أتيت ابن عبّاس أرجّى نواله ... فلم يرج معروفى ولم يخش منكرى
وقال لبوّابيه: لا تدخلنّه ... وسدّ خصاص الباب من كلّ منظر
وتسمع أصوات الخصوم وراءه ... كصوت الحمام فى القليب المعوّر
فلو كنت من زهران قضّيت حاجتى ... ولكنّنى مولى جميل بن معمر
وكان ابن عبّاس تزوّج امرأة بالبصرة من زهران، يقال لها شميلة. وقوله «مولى جميل بن معمر» أراد أنّه وليّه ومن قومه وكان جميل مضريّا [١] .
فليت قلوصى عرّيت أو رحلتها ... إلى حسن فى داره وابن جعفر
إذا هى همّت بالخروج يصدّها ... عن القصد مصراعا منيف مجيّر
تطالع أهل السّوق والباب دونها ... بمستفلك الذّفرى أسيل المذمّر [٢]
فباتت على خوف كأنّ بغامها ... أجيج ابن ماء فى يراع مفجّر [٣]
٦٣١* وكانت له خالة تهاجى اللّعين المنقرىّ [٤] ، وفيه تقول:
تذكرنى سبالك إسكتيها ... وأنفك بظر أمّك يا لعين
стр. 352
٦٣٢* وكان عتيبة عضّه كلب كلب، فأصابه ما يصيب صاحب الكلب الكلب، فداواه ابن المحلّ بن قدامة بن الأسود فأباله، مثل الكلاب والنّمل، فبرأ، فقال فيه الشاعر:
ولولا دواء ابن المحلّ وطبّه ... هررت إذا ما الناس هرّ كليبها
وأخرج بعد الله أولاد زارع ... مولّعة أكنافها وجنوبها [١]
وكان الأسود جدّ المحلّ أتى النّجاشىّ فعلّمه هذا الدواء، فهو فى ولده إلى اليوم [٢] .
стр. 353
٥١- عمرو بن معد يكرب الزبيدى [١]
٦٣٣* هو من مذحج، ويكنى أبا ثور، وهو ابن خالة الزّبرقان بن بدر التميمىّ.
وأخته ريحانة بنت معدى كرب التى يقول فيها:
أمن ريحانة الداعى السّميع ... يؤرّقنى وأصحابى هجوع [٢]
٦٣٤* وكانت تحت الصّمّة بن الحرث، فولدت له دريد بن الصّمّة وعبد الله.
وكان عمرو من فرسان العرب المشهورين بالبأس فى الجاهليّة، وأدرك الإسلام، وقدم على رسول الله ﷺ المدينة فأسلم، ثم ارتدّ بعد وفاته فيمن ارتدّ باليمن، ثم هاجر إلى العراق فأسلم، ثم ارتدّ بعد وفاته فيمن ارتدّ باليمن، ثم هاجر إلى العراق فأسلم، وشهد القادسيّة، وله بها أثره وبلاؤه، وأوفده سعد بن أبى وقّاص بعد فتح القادسيّة إلى عمر بن الخطّاب رضى الله عنه، فسأله عمر عن سعد، فقال: هو لهم كالأب، أعرابىّ فى نمرته، أسد فى تامورته [٣] ، ويقال: فى ناموسته [٤] نبطىّ فى حبوته، يقسم بالسّويّة، ويعدل فى القضيّة، وينفر فى السّريّة، وينقل إلينا حقّنا كما تنقل الذّرّة [٥] ، فقال عمر، وقد كان كتب إليه
стр. 354
سعد يثنى على عمرو: لشدّ ما تقارضتما الثّناء! وسأله عمر عن الحرب، فقال:
مرّة المذاق، إذا قلّصت عن ساق [١] ، من صبر فيها عرف، ومن ضعف عنها تلف، وهى كما قال الشاعر [٢] :
الحرب أوّل ما تكون فتيّة ... تسعى بزينتها لكلّ جهول
حتّى إذا استعرت وشبّ ضرامها ... عادت عجوزا غير ذات خليل
شمطاء جزّت رأسها وتنكّرت ... مكروهة للشّمّ والتّقبيل
وسأله عن السّلاح، فقال: الرّمح أخوك، وربّما خانك، والنّبل منايا تخطئ وتصيب، والتّرس هو المجنّ، وعليه تدور الدّوائر، والدّرع مشغلة للفارس متعبة للراجل، وإنّها لحصن حصين، وسأله عن السيف، فقال: ثمّ قارعتك أمّك عن الثّكل! قال عمر: بل أمّك! قال: الحمّى أضرعتنى [٣] .
٦٣٥* وشهد مع النعمان بن مقرّن المزنىّ فتح نهاوند، فقتل هنالك مع النعمان وطليحة بن خويلد، فقبورهم (هناك) بموضع يقال له: الإسفيذهان [٤] .
٦٣٦* وعمرو أحد من يصدق عن نفسه فى شعره، قال [٥] :
ولقد أجمع رجلىّ بها ... حذر الموت، وإنى لفرور
стр. 355
ولقد أعطفها كارهة ... حين للنّفس من الموت هرير
كلّ ما ذلك منى خلق ... وبكلّ أنا فى الرّوع جدير
٦٣٧* (ومن جيد شعره
أمن ريحانة
البيت.
وفيها يقول [١] :
أشاب الرّأس أيّام طوال ... وهمّ ما تضمّنه الضّلوع
وسوق كتيبة دلفت لأخرى ... كأنّ زهاءها رأس صليع [٢]
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وصله بالزّماع فكلّ أمر ... سما لك أو سموت له ولوع) [٣]
٦٣٨* وكان له أخ يقال له عبد الله، وأخت يقال لها كبشة، فقتل عبد الله (أخوه) ، وأراد عمرو أخذ الدية، فقالت كبشة شعرا تعيّر فيه عمرا [٤] :
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فمشّوا بآذان النّعام المصلّم [٥]
стр. 356
ودع عنك عمرا إنّ عمرا مسالم ... وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم
٦٣٩* وقال عمرو [١] :
أعاذل شكّتى بدنى ورمحى ... وكلّ مقلّص سلس القياد [٢]
أعاذل إنّما أفنى شبابى ... ركوبى فى الصّريخ إلى المنادى
стр. 357
٥٢- عمرو بن قميئة [١]
٦٤٠* هو من قيس بن ثعلبة، من بنى سعد بن مالك، رهط طرفة (ابن العبد) . وهو قديم جاهلىّ، كان مع حجر أبى امرئ القيس، فلما خرج امرؤ القيس إلى بلاد الروم صحبه [٢] .
وإيّاه عنى امرؤ القيس بقوله:
بكى صاحبى لمّا رأى الدّرب دونه ... وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا [٣]
٦٤١* ومن جيّد شعره قصيدته التى أوّلها:
أرى جارتى خفّت وخفّ نصيحها ... وحبّ بها لولا الهوى وطموحها [٤]
فبينى على نجم سنيح نحوسه ... وأشأم طير الزاجرين سنيحها [٥]
стр. 358
فإن تشغبى فالشّغب منك سجيّة ... إذا شيمتى لم يؤت منها سجيحها [١]
أقارض أقواما فأوفى بقرضهم ... وعفّ إذا أبدى النّفوس شحيحها [٢]
٦٤٢* وهو ممّن أنصف فى شعره وصدق، قال:
فما أتلفت أيديهم من نفوسنا ... وإن كرمت فإنّنا لا ننوحها
بأبنا وآبوا كلّنا بمضيضة ... مهمّلة أجراحنا وجروحها [٣]
٦٤٣* (وهو القائل [٤] :
رمتنى بنات الدّهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس برام [٥]
وأهّلكنى تأميل ما لست مدركا ... وتأميل عام بعد ذاك وعام
إذا ما رآنى الناس قالوا: ألم تكن ... جليدا حديث السّنّ غير كهام [٦]
فأفنى وما أفنى من الدّهر ليلة ... فلم يغن ما أفنيت سلك نظام
فلو أنّنى أرمى بنبل رأيتها ... ولكنّنى أرمى بغير سهام
على الرّاحتين مرّة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا بعدهنّ قيامى
كأنى وقد جوزت تسعين حجّة ... خلعت بها عنّى عذار لجامى)
стр. 359
٦٤٤* وفى عبد القيس عمرو بن قميئة الضّبعىّ [١] ، وهو شاعر أيضا.
стр. 360
٥٣- زهير بن جناب [١]
٦٤٥* هو من كلب، وهو جاهلىّ قديم. ولمّا قدمت الحبشة تريد هدم البيت خرج زهير فلقى ملكهم، فأكرمه ووجّهه إلى ناحية العراق يدعوهم إلى الدخول فى طاعته، فلمّا صار فى أرض بكر بن وائل لقيه رجل منهم، فطعنه طعنة أشوته، فنجا وخرج هاربا، فقال الذى طعنه [٢] :
طعنة مّا طعنت فى غبس اللّي ... ل زهيرا، وقد توافى الخصوم [٣]
خاننى الرّمح إذ طعنت زهيرا ... وهو رمح مضلّل مشؤوم
٦٤٦* وهو من المعمّرين، وهو القائل فى عمره [٤] :
الموت خير للفتى ... فليهلكن وبه بقيّه
من أن يرى الشّيخ الكبي ... ر يقاد يهدى بالعشيّه
(من كلّ ما نال الفتى ... قد نلته إلا التّحيّه) [٥]
٦٤٧* وهو أحد النفر الثلاثة الذين شربوا الخمر صرفا حتّى ماتوا، وهم:
زهير بن جناب، وأبو براء (عامر) ملاعب الأسنّة عمّ لبيد، وعمرو بن كلثوم التغلبىّ. فأمّا زهير فإنّه قال ذات يوم: إنّ الحىّ ظاعن، فقال عبد الله بن عليم
стр. 361
ابن جناب (ابن أخيه) : إنّ الحىّ مقيم، فقال زهير: من هذا المخالف لى؟
قالوا: ابن أخيك، قال: فما أحد ينهاه؟! قالوا: لا، قال، أرانى قد خولفت، فدعا بالخمر فلم يزل يشربها صرفا حتى قتلته. وأمّا أبو براء (ملاعب الأسنّة) فإنّ النبىّ ﷺ كان وجّه عدّة من أصحابه إلى بنى عامر بن صعصعة فى خفارته، فسار إليهم عامر بن الطّفيل ابن أخيه، فلقيهم ببئر معونة فقتلهم، فدعا أبو براء بنى عامر إلى الوثوب بعامر، فلم يجيبوه، (فغضب) فدعا بالخمر فشربها صرفا حتى قتلته، وأمّا عمرو بن كثلوم فإنه أغار على بنى حنيفة باليمامة، فأسره يزيد بن عمرو الحنفىّ فشدّه وثاقا، ثم قال: ألست القائل:
متى تعقد قرينتنا بحبل ... نجذّ الحبل أو نقص القرينا [١]
أما إنى سأقرنك بناقتى هذه، ثم أطردكما جميعا (فأنظر أيّكما يجذّ) ! فنادى: يا آل ربيعة! أمثلة؟! فاجتمعت إليه بنو لجيم [٢] فنهوه (عن ذلك) ، فانتهى به إلى حجر [٣] فأنزله قصرا وسقاه، فلم يزل يشرب حتى مات [٤] .
стр. 362
٦٤٨* ومن جيّد شعر زهير بن جناب [١] :
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوما فتدركه عواقب ما جنى [٢]
يجزيك أو يثنى عليك، وإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
وسمع رسول الله ﷺ عائشة رضى الله عنها وهى تتمثّل به، فكان يقول لها: «كيف الشعر الذى كنت تتمثّلين به؟» فإذا أنشدته إيّاه قال: «يا عائشة إنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس» [٣] .
٦٤٩* ومن جيّد شعره قوله:
إنّ بنى مالك تلقى غزيّهم ... فى الزاد فوضى وعند الموت إخوانا [٤]
стр. 363
٥٤- الأضبط بن قريع (السعدى) [١]
٦٥٠* هو من بنى عوف بن كعب بن سعد، رهط الزّبرقان بن بدر، ورهط ابن أنف الناقة [٢] ، وكان قومه أساؤوا مجاورته، فانتقل عنهم إلى آخرين، فأساؤوا مجاورته فانتقل منهم إلى آخرين، فأساؤوا مجاورته، فرجع إلى قومه وقال: بكلّ واد بنو سعد، ويقال أنّه قال: أينما أوجّه ألق سعدا [٣] وهو قديم [٤] .
٦٥١* وكان أغار على بنى الحارث بن كعب، فقتل منهم وأسر وجدع وخصى، ثم بنى أطما، وبنت الملوك حول ذلك الأطم مدينة صنعاء، فهى اليوم قصبتها [٥] .
٦٥٢* وهو القائل [٦] :
стр. 364
يا قوم من عاذرى من الخدعه ... والمسى والصّبح لا فلاح معه [١]
فصل حبال البعيد إن وصل ال ... حبل وأقص القريب إنّ قطعه
واقنع من العيش ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه [٢]
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
لا تهين الفقير علّك أن ... تخشع يوما والدّهر قد رفعه [٣]
стр. 365
٥٥- المستوغر [١]
٦٥٣* هو المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد، رهط الأضبط.
وسمّى المستوغر [٢] لقوله فى فرس:
ينشّ الماء فى الرّبلات منها ... نشيش الرّضف فى اللّبن الوغير [٣]
وهو قديم من المعمّرين [٤] . وعاش ثلاث مائة سنة وعشرين سنة.
(وقال [٥] :
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وعمرت من عدد السّنين مئينا
مائة حدتها بعدها مائتان لى ... وازددت من بعد الشّهور سنينا
هل ما بقى إلّا كما قد فاتنى ... يوم يمرّ وليلة تحدونا) [٦]
стр. 366
٦٥٤* حدّثنى سهل قال: حدّثنى الأصمعىّ، عن أبى عمرو بن العلاء، وابن العجّاج: أنّ المستوغر مرّ مرّة بعكاظ يقود ابن ابنه خرفا، فقال له رجل:
يا عبد الله أحسن إليه فطال ما أحسن إليك [١] ! قال: أو تدرى من هو؟ قال:
نعم هو، أبوك أو جدّك، قال: هو والله ابن ابنى! قال الرجل: لم أر كاليوم فى الكذب ولا مستوغر بن ربيعة!! قال: فأنا المستوغر بن ربيعة. قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: عاش المستوغر ثلاث مائة سنة وعشرين سنة.
стр. 367
٥٦، ٥٧- ابنا خذاق [١]
٦٥٥* هما سويد ويزيد ابنا خذّاق، من عبد القيس [٢] .
قال أبو عمرو بن العلاء: أوّل شعر قيل فى ذمّ الدنيا قول يزيد بن خذّاق [٣] :
هل للفتى من بنات الدّهر من واقى ... أم هل له من حمام الموت من راقى [٤]
قد رجّلونى وما بالشّعر من شعث ... وألبسونى ثيابا غير أخلاق [٥]
ورفعونى وقالوا: أيّما رجل ... وأدرجونى كأنّى طىّ مخراق [٦]
وأرسلوا فتية من خيرهم نسبا ... ليسبدوا فى ضريح القبر أطباقى [٧]
وقسّموا المال وارفضّت عوائدهم ... وقال قائلهم: مات ابن خذّاق [٨]
هوّن عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنّما مالنا للوارث الباقى [٩]
стр. 368
٦٥٦* وهما قديمان، كانا فى زمن عمرو بن هند.
ويزيد القائل [١] :
نعمان إنّك غادر خدع ... يخفى ضميرك غير ما تبدى [٢]
فإذا بدا لك نحت أثلتا ... فعليكها إن كنت ذا جدّ [٣]
وهززت سيفك كى تحاربنا ... فانظر بسيفك من به تردى
٦٥٧* وسويد القائل:
أبى القلب أنّ يأتى السّدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسّدير غزير
به البقّ والحمّى وأسد خفيّة ... وعمرو بن هند يعتدى ويجور [٤]
٦٥٨* وهو القائل أيضا:
جزى الله قابوس بن هند بفعله ... بنا وأخاه غدرة وأثاما [٥]
بما فجرا يوم العطيف وفرّقا ... قبائل أحلافا وحيّا حراما [٦]
لعلّ لبون الملك تمنع درّها ... ويبعث صرف الدّهر قوما نياما
وإلّا تغادينى المنيّة أغشكم ... على عدواء الدّهر جيشا لهاما [٧]
стр. 369
٥٨- أبو الطمحان القينى [١]
٦٥٩* هو حنظلة بن الشّرقىّ، وكان فاسقا، وقيل له: ما أدنى ذنوبك؟
قال: ليلة الدّير، قيل له: وما ليلة الدّير؟ قال: نزلت بديرانيّة [٢] ، فأكلت عندها طفشيلا [٣] بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كساءها، ومضيت! ٦٦٠* وكانت له ناقة يقال لها المرقال، وفيها يقول [٤] :
ألا حنّت المرقال وائتبّ ربّها ... تذكّر أرماما وأذكر معشرى [٥]
ولو علمت صرف البيوع لسرّها ... بمكّة أن تبتاع حمضا بإذخر [٦]
وكان نازلا بمكّة على الزّبير بن عبد المطّلب، وكان ينزل عليه الخلعاء، وإنّما أراد: أنّها لو عرفت لسرّها أن تنتقل من بلاد الإذخر إلى بلاد الحمض، وهى البادية.
стр. 370
٦٦١* وفيها يقول:
وإنى لأرجو ملحها فى بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبر
والملح: اللّبن، وكانوا أخذوا إبله بعد أن كانوا شربوا من لبنها فى ضيافته، فقال: أرجو أن يعطّفكم ذلك فتردّوها [١] .
وهو القائل:
تكاد الغمام الغرّ ترعد أن رأى ... وجوه بنى لأم وينهلّ بارقه [٢]
стр. 371
٥٩- حميد بن ثور الهلالى [١]
٦٦٢* هو من بنى عامر بن صعصعة، إسلامىّ مجيد [٢] .
ومما يستجاد له قوله:
أرى بصرى قد رابنى بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما [٣]
٦٦٣* ومن حسن التشبيه قوله فى فرخ القطاة [٤] :
كأنّ على أشداقه نور حنوة ... إذا هو مدّ الجيد منه ليطعما [٥]
٦٦٤* ومن خبيث الهجاء قوله فى رجلين بعثهما إلى عشيقته:
وقولا إذا جاوزتما أرض عامر ... وجاوزتما الحيّين نهدا وخثعما
نزيعان من جرم بن ربّان، إنّهم ... أبوا أن يميروا فى الهزاهز محجما [٦]
أمرهما أن ينتسبا إلى جرم، لأن العرب تأمنها لذلّها ولا تخاف منها غارة.
٦٦٥* ويستجاد له قوله فى وصف ذئب وامرأة:
стр. 372
ترى ربّة البهم الفرار عشيّة ... إذا ما عدا فى بهمها وهو ضائع [١]
فقامت تعشّى ساعة ما تطيقها ... من الدّهر نامتها الكلاب الظّوالع [٢]
رأته فشكّت وهو أكحل مائل ... إلى الأرض مثنىّ إليه الأكارع [٣]
طوى البطن إلا من مصير يبلّه ... دم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع [٤]
ترى طرفيه يعسلان كلاهما ... كما اهتزّ عود السّاسم المتتابع [٥]
إذا خاف جورا من عدوّ رمت به ... قصايته والجانب المتواسع [٦]
وإن بات وحشا ليلة لم يضق بها ... ذراعا، ولم يصبح لها وهو خاشع [٧]
إذا احتلّ حضنى بلدة طرّ منهما ... لأخرى، خفىّ الشّخص للرّيح تابع [٨]
وإن حذرت أرض عليه فإنّه ... بغرّة أخرى طيّب النّفس قانع
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقى ... المنايا بأخرى، فهو يقظان هاجع [٩]
إذا قام ألقى بوعه قدر طوله ... ومرّد منه صلبه وهو بائع [١٠]
стр. 373
وفكّك لحييه، فلمّا تعاديا ... صأى، ثم أقعى والبلاد بلاقع [١]
إذا ما عدا يوما رأيت ظلالة ... من الطّير ينظرن الّذى هو صانع [٢]
٦٦٦* ويستحسن له قوله فى وصف الوطب [٣] :
فما زال يسقى المحض حتّى كأنّه ... أجير أناس أغضبوه مباعد [٤]
وعزّاه حتّى أسنداه كأنّه ... عل القرو علفوف من التّرك راقد [٥]
فلمّا أدى واستربعته ترنّمت ... ألا كلّ شىء ما خلا الله بائد
قوله «أدى» أى خثر، و «استربعته» حملته تروزه، و «ترنّمت» أى غنّت للسرور به [٦] :
فذاقته من تحت اللّفاف فسرّها ... جراجر منه وهو ملان ساند [٧]
إذا مال من نحو العراقى أمرّه ... إلى نحرها منه عنان مناكد [٨]
стр. 374
يميل على وحشيّه فيميله ... لإنسيّه منها عراك مناجد [١]
فلما تجلّى الّليل عنها وأبصرت ... وفى سدف الّليل الشّخوص الأباعد [٢]
يقال لها: جدّى، هويت، وبادرى ... غناء الحمام أن تميع المزايد [٣]
فعضّت تراقيه بصفراء جعدة ... فعنها تصاديه وعنها تراود [٤]
تأوّبها فى ليل نحس وقرّة ... خليلى أبو الخشخاش واللّيل بائد [٥]
فقال: أحيّيكم، فقالت: تريدنا ... على الزّبد، شعب بيننا متباعد [٦]
إذا قال: مهلا أسجحى، حملقت له ... بزرقاء لم تدخل عليها المراود [٧]
٦٦٧* وممّا أخذ عليه قوله:
لمّا تخايلت الحمول حسبتها ... دوما بأيلة ناعما مكموما
الدّوم: شجر المقل، وهو لا يكمّ، إنّما يكمّ النخل [٨] . فأمّا قول
стр. 375
النابغة الجعدىّ فى هذا المعنى:
كأنّ تواليها بالضحى ... نواعم جعل من الأثأب
فقد أخذ عليه، وقالوا: الجعل صغار النخل، فكيف جعله من الأثأب؟
ولا أراه إلّا صحيحا على التشبيه، كأنه أراد نواعم أثأب كالجعل وقد تسمى العرب الشىء باسم الشىء إذا كان له مشبها، ولعلّ الأثأب أن تكون تسمّى أفناؤه جعلا، كما تسمّى أفناء النخل وقصاره جعلا [١] .
٦٦٨* وممّا سبق إليه قوله فى الإبل:
إذا القوم قالوا: وردهنّ ضحى غد ... تواهقن حتّى وردهنّ طروق [٢]
وقال آخر:
إذا القوم قالوا: وردهنّ ضحى غد ... تواهقن حتّى وردهنّ عشاء
(إذا استخبرت ركبانها لم يخبّروا ... عليهنّ، إلّا أن يكون نداء)
стр. 376
٦٠- المثقب العبدى [١]
٦٦٩* هو من نكرة. واسمه محصن بن ثعلبة [٢] .
وإنّما سمّى المثقّب لقوله:
رددن تحيّة وكننّ أخرى ... وثقّبن الوصاوص للعيون [٣]
وكان أبو عمرو بن العلاء يستجيد هذه القصيدة له، ويقول: لو كان الشعر مثلها لوجب على الناس أن يتعلّموه.
٦٧٠* وفيها يقول [٤] :
أفاطم قبل بينك متّعينى ... ومنعك ما سألتك أن تبينى [٥]
ولا تعدى مواعد كاذبات ... تمرّ بها رياح الصّيف دونى
فإنى لو تعاندنى شمالى ... عنادك ما وصلت بها يمينى [٦]
стр. 377
إذا لقطعتها ولقلت بينى ... كذلك أجتوى من يجتوينى [١]
فإمّا أن تكون أخى بحقّ ... فأعرف منك غثّى من سمينى [٢]
وإلّا فاطّرحنى واتّخذنى ... عدوا أتّقيك وتتّقينى
فما أدرى إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يلينى
أألخير الذى أنا أبتغيه ... أم الشّرّ الذى هو يبتغينى
٦٧١* وهو قديم جاهلىّ، (كان) فى زمن عمرو بن هند، وإيّاه عنى بقوله:
إلى عمرو ومن عمرو أتتنى ... أهى الفعلات والحلم الرّزين [٣]
وله يقول:
غلبت ملوك الناس بالحزم والنّهى ... وأنت الفتى فى سورة المجد ترتقى [٤]
وأنجب به من آل نصر سميدع ... أغرّ كلون الهندوانّى رونق [٥]
٦٧٢* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله فى الناقة:
كأنّ مواقع الثّفنات منها ... معرّس باكرات الورد جون [٦]
стр. 378
يريد القطا، وقال عمر بن أبى ربيعة [١] :
على قلوصين من ركابهم ... وعنتريسين فيهما شجع [٢]
كأنّما غادرت كلاكلها ... والثّفنات الخفاف إذ وقعوا [٣]
موقع عشرين من قطا زمر ... وقعت خمسا خمسا معا شيع
وقال ابن مقبل:
كأنّ موقع وصليها إذا بركت ... وقد تطابق منها الزّور بالثّفن [٤]
مبيت خمس من الكدرىّ فى جدد ... يفحصن عنهنّ باللّبّات والجرن [٥]
وقال ذو الرمّة:
كأنّ مخوّاها على ثفناتها ... معرّس خمس من قطا متجاور [٦]
وقعت اثنتين واثنتين وفردة ... حريدا هى الوسطى بصحراء جائر [٧]
وقال الطّرمّاح:
стр. 379
كأنّ مخوّاها على ثفناتها ... معرّس خمس وقّعت للجناجن [١]
وقعن اثنتين واثنتين وفردة ... يبادرن تغليسا سمال المداهن [٢]
стр. 380
٦١- الممزق العبدى [١]
٦٧٣* هو من نكرة، واسمه شأس بن نهار [٢] .
وسمّى الممزّق لقوله [٣] .
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلّا فأدركنى ولمّا أمزّق
وهو جاهلىّ قديم، وإنّما يقول هذا لبعض ملوك الحيرة [٤] ، قال:
وناجية عدّيت من عند ماجد ... إلى واجد من غير سخط مفرّق [٥]
تبلّغنى منّ لا يدنّس عرضه ... بغدر، ولا يزكو لديه تملّقى [٦]
تروح وتغدو ما يحلّ وضينها ... إليك ابن ماء المزن وابن محرّق [٧]
стр. 381
أحقّا أبيت اللّعن أنّ ابن برتنا ... على غير إجرام بريقى مشرقى [١]
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلّا فأدركنى ولمّا أمزّق
فأنت عميد الناس مهما تقل نقل ... ومهما تضع من باطل لا يحقّق [٢]
أكلّفتنى أدواء قوم تركتمهم ... فإلّا تداركنى من البحر أغرق
فإن يعمنوا أشئم خلافا عليهم ... وإن يتهموا مستحقبى الحرب أعرق [٣]
стр. 382
٦٢- ابن دارة [١]
٦٧* هو سالم بن دارة، واسم أبيه مسافع [٢] ، وأمّه دارة من بنى أسد، وسميت دارة لجمالها، شبّهت بدارة القمر [٣] . وهو من ولد عبد الله بن غطفان ابن سعد. وكان هجّاء، وهو الذى هجا ثابت بن رافع الفزارىّ فقتله.
٦٧٥* وهو القائل:
لا تأمننّ فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار [٤]
وكان المتولى لقتله زميل بن عبد مناف [٥] ، وقال:
أنا زميل قاتل ابن داره ... وراحض المخزاة عن فزاره [٦]
стр. 383
٦٧٦* (وفى ابن دارة يقول الشاعر، وهو الكميت بن معروف:
فلا تكثرا فيه الضّجاج فإنّه ... محا السّيف ما قال ابن دارة أجمعا [١]
٦٧٧* وكان له أخ يقال له عبد الرحمن بن دارة، وهو القائل فى بعض الأسديين:
يجوع الفقعسىّ ولا يصلّى ... ويسلح فوق قارعة الطّريق
ثم لم يلبث أن مات، فقال الأسدىّ:
قتل ابن دارة بالجزيرة سبّنا ... وزعمت أنّ سبابنا لا يقتل
٦٧٨* وأتى سالم بن دارة عدىّ بن حاتم فقال له: قد مدحتك، فقال له: أمسك عليك حتى أنبّئك مالى فتمدحنى على حسبه، لى ألف ضائنة [٢] وألفا درهم، وثلاثة أعبد، وفرسى هذا حبيس فى سبيل الله، فقل، فقال:
تحنّ قلوصى فى معدّ وإنما ... تلاقى الرّبيع فى ديار بنى ثعل
وأبقى اللّيالى من عدىّ بن حاتم ... حساما كلون الملح سلّ من الخلل
стр. 384
أبوك جواد ما يشقّ غباره ... وأنت جواد ما تعذّر بالعلل
فإن تتّقوا شرّا فمثلكم اتّقى ... وإن تفعلوا خيرا فمثلكم فعل
فقال له: أمسك عليك، لا يبلغ مالى أكثر من هذا! وشاطره ماله.
стр. 385
٦٣- المنخل [١] (اليشكرى)
٦٧٩* هو المنخّل بن عبيد بن عامر، من بنى يشكر، وهو قديم جاهلىّ.
وكان يشبّب بهند أخت عمرو بن هند، ولها يقول:
يا هند هل من نائل ... يا هند للعانى الأسير [٢]
٦٨٠* وكان المنخّل يتّهم بالمتجرّدة امرأة النعمان بن المنذر، وكان للنعمان منها ولدان، كان الناس يقولون إنّهما من المنخّل. وهو القائل فى النابغة حين وصف المتجرّدة فى قوله: ما يعرف هذا إلّا من جرّب [٣] . وكان أيضا يتّهم بامرأة لعمرو بن هند، وكان جميلا.
٦٨١* وهو القائل [٤] :
ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر فى اليوم المطير
الكاعب الحسناء تر ... فل فى الدمقس وفى الحرير
فدفعتها فتدافعتّ ... مشى القطاة إلى الغدير
وعطفتها فتعطّفت ... كتعطّف الظّبى الغرير
فترت وقالت: يا من ... خّل ما بجسمك من فتور
ما شفّ جسمى غير ح ... بّك فاهدئى عنّى وسيرى [٥]
стр. 386
ولقد شربت من المدا ... مة بالصّغير وبالكبير [١]
(وشربت بالخيل الإنا ... ث وبالمطهّمة الذّكور) [٢]
فإذا سكرت فإنّنى ... ربّ الخورنق والسّدير
وإذا صحوت فإنّنى ... ربّ الشّويهة والبعير
يا هند هل من نائل ... يا هند للعانى الأسير
وأحبّها وتحبّنى ... ويحبّ ناقتها بعيرى [٣]
٦٨٢* وقتله عمرو بن هند، وقال قبيل قتله:
طلّ وسط العباد قتلى بلا جر ... م، وقومى ينتّجون السّخالا [٤]
(لا رعيتم بطنا خصيبا، ولا زر ... تم عدوّا، ولا رزأتم قبالا [٥]
فى أبيات.
стр. 387
٦٤- ابن حبناء [١]
٦٨٣* هو المغيرة بن حبناء، من ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وكان به برص.
وهو القائل [٢] :
إنّى امرؤ حنظلىّ حين تنّسبنى ... لا ملعتيك ولا أخوالى العوق [٣]
لا تحسبنّ بياضا فىّ منقصة ... إنّ اللهاميم فى أقرابها بلق [٤]
٦٨٤* وكان له أخ يقال له صخر، (ويكنى أبا بشر) ، يهاجيه، وله يقول المغيرة [٥] :
أبوك أبى وأنت أخى ولكن ... تفاضلت الطّبائع والظّروف
وأمّك حين تنسب أمّ صدق ... ولكنّ ابنها طبع سخيف [٦]
стр. 388
٦٨٥* (وصخر هو القائل لأخيه [١] :
رأيتك لمّا نلت مالا وعضّنا ... زمان نرى فى حدّ أنيابه شغبا
تجنّى علىّ الذّنب، إنّك مذنب ... فأمسك، ولا تجعل غناك لنا ذنبا
فأجابه المغيرة فقال:
لحى الله أنآنا عن الضّيف بالقرى ... وأقصرنا عن عرض والده ذبّا
وأجدرنا أن يدخل البيت باسته ... إذا القفّ دلّى من مخارمه ركبا) [٢]
واستشهد المغيرة بخراسان يوم نسف [٣] .
стр. 389
٦٥- عبد بنى الحسحاس [١]
٦٨٦* اسمه سحيم، وكان حبشيّا معلّطا [٢] قبيحا.
وهو القائل فى نفسه:
أتيت نساء الحارثيين غدوة ... بوجه براه الله غير جميل
فشبّهّننى كلبا ولست بفوقه ... ولا دونه أن كان غير قليل
٦٨٧* وكان شاعرا محسنا [٣] ، وربّما أنشد فيقول: أحسنك والله! يريد: أحسنت والله. وكان عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى اشتراه، وكتب إلى عثمان بن عفّان رضى الله عنه: إنّى قد اشتريت لك غلاما حبشيّا شاعرا، فكتب إليه عثمان: لا حاجة بنا إليه فاردده، فإنّما حظّ أهل العبد الشاعر منه إذا شبع أن يشبّب بنسائهم، وإذا جاع أن يهجوهم.
٦٨٨* وممّا أخذ عليه فى شعره قوله، وذكر التقاءه وعشيقته [٤] :
فما زال بردى طيّبا من ثيابها ... إلى الحول حتّى أنهج البرد باليا [٥]
стр. 390
وقال آخرون: هذا على التوهّم لفرط العشق، وهو نحو قول الأعرابى حين قيل له: ما بلغ من حبّك لها؟ فقال: إنّى لأذكرها وبينى وبينها عقبة الطائف فأجد من ذكرها ريح المسك! ويقول:
تجمّعن شتّى من ثلاث وأربع ... وواحدة حتّى كملن ثمانيا
وأقبلن من أقصى الخيام يعدننى ... ألا إنّما بعض العوائد دائيا
٦٨٩* (ويقال سمعه عمر بن الخطّاب ينشد:
ولقد تحدّر من كريمة بعضهم ... عرق على جنب الفراش وطيب
فقال له: إنّك مقتول [١] ، فسقوه الخمر ثم عرضوا عليه نسوة، فلمّا مرّت به التى كان يتّهم بها أهوى إليها، فقتلوه) .