ولقد شربت من المدا ... مة بالصّغير وبالكبير [١]
(وشربت بالخيل الإنا ... ث وبالمطهّمة الذّكور) [٢]
فإذا سكرت فإنّنى ... ربّ الخورنق والسّدير
وإذا صحوت فإنّنى ... ربّ الشّويهة والبعير
يا هند هل من نائل ... يا هند للعانى الأسير
وأحبّها وتحبّنى ... ويحبّ ناقتها بعيرى [٣]
٦٨٢* وقتله عمرو بن هند، وقال قبيل قتله:
طلّ وسط العباد قتلى بلا جر ... م، وقومى ينتّجون السّخالا [٤]
(لا رعيتم بطنا خصيبا، ولا زر ... تم عدوّا، ولا رزأتم قبالا [٥]
فى أبيات.
стр. 387
٦٤- ابن حبناء [١]
٦٨٣* هو المغيرة بن حبناء، من ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وكان به برص.
وهو القائل [٢] :
إنّى امرؤ حنظلىّ حين تنّسبنى ... لا ملعتيك ولا أخوالى العوق [٣]
لا تحسبنّ بياضا فىّ منقصة ... إنّ اللهاميم فى أقرابها بلق [٤]
٦٨٤* وكان له أخ يقال له صخر، (ويكنى أبا بشر) ، يهاجيه، وله يقول المغيرة [٥] :
أبوك أبى وأنت أخى ولكن ... تفاضلت الطّبائع والظّروف
وأمّك حين تنسب أمّ صدق ... ولكنّ ابنها طبع سخيف [٦]
стр. 388
٦٨٥* (وصخر هو القائل لأخيه [١] :
رأيتك لمّا نلت مالا وعضّنا ... زمان نرى فى حدّ أنيابه شغبا
تجنّى علىّ الذّنب، إنّك مذنب ... فأمسك، ولا تجعل غناك لنا ذنبا
فأجابه المغيرة فقال:
لحى الله أنآنا عن الضّيف بالقرى ... وأقصرنا عن عرض والده ذبّا
وأجدرنا أن يدخل البيت باسته ... إذا القفّ دلّى من مخارمه ركبا) [٢]
واستشهد المغيرة بخراسان يوم نسف [٣] .
стр. 389
٦٥- عبد بنى الحسحاس [١]
٦٨٦* اسمه سحيم، وكان حبشيّا معلّطا [٢] قبيحا.
وهو القائل فى نفسه:
أتيت نساء الحارثيين غدوة ... بوجه براه الله غير جميل
فشبّهّننى كلبا ولست بفوقه ... ولا دونه أن كان غير قليل
٦٨٧* وكان شاعرا محسنا [٣] ، وربّما أنشد فيقول: أحسنك والله! يريد: أحسنت والله. وكان عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى اشتراه، وكتب إلى عثمان بن عفّان رضى الله عنه: إنّى قد اشتريت لك غلاما حبشيّا شاعرا، فكتب إليه عثمان: لا حاجة بنا إليه فاردده، فإنّما حظّ أهل العبد الشاعر منه إذا شبع أن يشبّب بنسائهم، وإذا جاع أن يهجوهم.
٦٨٨* وممّا أخذ عليه فى شعره قوله، وذكر التقاءه وعشيقته [٤] :
فما زال بردى طيّبا من ثيابها ... إلى الحول حتّى أنهج البرد باليا [٥]
стр. 390
وقال آخرون: هذا على التوهّم لفرط العشق، وهو نحو قول الأعرابى حين قيل له: ما بلغ من حبّك لها؟ فقال: إنّى لأذكرها وبينى وبينها عقبة الطائف فأجد من ذكرها ريح المسك! ويقول:
تجمّعن شتّى من ثلاث وأربع ... وواحدة حتّى كملن ثمانيا
وأقبلن من أقصى الخيام يعدننى ... ألا إنّما بعض العوائد دائيا
٦٨٩* (ويقال سمعه عمر بن الخطّاب ينشد:
ولقد تحدّر من كريمة بعضهم ... عرق على جنب الفراش وطيب
فقال له: إنّك مقتول [١] ، فسقوه الخمر ثم عرضوا عليه نسوة، فلمّا مرّت به التى كان يتّهم بها أهوى إليها، فقتلوه) .
стр. 391
٦٦- نصيب [١]
٦٩٠* كان نصيب [٢] عبدا أسود لرجل من أهل وادى القرى، فكاتب على نفسه، ثم أتى عبد العزيز بن مروان فقال فيه مدحة، فوصله واشترى ولاءه.
٦٩١* وقال أبو اليقظان [٣] : هو عبد بن كعب بن ضمرة من كنانة.
وقال آخرون: كان من بلىّ من قضاعة. وكانت أمّه أمة سوداء، فوقع بها سيّدها فأولدها نصيبا، فوثب عليه عمّه بعد موت أبيه فاستعبده، ثم باعه من عبد العزيز ابن مروان، وكان يكنى أبا الحجناء. وفيه يقول كثير [٤] :
رأيت أبا الحجناء فى الناس جائزا ... ولون أبى الحجناء لون البهائم
تراه على ما لاحه من سواده، ... وإن كان مظلوما، له وجه ظالم
٦٩٢* ودخل الفرزدق على سليمان عبد الملك [٥] ، وسليمان ولىّ عهد، ونصيب عنده، فقال سليمان: أنشدنا يا أبا فراس، وأراد أن ينشده
стр. 392
بعض ما امتدحه به، فأنشده [١] :
وركب كأنّ الرّيح تطلب منهم ... لها سلبا، من جذبها بالعصائب
سروا يركبون الرّيح وهى تلفّهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا استوضحوا نارا يقولون: ليتها ... وقد خصرت أيديهم، نار غالب [٢]
فغضب سليمان، فأقبل على نصيب فقال: أنشد مولاك يا نصيب، فأنشده:
أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب [٣]
قفوا خبّرونى عن سليمان إنّنى ... لمعروفه من أهّل ودّان طالب [٤]
فعاجوا فأثنوا بالّذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فقال له سليمان: أحسنت، وأمر له بصلة، ولم يصل الفرزدق، فخرج الفرزدق وهو يقول:
وخير الشّعر أكرمه رجالا ... وشرّ الشّعر ما قال العبيد
وفيه يقول:
إذا اعتاص القريض عليك فامدح ... أمير المؤمنين تجد مقالا
أتتك بنا قلاص يعملات ... وضعن مدائحا وحملن مالا [٥]
٦٩٣* ودخل الأقيشر [٦] على عبد الملك بن مروان وعنده قوم، فتذاكروا
стр. 393
الشعر، وذكروا قول نصيب [١] :
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فيا يح دعد من يهيم بها بعدى
فقال الأقيشر: والله لقد أساء قائل هذا الشعر، قال عبد الملك: فكيف كنت تقول لو كنت قائله؟ قال: كنت أقول:
تحبّكم نفسى حياتى، فإن أمت ... أوكّل بدعد من يهيم بها بعدى
قال عبد الملك: والله لأنت أسوأ قولا منه حين توكّل بها! فقال الأقيشر:
فكيف كنت تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أقول:
تحبّكم نفسى حياتى، فإن أمت ... فلا صلحت هند لذى خلّة بعدى [٢]
فقال القوم جميعا: أنت والله يا أمير المؤمنين أشعر القوم.
٦٩٤* وممّا يختار له قوله فى مولاه:
لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن غامره [٣]
فبابك ألين أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره
وكلبك آنس بالمعتفين ... من الأم بابنتها الزائره [٤]
وكفّك حين ترى السائلي ... ن أندى من اللّيلة الماطره [٥]
فمنك العطاء ومنّا الثّناء ... بكلّ محبّرة سائره [٦]
стр. 394
٦٧- العديل بن الفرخ [١]
٦٩٥* هو العديل بن الفرخ العجلىّ، ولقبه العبّاب، وكان العبّاب كلبا له [٢] . وهو من رهط أبى النّجم (العجلىّ) .
وكان هجا الحجّاج فطلبه فهرب منه إلى قيصر ملك الروم، فقال:
ودون يد الحجّاج من أن تنالنى ... بساط لأيدى اليعملات عريض [٣]
مهامه أشباه كأنّ سرابها ... ملاء بأيدى الغاسلات رحيض [٤]
وكتب الحجّاج إلى قيصر: والله لتبعثنّ به أو لأغرينّك خيلا يكون أولها عندك وآخرها عندى، فبعث به إلى الحجاج، فلمّا دخل عليه قال: أنت القائل:
ودون يد الحجاج من أن تنالنى
فكيف رأيت أمكن الله منك؟
стр. 395
قال: أنا القائل [١] :
فلو كنت فى سلمى أجا وشعابها ... لكان لحجّاج علىّ دليل [٢]
خليل أمير المؤمنين وسيفه ... لكلّ إمام مصطفى وخليل
بنى قبّة الإسلام حتّى كأنّما ... هدى الناس من بعد الضّلال رسول
فخلّى سبيله.
٦٩٦* (وهو القائل [٣] :
ما أوقد الناس من نار لمكرمة ... إلّا اصطلينا وكنّا موقدى النّار
وما يعدّون من يوم سمعت به ... للناس أفضل من يوم بذى قار
جئنا بأسلابهم والخيل عابسة ... يوم استلبنا لكسرى كلّ إسوار)
وكان ربّما رجز.
٦٩٧* وهو القائل:
يا دار سلمى أقفرت من ذى قار ... وهل بإقفار الدّيار من عار
وذكر الإبل فقال:
قوارب الماء سوامى الأبصار ... وهنّ ينهضن بدكداك هار [٤]
стр. 396
أورق من ترب العراق خوّار ... وقد كسين عرقا مثل القار [١]
يخرج من تحت خلال الأوبار
فى أبيات كثيرة.
стр. 397
٦٨- الراعى [١]
٦٩٨* هو حصين بن معاوية، من بنى نمير، وكان يقال لأبيه فى الجاهليّة معاوية الرئيس، وكان سيدا، وإنما قيل له الرّاعى لأنّه كان يصف راعى الإبل فى شعره [٢] . وولده وأهل بيته بالبادية سادة أشراف. ويقال هو عبيد بن حصين [٣] ، ويكنى أبا جندل. وكان أعور. وهجاه جرير لأنه اتّهمه بالميل إلى الفرزدق، فلقيه فعاتبه واستكفّه، فاعتذر إليه، وجاء ابنه جندل من خلفه، فضرب بالسوط مؤخّر بغلته، وقال له إنّك لواقف على كلب بنى كليب [٤] .
٦٩٩* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله:
كأن العيون المرسلات عشيّة ... شآبيب دمع لم تجد متردّدا [٥]
مزايد خرقاء اليدين مسيفة ... أخبّ بهنّ المخلفان وأحفدا [٦] .
стр. 398
أخذه الطّرمّاح فقال:
كأنّ العيون المرسلات عشيّة ... شآبيب دمع العبرة المتحاتن [١]
مزايد خرقاء اليدين مسيفة ... يخبّ بها مستخلف غير آين [٢]
٧٠٠* وقال الراعى يصف الإبل:
نجائب لا يلقحن إلّا يعارة ... عراضا، ولا يشرين إلّا غواليا [٣]
أخذه الطرمّاح فقال:
أضمرته عشرين يوما ونيلت ... يوم نيلت يعارة فى عراض [٤]
(يعارة: ذاهبة الجسم، ويقال: يعارّ الناقة الفحل فيضربها معارضة) [٥] .
стр. 399
٧٠١* واستحسن له قوله فى الاعتذار من ترك الزيارة:
إنى وإيّاك والشّكوى الّتى قصرت ... خطوى ونأيك والوجد الّذى أجد
كالماء والظّالع الصّديان يرقبه ... هو الشفاء له والرّىّ لو يرد [١]
٧٠٢* ومما أخذ عليه قوله فى المرأة:
تكسو المفارق والّلبّات ذا أرج ... من قصب معتلف الكافور درّاج [٢]
(الأرج: الطيّب الرائحة. درّاج: يذهب ويجىء) أراد المسك، فجعله من قصب ظبى المسك، والقصب: المعى، وجعله يعتلف الكافور فيتولّد عنه المسك! ٧٠٣* واستحسن له قوله فى النساء:
نحدّثهنّ المضمرات وفوقنا ... ظلال الخدور والمطىّ جوانح
يناجيننا بالطّرف دون حديثنا ... ويقضين حاجات وهنّ نوازح
٧٠٤* وقال:
стр. 400
طاف الخيال بأصحابى فقلت لهم ... أأمّ شذرة زارتنا أم الغول؟
لا مرحبا بابنة الأقيان إذ طرقت ... كأنّ محجرها بالقار مكحول [١]
سود معاصمها، جعد معاقصها، ... قد مسّها من عقيد القار تفصيل [٢]
٧٠٥* وقال:
وما بيضة بات الظّليم يحفّها ... بوعساء أعلى تربها قد تلبّدا [٣]
فلمّا علته الشّمس فى يوم طلقة ... وأشرق مكّاء الضّحى فتغرّدا [٤]
أراد القيام فازبأرّ عفاؤه ... وحرّك أعلى جيده فتأوّدا [٥]
وهزّ جناحيه فساقط نفضه ... فراش النّدى من متنه فتبدّدا [٦]
فغادر فى الأدحىّ صفراء تركة ... هجانا إذا ما الشّرق فيها توقّدا [٧]
بألين مسّا من سعاد للامس ... وأحسن منها، حين تبدو، مجرّدا
стр. 401
٦٩- أفنون [١]
٧٠٦* (واسمه صريم بن معشر) [٢] ، هو من بنى تغلب.
وسمى أفنون ببيت قاله [٣] . وقال له كاهن فى الجاهلية: إنّك تموت بثنيّة يقال لها إلاهة [٤] ، وإنّه خرج مع ركب فضلّوا الطريق فى ليلهم، وأصبحوا بمكان فسألوا عنه، فقالوا: هذه إلاهة، فنزلوا، ولم ينزل أفنون، وخلّى ناقته ترعى، فعلقت مشفرها أفعى، فأمالت الناقة رأسها نحو ساقه، فاحتكّت بها، فنهشته الأفعى، فرمى بنفسه! وقال لرفيق له يقال له معاوية [٥] :
لست على شىء فروحا معاويا ... ولا المشفقات إذ تبعن الحوازيا [٦]
لعمرك ما يدرى آمرؤ كيف يتّقى ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
فطأ معرضا، إنّ الحتوف كثيرة ... وإنّك لا تبقى بمالك باقيا
كفى حزنا أنّ يرحل الرّكب غاديا ... وأترك فى أعلى إلاهة ثاويا
ومات من ساعته، فقبره هناك.
стр. 402
٧٠٧* (وهو القائل [١] :
لعمرك ما عمرو بن هند إذا دعا ... لتخدم أمّى أمّه بموفّق)
стр. 403
٧٠- المخبل [١]
٧٠٨* المخبّل: المجنون. وبه سمّى المخبّل الشاعر، قال أبو عمرو:
اسمه ربيعة بن مالك، وهو من بنى شمّاس بن لأى بن أنف الناقة [٢] .
وهاجر وابنه إلى البصرة، وولده كثير بالأحساء، وهم شعراء.
٧٠٩* وكان المخبّل هجا الزّبرقان بن بدر وذكر أخته خليدة، ثم مرّ بها بعد حين وقد أصابه كسر، وهو لا يعرفها، فآوته وجبرت كسره، فلمّا عرفها قال:
لقد ضلّ حلمى فى خليدة ضلّة ... سأعتب قومى بعدها وأتوب
وأشهد، والمسغفر الله، أنّنى ... كذبت عليها، والهجاء كذوب
٧١٠* (وهو القائل [٣] :
فإن يك غصنى أصبح اليوم ذاويا ... وغصنك من ماء الشّباب رطيب
فإنى حنى ظهّرى حوان تركنه ... عريشا، فمشيى فى الرجال دبيب
وما للعظام الراجفات من البلى ... دواء، وما للرّكبتين طبيب
إذا قال أصحابى: ربيع ألا ترى؟ ... أرى الشّخص كالشّخصين وهو قريب
فلا يعجبنك المرء أن كان ذا غنى ... ستتركه الأيّام وهو حريب [٤]
وكائن ترى فى الناس من ذى بشاشة ... ومن شأنه الإقتار وهو نجيب)
стр. 404
٧١- سويد بن أبى كاهل [١]
٧١١* هو سويد بن غطيف، من بنى يشكر، وكان الحجّاج تمثّل يوم رستقباذ على المنبر بأبيات من قصيدته، وهى [٢] :
ربّ من أنضجت غيظا صدره ... قد تمنّى لى موتا، لم يطع
ويرانى كالشّجا فى حلقه ... عسرا مخرجه ما ينتزع
مزبد يخطر ما لم يرنى ... فإذا أسمعته صوتى انقمع [٣]
قد كفانى الله ما فى نفسه ... ومتى ما يكف شيئا لم يضع
لم يضرنى غير أن يحسدنى ... فهو يزقو مثل ما يزقو الضّوع [٤]
ويحيّينى إذا لاقيته ... وإذا يخلو له لحمى رتع
هل سويد غير ليث خادر ... ثئدت أرض عليه فانتجع [٥]
كيف يرجون سقاطى بعدما ... جلّل الرّأس بياض وصلع
стр. 405
(وفيها يقول:
وأبيت اللّيل ما أرقده ... وبعينىّ إذا نجم طلع
وإذا ما قلت ليل قد مضى ... عطف الأوّل منه فرجع
يسحب اللّيل نجوما ظلّعا ... فتواليها بطيئات التّبع [١]
ويزجّيها على إبطائها ... مغرب اللّون إذا اللّيل انقشع [٢]
وفيها يقول:
ودعتنى برقاها، إنّها ... تنزل الأعصم من رأس اليفع [٣]
تسمع الحدّاث قولا حسنا ... لو أرادوا غيره لم يستطع) [٤]
стр. 406
٧٢- أبو محجن [١]
٧١٢* هو من ثقيف، وكان مولعا بالشراب، مشتهرا به، وكان سعد بن أبى وقاص حبسه فيه، فلمّا كان يوم القادسيّة وبلغه ما يفعل المشركون بالمسلمين، وهو عند أمّ ولد لسعد، قال:
كفى حزنا أن تطعن الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علىّ وثاقيا [٢]
إذا قمت عنّانى الحديد وغلّقت ... مغاليق من دونى تصمّ المناديا [٣]
(وقد كنت ذا أهل كثير وإخوة ... فقد تركونى واحدا لّا أخا ليا)
هلمّ سلاحى، لا أبا لك، إننى ... أرى الحرب لا تزداد إلّا تماديا
فقالت له أمّ ولد سعد: أتجعل لى إن أنا أطلقتك أن ترجع حتّى أعيدك فى الوثاق؟ قال: نعم، فأطلقته، وركب فرسا لسعد بلقاء، وحمل على المشركين، فجعل سعد يقول: لولا أنّ أبا محجن فى الوثاق لظننت أنّه أبو محجن وأنّها فرسى، وانكشف المشركون، وجاء أبو محجن فأعادته فى الوثاق، وأتت سعدا فأخبرته، فأرسل إلى أبى محجن فأطلقه، وقال: والله لا حبستك فيها أبدا، قال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها بعد اليوم أبدا.
стр. 407
٧١٣* ودخل ابن أبى محجن [١] على معاوية، فقال له معاوية: أبوك الذى يقول:
إذا مت فادفنى إلى جنب كرمة ... تروّى عظامى بعد موتى عروقها
ولا تدفننّى بالفلاة فإنّنى ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها [٢]
فقال ابن أبى محجن: لو شئت ذكرت أحسن من هذا من شعره، قال:
وما ذاك؟ قال: قوله:
لا تسأل الناس: ما مالى وكثرته ... وسائل القوم: ما حزمى وما خلقى [٣]
القوم أعلم أنى من سراتهم ... إذا تطيش يد الرّعديدة الفرق [٤]
قد أركب الهول مسدولا عساكره ... وأكتم السرّ فيه ضربة العنق
٧١٤* وهو القائل:
إن يكن ولّى الأمير فقد ... طاب منه النّجل والأثر
فيكم مستيقظ فهم ... قلقلان حيّة ذكر
أحمد الله إليك فما ... وصلة إلا ستنبتر
стр. 408
٧٣- عمرو بن شأس [١]
٧١٥* هو أبو عرار؛ وفيه يقول عمرو لامرأته [٢] :
أرادت عرارا بالهوان ومن يرد ... عرارا بنىّ بالهوان فقد ظلم [٣]
فإن كنت منى أو تريدين صحبتى ... فكونى له كالسمن ربّت له الأدم [٤]
وإلّا فبينى مثل ما بان راكب ... تيمّم خمسا ليس فى سيره أمم [٥]
وإنّ عرارا إن يكن ذا شكيمة ... تقاسينها منه فما أملك الشّيم [٦]
وإنّ عرارا إن يكن غير واضح ... فإنى أحبّ الجون ذا المنكب العمم [٧]
٧١٦* ووفد على عبد الملك بن مروان [٨] وفد أهل الكوفة، فلما دخلوا
стр. 409
عليه وكلّمهم رأى فيهم رجلا آدم طويلا، فكلّمه فأعجبه بيانه، فلما تولّى تمثّل عبد الملك بقول عمرو بن شأس
وإنّ عرارا إن يكن غير واضح
البيت.
فالتفت الآدم إلى عبد الملك فضحك، فقال عبد الملك: علىّ به، فلما جىء به، قال: ما أضحكك؟ قال: أنا يا أمير المومنين عرار! فأقعده معه، وقدّمه وسامره حتى خرج.
٧١٧* ومما سبق إليه عمرو بن شأس فأخذ منه قوله:
وأسيافنا آثارهنّ كأنّها ... مشافر قرحى فى مباركها هدل [١]
أخذه الكميت فقال:
تشبّه فى الهام آثارها ... مشافر قرحى أكلن البريرا
(البرير: نبت تأكله الإبل، وهو ثمر الأراك) . وقال أبو النّجم يصف الجراحة:
تحكى الفصيل الهادل المقروحا
(الهادل: الذى قد أرخى شفتيه) .
стр. 410
٧٤- ابن الطثرية [١]
٧١٨* هو يزيد بن الطّثريّة، والطّثريّة أمّه [٢] وهى من طثر [٣] بن عنز بن وائل، وقتلته بنو حنيفة يوم الفلج [٤] ، (فقالت أخته ترثيه [٥] :
أرى الأثل فى جنب العقيق مجاورا ... مقيما، وقد غالت يزيد غوائله [٦]
فتى قدّ قدّ السّيف، لا متقاذف ... ولا رهل لبّاته وأباجله [٧]
إذا نزل الأضياف كان عذوّرا ... على الحىّ حتّى تستقلّ مراجله [٨]
стр. 411
٧١٩* وهو القائل:
وأبيض مثل السّيف خادم رفقة ... أشمّ ترى سرباله قد تقدّدا
كريم على غرّاته لو تسبّه ... لفدّاك رسلا لا تراه مربّدا [١]
يعجّل للقوم الشواء يجرّه ... بأقصى عصاه منصجا أو مرمّدا
حلوف: لقد أنضجت، وهو ملهوج ... بنصفين لو حرّكته لتقصّدا [٢]
يجيب بلبّيه إذا ما دعوته ... ويحسب ما يدعى له الدّهر أرشدا
٧٢٠* وقوله أيضا [٣] :
هبينى امرءا إمّا بريئا ظلمته ... وإمّا مسيئا تاب منه وأعتبا [٤]
وكنت كذى داء تبغّى لدائه ... طبيبا، فلمّا لم يجده تطبّبا
٧١٩* وهو القائل [٥] :
بنفسى من لو مرّ برد بنانه ... على كبدى كانت شفاء أنامله
ومن هابنى فى كلّ أمر وهبته ... فلا هو يعطينى ولا أنا سائله
стр. 412
٧٥- أبو الغول [١]
٧٧٢* هو من بنى نهشل، واسمه علباء بن جوشن، وهو من بنى قطن ابن نهّشل.
وكان شاعرا مجيدا، وهو القائل:
وسوأة يكثر الشّيطان إن ذكرت ... منها التعجّب جاءت من سلمانا
لا تعجبنّ لخير زلّ عن يده ... فالكوكب النّحس يسقى الأرض أحيانا
٧٢٣* وهو القائل [٢] :
ولا يجزون من خير بشرّ ... ولا يجزون من غلظ بلين [٣]
هم أحموا حمى الوقبى بضرب ... يؤلّف بين أشتات المنون [٤]
стр. 413
فنكّب عنهم درء الأعادى ... وداووا بالجنون من الجنون [١]
стр. 414
٧٦- زياد الأعجم [١]
٧٢٤* هو زياد بن سلمى، ويقال زياد بن جابر بن عمرو بن عامر، من عبد القيس، وكان ينزل إصطخّر، وكانت فيه لكنة، فلذلك قيل له الأعجم [٢] ، وله عقب.
٧٢٥* وكان يهاجى قتادة بن مغرّب اليشكرىّ، ويقال مغرب، وفيه يقول:
يشكر لا تستطيع الوفاء ... وتعجز يشكر أن تغدرا
وقتادة هو القائل:
بتّ بحشّ فى شرّ منزلة ... لا أنا فى لذّة ولا فرسى
هذا على الخسف لا قضيم له ... وأنا ذا لا يسوغ لى نفسى [٣]
لليلة البين إذ هممت بها ... ألذّ عندى من ليلة العرس [٤]
стр. 415
٧٢٦* وهمّ الفرزدق بهجاء عبد القيس، فبلغ ذلك زيادا الأعجم، فبعث إليه: لا تعجل حتّى أهدى هديّة، فانتظر الفرزدق الهديّة، فبعث إليه:
ما ترك الهاجون لى إن هجوته ... مصحّا أراه فى أديم الفرزدق
ولا تركوا عظما يرى تحت لحمه ... لكاسره أبقوه للمتعرّق
سأكسر ما أبقوه لى من عظامه ... وأنكت مخّ الساق منه وأنتقى
وإنّا وما نهدى لنا إنّ هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق فى البحر يغرق
فلما بلغه الشعر قال: ليس لى إلى هجاء هؤلاء (من) سبيل ما عاش هذا العبد! ٧٢٧* وهو القائل يرثى المغيرة بن المهلّب [١] :
إنّ السّماحة والمروءة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكلّ طرّف سابح [٢]
(وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح)
وقال له قبيصة بن المهلّب حين أنشده هذا: أعقرت يا أبا أمامة؟ قال: إنّى كنت على مقرف [٣] .
стр. 416
٧٢٨* وتمثّل الحجّاج عند موت ابنه (يوسف) ببيتين من هذا الشعر:
الآن لمّا كنت أكمل من مشى ... وافترّ نابك عن شباة القارح
وتكاملت فيك المروءة كلّها ... وأعنت ذلك بالفعال الصالح
٧٢٩* وهو القائل فى كعب الأشقرىّ من الأزد [١] :
إذا عذّب الله الرّجال بشعرهم ... أمنت لكعب أن يعذّب بالشّعر
٧٣٠* وهو القائل للأزد:
أتتك الأزد تعثر فى لحاها ... تساقط من مناخرها الجواف [٢]
٧٣١* ولمّا قال لبنى حبناء من تميم يهجوهم [٣] :
عجبت لأبلق الخصيين عبد ... كأنّ عجانه الشّعرى العبور [٤]
قيل له: يا أبا أمامة لقد رفعتهم بأعظم ما يقدر عليه؟ فقال: والله لا يحول الحول حتّى أرفعهم بأعظم منه، فقال:
لا يدلح الدّهر منهم خارئ أبدا ... إلّا حسبت على باب استه نمرا [٥]
٧٣٢* وقال ليزيد بن المهلّب:
هل لك فى حاجتى حاجة ... أم أنت لها تارك طارح
أمتها، لك الخير، أم أحيها ... كما يفعل الرّجل الصالح
стр. 417
إذا قلت: قد أقبلت، أدبرت ... كمن ليس غاد ولا رائح
وكان ينبغى أن يقول «غاديا ولا رائحا» وهو كثير اللّحن فى شعره، ولهذا قيل له الأعجم، ولفساد لسانه بفارس.
٧٧٣* وكذلك قوله:
أنت الفتى كلّ الفتى ... لو كنت تفعل ما تقول
لا خير فى كذب الجوا ... د وحبّذا صدق البخيل
يا ابن المهلّب حاجتى ... عجّل فقد حضر الرّحيل
٧٣٤* وكذلك قوله:
تكلّفنى سويق الكرم جرم ... وما جرم وما ذاك السّويق
فما شربوه إذ كان حلالا ... ولا غالوا به فى يوم سوق
فأولى ثمّ أولى ثمّ أولى ... ثلاثا يا ابن جرم أن تذقوا [١]
٧٣٥* ومن خبث هجائه قوله للأشاقر [٢] :
قبيّلة خيرها شرّها ... وأصدقها الكاذب الآثم
وضيفهم وسط أبياتهم ... وإن لم يكن صائما صائم
стр. 418
٧٧- جميل بن معمر (العذرى) [١]
٧٣٦* هو جميل بن عبد الله بن معمر، ويكنى أبا عمرو. وهو أحد عشّاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته بثينة، وهما جميعا من عذرة، وكانت بثينة تكنى أمّ عبد الملك، ولها يقول (جميل) :
يا أمّ عبد الملك اصرمينى ... فبيّنى صرمك أو صلينى [٢]
٧٣٧* والجمال فى عذرة والعشق كثير. قيل لأعرابىّ من العذريّين: ما بال قلوبكم كأنّها قلوب طير تنمّات كما ينمّاث [٣] الملح فى الماء؟ أما تجلّدون؟! قال: إنّا لننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها! وقيل لآخر: ممّن أنت؟ فقال:
من قوم إذا أحبّوا ماتوا، فقالت جارية سمعته: عذرىّ وربّ الكعبة! ٧٣٨* وعشق جميل بثينة وهو غلام (صغير) ، فلمّا كبر خطبها فردّ عنها، فقال الشعر فيها، وكان يأتيها سرّا، ومنزلها وادى القرى، فجمع له قومها جمعا ليأخذوه إذا أتاها، فحذّرته بثنية، فاستخفى وقال:
ولو أنّ ألفا دون بثنة كلّهم ... غيارى وكلّ حارب مزمع قتلى
لحاولتها إمّا نهارا مجاهرا ... وإمّا سرى ليل ولو قطعت رجلى
стр. 419
٧٣٩* وهجا قومها فاستعدوا عليه مروان (بن الحكم) ، وهو يومئذ عامل معاوية على المدينة، فنذر ليقطعنّ لسانه، فلحق بجذام [١] ، وقال:
أتانى عن مروان بالغيب أنّه ... مقيد دمى أو قاطع من لسانيا
ففى العيس منجاة وفى الأرض ... إذا نحن رفّعنا لهنّ المثانيا
فأقام هناك إلى أن عزل مروان عن المدينة، وانصرف إلى بلاده، وكان يختلف إليها سرّا.
٧٤٠* وكان لبثينة أخ يقال له جوّاس، فشبّب بأخت جميل، فغضب جميل وتواعدا لمراجزة، فغلبه جميل، ولمّا اجتمعوا لذلك قال أهل تيماء:
يا جميل قل فى نفسك ما شئت فأنت الباسل الجواد الجميل، ولا تقل فى أبيك شيئا فإنه كان لصّا بتيماء فى شملة لا توارى استه! وقالوا لجوّاس: قل وأنت دونه فى نفسك، فقل ما شئت فى أبيك، فإنه صحب النبىّ ﷺ [٢] .
٧٤١* وقال كثيّر: قال لى جميل: خذ لى موعدا من بثينة! قلت له:
هل بينك وبينها علامة؟ فقال لى: عهدى بها وهم بوادى الدّوم يرحضون ثيابهم، فأتيتهم فأجد أباها قاعدا بالفناء، فسلّمت فردّ، وحادثته ساعة حتى استنشدنى
стр. 420
فأنشدته [١] :
فقلت لها: يا عزّ أرسل صاحبى ... على نأى دار، والموكّل مرسل
بأن تجعلى بينى وبينك موعدا ... وأن تأمرينى بالذى فيه أفعل
وآخر عهّد منك يوم لقيتنى ... بأسفل وادى الدّوم والثّوب يغسل
فضربت بثينة جانب الخدر وقالت: اخسأ! فقال لها أبوها: مهيم يا بثينة [٢] ؟
قالت: كلب يأتينا إذا نوّم الناس من وراء هذه الرّابية، قال: فأتيت جميلا فأخبرته أنّها واعدته وراء الرابية إذا نوّم الناس! ٧٤٢* قال أبو محمد: هكذا حدّثنا دعبل بن على الشاعر [٣] . وأمّا أبو عبد الله الزّبيرىّ فقال: التقى جميل وكثيّر، فشكا أحدهما لصاحبه أنه محصر لا يقدر أن يزور، فقال جميل لكثيّر: أنا رسولك إلى عزّة، فأخبرنى بآخر عهد كان لك بها؟ قال كثيّر: فإنّ آخر عهدى أنى مررت بها وبجواريها يغسلن ثيابا بأسفل وادى الدّوم، فأتهم فانشدهم ثلاث ذود سود ثم انظر ما يقال لك! فأتاهم جميل فجعل ينشدهم الذّود، فقالت له جاريتها: لقد رأيت ثلاثا سودا مررن بالقاع خلفنا، ثم عهدى بهنّ وإحداهنّ تحتكّ بالطّلحة ومضى سائرهنّ، فانصرف جميل حتّى أتى كثيّرا فأخبره، فلمّا كان فى بعض الليل أتيا الطلحة وأتته عزّة وصاحبة لها معها، فتحادثا طويلا، وجعل كثيّر يرى عزّة تنظر نحو جميل، وكان جميل جميلا، وكان كثيّر دميما، فغضب كثيّر وغار، فقال لجميل: انطلق بنا قبل أن نصبح، فانطلقا، وقال:
стр. 421
رأيت ابنة الضّمرىّ عزّة أصبحت ... كمحتطب ما يلق باللّيل يحطب
وكانت تمنّينا وتزعم أنّها ... كبيض الأنوق فى الصّفا المتنصّب [١]
ثم قال كثيّر لجميل: متى عهدك ببثينة؟ قال فى أوّل الصيّف وقعة سحابة بأسفل وادى الدّوم، فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثوبا، فلمّا رأتنى أنكرتنى، فضربت بيدها إلى ثوب فى الماء فالتحفت به. وعرفتنى الجارية، فعادت فطرحته فى الماء، وتحادثنا حتّى غابت الشمس، فسألتها الموعد فقالت: أهلها سائرون، ولم ألقها بعد، ولم أجد أحدا آمنه أرسله إليها، فقال كثيّر: هل لك أن آتى الحىّ فأقرع ببيت من شعر أو تخلو فأكلّمها؟ قال: نعم، فخرج كثيّر حتى أناخ بهم، فقالوا: يا كثيّر حدّثنا كيف قلت لزوج عزّة حين أمرها أن تسبّك؟ قال كثيّر: خرجا يرميان الجمار، فوجدانى قد أعصب الناس بى [٢] ، فطالعنى زوجها، فسمعنى أنشد:
خليلى هذا ربع عزّة فاعقلا ... فلوصيكما ثمّ ابكيا حيث حلّت [٣]
فغار، فقال لعزّة: لتغضبنّه أو لأطلّقنّك، فقالت: المنشد يعضّ بكذا وكذا من أمّه، مكرهة، فقلت:
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت [٤]
فقالت بثينة: أحسنت والله يا كثيّر، قال كثيّر: وأبيات قلتها لعزّة [٥] :
стр. 422
أرسلنى يا عزّ نحوك صاحبى ... على طول نأى من حبيب ومرسل
بأن تضربى بينى وبينك موعدا ... وأنّ تخبرينى ما الّذى فيه أفعل
بآية ما جئناك يوما عشيّة ... بأسفل وادى الدّوم والثّوب يغسل
فقالت بثينة: يا جارية ابغينا من الدّومات حجرة البطحاء [١] حطبا لنذبح لكثيّر عريضا من البهم [٢] ونشويه له! قال كثيّر: أنا أعجل من ذلك، فراح إلى جميل فأخبره أنّ الموعد الدّومات.
٧٤٣* قال أبو محمّد: أرق عبد الملك بن مروان ذات ليلة، فقال: اطلبوا لى رجلا يحدّثنى، فخرجوا إلى المسجد، فوجدوا رجلا، فأدخلوه، فقال له عبد الملك: من أنت؟ قال: أنا فلان وكنت من أصدق الناس لجميل، قال:
فحدّثنى عنه، قال: خرجت معه مرّة، حتى انتهينا إلى خباء لآل بثينة، وسمعت به، فأقبلت فى نسوة معها، وأقبل جميل نحوها، فقعدن وقعد، فتحادثوا ساعة، ثم أخلوهما، فلم يزالا يتشكّيان حتّى غشينا الصّبح، فودّع كلّ واحد منهما صاحبه، ثم وضع جميل رجله فى الغرز، فمالت إليه بثينة فقالت: يا جميل ادن منى، فمال إليها برأسه وعنقه، فسارّته بشىء فخرّ مغشيّا عليه، ثم مضت، فأتيته فلم أزل عند رأسه حتّى طلعت الشمس عليه، فقام ينفض رأسه وهو يقول:
فما مكفهرّ فى رحى مرجحنّة ... ولا ما أسرّت فى معادنها النّحل [٣]
بأحلى من القول الذى قلت بعدما ... تمكّن فى حيزوم ناقتى الرّجل [٤]
стр. 423
فقال له عبد الملك: ويحك! فهل تدرى ما سارّته به؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين.
٧٤٤* وذكر ابن عيّاش [١] قال: خرجت من تيماء فرأيت عجوزا على أتان، فقلت: ممّن أنت؟ قالت: من عذرة، قلت: هل تروين عن بثينة وجميل شيئا؟ قالت: نعم والله، إنّا لعلى ماء من الجناب [٢] ، وقد اتّقينا الطريق واعتزلنا، مخافة جيوش تجىء من الشأم إلى الحجاز، وقد خرج رجالنا فى سفر، وخلّفوا عندنا غلمانا أحداثا، وقد انحدر الغلمان عشيّة إلى صرم لهم قريب منّا، ينظرون إليهم ويتحدّثون عند جوار منهم، فبقيت أنا وبثينة نسترمّ غزلا لنا [٣] ، إذ انحدر عليها منحدر من هضبة حذاءنا، فسلّم ونحن مستوحشون، فرددت السلام، ونظرت فإذا أنا برجل واقف شبّهته بجميل، فدنا فأثبتّه، فقلت: أجميل؟ قال: إى والله، فقلت: والله لقد عرّضتنا ونفسك شرا! فما جاء بك؟ قال: هذه الغول التى وراءك! وأشار إلى بثينة، وإذا هو لا يتماسك، فقمت إلى قعب فيه أقط مطحون وتمر [٤] ، وإلى عكّة فيها شىء من سمن [٥] ، فعصرته على الأقط وأدنيته منه، فقلت: أصب من هذا، ففعل
стр. 424
وقمت إلى سقاء لبن، فصببت له فى قدح وشننت عليه ماء باردا، وناولته فشرب فتراجع، فقلت: لقد جهدت فما أمرك؟ قال: أردت مصر فجئت أودّعكم وأسلّم عليكم، وأنا والله فى هذه الهضبة التى ترين منذ ثلاث، أنتظر أن أجد فرجة حتّى رأيت منحدر فتيانكم العشيّة، فجئت لأحدث بكم عهدا، فحدّثنا ساعة ثم ودّعنا وانطلق، فلم نلبث إلّا يسيرا حتّى أتانا نعيّه من مصر، قال ابن عيّاش: فظننت قوله:
فمن كان فى حبّى بثينة يمترى ... فبرقاء ذى ضال علىّ شهيد [١]
أنّه أراد هذه الهضبة التى أقام فيها أيّاما ما أكل وما شرب.
٧٤٥* وقال سهل بن سعد السّاعدىّ أو ابنه عبّاس [٢] : لقينى رجل من أصحابى، فقال: هل لك فى جميل فإنّه ثقيل؟ فدخلنا عليه وهو يكيد بنفسه [٣] ، وما يخيّل لى أنّ الموت يكرثه [٤] ، فقال: ما تقول فى رجل لم يزن قطّ، ولم يشرب خمرا قطّ، ولم يقتل نفسا حراما قطّ، يشهد أن لا إله إلا الله؟ فقلت: أظنّه والله قد نجا، فمن هذا الرجل؟ قال: أنا، قلت: والله ما سلمت وأنت منذ عشرون سنة [٥] تنسب ببثينة! قال: إنى لفى آخر يوم من
стр. 425
الدنيا، وأوّل يوم من أيام الآخرة، فلا نالتنى شفاعة محمد ﷺ إن كنت وضعت يدى عليها لريبة قطّ، قال: فأقمنا حتّى مات.
٧٤٦* وذاكرت بهذا بعض مشايخنا، فقال لى: كيف يكون هذا؟ أليس هو القائل [١] :
فدنوت مختفيا أضرّ بيتها ... حتّى ولجت على خفىّ المولج [٢]
قالت: وعيش أخى ونقمة والدى ... لأنبّهنّ الحىّ إن لم تخرج [٣]
فخرجت خيفة أهّلها فتبسّمت ... فعلمت أنّ يمينها لم تلجج
فلثمت فاها آخذا بقرونها ... فعل النّزيف ببرد ماء الحشرج [٤]
٧٤٧* وقال جميل حين حضرته الوفاة:
بكر النّعىّ وما كنى بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول [٥]
ولقد أجرّ البرد فى وادى القرى ... نشوان بين مزارع ونخيل
قومى بثينة واندبى بعويل ... وابكى خليلك دون كلّ خليل