← Адаб

Адаб · id 23785

الشعر والشعراء

ابن قتيبة

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

٩٧- أيمن بن خريم [١] ٩٥٤* هو أيمن بن خريم بن فاتك [٢] ، من بنى أسد. وكان أبوه قد صحب النبىّ ﷺ وروى عنه أحاديث [٣] ، وكان به برص، وكان أثيرا عند عبد العزيز بن مروان [٤] ، فعتب عليه أيمن يوما فقال له: أنت طرف ملولة [٥] ! فقال له: أنا ملولة وأنا أؤاكلك!! فلحق ببشر بن مروان فأكرمه واختصّه، ولم يكن يواكله، فدخل عليه يوما وبين يديه لبن قد وضع، فقال له: إنى حدّثت البارحة نفسى بالصوم، فلمّا أصبحوا أتونى بهذا وهم لا يعلمون، ولا أرى أحدا أحقّ به منك، فدونكه! ٩٥٥* وهو القائل:

стр. 527

إنّ للفتنة ميطا بيّنا ... فرويد الميط منها تعتدل [١] فإذا كان عطاء فأتهم ... وإذا كان قتال فاعتزل إنّما يسعرها جهّالها ... حطب النّار، فدعها تشتعل ٩٥٦* وقال عبد الملك بن مروان لأيمن بن خريم: إنّ أباك كانت له صحبة ولعمّك، فخذ هذا المال وانطلق فقاتل ابن الزّبير، فأبى وقال [٢] : ولست بقاتل رجلا يصلّى ... على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعلىّ وزرى ... معاذ الله من سفه وطيش أأقتل مسلما وأعيش حيّا ... فليس بنافعى ما عشت عيشى ٩٥٧* (وكان غزا مع يحيى بن الحكم فأصاب يحيى جارية برصاء، فأهداها له، فغضب وقال: تركت بنى مروان تندى أكفّهم ... وصاحبت يحيّى ضلّة من ضلاليا خليلا إذا ما جئته أو لقيته ... يهمّ بشتمى أو يريد قتاليا فإنّك لو أشبهت مروان لم تقل ... لقومى هجرا إذ أتوك ولا ليا) ٩٥٨* وهو القائل [٣] : لقيت من الغانيات العجابا ... لو ادرك منّى العذارى الشّبابا ولكنّ جمع العذارى الحسان ... عناء شديد إذا المرء شابا يرضن بكلّ عصا رائض ... ويصبحن كلّ غداة صعابا

стр. 528

علام يكحّلن نجل العيون ... ويحدثن بعد الخضاب الخضابا ويبرقن؟ إلّا لما تعلمون ... فلا تحرموا الغانيات الضرابا [إذا لم يخالطن كلّ الخلا ... ط أصبحن مخرنطمات غضابا] [١] يميت العتاب خلاط النّساء ... ويحيى اجتناب الخلاط العتابا وقال له عبد الملك بن مروان حين أنشده هذه الأبيات: ما عرف النساء أحد معرفتك [٢] .

стр. 529

٩٨- مسكين الدارمى [١] ٩٥٩* هو ربيعة بن عامر بن أنيف، من بنى دارم. ومسكين لقب، وقال: وسمّيت مسكينا وكانت لجاجة ... وإنى لمسكين إلى الله راغب ٩٦٠* وهو القائل فى معاوية [٢] : إليك أمير المؤمنين رحلتها ... تثير القطا ليلا وهنّ هجود على الطائر الميمون والجدّ صاعد ... لكلّ أناس طائر وجدود إذا المنبر الغربىّ خلّى مكانه ... فإنّ أمير المؤمنين يزيد ٩٦١* وهو القائل [٣] : وإذا الفاحش لاقى فاحشا ... فهناكم وافق الشّنّ الطّبق إنّما الفحش ومن يعتاده ... كغراب السّوء، ما شاء نعق أو حمار السّوء، إن أشبعته ... رمح الناس وإن جاع نهق أو غلام السّوء، إن جوّعته ... سرق الجار وإن يشبع فسق

стр. 530

الجزء الثاني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [تتمة تراجم الشعراء] ٩٩- عمر بن أبى ربيعة «١» ٩٦٣* هو عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومىّ، من بنى مخزوم. ويكنى أبا الخطّاب. وأبو جهل بن هشام بن المغيرة ابن عمّ أبيه «٢» وأمّ عمر بن الخطّاب حنتمة بنت هاشم «٣» بن المغيرة ابنة عمّ أبيه. وكان أبوه عبد الله يلقّب بحيرا «٤» . ٩٦٤* وأخوه الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة يلقّب القباع، وذلك أنه أحدث مكيالا يلقّب القباع فى ولايته بالبصرة، فلقّب به «٥» ، وفيه يقول الفرزدق: أحارث دارى مرّتين هدمتها ... وأنت ابن أخت لا تخاف غوائلة

стр. 531

٩٦٥* وله أخ آخر يقال له عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى ربيعة، كان أحول، وتزوّج أمّ كلثوم بنت أبى بكر بعد موت طلحة، فولدت له وللحارث عقب، ولا عقب لعمر. وكانت أمّه نصرانية، وهى أمّ إخوته. ٩٦٦* وكان عمر فاسقا، يتعرّض للنساء الحواجّ «١» ، فى الطواف وغيره من مشاعر الحجّ، ويشبّب بهنّ، فسيره عمر بن عبد العزيز إلى الدّهلك، ثم ختم له بالشهادة. قال عبد الله بن عمر: فاز عمر بن أبى ربيعة بالدنيا والآخرة. غزا فى البحر فأحرقوا سفينته، فاحترق. ٩٦٧* وكان يشبّب بسكينة، وفيها يقول كذبا عليها «٢» : قالت سكينة والدّموع ذوارف ... منها على الخدّين والجلباب ليت المغيرىّ الذى لم نجزه ... فيما أطال تصيدّى وطلابى كانت تردّ لنا المنى أيّامه ... إذ لا يلام على هوى وتصابى خبّرت ما قالت فبتّ كأنّما ... يرمى الحشا بنوافذ النّشّاب أسكين ما ماء الفرات وطيبه ... منّا على ظمأ وحبّ شراب «٣» بألذّ منك وإن نأيت، وقلّما ... ترعى النّساء أمانة الغيّاب

стр. 532

٩٦٨* وشبّب بابنة لعبد الملك بن مروان وهى حاجّة، ولها يقول «١» : افعلى بالأسير إحدى ثلاث ... وافهميهنّ ثمّ ردّى جوابى اقتليه قتلا سريحا مريحا ... لا تكونى عليه سوط عذاب «٢» أو أقيدى فإنّما النّفس بالنّف ... س قضاء مفصّلا فى الكتاب أو صليه وصلا يقرّ عليه ... إن شرّ الوصال وصل الكذاب «٣» فى أبيات كثيرة، فأعطت الذى أتاها بالشعر لكلّ بيت عشرة دنانير!. ٩٦٩* والتقى عمر بن أبى ربيعة وجميل، فتناشدا، فأنشده عمر (بن أبى ربيعة) «٤» : ولمّا توافينا علمت الذى بها ... كمثل الذى بى حذوك النّعل بالنّعل «٥» فقالت وأرخت جانب السّتر: إنّما ... معى، فتكلّم غير ذى رقبة، أهلى فقلت لها: ما بى لهم من ترقّب ... ولكنّ سرّى ليس يحمله مثلى يقول: لا يصلح أن يحمله إلا أنا ولا يصلح أن يحمله غيرى، ومثله فى الكلام: هذا الأمر لا يحمله حامل مثلى. فاستخذى جميل وصاح: هذا والله ما أرادته الشعراء فأخطأته وتعلّلت بوصف الديار. ٩٧٠* ويستحسن له قوله فى المساعدة «٦» :

стр. 533

وخلّ كنت عين النّصح منه ... إذا نطرت ومستمعا سميعا أطاف بغيّة فنهيت عنها ... وقلت له: أرى أمرا شنيعا أردت رشاده جهدى فلمّا ... أبى وعصى أتيناها جميعا ٩٧١* ويستحسن له قوله فى نحول البدن «١» : رأت رجلا أمّا إذا الشّمس عارضت ... فيضحى وأمّا بالعشىّ فيخصر «٢» قليلا على ظهر المطيّة شخصه ... خلا ما نبى عنه الرّداء المحبّر «٣» وأحسن منه قول المجنون فى نحول البدن: ألا إنّما غادرت يا أمّ مالك ... صدى أينما تذهب به الرّيح يذهب «٤» وممّن أفرط فى هذا المعنى رجل من الأعراب، قال: ولو أنّ ما أبقيت منّى معلّق ... بعود ثمام ما تأوّد عودها «٥» ونحوه قول عبيد بن أيّوب العنبرىّ وذكر ناقته «٦» : حملت عليها ما لو انّ حمامة ... تحمّله طارت به فى الجفاجف «٧» رحيلا وأقطاعا وأعظم وامق ... برى جسمه طول السّرى والمخاوف

стр. 534

٩٧٢* ويستحسن لعمر قوله «١» : إنّ لى عند كلّ نفحة ريحا ... ن من الجلّ أو من الياسمينا التفاتا وروعة لك أرجو ... أن تكونى حللت فيما يلينا ٩٧٣* وحجّ عبد الملك بن مراون فلقيه عمر بن أبى ربيعة بالمدينة؛ فقال له عبد الملك: يا فاسق! قال: بئست تحيّة ابن العم على طول الشّحط «٢» ! قال: يا فاسق، أما إنّ قريشا لتعلم أنّك أطولها صبوة وأبطؤها توبة، ألست القائل «٣» : ولولا أن تعنّفنى قريش ... مقال الناصح الأدنى الشّفيق لقلت إذا التقينا: قبّلينى ... ولو كنّا على ظهر الطّريق ٩٧٤* وكان أخوه الحارث خيّرا عفيفا، فعاتبه يوما من الأيّام، قال عمر: وكنت يومئذ على ميعاد من الثّريّا، قال: فرحت إلى المسجد مع المغرب، وجاءت الثريا (للميعاد) ، فتجد الحارث مستلقيا على فراشه «٤» ، فألقت بنفسها عليه وهى لا تشكّ أنى هو «٥» ! فوثب وقال: من أنت؟ فقيل له: الثريا «٦» ، فقال: ما أرى عمر انتفع «٧» بعظتنا! قال: وجئت للميعاد ولا أعلم بما كان، فأقبل علىّ وقال: ويلك «٨» ، كدنا والله نفتن بعدك، لا والله إن شعرت إلا

стр. 535

و [الثريا] «١» صاحبتك واقعة علىّ، فقلت: لا تمسّك النار بعدها أبدا!! فقال: عليك لعنة الله وعليها. ٩٧٥* (فلمّا تزوّج سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الثريّا قال عمر «٢» : أيّها المنكح الثّريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يجتمعان «٣» هى شأميّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يمان)

стр. 536

١٠٠- الأقيشر «١» ٩٧٦* هو المغيرة بن الأسود بن وهب «٢» ، أحد بنى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. وكان يغضب إذا قيل له الأقيشر، فمرّ ذات يوم بقوم من بنى عبس، فقال له بعضهم: يا أقيشر، فنظر إليه ساعة وهو مغضب، ثم قال «٣» : أتدعونى الأقيشر ذلك اسمى ... وأدعوك ابن مطفئة السّراج تناجى خدنها باللّيل سرّا ... وربّ الناس يعلم ما تناجى فسمّى الرجل «ابن مطفئة السّراج» ، وولده ينسبون إلى ذلك (إلى اليوم) .

стр. 537

٩٧٧* ومرّ بمطر بن ناجية اليربوعىّ حين غلب على الكوفة أيّام الضحّاك ابن قيس الشارىّ، ومطر على المنبر يخطب (الناس) فقال «١» : أبنى تميم ما لمنبر ملككم ... لا يستقرّ قعوده يتمرمر «٢» إنّ المنابر أنكرت أستاهكم ... فادعوا خزيمة يستقرّ المنبر خلعوا أمير المؤمنين وبايعوا ... مطرا، لعمرك بيعة لا تظهر واستخلفوا مطرا فكان كقائل: ... بدل لعمرك من يزيد أعور «٣» فبلغ ذلك، جرير بن الخطفى، فأتى بنى أسد فقال: أما والله لولا الرّحم ما اجترأ خليعكم علىّ، فاستكفّوه، فأخذوا الأقيشر فضربوه، فانصرف عنهم جرير، ودسّ إلى الأقيشر رجلا، فقال له: إنى جئت لأهجو قومك وتهجو قومى، قال: وممنّ أنت؟ قال: من [بنى] «٤» تميم، فقال الأقيشر: لا أسدا أسبّ ولا تميما ... وكيف يحلّ سبّ الأكرمينا ولكنّ التّقارض حلّ بينى ... وبينك يابن مضرطة العجينا فسمّى ذلك الرجل «ابن مضرطة العجين» ! ٩٧٨* وكان الأقيشر صاحب شراب، فأخذه الأعوان بالكوفة، وقالوا: شارب خمر؟ فقال: لست شارب خمر، ولكنى أكلت سفرجلا! وأنشأ يقول:

стр. 538

يقولون لى: إنكه شربت مدامة ... فقلت لهم: لا، بل أكلت سفرجلا «١» ٩٧٩* وهو القائل «٢» : أفنى تلادى وما جمّعت من نشب ... قرع القواقيز أفواه الأباريق «٣» كأنّهنّ، وأيدى القوم معملة ... إذا تلألأن فى أيدى الغرانيق «٤» بنات ماء معا بيض جناجنها ... حمر مناقيرها صفر الحماليق «٥»

стр. 539

هى اللّذاذة ما لم تأت منقصة ... أو ترم فيها بسهم ساقط الفوق «١» ٩٨٠* وهو القائل: وصهباء جرجانيّة لم يطف بها ... حنيف ولم تنغر بها ساعة قدر «٢» أتانى بها يحيى، وقد نمت نومة ... وقد غارت الشّعرى وقد خفق النّسر فقلت: اغتبقها أو لغيرى فأهدها ... فما أنا بعد الشّيب ويبك والخمر «٣» إذا المرء وفّى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتى حياء ولا ستر فدعه ولا تنفس عليه الذى أتى ... وإن جرّ أرسان الحياة له الدّهر وكان له جار صالح يقال له يحيى، فقال له: يا فاسق وأنا جئتك بها! فقال: يرحمك الله ما أكثر يحيى فى الناس!!

стр. 540

١٠١- المجنون «١» ٩٨١* هو قيس بن معاذ، ويقال قيس بن الملوّح. أحد بنى جعدة بن كعب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويقال بل هو من بنى عقيل بن كعب بن ربيعة. ولقبه المجنون لذهاب عقله بشدّة عشقه. ٩٨٢* وكان الأصمعىّ يقول: لم يكن مجنونا، ولكن كان فيه لوثة كلوثة أبى حيّة «٢» . ٩٨٣* وهو من أشعر الناس، على أنّهم قد نحلوه شعرا كثيرا رقيقا يشبه شعره، كقول أبى صخر الهذلىّ: أما والّذى أبكى وأضحك والّذى ... أمات وأحيا والّذى أمره الأمر «٣» لقد تركتنى أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما النّفر فيا هجر ليلى قد بلغت بى المدى ... وزدت على ما لم يكن بلغ الهجر ويا حبّها زدنى جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيّام موعدك الحشر «٤» وصلتك حتّى قلت لا يعر القلى ... وزرتك حتى قلت ليس له صبر «٥» إذا ذكرت يرتاح قلبى لذكرها ... كما انتقض العصفور بلّله القطر عجبت لسعى الدّهر بينى وبينها ... فلمّا انقضى ما بيننا سكن الدّهر

стр. 541

٩٨٤* وكقول أبى بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة «١» : بينما نحن من بلاكث بالقا ... ع سراعا والعيس تهوى هويّا «٢» خطرت خطرة على القلب من ذك ... راك وهنا فما استطعت مضيّا «٣» قلت: لبّيك. إذ دعانى لك الشّو ... ق، وللحاديين: كرّا المطيّا «٤» ٩٨٥* وكان المجنون وليلى صاحبته يرعيان البهم وهما صبيّان، فعلقها علاقة الصّبا، وفى ذلك يقول: تعلّقت ليلى وهى غرّ صغيرة ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم صبيّان نرعى البهم يا ليت أنّنا ... إلى اليوم لم نكبر ولم يكبر البهم «٥» ثم نشأ وكان يجلس معها ويتحدّث فى ناس من قومه، وكان جميلا ظريفا راوية للأشعار حلو الحديث، فكانت تعرض عنه وتقبل على غيره بالحديث، حتّى شقّ ذلك عليه، وعرفته منه، فأقبلت عليه فقالت: كلانا مظهر للناس بغضا ... وكلّ عند صاحبه مكين

стр. 542

ثم تمادى به الأمر، حتّى ذهب عقله، وهام مع الوحش، فكان لا يلبس ثوبا إلا خرّقه، ولا يعقل شيئا إلا أن تذكر له ليلى، فإذا ذكرت ثاب وتحدّث عنها لا يسقط حرفا. فسعى عليهم نوفل بن مساحق، فنزل مجمعا من تلك المجامع، فرآه عريانا يلعب بالتراب، فكساه ثوبا، فقال له قائل: وهل تدرى من هذا أصلحك الله؟ قال: لا، قال: هذا المجنون (قيس بن الملوّح) ، ما يلبس الثياب ولا يريدها، فدعا به فكلّمه، فجعل يجيبه عن غير ما يكلّمه به، فقالوا له: إن أردت أن يكلّمك كلاما صحيحا فاذكر له ليلى وسله عن حبّه لها، ففعل فأقبل عليه المجنون يحدّثه بحديثها وينشده شعره فيها، فقال له نوفل: الحبّ صيّرك إلى ما أرى؟ قال: نعم، وسينتهى بى إلى أشدّ مما ترى، قال أتحبّ أن أزوّجكها؟ قال: نعم وهل إلى ذلك من سبيل! قال: انطلق معى حتى أقدم بك عليها فأخطبها لك وأرغّب لك فى المهر، قال: أفتراك فاعلا؟ قال: نعم، قال: انظر ما تقول! قال: علىّ أن أفعل بك ذلك، فارتحل معه، ودعا له بثياب فلبسها المجنون، وراح معه كأصحّ أصحابه، يحدّثه وينشده، فبلغ ذلك قومها فتلقّوه بالسلاح، وقالوا له: والله يا بن مساحق، لا يدخل المجنون منزلنا أبدا أو نموت، وقد هدر السلطان دمه، فأقبل بهم وأدبر، فأبوا، فلمّا رأى ذلك قال للمجنون: انصرف، قال المجنون: والله ما وفيت بالعهد، قال: انصرافك أيسر علىّ من سفك الدماء، فانصرف. ٩٨٦* وفى ذلك يقول: يا صاحبيّ ألّما بى بمنزلة ... قد مرّ حين عليها أيّما حين فى كلّ منزلة ديوان معرفة ... لم يبق باقية ذكر الدّواوين «١»

стр. 543

إنى أرى رجعات الحبّ تقتلنى ... وكان فى بدئها ما كان يكفينى ألقى من اليأس تارات فتقتلنى ... وللرّجاء بشاشات فتحيينى ٩٨٧* وفى رجوع عقله عند ذكرها يقول: «١» يا ويح من أمسى تخلّس عقله ... فأصبح مذهوبا به كلّ مذهب «٢» خليعا من الإخوان إلا معذّرا ... يضاحكنى من كان يهوى تجنّبى إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعت ... روائع عقلى من هوى متشعّب وقالوا: صحيح ما به طيف جنّة ... ولا لمم إلا افتراء التّكذب «٣» ٩٨٨* وخرج رجل من بنى مرّة إلى ناحية الشام والحجاز، ممّا يلى تيماء والسّراة بأرض نجد، فى بغية له، فإذا هو بخيمة قد رفعت له (عظيمة) وقد أصابه المطر، فعدل إليها، فتنحنح، فإذا امرأة قد كلّمته فقالت: انزل، قال: فنزلت، وراحت إبلهم وغنمهم، فإذا أمر عظيم كثرة ورعاة، فقالت: سلوا هذا الرجل «٤» من أين أقبل؟ فقلت: من ناحية تهامة ونجد، فقالت: يا عبد الله، أىّ بلاد نجد وطئت؟ فقلت: كلّها، قالت: بمن نزلت هناك؟ فقلت: ببنى عامر، فتنفّست الصّعداء، ثم قالت: بأى بنى عامر؟ فقلت: ببنى الحريش، فاستعبرت، ثم قالت: هل سمعت بذكر فتى منهم يقال له قيس يلقّب بالمجنون؟ قلت: إى والله، نزلت بأبيه وأتيته ونظرت إليه، قالت: فما حاله؟ قلت يهيم فى

стр. 544

تلك الفيافى ويكون مع الوحش لا يعقل ولا يفهم، إلا أن يذكر له ليلى فيبكى وينشد أشعارا يقولها فيها، قال: فرفعت الستر بينى وبينها، فإذا شقّة قمر لم تر عينى مثلها قطّ، فبكت وانتحبت، حتى ظننت- والله- أن قلبها قد انصدع، فقلت: أيّتها المرأة، أما تتّقين الله؟ فو الله ما قلت بأسا! فمكثت طويلا على تلك الحال من البكاء والنحيب، ثم قالت: ألا ليت شعرى والخطوب كثيرة ... متى رحل قيس مستقلّ فراجع بنفسى من لا يستقلّ برحله ... ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع ثم بكت حتى غشى عليها، فلما أفاقت قلت: ومن أنت يا أمة الله؟ قالت: أنا ليلى المشؤومة عليه غير المؤاسية له! فما رأيت «١» مثل حزنها عليه وجزعها، ولا مثل وجدها. ٩٨٩* وكان أبو المجنون ورهطه أتوا أبا ليلى وأهلها، وسألوهم بالرّحم، وعطفوا عليهم «٢» ، وأخبروهم بما ابتلى به، فأبى أبو ليلى، وحلف ألا يزوّجها إيّاه أبدا، فقال الناس لأبى المجنون: لو خرجت به إلى مكة فعاذ بالبيت ودعا الله رجونا أن ينساها أو يعافيه الله مما بتلى به، فحجّ، فبينما هو يمشى بمنى وأبوه معه قد أخذ بيده يريد الجمار، نادى مناد من تلك الخيام: يا ليلى! فخرّ مغشيّا عليه، واجتمع عليه الناس وضجّوا ونضحوا عليه من الماء، وأبوه يبكى عند رأسه، ثم أفاق وهو مصفرّ لونه متغيّر حاله، فأنشأ يقول: وداع دعا إذا نحن بالخيف من منى ... فهيّج أحزان الفؤاد وما يدرى «٣» دعا باسم ليلى غيرها فكأنّما ... أطار بليلى طائرا كان فى صدرى

стр. 545

٩٩٠* حكى الهيثم (بمن عدىّ) عن أبى مسكين «١» قال: خرج منّا فتى حتى إذا كان ببئر ميمون، إذا جماعة على جبل من تلك الجبال، وإذا بينهم فتى قد تعلّقوا به، مديد القامة طوال أبيض، جعد الشعر أعين، أحسن من رأيت من الرجال، وإذا هو مصفرّ مهزول شاحب اللون، قال: فسألت عنه؟ فقالوا: هذا قيس الذى يقال له المجنون «٢» ، خرج به أبوه الملوّح حين ابتلى بما ابتلى به إلى الحرم مستجيرا بالبيت، لعلّ الله أن يفرّج عنه، ومن رأيه أن يستجير بقبر النبي ﷺ ، فقلت: ما يصنع هاهنا وما لكم تمسكونه؟ قالوا: لما يصنع بنفسه، فإنّه يصنع بها صنيعا يرحمه منه عدوّه، ويقول: أخرجونى أتنسّم صبا نجد، فنخرجه إلى هاهنا، فيستقبل بلاد نجد عسى أن تهبّ له الصّبا، ونكره أن نخلّى سبيله فيرمى بنفسه من الجبل، فلو شئت دنوت منه فأعلمته أنّك قدمت من نجد فيسألك عنها وعن بلاده فتخبره، فقلت: أفعل، فقالوا: يا أبا المهدى! هذا رجل قدم من (بلاد) نجد، فتنفّس تنفّسا ظننت أنّ كبده قد انصدعت، ثم جعل يسألنى عن واد واد وموضع موضع، وأنا أصف (ذلك) له، وهو يبكى أحرّ بكاء وأوجعه للقلب، ثم قال: ألا ليت شعرى عن عوارضتى قنى ... لطول اللّيالى هل تغيّرتا بعدى «٣» ومن علويّات الرّياح إذا جرت ... بريح الخزامى هل تهبّ على نجد وعن أقحوان الرّمل ما هو فاعل ... إذا هو أسرى ليلة بثرى جعد

стр. 546

وهل تنفضنّ الرّيح أفنان لمتّى ... على لاحق الرّجلين مندلق الوخد «١» وهل أسمعنّ الدّهر أصوات هجمة ... تطالع من وهد خصيب إلى وهد «٢» وفى وجهه هذا يقول: دعا المحرمون الله يستغفرونه ... بمكّة ليلا أن تمحّى ذنوبها وناديت: يا ربّاه أوّل سالتى ... لنفسى لليلى، ثمّ أنت حسيبها «٣» فإن أعط ليلى فى حياتى لا يتب ... إلى الله عبد توبة لا أتوبها ٩٩١* وخرج شيخ من بنى مرّة إلى أرض بنى عامر ليلقى المجنون، قال: فدللت على خيمة فأتيتها، فإذا أبوه شيخ كبير وإخوة له رجال، وإذا نعم ظاهرة وخير كثير، فسألتهم عن المجنون؟ فاستعبروا جميعا وبكوا، وقال الشيخ: والله لهو كان آثر هؤلاء عندى، وإنّه عشق امرأة من قومه، والله ما كانت تطمع فى مثله، فلما أن فشا أمره وأمرها كره أبوها أن يزوّجه إيّاها بعد ظهور الخبر، فزوجها من رجل آخر، فجنّ ابنى وجدا عليها وصبابة بها، فحبسناه وقيّدناه، فكان يعضّ لسانه وشفتيه، حتى خشينا أن يقطعهما، فلما رأينا ذلك خلينا سبيله، فهو فى هذه الفيافى مع الوحش، يذهب فى كلّ يوم بطعامه فيوضع له حيث يراه، فإذا تنحّوا عنه جاء فأكل، وإذا أخلقت ثيابه أتوه بثياب فيلقونها

стр. 547

حيث يراها، ويتنحّون عنه، فإذا رأها أتاها فألقى ما عليه ثم لبسها. قال: فسألتهم أن يدلّونى عليه لآتيه؟ فدلّونى على فتى من الحىّ، وقالوا: لم يزل صديقه، وليس يأنس بأحد إلا به، فهو يأخذ أشعاره فيأتينا بها، فأتيته فسألته أن يدلّنى على ما أحتال به للدنوّ منه، فقال: إن كنت تريد شعره فكلّ شعر قاله إلى أمس فهو عندى، وأنا أذهب غدا، فإن كان قال شيئا أتيتك به، قال: فقلت له: لا، بل تدلّنى عليه فآتيه، فقال: إن نفر منك تخوّفت أن ينفر منى فيذهب شعره! قال: فأبيت إلا أن يدلّنى عليه، فقال: نعم، اطلبه فى هذه الصحارى، فإذا رأيته فادن منه مستأنسا، ولا تظهر النّفار منه، فإنّه يتهدّدك ويتوعّدك، وبالحرى أن يرميك بشىء إن كان بيده «١» ، واجلس كأنّك لا تنظر إليه، والحظه ببصرك، فإذا رأيته قد سكن أو عبث بيده فأنشده شعرا «٢» إن كنت تروى لقيس بن ذريح شيئا، فإنّه يعجب به. قال: فخرجت أدور يومى، فما رأيته إلا بعد العصر جالسا على قوز من رمل «٣» ، قد خطّ بإصبعه فيه خطوط، فدنوت منه غير منقبض منه، فنفر والله منى كما تنفر الوحش إذا نظرت إلى الإنس، وإلى جانبه أحجار ململة، فتناول واحدا منها، فأقبلت حتّى جلست إليه، ومكث ساعة وكأنّه الشىء النافر المتهيّىء للقيام، فلما طال جلوسى سكن وأقبل يعبث بأصابعه، فنظرت إليه، فقلت: أحسن والله قيس بن ذريح حيث يقول: وإنّى لمفن دمع عينىّ بالبكا ... حذار الّذى لمّا يكن وهو كائن وقالوا: غدا أو بعد ذاك بليلة ... فراق حبيب لم يبن وهو بائن

стр. 548

وما كنت أخشى أن تكون منيّتى ... بكفّىّ إلا أنّ من حان حائن «١» فبكى طويلا، ثم قال: أنا والله أشعر منه حيث أقول: وأدنيتنى حتّى إذا ما سبيتنى ... بقول يحلّ العصم سهل الأباطح «٢» تجافيت عنّى حين لا لى حيلة ... وخلّيت ما خلّيت بين الجوانح ثم عنّت له ظباء فوثب فى طلبها، فانصرفت، ثم عدت من الغد فلم أصبه، فرجعت فأخبرتهم، فوجّهوا الذى كان يذهب بطعامه، فأخبرهم أنّه على حاله لم يأكل منه شيئا، ثم عدت اليوم الثالث فلم أصبه، ونظرت إلى طعامه فإذا هو على حاله، ثم غدوت بعد ذلك وغدا إخوته وأهل بيته، فطلبناه يومنا وليلتنا، فما أصبناه، فلمّا أصبحنا أشرفنا على واد كثير الحجارة، فإذا هو ميّت بينها، فاحتملوه ودفنوه. ٩٩٢* وللمجنون عقب بنجد. ولم يقل أحد من الشعراء فى معنى قوله: وأدنيتنى حتّى إذا ما سبيتنى شيئا هو أحسن منه. ونحوه قول ابن الأحنف: أشكو الّذين أذاقونى محبّتهم ... حتّى إذا أيقظونى بالهوى رقدوا ٩٩٣* ومن (جيّد) شعره، ويقال إنه منحول: إنّ الّتى زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لّها فإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضّمير إلى الفؤاد فسلّها «٣»

стр. 549

بيضاء باكرها النّعيم فصاغها ... بلباقة فأدقّها وأجلّها (إنّى لأكتم فى الحشا من حبّها ... وجدا لو اصبح فوقها لأظلّها «١» ويبيت تحت جوانحى حبّ لها ... لو كان تحت فراشها لأقلّها) ضنّت بنائلها فقلت لصاحبى ... ما كان أكثرها لنا وأقلّها ومن شعره الجيّد قوله «٢» : وخبّرتمانى أنّ تيماء منزل ... لليلى إذا ما الضيّف ألقى المراسيا فهذى شهور الصيّف أمست قد انقضت ... فما للنّوى ترمى بليلى المراميا ولو كان واش باليمامة داره ... ودارى بأعلى حضرموت اهتدى ليا إذا ما جلسنا مجلسا نستلذّه ... تواصوا بنا حتّى أملّ مكانيا «٣» وماذا لهم، لا أكثر الله حظّهم، ... من الحظّ فى تصريم ليلى حباليا وفيها يقول: وإنّى لأستغشى وما بى نعسة ... لعلّ خيالا منك يلقى خياليا وأخرج من بين الجلوس لعلّنى ... أحدّث عنك النّفس فى السّرّ خاليا

стр. 550

هذا مثل قول ذى الرّمّة: أحبّ المكان القفر من أجل أنّنى ... به أتغنّى باسمها غير معجم «١» ٩٩٥* وممّا نحل: يا حبّذا عمل الشّيطان من عمل ... إن كان من عمل الشّيطان حبّيها

стр. 551

١٠٢- العرجى «١» ٩٩٦* هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفّان. وكان ينزل بموضع قبل الطائف يقال له «العرج» فنسب إليه. ٩٩٧* وهو أشعر بنى أميّة، وكان يهجو إبراهيم بن هشام المخزومىّ، فأخذه فحبسه «٢» . وهو القائل فى السجن «٣» : كأنّى لم أكن فيهم وسيطا ... ولم تك نسبتى فى آل عمرو أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر! «٤» ٩٩٨* ومرّ رجلان من قريش بعرج الطائف وبه العرجىّ؛ فاستتر منهما، وأمر غلمانه فأقروهما بشىء من لبن وأقراص، وألقوا لبعيريهما حمضا «٥» ، فلم يلبثا إلا يسيرا حتّى أتى ابن لوذان مولى معاوية وغيره على حمير، فلمّا علم بهم العرجىّ ظهر ودعا لهم بالقسب والجلجلان «٦» ، فقال أحد القرشيّين:

стр. 552

سرت ما سرت من ليلها ثم عرّجت ... على رجل بالعرج ألأم من كلب جلسنا طويلا ثم جاء بصربة ... على قرص دخن مثل كركرة السّقب «١» فأمّا بعيرانا فبالحمض غذّيا ... وأوثر أعيار ابن لوذان بالقضب «٢» جعلت خيار الناس دون شرارهم ... وآثرتهم بالجلجلان وبالقسب ٩٩٩* وممّا يستجاد له قوله: سمّيتنى خلقا لخلّة قدمت ... ولا جديد إذا لم يلبس الخلق يا أيّها المتحلّى غير شيمته ... ومن سجيّته الإكثار والملق «٣» ارجع إلى خلقك المعروف ديدنه ... إنّ التّخلق يأتى دونه الخلق ١٠٠٠* وهو القائل: هل فى ادّكار الحبيب من حرج ... أم هل لهمّ الفؤاد من فرج أم كيف أنسى مسيرنا حرما ... يوم حللنا بالنّخل من أمج «٤» يوم يقول الرّسول: قد أذنت ... فأت على غير رقبة فلج أقبلت أهوى إلى رحالهم ... أهدى إليها بريحها الأرج ويقال هو لجعفر بن الزّبير «٥» .

стр. 553

١٠٣- موسى شهوات «١» ١٠٠١* هو موسى، وكان يلقّب شهوات «٢» ، لأنّ عبد الله بن جعفر كان يتشهّى «٣» عليه الأشياء فيشتريها له موسى ويتربح عليه، وهو مولى بنى سهم، وأصله من أذربيجان «٤» . ١٠٠٢* وذكر أبو اليقظان عن جويرية قال: ليس بالمدينة شاعر من الموالى إلا وأصله من أذربيجان، ثم عدّ إسماعيل بن يسار، وأخاه موسى شهوات «٥» ، وأبا العبّاس «٦» . ١٠٠٣* وكان فيه تخنيث. وهوى أمة من إماء المدينة، فأتى سعيد بن

стр. 554

خالد بن عمرو بن عثمان، فشكا إليه حبّها وسأله شراءها له «١» ، فاعتلّ عليه، فأتى سعيد بن خالد بن أسيد «٢» ، فشكا إليه، فأمر له بثمنها، وزاده مائة دينار لجهازها وكسوتها، فقال فيه شعرا: سعيد النّدى أعنى سعيد بن خالد ... أخا العرف لا أعنى ابن بنت سعيد «٣» ولكنّنى أعنى ابن عائشة الّذى ... كلا أبويه خالد بن أسيد «٤» عقيد النّدى ما عاش يرضى به النّدى ... فإن مات لم يرض النّدى بعقيد «٥» (وأمّ خالد هذا عائشة بنت خلف الخزاعيّة، أخت طلحة الطّلحات لأمه) «٦» . ١٠٠٤* وهو القائل: ليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنّك فانى أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان «٧»

стр. 555

١٠٤- عروة بن أذينة «١» ١٠٠٥* هو من بنى ليث. وكان شريفا ثبتا يحمل عنه الحديث، ووفد على هشام بن عبد الملك فقال له: ألست القائل: لقد علمت فما الإسراف فى طمعى ... أنّ الّذى هو رزقى سوف يأتينى «٢» أسعى له فيعنّينى تطلّبه ... ولو قعدت أتانى لا يعنّينى؟ قال: نعم «٣» ، قال: فما أقدمك علينا؟! قال: سأنظر فى أمرى! وخرج من فوره ذلك فانصرف، فأخبر بذلك هشام «٤» ، فأتبعه جائزته. ١٠٠٦* وهو القائل: قالت وأبثثتها وجدى فبحت به: ... قد كنت عندى تحبّ السّتر فاستتر ألست تبصر من حولى؟ فقلت لها: ... غطّى هواك وما ألقى على بصرى ١٠٠٧* ووقفت عليه امرأة فقالت: أنت الذى يقال فيك الرجل الصالح، وأنت تقول «٥» :

стр. 556

إذا وجدت أوار الحبّ فى كبدى ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد هذا بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتّقد؟ لا والله، ما قال هذا رجل صالح قطّ!! ١٠٠٨* وحدثنى سهل بن محمّد عن الأصمعىّ قال: كان عروة بن أذينة ثقة ثبتا، يروى عنه مالك بن أنس الفقيه «١» . ١٠٠٩* قال قلّوص: وعروة هو القائل: يا ديار الحىّ بالأجمه ... لم تبيّن دارها كلمه الشعر له وهو وضع لحنه.

стр. 557

١٠٥- الكميت «١» ١٠١٠* هو الكميت بن زيد، من بنى أسد، ويكنى أبا المستهلّ، وكان معلّما. وحدثنا سهل عن الأصمعىّ عن خلف الأحمر قال: رأيت الكميت بالكوفة فى مسجد «٢» يعلّم الصبيان. ١٠١١* وكان أصمّ أصلخ لا يسمع شيئا «٣» . وكان بينه وبين الطّرمّاح من المودّة والمخالطة ما لم يكن بين اثنين، على تباعد ما بينهما فى الدّين والرأى، لأن الكميت كان رافضيّا، وكان الطرمّاح خارجيّا صفريّا، وكان الكميت عدنانيّا عصبيّا، وكان الطرمّاح قحطانيا عصبيا، وكان الكميت متعصبا لأهل الكوفة، وكان الطرمّاح يتعصّب لأهل الشأم. ١٠١٢* وكان الكميت شديد التكلّف فى الشعر، كثير السرقة، قال امرؤ القيس بن عابس الكندىّ «٤» ، وكانت له صحبة «٥» . قف بالدّيار وقوف حابس ... وتأىّ إنّك غير آيس «٦» ماذا عليك من الوقو ... ف بهامد الطّللين دارس لعبت بهنّ العاصفا ... ت الرائحات من الرّوامس

стр. 558

أخذه الكميت كلّه غير القافية فقال: قف بالدّيار وقوف زائر ... وتأىّ إنّك غير صاغر «١» ماذا عليك من الوقو ... ف بهامد الطّللين داثر درجت عليه الغاديا ... ت الرائحات من الأعاصر [وكذلك سائر الأبيات بعد هذا، إلا القليل، أخذه غير القافية] «٢» . وقد قدّمت فى أخبار الشعراء ما أخذه من أشعارهم. ١٠١٣* ووقف الكميت على الفرزدق وهو ينشد، والكميت يومئذ صبىّ، فقال له الفرزدق: يا غلام! أيسرّك أنى أبوك! فقال الكميت. أمّا أبى فلا أريد به بدلا، ولكن يسرّنى أن تكون أمّى! فحصر الفرزدق يومئذ، وقال: ما مرّ بى مثلها (قطّ) . ١٠١٤* ويستجاد قوله فى ذكر النبىّ ﷺ : يقولون لم يورث ولولا تراثه ... لقد شركت فيه بكيل وأرحب «٣» ولانتشلت عضوين منها يحابر ... وكان لعبد القيس عضو مؤرّب «٤» فإن هى لم تصلح لحىّ سواهم ... إذن فذوو القربى أحقّ وأقرب فيالك أمرا قد أشتّت وجوهه ... ودارا ترى أسبابها تتقضّب تبدّلت الأشرار بعد خيارها ... وجدّ بها من أمّة وهى تلعب

стр. 559

وقد قايس فى هذا الشعر وذهب مذهبا لو لم يكن النبىّ ﷺ جعل الأيمّة من قريش «١» . ١٠١٥* وقال يصف هشام بن عبد الملك: مصيب على الأعواد يوم ركوبه ... لما قال فيها مخطىء حين ينزل ١٠١٦* ومن جيّد شعره قوله «٢» : ألا لا أرى الأيّام يقضى عجيبها ... لطول، ولا الأحداث تفنى خطوبها ولا عبر الأيّام يعرف بعضها ... ببعض من الأقوام إلّا لبيبها ولم أر قول المرء إلّا كنبله ... له وبه محرومها ومصيبها وما غيّب الأقوام عن مثل خطّة ... تغيّب عنها يوم قيلت أريبها وأجهل جهل القوم ما فى عدوّهم ... وأردأ أحلام الرّجال غريبها وما غبن الأقوام مثل عقولهم ... ولا مثلها كسبا أفاد كسوبها وهل يعدون بين الحبيب فراقه؟ ... نعم، داء نفس أن يبين حبيبها ولكنّ صبرا عن أخ عنك صابر ... عزاء إذا ما النّفس حنّ طروبها رأيت عذاب الماء إن حيل دونها ... كفاك لما لا بدّ منه شروبها وإن لم يكن إلا الأسنّة مركب ... فلا رأى للمضطرّ إلا ركوبها

стр. 560

١٠١٧* وابنه المستهلّ هو القائل لبنى العبّاس «١» : إذا نحن خفنا فى زمان عدوّكم ... وخفناكم إنّ البلاء لراكد

стр. 561

١٠٦- الطرماح «١» ١٠١٨* هو الطّرمّاح بن حكيم، من طيّىء، ويكنى أبا نفر. وكان جدّه قيسن ابن جحدر أسره ملك من ملوك جفنة، فدخل عليه حاتم طيّىء، فاستوهبه وقال: فككت عديّا كلّها من إسارها ... فأفضل وشفّعنى بقيس بن جحدر أبوه أبى والأمّ من أمّهاتنا ... فأنعم فدتك اليوم نفسى ومعشرى فأطلقه «٢» . ١٠١٩* ووفد قيس بن جحدر على رسول الله ﷺ وأسلم «٣» . ١٠٢٠* والطرمّاح هو ابن حكيم بن نفر بن قيس بن جحدر. وكان الطرمّاح خطيبا. ١٠٢١* قال محمّد بن سهل راوية الكميت: أنشدت الكميت قول الطرمّاح: إذا قبضت نفس الطّرمّاح أخلقت ... عرى المجد واسترخى عنان القصائد فقال الكميت: إى والله وعنان الخطابة والرواية «٤» . وكان نشأ بالسواد. ١٠٢٢* وقال رؤبة: كان الكميت والطرمّاح يسألاننى عن الغريب ثم أجده

стр. 562

بعد ذلك فى أشعارهما «١» . ١٠٢٣* وهو القائل: وما أنا بالراضى بما غيره الرّضى ... ولا المظهر الشّكوى ببعض الأماكن ولا أعرف النّعمى علىّ ولم يكن ... وأعرف فصل المنطق المتغابن ١٠٢٤* وقال يهجو بنى تميم «٢» : أفخرا تميما إذ فتيّة خبّت ... ولؤما إذا ما المشرفيّة سلّت «٣» ولو خرج الدّجّال ينشد دينه ... لوافت تميم حوله واحزألّت «٤» فراش ضلال بالعراق ونبوة ... إذا مات ميت من قريش أهلّت «٥» فخرت بيوم العقر شرقىّ بابل ... وقد جبنت فيه تميم وفلّت «٦»

стр. 563

فخرت بيوم لم يكن لك فخره ... وقد نهلت منك الرّماح وعلّت كفخر الإماء الرائحات عشيّة ... برقم حدوج الحىّ لمّا استقلّت تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت «١» ولو أنّ برغوثا على ظهر قملة ... يكرّ على صفّى تميم لولّت ولو أنّ حرقوصا يزقّق مسكه ... إذن نهلت منه تميم وعلّت «٢» ولو جمعت يوما تميم جموعها ... على ذرّة معقولة لاستقلّت ولو أنّ أمّ العنكبوت بنت لها ... مظلّتها يوم النّدى لأكنّت وهذا من الإفراط ١٠٢٥* وقال أيضا «٣» : لا عزّ نصر امرىء أمسى له فرس ... على تميم يريد النّصر من أحد لو حان ورد تميم ثم قيل لها: ... حوض الرّسول عليه الأزد. لم ترد أو أنزل الله وحيا أن يعذّبها ... إن لم تعد لقتال الأزد لم تعد وكلّ لؤم أبان الدّهر أثلته ... ولؤم ضبّة لم ينقص ولم يبد «٤» لو كان يخفى على الرّحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد قوم أقام بدار الذّلّ أوّلهم ... كما أقامت عليه جذمة الوتد «٥» فاسأل قفيرة بالمروّت هل شهدت ... عسب الحطيئة بين الكسر والنّضد «٦»

стр. 564

أم كان فى غالب شعر فيشبهه ... شعر ابنه فينال الشّعر من صدد «١» جاءت به نطفة من شرّ ماء صرى ... سيقت إلى شرّ واد شقّ فى جدد «٢» لا تأمننّ تميميّا على جسد ... قد مات، ما لم تزايل أعظم الجسد ١٠٢٦* وقال أيضا: لقد زادنى حبّا لنفسى أنّنى ... بغيض إلى كلّ امرىء غير طائل إذا ما رآنى قطّع الطّرف دونه ... ودونى فعل العارف المتجاهل ملأت عليه الأرض حتى كأنّها ... من الضيّق فى عينيه كفّة حابل (وإنى شقىّ باللّئام ولا ترى ... شقيّا بهم إلا كريم الشّمائل) ١٠٢٧* وقال: فياربّ لا تجعل وفاتى إن دنت ... على شرجع يعلى بدكن المطارف «٣» ولكن أحن يومى شهيدا وعصبة ... يصابون فى فجّ من الأرض خائف عصائب من شتّى يؤلّف بينهم ... هدى الله نزّالون عند المواقف

стр. 565

إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى ... وصاروا إلى موعود ما فى المصاحف فأقتل قعصا ثمّ يرمى بأعظمى ... كضغث الخلا بين الرّياح العواصف «١» ويصبح لحمى بطن طير مقيله ... دوين السّماء فى نسور عوائف «٢» (وكان يرى رأى الخوارج) . ١٠٢٨* وقال: لقد شقيت شقاء لا انقطاع له ... إن لم أفز فوزة تنجى من النّار والنار لم ينج من روعاتها أحد ... إلا المنيب بقلب المخلص الشّارى «٣» أو الّذى سبقت من قبل مولده ... له السّعادة من خلاقها البارى ١٠٢٩* وكان الأصمعىّ يستجيد قوله فى صفة الظّليم: مجتاب شملة برجد لسراته ... قدرا، وأسلم ما سواه البرجد «٤» ويستجيد قوله فى صفة الثور: يبدو وتضمره البلاد كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد «٥»
следующие страницы →