← Адаб

Адаб · id 23785

الشعر والشعراء

ابن قتيبة

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

رأيت ابنة الضّمرىّ عزّة أصبحت ... كمحتطب ما يلق باللّيل يحطب وكانت تمنّينا وتزعم أنّها ... كبيض الأنوق فى الصّفا المتنصّب [١] ثم قال كثيّر لجميل: متى عهدك ببثينة؟ قال فى أوّل الصيّف وقعة سحابة بأسفل وادى الدّوم، فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثوبا، فلمّا رأتنى أنكرتنى، فضربت بيدها إلى ثوب فى الماء فالتحفت به. وعرفتنى الجارية، فعادت فطرحته فى الماء، وتحادثنا حتّى غابت الشمس، فسألتها الموعد فقالت: أهلها سائرون، ولم ألقها بعد، ولم أجد أحدا آمنه أرسله إليها، فقال كثيّر: هل لك أن آتى الحىّ فأقرع ببيت من شعر أو تخلو فأكلّمها؟ قال: نعم، فخرج كثيّر حتى أناخ بهم، فقالوا: يا كثيّر حدّثنا كيف قلت لزوج عزّة حين أمرها أن تسبّك؟ قال كثيّر: خرجا يرميان الجمار، فوجدانى قد أعصب الناس بى [٢] ، فطالعنى زوجها، فسمعنى أنشد: خليلى هذا ربع عزّة فاعقلا ... فلوصيكما ثمّ ابكيا حيث حلّت [٣] فغار، فقال لعزّة: لتغضبنّه أو لأطلّقنّك، فقالت: المنشد يعضّ بكذا وكذا من أمّه، مكرهة، فقلت: هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت [٤] فقالت بثينة: أحسنت والله يا كثيّر، قال كثيّر: وأبيات قلتها لعزّة [٥] :

стр. 422

أرسلنى يا عزّ نحوك صاحبى ... على طول نأى من حبيب ومرسل بأن تضربى بينى وبينك موعدا ... وأنّ تخبرينى ما الّذى فيه أفعل بآية ما جئناك يوما عشيّة ... بأسفل وادى الدّوم والثّوب يغسل فقالت بثينة: يا جارية ابغينا من الدّومات حجرة البطحاء [١] حطبا لنذبح لكثيّر عريضا من البهم [٢] ونشويه له! قال كثيّر: أنا أعجل من ذلك، فراح إلى جميل فأخبره أنّ الموعد الدّومات. ٧٤٣* قال أبو محمّد: أرق عبد الملك بن مروان ذات ليلة، فقال: اطلبوا لى رجلا يحدّثنى، فخرجوا إلى المسجد، فوجدوا رجلا، فأدخلوه، فقال له عبد الملك: من أنت؟ قال: أنا فلان وكنت من أصدق الناس لجميل، قال: فحدّثنى عنه، قال: خرجت معه مرّة، حتى انتهينا إلى خباء لآل بثينة، وسمعت به، فأقبلت فى نسوة معها، وأقبل جميل نحوها، فقعدن وقعد، فتحادثوا ساعة، ثم أخلوهما، فلم يزالا يتشكّيان حتّى غشينا الصّبح، فودّع كلّ واحد منهما صاحبه، ثم وضع جميل رجله فى الغرز، فمالت إليه بثينة فقالت: يا جميل ادن منى، فمال إليها برأسه وعنقه، فسارّته بشىء فخرّ مغشيّا عليه، ثم مضت، فأتيته فلم أزل عند رأسه حتّى طلعت الشمس عليه، فقام ينفض رأسه وهو يقول: فما مكفهرّ فى رحى مرجحنّة ... ولا ما أسرّت فى معادنها النّحل [٣] بأحلى من القول الذى قلت بعدما ... تمكّن فى حيزوم ناقتى الرّجل [٤]

стр. 423

فقال له عبد الملك: ويحك! فهل تدرى ما سارّته به؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين. ٧٤٤* وذكر ابن عيّاش [١] قال: خرجت من تيماء فرأيت عجوزا على أتان، فقلت: ممّن أنت؟ قالت: من عذرة، قلت: هل تروين عن بثينة وجميل شيئا؟ قالت: نعم والله، إنّا لعلى ماء من الجناب [٢] ، وقد اتّقينا الطريق واعتزلنا، مخافة جيوش تجىء من الشأم إلى الحجاز، وقد خرج رجالنا فى سفر، وخلّفوا عندنا غلمانا أحداثا، وقد انحدر الغلمان عشيّة إلى صرم لهم قريب منّا، ينظرون إليهم ويتحدّثون عند جوار منهم، فبقيت أنا وبثينة نسترمّ غزلا لنا [٣] ، إذ انحدر عليها منحدر من هضبة حذاءنا، فسلّم ونحن مستوحشون، فرددت السلام، ونظرت فإذا أنا برجل واقف شبّهته بجميل، فدنا فأثبتّه، فقلت: أجميل؟ قال: إى والله، فقلت: والله لقد عرّضتنا ونفسك شرا! فما جاء بك؟ قال: هذه الغول التى وراءك! وأشار إلى بثينة، وإذا هو لا يتماسك، فقمت إلى قعب فيه أقط مطحون وتمر [٤] ، وإلى عكّة فيها شىء من سمن [٥] ، فعصرته على الأقط وأدنيته منه، فقلت: أصب من هذا، ففعل

стр. 424

وقمت إلى سقاء لبن، فصببت له فى قدح وشننت عليه ماء باردا، وناولته فشرب فتراجع، فقلت: لقد جهدت فما أمرك؟ قال: أردت مصر فجئت أودّعكم وأسلّم عليكم، وأنا والله فى هذه الهضبة التى ترين منذ ثلاث، أنتظر أن أجد فرجة حتّى رأيت منحدر فتيانكم العشيّة، فجئت لأحدث بكم عهدا، فحدّثنا ساعة ثم ودّعنا وانطلق، فلم نلبث إلّا يسيرا حتّى أتانا نعيّه من مصر، قال ابن عيّاش: فظننت قوله: فمن كان فى حبّى بثينة يمترى ... فبرقاء ذى ضال علىّ شهيد [١] أنّه أراد هذه الهضبة التى أقام فيها أيّاما ما أكل وما شرب. ٧٤٥* وقال سهل بن سعد السّاعدىّ أو ابنه عبّاس [٢] : لقينى رجل من أصحابى، فقال: هل لك فى جميل فإنّه ثقيل؟ فدخلنا عليه وهو يكيد بنفسه [٣] ، وما يخيّل لى أنّ الموت يكرثه [٤] ، فقال: ما تقول فى رجل لم يزن قطّ، ولم يشرب خمرا قطّ، ولم يقتل نفسا حراما قطّ، يشهد أن لا إله إلا الله؟ فقلت: أظنّه والله قد نجا، فمن هذا الرجل؟ قال: أنا، قلت: والله ما سلمت وأنت منذ عشرون سنة [٥] تنسب ببثينة! قال: إنى لفى آخر يوم من

стр. 425

الدنيا، وأوّل يوم من أيام الآخرة، فلا نالتنى شفاعة محمد ﷺ إن كنت وضعت يدى عليها لريبة قطّ، قال: فأقمنا حتّى مات. ٧٤٦* وذاكرت بهذا بعض مشايخنا، فقال لى: كيف يكون هذا؟ أليس هو القائل [١] : فدنوت مختفيا أضرّ بيتها ... حتّى ولجت على خفىّ المولج [٢] قالت: وعيش أخى ونقمة والدى ... لأنبّهنّ الحىّ إن لم تخرج [٣] فخرجت خيفة أهّلها فتبسّمت ... فعلمت أنّ يمينها لم تلجج فلثمت فاها آخذا بقرونها ... فعل النّزيف ببرد ماء الحشرج [٤] ٧٤٧* وقال جميل حين حضرته الوفاة: بكر النّعىّ وما كنى بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول [٥] ولقد أجرّ البرد فى وادى القرى ... نشوان بين مزارع ونخيل قومى بثينة واندبى بعويل ... وابكى خليلك دون كلّ خليل

стр. 426

٧٤٨* وقالت بثينة، ولا يحفظ لها (شعر) غيره: وإنّ سلوّى عن جميل لساعة ... من الدّهر ما جاءت ولا حان حينها سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا متّ بأساء الحياة ولينها ٧٤٩* وجميل ممّن رضى بالقليل، قال: أقلّب طرفى فى السّماء لعلّه ... يوافق طرفى طرفها حين تنظر [١] ومثله قول المعلوط فى الرّضى بالقليل [٢] : أليس اللّيل يلبس أمّ عمرو ... وإيّانا، فذاك بنا تدانى بلى، وترى السّماء كما أراها ... ويعلوها النّهار كما علانى [٣] ونحوه قول بعض الأعراب فى الرّضى بالقليل: وما نلت منها محرما غير أنّنى ... إذا هى بالت بلت حيث تبول ٧٥٠* قالوا: وأفرط فى قوله: ولو أنّ جلدا غير جلدك مسّنى ... لدى مضجعى حقّا إذا لشريت [٤] ولو أنّ راقى الموت يرقى جنازتى ... بريقك يوما، يا بثين، حييت

стр. 427

٧٥١* ومما يستجاد له قوله: علقت الهوى منها وليدا فلم يزل ... إلى اليوم ينمى حبّها ويزيد وأفنيت عمرى بانتظارى نوالها ... فبلّت بذاك الدّهر وهو جديد [١] فلا أنا مردود بما جئت طالبا ... ولا حبّها، فيما يبيد، يبيد فمن كان فى حبّى بثينة يمترى ... فبرقاء ذى ضال علىّ شهيد [٢] ٧٥٢* وممّا سبق إليه فأخذ منه قوله: ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا أخذه الفرزدق وأدخله الرّواة فى شعره [٣] . ٧٥٣* وممّا يستغثّ من شعره قوله: فلو تركت عقلى معى ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلى فإن وجدت نعل بأرض مضلّة، ... من الدّهر يوما، فاعلمى أنّها نعلى [٤] ٧٥٤* ويستجاد له قوله فى هذا الشعر: خليلىّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلى

стр. 428

٧٥٥* وقال صالح بن حسّان [٥] لجلسائه: أيّكم ينشد بيتا نصفه مخنّث يتفكّك بالعقيق، ونصفه أعرابىّ فى شملة بالبادية؟ قالوا: ما نعرفه، قال: هو قول: جميل: ألا أيّها الرّكب النّيام ألا هبّوا ... أسائلكم: هل يقتل الرّجل الحبّ؟ فقالوا: نعم حتّى يرضّ عظامه ... ويتركه حيران ليس له لبّ!

стр. 429

٧٨- توبة بن الحمير [١] ٧٥٦* هو من بنى عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، خفاجىّ. وكان شاعرا لصّا، وأحد عشّاق العرب المشهورين بذلك. وصاحبته ليلى الأخيليّة، وهى ليلى بنت عبد الله بن الرّحّالة بن كعب بن معاوية، ومعاوية هو الأخيل بن عبادة [٢] ، من بنى عقيل بن كعب. وكان يقول الأشعار فيها، وكان لا يراها إلّا متبرقعة، فأتاها يوما، وقد سفرت، فأنكر ذلك، وعلم أنّها لم تسفر إلّا لأمر حدث، وكان إخوتها أمروها أن تعلمهم بمجيئه ليقتلوه، فسفرت لتنذره، ويقال: بل زوّجوها، فألقت البرقع، ليعلم أنها قد برزت. ففى ذلك يقول: وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابنى منها الغداة سفورها وأوّل الشعر: نأتك بليلى دارها لا تزورها ... وشطّت نواها واستمرّ مريرها [٣] يقول رجال: لا يضيرك نأيها ... بلى، كلّ ما شفّ النّفوس يضيرها أظنّ بها خيرا وأعلم أنّها ... ستنعم يوما أو يفكّ أسيرها أرى اليوم يأتى دون ليلى كأنّما ... أتت حجج من دونها وشهورها

стр. 430

حمامة بطن الواديين ترنّمى ... سقاك من الغرّ الغوادى مطيرها أبينى لنا، لا زال ريشك ناعما ... ولا زلت فى خضراء عال بريرها فإن سجعت هاجت لعينك عبرة ... وإن زفرت هاج الهوى قرقريرها [١] ٧٥٧* وهو القائل [٢] : ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... علىّ ودونى تربة وصفائح لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح [٣] ولو أنّ ليلى فى السّماء لأصعدت ... بطرفى إلى ليلى العيون اللّوامح ٧٥٨* وكان توبة رحل إلى الشأم، فمرّ ببنى عذرة، فرأته بثينة، فجعلت تنظر إليه، فشقّ ذلك على جميل، وذلك قبل أن يظهر على حبّه لها، فقال له جميل: من أنت؟ قال: أنا توبة بن الحميّر، قال: فهل لك فى الصّراع؟ قال: ذلك إليك، فنبذت إليه بثينة ملحفة مورّسة، فاتّزر بها، ثم صارعه فصرعه جميل، ثم قال له: هل لك فى النّضال؟ قال: نعم، فناضله، فنضله جميل، ثم قال له: هل لك فى السّباق؟ قال: نعم فسابقه، فسبقه جميل، فقال له: توبة: يا هذا، إنّك إنّما تفعل هذا بريح هذه الجالسة، ولكن اهبط بنا إلى الوادى، فهبطا إلى الوادى، فصرعه توبة وسبقه ونضله. ٧٥٩* وكان توبة كثير الغارة على بنى الحارث بن كعب وهمدان، وكانت بين أرض بنى عقيل وأرض مهرة مفازة قذف [٤] فكان إذا أراد الغارة عليهم حمل

стр. 431

المزاد، وكان من أهدى الناس بالطريق، فخرج ذات يوم ومعه أخوه عبيد الله وابن عمّ له، فنذروا به [١] ، فانصرف مخفقا، فمرّ بجيران لبنى عوف بن عامر، فأغار عليهم فاطّرد إبلهم وقتل رجلا من بنى عوف، وبلغ الخبر بنى عوف، فطلبوه فقتلوه، وضربوا رجل أخيه فأعرجوه، واستنقذوا إبل صاحبهم وانصرفوا، وتركوا عند عبيد الله سقاء من ماء، كيلا يقتله العطش، فتحامل حتّى أتى بنى خفاجة، فلاموه وقالوا: فررت عن أخيك؟! فقال يعتذر: يلوم على القتال بنو عقيل ... وكيف قتال أعرج لا يقوم

стр. 432

٧٩- ليلى الأخيلية ٧٦٠* هى ليلى بنت الأخيل [١] ، من عقيل بن كعب. وهى أشعر النساء، لا يقدم عليها غير خنساء، وكانت هاجت النابغة الجعدىّ، وكان ممّا هجاها به (قوله) [٢] : ألا حيّيا ليلى وقولا لها: هلا ... فقد ركبت أمرا أغرّ محجّلا [٣] بريذينة بلّ البراذين ثفرها ... وقد شربت فى أوّل الصّيف أيّلا [٤] وقد أكلت بقلا وخيما نباته ... وقد نكحت شرّ الأخايل أخيلا [٥] (وكيف أهاجى شاعرا رمحه استه ... خضيب البنان لا يزال مكحّلا) فأجابته وفاقته [٦] : (أنابغ لم تنبغ ولم تك أوّلا ... وكنت وشيلا بين لصبين مجهلا) [٧]

стр. 433

أعيّرتنى داء بأمّك مثله ... وأىّ جواد لا يقال له هلا [١] تساور سوّارا إلى المجد والعلى ... وفى ذمّتى لئن فعلت ليفعلا [٢] (أى: ليفعلن [٣] . وسوّار ابن أوفى القشيرىّ، وكان زوجها) . ٧٦١* ورثت عثمان بن عفّان رضى الله عنه فقالت: أبعد عثمان ترجو الخير أمّته ... وكان آمن من يمشى على ساق خليفة الله أعطاهم وخوّلهم ... ما كان من ذهب جوم وأوراق [٤] فلا تكذّب بوعد الله واتّقه ... ولا توكّل على شىء بإشفاق ولا تقولن لشىء: سوف أفعله ... قد كتب الله ما كلّ امرىء لاق ٧٦٢* ودخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنّت، فقال لها: ما رأى فيك توبة حين هويك؟ قالت: ما رآه الناس فيك حين ولّوك [٥] ! فضحك عبد الملك حتّى بدت له سنّ سوداء كان يخفيها. ٧٦٣* وسألت الحجّاج أن يحملها إلى قتيبة بن مسلم (بخراسان) ، فحملها على البريد، فلمّا انصرفت ماتت بساوة، فقبرت بها [٦] .

стр. 434

٧٦٤* ومن جيّد شعرها (قولها) فى توبة [١] : أقسمت أرثى بعد توبة هالكا ... وأحفل من دارت عليه الدّوائر لعمرك ما بالموت عار على الفتى ... إذا لم تصبه فى الحياة المعاير (وما أحد حيّا، وإن كان سالما ... بأخلد ممّن غيّبته المقابر ومن كان ممّا يحدث الدّهر جازعا ... فلا بدّ يوما أن يرى وهو صابر وليس لذى عيش من الموت مذهب ... وليس على الأيّام والدّهّر غابر [٢] ولا الحىّ ممّا يحدث الدّهر معتب ... ولا الميت إن لم يصبر الحىّ ناشر وكلّ شباب أو جديد إلى بلى ... وكلّ امرئ يوما إلى الله صائر وكلّ قرينى ألفة لتفرّق ... شتاتا، وإن ضنّا وطال التّعاشر فلا يبعدنك الله ياتوب هالكا ... أخا الحرب إن ضاقت عليه المصادر فأقسمت لا أنفكّ أبكيك ما دعت ... على فنن ورقاء أو طار طائر قتيل بنى عوف، فيالهفتا له ... فما كنت إيّاهم عليه أحاذر [٣] ولكنّما أخشى عليه قبيلة ... لها بدروب الرّوم باد وحاضر) ٧٦٥ وقولها [٤] : فإن تكن القتلى بواء فإنّكم ... فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر [٥] وإلّا تكن فيكم بواء فإنّكم ... ستلقون يوما ورده غير صادر

стр. 435

فتى هو أحيا من فتاة حييّة ... وأشجع من ليث بخفّان خادر [١] فتى لا تخطّاه الرّفاق ولا يرى ... لقدر عيالا دون جار مجاور (فتى كان للمولى سناء ورفعة ... وللطارق السارى قرى غير باسر) [٢] فتى ينهل الحاجات ثم يعلّها ... فتطلعها عنه ثنايا المصادر ولا تأخذ الكوم الجلاد سلاحها ... لتوبة فى صرّ الشتاء الصّنابر [٣] فنعم الفتى إن كان توبة فاجرا ... وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر [٤] ٨٦٦* وقولها أيضا [٥] : ومخرّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما حتّى إذا رفع اللّواء رأيته ... تحت اللّواء على الخميش زعيما

стр. 436

٨٠- شبيل بن ورقاء [١] ٧٦٧* هو من زيد بن كليب بن يربوع. وكان شاعرا مذكورا جاهليّا، فأدرك الإسلام وأسلم إسلام سوء، وكان لا يصوم شهر رمضان، فقالت له بنته؛ ألا تصوم؟ فقال: تأمرنى بالصّوم لا درّ درّها ... وفى القبر صوم، لا أباك، طويل [٢] وكان له ابنان: خالد وتبالة [٣] .

стр. 437

٨١- طفيل بن كعب الغنوى [١] ٨٦٨* قال أبو محمّد: هو طفيل بن كعب الغنوىّ [٢] . وكان من أوصف الناس للخيل، وكان يقال له فى الجاهليّة المحبّر، لحسن شعره. وقال عبد الملك ابن مروان: من أراد أن يتعلّم ركوب الخيل فليرو شعر طفيل. وقال معاوية: دعوا لى طفيلا وسائر الشعراء لكم. وهو جاهلىّ [٣] . ٧٦٩* (وهو القائل: إنى، وإن قلّ مالى، لا يفارقنى ... مثل النّعامة فى أوصالها طول أو قارح فى الغرابيّات ذو نسب ... وفى الجراء مسحّ الشّدّ إجفيل [٤] إنّ النساء كأشجار نبتن معا ... منها المرار، وبعض النّبت مأكول [٥] إنّ النساء متى ينهين عن خلق ... فإنّه واجب لا بدّ مفعول

стр. 438

لا ينصرفن لرشد إن دعين له ... وهنّ بعد ملائيم مخاذيل ٧٧٠* وهو القائل: بخيل إذا قيل: اركبوا، لم يقل لهم ... عواوير يخشون الرّدى: أين نركب [١] ولكن يجاب المستغيث، وخيلهم ... عليها حماة بالمنيّة تضرب) ٧٧١* وممّا سبق إليه (طفيل) قوله: بحىّ إذا قيل: اظعنوا قد أتيتم ... أقاموا فلم تردد عليهم حمائل ثم قال ابن مقبل [٢] : بحىّ إذا قيل: اظعنوا قد أتيتم ... أقاموا على أظعانهم وتلحلحوا [٣] ٧٧٢* وقال طفيل يذكر الإبل: عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا تمّ حول مجرّم وقال الحطيئة: عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تحتلب إلّا نهارا ضجورها [٤] يقول: لا تحلب التى تضجر من الحلب فى البرد، ولكن إذا طلعت عليها الشمس.

стр. 439

٨٢- ابن مقبل [١] ٧٧٣* هو تميم بن أبىّ بن أبىّ بن مقبل، من بنى العجلان. وفى رهطه يقول النّجاشىّ: إذا الله عادى أهل لؤم ورقّة ... فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل [٢] ٧٧٤* وكان جاهليّا إسلاميّا، ورثى عثمان بن عفّان رضى الله عنه فقال: ليبك بنو عثمان ما دام جذمهم ... عليه بأسياف تعرّى وتخشب [٣] نعاء لفضل الحلم والحزم والنّدى ... ومأوى اليتامى العبر عاموا وأجدبوا [٤] وملجأ مهروئين يلفى به الحيا ... إذا جلّفت كحل هو الأمّ والأب [٥] ٧٧٥* وكان خرج فى بعض أسفاره، فمرّ بمنزل عصر العقيلىّ، وقد

стр. 440

العطش، فاستسقى، فخرج إليه ابنتاه بعسّ (فيه لبن) ، فرأتاه أعور كبيرا، فأبدتا له بعض الجفوة، وذكرتا هرمه وعوره، فغضب وجاز ولم يشرب، وبلغ أباهما الخبر، فتبعه ليردّه، فلم يرجع، فقال له: ارجع ولك أعجبهما إليك، فرجع وقال قصيدته (هذه) ، وهى أجود شعره [١] : كان الشّباب لحاجات وكنّ له ... فقد فزعت إلى حاجاتى الأخر يا حرّ أمست تليّات الصّبا ذهبت ... فلست منها على عين ولا أثر [٢] يا حرّ أمسى سواد الرّأس خالطه ... شيب القذال اختلاط الصّفو بالكدر يا حرّ أمسيت شيخا قد وهى بصرى ... والتاث ما دون يوم البعث من عمرى يا حرّ من يعتذر من أن يلمّ به ... ريب الزّمان فإنى غير معتذر قالت سليمى ببطن القاع من سرج ... لا خير فى المرء بعد الشّيب والكبر [٣] واستهزأت تربها منّى فقلت لها: ... ماذا تعيبان منّى يا بنتى عصر لولا الحياء وباقى الدّين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عورى (قد كنت أهدى ولا أهدى فعلّمنى ... حسن المقادة أنى فاتنى بصرى) قد قلتما لى قولا لا أبا لكما ... فيه حديث على ما كان من قصر أخذه من قول امرئ القيس وحديث مّا على قصره أى أىّ حديث

стр. 441

هو على قصره، على التعجّب منه. وهو من أوصف العرب لقدح، ولذلك يقال: قدح ابن مقبل. ٧٧٦* وهو القائل فى نفسه [١] : إذا متّ عن ذكر القوافى فلن ترى ... لها تاليا بعدى أطبّ وأشعرا وأكثر بيتا ماردا ضربت له ... حزون جبال الشّعر حتّى تيسّرا أغرّ غريبا يمسح الناس وجهه ... كما تمسح الأيدى الجواد المشهّرا ٧٧٧* وقال ابن مقبل فى الفرس: يرخى العذار ولو طالت قبائله ... عن حشرة مثل سنف المرخة الصّفر [٢] وقال آخر: لها أذن حشرة مشرة ... كإعليط مرخ إذا ما صفر [٣] وقال آخر: حشرة الأذن كإعليط صفر ٧٧٨* وممّا يستحسن له قوله فى النساء [٤] :

стр. 442

يمشين هيل النّقا مالت جوانبه ... ينهال حينا وينهاه الثّرى حينا [١] يهززن للمشى أوصالا منعّمة ... هزّ الجنوب ضحى عيدان يبرينا [٢] أو كاهتزاز ردينىّ تذاوقه ... أيدى التّجار فزادوا متنه لينا

стр. 443

٨٣- أمية بن أبى الصلت [١] ٧٧٩* هو أميّة بن أبى الصّلت بن أبى ربيعة بن عبد عوف بن عقدة بن غيرة [٢] بن قسىّ، وقسىّ هو ثقيف بن منبّه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. وأمّه رقيّة بنت عبد شمس بن عبد مناف. ٧٨٠* وقد كان قرأ الكتب المتقدمّة من كتب الله جلّ وعزّ، ورغب عن عبادة الأوثان، وكان يخبر بأنّ نبيّا يبعث قد أظلّ زمانه، ويؤمّل أن يكون ذلك النبىّ، فلمّا بلغه خروج رسول الله ﷺ وقصّته كفر حسدا له. ٧٨١* ولما أنشد رسول الله ﷺ شعره قال: «آمن لسانه وكفر قلبه» . وكان يحكى فى شعره قصص الأنبياء، ويأتى بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب، بآية قام ينطق كلّ شىء ... وخان أمانة الدّيك الغراب وكانوا يقولون: إن الديك كان نديما للغراب، فرهنه على الخمر وغدر به ولم يرجع، وتركه عند الخمّار، فجعله (الخمّار) حارسا. ٧٨٢* ومنها قوله:

стр. 444

غيم وظلماء وفضل سحابة ... إذ كان كفّن واستراد الهدهد يبغى القرار لأمّه ليجنّها ... فبنى عليها فى قفاه يمهد فيزال يدلح ما مشى بجنازة ... منها، وما اختلف الجديد المسند وكانوا يقولون: إن الهدهد لما ماتت أمّه أراد أن يبرّها، فجعلها على رأسه يطلب موضعا، فبقيت فى رأسه، فالقنزعة التى فى رأسه هو قبرها [١] ، وإنّما أنتنت ريحه لذلك. ومنها قوله: قمر وساهور يسلّ ويغمد والسّاهور، فيما يذكر أهل الكتاب: غلاف القمر يدخل فيه إذا كسف [٢] . ٧٨٣* وقوله فى الشمس: ليست بطالعة لهم فى رسلها ... إلّا معذّبة وإلّا تجلد [٣] يقولون: إنّ الشمس إذا غربت امتنعت من الطّلوع، وقالت: لا أطلع على قوم يعبدوننى من دون الله، حتّى تدفع وتجلد فتطلع! ويسمّى السماء فى شعره صاقورة [٤] وحاقورة [٥] وبرقع [٦] . ويقول فى الله : هو السّلطليط فوق الأرض مقتدر [٧]

стр. 445

ويقول: وأبدت الثّغرورا يريد الثّغر [١] . وهذه أشياء منكرة. وعلماؤنا لا يرون شعره حجّة فى اللغة. ٧٨٥* ولمّا حضرته الوفاة قال [٢] : كلّ عيش وإن تطاول دهرا ... صائر مرّة إلى أن يزولا ليتنى كنت قبل ما قد بدا لى ... فى رؤوس الجبال أرعى الوعولا ٧٨٦* وأبوه أبو الصّلت الثّقفىّ شاعر، وهو القائل فى سيف بن ذى يزن [٣] : لن يطلب الوتر أمثال ابن ذى يزن ... لجّج فى البحر للأعداء أحوالا [٤] أتى هرقل وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده القول الّذى قالا [٥] ثم انتحى نحو كسرى بعد تاسعة ... من السّنين، لقد أبعدت إيغالا حتّى أتى ببنى الأحرار يحمّلهم ... إنّك عمرى لقد أسرعت قلقالا [٦]

стр. 446

من مثل كسرى وباذان الجنود له ... ومثل وهرز يوم الجيش إذ صالا لله درّهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم فى الناس أمثالا غلبا جحاجحة بيضا مراجحة ... أسدا تربّب فى الغيضات أشبالا [١] يرمون عن عتل كأنّها غبط ... بزمخر يعجل المرمىّ إعجالا [٢] أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أضحى شريدهم فى الأرض فلّالا [٣] فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... فى رأس غمدان دارا منك محلالا [٤] ثمّ اطّل المسك إذ شالت نعامتهم ... وأسبل اليوم من برديك إسبالا [٥] تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ٧٨٧* وكان لأميّة ابن يقال له القاسم، وكان شاعرا، وهو القائل [٦] : قوم إذا نزل الحريب بدارهم ... تركوه ربّ صواهل وقيان فإذا دعوتهم ليوم كريهة ... سدّوا شعاع الشّمس بالخرصان [٧]

стр. 447

لا ينقرون الأرض عند سؤالهم ... لتطلّب العلّات بالعيدان بل يبسطون وجوههم فترى لها ... عند السؤال كأحسن الألوان

стр. 448

٨٤- خليد عينين [١] ٧٨٨* هو من عبد القيس، من ولد عبد الله بن دوام بن مالك. وكان ينزل أرضا بالبحرين تعرف بعينين [٢] ، فنسب إليها. وهو القائل: أيها الموقدان شبّا سناها ... إنّ للضّيف طارفى وتلادى [٣] ٧٨٩* ومر خليد عينين بوال لزياد على بعض كور فارس، فسأله فلم يعطه، فقال: أنت تدلّ بالشّعر فاذهب فقل ما شئت! فقال: أما إنى لا أهجوك، ولكنى أقول ما هو أشدّ عليك من الهجاء، فأنشأ يقول: وكائن عند تيم من بدور ... إذا ما حرّكت تدعو زيادا [٤] دعته دعوة شوقا إليه ... وقد شدّت حناجرها صفادا ونمى الشعر إلى زياد فقال: لبّيك يا بدور تيم! وبعث إليه فأخذ منه مائة ألف درهم.

стр. 449

٨٥- جرير بن عطية [١] ٧٩٠* هو جرير بن عطيّة بن حذيفة. ولقّب حذيفة الخطفى لقوله: وعنقا باقى الرّسيم خيطفا [٢] وهو من بنى كليب بن يربوع. وكان عطية أبو جرير مضعوفا [٣] ، وأمّ جرير أمّ قيس بنت معبد، من بنى كليب بن يربوع. وكان له أخوان: عمرو بن عطية، وأبو الورد بن عطية. وولدت جريرا أمّه لسبعة أشهر، وعمّر نيّفا وثمانين سنة، ومات باليمامة. وكان يكنى أبا حزرة، وكان له عشرة من الولد، فيهم ثمانية ذكور، منهل بلال بن جرير، وكان أفضلهم وأشعرهم، ويكنى أبا زافر. ورأى فى المنام أنه قطعت له أربع أصابع من أصابعه، فقاتل بنى ضبّة فقتلوا له أربعة بنين. ولبلال عقب، منهم عمارة بن عقيل بن بلال. وهو القائل فى دينار ويحيى ابنى عبد الله: ما زال عصياننا لله يسلمنا ... حتّى دفعنا إلى يحيى ودينار إلى عليجين لم تقطع ثمارهما ... قد طال ما سجدا للشّمس والنار

стр. 450

٧٩١* وكان بلال نزل برجل يقال له مسعود بن طعمة، من بنى بيدعة، فلم يحسن قراه، فقال: أمسعود أنت اللّئيم الأثيم ... كأنّك قنفذة فى ضعه سمعنا له إذ نزلنا به ... كلاما كما تنطق الضّفدعه فأىّ اللّئيمين أشبهته ... أطعمة أم أمّك الكوتعه عددنا عديّا وآباءهم ... فشرّ عدىّ بنو بيدعه فما أعطش الضّيف لمّا غدا ... من البيدعات وما أجوعه ٧٩٢* وقال (بلال) فى قوم من بنى فقيم، يقال لهم بنو ناشرة: عددنا فقيما وآباءهم ... فشرّ فقيم بنو ناشره قصار الفعال طوال الخطى ... مناتين ليست لهم بادره يعدّون غرما قرى ضيفهم ... فلا عدموا صفقة خاسره إذا ضفتهم ثمّ ساءلتهم ... وجدت بهم علّة حاضره وليسوا، إذا قلت: ماذا هم؟ ... بأصحاب دنيا ولا آخره ٧٩٣* وقال فى حمّاد المنقرىّ: نزلنا بحمّاد فخلّى كلابه ... علينا، فكدنا بين بيتيه نؤكل وقد قال قبلى قائل ظلّ فيهم: ... أذا اليوم أو يوم القيامة أطول ٧٩٤* ومن ولد جرير عكرمة بن جرير، وكان شاعرا، ونوح بن جرير، وكان شاعرا. ٧٩٥* وكان جرير من فحول شعراء الإسلام، ويشبّه من شعراء الجاهلية بالأعشى. وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: هما بازيان يصيدان ما بين العندليب إلى الكركىّ.

стр. 451

٧٩٦* وكان (من) أحسن الناس تشبيبا. حدثنى سهل (بن محمد) عن الأصمعىّ قال: سمعت الحىّ يتحدّثون أنّ جريرا قال: لولا ما شغلنى من هذه الكلاب لشبّبت تشبيبا تحنّ منه العجوز إلى شبابها كما تحنّ النّاب إلى سقبها. ٧٩٧* وكان من أشدّ الناس هجاء. وحدثنى عبد الرحمن الأصمعىّ قال: أخبرنا شيخ من أهل البصرة قال: مرّ راعى بالإبل فى سفر فسمع إنسانا يتغنّى (على قعود له) بشعر جرير، وهو قوله: وعاو عوى من غير شىء رميته ... بقافية أنفاذها تقطر الدّما خروج بأفواه الرّواة كأنّها ... قرى هندوانّى هزّ صمّما (فقال: لمن هذا؟ قيل: لجرير) ، فقال الراعى: لعنة الله على من يلومنى أن يغلبنى مثل هذا! ٧٩٨* وكان مع حسن تشبيبه عفيفا، وكان الفرزدق فاسقا، وكان يقول: ما أحوجه مع عفّته إلى صلابة شعرى، وما أحوجنى إلى رقّة شعره، لما ترون. ٧٩٩* وأخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال: كنت قاعدا عند جرير وهو يملى: ودّع أمامة حان منك رحيل ... إنّ الوداع لمن تحبّ قليل فمرّت به جنازة، فترك الإنشاد وقال: شيّبتنى هذه الجنائز، قلت: فلأىّ شىء تشتم الناس؟ قال: يبدؤوننى ثم لا أعفو، (قال) : وكان يقول: أنا لا أبتدى ولكن أعتدى [١] .

стр. 452

٨٠٠* وبلغه عن بعض شعراء بنى كليب شىء ساءه، فدعاه إلى مهاجاته، فقال الكليبىّ: إنّ نسائى بإمّتهنّ [١] ، ولم تدع الشعراء فى نسائك مترقّعا. ٨٠١* وكان جرير يقول: النصرانىّ أنعتنا للخمر والحمر وأمدحنا للملوك، وأنا مدينة الشعر. ٨٠٢* وقال أبو عمرو: سئل الأخطل: أيّكم أشعر؟ قال: أنا أمدحهم للموك وأنعتهم للخمر والحمر، يعنى النساء، وأما جرير فأنسبنا وأشبهنا، وأما الفرزدق فأفخرنا. ٨٠٣* وقال مروان بن أبى حفصة: ذهب الفرزدق بالفخار وإنما ... حلو القريض ومرّه لجرير ٨٠٤* وكان جرير مقيما بالمرّوت من البادية، والفرزدق بالعراق، وهما يتهاجيان، فأرسلت بنو يربوع إلى جرير: إنّك مقيم بالمرّوت ليس عندك أحد يروى عنك والفرزدق بالعراق قد ملأها عليك منذ سبع حجج، فانحدر إلى العراق فأقام بالبصرة، ولذلك يقول: وإذا شهدت لثغر قومى مشهدا ... آثرت ذاك على بنىّ ومالى ٨٠٥* ومدح الحجّاج فأكرمه وأدناه، وأوفده إلى عبد الملك بن مروان فاستنشده، فأنشده فى الحجّاج: صبرت النّفس يابن أبى عقيل ... مجاهدة، فكيف ترى الثّوابا إذا سعر الخليفة نار حرب ... رأى الحجّاج أثقبها شهابا وأنشده مدحته التى يقول فيها: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح

стр. 453

فأمر له بمائة ناقة من نعم كلب، فقال له جرير: يا أمير المؤمنين، نحن أشياخ، وليس فى واحد منّا فضل عن راحلته، والإبل أبّاق، قال: فنجعل أثمانها لك رقة؟ قال: لا، ولكن الرّعاء، فأمر له بثمانية أعبد، فقال جرير: والمحلب يا أمير المؤمنين! فنبذ إليه إحداهنّ بالخيزرانة، وقال: خذها لا نفعتك! ففى ذلك يقول جرير: أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما فى عطائهم منّ ولا سرف [١] ٨٠٦* قال أبو عبيدة: كان الفرزدق بالمربد، فمرّ به رجل قدم من اليمامة، فقال له: من أين وجهك؟ قال: من اليمامة، قال: فهل علقت من جرير شيئا؟ فأنشده: هاج الهوى بفؤادك المهتاج فقال الفرزدق: فانظر بتوضح باكر الأحداج [٢] فقال: هذا هوى شغف الفؤاد مبرّح فقال الفرزدق: ونوى تقاذف غير ذات خلاج [٣] فقال: ليت الغراب غداة ينعب دائبا فقال الفرزدق: كان الغراب مقطّع الأوداج فما زال (الرجل) ينشده صدرا (صدرا) من قول جرير، وينشده الفرزدق عجزا (عجزا) ، حتى ظنّ الرجل أنّ الفرزدق قالها (وأنّ جريرا سرقها) ، ثم قال

стр. 454

له: هل ذكر فيها الحجاج؟ قال: نعم، قال: إيّاه أراد. ٨٠٧* ومن خبيث هجائه قوله للفرزدق: لقد ولدت أمّ الفرزدق مقرفا [١] الأبيات ٨٠٨* ومن جيّد شعره قوله: تعالوا نحاكمكم، وفى الحقّ مقنع ... إلى الغرّ من أهل البطاح الأكارم فإنّ قريش الحقّ لم تتبع الهوى ... ولم يرهبوا فى الله لومة لائم فإنى لراض عبّد شمس وما قضت ... وأرضى بحكم الصّيد من آل هاشم أذكّركم بالله: من ينهل القنا ... ويضرب كبش الجحفل المتراكم وكنتم لنا الأتباع فى كلّ موقف ... وريش الذّنابى تابع للقوادم إذا عدّت الأيّام أخزيت دارما ... وتخزيك يابن القين أيّام دارم وما زادنى بعد المدى نقض مرّة ... ولا رقّ عظمى للضّروس العواجم ٨٠٩* ويستجاد له قوله: فأنت أبى مالم تكن لى حاجة الأبيات [٢] . وقوله يرثى امرأته: لولا الحياء لعادنى استعبار الأبيات [٣] . ٨١٠* ومما أخذ عليه قوله فى بنى الفدوكس رهط الأخطل: هذا ابن عمّى فى دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلىّ قطينا القطين فى هذا الموضع: العبيد والإماء، وقيل له: يا أبا حزرة، ما وجدت فى بنى تميم فخرا تفخر به عليهم حتى فخرت بالخلافة، لا والله إن صنعت فى هجائهم شيئا.

стр. 455

٨٦- الفرزدق ٨١١* هو همّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم. وكان جدّه صعصعة بن ناجية عظيم القدر فى الجاهلية، واشترى ثلاثين موؤودة إلى أن جاء الله بالإسلام، منهنّ بنت لقيس بن عاصم المنقرىّ. ثم أتى النبىّ ﷺ ، وأسلم. ٨١٢* وأمّ صعصعة قفيرة بنت سكين، من عبد الله بن دارم، وكانت أمّها أمة وهبها كسرى لزرارة، فرهنها زرارة لهند بنت يثربىّ ابن عدس، فوثب أخو زوجها، واسمه سكين بن حارثة بن زيد بن عبد الله بن دارم، على الأمة فأحبلها، فولدت (له) قفيرة أمّ صعصعة، فكان جرير يعيب الفرزدق بها. وكان لصعصعة قيون، منهم جبير ووقبان وديسم، فلذلك جعل جرير مجاشعا قيونا. وقال جرير ينسب غالب بن صعصعة إلى جبير: وجدنا جبيرا أبا غالب ... بعيد القرابة من معبد يعنى معبد بن زرارة. ٨١٣* وكان يعيبهم بالخزيرة، وذلك أنّ ركبا من مجاشع مرّوا فى الجاهلية وهم عجال على شهاب التغلبىّ، فسألهم أن ينزلوا، فقالوا: نحن مستعجلون، فقال: لا تجوزونى حتّى تصيبوا القرى، فحمل إليهم خزيرة، فجعلوا يأكلونها وهم على إبلهم ويعظّمون اللقم، وذلك يسيل على لحاهم! ٨١٤* وأمّا غالب أبو الفرزدق فكان يكنى أبا الأخطل، وكان سيّد بادية تميم، وكان أعور. وأمّه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس. واستجير بقبره وهو بكاظمة [١] فى حمالة، فاحتملها (عنه) الفرزدق.

стр. 456

٨١٥* وكان له إخوة، منهم هميم (بن غالب) ، وسمى الفرزدق باسمه وهو القائل: لعمر أبيك فلا تكذبن ... لقد ذهب الخير إلا قليلا وقد فتّن الناس فى دينهم ... وخلّى ابن عفّان شرّا طويلا وإنما لقب بالفرزدق لغلظه وقصره، شبّه بالفتيتة التى تشربها النساء، وهى الفرزدقة [١] . وكنيته أبو فراس. ٨١٦* وكان للفرزدق أخ يقال له الأخطل أسنّ منه، وابنه محمد بن الأخطل (كان) توجّه مع الفرزدق إلى الشأم، فمات بها، ولا عقب له. ورثاه الفرزدق. ٨١٧* وأخته يقال لها جعثن، وكانت امرأة صدق. ونزل الفرزدق فى بنى منقر والحىّ خلوف، فجاءت أفعى إلى جارية من بنى منقر يقال لها ظمياء، فدخلت معها فى شعارها، فصرخت أمّها، وجاء الفرزدق فسكّنها، واحتال للأفعى حتّى انسابت، والتزم الجارية فانتهرته، فقال [٢] : وأهون عيب المنقريّة أنّها ... شديد ببطن الحنظلىّ لصوقها فلمّا بلغ منقر قوله أرسلوا رجلا يقال له عمران بن مرّة، وأمروه أن يعرض لجعثن أخت الفرزدق، فلما خرجت وثب فضرب بيده على نحرها، فصاحت، ومضى، فعيّر الفرزدق بذلك.

стр. 457

٨١٨* ومكث الفرزدق زمانا لا يولد له، فعيّرته امرأته النّوار بذلك فقال: قالت: أراه واحدا لا أخا له ... يؤمله فى الوارثين الأباعد لعلّك يوما أن ترينى كأنّما ... بنىّ حوالىّ الأسود الحوارد [١] فإنّ تميما قبل أن يلد الحصى ... أقام زمانا وهو فى الناس واحد فولد له بعد ذلك لبطة وسبطة وخبطة وركضة من النّوار [٢] ، وزمعة وليس لواحد من ولده عقب إلا من النساء. ٨١٩* (وأجاد فى قوله: قالت: وكيف يميل مثلك للصّبى البيتين) [٣] . ٨٢٠* وكان الفرزدق معنّا مفنّا [٤] ، يقول فى كلّ شىء، وسريع الجواب، فمرّ بقوم ولهم جنازة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مات أبو الخنساء صاحب البغال، فقال:

стр. 458

ليبك أبا الخنساء بغل وبغلة ... ومخلاة سوء قد أضيع شعيرها ومجرفة مطروحة ومحسّة ... ومقرعة صفراء بال سيورها ٨٢١* (ومن إفراطه قوله: وبوّأت قدرى البيتين) [١] . ٨٢٢* وكان خلف بن خليفة ظريفا شاعرا راوية، وكان «أقطع» ، له أصابع من جلود، فمرّ بالفرزدق يوما فقال له: يا أبا فراس من الذى يقول: هو القين وابن القين لا قين مثله ... لفطح المساحى أو لجدل الأداهم؟ [٢] قال الفرزدق: يقوله الذى يقول: هو اللصّ وابن اللّص لا لصّ مثله ... لنقب جدار أو لطرّ الدّراهم [٣] ٨٢٣* وأتى حفصا السّرّاج يشترى منه سرجا، فمرّت به امرأة جميلة وفى يده سرج ينظر إليه، فألقى السرج من يده وقال: منع الحياة من الرّجال ونفعها ... حدق تقلّبها النّساء مراض خرجت إليك ولم تكن خرّاجة ... فأصيب صدع فؤادك المنهاض وكأنّ أفئدة الرّجال إذا رأوا ... حدق النّساء لنبلها الأغراض ٨٢٤* ورآه خالد بن صفوان يوما وكان يمازحه، فقال: يا أبا فراس ما أنت بالذى لمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ [٤] ! قال: ولا أنت يا أبا صفوان بالذى قالت الفتاة فيه لأبيها:

стр. 459

يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [١] . ٨٢٥* وجاء عنبسة بن معدان إلى باب بلال، فرأى الفرزدق وقد نعس، فحرّكه برجله وقال: بلغت النار يا أبا فراس؟! قال: نعم ورأيت أباك ينتظرك! ٨٢٦* ومرّ بيحيى بن الحضين بن المنذر الرقاشىّ، فقال له: يا أبا فراس هل لك فى جدى سمين ونبيذ زبيب جيد؟ فقال: وهل يأبى هذا إلا ابن المراغة! فانطلق به يحيى وبابن عمّ له، فأكلوا، ثم دعا بالشراب، فقال الفرزدق: اسقنى صرفا يا غلام، فقال يحيى: أمّا أنا فلا أشرب صرفا ولا غيره، فقال الفرزدق: اسقنى خمسا وخمسا ... وثلاثا واثنتين من عقار كدم الجو ... ف يحرّ الكليتين واصرف الكأس عن الم ... حروم يحيى بن حضين واسق هذين ثلاثي ... ن يروحا مرحين ٨٢٧* وأصابته الدّبيلة [٢] ، فقدم به البصرة، وأتى بطبيب فسقاه قارا أبيض، فجعل يقول: أتعجّلون لى القار فى الدنيا؟! ٨٢٨* ومات وقد قارب المائة. وقيل له فى مرضه الذى مات فيه: اذكر الله، فسكت طويلا ثم قال: إلى من تفزعون إذا حثوتم ... بأيديكم علىّ من التراب ومن هذا يقوم لكم مقامى ... إذا ما الرّيق غصّ بذى الشّراب فقالت له مولاة له: نفزع إلى الله، فقال: أخرجوا هذه من الوصيّة،

стр. 460

وكان قد أوصى لها بمائة درهم. ٨٢٩* قال أبو عمرو بن العلاء: كان الفرزدق يشبّه (من شعراء الجاهلية) بزهير. ٨٣٠* وأمّا النّوار امرأة الفرزدق فهى ابنة أعين بن ضبيعة المجاشعى، وكان علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه وجّه أباها إلى البصرة أيام الحكمين، فقتله الخوارج غيلة، فخطب النّوار رجل من قريش (وأهلها بالشأم) ، فبعثت إلى الفرزدق تسأله أن يكون وليّها إذ كان ابن عمّها، (وكان أقرب من هناك إليها) ، فقال: إنّ بالشأم من هو أقرب إليك منى، ولا آمن أن يقدم قادم منهم فينكر ذلك علىّ، فأشهدى أنك قد جعلت أمرك إلىّ، ففعلت، فخرج بالشهود وقال لهم: قد أشهدتكم أنّها قد جعلت أمرها إلىّ، وإنى أشهدكم أنى قد تزوّجتها على مائة ناقة حمراء سوداء الحدق، فذئرت من ذلك [١] ، واستعدت عليه، وخرجت إلى عبد الله بن الزّبير، والحجاز والعراق يومئذ إليه، وخرج الفرزدق، فأمّا النّوار فنزلت على خولة ابنة منظور بن زبّان الفزارىّ امرأة عبد الله ابن الزبير، فرقّقتها وسألتها الشفاعة لها، وأمّا الفرزدق فنزل على حمزة بن عبد الله بن الزبير، ومدحه، فوعده الشفاعة له، فتكلّمت خولة فى النّوار، وتكلّم حمزة فى الفرزدق، فأنجحت خولة (وخاب حمزة) ، وأمر عبد الله بن الزبير أن لا يقربها حتّى يصيرا إلى البصرة، فيحتكما إلى عامله، فخرج الفرزدق فقال: أمّا بنوه فلم تنجح شفاعتهم ... وشفّعت بنت منظور بن زبّانا ليس الشّفيع الذى يأتيك مؤتزرا ... مثل الشّفيع الذى يأتيك عريانا وماتت النّوار بالبصرة مطلّقة منه، وصلّى عليها الحسن البصرىّ ﵀.
следующие страницы →