وما الأرض إلّا قيس عيلان أهلها ... لهم ساحتاها سهّلها وحزومها [١]
وقد نال آفاق السّماوات مجدنا ... لنا الصّحو من آفاقها وغيومها
وله [٢] :
ونستلب الأقران والجرد كلّح ... على الهول يعسفن الوشيج المقوّما [٣]
ونحن صبحنا حىّ أسماء غارة ... أبال الحبالى غبّ وقعتنا دما
وكان عامر أتى النبىّ [٤] ﷺ فقال له: تجعل لى نصف ثمار المدينة وتجعلنى ولىّ الأمر من بعدك وأسلم؟! فقال النبىّ ﷺ : «اللهمّ اكفنى عامرا واهد بنى عامر» فانصرف وهو يقول: لأملأنّها عليك خيلا جردا، ورجالا مردا، ولأربطنّ بكلّ نخلة فرسا، فطعن فى طريقه، فمات وهو يقول: غدّة كغدّة البعير، وموت فى بيت سلوليّة!! ٥٧٨* ويكنى أبا علىّ، وهو الذى نافر علقمة بن علاثة إلى هرم بن قطبة الفزارىّ، حين أهتر عمّه عامر بن مالك ملاعب الأسنّة [٥] . ولعلقمة يقول الأعشى [٦] :
إن تسد الحوص فلم تعدهم ... وعامر ساد بنى عامر
стр. 317
«والحوص» : ولد الأحوص بن مالك بن جعفر بن كلاب [١] ، ويقال لهم «الأحوص» أيضا.
٥٧٩* ومن جيّد شعره قوله [٢] :
فإنّى وإن كنت ابن فارس عامر ... وسيّدها المشهور فى كلّ موكب
فما سوّدتنى عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
ولكنّنى أحمى حماها، وأتّقى ... أذاها، وأرمى من رماها بمنكب
стр. 318
٤٠، ٤١- مالك ومتمم ابنا نويرة
٥٨٠* هما من ثعلبة بن يربوع.
وكان مالك فارس ذى الخمار، وذو الخمار فرسه.
(وفيه يقول:
متى أعل يوما ذا الخمار وشكّتى ... حسام وصدق مارن وشليل) [١]
وقتله خالد بن الوليد فى الردّة وتزوّج امرأته، وقتل من قومه مقتلة عظيمة، ولهذا السبب كان سخط عمر بن الخطّاب على خالد بن الوليد [٢] . ولمالك عقب.
٥٨١* ودخل متمّم على عمر بن الخطّاب رضى الله عنه [٣] فقال له عمر: ما أرى فى أصحابك مثلك! قال: يا أمير المؤمنين، أما والله إنّى مع ذلك لأركب الجمل الثّفال [٤] ، وأعتقل الرّمح الشّطون [٥] ، وألبس الشّملة الفلوت [٦] ، ولقد أسرتنى بنو تغلب فى الجاهليّة. فبلغ ذلك أخى مالكا، فجاء ليفدينى،
стр. 319
فلمّا رآه القوم أعجبهم جماله، وحدّثهم فأعجبهم حديثه، فأطلقونى له بغير فداء.
٥٨٢* قال أبو محمّد: ولمّا استشهد زيد بن الخطّاب يوم مسيلمة ودخل متمّم على عمر بن الخطّاب فقال له: أنشدنى بعض ما قلت فى أخيك، فأنشده شعره الذى يقول فيه [١] :
وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا
فلمّا تفرّقنا كأنّى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فقال له عمر: يا متمّم، لو كنت أقول الشعر لسرّنى أن أقول فى زيد بن الخطاب مثل ما قلت فى أخيك، قال متمّم: يا أمير المؤمنين، لو قتل أخى قتلة أخيك ما قلت فيه شعرا أبدا [٢] ، فقال عمر: يا متمم، ما عزانى أحد فى أخى بأحسن ممّا عزّيتنى به.
٥٨٣* (وهذه القصيدة من أحسن ما قال، وفيها يقول [٣] :
أبىّ الصّبر آيات أراها وأنّنى ... أرى كلّ حبل دون حبلك أقطعا
وأنى متى ما أدع باسمك لا تجب ... وكنت جديرا أن تجيب وتسمعا
فما شارف عيساء ريعت فرجّعت ... حنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا
ولا وجد آظآر ثلاث روائم ... رأين مجرّا من حوار ومصرعا
يذكّرن ذا البثّ القديم بدائه ... إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
بأوجد منّى يوم قام لمالك ... مناد فصيح بالفراق فأسمعا
стр. 320
٥٨٤* وكان لتميم ابنان: إبراهيم وداوود، وكانا شاعرين خطيبين.
ودخل إبرهيم على عبد الملك بن مروان، فقال له: إنك لشنّخف، فقال: يا أمير المؤمنين، إنى من قوم شنّخفين، (والشّنّخف: الجسيم من الرجال) [١] قال: وأراك أحمر قرفا [٢] ، قال: الحسن أحمر يا أمير المؤمنين.
٥٨٥* وممّا سبق إليه مالك وأخذه الناس منه قوله:
جزينا بنى شيبان أمس بقرضهم ... وعدنا بمثل البدء، والعود أحمد
فقال الناس: العود أحمد [٣] . وقال بعض المحدثين:
وأحسن فيما كان بينى وبينه ... فإن عاد بالإحسان فالعود أحمد
٥٨٦* وكان صرد بن جمرة [٤] الذى شرب منىّ عبد أبى سواج الضّبىّ [٥] عمّ مالك ومتمّم ابنى نويرة، وكان صرد يختلف إلى امرأة أبى سواج، فقال لها يوما: أريد أن تقدّى لى سيرا من است أبى سواج! فقالت: أفعل، وعمدت إلى نعجة فذبحتها وقدّت من باطن إليتها سيرا ودفعته إليه، فجعله صرد فى نعله، وكان يقول إذا رأى أبا سواج:
بتّ بذى بلّيّان [٦] ... وفى نعلى شراكان
قدّا من است إنسان
стр. 321
فلمّا أكثر علم أبو سواج أنّه يعرّض به، فطرح ثوبه وقال لمن حضر:
أنشدكم بالله! هل ترون بأسا؟ قالوا: لا، ثم أمر أبو سواج عبدا له أن يواقع أمة له (كان) زوّجه إياها، وأن يفرغ من منيّه فى عسّ، ففعل، فقال لامرأته:
والله لتسقينّه صرد أو لأقتلنّك، فبعثت إلى صرد فأقام عندها، فلما استسقى حلبت له على ذلك المنىّ فشربه، فمات. فتميم تعيّر بشرب المنىّ، وقد أكثر الشعراء فى ذلك [١] ، قال الشاعر:
أتحلف لا تذوق لنا طعاما ... وتشرب منى عبد أبى سواج [٢]
شربت رثيّة فحبلت عنها ... فما لك راحة دون النّتاج [٣]
٥٨٧* (ومالك هو القائل:
سأهدى مدحة لبنى عدىّ ... أخصّ بها عدىّ بنى جناب
تراث الأحوص الخير ابن عمرو ... ولا أعنى الأحاوص من كلاب
أتين حىّ خير بنى معدّ ... هم أهل المرابع والقباب
شريح والفرافصة بن عمرو ... وإخوته الأصاغر للرّباب) [٤]
стр. 322
٤٢- خفاف بن ندبة [١]
٥٨٨* هو خفاف بن عمير بن الحرث بن الشّريد السّلمىّ. وأمّه ندبة [٢] سوداء، (وإليها ينسب) ، وهو من أغربة العرب [٣] ، وهو ابن عمّ خنساء بنت عمرو بن الشريد الشاعرة.
وهو القائل [٤] :
كلانا يسؤده قومه ... على ذلك النّسب المظلم
يعنى السودان. ويكنى أبا خراشة، وأسلم وبقى إلى زمن عمر، وله يقول عباس بن مرداس السّلمىّ، وكان يهاجيه:
أبا خراشة إمّا كنت ذا نفر ... فإنّ قومى لم تأكلهم الضّبع [٥]
٥٨٩* وخفاف هو قاتل مالك بن حمار، سيّد بنى شمخ بن فزارة، وفى ذلك يقول [٦] :
إن تك خيلى قد أصيب صميمها ... فعمدا على عينى تيمّمت مالكا
стр. 323
أقول له والرّمح يأطر متنه ... تأمّل خفافا إنّنى أنا ذلكا [١]
٥٩٠* وشهد خفاف مع النبى ﷺ فتح مكّة ومعه لواء بنى سليم.
(ومما يسأل عنه من شعر قوله:
فلم يك طبّهم جبنا ولكن ... رميناهم بثالثة الأثافى) [٢]
стр. 324
٤٣- خنساء بنت عمرو [١]
٥٩١* هى تماضر بنت عمرو بن الشّريد، وكان دريد بن الصّمّة خطبها، وذلك أنّه رآها تهنأ إبلا لها [٢] فهويها، فردّته وقالت: أترانى تاركة بنى عمّى كأنّهم عوالى الرياح، ومرتثّة شيخ بنى جشم [٣] ؟! ففى ذلك يقول دريد [٤] .
حيّوا تماضر واربعوا صحبى ... وقفوا فإنّ وقوفكم حسبى
أخناس قد هام الفؤاد بكم ... وأصابه تبل من الحبّ [٥]
ما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم هانئ أينق جرب
متبذّلا تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النّقب [٦]
стр. 325
فخطبها رواحة بن عبد العزّى السّلمىّ، فولدت له عبد الله، وهو أبو شجرة [١] ، ثم خلف عليها مرداس بن أبى عامر السّلمىّ، فولدت له زيدا ومعاوية وعمرا.
٥٩٢* وهى جاهليّة، كانت تقول الشعر فى زمن النابغة الذّبيانىّ، وكان النابغة تضرب له قبّة حمراء من أدم بسوق عكاظ، وتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، فأنشده الأعشى أبو بصير، ثم أنشده حسّان بن ثابت، ثم الشعراء، ثم جاءت الخنساء السّلميّة فأنشدته، فقال لها النابغة: والله لولا أنّ أبا بصير أنشدنى (آنفا) لقلت إنّك أشعر الجنّ والإنس، فقال حسّان: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك ومن جدّك! فقبض النابغة على يده، ثم قال: يابن أخى، إنك لا تحسن أن تقول مثل قولى:
فإنّك كاللّيل الّذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع [٢]
ثم قال للخنساء: أنشديه، فأنشدته، فقال: والله ما رأيت ذات مثانة أشعر منك [٣] ! فقالت له الخنساء: والله ولا ذا خصيين!! ٥٩٣* وكان أخوها صخر بن عمرو شريفا فى بنى سليم، وخرج فى غزاة فقاتل فيها قتالا شديدا، وأصابه جرح رغيب [٤] ، فمرض (من ذلك) فطال مرضه، وعاده قومه، فكانوا إذا سألوا امرأته سلمى عنه قالت: لا هو حىّ
стр. 326
فيرجى، ولا ميّت فينسى، وصخر يسمع كلامها، فشقّ عليه، وإذا قالوا لأمّه: كيف صخر اليوم؟ قالت أصبح صالحا بنعمة الله، فلمّا أفاق من علّته بعض الإفاقة، عمد إلى امرأته سلمى فعلّقها بعمود الفسطاط حتّى ماتت، وقال (غيره: بل قال: ناولونى سيفى لأنظر كيف قوّتى وأراد قتلها، وناولوه فلم يطق السيف، ففى ذلك يقول: أهمّ بأمر الحزم البيت. وأوّل الشعر) [١] :
أرى أمّ صخر ما تملّ عيادتى ... وملّت سليمى مضجعى ومكانى
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك، ومن يغترّ بالحدثان [٢]
فأىّ امرئ ساوى بأمّ حليلة ... فلا عاش إلّا فى أذى وهوان [٣]
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنّزوان [٤]
لعمرى لقد أنبهت من كان نائما ... وأسمعت من كانت له أذنان
وللموت خير من حياة كأنّها ... محلّة يعسوب برأس سنان [٥]
ثم نكس بعد ذلك من طعنته فمات، فكانت أخته خنساء ترثيه، (ولم تزل تبكيه حتّى عميت) .
٥٩٤* ودخلت خنساء على أمّ المؤمنين عائشة، وعليها صدار [٦] لها من شعر
стр. 327
فقالت لها عائشة رضى الله عنها: يا خنساء إنّ هذا لقبيح، قبض رسول الله ﷺ فما لبست هذا [١] ، قالت: إنّ له قصّة، قالت: فأخبرينى، قالت: زوّجنى أبى رجلا، وكان سيّدا معطاء، فذهب ماله، فقال لى [٢] : إلى من يا خنساء؟
قلت: إلى أخى صخر، فأتيناه، فقسم ماله شطرين، فأعطانا خيرهما، فجعل زوجى أيضا يعطى ويحمل، حتّى نفد ماله، فقال: إلى من؟ فقلت: إلى أخى صخر، (فأتيناه) ، فقسم ماله شطرين، فأعطانا خيرهما، فقالت امرأته: أما ترضى أن تعطيها النصف حتّى تعطيها أفضل النّصيبين؟! فأنشأ يقول [٣]
والله لا أمنحها شرارها ... ولو هلكت مزّقت خمارها
وجعلت من شعر صدارها
فذلك الذى دعانى إلى أن لبست هذا حين هلك [٤] .
٥٩٥* وكانت تقف بالموسم فتسوّم هؤدجها بسومة [٥] ، وتعاظم العرب بمصيبتها بأبيها عمرو بن الشّريد وأخويها صخر ومعاوية ابنى [٦] عمرو، وتنشدهم فتبكى الناس.
стр. 328
٥٩٦* وكان أبوها يأخذ بيدى ابنيه صخر ومعاوية ويقول: أنا أبو خيرى مضر، فتعترف له العرب بذلك. ثم قالت الخنساء بعد ذلك: كنت أبكى لصخر من القتل، فأنا أبكى له اليوم من النار.
٥٩٧* وممّا سبقت إليه قولها [١] :
أشمّ أبلج تأتمّ الهداة به ... كأنّه علم فى رأسه نار
(وفيها تقول:
مثل الرّدينىّ لم تكبر شبيبته ... كأنّه تحت طىّ الثّوب إسوار [٢]
لم تره جارة يمشى بساحتها ... لريبة حين يخلى بيته الجار
فما عجول لدى بوّ تطيف به ... قد ساعدتها على التّحنان أظآر [٣]
أودى به الدّهر عنها فهى مرزمة ... لها حنينان إصغار وإكبار [٤]
ترتع ما غفلت حتّى إذا ذكرت ... فإنما هى إقبال وإدبار [٥]
يوما بأوجع منى يوم فارقنى ... صخر، وللدّهر إحلاء وإمرار)
стр. 329
٤٤- المساور بن هند [١]
٥٩٨* (وكنيته أبو الصّمعاء) . هو المساور بن هند بن قيس بن زهير بن جذيمة العبسى. وقيس بن زهير جدّ المساور هو صاحب الحرب بين عبس وفزارة، وهى حرب داحس والغبراء [٢] .
وكان المساور يهاجى المرّار الفقعسى [٣] ويهجو بنى أسد، قال الشاعر [٤] :
شقيت بنو أسد بشعر مساور ... إنّ الشّقىّ بكلّ حبل يخنق
٥٩٩* وهو القائل للمرّار [٥] :
ما سرّنى أنّ أمى من بنى أسد ... وأنّ ربى ينجينى من النار
وأنّهم زوّجونى من بناتهم ... وأنّ لى كلّ يوم ألف دينار
فقال له المرّار:
لست إلى الأمّ من عبس ومن أسد ... وإنما أنت دينار بن دينار
стр. 330
وإن تكن أنت من عبس وأمّهم ... فأمّ عبسكم من جارة الجار [١]
٦٠٠* وقال له الحجّاج: لم تقول الشعر بعد الكبر؟ قال: أسقى به الماء، وأرعى به الكلأ، وتقضى لى به الحاجة، فإن كفيتنى ذلك تركته. وعمّر طويلا [٢] .
٦٠١* وهو القائل:
بليت وعلمى فى البلاد مكانه ... وأفنى شبابى الدّهر وهو جديد
وأدركنى يوم إذا قلت: قد مضى ... يعود لنا أو مثله فيعود
وأصبحت مثل السّيف أخلق جفنه ... تقادم عهد القين وهو جديد
ألم تعلموا يا عبس لو تشكروننى ... إذا التفّت الذّوّاد كيف أذود [٣]
ألم تعلموا أنى ضحوك إليكم ... وعند شديدات الأمور شديد
وهلك المساور بعمان.
стр. 331
٤٥- ضابىء بن الحارث البرجى [١]
٦٠٢* هو ضابىء بن الحارث بن أرطاة، من بنى غالب بن حنظلة، بن البراجم. وكان استعار كلبا من بعض بنى جرول بن نهّشل، فطال مكثه عنده، فطلبوه فامتنع عليهم، فعرضوا له فأخذوه منه، فغضب ورمى أمّهم بالكلب، واسم الكلب قرحان، فقال [٢] :
تجشّم دونى وفد قرحان شقّة ... تظلّ بها الوجناء وهى حسير
فأردفتهم كلبا فراحوا كأنما ... حباهم بتاج الهرمزان أمير
وقلّدتهم ما لو رميت متالعا ... به، وهو مغبرّ، لكاد يطير [٣]
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... ثمامة عنّى، والأمور تدور [٤]
فأمّكم لا تتركوها وكلبكم ... فإنّ عقوق الوالدات كبير
فإنّك كلب قد ضريت بما ترى ... سميع بما فوق الفراش خبير
إذا عثّنت من آخر اللّيل دخنة ... يبيت لها فوق الفراش هرير [٥]
стр. 332
فاستعدوا عليه عثمان بن عفّان، فحبسه، (وقال: والله لو أنّ رسول الله ﷺ حىّ لأحسبنّه نزل فيك قرآن، وما رأيت أحدا رمى قوما بكلب قبلك. ومثل هذا قول زهير، ورمى قوما بفحل إبل حبسوه عليه، فقال [١] :
ولولا عسبه لرددتموه ... وشرّ منيحة أير معار [٢]
إذا طمحت نساؤكم إليه ... أشظّ كأنّه مسد مغار) [٣]
٦٠٣* وكان أراد أن يفتك بعثمان بن عفّان، فقال فى الحبس:
هممّت ولم أفعلّ وكدت وليتنى ... تركت على عثمان تبكى حلائله [٤]
٦٠٤* ولم يزل فى حبس عثمان إلى أن مات.
ومن شعره فى الحبس (قوله) [٥] :
ومن يك أمّسى بالمدينة رحله ... فإنى وقيّارا بها لغريب [٦]
وما عاجلات الطّير تدنى من الفتى ... رشادا، ولا عن ريثهنّ يخيب [٧]
стр. 333
وربّ أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب [١]
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه ... على نائبات الدّهر حين تنوب [٢]
وفى الشّك تفريط، وفى الجزم قوّة ... ويخطئ فى الحدس الفتى ويصيب
ولست بمستبق صديقا ولا أخا ... إذا لم تفده الشىء وهو قريب
٦٠٥* ولما قتل عثمان رضى الله عنه جاء عمير بن ضابئ فرفسه برجله، فلما كان زمن الحجّاج وعرض أهل الكوفة ليوجّههم مددا للمهلّب، عرضه فيهم، وهو شيخ كبير، فقال له: اقبل منّى بديلا، قال: نعم، فقال عنبسة بن سعيد:
هذا الذى رفس عثمان وهو مقتول، فردّه فقتله وفى ذلك يقول الشاعر [٣] :
تخيّر فإمّا أن تزور ابن ضابئ ... عميرا وإمّا أن تزور المهلّبا
هما خطّتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثّلج أشهبا
٦٠٦* وأخو ضابئ معرّض بن الحرث.
وممّا سبق إليه ضابئ فأخذ منه قوله فى الثور:
يساقط عنه روقه ضارياتها ... سقاط حديد القين أخول أخولا [٤]
أخذه الكميت فقال:
يساقطهنّ سقاط الحدي ... د يتبع أخوله الأخولا
(يقال: تساقطت النار أخول أخول، أى قطعا قطعا) .
стр. 334
٤٦- مالك بن الريب [١]
٦٠٧* هو من مازن تميم وكان فاتكا لصّا، يصيب الطريق مع [٢] شظاظ الضبىّ الذى يضرب به المثل، فيقال «ألصّ من شظاظ» [٣] .
ومالك الذى يقول:
سيغنينى المليك ونصل سيفى ... وكرّات الكميت على التّجار
٦٠٨* وحبس بمكة فى سرقة، فشفع فيه شمّاس بن عقبة المازنىّ، فاستنقذه وهو القائل فى الحبس:
أتلحق بالرّيب الرّفاق ومالك ... بمكّة فى سجن يعنّيه راقبه [٤]
ثم لحق بسعيد بن عثمان بن عفان، فغزا معه خراسان، فلم يزل بها حتى مات.
٦٠٩* ولما حضرته الوفاة قال [٥] :
стр. 335
ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... بجنب الغضا أزجى القلاص النّواجيا [١]
فليت الغضا لم يقطع الرّكب عرضه ... وليت الغضا ماشى الرّكاب لياليا
ألمّ ترنى بعت الضّلالة بالهدى ... وأصبحت فى جيش ابن عفّان غازيا
لعمرى لئن غالت خراسان هامتى ... لقد كنت عن بابى خراسان نائيا
فيا صاحبى رحلى دنا الموت فاحفرا ... برابية، إنى مقيم لياليا
وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعى ... وردّا على عينىّ فضل ردائيا
ولا تحسدانى، بارك الله فيكما، ... من الأرض ذات العرض، أن توسعا ليا
تذكّرت من يبكى علىّ فلم أجد ... سوى السّيف والرّمح الرّدينىّ باكيا
(وقال يهجو الحجّاج [٢] :
فإن تنصفوا يا آل مروان نقترب ... إليكم، وإلّا فأذنوا ببعاد
فإنّ لنا عنكم مزاحا ومزحلا ... بعيس إلى ريح الفلاة صواد
فماذا عسى الحجّاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا قناة زياد [٣]
فلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبدا من عبيد إياد
زمان هو العبد المقرّ بذلّة ... يراوح صبيان القرى ويغادى)
وليس له عقيب.
٦١١* وممّا سبق إليه (فأخذ عنه) قوله [٤] :
العبد يقرع بالعصا ... والحرّ يكفيه الوعيد
стр. 336
وقال آخر [١] :
العبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الإشاره
وقال ابن مفرّغ [٢] :
العبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الملامه [٣]
وقال بشّار:
الحرّ يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرّدّ [٤]
стр. 337
٤٧- ابن أحمر الباهلى [١] .
٦١٢* هو عمرو بن أحمر بن فرّاص [٢] بن معن بن أعصر.
وكان أعور، رماه رجل يقال له مخشىّ بسهم، فذهبت عينه، فقال:
شلّت أنامل مخشىّ فلا جبرت ... ولا استعان بضاحى كفّه أبدا [٣]
أهوى لها مشقصا حشرا فشبرقها ... وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا
٦١٣* وعمّر تسعين سنة، وسقى بطنه فمات، وفى ذلك يقول:
إليك إله الحق أرفع رغبتى ... عياذا وخوفا أن تطيل ضمانيا [٤]
فإن كان برءا فاجعل البرء نعمة ... وإنّ كان فيضا فاقض ما أنت قاضيا [٥]
لقاؤك خير من ضمان وفتنة ... وقد عشت أيّاما وعشت لياليا
أرجّى شبابا مطرهمّا وصحّة ... وكيف رجاء المرء ما ليس لاقيا [٦]
стр. 338
وكيف وقد جرّبت تسعين حجّة ... وضمّ فؤادى نوطة هى ما هيا [١]
وفى كلّ عام يدعوان أطبّة ... إلىّ، وما يجدون إلا الهواهيا [٢]
فإن تحسما عرقا من الدّاء تتركا ... إلى جنبه عرقا من الداء ساقيا
فلا تحرقا جلدى، سواء عليكما ... أداويتما العصرين أم لا تداويا
شربت الشكاعى والتددت ألدّة ... وأقبلت أفواه العروق المكاويا [٣]
شربنا وداوينا، وما كان ضرّنا ... إذا الله حمّ القدر ألّا تداويا [٤]
وقد أتى ابن أحمر فى شعره بأربعة ألفاظ لا تعرف فى كلام العرب [٥] :
سمّى النار «ماموسة» ، ولا يعرف ذلك، قال [٦] :
تطايح الطّلّ عن أعطافها صعدا ... كما تطايح عن ماموسة الشرر [٧]
وسمّى حوار الناقة «بابوسا» ، ولا يعرف ذلك، فقال:
стр. 339
حنّت قلوصى إلى بابوسها جزعا ... فما حنينك أم ما أنت والذّكر [١]
وفى بيت آخر يذكر فيه البقرة:
وبنّس عنها فرقد خصر [٢]
أى تأخّر، ولا يعرف «التّبنيس» .
وقال:
وتقنّع الحرباء أرنته ... متشاوسا لوريده نقر
قال: «الأرنة» ما لفّ على الرأس، ولا يعرف ذلك فى غيره شعره [٣] .
٦١٥* وقالوا: هو أكثر بيت آفات، قال:
تمشّى بأكناف البليخ نساؤنا ... أرامل يستطعمن بالكف والفم [٤]
نقائذ برسام وحمّى وحصبة ... وجوع وطاعون ونقر ومغرم [٥]
стр. 340
٦١٦* وقال أبو عمرو بن العلاء: كان ابن أحمر فى أفصح بقعة من الأرض أهلا، يذبل والقعاقع [١] ، يعنى مولده قبل أن ينزل الجزيرة ونواحيها.
٦١٧* وأخذت العلماء عليه قوله فى وصف امرأة:
لم تدر ما نسج اليرندج قبلها ... ودراس أعوص دارس متجدّد
«واليرندج» جلود سود، فظنّ أنه شىء ينسج، «ودراس أعوص» أى لم تدارس الناس عويص الكلام، وقوله «دارس متجدّد» يريد أنه يخفى أحيانا ويتبيّن أحيانا [٢] .
стр. 341
٤٨- ابن مفرغ الحميرى [١]
٦١٨* هو يزيد بن ربيعة بن مفرّغ الحميرىّ، حليف لقريش، يقال إنّه كان عبدا للضّحّاك بن عبد عوف الهلالىّ فأنعم عليه، ويقال سمّى أبوه مفزّغا لأنّه كان خاطر على شرب سقاء لبن، فشربه حتّى أتى عليه. ولمّا ولى سعيد بن عثمان بن عفّان خراسان استصحبه، فلم يصحبه، وصحب عبّاد بن زياد بن أبى سفيان، فلم يحمده، وكان عبّاد طويل اللحية عريضها، فركب ذات يوم وابن مفرّغ معه فى موكبه، فهبّت الريح فنفشت لحيته، فقال ابن مفرغ:
ألا ليت اللّحى كانت حشيشا ... فنعلفها دوابّ المسلمينا
وقال أيضا:
سبق عبّاد وصلّت لحيته ... وكان خرّازا تجور فريته
فبلغ ذلك عبّادا فجفاه وحقد عليه، فقال ابن مفرغ بعد انصرافه عنه:
إنّ تركى ندى سعيد بن عثما ... ن فتى الجود ناصرى وعديدى
واتّباعى أخا الرّضاعة واللّؤ ... م لنقص وفوت شأو بعيد [٢]
قلت واللّيل مطبق بعراه: ... ليتنى متّ قبل ترك سعيد
فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وعذّبه، وسقاه التّربذ فى النبيذ، وحمله على بعير، وقرن به خنزيرة، فأمشاه بطنه مشيا شديدا، فكان يسيل (منه ما يخرج)
стр. 342
على الخنزير فتصئ، فكلّما صاءت قال ابن مفرّغ:
ضجّت سميّة لمّا مسّها القرن ... لا تجزعى إنّ شرّ الشيمة الجزع
وسميّة: أمّ زياد، فطيف به فى أزقّة البصرة وأسواقها، والناس يصيحون (خلفه اين جيست) لما يسيل منه، وهو يقول:
آبست نبيذ است ... عصارات زبيبست
سميّه رو سفيدست [١]
فلمّا ألحّ عليه ما يخرج منه قيل لابن زياد: إنّه لما به، فأمر به، فأنزل، فاغتسل، فلمّا خرج من الماء قال:
يغسل الماء ما فعلت وقولى ... راسخ منك فى العظام البوالى
ثمّ دسّ إليه غرماءه يقتضونه ويستعدون عليه، ففعلوا ذلك، فأمر ببيع ما وجد له فى إعطاء غرمائه، فكان فيما بيع له غلام كان ربّاه يقال له برد، كان يعدل عنده ولده، وجارية له يقال لها الأراكة، فقال ابن مفرّغ:
يا برد ما مسّنا دهر أضرّ بنا ... من قبل هذا ولا بعنا له ولدا
أمّا الأراك فكانت من محارمنا ... عيشا لذيذا وكانت جنّة رغدا
ولولا الدّعىّ ولولا ما تعرّض لى ... من الحوادث ما فارقتها أبدا
٦١٩* وقال قصيدة له، وهى أجود شعره [٢] :
وشريت بردا ليتنى ... من بعد برد كنت هامه
стр. 343
أو بومة تدعو الصّدى ... بين المشقّر واليمامه
(وأوّل الشعر:
أصرمت حبلك من أمامه ... من بعد أيّام برامه) [١]
٦٢٠* ثم إنّ عبيد الله بن زياد أمر به فحمل إلى سجستان إلى عبّاد بن زياد، فحبس بها، فكان ممّا قال فى الحبس (قوله) :
حىّ ذا الزّور وانهه أن يعودا ... إنّ بالباب حارسين قعودا
من أساوير لا ينون قياما ... وخلاخيل تسهر المولودا [٢]
وطماطيم من سبابيج غتم ... يلبسونى مع الصّباح قيودا [٣]
لا ذعرت السّوام فى غلس اللّ ... يل مغيرا ولا دعيت يزيدا [٤]
يوم أعطى من المخافة ضيما ... والمنايا يرصدننى أن أحيدا
٦٢١* وكان الحسين بن على رضى الله عنه تمثّل بهذين البيتين الآخرين حين بلغته بيعة يزيد بن معاوية، فعلم من حضر أنّه سيخرج عليه.
стр. 344
٦٢٢* وقال ابن مفرّغ لمعاوية [١] :
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة عن الرّجل اليمانى [٢]
أتغضب أن يقال أبوك عفّ ... وترضى أن يقال أبوك زان
وأشهد أنّ إلّك من زياد ... كإلّ الفيل من ولد الأتان [٣]
وأشهد أنّها حملت زيادا ... وصخر من سميّة غير دان
وإنما أخذ:
وأشهد أن إلّك من زياد
من حسّان بن ثابت، قال حسّان:
وأشهد أنّ إلّك من قريش ... كإلّ السّقب من ولد النّعام [٤]
٦٢٣* وقال أيضا:
إنّ زيادا ونافعا وأبا ... بكرة عندى من أعجب العجب [٥]
إنّ رجالا ثلاثة خلقوا ... من رحم أنثى مخالفى النّسب
ذا قرشىّ كما يقول، وذا ... مولى، وهذا ابن عمّه عربى
فلمّا طال حبسه بعث رجلا أنشد على باب معاوية، واليمن أجمع ما كانت بباب معاوية، قوله:
стр. 345
أبلغ لديك بنى قحطان قاطبة ... عضّت بأير أبيها سادة اليمن
أمسى دعىّ زياد فقع قرقرة ... يا للعجائب، يلهو بابن ذى يزن [١]
فدخل أهل اليمن إلى معاوية فكلّموه، فوجّه رجلا على البريد فى إطلاقه، فصار إلى سجستان، فبدأ بالحبس فأطلقه، وقرّب إليه دابّة من بغال البريد.
فلمّا استوى عليها قال:
عدس ما لعبّاد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق [٢]
طليق الذى نجّى من الحبس بعدما ... لاحم فى درب عليك مضيق
ذرى وتناسى ما لقيت فإنّه ... لكلّ أناس خبطة وحريق
قضى لك حمحام بأرضك فالحقى ... بأهلك لا يؤخذ عليك طريق
стр. 346
٤٩- سليك بن سلكة السعدى [١]
٦٢٤* هو منسوب إلى أمه سلكة، وكانت سوداء، واسم أبيه عمرو بن يثربىّ، ويقال عمير، (وهو) من بنى كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وهو أحد أغربة العرب [٢] وهجنائهم وصعاليكهم ورجيلائهم. وكان له بأس ونجدة.
وكان أدلّ الناس بالأرض، وأجودهم عدوا على رجليه، (وكان) لا تعلق به الخيل. وقالت له بنو كنانة حين كبر: إن رأيت أن ترينا بعض ما بقى من إحضارك؟ فقال: اجمعوا لى أربعين شابّا وابغونى درعا ثقيلة، فأخذها فلبسها، وخرج الشباب، حتّى إذا كان على رأس ميل أقبل يحضر، فلاث العدو لوثا [٣] ، واهتبصوا [٤] فى جنبتيه [٥] فلم يصحبوه إلا قليلا، فجاء يحضر منتبذا حيث لا يرونه، وجاءت الدرع تخفق فى عنقه كأنّها خرقة.
٦٢٥* وكان سليك يقول: اللهم إنّك تهيّىّ ما شئت لمن شئت إذا شئت، اللهمّ إنى لو كنت ضعيفا لكنت عبدا، ولو كنت امرأة لكنت أمة، اللهمّ إنى أعوذ بك من الخيبة، فأمّا الهيبة فلا هيبة. فأصابته خصاصة شديدة، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرّة من بعض من يمرّ عليه، فيذهب بإبله، حتّى إذا أمسى فى ليلة من ليالى الشتاء قرّة مقمرة، اشتمل الصّمّاء ونام، فبينا هو كذلك جثم عليه رجل، فقال: استأسر، فرفع سليك رأسه فقال: إنّ الليل طويل
стр. 347
وإنّك مقمر! فذهبت مثلا، وجعل الرجل يلهزه ويقول: يا خبيث استأسر، فلم يعبأ به، فلما آذاه ضمّه سليك ضمّه ضرط منها وهو فوقه! فقال سليك:
أضرطا وأنت الأعلى [١] ! فذهبت مثلا، ثم قال له: ما شأنك؟ فقال: أنا رجل فقير، خرجت لعلّى أصيب شيئا، قال: انطلق معى، فخرجا فوجدا رجلا قصّته (مثل) قصّتهما، فأتوا جوف مراد، وهو باليمن، فإذا فيه نعم كثير، فقال سليك لهما: كونا (منى) قريبا حتّى آتى الرّعاء فأعلم لكما علم الحىّ أقريب هو أم بعيد، فإن كانوا قريبا رجعت إليكما، وإن كانوا بعيدا قلت لكما قولا أحى به (إليكما) ، فأغيرا (على ما يليكما) ، فانطلق حتّى أتى الرّعاء، فلم يزل بهم يتسقّطهم حتّى أخبروه خبر الحىّ، فإذا هو بعيد، فقال لهم السّليك: ألا أغنّيكم؟ قالوا: بلى، فرفع عقيرته، يتغنّى:
يا صاحبىّ ألا لا حىّ بالوادى ... إلّا عبيد وآم بين أذواد [٢]
أتنظران قليلا ريث غفلتهم ... أم تعدوان فإنّ الرّيح للعادى [٣]
فلمّا سمعا ذلك اطّردا الإبل فذهبا بها [٤] .
٦٢٦* قال أبو عبيدة: بلغنى أنّ السليك رأته طلائع جيش لبكر بن وائل جاؤوا ليغيروا على تميم ولا يعلم بهم، فقالوا: إن علم السّليك بنا أنذر قومه،
стр. 348
فبعثوا إليه فارسين على جوادين، فلما هايجاه خرج يمحص كأنّه ظبى [١] ، فطارداه سحابة يومهما، ثم قالا: إذا كان الليل أعيا ثم سقط أو قصّر عن العدو فنأخذه، فلمّا أصبحا وجدا أثره قد عثر بأصل شجرة وندرت قوسه [٢] فانحطمت، فوجدا قصدة منها قد ارتزّت بالأرض [٣] ، فقالا: ما له أخزاه الله! ما أشدّه! وهمّا بالرجوع، ثم قالا: لعلّ هذا كان من أوّل الليل ثم فتر، فتبعاه، فإذا أثره متفاجا [٤] قد بال فى الأرض وخدّ [٥] ، (فقالا: قاتله الله ما أشدّ متنه!) فانصرفا (عنه) ، وتمّ إلى قومه [٦] فأنذرهم، فكذّبوه لبعد الغاية، فقال:
يكذّبنى العمران عمرو بن جندب ... وعمرو بن سعد، والمكذّب أكذب [٧]
ثكلتكما إن لم أكن قد رأيتها ... كراديس يهديها إلى الحىّ كوكب
كراديس فيها الحوفزان وحوله ... فوارس همّام متى يدع يركبوا [٨]
وجاء الجيش فأغاروا (عليهم) [٩] .
стр. 349
٦٢٧* وكان يقال له سليك المقانب [١] ، وقد وصفه عمرو بن معدى كرب فقال:
وسيرى حتّى قال فى القوم قائل: ... عليك أبا ثور سليك المقانب
فرعت به كاللّيث يلحظ قائما ... إذا ريع منه جانب بعد جانب
له هامة ما تأكل البيض أمّها ... وأشباح عادىّ طويل الرّواجب [٢]
٦٢٨* ومرّ فى بعض غزواته ببيت من خثعم، أهله خلوف، فرأى فيهم امرأة بضّة شابّة، فتسنّمها ومضى، فأخبرت القوم، فركب أنس بن مدرك الخثعمىّ فى إثره، فقتله، وطولب بديته، فقال: والله لا أديه ابن إفال [٣] ، وقال:
إنى وقتلى سليكا يوم أعقله ... كالثّور يضرب لمّا عافت البقر [٤]
غضبت للمرء إذ نيكت حليلته ... وإذ يشدّ على وجعائها الثّفر [٥]
стр. 350
٥٠- ابن فسوة [١]
٦٢٩* هو عتيبة [٢] ، (ويقال عتبة) بن مرداس، من بنى تميم.
وكان ابن فسوة أسره رجل من قومه، فأتاه عتيبة فاشتراه منه فلقّب به! فقال فى نفسه [٣] :
وحوّل مولانا علينا اسم أمّه ... ألا ربّ مولى ناقص غير زائد [٤]
وكان له أخ شاعر يقال له أديهم بن مرداس [٥] ، وله عقب بالبادية.
٦٣٠* وكان عتيبة أتى عبد الله بن عباس فحجب عنه، فقال [٦] :
стр. 351
أتيت ابن عبّاس أرجّى نواله ... فلم يرج معروفى ولم يخش منكرى
وقال لبوّابيه: لا تدخلنّه ... وسدّ خصاص الباب من كلّ منظر
وتسمع أصوات الخصوم وراءه ... كصوت الحمام فى القليب المعوّر
فلو كنت من زهران قضّيت حاجتى ... ولكنّنى مولى جميل بن معمر
وكان ابن عبّاس تزوّج امرأة بالبصرة من زهران، يقال لها شميلة. وقوله «مولى جميل بن معمر» أراد أنّه وليّه ومن قومه وكان جميل مضريّا [١] .
فليت قلوصى عرّيت أو رحلتها ... إلى حسن فى داره وابن جعفر
إذا هى همّت بالخروج يصدّها ... عن القصد مصراعا منيف مجيّر
تطالع أهل السّوق والباب دونها ... بمستفلك الذّفرى أسيل المذمّر [٢]
فباتت على خوف كأنّ بغامها ... أجيج ابن ماء فى يراع مفجّر [٣]
٦٣١* وكانت له خالة تهاجى اللّعين المنقرىّ [٤] ، وفيه تقول:
تذكرنى سبالك إسكتيها ... وأنفك بظر أمّك يا لعين
стр. 352
٦٣٢* وكان عتيبة عضّه كلب كلب، فأصابه ما يصيب صاحب الكلب الكلب، فداواه ابن المحلّ بن قدامة بن الأسود فأباله، مثل الكلاب والنّمل، فبرأ، فقال فيه الشاعر:
ولولا دواء ابن المحلّ وطبّه ... هررت إذا ما الناس هرّ كليبها
وأخرج بعد الله أولاد زارع ... مولّعة أكنافها وجنوبها [١]
وكان الأسود جدّ المحلّ أتى النّجاشىّ فعلّمه هذا الدواء، فهو فى ولده إلى اليوم [٢] .
стр. 353
٥١- عمرو بن معد يكرب الزبيدى [١]
٦٣٣* هو من مذحج، ويكنى أبا ثور، وهو ابن خالة الزّبرقان بن بدر التميمىّ.
وأخته ريحانة بنت معدى كرب التى يقول فيها:
أمن ريحانة الداعى السّميع ... يؤرّقنى وأصحابى هجوع [٢]
٦٣٤* وكانت تحت الصّمّة بن الحرث، فولدت له دريد بن الصّمّة وعبد الله.
وكان عمرو من فرسان العرب المشهورين بالبأس فى الجاهليّة، وأدرك الإسلام، وقدم على رسول الله ﷺ المدينة فأسلم، ثم ارتدّ بعد وفاته فيمن ارتدّ باليمن، ثم هاجر إلى العراق فأسلم، ثم ارتدّ بعد وفاته فيمن ارتدّ باليمن، ثم هاجر إلى العراق فأسلم، وشهد القادسيّة، وله بها أثره وبلاؤه، وأوفده سعد بن أبى وقّاص بعد فتح القادسيّة إلى عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، فسأله عمر عن سعد، فقال: هو لهم كالأب، أعرابىّ فى نمرته، أسد فى تامورته [٣] ، ويقال: فى ناموسته [٤] نبطىّ فى حبوته، يقسم بالسّويّة، ويعدل فى القضيّة، وينفر فى السّريّة، وينقل إلينا حقّنا كما تنقل الذّرّة [٥] ، فقال عمر، وقد كان كتب إليه
стр. 354
سعد يثنى على عمرو: لشدّ ما تقارضتما الثّناء! وسأله عمر عن الحرب، فقال:
مرّة المذاق، إذا قلّصت عن ساق [١] ، من صبر فيها عرف، ومن ضعف عنها تلف، وهى كما قال الشاعر [٢] :
الحرب أوّل ما تكون فتيّة ... تسعى بزينتها لكلّ جهول
حتّى إذا استعرت وشبّ ضرامها ... عادت عجوزا غير ذات خليل
شمطاء جزّت رأسها وتنكّرت ... مكروهة للشّمّ والتّقبيل
وسأله عن السّلاح، فقال: الرّمح أخوك، وربّما خانك، والنّبل منايا تخطئ وتصيب، والتّرس هو المجنّ، وعليه تدور الدّوائر، والدّرع مشغلة للفارس متعبة للراجل، وإنّها لحصن حصين، وسأله عن السيف، فقال: ثمّ قارعتك أمّك عن الثّكل! قال عمر: بل أمّك! قال: الحمّى أضرعتنى [٣] .
٦٣٥* وشهد مع النعمان بن مقرّن المزنىّ فتح نهاوند، فقتل هنالك مع النعمان وطليحة بن خويلد، فقبورهم (هناك) بموضع يقال له: الإسفيذهان [٤] .
٦٣٦* وعمرو أحد من يصدق عن نفسه فى شعره، قال [٥] :
ولقد أجمع رجلىّ بها ... حذر الموت، وإنى لفرور
стр. 355
ولقد أعطفها كارهة ... حين للنّفس من الموت هرير
كلّ ما ذلك منى خلق ... وبكلّ أنا فى الرّوع جدير
٦٣٧* (ومن جيد شعره
أمن ريحانة
البيت.
وفيها يقول [١] :
أشاب الرّأس أيّام طوال ... وهمّ ما تضمّنه الضّلوع
وسوق كتيبة دلفت لأخرى ... كأنّ زهاءها رأس صليع [٢]
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وصله بالزّماع فكلّ أمر ... سما لك أو سموت له ولوع) [٣]
٦٣٨* وكان له أخ يقال له عبد الله، وأخت يقال لها كبشة، فقتل عبد الله (أخوه) ، وأراد عمرو أخذ الدية، فقالت كبشة شعرا تعيّر فيه عمرا [٤] :
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فمشّوا بآذان النّعام المصلّم [٥]