد له قوله فى صفة المرأة [٦] :

стр. 164

نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السّقيم إلى وجوه العوّد يقول: نظرت إليك ولم تقدر أن تكلّمك، كما ينظر المريض إلى وجوه عوّاده، ولا يقدر أن يكلّمهم. ٢٧٠* ويستجاد له قوله: تكلّفنى أن يفعل الدّهر همّها ... وهل وجدت قبلى على الدّهر قادرا [١] ٢٧١* ومما أكفأ فيه قوله فى قصيدة مجرورة، أوّلها [٢] . قالت بنو عامر: خالوا بنى أسد ... يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام وقال فيها: تبدو كواكبه والشّمس طالعة ... لا النّور نور ولا الإظلام إظلام وقال فى قصيدته التى أوّلها: ... أمن آل ميّة رائح أو مغتد وبذاك خبّرنا الغراب الأسود [٣]

стр. 165

٥- المسيب بن علس [١] ٢٧٢* هو من شعراء بكر بن وائل المعدودين، وخال الأعشى. وهو القائل: ولقد بلوت الفاعلين وفعلهم ... فلذى الرّقيبة ما له مثل [٢] كفّاه مخلفة ومتلفة ... وعطاؤه متخرّق جزل [٣] ٢٧٣* ويستحسن قوله: تبيت الملوك على عتبها ... وشيبان إن غضبت تعتب وكالشّهد بالراح أخلاقهم ... وأحلامهم منهما أعذب [٤] وكالمسك ترب مناماتهم ... وريّا قبورهم أطيب ٢٧٤* هو [٥] من جماعة [٦] ، وهم من بنى ضبيعة بن ربيعة بن نزار،

стр. 166

ويكنى أبا الفضّة، وهو خال الأعشى أعشى قيس، وكان الأعشى راويته. واسمه زهير بن علس، وإنما لقّب «المسيّب» ببيت قاله [١] . وهو جاهلىّ لم يدرك الإسلام. وكان امتدح بعض الأعاجم، فأعطاه، ثم أتى عدوّا له من الأعاجم يسأله، فسمّه فمات، ولا عقب له. ٢٧٥* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله يذكر ثغر المرأة: وكأنّ طعم الزّنجبيل به ... إذ ذفته وسلافة الخمر شرقا بماء الذّوب أسلمه ... للمبتغيه معاقل الدّبر [٢] وقال الجعدىّ [٣] : وكأنّ فاها بات مغتبقا ... بعد الكرى من طيّب الخمر شرقا بماء الذّوب أسلمه ... بالطّود أيمن من قرى النّسر ٢٧٦* وقال المسيّب فى النّحل: سود الرّؤوس لصوتها زجل ... محفوفة بمسارب خضر [٤] وقال الجعدىّ:

стр. 167

قرع الرّؤوس لصوتها زجل ... فى النّبع والكحلاء والسّدر [١] بكرت تبغّى الخير فى سبل ... مخروفة ومسارب خضر [٢] ٢٧٧* وقال المسيّب يذكر النحل: بكرت تعرّض فى مراتعها ... فوق الهضاب بمعقل الوبر [٣] وغدت لمسرحها، وخالفها ... متسربل أدما على الصّدر فأصاب ما حذرت، ولو علمت ... حدبت عليه بضيّق وعر حتّى تحدّر من عوازبه ... أصلا بسبع ضوائن وفر [٤] وقال الجعدىّ: حتى إذا عقلت وخالفها ... متسربل أدما على الصّدر [٥] صدع أسيّد من شنوءة مشّ ... اء قتلن أباه فى الدّهر [٦] يمشى بمحجنه وقربته ... متلطّفا كتلطّف الوبر فأصاب غرّتها ولو شعرت ... حدبت عليه بضيّق وعر حتّى تجدّر من منازلها ... أصلا بسبع ضوائن وفر ٢٧٨* ومما يستجاد له من شعره قوله فى ذى الرّقيبة ولقد شهدت

стр. 168

البيتين [١] ، وقوله فى بنى شيبان: تبيت الملوك الثلاثة الأبيات [٢] . ٢٧٩* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله فى الناقة: مرحت يداها للنّجاء كأنّما ... تكرو بكفّى ماقط فى قاع [٣] تكرو: تلعب بالكرة. والماقط: الذى يضرب بالكرة الحائط ثم يأخذها. أخذه الشماخ فقال: كأنّ أوب يديها حين عاودها ... أوب المراح وقد همّوا بترحال مقط الكرين على مكنوسة زلف ... فى ظهر حنّانة النّيرين معوال [٤] ٢٨٠* ويستجاد له قوله [٥] : لو كنت من شىء سوى بشر ... كنت المنوّر ليلة البدر ٢٨١* ويستجاد له قوله فى المرأة: تامت فؤادك إذ له عرضت ... حسن برأى العين ما تمق [٦] بانت وصدع فى الفؤاد بها ... صدع الزّجاجة ليس يتّفق ٢٨٢* وأخذ عليه قوله فى الناقة:

стр. 169

وكأنّ غاربها رباوة مخرم ... وتمدّ ثنى جديلها بشراع [١] أراد: تمدّ جديلها بعنق طويلة. والجديل: الزمام. وأراد أن يشبّه العنق بالدّقل [٢] فشبّهها بالشّراع. قال ابن الأعرابىّ: لم يعرف الشراع من الدقل. وليس هذا عندى غلطا، والشراع يكون على الدقل، فسمّى باسمه، والعرب تسمّى الشىء باسم غيره إذا كان معه وبسببه، يدلّ على ذلك قول أبى النّجم: كأنّ أهدام النّسيل المنسل ... على يديها والشّراع الأطوال أراد بقايا الوبر على يديها وعنقها، فسمّى العنق شراعا [٣] .

стр. 170

٦- المتلمس ٢٨٣* هو جرير بن عبد المسيح، من بنى ضبيعة، وأخواله بنو يشكر، وكان ينادم عمرو بن هند ملك الحيرة، وهو الذى كان كتب له إلى عامل البحرين مع طرفة بقتله، وكان دفع كتابه إلى غلام بالحيرة ليقرأه، فقال له: أنت المتلمّس؟ قال: نعم، قال: فالنجاء، فقد أمر بقتلك، فنبذ الصحيفة فى نهر الحيرة وقال [١] : ألقيتها بالثّنى من جنب كافر ... كذلك أفنى كلّ قطّ مضلّل [٢] رضيت لها بالماء لمّا رأيتها ... يجول بها التّيّار فى كلّ جدول وكان أشار على طرفة بالرجوع، فأبى عليه، فهرب إلى الشأم، فقال [٣] : من مبلغ الشّعراء عن أخويهم ... خبرا، فتصدقهم بذاك الأنفس أودى الذى علق الصّحيفة منهما ... ونجا، حذار حبائه، المتلمّس ألق الصّحيفة، لا أبا لك، إنّه ... يخشى عليك من الحباء النّقرس [٤]

стр. 171

٢٨٤* ومن جيّد شعره قوله [١] : وما كنت إلا مثل قاطع كفّه ... بكفّ له أخرى فأصبح أجذما يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدّما فلمّا استقاد الكفّ بالكفّ لم يجد ... له دركا فى أن تبينا فأحجما فأطرق إطراق الشّجاع ولو رأى ... مساغا لناباه الشّجاع لصمّما [٢] لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلّا ليعلما [٣] ٢٨٥* ومن إفراطه قوله [٤] :

стр. 172

أحارث إنّا لو تساط دماؤنا ... تزايلن حتّى لا يمسّ دم دما [١] يقول: إن دماءهم تنماز من دماء غيرهم، وهذا ما لا يكون. ٢٨٦* وسمّى المتلمّس بقوله: وذاك أوان العرض جنّ ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس العرض: الوادى. ويروى «حىّ ذبابه» [٢] . ٢٨٧* هو [٣] المتلمّس بن عبد العزّى، ويقال: ابن عبد المسيح، من بنى ضبيعة بن ربيعة، ثم من بنى دوفن، وأخواله بنو يشكر، واسمه جرير، وسمّى المتلمّس بقوله: فهذا أوان العرض حيّا ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس ٢٨٨* وكان ينادم عمرو بن هند ملك الحيرة هو وطرفد بن العبد [٤] ، فهجواه، فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين، أوهمهما أنّه أمر لهما فيهما بجوائز، وكتب إليه يأمره بقتلهما! فخرجا حتّى إذا كانا بالنّجف، إذا هما بشيخ على يسار الطريق، يحدث، ويأكل من خبز فى يده، ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه! فقال المتلمّس: ما رأيت كاليوم شيخا أحمق! فقال الشيخ: وما رأيت من حمقى؟ أخرج خبيثا، وأدخل طيبا، وأقتل عدوّا، أحمق منّى والله

стр. 173

من حامل [١] حتفه بيده!! فاستراب المتلمّس بقوله، وطلع عليهما غلام من أهل الحيرة، فقال له: المتلمّس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم، ففكّ صحيفته ودفعها إليه، فإذا فيها: أمّا بعد، فإذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيّا، فقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك يقرأها، ففيها والله ما فى صحيفتى، فقال طرفة: كلّا، لم يكن ليجترئ علىّ! فقذف المتلمّس بصحيفته فى نهر الحيرة وقال: قذفت بها البيت [٢] ، وأخذ نحو الشأم، وأخذ طرفة نحو البحرين، فضرب المثل بصحيفة المتلمّس. ٢٨٩* وحرّم عمرو بن هند على المتلمّس حبّ العراق، فقال: آليت حبّ العراق الدّهر آكله ... والحبّ يأكله فى القرية السّوس [٣] وأتى بصرى فهلك بها. وكان له ابن يقال له عبد المدان [٤] ، أدرك الإسلام، وكان شاعرا، وهلك ببصرى ولا عقب له. ٢٩٠* قال أبو عبيدة: واتّفقوا على أن أشعر المقلّين فى الجاهليّة ثلاثة: المتلمّس، والمسيّب بن علس، وحصين بن الحمام المرّىّ. ٢٩١* وممّا يعاب من شعره قوله: وقد أتانسى الهمّ عند احتضاره ... بناج عليه الصّيعريّة مكدم [٥]

стр. 174

والصّيعريّة سمة للنّوق لا للفحول، فجعلها لفحل. وسمعه طرفة وهو صبىّ ينشد هذا، فقال: «استنوق الجمل» ! فضحك [١] الناس وسارت مثلا. وأتاه المتلمّس فقال له: أخرج لسانك، فأخرجه، فقال: ويل لهذا من هذا يريد: ويل لرأسه من لسانه. ٢٩٢* ويعاب قوله: أحارث إنّا لو تشاط البيت. وهذا من الكذب والإفراط [٢] . ٢٩٣* ومثله قول رجل من بنى شيبان: كنت أسيرا مع بنى عمّ لى، وفينا جماعة من موالينا، فى أيدى التغالبة، فضربوا أعناق بنى عمّى وأعناق الموالى على وهدة من الأرض، فكنت والله أرى دم العربىّ ينماز من دم المولى حتى أرى بياض الأرض بينهما، فإذا كان هجينا قام فوقه ولم يعتزل عنه!! ٢٩٤* ويتمثّل من شعره بقوله [٣] : وأعلم علم حقّ غير ظنّ ... وتقوى الله من خير العتاد لحفظ المال أيسر من بغاه ... وضرب فى البلاد بغير زاد وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير على الفساد

стр. 175

٧- طرفة بن العبد [١] ٢٩٥* هو طرفة بن العبد بن سفيان، وهو أجودهم طويلة. وهو القائل: لخولة أطلال ببرقة ثهمد [٢] وله بعدها شعر حسن [٣] ، وليس عند الرّواة من شعره وشعر عبيد إلّا القليل [٤] . ٢٩٦* وكان فى حسب من قومه، جريئا على هجائهم وهجاء غيرهم. وكانت أخته عند عمرو بن بشر بن مرثد، وكان عبد عمرو سيّد أهل زمانه [٥] ، فشكت أخت طرفة شيئا من أمر زوجها إليه، فقال: ولا عيب فيه غير أنّ له غنى ... وأنّ له كشحا، إذا قام، أهضما [٦] وأنّ نساء الحىّ يعكفن حوله ... يقلن: عسيب من سرارة ملهما [٧]

стр. 176

فبلغ عمرو بن هند الشعر، فخرج يتصيّد ومعه عبد عمرو، فأصاب حمارا فعقره، وقال لعبد عمرو: انزل إليه، فنزل إليه فأعياه، فضحك عمرو بن هند وقال: لقد أبصرك طرفة حين قال: «ولا عيب» البيت! وكان عمرو بن هند شريرا، وكان طرفة قال له قبل ذلك: ليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبّتنا تخور [١] فقال عبد عمرو: أبيت اللعن، الذى قال فيك أشدّ مما قال فىّ، قال: وقد بلغ من أمره هذه؟ قال: نعم، فأرسل إليه، وكتب له إلى عامله بالبحرين فقتله. وقد بيّنت خبره فى «كتاب الشراب» . ويقال إنّ الذى قتله المعلّى بن حنش [٢] العبدىّ، والذى تولّى قتله بيده معاوية بن مرّة الأيفلىّ [٣] ، حىّ من طسم وجديس. ٢٩٧* ومن جيّد شعره قوله [٤] : أرى قبر نحّام بخيل بماله ... كقبر غوىّ فى البطالة مفسد [٥] أرى الموت يعتام الكريم ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدّد [٦] أرى الدّهر كنزا ناقصا كلّ ليلة ... وما تنقص الأيّام والدّهر ينفذ لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه فى اليد [٧]

стр. 177

٢٩٨* وكان أبو طرفة مات وطرفة صغير، فأبى أعمامه أن يقسموا ماله، فقال [١] : ما تنظرون بمال وردة فيكم ... صغر البنون ورهط وردة غيّب [٢] قد يبعث الأمر العظيم صغيره ... حتى تظلّ له الدّماء تصبّب والظّلم فرّق بين حيّى وائل ... بكر تساقيها المنايا تغلب والصّدق يألفه الكريم المرتجى ... والكذب يألفه الدّنىّ الأخيب ٢٩٩* ويتمثّل من شعره بقوله [٣] : وتردّ عنك مخيلة الرّجل ال ... عرّيض موضحة عن العظم [٤] بحسام سيفك أو لسانك، وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم ٣٠٠* وبقوله: لنا يوم وللكروان يوم ... تطير البائسات ولا نطير [٥] الكروان: جمع كروان، مثل شقذان وشقذان، وهى دويبة [٦] . ٣٠١* ويقال إن أوّل شعر قاله طرفة أنّه خرج مع عمّه فى سفر، فنصب فخّا، فلمّا أراد الرحيل قال: يالك من قبّرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضى واصفرى

стр. 178

ونقّرى ما شئت أن تنقّرى ... قد رفع الفخّ فماذا تحذرى لا بدّ يوما أن تصادى فاصبرى ٣٠٢* قال أبو محمد [١] : هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك ابن عباد بن صعصعة [٢] بن قيس بن ثعلبة. ويقال إنّ اسمه عمرو، وسمّى طرفة ببيت قاله. وأمّه وردة من رهط أبيه [٣] ، وفيها يقول لأخواله [٤] وقد ظلموها حقّها ما تنظرون بحقّ البيت. ٣٠٣* وكان أحدث الشعراء سنّا وأقلّهم عمرا، قتل وهو ابن عشرين سنة، فيقال له «ابن العشرين» [٥] وكان ينادم عمرو بن هند، فأشرفت ذات يوم أخته، فرأى طرفة ظلّها فى الجام الذى فى يده، فقال: ألا يا بأبى الظّبى ا ... لّذى يبرق شنفاه [٦] ولولا الملك القاع ... د قد ألثمنى فاه

стр. 179

فحقد ذلك عليه، وكان قال أيضا: وليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبّتنا تدور [١] لعمرك إنّ قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير وقابوس: هو أخو عمرو بن هند، وكان فيه لين، ويسمّى قينة العرس. فكتب له عمرو بن هند إلى الرّبيع بن حوثرة عامله على البحرين كتابا أو همه فيه أنّه أمر له بجائزة، وكتب للمتلمّس بمثل ذلك. ٣٠٤* قال أبو محمد: وأما المتلمس فقد ذكرت قصّته [٢] . وأمّا طرفة فمضى بالكتاب، فأخذه الربيع فسقاه الخمر حتّى أثمله، ثم فصد أكحله، فقبره بالبحرين. وكان لطرفة أخ يقال له معبد بن العبد، فطلب بديته، فأخذها من الحواثر [٣] . ٣٠٥* قال أبو عبيدة: مرّ لبيد بمجلس لنهد بالكوفة، وهو يتوكّأ على عصا، فلمّا جاوز أمروا فتى منهم أن يلحقه فيسأله: من أشعر العرب؟ ففعل، فقال له لبيد: الملك الضلّيل، يعنى أمرأ القيس، فرجع فأخبرهم، قالوا: ألّا سألته: ثم من؟ فرجع فسأله، فقال: ابن العشرين، يعنى طرفة، فلما رجع قالوا: ليتك كنت سألته: ثم من؟ فرجع فسأله، فقال: صاحب المحجن، يعنى نفسه [٤] . ٣٠٦* قال أبو عبيدة: طرفة أجودهم واحدة، ولا يلحق بالبحور [٥] ، يعنى

стр. 180

امرأ القيس وزهيرا والنابغة، ولكنّه يوضع مع أصحابه، الحارث بن حلّزة وعمرو ابن كلثوم وسويد بن أبى كاهل. ٣٠٧* وممّا سبق إليه طرفة فأخذ منه قوله يذكر السفينة: يشقّ حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم التّرب المفايل باليد [١] أخذه لبيد فقال: تشقّ خمائل الدّهنا يداه ... كما لعب المقامر بالفيال وأخذه الطّرمّاح فقال: وغدا تشقّ يداه أوساط الرّبا ... قسم الفيال تشقّ أوسطه اليد ٣٠٨* ومن ذلك قوله: ومكان زعل ظلمانه ... كالمخاض الجرب فى اليوم [٢] قد تبطّنت وتحتى سرح ... الخدر تتّقى الأرض بملثوم معر [٣] أخذه عدىّ بن زيد ولبيد، فقال عدىّ: ومكان زعل ظلمانه ... كرجال الحبش تمشى بالعمد قد تبطّنت وتحتى جسرة ... عبر أسفار كمخراق وحد [٤]
следующие страницы →