والمرء ما يصلح له ليلة ... بالسّعد تفسده ليالى النّحوس
والخير لا يأتى ابتغاء به ... والشّرّ لا يفنيه ضرح الشّموس [١]
стр. 212
١٥- عدى بن زيد العبادى
[١] ٣٦٨* هو عدىّ بن زيد بن حمّاد [٢] بن أيّوب، من زيد مناة بن تميم.
وكان يسكن بالحيرة، ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شىء كثير جدّا، وعلماؤنا لا يرون شعره حجّة.
٣٦٩* وله أربع قصائد غرر، إحداهنّ:
أرواح مودّع أم بكور ... لك؟ فاعمد لأىّ حال تصير
وفيها يقول [٣] :
أيّها الشامت المعير بالدّه ... ر أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من ال ... أيّام أم أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم مّن ... ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أبوسا ... سان أم أين قبله سابور [٤]
وبنو الأصفر الكرام ملوك ال ... رّوم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور [٥]
стр. 213
شاده مرمرا وجلّله كل ... سا فللطّير فى ذراه وكور
وتبيّن رّبّ الخورنق إذ أش ... رف يوما، وللهدى تفكير [١]
سرّه حاله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسّدير [٢]
فارعوى قلبه فقال: وما غب ... طة حىّ إلى الممات يصير
ثمّ بعد الفلاح والملك والإ ... مّة وارتهم هناك القبور [٣]
ثمّ أضحوا كأنّهم ورق ج ... فّ فألوت به الصّبا والدّبور
٣٧٠* والثانية [٤] :
أتعرف رسم الدار من أمّ معبد ... نعم، فرماك الشّوق قبل التّجلّد
وفيها يقول:
أعاذل ما يدريك أنّ منيّتى ... إلى ساعة فى اليوم أوفى ضحى الغد
ذرينى فإنى إنما لى ما مضى ... أمامى من مالى إذا خفّ عوّدى
وحمّت لميقات إلىّ منيّتى ... وغودرت قد وسّدت أو لم أوسّد
وللوارث الباقى من المال، فاتركى ... عتابى، فإنى مصلح غير مفسد
٣٧١* والثالثة:
لم أر مثل الفتيان فى غبن الّ ... أيّام ينسون ما عواقبها [٥]
стр. 214
٣٧٢* والرابعة:
طال ليلى أراقب التّنويرا ... أرقب اللّيل بالصّباح بصيرا
٣٧٣* وهو القائل فى قصّة الزّبّاء وجذيمة وقصير الطالب بالثأر:
دعا بالبقّة الأمراء يوما ... جذيمة عصر ينجوهم ثبينا [١]
فطاوع أمرهم وعصى قصيرا ... وكان يقول، لو تبع، اليقينا
ودسّت فى صحيفتها إليه ... ليملك بضعها ولأن تدينا
فأردته، ورغب النّفس يردى ... ويبدى للفتى الحين المبينا
وخبّرت العصا الأنباء عنه ... ولم أر مثل فارسها هجينا [٢]
وقدّمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا [٣]
ومن حذر الملاوم والمخازى ... وهنّ المنديات لمن منينا [٤]
أطفّ لأنفه الموسى قصير ... ليجدعه وكان به ضنينا [٥]
فأهواه لمارنه فأضحى ... طلاب، الوتر، مجدوعا مشينا
وصادفت امرءا لم تخش منه ... غوائله، وما أمنت أمينا
стр. 215
فلما ارتدّ منها ارتدّ صلبا ... يجرّ المال والصّدر الضّغينا
أتتها العيس تحمل ما دهاها ... وقنّع فى المسوح الدّار عينا
ودسّ لها على الأنفاق عمرا ... بشكّته، وما خشيت كمينا
فجلّلها قديم الأثر عضبا ... يصكّ به الحواجب والجبينا [١]
فأضحت من خزائنها كأن لم ... تكن زبّاء حاملة جنينا
وأبرزها الحوادث والمنايا ... وأىّ معمّر لا يبتلينا
إذا أمهلن ذا جدّ عظيم ... عطفن له ولو فرّطن حينا
ولم أجد الفتى يلهو بشىء ... ولو أثرى ولو ولد البنينا
٣٧٤* هو [٢] عدىّ بن زيد بن حماز [٣] بن زيد بن أيّوب بن محروف [٤] ابن عامر بن عصيّة [٥] بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم. وأوّل من نزل الحيرة منهم أيّوب، بسبب دم أصابه، وكان منزله اليمامة. وكان حماز أوّل من تعلم الكتابة من بنى أيّوب، وكتب للنعمان الأكبر.
٣٧٥* وكان عدىّ ترجمان أبرواز ملك فارس وكاتبه بالعربيّة، فلما قتل عمرو بن هند وصف له عدىّ بن زيد النعمان بن المنذر بن امرئ القيس، وأشار عليه بتوليته العرب، واحتال فى ذلك حتى ولّاه من بين إخوته، وكان أدمّهم وأقبحهم. ثم بلغ النعمان عن عدىّ شىء فخافه، فاحتال حتى وقع فى يده،
стр. 216
فحبسه، فقال فى الحبس أشعارا وبعث بها إليه، فمنها قوله:
ألا من مبلغ النّعمان عنّى ... علانية، وما يغنى السّرار
بأنّ المرء لم يخلق حديدا ... ولا هضبا توقّله الوبار [١]
ولكن كالشهاب سناه يخبو ... وحادى الموت عنه ما يحار
فهل من خالد إمّا هلكنا ... وهل بالموت، ياللنّاس! عار [٢]
ومنها قوله:
أبلغ النّعمان عنّى مألكا ... أننى قد طال حبسى وانتظارى [٣]
لو بغير الماء حلقى شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصارى [٤]
فلم يزل فى حبسه حتّى مات، ويقال إنه قتله.
٣٧٦* وكان له ابن يقال له زيد بن عدىّ، فتوصّل إلى أبرواز حتّى حلّ محلّ أبيه، وذكر زيد لأبرواز نساء آل المنذر، ونعتهنّ له، بالجمال، فكتب أبرواز إلى النعمان يأمره أن يزوّجه أخته أو ابنته! فلمّا قرأ النعمان الكتاب قال للرسول:
فأين الملك عن مها السّواد؟ فرجع الرسول فأخبره بما قال، وحرّف زيد القول عنده، وقال: فأين هو عن بقر العراق [٥] ؟ فطلبه أبرواز، وهرب النعمان منه
стр. 217
حينا، ثم بدا له أن يأتيه، فأتاه بالمدائن، فصفّ له كسرى ثمانية آلاف جارية صفّين، فلمّا صار بينهما قلن له: أما فينا للملك غنى عن بقر العراق؟! وعلم النعمان أنّه غير ناج منه، وأمر به كسرى فحبس فى ساباط المدائن، ثم ألقى تحت أرجل الفيلة، فتوطّأته حتّى مات.
٣٧٧* وذكر أبو عبيدة عن أبى عمرو بن العلاء قال: كان عدىّ بن زيد فى الشعراء بمنزلة سهيل فى النجوم، يعارضها ولا يجرى مجاريها [١] . قال:
والعرب لا تروى شعره، لأنّ ألفاظه ليست بنجديّة، وكان نصرانيّا من عباد الحيرة [٢] ، قد قرأ الكتب.
٣٧٨* قال الأصمعىّ: كان عدىّ لا يحسن أن ينعت الخيل، وأخذ عليه قوله فى صفة الفرس فارها متتايعا [٣] وقال: لا يقال للفرس «فارس» إنما يقال له «جواد» و «عتيق» ويقال للكودن والبغل والحمار «فاره» .
ووصف الخمر بالخضرة، ولم يعلم أحد وصفها بذلك، قال:
والمشرف الهندىّ نسقى به ... أخضر مطموثا بماء الخريص [٤]
٣٧٩* وهو أوّل من شبّه أباريق الخمر بالظّباء، قال يذكر بيت الخمّار:
стр. 218
بيت جلوف بارد ظلّه ... فيه ظباء ودواخيل خوص [١]
فقال بعده:
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف [٢]
٣٨٠* ويستجاد له قوله:
قد يدرك المبطئ من حظّه ... والخير قد يسبق جهد الحريص [٣]
٣٨١* ويستجاد له قوله فى وصف السّقاة:
والرّبرب المكفوف أردانه ... يمشى رويدا كمشى الرّهيص [٤]
ثم قال بعد أن وصف الخمر والنّدامى:
ذلك خير من فيوج على البا ... ب وقيدين وغلّ قروص [٥]
أو مرتقى نيق على مركب ... أدفر عود ذى إكاف قموص [٦]
لا يحسن المشّى ولا يقبل الرّد ... ف ولا يعطى به قلب خوص [٧]
ومن نسور حول موتى يمزّق ... ن لحوما من طرىّ الفريص [٨]
قالوا: وهذان لا يتقاربان، وكيف يجعل هذا خيرا من هذا؟
стр. 219
٣٨٢* ومما سبق إليه فأخذ منه قوله لأخيه يحذّره أن يدخل أرض النعمان:
فلا تلفينّ كأمّ الغلا ... م إلّا تجد عارما تعترم
أخذه ابن مقبل فقال:
لا ألفينّ وإيّاكم كعارمة ... إلّا تجد عارما فى الناس تعترم
قال أبو محمد: معناه: إن لم تجد من يرضعها رضعت ثدى نفسها، يقال «عرم الصبىّ أمّه» إذا رضعها، ويقال: إن لم تجد من يخادشها ويقاتلها خدشت وجه نفسها وادّعته على برىّ [١] .
٣٨٣* وهو ممن أقرّ على نفسه بالزنا، فقال:
بنات كرام لم يربن بضرّة ... دمى شرقات بالعبير روادعا [٢]
لهوت لهنّ بين سرّ ورشدة ... ولم آل عن عهد الأحبّة خادعا
يسارقن م الأستار طرفا مفتّرا ... ويبرزن من فتق الخدور الأصابعا
٣٨٤* وينسب إلى الكذب بقوله:
ربّ نار بتّ أرمقها ... تقضم الهندىّ والغارا [٣]
يريد بالهندىّ العود.
قال أبو محمد: وليس هذا عندى كذبا، لأنّه لم يرد أنّه يوقدها بالعود،
стр. 220
وإنّما أراد أنّها توقد بالغار، وهو شجر، وتلقى قطع العود على ذلك للطّيب.
وهو مثل قول الحارث بن حلّزة:
أوقدتها بين العقيق فشرخ ... ين بعود كما يلوح الضّياء [١]
أراد أنّها أوقدتها وألقت عليها عود البخور [٢] .
стр. 221
١٦- عمرو بن كلثوم
[١] ٣٨٥* هو من بنى تغلب، من بنى عتّاب، جاهلىّ (قديم) . وهو قاتل عمرو بن هند ملك الحيرة، وكان سبب ذلك أنّ عمرو بن هند قال ذات يوم لندمائه: هل تعلمون [أنّ] [٢] أحدا من العرب تأنف أمّه من خدمة أمّى؟
فقالوا: نعم، عمرو بن كلثوم [٣] ، قال: ولم (ذلك) ؟ قالوا؛ لأنّ أباها مهلهل بن ربيعة، وعمّها كليب وائل أعزّ العرب، وبعلها كلثوم بن مالك بن عتّاب أفرس العرب، وابنها عمرو بن كلثوم سيد من هو منه، فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمّه أمّه، فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة فى جماعة من بنى تغلب، وأقبلت ليلى بنت مهلهل فى ظعن من بنى تغلب، وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه مملكته فحضروا، وأتاه عمرو بن كلثوم فى وجوه بنى تغلب، فدخل عمرو بن كلثوم على عمرو بن هند فى رواقة، ودخلت ليلى (بنت مهلهل أمّ عمرو بن كلثوم) على هند فى قبّة فى جانب الرّواق، وهند أمّ عمرو بن هند عمّة امرئ القيس الشاعر، وليلى بنت مهلهل أمّ عمرو بن كلثوم (هى) بنت أخى فاطمة بنت ربيعة أمّ امرئ القيس، وقد كان أمر عمرو بن هند أمّه أن تنحّى الخدم إذا دعا بالطّرف، وتستخدم ليلى، فدعا عمرو بن هند بمائدة فنصبها، فأكلوا، ثم دعا بالطّرف، فقالت هند: يا ليلى ناولينى ذلك الطّبق! فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها وألحّت،
стр. 222
فصاحت ليلى: واذلّاه! يا لتغلب! فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم فى وجهه، ونظر إلى عمرو بن هند، فعرف الشرّ فى وجهه، فقام إلى سيف لعمرو بن هند معلّق بالرّواق، [و] [١] ليس هناك سيف غيره، فضرب به رأس عمرو بن هند حتى قتله، ونادى فى بنى تغلب، فانتهبوا جميع ما فى الرّواق، وساقوا نجائبه، وساروا نحو الجزيرة، ففى ذلك يقول عمرو بن كلثوم [٢] :
بأىّ مشيّة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
تهدّدنا وأوعدنا رويدا ... متى كنّا لأمّك مقتوينا [٣]
وقال الفرزدق (لجرير) :
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
قوم هم قتلوا ابن هند عنوة ... عمرا، وهم قسطوا على النّعمان
وقال أفنون التّغلبىّ:
لعمرك ما عمرو بن هند إذا دعا ... ليخدم أمّى أمّه بموفّق [٤]
٣٨٦* ويقال إن أخاه مرّة بن كلثوم هو قاتل المنذر بن النعمان بن المنذر، وفى ذلك يقول الأخطل:
стр. 223
أبنى كليب إنّ عمّىّ الّلذا ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
يعنى بعمّيه عمرا ومرة ابنى كلثوم.
٣٨٧* وعمرو بن كلثوم هو القائل [١] :
ألا هبّى بصحنك فاصبحينا
وكان قام بها خطيبا فيما كان بينه وبين عمرو بن هند، وهى من جيد شعر العرب القديم، وإحدى السّبع.
٣٨٨* ولشغف تغلب بها وكثرة روايتهم لها قال بعض الشعراء [٢] :
ألهى بنى تغلب عن كلّ مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أوّلهم ... يا للرّجال لفخر غير مسؤوم!
٣٨٩* وابنه عبّاد [٣] بن عمرو بن كلثوم هو قاتل بشر بن عمرو بن عدس.
ولعمرو بن كلثوم عقب، منهم العتّابىّ الشاعر المشهور [٤] ، واسمه كلثوم ابن عمرو، ويكنى أبا عمرو، وكان كاتبا مجيدا فى الرسائل، وشاعرا مجيدا [٥] .
стр. 224
١٧- أبو دؤاد الإيادى
[١] ٣٩١* قال أبو محمد: اختلفوا فى اسمه، فقال بعضهم: هو جارية بن الحجّاج، وقال الأصمعىّ: هو حنظلة بن الشّرقىّ [٢] ، وكان فى عصر كعب ابن مامة الإيادى، الذى آثر بنصيبه من الماء رفيقه النّمرىّ فمات عطشا، فضرب به المثل فى الجود [٣] ، وبلغه عنه شىء فقال [٤] :
وأتانى تقحيم كعب إلى المن ... طق إنّ النّكيثة الإقحام
(فى نظام ما كنت فيه فلا يح ... زنك قول، لكلّ حسناء ذام
ولقد رابنى ابن عمّى كعب ... إنّه قد يروم ما لا يرام
غير ذنب بنى كنانة منّى ... إن أفارق فإنّنى مجذام)
٣٩٢* وكان بعض الملوك أخافه، فصار إلى بعض ملوك اليمن فأجاره فأحسن إليه، فضرب المثل بجار أبى دؤاد، قال طرفة:
إنى كفانى من همّ هممت به ... جار كجار الحذاقىّ الّذى انتصفا
والحذاقىّ هو أبو دؤاد، وحذاق قبيلة من إياد.
стр. 225
٣٩٣* ويقال إنّما أجاره الحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان، وذلك أن قباذ سرّح جيشا إلى إياد، فيهم الحارث بن همّام، فاستجار به قوم من إياد فيهم أبو دؤاد، فأجارهم.
٣٩٤* وكان أبو عبيدة يذكر أن جار أبى دؤأد هو كعب بن مامة، وأنشد لقيس بن زهير (بن جذيمة) فى ربيعة بن قرط:
أحاول ما أحاول ثم آوى ... إلى جار كجار أبى دؤاد [١]
٣٩٥* وهو أحد نعّات الخيل المجيدين. قال الأصمعىّ: هم ثلاثة، أبو دؤاد فى الجاهليّة، وطفيل [٢] ، والنابغة الجعدىّ.
٣٩٦* قال: والعرب لا تروى شعر أبى دؤاد وعدى بن زيد، (وذلك) لأنّ ألفاظهما ليست بنجديّة.
٣٩٧* وقيل للحطيئة من أشعر الناس؟ فقال: الذى يقول [٣] :
لا أعدّ الإقتار عدما ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام
من رجال من الأقارب فادوا ... من حذاق، هم الرّؤوس الكرام [٤]
فيهم للملاينين أناة ... وعرام إذا يراد العرام
فعلى إثرهم تساقط نفسى ... حسرات، وذكرهم لى سقام
وهذه القصيدة أجود شعره.
ويستجاد منها قوله فى صفة إبله:
إبلى الإبل لا يحوّزها الرّا ... عون، مجّ النّدى عليها المدام
стр. 226
سمنت فاستحشّ أكرعها، لا ال ... نّىّ ولا السّنام سنام [١]
فإذا أقبلت تقول: إكام ... مشرفات، بين الإكام إكام
وإذا أعرضت تقول: قصور ... من سماهيج فوقها آطام [٢]
وإذا ما فجئتها بطن غيث ... قلت: نخل قد حان منها صرام [٣]
فهى كالبيض فى الأداحىّ، مايو ... هب منها لمستتمّ عصام [٤]
ومما يتمثّل به من شعره قوله:
أكلّ امرئ تحسبين امرءا ... ونارا تحرّق باللّيل نارا [٥]
٣٩٩* وقوله:
الماء يجرى ولا نظام له ... لو وجد الماء مخرقا خرقه
٤٠٠* ومما سبق إليه فأخذ منه قوله:
ترى جارنا آمنا وسطنا ... يروح بعقد وثيق السّبب
стр. 227
إذا ما عقدنا له ذمّة ... شددنا العناج وعقد الكرب [١]
أخذه الحطيئة فقال:
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدّوا العناج وشدوا فوقه الكربا [٢]
стр. 228
١٨- حاتم بن عبد الله الطائى
[١] ٤٠١* هو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، من طيّئ، وأمّه عنبة بنت عفيف، من طيئ.
٤٠٢* وكان جوادا شاعرا جيد الشعر، وكان حيث ما نزل عرف منزله.
وكان ظفرا [٢] ، إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح سبق، وإذ أسر أطلق.
٤٠٣* ومرّ فى سفره على عنزة، وفيهم أسير، فاستغاث به الأسير، ولم يحضره فكاكه، فاشتراه من العنزيّين، وأقام مكانه فى القدّ حتّى أدّى فداءه [٣] . وقسم ماله بضع عشرة مرّة. وكان أقسم بالله لا يقتل واحد أمّه.
٤٠٤* قال أبو عبيدة: أجواد العرب ثلاثة: كعب بن مامة، وحاتم طيئ، (وكلاهما ضرب به المثل) ، وهرم بن سنان صاحب زهير.
٤٠٥* وكانت لحاتم قدور عظام بفنائه، لا تنزل عن الأثافىّ [٤] . وإذا أهلّ رجب نحر كلّ يوم وأطعم.
٤٠٦* وكان أبوه جعله فى إبل له وهو غلام، فمرّ به عبيد بن الأبرص وبشر بن أبى خازم والنابغة الذّبيانىّ، وهم يريدون النعمان، فنحر لهم ثلاثة من
стр. 229
إبله [١] ، وهو لا يعرفهم، ثم سألهم عن أسمائهم، فتسمّوا (له) ، ففرّق فيهم الإبل كلّها، وبلغ أباه ما فعل، فأتاه فقال له: ما فعلت الإبل؟ فقال: يا أبه، طوّقتك مجد الدهر طوق الحمامة، وأخبره بما صنع، فقال له أبوه: [إذا] [٢] لا أساكنك أبدا ولا أوويك، قال حاتم: إذا لا أبالى، فاعتزله.
٤٠٧* وكانت أمّه عنبة لا تليق سيئا سخاء وجودا، وكان إخوتها يمنعونها من ذلك فتأبى (عليهم) ، وكانت موسرة، فحبسوها فى بيت سنة يرزقونها قوتا [٣] ، لعلّها تكفّ عمّا كانت عليه إذا ذاقت طعم البؤس وعرفت فضل الغنى، ثم أخرجوها ودفعوا إليها صرمة من مالها [٤] ، فأتتها امرأة من هوازن فسألتها، فقالت (لها) : دونك الصرمة، فقد، والله، مسّنى من الجوع ما آليت معه ألا أمنع الدهر سائلا شيئا! ثم أنشأت تقول:
لعمرى لقدما عضّنى الجوع عضّة ... فآليت ألّا أمنع الدّهر جائعا
فقولا لهذا اللّائمى الآن أعفنى ... وإن أنت لم تفعل فعضّ الأصابعا
ولا ما ترون اليوم إلّا طبيعة ... فكيف بتركى، يا ابن أم، الطّبائعا
٤٠٨* قال عدىّ بن حاتم: كان حاتم رجلا طويل الصمت، وكان يقول:
إذا كان الشىء يكفيكه التّرك فاتركه.
٤٠٩* وقالت النّوار امرأته [٥] : أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض، واغبرّ
стр. 230
أفق السماء، وراحت الإبل حدبا حدابير [١] ، وضنّت المراضع عن أولادها فما تبضّ بقطرة، وجلفت السنة المال [٢] ، وأيقنّا أنّه الهلاك. فو الله إنى لفى ليلة صنّبر بعيدة ما بين الطّرفين [٣] ، إذ تضاغى أصيبيتنا [٤] من الجوع، عبد الله وعدىّ وسفّانة، فقام حاتم إلى الصبيّين، وقمت إلى الصبيّة، فو الله ما سكنوا إلّا بعد هدأة من الليل، ثم ناموا ونمت أنا معه، وأقبل يعلّلنى بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت، فلمّا تهوّرت النجوم [٥] إذا شىء قد رفع كسر البيت [٦] ، فقال: من هذا؟ فولّى ثم عاد، فقال: من هذا؟ فولّى ثم عاد فى آخر الليل، فقال: من هذا؟ فقالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند أصيبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع، فما وجدت معوّلا إلّا عليك أبا عدىّ، فقال:
والله لأشبعنّهم، فقلت: من أين؟ قال: لا عليك، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإيّاهم، فأقبلت المرأة تحمل ابنين ويمشى جانبيها أربعة، كأنّها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجأ لبّته بمديته، فخرّ، ثم كشطه، ودفع المدية إلى المرأة فقال: شأنك (الآن) ، فاجتمعنا على اللحم، فقال: سوأة! أتأكلون دون الصّرم؟! [٧] ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا ويقول؛ هبّوا أيّها القوم،
стр. 231
عليكم بالنار، فاجتمعوا، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا، لا والله ما ذاق منه مزعة [١] ، وإنه لأحوج إليه منّا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس، إلّا عظم أو حافر، (فعذلته على ذلك) ، فأنشأ حاتم يقول:
مهلا نوار أقلّى اللّوم والعذلا ... ولا تقولى لشىء فات: ما فعلا
ولا تقولى لمال كنت مهلكه ... مهلا، وإن كنت أعطى الجنّ والخبلا [٢]
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إنّ الجواد يرى فى ماله سبلا
لا تعذلينى فى مال وصلت به ... رحما، وخير سبيل المال ما وصلا [٣]
٤١٠* وأتى حاتم ماويّة بنت عفزر يخطبها، فوجد عندها النابغة الذّبيانىّ ورجلا من النّبيت يخطبانها، فقالت لهم: انقلبوا إلى رحالكم، وليقل كلّ رجل منكم شعرا يذكر فيه فعاله ومنصبه، فإنى متزوّجة أكرمكم وأشعركم، فانطلقوا، ونحر كلّ رجل منهم جزورا، ولبست ماويّة ثيابا لأمة لها واتّبعتهم، فأتت النّبيتىّ فاستطعمته، فأطعمها ذنب جزوره، فأخذته، وأتت النابغة فأطعمها مثل ذلك، فأخذته، وأتت حاتما وقد نصب قدوره، فاستطعمته، فقال: انتظرى حتّى تبلغ القدر إناها [٤] ، فانتظرت حتى بلغت، فأطعمها أعظما من العجز وقطعة من الحارك [٥] ، ثم انصرفت، وأهدى إليها النابغة والنّبيتىّ ظهرى جزوريهما، وأهدى إليها حاتم مثل ما أهدى إلى امرأة من جاراته، وصبّحوها، فاستنشدتهم، فأنشدها النّبيتىّ:
стр. 232
هلّا سألت، هداك الله، ما حسبى ... عند الشّتاء إذا ما هبّت الرّيح
وردّ جازرهم حرفا مصرّمة ... فى الرّأس منها وفى الأنقاء تمليح [١]
إذا اللّقاح غدت ملقى أصرّتها ... ولا كريم من الولدان مصبوح [٢]
ثم استنشدت النابغة فأنشدها:
هلّا سألت بنى ذبيان ما حسبى ... إذا الدّخان تغشّى الأشمط البرما [٣]
وهبّت الريح من تلقاء ذى أرل ... تزجى مع الصّبح من صرّادها صرما [٤]
إنى أتمّم أيسارى وأمنحهم ... مثنى الأيادى وأكسو الجفنة الأدما [٥]
ثم استنشدت حاتما فأنشدها [٦] :
أماوىّ إنّ المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذّكر
стр. 233
أماوىّ إنى لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما: حلّ فى مالنا نذر
أماوىّ إمّا مانع فمبيّن ... وإمّا عطاء لا ينهنهه الزّجر
أماوىّ ما يغنى الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر [١]
أماوىّ إن يصبح صداى بقفرة ... من الأرض لا ماء لدىّ ولا خمر [٢]
ترى أنّ ما أنفقت لم يك ضرّنى ... وأنّ يدى ممّا بخلت به صفر
وقد علم الأقوام لو أنّ حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر
فلمّا فرغ من إنشاده دعت ماويّة بالغداء فقدّم إلى كلّ رجل ما كان أطعمها، فنكّس النّبيتىّ والنابغة رؤوسهما، فلمّا رأى حاتم ذلك رمى بالذى قدّم إليهما، وأطعمهما ممّا قدّم إليه، فتسلّلا لواذا، فتزوّجت حاتما. (وفيها يقول [٣] :
وإنى لمزجاء المطىّ على الوجى ... وما أنا من خلّانك ابنة عفزرا [٤]
فلا تسألينى واسألى: أىّ فارس؟ ... إذا الخيل جالت فى قنا قد تكسّرا
وإنى لوهّاب قطوعى وناقتى ... إذا ما انتشيت، والكميت المصدّرا
وإنى كأشلاء اللّجام، ولن ترى ... أخا الحرب إلّا ساهم الوجه أغبرا [٥]
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها ... وإنّ شمّرت يوما به الحرب شمّرا)
стр. 234
وكانت من بنات ملوك اليمن. ويقال إن عدىّ بن حاتم منها، ويقال: بل عدىّ وعبد الله وسفّانة من النّوار. وعقب حاتم من ولد عبد الله، وليس لعدى عقب من الذكور.
٤١١* ومما سبق إليه (فأخذ منه) قوله:
إذا كان بعض المال ربّا لأهله ... فإنى بحمد الله مالى معبّد [١]
أخذه حطائط بن يعفر [٢] فقال:
ذرينى أكن للمال ربّا، ولا يكن ... لى المال ربّا، تحمدى غبّه غدا
أرينى جوادا مات هزلا، لعلّنى ... أرى ما ترين. أو بخيلا مخلّدا [٣]
٤١٢* ويستحسن له قوله:
ألا أبلغا وهم بن عمرو رسالة ... فإنّك أنت المرء بالخير أجدر [٤]
стр. 235
رأيتك أدنى من أناس قرابة ... وغيرك منهم كنت أحبو وأنصر
إذا ما أتى يوم يفرق بيننا ... بموت، فكن أنت الّذى يتأخّر [١]
٤١٣* ومن شعره:
فإنّك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك، نالا منتهى الذّمّ أجمعا
٤١٤* وتذكر طيّئ [٢] أن رجلا يعرف بأبى خيبرىّ مرّ بقبر حاتم، فنزل به، وبات يناديه: يا أبا عدىّ اقر أضيافك! فلمّا كان فى السّحر وثب أبو خيبرىّ يصيح: واراحلتاه! فقال له أصحابه: ما شأنك؟ فقال: خرج والله حاتم بالسيف حتى عقر ناقتى وأنا أنظر إليه، فنظروا إلى راحلته فإذا هى لا تنبعث، فقالوا: قد والله قراك، فنحروها وظلّوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه وانطلقوا، فبينا هم كذلك فى مسيرهم، طلع عليهم عدىّ بن حاتم ومعه جمل أسود قد قرنه ببعيره، فقال: إن حاتما جاءنى فى المنام فذكر لى شتمك إيّاه، وأنّه قراك وأصحابك راحلتك، وقد قال فى ذلك أبياتا، وردّدها علّى حتى حفظتها:
أبا خيبرىّ وأنت امرؤ ... حسود العشيرة لوّامها
فماذا أردت إلى رمّة ... بداويّة صخب هامها
تبغّى أذاها وإعسارها ... وحولك عوف وأنعامها
وأمرنى بدفع جمل مكانها إليك، فخذه، فأخذه.
стр. 236
١٩- عنترة بن شداد (العبسى)
[١] ٤١٥* هو عنترة بن عمرو بن شدّاد بن عمرو بن قراد بن مخزوم بن عوف ابن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض.
٤١٦* وقال ابن الكبى: شدّاد جدّه أبو أبيه، غلب على اسم أبيه فنسب إليه، وإنّما هو عنترة بن عمرو بن شدّاد. وقال غيره: شدّاد عمّه، وكان عنترة نشأ فى حجره [٢] ، فنسب إليه دون أبيه.
٤١٧* وإنّما ادّعاه أبوه بعد الكبر، وذلك أنّه كان لأمة سوداء يقال لها زبيبة، وكانت العرب فى الجاهليّة إذا كان للرجل منهم ولد من أمة استعبده، وكان لعنترة إخوة من أمّه عبيد، وكان سبب ادّعاء أبى عنترة إياه أن بعض أحياء العرب أغاروا على قوم من (بنى) عبس، فأصابوا منهم، فتبعهم العبسيّون، فلحقوهم فقاتلوهم عمّا معهم، وعنترة فيهم، فقال له أبوه: كرّ يا عنترة! فقال عنترة: العبد لا يحسن الكرّ، إنّما يحسن الحلاب والصّرّ [٣] فقال: كرّ وأنت حرّ، فكرّ وهو يقول:
كلّ امرئ يحمى حره ... أسوده وأحمره
والواردات مشفره [٤]
стр. 237
وقاتل يومئذ فأبلى، واستنقذ ما كان بأيدى عدوهم (من الغنيمة) ، فادّعاه أبوه بعد ذلك، وألحق به نسبه.
٤١٨* وهو أحد أغربة العرب [١] ، وهم ثلاثة: عنترة، وأمّه زبيبة، سوداء، وخفاف بن عمير الشّريدىّ، من بنى سليم، وأمّه ندبة، وإليها ينسب، وكانت سوداء، والسّليك بن عمير السعدىّ، وأمّه سلكة، وإليها ينسب، وكانت سوداء.
٤١٩* وكان عنترة من أشدّ أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يده. وكان لا يقول من الشعر إلّا البيتين والثلاثة، حتّى سابّه رجل من بنى عبس، فذكر سواده وسواد أمّه وإخوته، وعيّره بذلك، وبأنّه لا يقول الشعر، فقال له عنترة:
والله إنّ الناس ليترافدون بالطّعمة [٢] ، فما حضرت مرفد الناس أنت ولا أبوك ولا جدّك قطّ، وإنّ الناس ليدعون فى الغارات فيعرفون بتسويمهم، فما رأيناك فى خيل مغيرة فى أوائل الناس قطّ، وإنّ اللّبس ليكون بيننا، فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدّك خطّة فيصل [٣] ، وإنّما أنت فقع نبت بقرقر [٤] ، وإنى لأحتضر البأس، وأوفى المغنم، وأعفّ عن المسألة، وأجود بما ملكت (يدى) ، وأفصل الخطّة الصّمعاء [٥] ، وأما الشعر فستعلم. فكان أوّل ما قال قصيدة:
стр. 238
هل غادر الشّعراء من متردّم [١]
وهى أجود شعره، وكانوا يسمّونها «المذهبة» [٢] .
٤٢٠* وكان عنترة قد شهد حرب داحس (والغبراء) ، فحسن فيها بلاؤه، وحمدت مشاهده [٣] .
٤٢١* قال أبو عبيدة: إنّ عنترة بعد ما تأوّت [٤] عبس إلى غطفان بعد يوم جبلة [٥] ، وحملت الدماء، احتاج، وكان صاحب غارات، فكبر فعجز عنها، وكان له بكر على رجل من غطفان، فخرج قبله يتجازاه، فهاجت رائحة من صيّف [٦] ، وهبّت نافحة [٧] ، وهو بين شرج وناظرة [٨] ، فأصابت الشيخ فهرأته، فوجدوه ميّتا بينهما [٩] .
٤٢٢* قال أبو عبيدة: وهو قتل ضمضما المرّىّ، أبا حصين بن ضمضم
стр. 239
وهرم بن ضمضم، فى حرب داحس والغبراء، وفى ذلك يقول:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابنى ضمضم
الشاتمى عرضى ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم القهما دمى
إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكلّ نسر قشعم [١]
٤٢٣* وممّا سبق إليه ولم ينازع فيه قوله:
وخلا الذّباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنّم [٢]
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم
وهذا من أحسن التشبيه.
٤٢٤* (وقوله [٣] :
وإذا شربت فإنّنى مستهلك ... مالى، وعرضى وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى ... وكما علمت شمائلى وتكرّمى)
٤٢٥* ومن ذلك قوله [٤] :
إنى امرؤ من خير عبس منصبا ... شطرى، وأحمى سائرى بالمنصل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيرا من معمّ مخول
يقول: النصف من نسبى فى خير عبس، وأحمى النصف الآخر، وهو نسبه فى السودان، بالسيف، فأشرّفه أيضا.
٤٢٦* ومن حسن شعره قوله [٥] :
стр. 240
بكرت تخوّفنى الحتوف كأنّنى ... أصبحت عن الحتوف بمعزل
فأجبتها: إنّ المنيّة منهل ... لا بدّ أن أسقى بذاك المنهل
فاقنى حياءك، لا أبا لك، واعلمى ... أنى امرؤ سأموت إن لّم أقتل [١]
إنّ المنيّة لو تمثّل مثّلت ... مثلى إذا نزلوا بضنك المنزل
٤٢٧* ومن إفراطه قوله [٢] :
وأنا المنيّة فى المواطن كلّها ... والطّعن منى سابق الآجال
وفى هذه يفخر بأخواله من السودان، يقول:
إنى لتعرف فى الحروب مواطنى ... فى آل عبس مشهدى وفعالى
منهم أبى حقّا، فهم لى والد ... والأمّ من حام، فهم أخوالى
стр. 241
٢٠- الأسود بن يعفر
[١] ٤٢٨* جاهلىّ. هو من بنى حارثة بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم، ويكنّى أبا الجرّاح، وكان أعمى [٢] ، ولذلك قال [٣] :
ومن الحوادث لا أبا لك أنّنى ... ضربت علىّ الأرض بالأسداد
لا أهتدى فيها لمدفع تلعة ... بين العذيب وبين أرض مراد [٤]
وفيها يقول:
ماذا أؤمّل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم، وبعد إياد
أهّل الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذى الشّرفات من سنداد [٥]
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجىء من أطواد
стр. 242
أرض تخيّرها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أمّ دواد [١]
جرت الرّياح على محلّ ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد
(فأرى النّعيم وكلّ ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد)
٤٢٩* وسمع علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه رجلا يتمثّل بالبيت الأخير، فقال:
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
[٢] .
٤٣٠* وكان له أخ يقال له حطائط، وهو القائل:
أرينى جوادا مات هزلا لعلّنى ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا [٣]
ولا عقب للأسود ولا لأخيه حطائط [٤] .
٤٣١* وكان الأسود ممّن يهجو قومه، قال [٥] :
أحقّا بنى أبناء سلمى بن جندل ... وعيدكم إيّاى وسط المجالس
стр. 243
٢١- الأعشى ميمون بن قيس
[١] ٤٣٢* هو من سعد بن ضبيعة بن قيس. وكان أعمى، ويكنى أبا بصير.
وكان أبوه قيس يدعى «قتيل الجوع» . وذلك أنه كان فى جبل فدخل غارا فوقعت صخرة من ذلك الجبل، فسدّت فم الغار، فمات فيه جوعا.
٤٣٣* وكان جاهليا قديما، وأدرك الإسلام فى آخر عمره. ورحل إلى النبى ﷺ ليسلم. فقيل له: إنّه يحرّم الخمر والزنا، فقال: أتمتّع منهما سنة ثم أسلم! فمات قبل ذلك بقرية باليمامة. وقالوا: إنّ خروجه يريد النّبى ﷺ فى صلح الحديبية، فسأله أبو سفيان بن حرب عن وجهه الذى يريد؟ فقال: أريد محمدا، فقال أبو سفيان: إنه يحرّم عليك الخمر والزنا والقمار، فقال: أمّا الزنا فقد تركنى ولم أتركه، وأما الخمر فقد قضيت منها وطرا، وأما القمار فلعلّى أصيب منه خلفا. قال: فهل لّك إلى خير؟ قال وما هو؟ قال: بيننا وبينه هدنة، فترجع عامك هذا وتأخذ مائة ناقة حمراء، فإن ظهر (بعد ذلك) أتيته، وإن ظفرنا به كنت قد أصبت عوضا من رحلتك. فقال: لا أبالى، فانطلق به أبو سفيان إلى منزله. وجمع إليه أصحابه. وقال: يا معشر قريش! هذا أعشى قيس، وقد علمتم شعره، ولئن وصل إلى محمد ليضرّبنّ عليكم العرب (قاطبة) بشعره. فجمعوا له مائة ناقة (حمراء) ، فانصرف.. فلمّا صار بناحية اليمامة ألقاه بعيره فقتله.
٤٣٤* ويسمّى «صنّاجة العرب» لأنه أوّل من ذكر الصّنج فى شعره فقال:
стр. 244
ومستجيب لصوت الصّنج تسمعه ... إذا ترجّع فيه القينة الفضل [١]
شبّه العود بالصّنج.
٤٣٥* وكان الأعشى يفد على ملوك فارس، ولذلك كثرت الفارسيّة فى شعره، كقول:
فلأشربنّ ثمانيا وثمانيا ... وثمان عشرة واثنتين وأربعا
(من قهوة باتت بفارس صفوة ... تدع الفتى ملكا يميل مصرّعا)
بالجلّسان وطيب أردانه ... بالون يضرب لى يكرّ الإصبعا [٢]
والناى نرم وبربط ذى بحّة ... والصّنج يبكى شجوه أن يوضعا [٣]
٤٣٦* وسمعه كسرى يوما ينشد، فقال: من هذا؟ فقالوا: اسروذ كويذتازى، أى: مغنّى العرب، فأنشد:
أرقت وما هذا السّهاد المؤرّق ... وما بى من سقم وما بى معشق [٤]
فقال كسرى: فسّروا لنا ما قال! فقالوا: ذكر أنه سهر من غير سقم ولا عشق! فقال كسرى: إن كان سهر من غير سقم ولا عشق فهو لصّ!! ٤٣٧* وكان يفد أيضا على ملوك الحيرة، ويمدح الأسود بن المنذر، أخا النعمان، وفيه يقول فى قصيدته:
стр. 245
ما بكاء الكبير بالأطلال [١] ... أنت خير من ألف ألف من النّا
س إذ ما كبت وجوه الرّجال [٢]
٤٣٨* وقال (له) النعمان بن المنذر: لعلّك تستعين على شعرك هذا؟ فقال له الأعشى: احبسنى فى بيت حتّى أقول، فحبسه (فى بيت) ، فقال قصيدته التى أوّلها [٣] :
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... (وشطّت على ذى هوى أن تزارا)
وفيها يقول:
وقيّدنى الشّعر فى بيته ... كما قيّد الآسرات الحمارا
٤٣٩* قال حمّاد الراوية: حدّثنى سماك عن عبيد راوية الأعشى عن الأعشى، قال: قدمت على النعمان فأنشدته:
إليك، أبيت اللّعن، كان كلالها ... تروح مع اللّيل التّمام وتغتدى [٤]
حتّى أتيت على آخرها، فخرج إلى ظهر النّجف، فرأيته قد اعتمّ بنباته. من بين أحمر وأصفر وأخضر. وإذا فيه من هذه الشقائق شىء لم أر مثله، فقال:
ما أحسن هذه الشقائق! احموها، فحموها، فسمّى «شقائق النعمان» بذلك.
٤٤٠* قال: وحدّثنى الرّياشىّ عن مؤرّج عن شعبة عن سماك عن عبيد
стр. 246
راوية الأعشى، قال: قلت للأعشى: ماذا أردت بقولك:
ومدامة ممّا تعتّق بابل ... كدم الذّبيح، سلبتها جريالها [١]
قال: شربتها حمراء وبلتها بيضاء. والجريال: اللّون.
٤٤١* وكان عبيد هذا يصحب الأعشى ويروى شعره، وكان عالما بالإبل، وله يقول الأعشى فى ذكر الناقة:
[لم تعطّف على حوار] ولم يق ... طع عبيد عروقها من خمال [٢]
٤٤٢* ولمّا قال الأعشى فى علقمة بن علاثة [٣] :
علقم ما أنت إلى عامر ... (الناقض الأوتار والواتر)
نذر علقمة دمه، فخرج الأعشى يريد وجها، فأخطأ به دليله، فألقاه فى ديار بنى عامر بنى عامر بن صعصعة، فأخذه رهط علقمة فأتوه به، فقال:
أعلقم قد صيّرتنى الأمور ... إليك وما أنت لى منقص
فهب لى ذنوبى فدتك النّفوس ... ولا زلت تنمى ولا تنقص
فى أبيات، فعفا عنه، فقال الأعشى ينقض ما قال أوّلا:
علقم يا خير بنى عامر ... للضّيف والصاحب والزائر
والضّاحك السّنّ على همّه ... والغافر العثرة للعاثر
٤٤٣* قال أبو عبيدة: أسر رجل من كلب الأعشى، فكتمه نفسه،
стр. 247
وحبسه، واجتمع عند الكلبى شرب فيهم شريح بن عمرو الكلبىّ [١] ، فعرف الأعشى، فقال (للكلبىّ) : من هذا؟ فقال: خشاش التقطته! قال: ما ترجو به ولا فداء له؟ خلّ عنه، فخلى عنه، فأطعمه شريح وسقاه، فلمّا أخذ منه الشراب سمعه يترنّم بهجاء الكبىّ، فأراد استرجاعه، فقال الأعشى [٢] :
شريح لا تتركنّى بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القدّ أظفارى [٣]
كن كالسّموأل إذ طاف الهمام به ... فى جحفل كهزيع اللّيل جرّار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدّار
خيّره خطّتى خسف فقال له: ... اعرضهما هكذا أسمعهما حار [٤]
فقال: ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر. وما فيهما حظّ لمختار
فشكّ غير طويل ثم قال له: ... أقتل أسيرك إنى مانع جارى
стр. 248
وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... ربّ كريم وبيض ذات أطهار
فاختار أدراعه أن لّا يسبّ بها ... ولم يكن عهده فيها بختّار [١]
قال أبو محمّد: ذكر وفاء السّموأل بن عادياء فى ما خلّف عنده امرؤ القيس وأنه بذل ابنه دون أمانته حتى قتل [٢] .
وفى الأعشى يقول أبو كلبة، وفى الأصمّ بن معبد، من ولد الحارث بن عبّاد. الذى قام بحرب بكر [٣] :
قبّحتما شاعرى حى ذوى حسب ... وحزّ أنفاكما حزّا بمنشار
أعنى الأصمّ وأعشانا إذا ابتدرا ... ألّا استعانا على سمع وإبصار
٤٤٥* قال أبو عبيدة: الأعشى هو رابع الشعراء المتقدّمين [٤] ، وهو يقدّم على طرفة، لأنّه أكثر عدد طوال جياد، وأوصف للخمر والحمر، وأمدح وأهجى، فأما طرفة فإنّما يوضع مع الحارث بن حلّزة، وعمرو بن كلثوم، وسويد بن أبى كاهل فى الإسلام.
٤٤٦* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله:
كأنّ نعام الدّوّ باض عليهم ... إذا ريع يوما للصّريخ المندّد [٥]
стр. 249
وقال سلامة بن جندل، وهو جاهلىّ:
كأنّ نعام الدّوّ باض عليهم ... بنهى القذاف أو بنهى مخفّق [١]
وقال زيد الخيل، وهو جاهلىّ:
كأنّ نعام الدّوّ باض عليهم ... وأعينهم تحت الحديد خوازر [٢]
٤٤٧* ويعاب الأعشى بقوله [٣] :
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى ... شاو مشلّ شلول شلشل شول
وهذه الألفاظ الأربعة فى معنى واحد.
٤٤٨* ويعاب بقوله فى ملك الحيرة:
ويأمر لليحموم كلّ عشيّة ... بقتّ وتعليق. فقد كاد يسنق [٤]
واليحموم، فرس. وقالوا: هذا مما لا يمدح به رجل من خساس الجنود، لأنّه ليس من أحد له فرس إلّا وهو يعلفه قتّا ويقضمه شعيرا!! (وهذا مديح كالهجاء) ! ٤٤٩* قال أبو محمّد: ولست أرى هذا عيبا، لأنّ الملوك تعدّ فرسا على أقرب الأبواب من مجالسها بسرجه ولجامه. خوفا من عدوّ يفجؤها، أو أمر
стр. 250
ينزل، أو حاجة تعرض لقلب الملك فيريد البدار إليها فلا يحتاج إلى أن يتلوّم [١] على إسراج فرسه وإلجامه، وإذا كان واقفا غدّى وعشّى. فوضع الأعشى هذا المعنى، ودلّ به على ملكه وعلى حزمه.
٤٥٠* ويستحسن له قوله فى الخمر:
تريك القذى من دونها وهى دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق [٢]
يريد: أنّها من صفائها تريك القذاة عالية عليها والقذاة فى أسفلها. فأخذ الأخطل المعنى فقال:
ولقد تباكرنى على لذّاتها ... صهباء عالية القذى خرطوم [٣]
٤٥١* ولم تختلف الرواة فى ألفاظ بيت اختلافها فى بيت له، (وهو) :
إنى لعمر الّذى حطّت مناسمها ... تحدى وسيق إليها الباقر العثل [٤]
رواه بعضهم «خطّت» يريد: خطّت التراب، ورواه بعضهم «حطّت» أى اعتمدت فى السّير [٥] ، وروى بعضهم «تحدى» ، وبعضهم «تخدى» [٦]