فبلغ عمرو بن هند الشعر، فخرج يتصيّد ومعه عبد عمرو، فأصاب حمارا فعقره، وقال لعبد عمرو: انزل إليه، فنزل إليه فأعياه، فضحك عمرو بن هند وقال: لقد أبصرك طرفة حين قال: «ولا عيب» البيت! وكان عمرو بن هند شريرا، وكان طرفة قال له قبل ذلك:
ليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبّتنا تخور [١]
فقال عبد عمرو: أبيت اللعن، الذى قال فيك أشدّ مما قال فىّ، قال:
وقد بلغ من أمره هذه؟ قال: نعم، فأرسل إليه، وكتب له إلى عامله بالبحرين فقتله. وقد بيّنت خبره فى «كتاب الشراب» . ويقال إنّ الذى قتله المعلّى بن حنش [٢] العبدىّ، والذى تولّى قتله بيده معاوية بن مرّة الأيفلىّ [٣] ، حىّ من طسم وجديس.
٢٩٧* ومن جيّد شعره قوله [٤] :
أرى قبر نحّام بخيل بماله ... كقبر غوىّ فى البطالة مفسد [٥]
أرى الموت يعتام الكريم ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدّد [٦]
أرى الدّهر كنزا ناقصا كلّ ليلة ... وما تنقص الأيّام والدّهر ينفذ
لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه فى اليد [٧]
стр. 177
٢٩٨* وكان أبو طرفة مات وطرفة صغير، فأبى أعمامه أن يقسموا ماله، فقال [١] :
ما تنظرون بمال وردة فيكم ... صغر البنون ورهط وردة غيّب [٢]
قد يبعث الأمر العظيم صغيره ... حتى تظلّ له الدّماء تصبّب
والظّلم فرّق بين حيّى وائل ... بكر تساقيها المنايا تغلب
والصّدق يألفه الكريم المرتجى ... والكذب يألفه الدّنىّ الأخيب
٢٩٩* ويتمثّل من شعره بقوله [٣] :
وتردّ عنك مخيلة الرّجل ال ... عرّيض موضحة عن العظم [٤]
بحسام سيفك أو لسانك، وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم
٣٠٠* وبقوله:
لنا يوم وللكروان يوم ... تطير البائسات ولا نطير [٥]
الكروان: جمع كروان، مثل شقذان وشقذان، وهى دويبة [٦] .
٣٠١* ويقال إن أوّل شعر قاله طرفة أنّه خرج مع عمّه فى سفر، فنصب فخّا، فلمّا أراد الرحيل قال:
يالك من قبّرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضى واصفرى
стр. 178
ونقّرى ما شئت أن تنقّرى ... قد رفع الفخّ فماذا تحذرى
لا بدّ يوما أن تصادى فاصبرى
٣٠٢* قال أبو محمد [١] : هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك ابن عباد بن صعصعة [٢] بن قيس بن ثعلبة. ويقال إنّ اسمه عمرو، وسمّى طرفة ببيت قاله. وأمّه وردة من رهط أبيه [٣] ، وفيها يقول لأخواله [٤] وقد ظلموها حقّها ما تنظرون بحقّ البيت.
٣٠٣* وكان أحدث الشعراء سنّا وأقلّهم عمرا، قتل وهو ابن عشرين سنة، فيقال له «ابن العشرين» [٥] وكان ينادم عمرو بن هند، فأشرفت ذات يوم أخته، فرأى طرفة ظلّها فى الجام الذى فى يده، فقال:
ألا يا بأبى الظّبى ا ... لّذى يبرق شنفاه [٦]
ولولا الملك القاع ... د قد ألثمنى فاه
стр. 179
فحقد ذلك عليه، وكان قال أيضا:
وليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبّتنا تدور [١]
لعمرك إنّ قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير
وقابوس: هو أخو عمرو بن هند، وكان فيه لين، ويسمّى قينة العرس.
فكتب له عمرو بن هند إلى الرّبيع بن حوثرة عامله على البحرين كتابا أو همه فيه أنّه أمر له بجائزة، وكتب للمتلمّس بمثل ذلك.
٣٠٤* قال أبو محمد: وأما المتلمس فقد ذكرت قصّته [٢] . وأمّا طرفة فمضى بالكتاب، فأخذه الربيع فسقاه الخمر حتّى أثمله، ثم فصد أكحله، فقبره بالبحرين. وكان لطرفة أخ يقال له معبد بن العبد، فطلب بديته، فأخذها من الحواثر [٣] .
٣٠٥* قال أبو عبيدة: مرّ لبيد بمجلس لنهد بالكوفة، وهو يتوكّأ على عصا، فلمّا جاوز أمروا فتى منهم أن يلحقه فيسأله: من أشعر العرب؟ ففعل، فقال له لبيد: الملك الضلّيل، يعنى أمرأ القيس، فرجع فأخبرهم، قالوا: ألّا سألته: ثم من؟ فرجع فسأله، فقال: ابن العشرين، يعنى طرفة، فلما رجع قالوا: ليتك كنت سألته: ثم من؟ فرجع فسأله، فقال: صاحب المحجن، يعنى نفسه [٤] .
٣٠٦* قال أبو عبيدة: طرفة أجودهم واحدة، ولا يلحق بالبحور [٥] ، يعنى
стр. 180
امرأ القيس وزهيرا والنابغة، ولكنّه يوضع مع أصحابه، الحارث بن حلّزة وعمرو ابن كلثوم وسويد بن أبى كاهل.
٣٠٧* وممّا سبق إليه طرفة فأخذ منه قوله يذكر السفينة:
يشقّ حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم التّرب المفايل باليد [١]
أخذه لبيد فقال:
تشقّ خمائل الدّهنا يداه ... كما لعب المقامر بالفيال
وأخذه الطّرمّاح فقال:
وغدا تشقّ يداه أوساط الرّبا ... قسم الفيال تشقّ أوسطه اليد
٣٠٨* ومن ذلك قوله:
ومكان زعل ظلمانه ... كالمخاض الجرب فى اليوم [٢]
قد تبطّنت وتحتى سرح ... الخدر تتّقى الأرض بملثوم معر [٣]
أخذه عدىّ بن زيد ولبيد، فقال عدىّ:
ومكان زعل ظلمانه ... كرجال الحبش تمشى بالعمد
قد تبطّنت وتحتى جسرة ... عبر أسفار كمخراق وحد [٤]
стр. 181
وقال لبيد:
ومكان زعل ظلمانه ... كحزيق الحبشيّين الزّجل [١]
قد تبطّنت وتحتى جسرة ... حرج فى مرفقيها كالفتل [٢]
٣٠٩* ومن ذلك قوله [٣] :
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وجدّك لم أحفل متى قام عوّدى
فمنهنّ سبقى العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكرّى، إذا نادى المضاف، محنّبا ... كسيد الغضا، نبّهته، المتورّد [٤]
وتقصير يوم الدّجن، والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمد [٥]
أخذه عبد الله بن نهيك بن إساف الأنصارىّ فقال [٦] :
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وجدّك لم أحفل متى قام رامس
فمنهنّ سبقى العاذلات بشربة ... كأنّ أخاها مطلع الشّمس ناعس
ومنهنّ تجريد الكواعب كالدّمى ... إذا ابتزّ عن أكفالهنّ الملابس
стр. 182
ومنهنّ تقريط الجواد عنانه ... إذا استبق الشّخص الخفىّ الفوارس [١]
٣١٠* ومما سبق إليه قوله [٢] :
ستبدى لك الأيّام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لّم تزود
وقال غيره:
ويأتيك بالأنباء من لم تبع له ... بتاتا ولم تضرب له وقت موعد [٣]
٣١١* ومن جيد شعره:
ألا أيّها اللّاحىّ أن أحضر الوغى ... وأن أشهد اللّذّات: هل أنت مخلدى [٤]
فإن كنت لا تستطيع دفع منيّتى ... فذرنى أبادرها بما ملكت يدى
أرى قبر نحّام بخيل بماله
.... البيت أرى الدّهر كنزا ... البيتين [٥] ٣١٢* ومن جيّد شعره:
ولا غرو إلّا جارتى وسؤالها ... ألا هل لّنا أهل؟ سئلت كذلك [٦]
دعا عليها بأن تغترب حتّى تسأل كما سألته.
٣١٣* ومن حسن الدعاء قول النابغة الذبيانىّ:
стр. 183
أغيرك معقلا أبغى وحصنا ... فأعيتنى المعاقل والحصون
وجئتك عاريا خلقا ثيابى ... على خوف تظنّ بى الظّنون [١]
العارى: من «عراك يعروك» إذا أتاك يطلب ما عندك، ونحوه العافى.
٣١٤* ومن جيّد شعر طرفة:
وأعلم علما ليس بالظّنّ أنّه ... إذا ذلّ مولى المرء فهو ذليل
وإنّ لسان المرء، مالم تكن له ... حصاة، على عوراته لدليل [٢]
وإنّ امرءا لم يعف يوما فكاهة ... لمن لم يرد سوءا بها لجهول
٣١٥* وقال وهو صبىّ:
كلّ خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه [٣]
كلّهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه
٣١٦* وممّا يعاب من شعره قوله يمدح قوما:
أسد غيل فإذا ما شربوا ... وهبوا كلّ أمون وطمر [٤]
ثمّ راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هدّاب الأزر [٥]
стр. 184
ذكر أنّهم يعطون إذا سكروا، ولم يشرط لهم ذلك فى صحوهم [١] كما قال عنترة [٢] :
وإذا شربت فإنّنى مستهلك ... مالى، وعرضى وافر لم يكّلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلى وتكرّمى
قالوا: والجيّد قول زهير [٣] :
أخو ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنّه قد يتلف المال نائله
وقال بعض المحدثين:
فتى لا تلوك الخمر شحمة ماله ... ولكن عطايا عوّد وبوادى
٣١٧* وطرفة أوّل من ذكر الأدرة فى شعره، فقال:
فما ذنبنا فى أن أداءت خصاكم ... وأن كنتم فى قومكم معشرا أدرا
إذا جلسوا خيّلت تحت ثيابهم ... خرانق توفى بالضّغيب لها نذرا [٤]
وذكرها النابغة الجعدىّ فقال:
كذى داء بإحدى خصيتيه ... وأخرى لم توجّع من سقام
فضمّ ثيابه من غير برء ... على شعراء تنقض بالبهام [٥]
стр. 185
٣١٨* وطرفة أوّل من طرد الخيال، فقال:
فقل لخيال الحنظليّة ينقلب ... إليها، فإنى واصل حبل من وصل
وقال جرير:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزّيارة فارجعى بسلام
قال الأصمعىّ: قلت لشيخ مسنّ من المدنييّن: أرأيت قول كثيّر:
قد أروع الخليل بالصّرم منّى ... لم يخفه، وقلّة التّكليم
أىّ شىء هذا من السّباب؟
فقال: يا ابن أمّ، أىّ شىء يصنع؟ أحرقته!!
стр. 186
٨- الحارث بن حلزة اليشكرى [١]
٣١٩* هو من بنى يشكر، من بكر بن وائل. وكان أبرص، وهو القائل:
آذنتنا ببينها أسماء ... ربّ ثاو يملّ منه الثّواء [٢]
ويقال إنّه ارتجلها بين يدى عمرو بن هند ارتجالا، فى شىء كان بين بكر وتغلب بعد الصلح، وكان ينشده من وراء السّجف، للبرص الذى كان به، فأمر برفع السّجف بينه وبينه [٣] ، استحسانا لها، وكان الحارث متوكّئا على عنزة، فارتزّت فى جسده وهو لا يشعر [٤] .
٣٢٠* وكان له ابن يقال له: مذعور، ولمذعور ابن يقال له: شهاب بن مذعور، وكان ناسبا، وفيه يقول مسكين الدارمىّ:
هلمّ إلى ابن مذعور شهاب ... ينبّئ بالسّفال وبالمعالى
٣٢١* قال الأصمعىّ: قد أقوى الحارث بن حلّزة فى قصيدته التى ارتجلها، قال:
فملكنا بذلك الناس إذ ما ... ملك المنذر بن ماء السّماء [٥]
стр. 187
قال أبو محمد: ولن يضرّ ذلك فى هذه القصيدة، لأنّه ارتجلها فكانت كالخطبة [١] .
٣٢٢* وممّا يتمثّل به من شعره [٢] :
فعش بجدّ لا يضر ... ك النّوك ما أوتيت جدّا
والنّوك خير فى ظلا ... ل العيش ممّن عاش كدّا
стр. 188
٩- لقيط بن معمر [١]
٣٢٣* هو لقيط بن معمر، من إياد، وكانت إياد أكثر نزار عددا، وأحسنهم وجوها، وأمدّهم وأشدّهم وأمنعهم، وكانوا لقاحا لا يؤدّون خرجا [٢] ، وهم أوّل معدّىّ خرج من تهامة، فنزلوا السّواد، وغلبوا على ما بين البحرين إلى سنداد والخورنق، وسنداد نهر كان بين الحيرة إلى الأبلّة. وكانوا أغاروا على أموال لأنوشروان فأخذوها، فجهزّ إليهم الجيوش، فهزموهم مرّة بعد مرّة. ثم إنّ إيادا ارتحلوا حتّى نزلوا الجزيرة، فوجّه إليهم كسرى بعد ذلك ستّين ألفا فى السلاح [٣] ، وكان لقيط متخلّفا عنهم بالحيرة، فكتب إليهم [٤] :
سلام فى الصّحيفة من لقيط ... إلى من بالجزيرة من إياد
بأنّ الّليث كسرى قد أتاكم ... فلا يشغلكم سوق النّقاد [٥]
أتاكم منهم ستّون ألفا ... يزجّون الكتائب كالجراد [٦]
стр. 189
على حنق أتينكم، فهذا ... أوان هلاككم كهلاك عاد
فاستعدّت إياد لمحاربة جنود كسرى، ثم التقوا، فاقتتلوا قتالا شديدا، أصيب فيه من الفريقين، ورجعت عنهم الخيل، ثم اختلفوا بعد ذلك، فلحقت فرقة بالشأم، وفرقة رجعت إلى السواد، وأقامت فرقة بالجزيرة.
٣٢٤* وفى هذه القصّة يقول أيضا لقيط فى قصيدته:
يا دار عبلة من محتلّها الجرعا [١] ... يا لهف نفسى إنّ كانت أموركم
شتّى، وأبرم أمر الناس فاجتمعا ... أحرار فارس أبناء الملوك لهم
من الجموع جموع تزدهى القلعا [٢] ... فهم سراع إليكم، بين ملتقط
شوكا، وآخر يجنى الصّاب والسّلعا [٣] ... هو الجلاء الّذى تبقى مذلّته
إن طار طائركم يوما وإن وقعا ... قوموا قياما على أمشاط أرجلكم
ثم افزعوا، قد ينال الأمن من فزعا [٤] ... وقلّدوا أمركم، لله درّكم
رحب الذّراع بأمر الحرب مضطلعا ... لا مترفا إن رخاء العيش ساعده
ولا إذا عضّ مكروه به خشعا
стр. 190
ما زال يحلب درّ الدّهر أشطره ... يكون متّبعا طورا ومتّبعا
حتّى استمرّت على شزر مريرته ... مستحكم السنّ، لا قحما ولا ضرعا [١]
стр. 191
١٠- أوس بن حجر [١]
٣٢٠* هو [٢] أوس بن حجر بن عتّاب. قال أبو عمرو بن العلاء: كان أوس فحل مضر، حتّى نشأ النابغة وزهير فأخملاه. وقيل لعمرو بن معاذ، وكان بصيرا بالشعر: من أشعر الناس؟ فقال: أوس، قيل: ثم من؟ قال:
أبو ذؤيب. وكان أوس عاقلا فى شعره، كثير الوصف لمكارم الأخلاق. وهو من أوصفهم للحمر والسلاح، ولا سيّما للقوس. وسبق إلى دقيق المعانى، وإلى أمثال كثيرة.
٣٢٦* وهو القائل:
وجاءت سليم قضّها وقضيضها ... بأكثر ما كانوا عديدا وأوكعوا [٣]
أوكعوا: اشتدّوا، يقال: «استوكعت المعدة وأوكعت» إذا اشتدّت [٤] .
وفى أمثال العرب: أسمحت قرونته. أى سمحت نفسه [٥] ، قال أوس:
стр. 192
فلاقى امرءا من ميدعان وأسمحت ... قرونته باليأس منها فعجّلا [١]
ويقال: «رجل مخلط مزيل» إذا كان ولّاجا خرّاجا، قال أوس:
وإن قال لى: ماذا ترى؟ يستشيرنى ... يجدنى ابن عمّى مخلط الأمر مزيلا
٣٢٧* ومن جيّد معانيه قوله [٢] :
وما أنا إلّا مستعدّ كما ترى ... أخو شركىّ الورد غير معتّم
و «شركىّ ورد» ماء فى إثر ماء، وهو المتتابع، يقول: أغشاهم بما يكرهون، ومنه يقال «فلان يتورّدنا بشرّ» و «غير معتّم» غير محتبس.
٣٢٨* وقوله:
وإن هزّ أقوام إلّى وحدّدوا ... كسوتهم من خير بزّ متحّم
«هزّ» من السّير، و «متحّم» من الأتحمىّ، وهو برد، وهذا مثل ضربه، يقول: إنّه يهجوهم بأخبث هجاء يقدر عليه. ومنه قول الآخر:
سأكسوكما يا ابنى يزيد بن جعشم ... رداءين من قير ومن قطران
٣٢٩* وقال أوس:
تركت الخبيث لم أشارك ولم أدق ... ولكن أعفّ الله مالى ومطعمى
«لم أدق» لم أدن، ومنه قول ذى الرّمّة:
كانت إذا ودقت أمثالهنّ له ... فبعضهنّ عن الألّاف منشعب
٣٣٠* وقال أوس:
فقومى وأعدائى يظنّون أنّنى ... متى يحدثوا أمثالها أتكلّم
«يظنّون» يوقنون، وليس من ظنّ الشك، قال الله جلّ وعزّ:
стр. 193
وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ
[١] . أى: أيقنوا.
٣٣١* قال أوس يصف قوسا:
كتوم طلاع الكفّ، لا دون ملئها ... ولا عجسها عن موضع الكفّ أفضلا [٢]
إذا ما تعاطوها سمعت لصوتها ... ، إذا أنبضوا عنها، نئيما وأزملا
«النئيم» صوت البوم، «والأزمل» صوت الجنّ [٣] .
ثم وصف النابل والنّبل فقال:
كساهنّ من ريش يمان ظواهرا ... سخاما لؤاما ليّن المسّ أطحلا [٤]
يخرن إذا أنفزن فى ساقط النّدى ... وإن كان يوما ذا أهاضيب مخضلا [٥]
خوار المطافيل الملمّعة الشّوى ... وأطلاؤها صادفن عرنان مبقلا [٦]
ثم وصف السيف فقال:
كأنّ مدبّ النّمل يتّبع الرّبى ... ومدرج ذرّ خاف بردا فأسهلا
стр. 194
على صفحتيه بعد حين جلائه ... كفى بالذى أبلى وأنعت منصلا [١]
٣٣٢* هو [٢] من تميم، أسيدىّ، وهو شاعر تميم. قال أبو عبيدة: حدّثنى يونس عن أبى عمرو بن العلاء قال: كان أوس شاعر مضر، حتّى أسقطه النابغة وزهير، فهو شاعر تميم فى الجاهليّة غير مدافع.
٣٣٣* وقال الأصمعىّ: قال أوس بن حجر:
لعمرك إنّا والأحاليف هؤلا ... لفى حقبة أظفارها لم تقلّم [٣]
أى نحن فى حرب، فأخذ المعنى زهير والنابغة، قال زهير:
لدى أسد شاكى السّلاح مقذّف ... له لبد أظفاره لم تقلّم
وقال النابغة:
وبنو قعين لا محالة أنّهم ... آتوك غير مقلّمى الأظفار
٣٣٤* وقال الأصمعىّ: أوس بن حجر أشعر من زهير، ولكنّ النابغة طأطأ منه، قال أوس:
ترى الأرض منّا بالفضاء مريضة ... معضلة منّا بجمع عرموم [٤]
стр. 195
وقال النابغة:
جيش يظلّ به الفضاء معضّلا ... يدع الإكام كأنّهنّ صحارى
فجاء بمعناه وزاد.
٣٣٥* وقالت الشعراء فى نفار الناقة وفزعها فأكثرت، ولم تعد ذكر الهرّ المقرون بها وابن آوى، وقال أوس بن حجر:
كأنّ هرّا جنيبا عند غرضتها ... والتفّ ديك برجليها وخنزير [١]
قالوا: وجمع ثلاثة ألفاظ أعجميّة فى بيت واحد، فقال:
وقارفت وهى لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنّمّىّ سفسير [٢]
«الفصافص» الرّطبة، وهى بالفارسيّة «إسبست» [٣] ، «والنّمّىّ» الفلوس بالروميّة، «والسفسير» السمسار.
٣٣٦* قال الأصمعىّ: ولم أسمع قطّ ابتداء مرثية أحسن من ابتداء مرثيته:
أيّتها النّفس أجملى جزعا ... إنّ الّذى تحذرين قد وقعا [٤]
стр. 196
٣٣٧* قال: وأحسن فى وصف السحاب [١] :
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالرّاح [٢]
ينفى الحصى عن جديد الأرض مبتركا ... كأنّه فاحص أو لاعب داح [٣]
فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكنّ يمشى بقرواح [٤]
٣٣٨* ويستجاد له قوله:
إذا ما علوا قالوا: أبونا وأمّنا ... وليس لهم عالين أمّ ولا أب [٥]
٣٣٩* ويستجاد له قوله [٦] :
وإنى رأيت الناس، إلّا أقلّهم ... خفاف العهود يكثرون التّنقّلا
بنى أمّ ذى المال الكثير يرونه ... وإنّ كان عبدا، سيد الأمر جحفلا [٧]
стр. 197
وهم لمقلّ المال أولاد علّة ... وإن كان محضا فى العمومة مخولا [١]
وليس أخوك الدائم العهد بالذى ... يسوءك إن ولّى ويرضيك مقبلا
ولكن أخوك الناء ما كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
٣٤٠* ويستجاد له قوله فى السيف:
كأنّ مدبّ البيت [٢] .
وهو أوصف الناس للقوس، ثم تبعه الشمّاخ.
стр. 198
١١- المرقش الأكبر
[١] ٣٤١* وهو ربيعة بن سعد بن مالك، ويقال: بل هو عمرو [٢] بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة.
وسمّى «المرقّش» بقوله:
الدار قفر والرّسوم كما ... رقّش فى ظهر الأديم قلم [٣]
٣٤٢* وهو أحد عشّاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته أسماء بنت عوف بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. وكان أبوها زوّجها رجلا من مراد، والمرقّش غائب، فلمّا رجع أخبر بذلك، فخرج يريدها، ومعه عسيف له من غفيلة، فلما صار فى بعض الطريق مرض، حتّى ما يحمل إلّا معروضا، فتركه الغفيلىّ هناك فى غار، وانصرف إلى أهله، فخبّرهم أنّه مات، فأخذوه وضربوه حتّى أقرّ، فقتلوه. ويقال إن أسماء وقفت على أمره، فبعثت إليه فحمل إليها، وقد أكلت السّباع أنفه، فقال [٤] :
يا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... أنس بن عمرو حيث كان وحرملا [٥]
لله درّكما ودرّ أبيكما ... إنّ أفلت الغفلىّ حتّى يقتلا
стр. 199
من مبلغ الفتيان أنّ مرقّشا ... أضحى على الأصحاب عبا مثقلا
ذهب السّباع بأنفه فتركنه ... ينهسن منه فى القفار مجدّلا
وكأنما ترد السّباع بشلوه ... إذ غاب جمع بنى ضبيعة، منهلا [١]
ويقال: بل كتب هذه الأبيات على خشب الرّحل، وكان يكتب بالحميريّة، فقرأها قومه، فلذلك ضربوا الغفيلىّ حتّى أقرّ.
٣٤٣* ومن جيّد شعره قوله [٢] :
فهل يرجعن لى لمّتى، إن خضبتها ... إلى عهدها، قبل الممات، خضابها
رأت أقحوان الشّيب فوق خطيطة ... إذا مطرت لم يستكنّ صؤابها [٣]
فإن يظعن الشّيب الشّباب فقد ترى ... به لمّتى لم يرم عنها غرابها
٣٤٤* وقوله [٤] :
ودوّيّة غبراء قد طال عهدها ... تهالك فيها الورد والمرء ناعس [٥]
قطعت إلى معروفها منكراتها ... بعيهمة تنسلّ واللّيل دامس [٦]
وتسمع تزقاء من البوم حولها ... كما ضربت بعد الهدوّ النّواقس
وأعرض أعلام كأنّ رؤوسها ... رؤوس رجال فى خليج تغامس
ولمّا أضأنا اللّيل عند شوائنا ... عرانا عليها أطلس اللّون بائس [٧]
стр. 200
نبذت إليه حزّة من شوائنا ... حياء، وما فحشى على من أجالس
فآب بها جذلان ينفض رأسه ... كما آب بالنّهب الكمىّ المخالس [١]
٣٤٥* ومما سبق إليه قوله:
يأبى الشّباب الأقورين ولا ... تغبط أخاك أن يقال حكم [٢]
أخذه عمرو بن قميئة فقال [٣] :
لا تغبط المرء أن يقال له: ... أضحى فلان لسنّه حكما
إن سرّه طول عمره ... أضحى على الوجه طول ما سلما
٣٤٦* هو [٤] عمرو بن سعد بن مالك بن عباد بن ضبيعة. وسمّى «المرقّش» بقول: كما رقّش البيت.
وأكل السبع أنفه فقال:
من مبلغ الفتيان البيتين [٥] ٣٤٧* قال أبو محمد: وهو يعدّ من العشّاق، وصاحبته ابنة عمه أسماء بنت عوف بن مالك. وعوف هو الحسام [٦] .
стр. 201
٣٤٨* ويستحسن له قوله [١] :
النّشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ غنم
ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما يعلم [٢]
٣٤٩* ومما سبق إليه فأخذ منه قوله:
يأبى الشباب البيت. أخذه الكميت فقال:
لا تغبط البيتين [٣] .
стр. 202
١٢- المرقش الأصغر
[١] ٣٥٠* يقال إنّه أخو الأكبر، ويقال: إنّه ابن أخيه. واختلفوا فى اسمه:
فقال بعضهم: هو عمرو بن حرملة، وقال آخرون: هو ربيعة بن سفيان [٢] .
وهو من بنى سعد بن مالك بن ضبيعة، وأحد عشّاق العرب المشهورين، وصاحبته فاطمة بنت المنذر، وكانت لها خادمة تجمع بينهما، يقال لها هند بنت عجلان، فلذلك ذكرها فى شعره.
٣٥١* وكان للمرقّش ابن عمّ يقال له: جناب بن عوف بن مالك [٣] ، لا يؤثر عليه أحدا، وكان لا يكتمه شيئا من أمره، فألحّ عليه أن يخلفه ليلة عند صاحبته، فامتنع عليه زمانا، ثم إنّه أجابه إلى ذلك، فعلّمه كيف يصنع إذا دخل عليها، فلمّا دنا منها أنكرت عليه مسّه، فنحّته عنها، وقالت: لعن الله سرّا عند المعيدىّ، وجاءت الوليدة فأخرجته، فأتى المرقش فأخبره، فعضّ على إبهامه فقطعها أسفا، وهام على وجه حياء، فذلك قوله [٤] :
ألا يا اسلمى لا صرم فى اليوم فاطما ... ولا أبدا ما دام وصلك دائما
رمتك ابنة البكرىّ عن فرع ضالة ... وهذّ بنا خوص يخلن نعائما [٥]
стр. 203
صحا قلبه عنها خلا أنّ روعه ... إذا ذكرت دارت به الأرض قائما [١]
أفاطم لو أنّ النساء ببلدة ... وأنت بأخرى لاتّبعتك هائما
منى ما يشأ ذو الودّ يصرم خليله ... ويغضب عليه لا محالة ظالما
وآلى جناب حلفة فأطعته ... فنفسك ولّ اللّوم إن كنت نادما [٢]
أمن حلم أصبحت تمكث واجما ... وقد تعترى الأحلام من كان نائما [٣]
٣٥٢* ومما سبق إليه قوله:
ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما [٤]
أخذه القطامىّ فقال [٥] .
والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهى، ولأمّ المخطئ الهبل
٣٥٣* هو [٦] عمرو بن سفيان بن سعد بن مالك، ابن أخى المرقّش الأكبر، ويقال هو ابن حرملة، وهو يعدّ من العشّاق، وصاحبته بنت عجلان، أمة كانت لبنت عمرو بن هند، وفيها يقول [٧] :
يا بنت عجلان ما أصبرنى ... على خطوب كنحت بالقدوم
стр. 204
٣٥٤* ومما سبق إليه فأخذ منه قوله ومن يلق خيرا البيت، أخذه القطامىّ فقال والناس من يلق البيت.
٣٥٥* ويعاب عليه قوله فى المرأة:
صحا قلبه عنها على أنّ ذكرة ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما [١]
قالوا: كيف يصحو من إذا ذكرت له دارت به الأرض [٢] ؟! ٣٥٦* قالوا: وكان عضّ سبّابته فقطعها من حبها، وقال:
ألم تر أنّ المرء يجذم كفّه ... ويجشم من هول الأمور المجاشما [٣]
٣٥٧* وكان هرب من المنذر وأتى الشأم؛ فقال [٤] :
أبلغ المنذر المنقّب عنّى ... غير مستعتب ولا مستعين
لات هنّا وليتنى طرف الزّ ... جّ وأهلى بالشأم ذات القرون [٥]
стр. 205
١٣- علقمة بن عبدة
[١] ٣٥٨* هو من بنى تميم، جاهلىّ. وهو الذى يقال له علقمة الفحل، وسمّى بذلك لأنّه احتكم مع امرئ القيس إلى امرأته أمّ جندب لتحكم بينهما، فقالت:
قولا شعرا تصفان فيه الخيل على روىّ واحد وقافية واحدة، فقال امرؤ القيس:
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب ... لنقضى حاجات الفؤاد المعذّب
وقال علقمة [٢] :
ذهبت من الهجران فى كلّ مذهب ... ولم يك حقّا كلّ هذا التّجنّب
ثم أنشداها جميعا، فقالت لامرئ القيس: علقمة أشعر منك، قال:
وكيف ذاك؟ قالت: لأنّك قلت:
فللّسوط ألهوب وللساق درّة ... وللزّجر منه وقع أخرج مهذب [٣]
فجهدت فرسك بسوطك، ومريته بساقك [٤] ، وقال علقمة:
فأدركهنّ ثانيا من عنانه ... يمرّ كمرّ الرائح المتحلّب [٥]
стр. 206
فأدرك طريدته وهو ثان من عنان فرسه، لم يضربه بسوط، ولا مراه بساق، ولا زجره، قال: ما هو بأشعر منّى ولكنّك له وامق [١] ! فطلّقها فخلف عليها علقمة، فسمّى بذلك «الفحل» . ويقال: بل كان فى قومه رجل يقال له علقمة الخصىّ، ففرّقوا بينهما بهذا الاسم.
٣٥٩* ومن جيّد قوله [٢] :
فإن تسألونى بالنّساء فإنّنى ... بصير بأدواء النّساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له فى ودّهنّ نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشّباب عندهنّ عجيب [٣]
٣٦٠* هو [٤] تميمىّ، من ربيعة الجوع [٥] ، وهو الذى يقال له الفحل، وكان ينازع امرأ القيس الشعر، فقال كل واحد منهما لصاحبه: أنا أشعر منك، فقال علقمة: قد حكّمت امرأتك أمّ جندب بينى وبينك. فقال: قد رضيت.
فقالت أمّ جندب: قولا شعرا تصفان فيه الخيل على روىّ واحد وقافية واحدة،
стр. 207
فقال امرؤ القيس قصيدته التى أوّلها:
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب ... نقضّ لبانات الفؤاد المعذّب [١]
وقال علقمة قصيدته التى أوّلها
ذهبت من الهجران فى غير مذهب
البيت. ثم أنشداها جميعا، فقالت لامرئ القيس: علقمة أشعر منك، قال:
وكيف؟ قالت: لأنّك قلت
فللسّوط ألهوب
البيت، فجهدتّ فرسك بسوطك وزجرك، فأتبعته بساقك، وقال علقمة:
فولّى على آثارهنّ بحاصب ... وغيبة شؤبوب من الشّد ملهب [٢]
فأدركهنّ ثانيا
البيت، فأدرك طريدته وهو ثان من عنانه، لم يضربه بسوطه، ولم يمره بساقه، ولم يزجره، فقال لها: ما هو بأشعر منّى ولكنّك له عاشق! فطلّقها وخلف عليها علقمة، فسمّى «الفحل» لذلك.
٣٦١* ويقال إنه قيل له «الفحل» لأنّ فى رهطه رجلا يقال له علقمة الخصىّ. وهو علقمة بن سهل، أحد بنى ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، ويكنى أبا الوضّاح، وكان بعمان [٣] . وسبب خصائه أنّه أسر باليمن فهرب، فظفر به، ثم هرب مرّة أخرى، فأخذ فخصى، فهرب ثالثة، وأخذ جملين يقال لهما عوهج وداعر، فصارا بعمان، فمنها العوهجيّة والداعريّة، وكان شهد على قدامة بن مظعون، وكان عامل عمر على البحرين، بشرب الخمر، فحدّه
стр. 208
عمر [١] .
٣٦٢* وهو القائل [٢] :
يقول رجال من صديق وحاسد ... أراك أبا الوضّاح أصبحت ثاويا
فلا يعدم البانون بيتا يكنّهم ... ولا يعدم الميراث منّى المواليا
وجفّت عيون الباكيات وأقبلوا ... إلى مالهم، قد بنت عنه، وماليا
حراصا على ما كنت أجمع قبلهم ... هنيئا لهم جمعى وما كنت وانيا
٣٦٣* وكان لعلقمة بن عبدة أخ يقال له شأس بن عبدة، أسره الحارث بن أبى شمر الغسّانىّ مع سبعين رجلا من بنى تميم، فأتاه علقمة ومدحه بقصيدة أوّلها [٣] :
طحا بك قلب فى الحسان طروب ... بعيد الشّباب عصر حان مشيب [٤]
إلى الحارث الوهّاب أعملت ناقتى ... لكلكلها والقصريين وجيب
فلما بلغ هذا البيت:
وفى كلّ حىّ قد خبطت بنعمة ... فحقّ لشأس من نداك ذنوب [٥]
فقال الحارث: نعم وأذنبة. وإنما أراد علقمة بقوله:
стр. 209
وفى كلّ حىّ قد خبطت بنعمة
أنّ النابغة كان شفع فى أسارى بنى أسد فأطلقهم، وكانوا نيّفا وثمانين، ثم سأله علقمة أن يطلق أسارى بنى تميم ففعل. ويقال إن شأسا هو ابن أخى علقمة.
٣٦٤* ويستجاد له من هذا الشعر:
فإن تسألونى بالنساء الثلاثة الأبيات [١] .
стр. 210
١٤- الأفوه الأودى
[١] ٣٦٥* هو صلاءة بن عمرو، من مذحج، ويكنى أبا ربيعة، وهو القائل [٢] :
لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
تهدى الأمور بأهل الرّأى ما صلحت ... فإن تولّت فبالأشرار تنقاد
٣٦٦* ومن جيّد شعره قوله [٣] :
إنّما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار
حتم الدّهر علينا أنّه ... ظلف ما نال منّا وجبار
ظلف: باطل [٤] . وجبار: هدر.
وهذه القصيدة من جيّد شعر العرب، أوّلها:
إن ترى رأسى فيه نزع ... وشواى خلّة فيها دوار [٥]
٣٦٧* وهو القائل:
стр. 211
والمرء ما يصلح له ليلة ... بالسّعد تفسده ليالى النّحوس
والخير لا يأتى ابتغاء به ... والشّرّ لا يفنيه ضرح الشّموس [١]
стр. 212
١٥- عدى بن زيد العبادى
[١] ٣٦٨* هو عدىّ بن زيد بن حمّاد [٢] بن أيّوب، من زيد مناة بن تميم.
وكان يسكن بالحيرة، ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شىء كثير جدّا، وعلماؤنا لا يرون شعره حجّة.
٣٦٩* وله أربع قصائد غرر، إحداهنّ:
أرواح مودّع أم بكور ... لك؟ فاعمد لأىّ حال تصير
وفيها يقول [٣] :
أيّها الشامت المعير بالدّه ... ر أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من ال ... أيّام أم أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم مّن ... ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أبوسا ... سان أم أين قبله سابور [٤]
وبنو الأصفر الكرام ملوك ال ... رّوم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور [٥]
стр. 213
شاده مرمرا وجلّله كل ... سا فللطّير فى ذراه وكور
وتبيّن رّبّ الخورنق إذ أش ... رف يوما، وللهدى تفكير [١]
سرّه حاله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسّدير [٢]
فارعوى قلبه فقال: وما غب ... طة حىّ إلى الممات يصير
ثمّ بعد الفلاح والملك والإ ... مّة وارتهم هناك القبور [٣]
ثمّ أضحوا كأنّهم ورق ج ... فّ فألوت به الصّبا والدّبور
٣٧٠* والثانية [٤] :
أتعرف رسم الدار من أمّ معبد ... نعم، فرماك الشّوق قبل التّجلّد
وفيها يقول:
أعاذل ما يدريك أنّ منيّتى ... إلى ساعة فى اليوم أوفى ضحى الغد
ذرينى فإنى إنما لى ما مضى ... أمامى من مالى إذا خفّ عوّدى
وحمّت لميقات إلىّ منيّتى ... وغودرت قد وسّدت أو لم أوسّد
وللوارث الباقى من المال، فاتركى ... عتابى، فإنى مصلح غير مفسد
٣٧١* والثالثة:
لم أر مثل الفتيان فى غبن الّ ... أيّام ينسون ما عواقبها [٥]
стр. 214
٣٧٢* والرابعة:
طال ليلى أراقب التّنويرا ... أرقب اللّيل بالصّباح بصيرا
٣٧٣* وهو القائل فى قصّة الزّبّاء وجذيمة وقصير الطالب بالثأر:
دعا بالبقّة الأمراء يوما ... جذيمة عصر ينجوهم ثبينا [١]
فطاوع أمرهم وعصى قصيرا ... وكان يقول، لو تبع، اليقينا
ودسّت فى صحيفتها إليه ... ليملك بضعها ولأن تدينا
فأردته، ورغب النّفس يردى ... ويبدى للفتى الحين المبينا
وخبّرت العصا الأنباء عنه ... ولم أر مثل فارسها هجينا [٢]
وقدّمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا [٣]
ومن حذر الملاوم والمخازى ... وهنّ المنديات لمن منينا [٤]
أطفّ لأنفه الموسى قصير ... ليجدعه وكان به ضنينا [٥]
فأهواه لمارنه فأضحى ... طلاب، الوتر، مجدوعا مشينا
وصادفت امرءا لم تخش منه ... غوائله، وما أمنت أمينا
стр. 215
فلما ارتدّ منها ارتدّ صلبا ... يجرّ المال والصّدر الضّغينا
أتتها العيس تحمل ما دهاها ... وقنّع فى المسوح الدّار عينا
ودسّ لها على الأنفاق عمرا ... بشكّته، وما خشيت كمينا
فجلّلها قديم الأثر عضبا ... يصكّ به الحواجب والجبينا [١]
فأضحت من خزائنها كأن لم ... تكن زبّاء حاملة جنينا
وأبرزها الحوادث والمنايا ... وأىّ معمّر لا يبتلينا
إذا أمهلن ذا جدّ عظيم ... عطفن له ولو فرّطن حينا
ولم أجد الفتى يلهو بشىء ... ولو أثرى ولو ولد البنينا
٣٧٤* هو [٢] عدىّ بن زيد بن حماز [٣] بن زيد بن أيّوب بن محروف [٤] ابن عامر بن عصيّة [٥] بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم. وأوّل من نزل الحيرة منهم أيّوب، بسبب دم أصابه، وكان منزله اليمامة. وكان حماز أوّل من تعلم الكتابة من بنى أيّوب، وكتب للنعمان الأكبر.
٣٧٥* وكان عدىّ ترجمان أبرواز ملك فارس وكاتبه بالعربيّة، فلما قتل عمرو بن هند وصف له عدىّ بن زيد النعمان بن المنذر بن امرئ القيس، وأشار عليه بتوليته العرب، واحتال فى ذلك حتى ولّاه من بين إخوته، وكان أدمّهم وأقبحهم. ثم بلغ النعمان عن عدىّ شىء فخافه، فاحتال حتى وقع فى يده،