← Адаб

Адаб · id 23785

الشعر والشعراء

ابن قتيبة

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٢٨- مهلهل (بن ربيعة) [١] ٥٠٨* هو عدىّ بن ربيعة [٢] ، أخو كليب وائل الذى هاجت بمقتله حرب بكر وتغلب. وسمّى مهلهلا لأنّه هلهل الشعر، أى: أرقّه [٣] . وكان فيه خنث. ويقال: إنّه أوّل من قصّد القصائد. وفيه يقول الفرزدق: ومهلهل الشّعراء ذاك الأوّل [٤] ٥٠٩* وهو خال امرئ القيس. وجدّ عمرو بن كلثوم، أبو أمّه ليلى. وهو أحد الشعراء الكذبة، لقوله: ولولا الرّيح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور [٥] ٥١٠* وأحد البغاة، لقوله: قل لبنى حصن يردّونه ... أو يصبروا للصّيلم الخنفقيق [٦]

стр. 282

من شاء دلّى النّفس فى هوّة ... ضنك، ولكن من له بالمضيق أمرهم أن يردّوا كليبا وقد قتل، وأعلمهم أنّه لا يرضى بشىء غير ذلك. وكان مهلهل القائم بالحرب ورئيس تغلب، فلمّا كان يوم قضة [١] ، وهو آخر أيّامهم، وكان على تغلب، أسر الحارث بن عباد مهلهلا وهو لا يعرفه، فقال له الحارث: تدلّنى على عدىّ بن ربيعة المهلهل وأنت آمن؟ فقال له المهلهل: إن دللتك على عدى فأنا آمن ولى دمى؟ قال الحارث: نعم، قال: فأنا عدى! فجزّ ناصيته وخلّاه، وقال: لم أعرف. وفى ذلك يقول الحارث بن عباد: لهف نفسى على عدىّ ولم أع ... رف عديّا إذ أمكنتنى اليدان (طلّ من طلّ فى الحروب ولم يط ... لل قتيل أبأته ابن أبان) [٢] ثم خرج مهلهل فلحق باليمن، فنزل فى جنب، (حىّ من اليمن [٣] ) ، فخطب إليه رجل منهم ابنته، فقال: إنى طريد غريب فيكم، ومتى أنكحتكم قال الناس اعتسروه، فأكرهوه حتّى زوّجها. وكان المهر أدما، فقال:

стр. 283

أنكحها فقدها الأراقم فى ... جنب، وكان الحباء من أدم [١] لو بأبانين جاء يخطبها ... رمّل ما أنف خاطب بدم [٢] ثم انحدر، فلقيه عوف بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وهو أبو أسماء صاحبة المرقش الأكبر [٣] ، فأسره فمات فى إساره. (وكانت أيام بكر وتغلب خمسة أيام مشاهير [٤] : أوّلها: يوم عنيزة، وتكافؤوا فيه، والثانى: يوم واردات، وكان لتغلب على بكر، والثالث: يوم الحنو، وكان لبكر على تغلب، والرابع: يوم القصيبات، وكان لتغلب على بكر، وقتلوهم قتلا ذريعا، والخامس: يوم قضة، وهو آخر أيامهم، وكان لبكر، وفيه أسر مهلهل بن ربيعة) .

стр. 284

٢٩- (العباس بن مرداس) [١] ٥١٣* مرداس: الحصاة التى يرمى بها فى البئر ليظهر هل فيها ماء أو لا. ٥١٤* يروى: أن النبىّ ﷺ أعطى المؤلّفة قلوبهم يوم حنين، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة من الإبل، وأعطى صفوان بن أميّة مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة، فقام بين يدى رسول الله ﷺ فقال: أتجعل نهبى ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع [٢] وما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع [٣] وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع فأتمّ له النبىّ ﷺ مائة.

стр. 285

٣٠- أبو زبيد الطائى [١] ٥١٥* هو المنذر بن حرملة [٢] ، (من طيّئ) . وكان جاهليّا قديما، وأدرك الإسلام، إلا أنه لم يسلم، ومات نصرانيّا [٣] ، وكان من المعمّرين، يقال إنه عاش مائة وخمسين سنة. وكان نديم الوليد بن عقبة، وذكر لعثمان أنّ الوليد يشرب الخمر وينادم أبا زبيد، فعزله عن الكوفة وحدّه (فى الخمر) . ففى ذلك يقول أبو زبيد: من يرى العير لابن أروى على ظه ... ر المروّى حداتهنّ عجال [٤] وابن أروى هو الوليد، وأروى أمّه أم عثمان بن عفّان، وفيها يقول: قولهم شربك الحرام وقد كا ... ن شراب سوى الحرام حلال ٥١٦* وكان أبو زبيد فى بنى تغلب، وهم أخواله، وكان له غلام يرعى (عليه) إبله، فغزت بهراء، وهم من قضاعة، بنى تغلب، فمرّوا بغلامه، فدفع إليهم إبل أبى زبيد، وانطلق معهم ليدلّهم على عورة القوم ويقاتل معهم،

стр. 286

فهزمت بهراء وقتل الغلام، فقال أبو زبيد فى ذلك [١] : قد كنت فى منظر ومستمع ... عن نصر بهراء غير ذى فرس تسعى إلى فتية الأراقم واس ... تعجلت قبل الجمان والغبس [٢] لا ترة عندهم فتطلبها ... ولا هم نهزة لمختلس إمّا تقارن بك الرّماح فلا ... أبكيك إلا للدّلو والمرس [٣] ٥١٧* ولما صار الوليد بن عقبة إلى الرّقّة واعتزل عليّا ومعاوية سار أبو زبيد، فكان ينادمه، وكان يحمل فى كلّ يوم أحد إلى البيعة، فيحضر مع النصارى ويشرب، فبينا هو فى يوم أحد يشرب والنصارى حوله، رفع رأسه إلى السماء فنظر، ثم رمى بالكأس عن يده وقال: إذا جعل المرء الذى كان حازما ... يحلّ به حلّ الحوار ويحمل [٤] فليس له فى العيش خير يريده ... وتكفينه ميتا أعفّ وأجمل ومات، فدفن على البليخ [٥] ، وهناك أيضا قبر الوليد بن عقبة. ٥١٨* ولم يصف أحد من الشعراء الأسد وصفه. قال شعبة؛ قلت للطّرمّاح: ما شأن أبى زبيد وشأن الأسد؟ قال: إنه لقيه أسد بالنّجف فسلّخه [٦] : ٥١٩* وهو القائل للوليد بن عقبة [٧] :

стр. 287

من يخنك الصّفاء أو يتبدّل ... أو يزل مثل ما تزول الظّلال فاعلمن أننى أخوك أخو العه ... د حياتى حتّى تزول الجبال ليس بخل عليك منّى بمال ... أبدا ما أقلّ سيفا حمال [١] فلك النّصر باللّسان وبالك ... فّ إذا كان لليدين مصال [٢] كلّ شىء يحتال فيه الرّجال ... غير أن ليس للمنايا احتيال ٥٢٠* ومن جيّد شعره [٣] : إنّ طول الحياة غير سعو ... وضلال تأميل نيل الخلود علّل المرء بالرّجاء ويضحى ... غرضا للمنون نصب العود كلّ يوم ترميه منها برشق ... فمصيب، أوصاف غير بعيد [٤] كلّ ميت قد اغتفرت فلا أو ... جع من والد ومن مولود غير أنّ الجلاح هدّ جناحى ... يوم فارقته بأعلى الصّعيد [٥] وعلى هذه القصيدة احتذى ابن مناذر مرثيته عبد المجيد (بن عبد الوهاب) الثقفىّ [٦] .

стр. 288

٥٢١* ومن جيّد شعره: إنما متّ والفؤاد عميد ... يوم بانت بودّها حنساء [١] وفيها يقول: ليت شعرى وأين منّى «ليت» ... إنّ «ليتا» وإنّ «لوّا» عناء أىّ ساع سعى ليقطع شربى ... حين لاحت للصابح الجوزاء [٢] واستظلّ العصفور كرها مع الضّ ... بّ وأوفى فى عوده الحرباء (ونفى الجندب الحصى بكراعي ... هـ وأذكت نيرانها المعزاء [٣] ٥٢٢* ويستجاد من تشبيهه فى الأسد قوله يصفه: إذا واجه الأقران كان مجنّه ... جبين كتطباق الرّحا اجتاب ممطرا)

стр. 289

٣١- حسان بن ثابت [الأنصارى] [١] ٥٢٣* هو حسّان بن ثابت بن المنذر الأنصارىّ، ويكنى أبا الوليد وأبا الحسام. وأمّه الفريعة من الخزرج. وهو جاهلىّ إسلامىّ متقدّم الإسلام، إلّا أنّه لم يشهد مع النبى ﷺ مشهدا، لأنّه كان جبانا. وكانت له ناصية يسدلها بين عينيه [٢] ، وكان يضرب بلسانه روثة أنفه، من طوله [٣] ، ويقول: ما يسرّنى به مقول أحد من العرب، والله لو وضعته على شعر لحلقه، أو على صخر لفلقه. وعاش فى الجاهليّة ستّين سنة وفى الإسلام ستّين سنة، ومات فى خلافة معاوية، وعمى فى آخر عمره. ٥٢٤* قال الأصمعىّ: الشعر نكد بابه الشرّ، فإذا دخل فى الخير ضعف، هذا حسّان (بن ثابت) فحل من فحول الجاهليّة، فلمّا جاء الإسلام سقط شعره. وقال مرّة أخرى: شعر حسّان فى الجاهليّة من أجود الشعر، فقطع متنه فى الإسلام، لحال النبىّ ﷺ . ٥٢٥* وكان حسّان يفد على ملوك غسّان بالشام، وكان يمدحهم. ومن جيّد شعره قوله فيهم: أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل [٤] يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل [٥]

стр. 290

يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل وابن مارية هو الحارث الأعرج بن أبى شمر الغسّانىّ. وكان أثيرا عندهم، ولذلك يقول: قد أرانى هناك حق مكين ... عند ذى النّاج مقعدى ومكانى ٥٢٦* ولمّا سار جبلة بن الأيهم إلى بلاد الروم ورد على ملك الروم رسول معاوية، فسأله جبلة عن حسّان، فقال له: شيخ كبير قد عمى، فدفع إليه ألف دينار، وقال: ادفعها إلى حسّان. قال: فلمّا قدمت المدينة ودخلت مسجد رسول الله ﷺ رأيت فيه حسّان بن ثابت، فقلت له: صديقك جبلة يقرأ عليك السلام، قال: فهات ما معك، فقلت: يا أبا الوليد كيف علمت؟ قال: ما جاءتنى منه رسالة قطّ إلّا ومعها شىء. هذا فى بعض الروايات. ٥٢٧* قال: وحدّثنى ابن أخى الأصمعىّ عن الأصمعىّ عن أهل المدينة قال: بعث الغسّانىّ إلى حسّان بخمس مائة دينار وكسى، وقال للرسول: إن وجدته قد مات فابسط هذه الثياب على قبره واشتر بهذه الدنانير إبلا فانحرها على قبره، فجاء فوجده حيّا فأخبره، فقال: لوددت أنك وجدتنى ميتا!! ٥٢٨* قال بعض أهل المدينة: ما ذكرت بيت حسان إلّا عدت فى الفتوّة، (وهو قوله) : أهوى حديث النّدمان فى فلق الصّ ... بح وصوت المغرّد الغرد [١] ٥٢٩* وولد لحسّان عبد الرحمن، من أخت مارية أمّ إبرهيم ابن رسول الله ﷺ ، وكانت تسمّى سيرين. وكان عبد الرحمن بن حسّان شاعرا. وكان له ابن يقال له سعيد بن عبد الرحمن. ٥٣٠* وكانت لحسّان بنت شاعرة، وأرق حسّان ذات ليلة فعنّ له الشعر

стр. 291

فقال: متاريك أذناب الأمور إذا اعترت ... أخذنا الفروع واجتثثنا أصولها ثم أجبل فلم يجد شيئا [١] ، فقالت له بنته: كأنّك قد أجبلت يا أبه؟! قال: أجل، قالت: فهل لّك أن أجيز عنك؟ قال: وهل عندك ذلك؟ قالت: نعم، قال: فافعلى، فقالت: مقاويل بالمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سولها فحمى الشيخ فقال: وقافية مثل السّنان رزئتها ... تناولت من جوّ السماء نزولها فقالت: يراها الّذى لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها فقال حسّان: لا أقول بيت شعر وأنت حيّة، قالت: أو أومّنك؟ قال: وتفعلين؟ قالت: نعم، لا أقول بيت شعر ما دمت حيّا. ٥٣١* وانقرض ولد حسّان فلم يبق له عقب. وقال حسّان أو ابنه عبد الرحمن: قلت شعرا لم أقل مثله، (وهو) : وإنّ امرءا أمسى وأصبح سالما ... من النّاس إلّا ما جنى لسعيد [٢] ٥٣٢* والناس يقولون: فشرّكما لخيركما الفداء وهو عجز بيت لحسّان، قال: أتهجوه ولست له بندّ ... فشرّكما لخيركما الفداء

стр. 292

٣٢- النمر بن تولب [١] ٥٣٣* هو من عكل. وكان شاعرا جوادا، ويسمّى الكيّس، لحسن شعره وهو جاهلىّ، وأدرك الإسلام فأسلم. وهو القائل لرسول الله ﷺ : إنّا أتيناك وقد طال السّفر ... (نقود خيلا ضمّرا فيها عسر) [٢] نطعمها الشّحم إذا عزّ الشّجر ... (والخيل فى إطعامها اللّحم ضرر) [٣] ٥٣٤* الشحم: يعنى اللّبن. وعاش إلى أن خرف وأهتر وألقى على لسانه: اصبحوا الراكب، فألقى رجل على لسانه: افعلوا بالراكب [٤] ! فجعل يقولها، وكان له ابن يقال له ربيعة، وهاجر إلى الكوفة. ٥٣٥* وذكر الأصمعىّ عن حمّاد بن ربيعة بن النّمر [٥] أنه قال:

стр. 293

أظرف الناس النّمر فى قوله: أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أوصّ بدعد من يهيم بها بعدى والناس يروون البيت لنصيب [١] . ٥٣٦* وممّا يتمثّل به من شعره قوله: ومتى تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الّذى يعطى الرّغائب فارغب لا تغضبنّ على امرئ فى ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فاغضب ٥٣٧* وقوله: إذا كنت فى سعد، وأمّك منهم، ... غريبا فلا يغررك خالك من سعد فإنّ ابن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد ٥٣٨* ومن جيّد التشبيه قوله فى إعراض المرأة: فصدّت كأنّ الشّمس تحت قناعها ... بدا حاجب منها وضنّت بحاجب أخذه المحدث فقال [٢] : يا قمرا للنّصف من شهره ... أبدى ضياء لثمان بقين ٥٣٩* وممّا يعاب عليه قوله فى وصف سيف: تظلّ تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذّراعين والسّاقين والهادى ذكر أنّه قطع ذلك كلّه ثم رسب فى الأرض، حتّى احتاج إلى أن يحفر عنه! وهذا من الإفراط والكذب [٣] .

стр. 294

٣٣- تأبّط شرّا [١] ٥٤٠* هو ثابت بن عمسل [٢] . وقال الأصمعى: كان ابن طرفة الهذلىّ. وهو أعلمهم بتأبّط شرّا وأمره، يقول: هو ثابت بن جابر، وأنشد: ويل أمّ طرف قتلوا برخمان ... بثابت بن جابر بن سفيان [٣] ٥٤١* وهو من فهم، وفهم وعدوان أخوان. وكان شاعرا بئيسا، يغزو على رجليه (وحده) ، وكانت أمّه تؤخّذ بوله إذا غزا [٤] ، فأخّذت بوله وقد قتل بحىّ، فعرفت أنّه قد قتل وهذيل تدّعى قتله. وقد قال فى شعره [٥] : أساف وأفنى ما لديه ابن عمسل [٦] يعنى: نفسه، ولعلّه لقب. ٥٤٢* ومن جيّد شعره قوله [٧] : يا من لعذّالة خذّالة نشب ... خرّقت باللّوم جلدى أىّ تخراق [٨]

стр. 295

تقول: أهلكت مالا لو ضننت به ... منّ ثوب عزّ ومن بزّ وأعلاق (سدّد خلالك من مال تجمّعه ... حتّى تلاقى ما كلّ امرئ لاق) عاذلتا إنّ بعض اللّوم معنفة ... وهل متاع وإن بقّيته باق إنّى زعيم لئن لم تتركى عذلى ... أن يسأل الحىّ عنّى أهل آفاق أن يسأل الحىّ عنّى أهل معرفة ... فلا يخبّرهم عن ثابت لاق [١] لتقرعنّ علىّ السّنّ من ندم ... إذا تذكّرت يوما بعض أخلاقى ٥٤٣* وذكر فى شعره أنه لقى الغول فقتلها، وجعل يصفها: تقول سليمى لجاراتها ... أرى ثابتا يفنا حوقلا [٢] لها الويل، ما وجدت ثابتا ... ألفّ اليدين ولا زمّلا [٣] ولا رعش الساق عند الجراء ... إذا بادر الحملة الهيضلا [٤] يفوت الجياد بتقريبه ... ويكسو هواديها القسطلا [٥] وأدهم قد جبت جلبابه ... كما اجتابت الكاعب الخيعلا [٦] إلى أن حدا الصّبح أثناءه ... ومزّق جلبابه الأليلا [٧]

стр. 296

على شيم نار تنوّرتها ... فبتّ لها مدبرا مقبلا [١] فأصبحت والغول لى جارة ... فيا جارتا أنت ما أهولا وطالبتها بضعها فالتوت ... بوجه تهوّل فاستغولا [٢] (فقلت لها: يا انظرى كى ترى ... فولّت فكنت لها أغولا فطار بقحف ابنة الجنّ ذو ... سفاسق قد أخلق المحملا [٣] إذا كلّ أمهيته بالصّفا ... فحدّ ولم أره صيقلا) [٤] عظاءة قفر لها حلّتا ... ن من ورق الطّلح لم تغزلا [٥] فمن سال أين ثوت جارتى ... فإنّ لها باللّوى منزلا وكنت إذا ما هممت اعتزمت ... وأحر إذا قلت أن أفعلا

стр. 297

٣٤، ٣٥- مزرد والشماخ [١] ٥٤٤* هما ابنا ضرار. ويقال إنّما سمّى مزرّدا [٢] لقوله فى زبدة الزّقّ: فجاءت بها صفراء ذات أسرّة ... تكاد عليها ربّة النّحى تكمد [٣] فقلت: تزرّدها عبيد فإنّنى ... لدرد الشّيوخ فى السّنين مزرّد [٤] ٥٤٥* وهو القائل لرسول الله ﷺ : تعلّم رسول الله أنّا كأنّنا ... أفأنا بأنمار ثعالب ذى غسل [٥] تعلّم رسول الله لم أر مثلهم ... أجرّ على الأدنى وأحرم للفضل يعنى أنمار بن بغيض، وهم رهطه، فهو أحد من هجا قومه، وهو ممّن يهجو الأضياف ويمنّ عليهم بما قراهم به [٦] .

стр. 298

٥٤٦* وأمّه وأمّ الشّمّاخ من ولد الخرشب، وفاطمة بنت الخرشب هى أمّ ربيع بن زياد وإخوته العبسيّين، الذين يقال لهم الكملة [١] ، واسمها معاذة بنت خلف [٢] ، وتكنى أمّ أوس. ٥٤٧* ويقال إن اسم الشمّاخ معقل بن ضرار. (وهو من أوصف الشعراء للقوس والحمر [٣] ، قال يصف القوس: وذاق فأعطته من اللّين جانبا ... كفى، ولها أن يغرق السّهم حاجز [٤] إذا أنبض الرّامون عنها ترنّمت ... ترنّم ثكلى أوجعتها الجنائز [٥] ٥٤٨* ومما سبق إليه فأخذ منه قوله: تخامص عن برد الوشاح إذا مشت ... تخامص حافى الرّجل، فى الأمعز، الوجى [٦]

стр. 299

أخذه ذو الرّمّة فقال يصف إبلا: تشكو الوجى وتجافى عن سفائفها ... تجافى البيض عن برد الدّماليج) [١] ٥٤٩* وهو أوصف الشعراء للقوس، وكذلك أوس بن حجر فى وصف القوس. ٥٥٠* والشمّاخ أوصف الشعراء للحمير، وأرجز الناس على بديهة، نزل فى سفر كان فيه فرجز وحدا بالقوم فقال [٢] : لم يبق إلّا منطق وأطراف ... وريطتان وقميص هفهاف وشعبتا ميس براها إسكاف ... يا ربّ غاز كاره للإيجاف أغدر فى الحىّ برود الأصياف ... مرتجّة البوص خضيب الأطراف ثم ترك هذا الرّوىّ وأخذ فى روىّ آخر فقال: لمّا رأتنا واقفى المطيّات ... قامت تبدّى لى بأصلتيّات غرّ أضاء ظلمها الثّنيّات ... خود من الظّعائن الضّمريّات حلّالة الأودية الغوريّات ... صفىّ أتراب لها حييّات مثل الأشاءات أو البرديّات ... أو الغمامات أو الوديّات أو كظباء السّدر العبريّات ... يحضنّ بالقيظ على ركيّات من الكلى فى خسف رويّات [٣] ... وضعن أنماطا على زربيّات ثمّ جلسن بركة البختيّات ... من راكب يهدى لنا التّحيّات

стр. 300

أروع خرّاج من الداويّات ... جوّاب ليل منجر العشيّات [١] يبيت بين الشّعب الحاريّات [٢] ... يسرى إذا نام بنو السّريّات ٥٥١* وممّا يتمثّل به من شعره قوله فى رجز آخر حدا به [٣] : ليس بما ليس به باس باس ... ولا يضرّ البرّ ما قال النّاس ٥٥٢* وكان الشمّاخ جاهليّا إسلاميا.. وقال الحطيئة: أبلغوا الشمّاخ أنّه أشعر غطفان. ٥٥٣* وكان (الشمّاخ) خرج يريد المدينة فصحب عرابة بن أوس الأنصارىّ، فسأله عرابة عمّا يريد بالمدينة، فقال: أردت أن أمتار لأهلى، وكان معه بعيران، فأنزله وأكرمه وأوقر له بعيريه تمرا وبرّا، فقال فيه: رأيت عرابة الأوسىّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين [٤] ٥٥٤* وأخوهما جزء بن ضرار، وهو القائل فى عمر بن الخطّاب رضى الله عنه: عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله فى ذاك الأديم الممزّق [٥]

стр. 301

٣٦- ربيعة بن مقروم [١] ٥٥٥* هو من ضبّة، جاهلىّ إسلامىّ، وشهد القادسيّة وجلولاء. وهو من شعراء مضر المعدودين. وكانت عبد القيس أسرته ثم منّت عليه بعد دهر. وهو القائل [٢] : وواردة كأنّها عصب القطا ... تثير عجاجا بالسّنابك أصهبا [٣] وزعت بمثل السّيد نهّد مقلّص ... جهيز إذا عطفاه ماء تحلّبا [٤] ومربأة أوّفيت جنح أصيلة ... عليها كما أوفى القطامىّ مرقبا [٥] ربيئة جيش أو ربيئة مقنب ... إذا لم يقد وغل من القوم مقنبا [٦] فلمّا انجلى عنّى الظّلام رفعتها ... يشبّهها الرّائى سراحين لغّبا ٥٥٦* وهو القائل: نصل السّيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق [٧] أخذه من قيس بن الخطيم، أو أخذه قيس منه. قال قيس:

стр. 302

إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب [١]

стр. 303

٣٧- الحطيئة [١] ٥٥٧* هو جرول بن أوس، من بنى قطيعة بن عبس، ولقّب الحطيئة لقصره وقربه من الأرض [٢] . ويكنى أبا مليكة، وكان راوية زهير. وهو جاهلىّ إسلامىّ، ولا أراه أسلم إلّا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، لأنّى لم أسمع له بذكر فيمن وفد عليه من وفود العرب، إلّا أنّى وجدته يقول فى أوّل خلافة أبى بكر رضى الله عنه حين ارتدّت العرب [٣] : أطعنا رسول الله إذ كان حاضرا ... فيا لهفتى ما بال دين أبى بكر أيورثها بكرا إذا مات بعده ... فتلك، وبيت الله، قاصمة الظّهر وقد يجوز أن يكون أراد بقوله «أطعنا رسول الله» قومه أو العرب، وكيف ما كان فإنّه كان رقيق الإسلام، لئيم الطبع [٤] .

стр. 304

٥٥٨* ومن المشهور عنه أنّه قيل له حين حضرته الوفاة: أوص يا أبا مليكة، فقال: مالى للذكور (من ولدى) دون الإناث، فقالوا: إنّ الله لم يأمر بهذا، فقال: لكنّى آمر به! ثم قال: ويل للشّعر من الرّواة السّوء، وقيل له: أوص للمساكين بشىء، فقال: أوصيهم بالمسألة ما عاشوا، فإنّها تجارة لن تبور! وقيل له: أعتق عبدك يسارا، فقال: اشهدوا أنه ما بقى (عبسىّ) ! وقيل له: فلان اليتيم ما توصى له (بشىء) ؟ فقال أوصى بأن تأكلوا ماله وتنيكوا أمّه! قالوا: فليس إلّا هذا؟! قال: احملونى على حمار، فإنّه لم يمت عليه كريم، لعّلى أنجو! ثم تمثّل: لكلّ جديد لذّة غير أنّنى ... رأيت جديد الموت غير لذيذ [١] (له خبطة فى الخلق ليست بسكّر ... ولا طعم راح يشتهى ونبيذ) ٥٥٩* ومات مكانه. وكان هجا أمّه وأباه ونفسه، فقال فى أمّه: تنحّى فاقعدى منّى بعيدا ... أراح الله منك العالمينا ألم أوضح لك البغضاء منى ... ولكن لا إخالك تعقلينا أغربالا إذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتحدّثينا [٢] جزاك الله شرّا من عجوز ... ولقّاك العقوق من البنينا [٣] (حياتك ما علمت حياة سوء ... وموتك قد يسرّ الصّالحينا)

стр. 305

وقال لأبيه: لحاك الله ثم لحاك حقّا ... أبا ولحاك من عمّ وخال فنعم الشّيخ أنت لدى المخازى ... وبئس الشّيخ أنت لدى المعالى جمعت اللّؤم، لا حيّاك ربّى، ... وأبواب السّفاهة والضّلال وقال لنفسه: أبت شفتاى اليوم إلّا تكلّما ... بسوء، فما أدرى لمن أنا قائله [١] أرى لى وجها شوّه الله خلقه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله ٥٦٠* وقال عبد الرحمن بن أبى بكرة: رأيت الحطيئة بذات عرق [٢] ، فقلت له: يا أبا مليكة، أىّ الناس أشعر؟ فأخرج لسانا دقيقا كأنّه لسان حيّة، فقال: هذا إذا طمع. ٥٦١* ودخل على عتيبة بن النّهّاس العجلىّ فى عباءة، فلم يعرفه عتيبة، ولم يسلّم عليه، فقال: أعطنى، فقال له عتيبة: ما أنا فى عمل فأعطيك من غدده [٣] ، وما فى مالى فضل عن قومى. فانصرف الحطيئة، فقال له رجل من قومه: عرّضتنا للشرّ، هذا الحطيئة! قال: ردّوه، فردّوه، فقال له عتيبة: إنّك لم تسلّم تسليم أهل الإسلام، ولا استأنست استئناس الجار، ولا رحّبت ترحيب ابن العمّ، وكتمتنا نفسك كأنّك كنت معتلّا! قال: هو ذاك، قال: اجلس فلك عندنا ما تحبّ، (فجلس) ، ثم سأله. من أشعر العرب؟ فقال: الذى يقول:

стр. 306

ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتّق الشّتم يشتم [١] يعنى زهيرا [٢] ، قال: ثم من؟ قال: الذى يقول: من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب [٣] يعنى عبيدا، قال: ثمّ من؟ قال: أنا، قال عتيبة لغلامه: اذهب به إلى السّوق فلا يشيرنّ إلى شىء ولا يسومنّ به إلّا اشتريته له، فانطلق به الغلام، فعرض عليه اليمنة والخزّ وبياض مصر والمروىّ، فلم يرد ذلك، وأشار إلى الأكسية والكرابيس الغلاظ والعباء، فاشترى له منها بمائتى درهم، واشترى له قطفا، وأوقر له راحلة من تمر وراحلة من برّ، ثم قال له: حسبك، فقال له الغلام: إنّه قد أمرنى أن أبسط يدى لك بالنفقة ولا أجعل لك علّة، فقال: لا حاجة لقومى فى أن تكون لهذا عليهم يد أعظم من هذه، فانصرف الغلام إلى عتيبة فأخبره بذلك، وقال الحطيئة: سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا ... فسيّان لا ذمّ عليك ولا حمد وأنت امرؤ لا الجود منك سجيّة ... فتعطى، وقد يعدى على النّائل الوجد [٤] ٥٦٢* وأتى الحطيئة مجلس سعيد بن العاصى، وهو على المدينة يعشّى الناس، فلمّا فرغ (الناس من طعامهم) وخفّ من عنده، نظر فإذا رجل قاعد على البساط قبيح الوجه كبير السنّ سيّئ الهيئة، وجاء الشّرط ليقيموه، فقال سعيد: دعوه، وخاضوا فى أحاديث العرب وأشعارهم، وهم لا يعرفونه، فقال لهم الحطيئة: ما أصبتم جيّد الشعر، قال له سعيد: وعندك من ذلك علم؟ قال:

стр. 307

قال: نعم، قال: فمن أشعر الناس؟ قال: الذى يقول: لا أعدّ الإقتار عدما ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام [١] يعنى أبا دؤاد قال: ثم من؟ قال: الذى يقول: أفلح بما شئت فقد يبلغ بال ... ضّعف وقد يخدع الأريب [٢] قال: ثم من؟ قال: فحسبك والله بى عند رغبة أو رهبة، إذا رفعت إحدى رجلىّ على الأخرى ثم عويت عواء الفصيل فى إثر القوافى [٣] ، قال: ومن أنت؟ قال: أنا الحطيئة، فرحّب به سعيد، وقال له: قد أسأت فى كتمانك إيّانا نفسك منذ الليلة، وقد علمت شوقنا إليك وإلى حديثك، (ومحبّتنا لك، وأكرمه وأحسن إليه، فقال [٤] : لعمرى لقد أضحى على الأمر سائس ... بصير بما ضرّ العدوّ أريب سعيد، فلا يغررك خفّة لحمه ... تخدّد عنه اللّحم فهّو صليب [٥] إذا غبت عنّا غاب عنّا ربيعنا ... ونسقى الغمام الغرّ حين تؤوب فنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... إذا الرّيح هبّت والمكان جديب) ٥٦٣* ومرّ الحطيئة بالنّضّاح بن أشيم الكلبىّ ومعه بناته، فقال له النضّاح: إنّ لنا جدة ولك علينا كرامة، فمرنا بما تحبّ نأته، (وانهنا عمّا شئت تكرهه نجتنبه) ، فقال: وريت زبك نادى [٦] ، أنا أغير الناس قلبا، وأشعر الناس

стр. 308

لسانا، فانه بنيك أن يسمعوا بناتى الغناء: فإنّ الغناء رقية الزّنا، وكان للنضّاح سبعة بنين، فقال له: لا تسمع غناء رجل منهم ما كنت عندنا، ونهى بنيه أن يمرّوا ببابه، فأقام عنده سنة، فلمّا أراد أن يرحل قال للنضّاح: زوّج بعض بنيك بعض بناتى، فقال النضّاح لابنه كعب ذلك، فقال كعب: لو عرضها (علىّ) بشسع نعل ما أردتها! (قال: ولم، قال: أكره لسانه) . وكان فى ولد النضّاح الغناء، منهم زمام بن خطام بن النضّاح، كان أجود الناس غناء بدويّا، وفيه يقول الصّمّة القشيرىّ: دعوت زماما للهوى فأجابنى ... وأىّ فتى للهو بعد زمام [١] ٥٦٤* وكان الحطيئة جاور الزّبرقان بن بدر، فلم يحمد جواره، فتحوّل عنه إلى بغيض، فأكرم جواره، فقال يهجو الزبرقان ويمدح بغيضا [٢] : ما كان ذنب بغيض أن رأى رجلا ... ذا حاجة عاش فى مستوعر شاس جارا لقوم أطالوا هون منزله ... وغادروه مقيما بين أرماس [٣] ملّوا قراه وهرّته كلابهم ... وجرّحوه بأنياب وأضراس دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسى

стр. 309

فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وأنشده آخر الأبيات [١] ، فقال له عمر: ما أعلمه هجاك، أما ترضى أن تكون طاعما كاسيا؟! (قال: إنّه لا يكون فى الهجاء أشدّ من هذا) ، ثم أرسل إلى حسّان بن ثابت، فسأله عن ذلك، فقال: لم يهجه ولكن سلح عليه! فحبسه عمر، وقال: يا خبيث لأشغلنّك عن أعراض المسلمين، فقال وهو محبوس [٢] : ماذا أردت لأفراخ بذى مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر [٣] ألقيت كاسبهم فى قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر فرقّ له عمر وخلّى سبيله، وأخذ عليه ألّا يهجو أحدا من المسلمين. ٥٦٥* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله: عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تحتلب إلّا نهارا ضجورها [٤] أخذه ابن مقبل فقال: عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا تمّ حول مجرّم [٥]

стр. 310

٣٧- النجاشى الحارثى [١] ٥٦٦* هو قيس بن عمرو بن مالك، من بنى الحارث بن كعب، وكان فاسقا رقيق الإسلام. ٥٦٧* وخرج فى شهر رمضان على فرس له بالكوفة يريد الكناسة [٢] ، فمر بأبى سمّال الأسدىّ [٣] فوقف عليه [٤] ، فقال: هل لك فى رؤوس حملان فى كرش فى تنّور من أوّل الليل إلى آخره، قد أينعت وتهرّأت؟! فقال له: (ويحك) ، أفى شهر رمضان (تقول هذا) ؟! قال: ما شهر رمضان وشوّال إلّا واحدا! قال: فما تسقينى عليها؟ قال: شرابا كالورس، يطيّب النّفس، ويجرى فى العرق، ويكثر الطّرق [٥] ، ويشدّ العظام، ويسهّل للفدم الكلام، فثنى رجله فنزل، فأكلا وشربا، فلمّا أخذ فيهما الشراب تفاخرا، فعلت

стр. 311

أصواتهما، فسمع ذلك جار لهما، فأتى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه فأخبره، فبعث فى طلبهما، فأمّا أبو سمّال فشقّ الخصّ ونفذ إلى جيرانه فهرب، فأخذ النجاشىّ، فأتى به علىّ بن أبى طالب فقال له: ويحك، ولداننا صيام وأنت مفطر؟! فضربه ثمانين سوطا وزاده عشرين (سوطا) ، فقال له: ما هذه العلاوة يا أبا الحسن؟ فقال: (هذه) لجرأتك على الله فى شهر رمضان، ثم وقفه للناس ليروه فى تبّان، فهجا أهل الكوفة فقال [١] : إذا سقى الله قوما صوب غادية ... فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا التّاركين على طهر نساءهم ... والناكحين بشطّى دجلة البقرا (والسارقين إذا ما جنّ ليلهم ... والطالبين إذا ما أصبحوا السّورا) وقال: ضربونى ثمّ قالوا قدر ... قدر الله لهم شرّ القدر ٥٦٨* وكان هجا بنى العجلان، فاستعدوا عليه عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، فقال: ما قال فيكم؟ فأنشدوه [٢] : إذا الله عادى أهّل لؤم ورقة ... فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل [٣]

стр. 312

فقال عمر: إنّما دعا، فإنّ كان مظلوما استجيب له، وإنّ كان ظالما لم يستجب له، قالوا: وقد قال أيضا: قبيّلة لا يغدرون بذمّة ... ولا يظلمون الناس حبّة خردل فقال عمر: ليت آل الخطّاب هكذا! قالوا: وقد قال أيضا: ولا يردون الماء إلّا عشيّة ... إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل [١] فقال عمر: ذلك أقلّ للّكاك [٢] ! قالوا: وقد قال أيضا: تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... وتأكل من كعب وعوف ونهشل فقال عمر: أجنّ القوم موتاهم فلم يضيّعوهم! قالوا: وقد قال: وما سمّى العجلان إلا لقيلهم ... خذ القعب واحلب أيّها العبد واعجل [٣] فقال عمر: خير القوم خادمهم (وكلّنا عبيد الله) !! ثم بعث إلى حسّان والحطيئة، وكان محبوسا عنده، فسألهما، فقال حسّان مثل قوله فى شعر الحطيئة، فهدّد (عمر) النجاشىّ وقال له: إن عدت قطعت لسانك. ٥٦٩* وهو القائل فى معاوية: ونجّى ابن حرب سابح ذو علالة ... أجشّ هزيم والرّماح دوانى [٤]

стр. 313

فلمّا بلغ الشعر معاوية رفع ثندؤتيه [١] وقال: لقد علم الناس أن الخيل لا تجرى بمثلى، فكيف قال هذا؟! ومن جيّد شعره قول لمعاوية [٢] : يا أيّها الملك المبدى عداوته ... روّىء لنفسك أىّ الأمر تأتمر وما شعرت بما أضمرت من حنق ... حتّى أتتنى به الأخبار والنّذر [٣] فإن نفست على الأقوام مجدهم ... فابسط يديك فإنّ الخير يبتدر واعلم بأنّ علىّ الخير من نفر ... شمّ العرانين لا يعلوهم بشر نعم الفتى أنت، إلّا أنّ بينكما ... كما تفاضل ضوء الشّمس والقمر [٤] وما إخالك إلا لست منتهيا ... حتّى يمسّك من أظفاره ظفر إنى امرؤ قلّ ما أثنى على أحد ... حتى أرى بعض ما يأتى وما يذر [٥] لا تمدحنّ امرأ حتّى تجرّبه ... ولا تذمّنّ من لم يبله الخبر ٥٧١* وهجا قريشا- لعنه الله- فقال [٦] : إنّ قريشا والإمامة كالّذى ... وفى طرفاه بعد أن كان أجدعا وحقّ لمن كانت سخينة قومه ... إذا ذكر الأقوام أن يتقنّعا [٧]

стр. 314

وقال: سخينة حىّ يعرف الناس لؤمها ... قديما، ولم تعرف بمجد ولا كرم فيا ضيعة الدّنيا وضيعة أهلها ... إذا ولى الملك التّنابلة القزم [١] وعهدى بهم فى الناس ناس، ومالهم ... من الحظّ إلّا رعية الشّاء والنّعم ٥٧٢* (وكان للنجاشى أخ يقال له حديج، وله يقول ابن مقبل: أبلغ حديجا بأنى قد كرهت له ... بعد المقالة يهديها فتأتينا)

стр. 315

٣٩- عامر بن الطفيل [١] ٥٧٣* هو عامر بن الطّفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب العامرىّ. وهو ابن عمّ لبيد الشاعر. وكان فارس قيس، وكان أعور عقيما لا يولد له، ولم يعقب. وهو القائل [٢] : لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا ... جبانا، فما عذرى لدى كلّ محضر لعمرى، وما عمرى علىّ بهين، ... لقد شان حرّ الوجه طعنة مسهر [٣] وكان له فرس يقال له المزنوق، وله يقول [٤] : وقد علم المزنوق أنّى أكرّه ... على جمعهم كرّ المنيح المشهّر إذا ازورّ من وقع السّلاح زجرته ... وقلت له: اربع مقبلا غير مدبر ٥٧٤* وأبوه فارس قرزل، قال بعض الشعراء لعامر: فإنّك يا عام ابن فارس قرزل ... عن القصد إذ يممت ثهلان جائر [٥] ومن جيّد الشعر قوله [٦] :

стр. 316

وما الأرض إلّا قيس عيلان أهلها ... لهم ساحتاها سهّلها وحزومها [١] وقد نال آفاق السّماوات مجدنا ... لنا الصّحو من آفاقها وغيومها وله [٢] : ونستلب الأقران والجرد كلّح ... على الهول يعسفن الوشيج المقوّما [٣] ونحن صبحنا حىّ أسماء غارة ... أبال الحبالى غبّ وقعتنا دما وكان عامر أتى النبىّ [٤] ﷺ فقال له: تجعل لى نصف ثمار المدينة وتجعلنى ولىّ الأمر من بعدك وأسلم؟! فقال النبىّ ﷺ : «اللهمّ اكفنى عامرا واهد بنى عامر» فانصرف وهو يقول: لأملأنّها عليك خيلا جردا، ورجالا مردا، ولأربطنّ بكلّ نخلة فرسا، فطعن فى طريقه، فمات وهو يقول: غدّة كغدّة البعير، وموت فى بيت سلوليّة!! ٥٧٨* ويكنى أبا علىّ، وهو الذى نافر علقمة بن علاثة إلى هرم بن قطبة الفزارىّ، حين أهتر عمّه عامر بن مالك ملاعب الأسنّة [٥] . ولعلقمة يقول الأعشى [٦] : إن تسد الحوص فلم تعدهم ... وعامر ساد بنى عامر

стр. 317

«والحوص» : ولد الأحوص بن مالك بن جعفر بن كلاب [١] ، ويقال لهم «الأحوص» أيضا. ٥٧٩* ومن جيّد شعره قوله [٢] : فإنّى وإن كنت ابن فارس عامر ... وسيّدها المشهور فى كلّ موكب فما سوّدتنى عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب ولكنّنى أحمى حماها، وأتّقى ... أذاها، وأرمى من رماها بمنكب

стр. 318

٤٠، ٤١- مالك ومتمم ابنا نويرة ٥٨٠* هما من ثعلبة بن يربوع. وكان مالك فارس ذى الخمار، وذو الخمار فرسه. (وفيه يقول: متى أعل يوما ذا الخمار وشكّتى ... حسام وصدق مارن وشليل) [١] وقتله خالد بن الوليد فى الردّة وتزوّج امرأته، وقتل من قومه مقتلة عظيمة، ولهذا السبب كان سخط عمر بن الخطّاب على خالد بن الوليد [٢] . ولمالك عقب. ٥٨١* ودخل متمّم على عمر بن الخطّاب رضى الله عنه [٣] فقال له عمر: ما أرى فى أصحابك مثلك! قال: يا أمير المؤمنين، أما والله إنّى مع ذلك لأركب الجمل الثّفال [٤] ، وأعتقل الرّمح الشّطون [٥] ، وألبس الشّملة الفلوت [٦] ، ولقد أسرتنى بنو تغلب فى الجاهليّة. فبلغ ذلك أخى مالكا، فجاء ليفدينى،

стр. 319

فلمّا رآه القوم أعجبهم جماله، وحدّثهم فأعجبهم حديثه، فأطلقونى له بغير فداء. ٥٨٢* قال أبو محمّد: ولمّا استشهد زيد بن الخطّاب يوم مسيلمة ودخل متمّم على عمر بن الخطّاب فقال له: أنشدنى بعض ما قلت فى أخيك، فأنشده شعره الذى يقول فيه [١] : وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا فلمّا تفرّقنا كأنّى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا فقال له عمر: يا متمّم، لو كنت أقول الشعر لسرّنى أن أقول فى زيد بن الخطاب مثل ما قلت فى أخيك، قال متمّم: يا أمير المؤمنين، لو قتل أخى قتلة أخيك ما قلت فيه شعرا أبدا [٢] ، فقال عمر: يا متمم، ما عزانى أحد فى أخى بأحسن ممّا عزّيتنى به. ٥٨٣* (وهذه القصيدة من أحسن ما قال، وفيها يقول [٣] : أبىّ الصّبر آيات أراها وأنّنى ... أرى كلّ حبل دون حبلك أقطعا وأنى متى ما أدع باسمك لا تجب ... وكنت جديرا أن تجيب وتسمعا فما شارف عيساء ريعت فرجّعت ... حنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا ولا وجد آظآر ثلاث روائم ... رأين مجرّا من حوار ومصرعا يذكّرن ذا البثّ القديم بدائه ... إذا حنّت الأولى سجعن لها معا بأوجد منّى يوم قام لمالك ... مناد فصيح بالفراق فأسمعا

стр. 320

٥٨٤* وكان لتميم ابنان: إبراهيم وداوود، وكانا شاعرين خطيبين. ودخل إبرهيم على عبد الملك بن مروان، فقال له: إنك لشنّخف، فقال: يا أمير المؤمنين، إنى من قوم شنّخفين، (والشّنّخف: الجسيم من الرجال) [١] قال: وأراك أحمر قرفا [٢] ، قال: الحسن أحمر يا أمير المؤمنين. ٥٨٥* وممّا سبق إليه مالك وأخذه الناس منه قوله: جزينا بنى شيبان أمس بقرضهم ... وعدنا بمثل البدء، والعود أحمد فقال الناس: العود أحمد [٣] . وقال بعض المحدثين: وأحسن فيما كان بينى وبينه ... فإن عاد بالإحسان فالعود أحمد ٥٨٦* وكان صرد بن جمرة [٤] الذى شرب منىّ عبد أبى سواج الضّبىّ [٥] عمّ مالك ومتمّم ابنى نويرة، وكان صرد يختلف إلى امرأة أبى سواج، فقال لها يوما: أريد أن تقدّى لى سيرا من است أبى سواج! فقالت: أفعل، وعمدت إلى نعجة فذبحتها وقدّت من باطن إليتها سيرا ودفعته إليه، فجعله صرد فى نعله، وكان يقول إذا رأى أبا سواج: بتّ بذى بلّيّان [٦] ... وفى نعلى شراكان قدّا من است إنسان
следующие страницы →