٨١٥* وكان له إخوة، منهم هميم (بن غالب) ، وسمى الفرزدق باسمه وهو القائل:
لعمر أبيك فلا تكذبن ... لقد ذهب الخير إلا قليلا
وقد فتّن الناس فى دينهم ... وخلّى ابن عفّان شرّا طويلا
وإنما لقب بالفرزدق لغلظه وقصره، شبّه بالفتيتة التى تشربها النساء، وهى الفرزدقة [١] . وكنيته أبو فراس.
٨١٦* وكان للفرزدق أخ يقال له الأخطل أسنّ منه، وابنه محمد بن الأخطل (كان) توجّه مع الفرزدق إلى الشأم، فمات بها، ولا عقب له. ورثاه الفرزدق.
٨١٧* وأخته يقال لها جعثن، وكانت امرأة صدق. ونزل الفرزدق فى بنى منقر والحىّ خلوف، فجاءت أفعى إلى جارية من بنى منقر يقال لها ظمياء، فدخلت معها فى شعارها، فصرخت أمّها، وجاء الفرزدق فسكّنها، واحتال للأفعى حتّى انسابت، والتزم الجارية فانتهرته، فقال [٢] :
وأهون عيب المنقريّة أنّها ... شديد ببطن الحنظلىّ لصوقها
فلمّا بلغ منقر قوله أرسلوا رجلا يقال له عمران بن مرّة، وأمروه أن يعرض لجعثن أخت الفرزدق، فلما خرجت وثب فضرب بيده على نحرها، فصاحت، ومضى، فعيّر الفرزدق بذلك.
стр. 457
٨١٨* ومكث الفرزدق زمانا لا يولد له، فعيّرته امرأته النّوار بذلك فقال:
قالت: أراه واحدا لا أخا له ... يؤمله فى الوارثين الأباعد
لعلّك يوما أن ترينى كأنّما ... بنىّ حوالىّ الأسود الحوارد [١]
فإنّ تميما قبل أن يلد الحصى ... أقام زمانا وهو فى الناس واحد
فولد له بعد ذلك لبطة وسبطة وخبطة وركضة من النّوار [٢] ، وزمعة وليس لواحد من ولده عقب إلا من النساء.
٨١٩* (وأجاد فى قوله:
قالت: وكيف يميل مثلك للصّبى
البيتين) [٣] .
٨٢٠* وكان الفرزدق معنّا مفنّا [٤] ، يقول فى كلّ شىء، وسريع الجواب، فمرّ بقوم ولهم جنازة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مات أبو الخنساء صاحب البغال، فقال:
стр. 458
ليبك أبا الخنساء بغل وبغلة ... ومخلاة سوء قد أضيع شعيرها
ومجرفة مطروحة ومحسّة ... ومقرعة صفراء بال سيورها
٨٢١* (ومن إفراطه قوله:
وبوّأت قدرى
البيتين) [١] .
٨٢٢* وكان خلف بن خليفة ظريفا شاعرا راوية، وكان «أقطع» ، له أصابع من جلود، فمرّ بالفرزدق يوما فقال له: يا أبا فراس من الذى يقول:
هو القين وابن القين لا قين مثله ... لفطح المساحى أو لجدل الأداهم؟ [٢]
قال الفرزدق: يقوله الذى يقول:
هو اللصّ وابن اللّص لا لصّ مثله ... لنقب جدار أو لطرّ الدّراهم [٣]
٨٢٣* وأتى حفصا السّرّاج يشترى منه سرجا، فمرّت به امرأة جميلة وفى يده سرج ينظر إليه، فألقى السرج من يده وقال:
منع الحياة من الرّجال ونفعها ... حدق تقلّبها النّساء مراض
خرجت إليك ولم تكن خرّاجة ... فأصيب صدع فؤادك المنهاض
وكأنّ أفئدة الرّجال إذا رأوا ... حدق النّساء لنبلها الأغراض
٨٢٤* ورآه خالد بن صفوان يوما وكان يمازحه، فقال: يا أبا فراس ما أنت بالذى لمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ
[٤] ! قال: ولا أنت يا أبا صفوان بالذى قالت الفتاة فيه لأبيها:
стр. 459
يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
[١] .
٨٢٥* وجاء عنبسة بن معدان إلى باب بلال، فرأى الفرزدق وقد نعس، فحرّكه برجله وقال: بلغت النار يا أبا فراس؟! قال: نعم ورأيت أباك ينتظرك! ٨٢٦* ومرّ بيحيى بن الحضين بن المنذر الرقاشىّ، فقال له: يا أبا فراس هل لك فى جدى سمين ونبيذ زبيب جيد؟ فقال: وهل يأبى هذا إلا ابن المراغة! فانطلق به يحيى وبابن عمّ له، فأكلوا، ثم دعا بالشراب، فقال الفرزدق:
اسقنى صرفا يا غلام، فقال يحيى: أمّا أنا فلا أشرب صرفا ولا غيره، فقال الفرزدق:
اسقنى خمسا وخمسا ... وثلاثا واثنتين
من عقار كدم الجو ... ف يحرّ الكليتين
واصرف الكأس عن الم ... حروم يحيى بن حضين
واسق هذين ثلاثي ... ن يروحا مرحين
٨٢٧* وأصابته الدّبيلة [٢] ، فقدم به البصرة، وأتى بطبيب فسقاه قارا أبيض، فجعل يقول: أتعجّلون لى القار فى الدنيا؟! ٨٢٨* ومات وقد قارب المائة. وقيل له فى مرضه الذى مات فيه:
اذكر الله، فسكت طويلا ثم قال:
إلى من تفزعون إذا حثوتم ... بأيديكم علىّ من التراب
ومن هذا يقوم لكم مقامى ... إذا ما الرّيق غصّ بذى الشّراب
فقالت له مولاة له: نفزع إلى الله، فقال: أخرجوا هذه من الوصيّة،
стр. 460
وكان قد أوصى لها بمائة درهم.
٨٢٩* قال أبو عمرو بن العلاء: كان الفرزدق يشبّه (من شعراء الجاهلية) بزهير.
٨٣٠* وأمّا النّوار امرأة الفرزدق فهى ابنة أعين بن ضبيعة المجاشعى، وكان علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه وجّه أباها إلى البصرة أيام الحكمين، فقتله الخوارج غيلة، فخطب النّوار رجل من قريش (وأهلها بالشأم) ، فبعثت إلى الفرزدق تسأله أن يكون وليّها إذ كان ابن عمّها، (وكان أقرب من هناك إليها) ، فقال: إنّ بالشأم من هو أقرب إليك منى، ولا آمن أن يقدم قادم منهم فينكر ذلك علىّ، فأشهدى أنك قد جعلت أمرك إلىّ، ففعلت، فخرج بالشهود وقال لهم: قد أشهدتكم أنّها قد جعلت أمرها إلىّ، وإنى أشهدكم أنى قد تزوّجتها على مائة ناقة حمراء سوداء الحدق، فذئرت من ذلك [١] ، واستعدت عليه، وخرجت إلى عبد الله بن الزّبير، والحجاز والعراق يومئذ إليه، وخرج الفرزدق، فأمّا النّوار فنزلت على خولة ابنة منظور بن زبّان الفزارىّ امرأة عبد الله ابن الزبير، فرقّقتها وسألتها الشفاعة لها، وأمّا الفرزدق فنزل على حمزة بن عبد الله بن الزبير، ومدحه، فوعده الشفاعة له، فتكلّمت خولة فى النّوار، وتكلّم حمزة فى الفرزدق، فأنجحت خولة (وخاب حمزة) ، وأمر عبد الله بن الزبير أن لا يقربها حتّى يصيرا إلى البصرة، فيحتكما إلى عامله، فخرج الفرزدق فقال:
أمّا بنوه فلم تنجح شفاعتهم ... وشفّعت بنت منظور بن زبّانا
ليس الشّفيع الذى يأتيك مؤتزرا ... مثل الشّفيع الذى يأتيك عريانا
وماتت النّوار بالبصرة مطلّقة منه، وصلّى عليها الحسن البصرىّ ﵀.
стр. 461
٨٣١* قال أبو محمد: ولما هجا الفرزدق بنى منقر لسبب ظمياء، وهى عمّة اللّعين (الشاعر) المنقرى [١] ، فقال:
وأهون عيب المنقريّة أنّها ... شديد ببطن الحنظلى لصوقها [٢]
رأت منقرا سودا قصارا وأبصرت ... فتى دارميّا كالهلال يروقها
فما أنا هجت المنقريّة للصّبى ... ولكنّها استعصت عليها عروقها
استعدوا عليه زيادا، فهرب إلى المدينة وعليها سعيد بن العاصى، فأمّنه وأجاره وأظهر زياد أنّه لم يرد به سوءا، وأنّه لو أتاه لحباه وأكرمه، فبلغ ذلك الفرزدق فقال [٣] :
دعانى زياد للعطاء ولم أكن ... لأقربه ما ساق ذو حسب وفرا
وعند زياد لو يريد عطاءهم ... رجال كثير قد يرى بهم فقرا
وإنى لأخشى أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا
٨٣٢* وخال الفرزدق هو العلاء بن قرظة الضّبّىّ، وكان شاعرا، وكان الفرزدق يقول: إنما أتانى الشعر من قبل خالى، وخالى الذى يقول:
إذا ما الدّهّر جرّ على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا: أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
٨٣٣* وله يقول جرير:
كأن الفرزدق إذ يعوذ بخاله ... مثل الذّليل يعوذ تحت القرمل
стр. 462
والقرمل: شجر ضعيف، تقول العرب: ذليل عاذ بقرملة [١] .
٨٣٤* ولقى الفرزدق أبا هريرة، وقال له: يا فرزدق أراك صغير القدمين، فإن استطعت أن يكون لهما غدا مقام على الحوض فافعل [٢] ، وقال الفرزدق:
سمعت أبا هريرة يقول على منبر المدينة: الذبيح إسماعيل.
٨٣٥* وأنشد الفرزدق سليمان بن عبد الملك:
ثلاث واثنتان فهنّ خمس ... وسادسة تميل إلى شمامى
فبتن جنابتىّ مطرّحات ... وبتّ أفضّ أغلاق الختام
كأنّ مفالق الرّمان فيه ... وجمر غضى قعدن عليه حام
فقال له سليمان: أخللت بنفسك، أقررت عليها عندى بالزّنا، وأنا إمام، فلا بدّ لى من إقامة الحدّ عليك! قال: ومن أين أوجبته علىّ؟ قال: لقول الله : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ
قال الفرزدق: فإنّ كتاب الله يدروءه عنى، يقول الله ﵎: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ.
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
فأنا قلت ما لم أفعل.
٨٣٦* وأتى سليمان بأسرى من الروم، وعنده الفرزدق، فقال له: قم فاضرب أعناق هؤلاء، فاستعفاه من ذلك فلم يعفه، ودفع إليه سيفا كليلا،
стр. 463
فقام الفرزدق فضرب به عنق رجل منهم، فنبا السيف، فضحك سليمان وممن حوله، فقال الفرزدق:
ما يعجب الناس أن أضحكت خيرهم ... خليفة الله يستسقى به المطر
لم ينب سيفى من رعب ولا دهش ... عن الأسير، ولكن أخّر القدر
ولن يقدّم نفسا قبل ميتتها ... جمع اليدين ولا الصّمصامة الذّكر
وفى ذلك يقول جرير:
بسيف أبى رغوان قين مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك، وقالوا: محدث غير صارم
فأجابه الفرزدق:
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكّهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم [١]
وهل ضربة الرّومىّ جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أخا مثل دارم
٨٣٧* ودخل الفرزدق على يزيد بن المهلّب فى الحبس فقال:
أصبح فى قيدك السّماحة وال ... جود وحمل الدّيات والإفضال
فقال له: أتمدحنى وأنا على هذه الحال؟! قال: أصبتك رخيصا فأسلفتك.
٨٣٨* وممّا سبق إليه فأخذ منه أو سبق إليه فأخذه قوله:
ومنتكث عاللت بالسّوط رأسه ... وقد كفر اللّيل الخروق الخواليا [٢]
يعنى بالمنتكث بعيرا انتكث أى هزل، وقال الآخر فى وصف سوط:
ومنتكث عاللت ملتاثة به ... وقد حدر اللّيل النّسور العواليا [٣]
стр. 464
٨٣٩* وأخذ عليه قوله:
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلّف
وقد أكثر النحويّون فى الاحتيال لهذا البيت، ولم يأتوا فيه بشىء يرتضى [١] .
٨٤٠* وقوله:
وعندى حساما سيفه وحمائله
أراد حسام سيفه فثنّى، ومثله لقيس بن الخطيم يصف الدرع:
كأنّ قتيريها عيون الجنادب
أراد قتيرها، والقتير: مسامير الدرع، ومثله قول جرير:
لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقنى ... صوت الدّجاج وقرع بالنّواقيس
أراد دير الوليد، فثنّى، وهو دير مشهور بالشأم.
٨٤١* وعابه الأخطل بقوله:
أبنى غدانة إننى حرّرتكم ... ووهبتكم لعطيّة بن جعال
لولا عطيّة لاجتدعت أنوفكم ... من بين ألأم آنف وسبال
وقال: كيف يهبهم له وهو يهجوهم هذا الهجاء؟! وقال عطيّة بن جعال حين سمع هذا: ما أسرع ما رجع أخى فى عطيّته.
٨٤٢* (ومن جيّد الشعر قوله لجرير:
فإن تك كلبا من كليب فإننى ... من الدارميّين الطّوال الشّقاشق [٢]
هم الداخلون البيت لا تدخلونه ... على الملك، والحامون عند الحقائق
ونحن إذا عدّت معدّ قديمها ... مكان النّواصى من وجوه السّوابق
стр. 465
وقوله يهجوه:
ولو يرمى بلؤم بنى كليب
الأبيات) [١] .
٨٤٣* ومات الفرزدق قبل جرير [٢] ، فلما بلغ جريرا موته قال:
هلك الفرزدق بعدما جدّعته ... ليت الفرزدق كان عاش قليلا
ثم أطرق طويلا وبكى، فقيل له: يا أبا حزرة ما أبكاك؟ قال: بكيت لنفسى، إنّه والله قلّ ما كان اثنان مثلنا أو مصطحبان أو زوجان إلّا كان أمد ما بينهما قريبا، ثم أنشأ يقول مرثّيا له [٣] :
فجعنا بحمّال الدّيات ابن غالب ... وحامى تميم عرضها والبراجم
بكيناك حدثان الفراق، وإنّما ... بكيناك إذ نابت أمور العظائم
فلا حملت بعد ابن ليلى مهيرة ... ولا شدّ أنساع المطىّ الرّواسم [٤]
стр. 466
٨٧- الأخطل
٨٤٤* هو غياث بن غوث، من بنى تغلب، من فدوكس، ويكنى أبا مالك.
٨٤٥* وقال مسلمة بن عبد الملك: ثلاثة لا أسأل عنهم، أنا أعلم العرب بهم: الأخطل والفرزدق وجرير، فأمّا الأخطل فيجىء سابقا أبدا، وأمّا الفرزدق فيجىء (مرّة سابقا ومرّة) ثانيا، وأمّا جرير فيجىء سابقا مرّة وثانيا مرّة وسكّيتا [١] مرة.
٨٤٦* وكان (الأخطل) يشبّه (من شعراء الجاهلية) بالنابغة الذّبيانىّ.
٨٤٧* ودخل على عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين قد امتدحتك، فقال: إن كنت تشبّهنى بالحية والأسد فلا حاجة لى بشعرك! وإن كنت قلت مثل ما قالت أخت بنى الشريد، يعنى الخنساء، فهات، فقال:
وما بلغت كعب امرىء متطاول ... به المجد إلّا حيث ما نلت أطول
وما بلغ المهدون فى القول مدحة ... ولو أكثروا، إلّا الذى فيك أفضل
٨٤٨* وكان الأخطل يمدح بنى أمية، مدح معاوية ويزيد ومن بعدهم من خلفاء بنى مروان حتّى هلك.
٨٤٩* وقال أبو عبيدة: حدّثنى أبو حيّة النّميرىّ قال: حدّثنى الفرزدق قال: كنّا فى ضيافة معاوية ومعنا كعب بن جعيل التغلبىّ الشاعر، فقال له يزيد ابن معاوية: إنّ عبد الرحمن بن حسّان قد فضح عبد الرحمن بن الحكم وغلبه
стр. 467
وفضحنا، فاهج الأنصار، فقال له كعب: أرادّى أنت إلى الشّراك؟ أهجو قوما نصروا رسول الله ﷺ وآووه! ولكنى أدلّك على غلام منّا نصرانّى ما يبالى أن يهجوهم، كافر شاعر كأنّ لسانه لسان ثور! قال: ومن هو؟ قال: الأخطل، فدعاه وأمره بهجائهم، فقال: على أن تمنعنى منهم؟ قال: نعم، فقال شعرا فيه:
ذهبت قريش بالسّماحة والنّدى ... واللّؤم تحت عمائم الأنصار
فذروا المعالى لستم من أهّلها ... وخذوا مساحيكم بنى النّجّار [١]
فغضب النعمان بن بشير، ودخل على معاوية فوضع عمامته بين يديه، وقال: هل ترى لؤما؟ قال: بل أرى كرما وحسبا، (فما ذلك) ؟ فأنشده قول الأخطل واستوهبه لسانه، فوهبه له، فبلغ ذلك الأخطل، فعاذ بيزيد، فمنعه وصار إلى أبيه، فقال: يا أمير المؤمنين أتهب لسان من ردّ عنك وغضب لك؟! قال: ومن هجانا؟ قال: عبد الرحمن بن حسّان، وأنشده قوله فى رملة بنت معاوية:
(وهى زهراء مثل لؤلؤة ... الغوّاص ميزت من جوهر مكنون [٢]
قال: ما كذب يا بنى، فأنشده:
وإذا ما نسبتها لم تجدها ... فى سناء من المكارم دون
قال: قد صدق يا بنىّ، فأنشده) :
ثمّ خاصرتها إلى القبّة الخض ... راء تمشى فى مرمر مسنون
(فقال: أمّا فى هذا فقد أبطل) .
٨٥٠* ولما قتلت بنو تغلب عمير بن الحباب السلمىّ أنشد الأخطل عبد
стр. 468
الملك (بن مروان) ، والجحّاف السّلمىّ عنده، فى شعر له:
ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر
فخرج الجحّاف (من فوره ذلك) مغضبا حتّى أغار على البشر، وهو ماء لبنى تغلب، وقتل منهم ثلاثة وعشرين رجلا، وقال:
أبا مالك هل لمتنى مذ حضضتنى ... على القتل، أم هل لامنى لك لائم
متى تدعنى أخرى أجبك بمثلها ... وأنت امرؤ بالحق ليس بعالم [١]
فخرج الأخطل حتّى أتى عبد الملك بن مروان وقد قال:
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فإلّا تغيّرها قريش بملكها ... يكن عن قريش مستماز ومزحل [٢]
فقال له عبد الملك: إلى أين يا ابن اللّخناء؟! قال: إلى النار (يا أمير المؤمنين! قال: أما والله لو غيرها قلت لضربت عنقك.
٨٥١* ونزل الأخطل على سعيد بن بيان التغلبىّ، وكان سعيد رجلا دميما أعور ذا مال كثير، وكان سيّد بنى تغلب بالكوفة، وكانت تحته برّة بنت أبى هانى التغلبىّ، وكانت من أجمل النساء، فاحتفل له سعيد وأحسن صلته وأكرمه، فلمّا أخذت الكأس من الأخطل جعل ينظر إلى وجه برّة وجمالها وإلى دمامة زوجها وعوره! فتعجّب منها ومن صبرها عليه، فقال له سعيد: يا أبا مالك، أنت (رجل) تدخل على الخلفاء والملوك وتنظر إلى هيئتهم وتأكل من طعامهم وتشرب من شرابهم: فأين ترى هيئتنا من هيئتهم؟ وهل ترى عيبا تنبّهنا عليه؟!
стр. 469
فقال له الأخطل: ما لبيتك عيب غيرك! فقال له سعيد: أنا والله أحمق منك يا نصرانىّ حين أدخلتك منزلى، وطرده، فقال:
وكيف يداوينى الطّبيب من الجوى ... وبرّة عند الأعور ابن بيان
ويلصق بطنا منتن الرّيح مجرزا ... إلى بطن خود دائم الخفقان [١]
ينهّنهنى الأحراس عنها، وليتنى ... قطعت إليها اللّيل بالرّسفان [٢]
فهلّا زجرت الطّير إذ جاء خاطبا ... بضيقة بين النّجم والدّبران [٣]
٨٥٢* وممّا سبق إليه الأخطل فأخذ منه قوله:
قرم تعلّق أشناق الدّيات به ... إذا المؤون أمرّت فوقه حملا [٤]
стр. 470
أخذه الكميت فقال:
كأنّ الدّيات إذا علّقت ... مؤوها به الشّنق الأسفل
وأشناق الديات: أصنافها من الحقاق والجذاع وأشباهها.
٨٥٣* وقال الأخطل:
أجرير إنّك والذى تسموا له ... كأسيفة فخرت بحدج حصان [١]
أخذه الطّرمّاح فقال:
كفخر الإماء الرّائحات عشيّة ... برقم حدوج الحىّ لمّا استقلّت
٨٥٤* ومما أخذ عليه قوله فى عبد الملك بن مروان:
وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبيض لا عارى الخوان ولا جدب
وهذا مما لا يجوز أن يمدح به خليفة، ويجوز أن يمدح به غيره، كقول الآخر:
إلى امرئ لا تخطّاه الرّفاق ولا ... جدب الخوان إذا ما استنشئ المرق
٨٥٥* وأخذ عليه قوله فى رجل من بنى أسد أجاره [٢] :
نعم المجير سماك من بنى أسد ... بالطّفّ إذ قتلت جيرانها مضر [٣]
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فاليوم طيّر عن أثوابه الشّرر
وكان يقال لرهطه القيون، وقال الأخطل: فلمّا أجارنى وأحسن إلىّ طار
стр. 471
الشّرر عن أثوابه، أى: بطل هذا اللقب. وهذا مدح كالهجاء [١] .
٨٥٦* وقوله لسويد بن منجوف يهجوه:
وما جذع سوء خرّب السّوس وسطه ... لما حمّلته وائل بمطيق
فقال سويد: هجوتنى بزعمك فمدحتنى، لأنّك جعلت وائلا حمّلتنى أمرها، وما طمعت فى بنى تغلب منها [٢] .
٨٥٧* وممّا يستجاد من شعر جرير والفرزدق والأخطل:
قوله جرير لأبيه أو جدّه [٣] :
فأنت أبى لم تكن لى حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أباليا
وإنى لمغرور أعلّل بالمنى ... ليالى أرجو أنّ مالك ماليا
بأىّ نجاد تحمل السّيف بعدما ... قطعت قوى من محتمل كان باقيا
بأىّ سنان تطعن القوم بعدما ... نزعت سنانا من قناتك ماضيا
ألم أك نارا يصطليها عدوّكم ... وحرزا لما ألجأتم من ورائيا
وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شرّ عنكم بشماليا
стр. 472
ألا لا تخافا نبوتى فى ملمّة ... وخافا المنايا أن تفوتكما بيا [١]
٨٥٨* وقوله [٢] :
يا أخت ناجية السّلام عليكم ... قبل الرّحيل وقبل لوم العذّل
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم ... يوم الرّحيل فعلت مالم أفعل
أو كنت أعلم وشك بين عاجل ... لقنعت أو لسألت مالم أسأل
٨٥٩* وقدم جرير المدينة فأتاه الشعراء وغيرهم، وأتاه أشعب فيهم، فسلّموا عليه وحادثوه ساعة، ثم خرجوا وبقى أشعب، فقال جرير له: أراك قبيح الوجه وأراك لئيم الحسب! ففيم قعودك وقد خرج الناس؟ فقال له أشعب:
إنه لم يدخل عليك أحد هو أنفع لك منّى! قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنى آخذ رقيق شعرك فأزيّنه بحسن صوتى، فقال له جرير: فقل فاندفع أشعب يتغنّى:
يا أخت ناجية السلام عليكم
فاستخفّ جريرا الطرب لغنائه بشعره، حتّى زحف إليه فاعتنقه، وسأله عن حوائجه، فأخبره فقضاها.
٨٦٠* وقوله فى الفرزدق [٣] :
لقد ولدت أمّ الفرزدق فاجرا ... فجاءت بوزواز قصير القوائم [٤]
стр. 473
وما كان جار للفرزدق مسلم ... ليأمن قردا ليله غير نائم
يوصّل حبليه إذا جنّ ليله ... ليرقى إلى جاراته بالسّلالم
أتيت حدود الله مذ أنت يافع ... وشبت فما ينهاك شيب اللهازم [١]
تتبّع فى الماخور كلّ مريبة ... ولست بأهل المحصنات الكرائم
هو الرّجس يا أهل المدينة فاحذروا ... مداخل رجس بالخبيثات عالم
لقد كان إخراج الفرزدق عنكم ... طهورا لما بين المصلّى وواقم [٢]
وقد كان عمر بن عبد العزير رحمه حين بلغه فجور الفرزدق نفاه عن المدينة.
تدلّيت تزنى من ثمانين قامة ... وقصّرت عن باع العلى والمكارم
٨٦١* أراد قول الفرزدق [٣] :
هما دلّتانى من ثمانين قامة ... كما انقضّ باز أقتم الرّيش كاسره
فلمّا استوت رجلاى فى الأرض قالتا ... أحىّ يرجّى أم قتيل نحاذره
فقلت: ارفعا الأسباب لا يشعروا بنا ... وأقبلت فى أعجاز ليل أبادره
أبادر بوّابين قد وكّلا بنا ... وأحمر من ساج تبصّ مسامره [٤]
٨٦٢* ومن جيّد شعر جرير مرثيته أمّ حزرة امرأته، وكان جرير يسمّيها
стр. 474
الجوساء، لذهابها فى البلاد، وأوّلها [١] :
لولا الحياء لعادنى استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار
ولّهت قلبى إذ علتنى كبرة ... وذوو التّمائم من بنيك صغار
لا يلبث الأحباب أن يتفرّقوا ... ليل يكرّ عليهم ونهار [٢]
صلّى الملائكة الذين تخيّروا ... والطّيّبون عليك والأبرار
(فلقد أراك كسيت أحسن منظر ... ومع الجمال سكينة ووقار)
كانت إذا هجر الحبيب فراشها ... خزن الحديث وعفّت الأسرار [٣]
٨٦٣* وقوله [٤] :
كيف العزاء ولم أجد مذ بنتم ... قلبا يقرّ ولا شرابا ينقع [٥]
стр. 475
ولقد صدقتك فى الهوى وكذبتنى ... وخلفتنى بمواعد لا تنفع [١]
حيّوا الدّيار وسائلوا أطلالها ... هل ترجع الخبر الدّيار البلقع
ولقد حبست لك المطىّ فلم يكن ... إلا السّلام ووكف عين تدمع
بان الشّباب حميدة أيّامه ... لو أنّ ذلك يشترى أو يرجع
رجف العظام من البلى وتقادمت ... سنّى وفىّ لمصلح مستمتع
وفيها يقول:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع [٢]
٨٦٤* وممّا يختار للفرزدق قوله يهجو بنى كليب:
ولو ترمى بلؤم بنى كليب ... نجوم اللّيل ما وضحت لسارى
ولو لبس النّهار بنو كليب ... لدنّس لؤمهم وضح النّهار
وما يغدو عزيز بنى كليب ... ليطلب حاجة إلا بجار
٨٦٥* ومن إفراط الفرزدق قوله فى العذافر بن زيد:
لعمرك ما الأرزاق حين اكتيالها ... بأكثر خيرا من خوان العذافر
ولو ضافه الدّجّال يلتمس القرى ... وحلّ على خبّازه بالعساكر
بعدّة ياجوج وما جوج كلّهم ... لأشبعهم يوما غداء العذافر
стр. 476
وقال بعض أهل الأدب: هذا الطعام اتّخذ فى قدر القائل:
بوّأت قدرى موضعا فوضعتها ... برابية من بين ميث وأجرع [١]
جعلت لها هضب الرّجام وطخفة ... وغولا أثافى قدرنا لم تنزّع [٢]
بقدر كأنّ اللّيل شحنة قعرها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يقطّع
٨٦٦* ويختار للفرزدق قوله [٣] :
وتقول: كيف يميل مثلك للصّبا ... وعليك من سمة الكبير عذار
والشّيب ينهض فى الشّباب كأنّه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
٨٦٧* وقوله:
تباريق شيب فى السّواد لوامع ... وما خير ليل ليس فيه نجوم
٨٦٨* ويختار للأخطل قوله فى سكران [٤] :
صريع مدام يرفع الشّرب رأسه ... ليحيا وقد ماتت عظام ومفصل
стр. 477
نهاديه أحيانا وحينا نجرّه ... وما كاد إلا بالحشاشة يعقل [١]
إذا رفعوا صدرا تحامل صدره ... وآخر ممّا نال منها محمّل [٢]
٨٦٩* وقوله فى الزّقاق [٣] :
أناخوا فجرّو شاصيات كأنّها ... رجال من السّودان لم يتسربلوا [٤]
فقلت: اصبحونى لا أبا لأبيكم ... وما وضعوا الأثقال إلا ليفعلوا [٥]
يدبّ دبيبا فى العظام كأنّه ... دبيب نمال فى نقا يتهيّل [٦]
٨٧٠* ويختار له قوله أيضا [٧] :
يا قلّ خير الغوانى كيف رغن به ... فشربه وشل فيهنّ تصريد [٨]
أعرضن من شمط بالرأس لاح به ... فهنّ منى إذا أبصرننى حيد [٩]
قد كنّ يعهدن منّى مضحكا حسنا ... ومفرقا حسرت عنه العناقيد
فهنّ يشدون منّى بعض معرفة ... هنّ بالوصل لا بخل ولا جود [١٠]
هل الشّباب الذى قد فات مردود ... أم هل دواء يردّ الشّيب موجود [١١]
стр. 478
لن يرجع الشيب شبّانا ولن يجدوا ... عدل الشّباب لهم ما أورق العود
[إنّ الشباب لمحمود بشاشته ... والشّيب منصرف عنه ومصدود] [١]
٨٧١* وقوله [٢] :
لقد لبست لهذا الدّهر أعصره ... حتّى تجلّل رأسى الشّيب واشتعلا
فبان منى شبابى بعد لذّته ... كأنّما كان ضيفا نازلا رحلا
٨٧٢* وقوله فى بنى أميّة [٣] :
حشد على الحقّ عيّافو الخنا أنف ... إذا ألمّت بهم مكروهة صبروا
شمس العداوة حتّى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
٨٧٣* (ويستجاد للأخطل قوله [٤] :
ولقد غدوت على التّجار بمسمح ... هرّت عواذله هرير الأكلب [٥]
لذّ يقبّله النّعيم كأنّما ... مسحت ترائبه بماء مذهب [٦]
لبّاس أردية الملوك تروقه ... من كلّ مرتقب عيون الرّبرب [٧]
ينظرن من خلل السّتور إذا بدا ... نظر الهجان إلى الفنيق المصعب [٨]
стр. 479
خضل الكياس إذا تثنّى لم يكن ... خلفا مواعده كبرق خلّب [١]
وإذا تعوّرت الزّجاجة لم يكن ... عند الشّروب بعابس متقطّب) [٢]
٨٧٤* وممّا سبق إليه الأخطل قوله [٣] :
وإذا دعونك عمّهنّ فإنّه ... نسب يزيدك عندهنّ خبالا
وقال القطامىّ:
وإذا دعونك عمّهنّ فلا تجب ... فهناك لا يجد الصّفاء مكانا
نسب يزيدك عندهنّ حقارة ... وعلى ذوات شبابهنّ هوانا
٨٧٥* (وقوله لزفر بن عمرو من هوازن [٤] :
لعمر أبيك يا زفر بن عمرو ... لقد نجّاك جدّ بنى معاز
وركضك غير ملتفت إليها ... كأنّك ممسك بجناح بازى
لعمر أبى هوازن ما جزعنا ... ولا همّ الظّعائن بانحياز
ظعائننا غداة غدت علينا ... ونعمت ساعة السّيف الجراز [٥]
ولاقى ابن الحباب لنا حميّا ... كفته كلّ راقية وحاز [٦]
стр. 480
وكان بنا يحلّ ولا يعانى ... ويرعى كلّ رمل أو عزاز [١]
فلمّا أن سمنت وكنت عبدا ... نزت بك يابن صمعاء النّوازى
عمدت إلى ربيعة تعتريها ... بمثل القمل من أهل الحجاز
فنعم ذوو الجناية كان قومى ... لقومك لو جزى بالخير جازى)
стр. 481
٨٨- البعيث [١]
٨٧٦* هو خداش بن بشر، من بنى مجاشع، من ولد خالد بن بيبة. وأمّه أصبهانية يقال لها مردة أو وردة.
وإنما لقّب بالبعيث بقوله:
تبعّث منّى ما تبعّث بعد ما ... أمرّت قواى واستمرّ عزيمى [٢]
أراد أنّه قال الشعر بعد ما أسنّ وكبر. ويكنى أبا مالك [٣] . وكان البعيث أخطب بنى تميم إذا أخذ القناة. وله عقب بالبادية. وكان يهاجى جريرا.
٨٧٧* وقال أبو عبيدة: سألت بعض بنى كليب فقلت: ما أشدّ ما هجيتم به؟ قال: قول البعيث:
ألست كليبّا إذا سيم خطّة ... أقرّ كإقرار الحليلة للبعل
وكلّ كليبىّ صحيفة وجهه ... أذلّ لأقدام الرجال من النّعل
وكلّ كليبىّ يسوق أتانه ... له حاجة من حيث تثفر بالحبل
سواسية سود الوجوه كأنّهم ... ظرابىّ غربان بمجرودة محل [٤]
стр. 482
٨٧٨* وكان للبعيث أولاد: منهم مالك وبكر، وخرجا مع أبيهما إلى المدينة، فأرسلهما يرعيان عليه الإبل، فمرض مالك، فأرسل بكرا إلى أبيه ليقدم عليه، فقدم فوجده قد مات، فقال:
أرسل بكرا مالك يستحثّنا ... يحاذر من ريب المنون فلم يئل
أمالك مهما يقضه الله تلقه ... وإن حان ريث من رفيقك أو عجل
стр. 483
٨٩- اللعين (المنقرى) [١]
٨٧٩* هو منازل بن ربيعة [٢] من بنى منقر، ويكنى أبا أكيدر. وعمّته ظمياء التى ذكرها الفرزدق فاستعدت عليه بنو منقر، فهرب من زياد إلى المدينة.
٨٨٠* وقيل له: اقض بين الفرزدق وجرير، فقال [٣] :
سأقضى بين كلب بنى كليب ... وبين القين قين بنى عقال
فإنّ الكلب مطعمه خبيث ... وإنّ القين يعمل فى سفال [٤]
فلا بقيا علىّ تركتمانى ... ولكن خفتما صرد النّبال [٥]
يقال صرد السهم: إذا نفذ.
٨٨١* وكان الّلعين هجّاء للأضياف، وهو القائل فى ضيف نزل به:
وأبغض الضّيف ما بى جلّ مأكله ... إلا تنفّجه حولى إذا قعدا [٦]
ما زال ينفج كتفيه وحبوته ... حتى أقول لعلّ الضّيف قد ولدا
стр. 484
٩٠- الصلتان العبدى [١]
٨٨٢* هو قثم بن خبيئة، من عبد القيس.
٨٨٣* واجتمع إليه فى الحكم بين الفرزدق وجرير، فقال [٢] :
أنا الصّلتانىّ الذى قد علمتم ... متى ما يحكّم فهو بالحقّ صادع
أتتنى تميم حين هابت قضاتها ... وإنى لبالفصل المبيّن قاطع
كما أنفذ الأعشى قضيّة عامر ... وما لتميم فى قضائى رواجع
ولم يرجع الأعشى قضيّة جعفر ... وليس لحكمى آخر الدّهر راجع
سأقضى قضاء بينهم غير جائر ... فهل أنت للحكم المبيّن سامع
قضاء امرئ لا يتّقى الشّتم منهم ... وليس له فى المدح منهم منافع
[قضاء امرئ لا يرتشى فى حكومة ... إذا مال بالقاضى الرّشا والمطامع] [٣]
فإن كنتما حكّمتمانى فأنصتا ... ولا تجزعا، وليرض بالحقّ قانع
فإن ترضيا أو تجزعا لا أقلكما ... وللحقّ بين الناس راض وجازع
فأقسم لا آلو عن الحقّ بينهم ... فإن أنا لم أعدل فقل أنت ضالع
فإن يك بحر الحنظليّين واحدا ... فما تستوى حيتانه والضّفادع [٤]
стр. 485
وما يستوى صدر القناة وزجّها ... وما يستوى شمّ الذّرى والأكارع [١]
وليس الذّنابى كالقدامى وريشه ... وما تستوى فى الكفّ منك الأصابع
ألا إنّما تحظى كليب بشعرها ... وبالمجد تحظى دارم والأقارع [٢]
[ومنهم رؤوس يهتدى بصدورها ... والاذناب قدما للرؤوس توابع] [٣]
أرى الخطفى بذّ الفرزدق شعره ... ولكنّ خيرا من كليب مجاشع
فيا شاعرا لا شاعر اليوم مثله ... جرير، ولكن فى كليب تواضع [٤]
جرير أشدّ الشاعرين شكيمة ... ولكن علته الباذخات الفوارع
ويرفع من شعر الفرزدق أنّه ... له باذخ لذى الخسيسة رافع
وقد يحمد السّيف الدّدان بجفنه ... وتلقاه رثّا غمده وهو قاطع [٥]
يناشدنى النّصر الفرزدق بعدما ... ألحّت عليه من جرير صواقع
فقلت له: إنى ونصرك كالذى ... يثبّت أنفا كشّمته الجوادع [٦]
ضو قالت كليب: قد شرفنا عليكم ... فقلت لها: سدّت عليك المطالع
٨٨٤* وقال جرير للصّلتان:
أقول ولم أملك سوابق عبرة ... متى كان حكم الله فى كرب النّخل [٧]
стр. 486
٨٨٥* والصّلتان هو القائل [١] :
أشاب الصّغير وأفنى الكبي ... ر كرّ اللّيالى ومرّ العشى
إذا هرّمت ليلة يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتى
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضى
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقى
إذا قلت يوما لمن قد ترى: ... أرونى السّرىّ أروك الغنى
[ألم تر لقمان أوصى بنيه ... وأوصيت عمرا ونعم الوصى]
[بنىّ بدا خبء نجوى الرجال ... فكن عند سرّك خبء النّجى] [٢]
وسرّك ما كان عند امرئ ... وسرّ الثّلاثة غير الخفى
[فكن كابن ليل على أسود ... إذا ما سواد بليل خشى] [٣]
[فكلّ سواد وإن هبته ... من الليل يخشى كما تختشى]
[أرد محكم الشّعر إن قلته ... فإنّ الكلام كثير الرّوى]
[كما الصّمت أدنى لبعض اللّسا ... ن، وبعض التكلّم أدنى لعى]
стр. 487
٩١- كثير [١]
٨٨٦* هو كثيّر بن عبد الرحمن بن أبى جمعة، من خزاعة، وكان رافضيّا.
وقال لمّا حضرته الوفاة:
برئت إلى الإله من ابن أروى ... ومن دين الخوارج أجمعينا
ومن عمر برئت ومن عتيق ... غداة دعى أمير المؤمنينا
ثم خرجت نفسه كأنّها حصاة وقعت فى ماء. وكانت وفاته ووفاة عكرمة مولى ابن عباس فى يوم واحد. ويكنى أبا صخر.
٨٨٧* وكان محمّقا، ودخل يوما على يزيد بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين ما يعنى الشمّاخ بقوله:
إذا الأرطى توسّد أبرديه ... خدود جوازئ بالرّمل عين! [٢]
فقال يزيد: وما يضرّنى ألّا أعرف ما عنى هذا الأعرابىّ الجلف! واستحمقه
стр. 488
وأمر بإخراجه.
٨٨٨* قال حماد الراوية [١] : قال لى كثيّر: ألا أخبرك عما دعانى إلى ترك الشعر؟ قلت: تخبرنى، قال: شخصت أنا والأحوص ونصيب إلى عمر ابن عبد العزيز ﵀، وكلّ واحد منّا يدلّ عليه بسابقة له وإخاء، ونحن لا نشكّ أنه يشركنا [٢] فى خلافته، فلما رفعت لنا أعلام خناصرة [٣] لقينا مسلمة ابن عبد الملك (جائيا من عنده) ، وهو يومئذ فتى العرب، فسلّمنا (عليه) فردّ (علينا السلام) ، ثم قال: أما بلغكم أنّ إمامكم لا يقبل الشعر؟ قلنا: ما وضح لنا خبر حتّى انتهينا إليك [٤] ، ووجمنا وجمة عرف ذلك فينا، فقال: إن يك ذو دين بنى مروان ولى وخشيتم حرمانه فإنّ ذا دنياها قد بقى، ولكم عندى ما تحبّون، وما ألبث حتى أرجع إليكم فأمنحكم ما أنتم أهله، فلما قدم كانت رحالنا عنده، فأكرم منزل [٥] وأفضل منزول به، فأقمنا عنده أربعة أشهر يطلب لنا الإذن هو وغيره، فلم يؤذن لنا، إلى أن قلت فى جمعة من تلك الجمع: لو أنى دنوت من عمر فسمعت كلامه فتحفّظته كان ذلك رأيا، ففعلت، فكان ما حفظت من قوله يومئذ: لكلّ سفر زاد لا محالة، فتزوّدوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة التّقوى، وكونوا كمن عاين ما أعدّ الله له من ثوابه وعقابه فترغبوا وترهبوا، ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوّكم، فى كلام كثير، ثم قال: أعوذ بالله أنّ آمركم بما أنهى عنه نفسى فتخسر صفقتى وتظهر
стр. 489
عيلتى وتبدو مسكنتى، فى يوم لا ينفع فيه إلا الحقّ والصدق، ثم بكى حتّى ظننّا أنه قاض نحبه، وارتجّ المسجد وما حوله بالبكاء والعويل، وانصرفت إلى صاحبىّ فقلت لهما: خذا فى شرج من الشعر [١] غير ما كنّا نقوله لعمر وآبائه، فإنّ الرجل أخروىّ ليس بدنيوىّ، إلى أن استأذن لنا مسلمة فى يوم جمعة، (فأذن لنا) بعد ما أذن للعامّة، فلمّا دخلت عليه سلّمت، ثم قلت: يا أمير المؤمنين، طال الثّواء، وقلّت الفائدة، وتحدّثت بجفائك إيّانا وفود العرب، فقال: يا كثيّر، إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ
[٢] أفى واحد من هؤلاء أنت؟ فقلت:
ابن السبيل منقطع به، وأنا ضاحك، قال: أولست ضيف أبى سعيد؟ قلت:
بلى، قال: ما أرى من كان ضيفه منقطعا به.
ثم قلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لى فى الإنشاد، قال: نعم ولا تقل إلا حقّا، فأنشدت:
[تكلّمت بالحقّ المبين وإنّما ... تبيّن آيات الهدى بالتكلّم] [٣]
[وأظهرت نور الحقّ فاشتدّ نوره ... على كل لبس بارق الحقّ مظلم]
[وعاقبت فيما قد تقدّمت قبله ... وأعرضت عمّا كان قبل التقدم]
وليت فلم تشتم عليّا ولم تخف ... بريّا، ولم تقبل إشارة مجرم
وصدّقت بالفعل المقال مع الذى ... أتيت، فأمسى راضيا كلّ مسلم
ألا إنّما يكفى الفتى بعد زيغه ... من الأود البادى ثقاف المقوّم [٤]
стр. 490
وقد لبست لبس الهلوك ثيابها ... تراءى لك الدّنيا بكفّ ومعصم [١]
وتومض أحيانا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظّم
فأعرضت عنها مشمئزّا كأنّما ... سقتك مدوفا من سمام وعلقم [٢]
وقد كنت من أجبالها فى ممنّع ... ومن بحرها فى مزبد الموج مفعم [٣]
وما زلت توّاقا إلى كلّ غاية ... بلغت بها أعلى البناء المقدّم
فلمّا أتاك الملك عفوا ولم يكن ... لطالب دنيا بعده من تكلّم
تركت الذى يفنى وإن كان مونقا ... وآثرت ما يبقى برأى مصمّم
وأضررت بالفانى وثمّرت للّذى ... أمامك فى يوم من الشّرّ مظلم
سما لك همّ فى الفؤاد مؤرّق ... بلغت به أعلى المعالى بسلّم
فما بين شرق الأرض والغرب كلّها ... مناد ينادى من فصيح وأعجم
يقول: أمير المؤمنين ظلمتنى ... بأخذ لدينار ولا أخذ درهم
ولا بسط كفّ لامرئ غير مجرم ... ولا السّفك منه ظالما ملء محجم
ولو يستطيع المسلمون تقسّموا ... لك الشّطر من أعمارهم غير ندّم
فأربح بها من صفقة لمبايع ... وأعظم بها أعظم بها ثمّ أعظم
فأقبل علىّ ثم قال: يا كثيّر، إنّك تساءل عما قلت.
ثم تقدّم الأحوص فاستأذنه فى الإنشاد، فقال: قل ولا تقل إلا حقّا، فأنشده:
وما الشّعر إلا خطبة من مؤلّف ... لمنطق حقّ أو لمنطق باطل
فلا تقبلن إلّا الذى وافق الرّضا ... ولا ترجعنّا كالنّساء الأرامل
стр. 491
رأيناك لم تعدل عن الحقّ يمنة ... ولا يسرة فعل الظّلوم المخاتل
ولكن أخذت القصد جهدك كلّه ... تقدّ مثال الصالحين الأوائل
فقلنا، ولم نكذب، بما قد بدا لنا ... ومن ذا يردّ الحقّ من قول قائل
ومن ذا يردّ السّهّم بعد مضائه ... على فوقه إذ عار من نزع نابل [١]
ولولا الذى قد عوّدتنا خلائف ... غطاريف كانوا كاللّيوث البواسل
لما وخدت شهرا برحلى رسلة ... تقدّ متان البيد بين الرّواحل [٢]
ولكن رجونا منك مثل الّذى به ... صرفنا قديما من ذويك الأوائل [٣]
فإن لم يكن للشّعر عندك موضع ... وإن كان مثل الدرّ فى فتل فاتل
فإنّ لنا قربى ومحض مودّة ... وميراث آباء مشوا بالمناصل
وذادوا عدوّ السّلم عن عقر دارهم ... وأرسوا عمود الدّين بعد التّمايل [٤]
وقبلك ما أعطى هنيدة جلّة ... على الشّعر كعبا من سديس وبازل
رسول الإله المستضاء بنوره ... عليه سلام بالضحى والأصائل [٥]
فكلّ الذى عدّدت يكفيك بعضه ... وقلّك خير من بحور سوائل [٦]
فقال له عمر: إنّك (يا أحوص) تسأل عمّا قلت.
وتقدّم نصيب فاستأذنه فى الإنشاد فلم يأذن له، وأمره بالغزو إلى دابق [٧] ،
стр. 492
فخرج وهو محموم، وأمر لى بثلاثمائة درهم وللأحوص بمثلها، وأمر لنصيب بمائة وخمسين درهما.
٨٨٩* وكان كثيّر أحد عشّاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته عزّة، وإليها ينسب، وهى من ضمرة.
٨٩٠* ولقيته امرأة فى بعض الطريق [١] ، فقالت: أأنت كثيّر؟ قال:
نعم، قالت: والله لقد رأيتك فما أخذتك عينى! قال: وأنا والله لقد رأيتك فأقذيت عينى! قالت: والله لقد سفّل الله بك إذ جعلك لا تعرف إلّا بامرأة، قال: ما سفّل الله بى، ولكن رفع بها ذكرى، واستنار بها أمرى، واستحكم بها شعرى، وهى كما قلت:
وإنى لأسمو بالوصال إلى التى ... يكون شفاء ذكرها وازديارها
إذا أخفيت كانت لعينك قرّة ... وإن بحت يوما لم يعمّك عارها
فقالت: مرّ فى قصيدتك، فمرّ فيها، فلمّا بلغ:
وما روضة بالحزن طيّبة الثّرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها [٢]
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... إذا أوقدت بالمجمر اللّدن نارها
قالت: كان امرؤ القيس أحسن نعتا لصاحبته حيث يقول:
ألم تريانى كلّما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
٨٩١* وبعثت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله إلى كثيّر، فقالت له: يا ابن أبى جمعة ما الذى يدعوك إلى ما تقول من الشعر فى عزّة وليست على ما
стр. 493
من الحسن والجمال، لو شئت صرفت ذاك إلى غيرها ممّن هو أولى به (منها) أنا أو مثلى، فأنا أشرف وأوصل من عزّة، وإنّما جرّبته (بذلك) ، فقال:
إذا ما أرادت خلّة أن تزيلنا ... أبينا وقلنا: الحاجبيّة أوّل [١]
سنوليك عرفا إن أردت وصالنا ... ونحن لتلك الحاجبيّة أوصل
لها مهل لا يستطاع دراكه ... وسابقة فى الحبّ ما تتحوّل [٢]
فقالت عائشة: والله لقد سمّيتنى لك خلّة وما أنا لك بخلّة، وعرضت علىّ وصلك [٣] وما أريد ذلك وإن أردت، ألّا قلت كما قال جميل:
ويقلن: إنّك قد رضيت بباطل ... منها فهل لك فى اعتزال الباطل
ولباطل ممّن أحبّ حديثه ... أشهى إلىّ من البغيض الباذل
ولربّ عارضة علينا وصلها ... بالجدّ تخلطه بقول الهازل
فأجبتها فى الحبّ بعد تستّر ... حبّى بثينة عن وصالك شاغلى [٤]
(لو كان فى قلبى كقدر قلامة ... حبّ وصلتك أو أتتك رسائلى) [٥]
٨٩٢* ودخل كثيّر على عبد الملك بن مروان [٦] ، فقال له: نشدتك بحقّ على بن أبى طالب هل رأيت قطّ أحدا أعشق منك؟ قال: يا أمير المؤمنين، لو نشدتنى بحقّك أخبرتك، فقال: نشدتك بحقّى إلّا أخبرتنى؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، بينا أنا أسير فى بعض الفلوات فإذا أنا برجل قد نصب حبالة،
стр. 494
فقلت له: ما أجلسك ههنا؟ قال: أهلكنى وأهلى الجوع فنصبت حبالتى هذه لأصيب لهم ولنفسى ما يكفينا ويعصمنا يومنا هذا، قلت: أرأيت إن أقمت معك فأصبت صيدا أتجعل لى منه جزءا؟ قال: نعم، فبينا نحن كذلك وقعت فيها ظبية، فخرجنا نبتدر، فبدرنى إليها فحلّها وأطلقها، فقلت: ما حملك على هذا؟ قال: دخلتنى لها رقّة لشبهها بليلى! وأنشأ يقول:
أيا شبه ليلى لا تراعى فإنّنى ... لك اليوم من وحشيّة لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثاقها: ... فأنت لليلى، إن شكرت، عتيق [١]
وقال ابن الكلبىّ وابن دأب: لمّا حلّها قال:
اذهبى فى كلاءة الرّحمن ... أنت منى فى ذمّة وأمان
لا تخافى بأن تهاجى بسوء ... ما تغنّى الحمام فى الأغصان
ترهبينى والجيد منك لليلى ... والحشا والبغام والعينان
٨٩٣* ودخلت عزّة على أمّ البنين فقالت لها أمّ البنين [٢] : أرأيت قول كثيّر:
قضى كلّ ذى دين فوفّى غريمه ... وعزّة ممطول معنّى غريمها
ما كان ذلك الدّين؟ قالت: وعدته بقبلة فتحرّجت منها، فقالت أمّ البنين:
أنجزيها وعلىّ إثمها.
٨٩٤* قال السائب رواية كثيّر [٣] : خرجت مع كثيّر وهو يريد عبد العزيز
стр. 495
ابن مروان، فمررنا بالماء الذى عليه عزّة، فسلّمنا جميعا على أهل الخباء، فقالت عزّة: عليك يا سائب السلام، ثم أقبلت على كثيّر فقالت: ألا تتّقى الله، أرأيت قولك:
بآية ما أتيتك أمّ عمرو ... فقمت بحاجتى والبيت خالى
ويحك خلوت معك فى بيت قطّ!! فقال: لم أقله ولكنّى الذى يقول:
فأقسم لو أتيت البحر يوما ... لأشرب ما سقتنى من بلال
وأقسم أنّ حبّك أمّ عمرو ... لدى جنبى ومنقطع السّعال
قالت: أمّا هذا فعسى. قال السائب: فأتينا عبد العزيز بن مروان فانصرفنا ومررنا بهم، فقال كثير: السلام عليك يا عزّة، فقالت: عليك السلام يا جمل، فقال كثيّر:
حيّتك عزّة بعد الوصل وانصرفت ... فحىّ ويحك من حيّاك يا جمل
لو كنت حيّيتها ما زلت ذا مقة ... عندى وما مسّك الإدلاج والعمل [١]
ليت التّحيّة كانت لى فأجعلها ... مكان يا جملا حيّيت يا رجل [٢]
٨٩٥* وخرج كثيّر إلى مصر وعزّة بالمدينة، فاشتاق إليها، فقام إلى بغلة له فأسرجها، وتوجّه نحو المدينة لم يعلم به أحد، فبينا هو يسير فى التّيه بمكان يقال له فيفاء خريم [٣] ، إذا هو بعير قد أقبلت (من ناحية المدينة) ، فى أوائلها محامل فيها نسوة، وكثيّر متلثّم بعمامة له، وفى النسوة عزّة، فلمّا نظرت إليه