← Адаб

Адаб · id 23785

الشعر والشعراء

ابن قتيبة

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

فلا بارك الرّحمن فى عود أهلها ... عشيّة زفّوها ولا فيك من بكر «١» ولا فرش ظوهرن من كلّ جانب ... كأنّى أكوى فوقهنّ من الجمر ولا الزّعفران حين مسّحنها به ... ولا الحلى منها حين نيط إلى النّحر وجهّزنها قبل المحاق بليلة ... فكان محاقا كلّه ذلك الشّهر «٢» وما غرّنى إلا خضاب بكفّها ... وكحل بعينيها وأثوابها الصّفر وسالفة كالسّيف زايل غمده ... وعين كعين الرئم فى البلد القفر ألا ليتهم زفّوا إلىّ مكانها ... شديد القصيرى ذا عرام من النّمر «٣» ويا ليت أنّ الذّئب جلّل درعها ... وإن كان ذا ناب حديد وذا ظفر «٤» لقد أصبح الرّحّال عنهنّ صادفا ... إلى يوم يلقى الله فى آخر العمر عليكم بربّات النّمار فإنّنى ... رأيت صميم الموت فى النّقب الصّفر «٥»

стр. 702

١٢٧٦* وجران العود أحد من وصف القوّادة (فى شعره) ، قال وذكر النساء «١» : يبلّغهنّ الحاج كلّ مكاتب ... طويل العصا أو مقعد يتزحّف «٢» ومكمونة رمداء لا يحذرونها ... مكاتبة ترمى الكلاب وتخذف «٣» رأت ورقا بيضا فشدّت حزيمها ... لها فهى أمضى من سليك وألطف «٤» وذكر نحو هذا الفرزدق فقال: يبلّغهن وحى القول منّى ... ويدخل رأسه تحت القرام أسيّد ذو خريّطة بهيم ... من المتلقّطى قرد القمام ١٢٧٧* وممّا كذب فيه جران العود، فأخذ عليه، قوله، وذكر اجتماعه مع نساء يألفهنّ «٥» : فأصبح فى حيث التقينا غنيمة ... سوار وخلخال ومرط ومطرف ومنقطعات من عقود تركنها ... كجمر الغضافى بعض ما تتخطرف ١٢٧٨* وممّا يستحسن من شعره قوله «٦» :

стр. 703

بان الأنيس فما للقلب معقول ... ولا على الجيرة الغادين تعويل «١» يوم ارتحلت برحلى قبل برذعتى ... والقلب مستوهل بالبين مشغول «٢» ثم اغترزت على نضوى لأرفعه ... إثر الحمول الغوادى وهو معقول «٣» ١٢٧٩* وممّا يتمثّل به من شعره قوله «٤» : فلا تأمنوا مكر النّساء وأمسكوا ... عرى المال عن أبنائهنّ الأصاغر فإنّك لم ينذرك أمرا تخافه ... إذا كنت منه جاهلا، مثل خابر

стр. 704

١٦٧- القطامى «١» ١٢٨٠* هو عمير بن شييم، من بن تغلب «٢» . وكان حسن التشبيب رقيقه. ١٢٨١* وهو القائل: وفى الخدور غمامات برقن لنا ... حتّى تصيّدننا من كلّ مصطاد يقتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتّقين ولا مكنونه باد «٣» فهنّ ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذى الغلّة الصادى ١٢٨٢* وكان يمدح زفر بن الحارث الكلابىّ، وأسماء بن خارجة الفزارىّ، وكان زفر أسره فى الحرب التى كانت بين قيس عيلان وتغلب، فأرادت قيس قتله، فحال زفر بينهم وبينه، ثم منّ عليه، ووهب له مائة ناقة وردّه إلى قومه، فقال «٤» : (أأكفر بعد ردّ الموت عنّى ... وبعد عطائك المائة الرّتاعا «٥»

стр. 705

فلو بيدى سواك غدة زلّت ... بى القدمان لم أرج اطّلاعا إذن لهلكت لو كانت صغار ... من الأخلاف تبتدع ابتداعا ١٢٨٣* ويتمثّل من هذه القصيدة بقوله: ومعصية الشّفيق عليك ممّا ... يزيدك مرّة منه استماعا وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتّباعا ١٢٧٥* وقال أيضا «١» : من مبلغ زفر القيسىّ مدحته ... عن القطامىّ قولا غير إفناد إنى وإن كان قومى ليس بينهم ... وبين قومك إلا ضربة الهادى مثن عليك بما أوليت من حسن ... وقد تعرّض منّى مقتل باد فإن قدرت على يوم جزيت به ... والله يجعل أقواما بمرصاد وفيها يقول: ما للعذارى ودّعن الحياة كما ... ودّعننى واتّخذن الشّيب ميعادى أبصارهنّ إلى الشّبّان مائلة ... وقد أراهنّ عنّى غير صدّاد إذ باطلى لم تقشّع جاهليّته ... عنّى ولم يترك الخلّان تقوادى كنيّة الحىّ من ذى القيظة احتملوا ... مستحقبين فؤادا ما له فاد بانوا وكانت حياتى فى اجتماعهم ... وفى تفرّقهم قتلى وإقصادى ١٢٨٥* ومن خبيث الهجاء قوله «٢» :

стр. 706

وإنّى وإن كان المسافر نازلا ... وإن كان ذا حقّ على الناس واجب ولا بدّ أنّ الضّيف مخبر ما رأى ... مخبّر أهل أو مخبّر صاحب «١» لمخبرك الأنباء عن أمّ منزل ... تضيّفتها بين العذيب فراسب «٢» تقنّعت فى طلّ وريح تلفّنى ... وفى طرمساء غير ذات كواكب «٣» إلى حيزبون توقد النار بعد ما ... تلفّعت الظّلماء من كلّ جانب «٤» تصلّى بها برد العشاء ولم تكن ... تخال وميض النار يبدو لراكب فما راعها إلا بغام مطيّتى ... تريح بمحسور من الصّوت لاغب «٥» فجنّت جنونا من دلاث مناخة ... ومن رجل عارى الأشاجع شاحب «٦» سرى فى حليك اللّيل حتّى كأنّما ... يخزّم بالأطراف شوك العقارب «٧» تقول وقد قرّبت كورى وناقتى: ... إليك فلا تذعر علىّ ركائبى فسلّمت، والتّسليم ليس يسرّها ... ولكنّه حقّ على كلّ جانب فردّت كلاما كارها ثمّ أعرضت ... كما انحازت الأفعى مخافة ضارب فلما تنازعنا الحديث سألتها: ... من الحىّ؟ قالت: معشر من محارب

стр. 707

من المشترين القدّ ممّا تراهم ... جياعا وريف الناس ليس بناضب فلمّا بدا حرمانها الضّيف لم يكن ... علىّ مناخ السّوء ضربة لازب وقمت إلى مهريّة قد تعوّدت ... يداها ورجلاها خبيب المواكب ألا إنّما نيران قيس إذا شتوا ... لطارق ليل مثل نار الحباحب ١٢٨٦* ومما يتمثّل به من شعره «١» : والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهى، ولأمّ المخطىء الهبل قد يدرك المتأنّى بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل وقوله: كذاك وما رأيت الناس إلا ... إلى ما جرّ غاويهم سراعا تراهم يغمزون من استركّوا ... ويجتنبون من صدق المصاعا «٢»

стр. 708

١٦٨- عبدة بن الطبيب «١» ١٢٨٧* هو من بنى عبشمس بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ويقال لعبشمس «قريش سعد» لجمالهم. ١٢٨٨* وهو القائل «٢» : واعصوا الّذى يسدى النّميمة بينكم ... متنصّحا وهو السّمام المنقع «٣» يزجى عقاربه ليبعث بينكم ... حربا كما بعث العروق الأخدع «٤» حرّان لا يشفى غليل فؤاده ... عسل بماء فى الإناء مشعشع «٥» لا تأمنوا قوما يشبّ صبيّهم ... بين القوابل بالعداوة ينشع «٦» إنّ الّذين ترونهم خلّانكم ... يشفى صداع رؤوسهم أن تصرعوا فضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضباب صدورهم لا تنزع «٧»

стр. 709

قوم إذا دمس الظّلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنّميمة تمزع «١» ١٢٨٩* وهو القائل (فى الصّعلكة) : ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة ... أعرافهنّ لأيدينا مناديل «٢» وأخذه من قول امرىء القيس: نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب ١٢٩٠* ويستجاد له قوله فى قيس بن عاصم يرثيه: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحمّا تحيّة من ألبسته ممك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما فلم يك قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما

стр. 710

١٦٩- أبو الأسود الدؤلى «١» ١٢٩١* هو ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان، من كنانة. ١٢٩٢* وهو يعدّ فى الشعراء، والتابعين، والمحدّثين، والبخلاء، والمفاليج، والنحويّين، لأنّه أوّل من عمل فى النحو كتابا، يعدّ فى العرج «٢» . ١٢٩٣* وشهد مع على بن أبى طالب ﵁ صفّين. وولى البصرة لابن عباس، ومات بها، وقد أسنّ، سنة ٩٩ هـ فى طاعون الجارف. ١٢٩٤* وكان يقول لولده: لا تجاودوا الله، فإنّه أجود وأنجد، ولو شاء الله أن يوسّع على الناس كلّهم حتّى لا يكون محتاج لفعل «٣» . ١٢٩٥* ومما يستجاد له قوله: ليت شعرى عن أميرى ما الّذى ... غاله فى الودّ حتّى ودّعه لا تهنّى بعد إذ أكرمتنى ... فشديد عادة منتزعه لا يكن برقك برقا خلّبا ... إنّ خير البرق ما الغيث معه «٤»

стр. 711

١٢٩٦* وهو القائل: إذا كنت مظلوما فلا تلف راضيا ... عن القوم حتّى تأخذ النّصف واغضب «١» وإن كنت أنت الظّالم القوم فأطّرح ... مقالتهم واشغب بهم كلّ مشغب «٢» وقارب بذى جهل وباعد بعالم ... جلوب عليك الحقّ من كلّ مجلب وإن حدبوا فاقعس، وإن هم تقاعسوا ... لينتزعوا ما خلف ظهرك فاحدب

стр. 712

١٧٠- ابن الدمينة «١» ١٢٩٧* هو عبيد الله بن عبد الله. والدّمينة أمّه «٢» . وهو من خثعم. ١٢٩٨* وهو القائل: يا ليتنا فردا وحشيّة أبدا ... نرعى المتان ونخفى فى نواحيها «٣» أوليت كدر القطا حلّقن بى وبها ... دون السّماء فعشنا فى خوافيها أكثرت من «ليتنا» لو كان ينفعنا ... ومن منى النّفس لو تعطى أمانيها ١٢٩٩* وهو القائل: ولمّا لحقنا بالحمول ودوننا ... خفيف الحشى تزهى القميص عوائقه قليل قذى العينين تعلم أنّه ... هو الموت إن لم تلق عنّا بوائقه عرضنا فسلّمنا فسلّم كارها ... علينا، وتبريح من الغيظ خانقه فرافقته مقدار ميل وليتنى ... على كرهه ما دمت حيّا أرافقه فلما رأت ألّا سبيل وأنّما ... مدى الصرم أن يلقى عليها سرادقه

стр. 713

رمتنى بطرف لو كميّا رمت به ... لبلّ نجيعا نحره وبنائقه ١٣٠٠* وهو القائل: بنفسى وأهلى من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب ولم يعتذر عذر البرىّ ولم تزل ... به ضعفة حتى يقال مريب تلجّين حتّى يزرى الهجر بالهوى ... وحتى تكاد النّفس عنك تطيب وإنى لأستحييك حتى كأنّما ... علىّ بظهر الغيب منك رقيب

стр. 714

١٧١- أبو جلدة «١» ١٣٠١* هو من بنى يشكر «٢» . ومات فى طريق مكّة. وكان مولعا بالشراب. ولست بلاح لى نديما بزلّة ... ولا هفوة كانت ونحن على الخمر عركت بجنبى قول خدنى وصاحبى ... ونحن على صهباء طيّبة النّشر فلمّا تمادى قلت: خذها عريقة ... فإنّك من قوم جحاجحة زهر وما زلت أسقيه وأشرب مثل ما ... سقيت أخى، حتى بدا وضح الفجر وأيقنت أنّ الشّكر طار بلبّه ... فأغرق فى شتمى وقال وما يدرى ١٣٠٣* وكان يهاجى زيادا الأعجم.

стр. 715

١٧٢- الأجرد «١» ١٣٠٤* هو من ثقيف. وقد وفد على عبد الملك بن مروان فى نفر من الشعراء، فقال له: إنّه ما من شاعر إلا وقد سبق إلينا (من) شعره قبل رؤيته، فما قلت؟ قال: أنا القائل: من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إنّ الذّليل الذى ليست له عضد تنبو يداه إذا ما قلّ ناصره ... ويمنع الضّيم إن أثرى له عدد ١٣٠٥* وهو القائل: (ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظا وينوى من سفاهته كسرى أعود على ذى الجهل بالحلم منهم ... حياء، ولو عاقبت غرّقهم بحرى ألم تعلموا أنى تخاف عرامتى ... وأنّ قناتى لا تلين على قسر) أظنّ صروف الدّهر بينى وبينهم ... ستحملهم منّى على مركب وعر «٢» أناة وحلما وانتظارا بهم غدا ... فما أنا بالوانى ولا الضّرع الغمر «٣» (وإنى وإيّاهم كمن نبّه القطا ... ولو لم تنبّه باتت الطّير لا تسرى)

стр. 716

١٧٣- مدرج الريح ١٣٠٦* هو عامر بن المجنون، من قضاعة. وسمّى «مدرج الرّيح» لقوله: ولها بأعلى الجزع ربع دارس ... درجت عليه الرّيح بعدك فاستوى «١»

стр. 717

١٧٤- أنس بن أبى أناس «١» ١٣٠٧* هو (أنس بن أبى أناس) بن زنيم، (وهو) من كنانة من الدّؤل، رهط أبى الأسود (الدّؤلى) ، وكان أعور. ١٣٠٨* وأبوه أبو أناس شاعر شريف، وهو القائل فى رسول الله ﷺ : فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أعفّ وأوفى ذمّة من محمّد «٢» ١٣٠٩* وفى أنس يقول أبو الأسود: تبدّلت من أنس أنّه ... كذوب الأمانة خوّانها ١٣١٠* وأنس (هو) القائل لعبد الله بن الزّبير، حين تزوّج مصعب عائشة بنت طلحة على ألف ألف درهم: أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... من ناصح لك لا يريد خداعا بضع الفتاة بألف ألف كامل ... وتبيت سادات الجنود جياعا لو لأبى حفص أقول مقالتى ... وأقصّ شأن حديثكم لارتاعا ١٣١١* وعمّ أنس: سارية بن زنيم، الذى قال له عمر ﵁: يا سارية، الجبل الجبل. ١٣١٢* ولمّا ولىّ حارثة بن بدر الغدانىّ سرّق كتب إليه أنس:

стр. 718

أحار بن بدر قد وليت إمارة ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق وباه تميما بالغنى، إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق فإنّ جميع النّاس إمّا مكذّب ... يقول مما يهوى وإمّا مصدّق يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... وإن قيل: هاتوا حقّقوا، لم يحقّقوا فلا تحقرن يا حار شيئا أصبته ... فحظّك من ملك العراقين سرّق فلمّا بلغت حارثة قال: لا يعمى عليك الرّشد.

стр. 719

١٧٥- المقنع (الكندى) «١» ١٣١٣* هو محمّد بن عمير «٢» ، من كندة. وكان من أجمل الناس وجها، وأمدّهم قامة، فكان إذا كشف عن وجهه لقع، أى أصيب بالعين، فكان يتقنّع دهره، فسمّى المقنّع. ١٣١٤* وهو القائل فى قومه: لا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا وليسوا إلى نصرى سراعا، وإن هم ... دعونى إلى نصر أتيتهم شدّا إذا أكلوا لحمى وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدى بنيت لهم مجدا يعيّرنى بالدّين قومى، وإنّما ... ديونى فى أشياء تكسبهم حمدا ١٣١٥* وهو القائل: وفى الظّعائن والأحداج أحسن من ... حلّ العراق وحلّ الشّأم واليمنا «٣» جنّيّة من نساء الإنس أحسن من ... شمس النّهار وبدر اللّيل لو قرنا وفيها يقول: وصاحب السّوء كالدّاء العياء إذا ... ما ارفض فى الجلد يجرى هاهنا وهنا يبدى ويخبر عنّ عورات صاحبه ... وما يرى عنده من صالح دفنا إن يحى ذاك فكن منه بمعزلة ... أو مات ذاك فلا تشهد له جننا «٤»

стр. 720

١٧٦- يحيى بن نوفل اليمانى «١» ١٣١٦* هو من حمير، ويكنى أبا معمر. ويقال إنّه كان أوّلا ينتمى إلى ثقيف، فلمّا ولّى الحجّاج خالد بن عبد الله القسرىّ العراق ادّعى أنّه من حمير. ١٣١٧* وكان أبان بن الوليد البجلىّ فى زمن الحجّاج (بن يوسف) فى كتّاب ديوان الضّياع، يجرى عليه الرزق، فلمّا ولّى الحجّاج خالدا ولّى أبانا ما وراء بابه من حرب السّواد وخراجه، فدخل يحيى بن نوفل من حسده ما لم يملكه، فقالت له امرأته (هشيمة) : ما لى أراك لا تدخل إلا عابسا، وأرى الناس قد أصابوا من خالد، غيرك، وأنت شاعر مصرك؟ فقال: تقول هشيمة فيما تقول: ... مللت الحياة أبا معمر وما لى ألّا أملّ الحياة ... وهذا بلال على المنبر وهذا أخوه يقود الجيوش ... عظيم السّرادق والعسكر وأمّا ابن سلمى فشبه الفتاة ... بكور على الكحل والمجمر دبوب العشاء إذا أطعمت ... حليلة كلّ فتى معور «٢» وأمّا ابن أشعث ذو التّرهّات ... وذو الكذب والزّور والمنكر فلو قيل: عبد شرته التّجار ... سبىّ من الرّوم، لم ينكر وأمّا ابن ماهان بعد الشّقاء ... وبعد الخياطة فى كسكر يروح يسامى ملوك العراق ... وقد عاش حينا ولم يذكر

стр. 721

يروح إذا راح فى المعسرين ... وإن أيسر الناس لم يوسر وأمّا المكحّل وهب الهناة ... فلو دهق الدّهر لم يصبر «١» عن الصّنج والزّفن والمسمعات ... وقرع القواقيز والمزهر «٢» ولا عن هنات له لو ظهرن ... فمات عليهنّ لم يقبر وهذا ابن زيد له جبّة ... تفوح من المسك والعنبر وهذا أبان بنىّ الوليد ... خطيب إذا قام لم يحصر أبعد الدّواة وبعد الطّروس ... وبعد انكباب على الدّفتر ولو حلّ ضيف به لم يزده ... على الأبيضين مع الصّعتر «٣» ١٣١٨* وكان يحيى بن نوفل كثير الهجاء ولا يكاد يمدح أحدا. ١٣١٩* وهو القائل لبلال بن أبى بردة: فلو كنت ممتدحا للنّوال ... فتى لامتدحت عليه بلالا ولكنّنى لست ممّن يريد ... بمدح الرّجال الكرام السّؤالا سيكفى الكريم إخاء الكريم ... ويقنع بالودّ منه نوالا ١٣٢٠* ودخل على ابن شبرمة القاضى، وهو عليل من سقطة سقطها عن دابّته، فوثئت رجله «٤» ، فقال:

стр. 722

أقول غداة أتانا الخبير ... يدسّ أحاديثه هينمه «١» لك الويل من مخبر ما تقول ... أبن لى وعدّ عن الجمجمه «٢» فقال خرجت وقاضى القضا ... ة منفكّة رجله مؤلمه فقلت وضاقت علىّ البلاد ... وخفت المجلّلة المعظمه فغزوان حرّ وأمّ الوليد ... إن الله عافى أبا شبرمه جزاء لمعروفه عندنا ... وما عتق عبد له أو أمه فقال ابن شبرمة: جزاك الله خيرا يا أبا معمر! وكان فى المجلس جار له، فلمّا خرج قال له: يا أبا معمر، أنا جارك منذ ثلاثين سنة، وما أعرف غزوان ولا أمّ الوليد؟! فقال: (رحمك الله) ، هما سنّوران عندى فى البيت. ١٣٢١* وهو القائل فى بلال بن أبى بردة: أبلال إنّى رابنى من شأنكم ... قول تزيّنه وفعل منكر ما لى أراك إذا أردت خيانة ... جعل السّجود بحرّ وجهك يظهر متخشّعا طبنا لكلّ عظيمة ... تتلو القرآن وأنت ذئب أغبر «٣» ١٣٢٢* وممّا يسأل عنه من شعره قوله فى سالم بن المسيّب: فتى قد كان يعمل إصبعيه ... بنافذة من البيض القصار

стр. 723

يعنى الإبرة، يريد أنه خيّاط. ١٣٢٣* وقال ليزيد بن خالد بن عبد الله القسرىّ: فما تسعون تحفزها تحفزها ثلاث ... يضمّ حسابها رجل شديد بكفّ حزقّة جمعت لوجء ... بأنكد من عطائك يا يزيد «١» نحوه قول الخليل: فكفّ عن الخير مقبوضة ... كما نقصت مائة سبعه ويروى: كما حطّ عن مائة سيعه وأخرى ثلاثة آلافها ... وتسع مئيها لها شرعه «٢» ١٣٢٤* قال لزياد بن عمران البهرانىّ: أترى أنت يا ابن عمران أجدا ... دك كانوا يدرون ما بهراء «٣» لو سئلوا: ما كان بهراء؟ قالوا: ... هو إمّا بقل وإما دواء!

стр. 724

١٣٢٥* وقال لسعيد بن راشد: بكى الخرّ من إبطى سعيد بن راشد ... ومن استه تبكى بغال المواكب فوا عجبا حتّى سعيد بن راشد ... له حاجب بالباب من دون حاجب ١٣٢٦* وقال لبلال (بن أبى بردة) ، وكان مجذوما: فأمّا بلال فإنّ الجذا ... م جلّل ما جاز منه الوريدا فأنقع فى السّمن أوصاله ... كما أنقع الآدمون الثّريدا فأكسد سمن تجار العراق ... علينا فأصبح فينا كسيدا ١٣٢٧* وقال: إن يك عمر فصيح اللّسان ... خطيبا فإنّ استه تلحن عليك بسكّ ورمّانة ... وملح يدقّ ولا يطحن «١» وحلتيت كرمان والنّانخاة ... وموم يسخّن فى مدهن

стр. 725

١٧٧- العباس بن مرداس السلمى «١» ١٣٢٨* كان العباس يهاجى خفاف بن ندبة السّلمىّ «٢» ، ثمّ تمادى الأمر بينهما إلى أن احتربا، وكثرت القتلى بينهما، فقال الضحّاك بن عبد الله السلمىّ، وهو صاحب أمر بنى سليم: يا هؤلاء، إنّى أرى الحليم يعصى، والسفيه يطاع، وأرى أقرب القوم إليكما من لقيكما بهواكما، وقد علمتم ما هاج الحرب على العرب حتّى تفانت، فهذه وائل فى ضرع ناب، وعبس وذبيان فى لطمة فرس، وأهل يثرب فى كسعة رجل، ومراد وهمدان فى رمية نسر، وأمركما أقبح الأمور بدءا، وأخوفها عاقبة، فحطّا رحل هذه المطيّة النّكداء، وانحرفا عن هذا الرأى الأعوج. فلجّا وأبيا إلّا السفاهة، فخلعتهما بنو سليم، وأتاهما دريد بن الصّمّة ومالك بن عوف النّصرىّ رأس هوازن، فقال دريد: يا بنى سليم إنّه أعملنى إليكم صدر وادّ، ورأى جامع، وقد قطعتم بحربكم هذه يدا من أيدى هوازن، وصرتم بين صيد بنى الحارث وصهب بنى زبيد وجمار خثعم، وقد ركبتما شرّ مطيّة، وأوضعتما إلى شرّ غاية، فالآن قبل أن يندم الغالب، ويذلّ المغلوب، ثم سكت. فقال مالك بن عوف: كم حىّ عزيز الجار، مخوف الصبّاح. أولع بما أولعتم به، فأصبح ذليل الجار، مأمون الصبّاح، فانتهوا ولكم كفّ طويلة وقرن ناطح، قبل أن تلقوا عدوّكم بكفّ جذماء وقرن أعضب. فندم العبّاس، وقال: جزى الله خفافا والرّحم عنّى شرّا، كنت أخفّ سليم من

стр. 726

دمائها ظهرا، وأخمصها من أموالها بطنا، فأصبحت ثقيل الظهر من دمائها، منفضج البطن من أموالها، وأصبحت العرب تعيّرنى بما كنت أعيّرها به من لجاج الحرب، وايم الله لوددت أنى كنت أصمّ عن جوابه، أخرس عن هجائه، ولم أبلغ من قومى ما بلغت. فلما أمسى تغنّى: ألم تر أنّى كرهت الحروب ... وأنّى ندمت على ما مضى ندامة زار على نفسه ... لتلك التّى عارها يتّقى وأيقنت أنّى لما جئته ... من الأمر لابس ثوبى خزى «١» حياء، ومثلى حقيق به ... ولم يلبس القوم مثل الحيا وكانت سليم إذا قدّمت ... فتى للحوادث كنت الفتى وكنت أفىء عليها النّهاب ... وأنكى عداها وأحمى الحمى فلم أوقد الحرب حتى رمى ... خفاف بأسهمه من رمى فألهب حربا بأصبارها ... فلم أك فيها ضعيف القوى «٢» فإن تعطف القوم أحلامها ... ويرجع من ودّهم ما نأى فلست فقيرا إلى حربهم ... ولا بى عن سلمهم من غنى فأجابه خفاف: أعبّاس إمّا كرهت الحروب ... فقد ذقت من عضّها ما كفى

стр. 727

أألقحت حربا لها درّة ... زبونا تسعّرها باللّظى فلما ترقّيت فى غيّها ... دحضت وزلّ بك المرتقى فأصبحت تبكى على زلّة ... وماذا يردّ عليك البكى فإن كنت أخطأت فى حربنا ... فلسنا مقيليك ذاك الخطا وإن كنت تطمع فى سلمنا ... فزاول ثبيرا وركنى حرى ١٣٢٩* وأسلم العبّاس قبل فتح مكة، وحضر مع النبى ﷺ يوم الفتح، فى تسع مائة ونيّف من سليم، بالقنا والدروع على الخيل، وكان يرجع إلى بلاد قومه، ولا يسكن مكة ولا المدينة. ١٣٣٠* وله ابن يقال له جاهمة «١» ، يروى عن النبى ﷺ أحاديث. ١٣٣١* وكان للعباس فرس يقال له: العبيد. وقد ذكره حين قصّر به رسول الله ﷺ عمّا أعطاه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس؛ فقال «٢» : أتجعل نهبى ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع وكانت نهابا تلافيتها ... بكرى على المهر فى الأجرع وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع وقد كنت فى الحرب ذا تدرإ ... فلم أعط شيئا ولم أمنع «٣» وكانت أفائل أعطيتها ... عديد قوائمه الأربع فقال رسول الله ﷺ : «اقطعوا عنا لسانه» . فزادوه.

стр. 728

١٧٨- دريد بن الصمة «١» ١٣٣٢* هو دريد بن الصّمّة، من جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان. ويكنى أبا قرّة. وهوازن أخو سليم ابن منصور. ١٣٣٣* وكان دريد من فخذ من جشم يقال لهم بنو غزيّة. ١٣٣٤* وأمّه ريحانة بنت معدى كرب أخت عمرو بن معدى كرب. وعمرو خاله «٢» . ١٣٣٥* وهو أحد الشّجعاء المشهورين، وذوى الرأى فى الجاهليّة. ١٣٣٦* وشهد يوم حنين مع هوازن وهو شيخ كبير فى شجار له يقاد به. والشجار: مركب دون الهودج مكشوف الرأس، فقال: بأى واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، ثم قال لمالك بن عوف: مالى أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء؟ فقال مالك: يا أبا قرّة، إنى سقت مع الناس أموالهم وذراريّهم،

стр. 729

وأردت أن أجعل خلف كلّ رجل أهله وماله يقاتل عنه، فأنقض به دريد، ثم قال: رويعى ضأن والله! وهل يردّ المنهزم شىء؟! وقال: هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه وقال «١» : يا ليتنى فيها جذع ... أخبّ فيها وأضع «٢» أقود وطفاء الزّمع ... كأنها شاة صدع «٣» وقتل دريد يومئذ فيمن قتل من المشركين «٤» . ١٣٣٧* ومن جيد شعره قوله «٥» : أمرتهم أمرى بمنعرج اللّوى ... فلم يستبينوا الرّشد إلا ضحى الغد فلمّا عصونى كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم، وأنّنى غير مهتدى وهل أنا إلا من غزيّة إن غوت ... غويت، وإن ترشد غزيّة أرشد تنادوا فقالوا: أردت الخيل فارسا ... فقلت: أعبد الله ذلكم الرّد فجئت إليه والرماح تنوشه ... كوقع الصيّاصى فى النّسيج الممدّد فطاعنت عنه الخيل حتّى تبدّدت ... وحتى علانى حالك اللّون أسود قتال امرىء آسى أخاه بنفسه ... ويعلم أن المرء غير مخلد

стр. 730

فإن يك عبد الله خلّى مكانه ... فما كان وقّافا ولا رعش اليد كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على الجلّاء طلّاع أنجد قليل تشكّيه المصائب حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث فى غد صبا ما صبا حتّى علا الشيب رأسه ... فلمّا علاه قال للباطل ابعد وطيّب نفسى أنّنى لم أقل له ... كذبت، ولم أبخل بما ملكت يدى ١٣٣٨* وقوله: أبى القتل إلا آل صمّة أنّهم ... أبوا غيره والقدر يجرى إلى القدر فإمّا ترينا لا تزال دماؤنا ... لدى واتر يسعى بها آخر الدّهر فإنّا للحم السّيف غير نكيرة ... ونلحمه حينا وليس بذى نكر قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا ... فما ينقضى إلا ونحن على شطر ١٣٣٩* قال: وكان عبد الله بن الصّمة أخو دريد أغار على إبل لعبس وفزارة، ومعه دريد، بعد أن أشار عليه دريد ألا يفعل، فخالفه، فخرجت عليهم الخيل، فاستحرّ القتال فى بنى جشم، وقتل عبد الله بن الصمة، وصرع دريد، فقال ابن خرشاء العبسىّ: أمّا أنا فأشهد أن دريدا حىّ، فقال له الربيع ابن زياد: وما علمك بذلك؟ قال: أرى عرقا ينبض فى باطن عجانه، فدعنى أبقره بالرمح، فنهاه، فقال: أما والله ليملأنّها عليك عاما قابلا شرّا. ثم إنّ الربيع أمر بحمله حتى بلّغه مأمنه وكانت لدريد عنده يد متقدّمة، فجازاه بذلك. ثم إنّ هوازن عقدت له رئاسة عبد الله أخيه، فخرج بهم، فلقى جماعة عبس وذبيان، فقتل منهم زهاء مائة قتيل، وأسر ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب، قاتل عبد الله بن الصّمّة، وبعث به إلى أمّه ريحانة، لتقتله بعبد الله فلم يصل

стр. 731

إليها حتّى قتل. وفى ذلك يقول دريد «١» : قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب ١٣٤٠* وكانت أمّ دريد حضّضتّه بشعر لها على الطلب بثأر عبد الله أخيه، فقال: ثكلت دريدا إن أتت لك شتوة ... سوى هذه حتّى تدور الدّوائر وشيّب رأسى قبل حين مشيبه ... بكاؤك عبد الله والقلب طائر إذا أنا حاذرت المنيّة بعده ... فلا وألت نفس عليها أحاذر «٢»

стр. 732

١٧٩- إبراهيم بن هرمة «١» ١٣٤١* هو من الخلج «٢» . والخلج من قيس عيلان. ويقال إنّهم من قريش، فسمّوا الخلج لأنّهم اختلجوا منهم. ١٣٤٢* وكان إبراهيم من ساقة الشعراء. ١٣٤٣* حدثنى عبد الرحمن عن الأصمعىّ (أنّه) قال: ساقة الشعراء «٣» : ابن ميّادة، وابن هرمة، ورؤبة، وحكم الخضرىّ، (حىّ من محارب) ، ومكين العذرىّ، وقد رأيتهم أجمعين. ١٣٤٤* وكان إبراهيم مولعا بالشراب، وأخذه خثيم بن عراك صاحب شرط المدينة لزياد بن عبيد الله الحارثى فى ولاية أبى العبّاس، فجلده الحدّ، فقال ابن هرمة: عققت أباك ذا نشب ويسر ... فلمّا أفنت الدّنيا أباكا علقت عداوتى، هذى لعمرى ... ثياب السّرّ تلبسها عراكا ١٣٤٥* ولمّا ولى أبو جعفر شخص إليه وامتدحه، فاستحسن شعره، وقال: سل حاجتك، قال: تكتب إلى عامل المدينة أن لا يحدنّى إذا أتى بى إليه وأنا سكران!! قال أبو جعفر: هذا حدّ من حدود الله (تعالى) ، وما كنت لأعطّله،

стр. 733

قال: فاحتل لى (فيه) يا أمير المؤمنين، فكتب إلى عامل المدينة: من أتاك بابن هرمة وهو سكران فاجلده مائة جلدة، واجلد ابن هرمة ثمانين! فكان العون «١» يمرّ به وهو سكران فيقول: من يشترى ثمانين بمائة!! ويجوزه. ١٣٤٦* وإبراهيم القائل: إنّى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّى زندا شحاحا «٢» كتاركة بيضها بالعراء ... وملحفة بيض أخرى جناحا ١٣٤٧* وممّا يستجاد له من شعره قوله: قد يدرك الشّرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع «٣» إمّا ترينى شاحبا متبذّلا ... كالسّيف يخلق جفنه فيضيع فلربّ ليلة لذّة قد بتّها ... وحرامها بحلالها مدفوع ١٣٤٨* ويستجاد له قوله فى الكلب «٤» : يكاد إذا ما أبصر الضّيف مقبلا ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم

стр. 734

١٨٠- العمانى «١» ١٣٤٩* هو محمّد بن ذؤيب الفقيمىّ، ولم يكن من أهل عمان، وإنّما قيل له «عمانىّ» لأنّ دكينا الراجز نظر إليه وهو يسقى الإبل ويرتجز، فرآه غلّيما مصفرّ الوجه ضريرا مطحولا «٢» ، فقال: من هذا العمانىّ؟ فلزمه الاسم. وإنما نسبه إلى عمان لأنّ عمان وبيّة، وأهلها مصفرّة وجوههم مطحولون، وكذلك البحران. قال الشاعر: من يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما فى بطنه وهو جائع ١٣٥٠* ودخل على الرشيد لينشده، وعليه قلنسوة، طويلة وخفّ ساذج، فقال له: إيّاك أن تنشدنى إلا وعليك عمامة عظيمة الكور وخفّان دلقمان «٣» ، فبكر عليه من الغد وقد تزيّا بزىّ الأعراب، ثم أنشده وقبّل يده، وقال: يا أمير المؤمنين، قد- والله- أنشدت مروان ورأيت وجهه وقبّلت يده وأخذت جائزته، ثم يزيد بن الوليد، وإبراهيم بن الوليد، ثم السفّاح، ثم المنصور، ثم المهدىّ، كلّ هؤلاء رأيت وجوههم وقبّلت أيديهم وأخذت جوائزهم، إلى كثير من أشباه الخلفاء وكبار الأمراء والسادة الرؤساء، لا والله ما رأيت فيهم أبهى منظرا ولا أحسن وجها ولا أنعم كفّا ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين، فأعظم له

стр. 735

الجائزة على شعره، وأضعف له على كلامه، وأقبل عليه فبسطه «١» ، حتى تمنّى جميع من حضر أنّه قام ذلك المقام. ١٣٥١ وكان العمانىّ يجيد وصف الفرس، فممّا أخذه أو أخذ منه قوله: كأنّ تحت البطن منه أكلبا ... بيضا صغارا ينتهشن المنقبا «٢» وقال آخر: كأنّ أجراء كلاب بيض ... دون صفاقيه إلى التّعريض «٣» وقال آخر: كأنّ قطّا أو كلابا أربعا ... دون صفاقيه إذا ما ضبعا «٤»

стр. 736

١٨١- بشار بن برد «١» ١٣٥٢* هو مولى لبنى عقيل، ويقال مولى لبنى سدوس، ويكنى أبا معاذ، ويلقّب المرعّث، والمرعّث: الذى جعل فى أذنيه الرّعاث، وهى القرطة. ١٣٥٣* ويرمى بالزندقة، وهو مع ذلك يقول: كيف يبكى لمحبس فى طلول ... من سيقصى ليوم حبس طويل إنّ فى البعث والحساب لشغلا ... عن وقوف برسم دار محيل ١٣٥٤* وبشّار أحد المطبوعين، الذين (كانوا) لا يتكلّفون الشعر، ولا يتعبون فيه، وهو من أشعر المحدثين «٢» . ١٣٥٥* وحضر يوما (عند) عقبة بن سلم، وعقبة بن رؤبة بن العجّاج ينشده رجزا يمتدحه فيه، فاستحسن بشّار الأرجوزة، فقال عقبة بن رؤبة: هذا طراز لا تحسنه (أنت) يا أبا معاذ! فقال بشّار: ألمثلى يقال هذا؟! أنا والله أرجز منك ومن أبيك ومن جدّك، ثم غدا على عقبة بن سلم بأرجوزته التى أوّلها: يا طلل الحىّ بذات الصّمد ... بالله خبّر كيف كنت بعدى «٣» وفيها يقول:

стр. 737

(ضنّت بخدّ وجلت عن خدّ ... ثمّ انثنت كالنّفس المرتدّ ما ضرّ أهل النّوك ضعف الكدّ ... أدرك حظّا من سعى بجدّ) «١» الحرّ يلحى العصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرّدّ وصاحب كالدّمّل الممدّ ... حملته فى رقعة من جلدى ١٣٥٦* وهذا مثل قول الآخر: لقد كنت فى قوم عليك أشحّة ... بنفسك إلا أنّ ما طاح طائح يودّون لو خاطوا عليك جلودهم ... ولا تدفع الموت النّفوس الشّحائح ١٣٥٧* وكان حمّاد عجرد يهجو بشّارا، فلم يكن فيما هجاه به شىء أشدّ على بشّار من قوله: ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمى القرد! وقوله: لو طليت جلدته عنبرا ... لنتّنت جلدته العنبرا أو طليت مسكا ذكيّا إذن ... تحوّل المسك عليه خرا ١٣٥٨* ومن جيّد شعر بشّار قوله فى عمر بن العلاء: إذا أيقظتك حروب العدى ... فنبّه لها عمرا ثمّ نم دعانى إلى عمر جوده ... وقول العشيرة: بحر خضمّ ولولا الّذى زعموا لم أكن ... لأحمد ريحانة قبل شمّ

стр. 738

١٣٥٩* ومن عجيب تشبيهه وهو أعمى، قوله فى الذّكر: وتراه بعد ثلاث عشرة قائما ... نظر المؤذّن شكّ يوم سحاب «١» ١٣٦٠* ومن خبيث هجائه قوله «٢» : ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنّه ... مخافة أن يرجى نداه حزين إذا جئته للعرف أغلق بابه ... فلم تلقه إلّا وأنت كمين فقل لأبى يحيى متى تبلغ العلى ... وفى كلّ معروف عليك يمين ١٣٦١* وفيه يقول: أجدّك يا ابن قزعة نلت مالا ... ألا إنّ الّلئام لهم جدود ومن حذر الزّيارة فى الهدايا ... أقمت دجاجة فيمن يزيد ١٣٦٢* وممّا سبق إليه بشّار قوله: كأنّ مثار النّقع فوق رؤسهم ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه «٣» أخذه العتّابىّ فقال: تبنى سنابكها من فوق أرؤسهم ... سقفا كواكبه البيض المباتير «٤»

стр. 739

١٣٦٣* ومن حسن شعره قوله: كأنّ فؤاده كرة تنزّى ... حذار البين لو نفع الحذار «١» (كأنّ جفونه سملت بشوك ... فليس لنومه فيها قرار «٢» أقول وليلتى تزداد طولا: ... أما للّيل بعدهم نهار) جفت عينى عن التّغميض حتّى ... كأنّ جفونها عنها قصار يروّعه السّرار بكلّ أمر ... مخافة أن يكون به السّرار ١٣٦٤* وممّا أفرط فيه قوله: إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشّمس أو قطرت دما وبعده: إذا ما أعرنا سيّدا من قبيلة ... ذرى منبر صلّى علينا وسلّما ١٣٦٥* وكان بشّار هجا المهدىّ، وذكر شغله بالشراب واللهو، فأمر به فقتل تغريقا فى الماء.

стр. 740

١٨٢- سديف بن ميمون «١» ١٣٦٦* هو مولى بنى العبّاس وشاعرهم. ويقال إنّه كان مولى لامرأة من خزاعة، وكان زوجها من اللهبيّين، فنسب إلى ولاء اللهبيين. ١٣٦٧* وكان يقول فى أيام بنى أميّة: اللهم قد صار فيئنا دولة بعد القسمة، وإمارتنا غلبة بعد المشورة، وعهدنا ميراثا بعد الاختيار للأمة، واشتريت الملاهى والمعازف بسهم اليتيم والأرملة، وحكم فى أبشار المسلمين أهل الذمّة، وتولّى القيام بأمورهم فاسق كلّ محلّة، اللهمّ وقد استحصد زرع الباطل، وبلغ نهيته «٢» ، واستجمع طريده، اللهمّ فأتح له من الحقّ يدا حاصدة تبدّد شمله، وتفرق أمره، ليظهر الحقّ فى أحسن صورته، وأتمّ نوره. ١٣٦٨* وهو القائل فى سليمان بن هشام لأبى العباس «٣» : لا يغزنّك ما ترى من رجال ... إنّ تحت الضّلوع داء دويّا فضع السّيف وارفع السّوط حتّى ... لا ترى فوق ظهرها أمويّا ١٣٦٩* وهو القائل: وأمير من بنى جمح ... طيّب الأعراق ممتدح
следующие страницы →