← Адаб

Адаб · id 23785

الشعر والشعراء

ابن قتيبة

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

للمنون دائرات يدرن صرفها ... هنّ ينتقيننا واحدا فواحدا ١٤٣٣* وقال أيضا: عتب ما للخيال خبّرينى ومالى ... لا أراه أتانى زائرا مذ ليالى لو رآنى صديقى رقّ لى أو رثى لى ... أو يرانى عدوّى لان من سوء حالى ١٤٣٤* وكانت عتبة هذه التى يشبّب بها جارية لريطة بنت أبى العبّاس السفّاح، وكانت تحت المهدىّ، فلمّا بلغ المهدىّ إكثاره فى وصفها غضب فأمر بحبسه، ثم شفع له يزيد بن منصور الحميرىّ خال المهدىّ، فأطلقه. ثم حبسه الرشيد، فكتب إليه من الحبس بأبيات فيها: تفديك نفسى من كلّ ما كرهت ... نفسك إن كنت مذنبا فاغفر يا ليت قلبى مصوّر لك ما ... فيه لتستيقن الّذى أضمر فوقّع الرشيد فى رقعته: لا بأس عليك. فأعاد عليه رقعة بأبيات، فيها: كأنّ الخلق ركّب فيه روح ... له جسد وأنت عليه راس أمين الله إنّ الحبس بأس ... وقد وقّعت: ليس عليك باس فأمر بإطلاقه. ١٤٣٥* وكتب إليه من الحبس: إنّما أنت رحمة وسلامه ... زادك الله غبطة وكرامه

стр. 772

قيل لى قد رضيت عنّى فمن لى ... أن أرى لى على رضاك علامه وحقيق ألّا يراع بسوء ... من رآك ابتسمت منه ابتسامه لو توجّعت لى فروّحت عنى ... روّح الله عنك يوم القيامة ١٤٣٦* وكان جعل أمره إلى خادم له يقال له ثابت، فكتب إليه: كفتنى العناية من ثابت ... بتثمير ما كان من غرسه وكان الشّفيع إلى غيره ... فصار الشّفيع إلى نفسه ١٤٣٧* وكان أبو العتاهية أتى أحمد بن يوسف الكاتب، فحجب عنه، فقال: متى يظفر الغادى إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم ١٤٣٨* وبعث إلى بعض الملوك بنعل، وكتب إليه: نعل بعثت بها لتلبسها ... تسعى بها قدم إلى المجد لو كان يحسن أن أشرّكها ... خدّى جعلت شراكها خدّى ١٤٣٩* وسمع بقول جميل: خليلىّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلى فأخذه كلّه فقال: يا من رأى قبلى قتيلا بكى ... من شدّة الوجد على القاتل ١٤٤٠* وسمعه رجل ينشد: فانظر بطرفك حيث شئت ... فلن ترى إلا بخيلا فقال له: بخّلت الناس جميعا؟! قال: فأكذبنى بسخىّ واحد!! ١٤٤١* وممّا يستحسن من شعره قوله:

стр. 773

ما أنا إلّا لمن بغانى ... أرى خليلى كما يرانى لست أرى ما ملكت طرفى ... مكان من لا يرى مكانى من ذا الّذى يرتجى الأقاصى ... إن لم ينل خيره الأدانى فلى إلى أن أموت رزق ... لو جهد الخلق ما عدانى لا ترتج الخير عند من لا ... يصلح إلا على الهوان فاستغن بالله عن فلان ... وعن فلان وعن فلان ولا تدع مكسبا حلالا ... تكون منه على بيان فالمال من حلّه قوام ... للعرض والوجه واللّسان والفقر ذلّ عليه باب ... مفتاحه العجز والتّوانى ورزق ربى له وجوه ... هنّ من الله فى ضمان سبحان من لم يزل عليّا ... ليس له فى العلوّ ثانى قضى على خلقه المنايا ... فكلّ شىء سواه فانى يا ربّ لم نبك من زمان ... إلا بكينا على الزّمان ١٤٤٢* ويستحسن له قوله: وعظتك أجداث صمت ... ونعتك أزمنة خفت وتكلّمت عن أوجه ... تبلى وعن صور سبت وأرتك قبرك فى القبو ... ر وأنت حىّ لم تمت ١٤٤٣* وشعره فى الزهد كثير حسن رقيق سهل. ومات سنة ٢٠٥ هـ. ١٤٤٤* ومما يستحسن له من شعره قصيدته التى أوّلها:

стр. 774

أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلّا لها ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها ١٤٤٥* وممّا نسب فيه إلى الزندقة قوله، وأشار إلى السماء: إذا ما استجزت الشّك فى بعض ما ترى ... فما لا تراه الدّهر أمضى وأجوز ١٤٤٦* وقوله: يا ربّ لو أنسيتنيها وهى ... فى جنّة الفردوس لم أنسها ١٤٤٧* وقوله: إنّ المليك رآك أح ... سن خلقه ورأى جمالك فحذا بقدرة نفسه ... حور الجنان على مثالك

стр. 775

١٩٤- أبو نواس «١» ١٤٤٨* هو الحسن بن هانىء، مولى الحكم بن سعد العشيرة، من اليمن، وهم الذين يقال فيهم: «حا وحكم» «٢» .

стр. 776

١٤٤٩* وفيه يقول والبة بن الحباب: يا شقيق النّفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم أنم فاسقنى البكر الّتى اعتجرت ... بخمار الشّيب فى الرّحم «١» ثمّت انصات الشّباب لها ... بعد أن جازت مدى الهرم «٢» فهى لليوم الّذى بزلت ... وهى تلو الدّهر فى القدم عتّقت حتّى لو اتّصلت ... بلسان ناطق وفم لاجتبت فى القوم ماثلة ... ثمّ قصّت قصّة الأمم قرعتها للمزاج يد ... خلقت للكأس والقلم فى ندامى سادة نجب ... أخذوا الّلذّات من أمم فتمشّت فى مفاصلهم ... كتمشّى البرء فى السّقم صنعت فى البيت إذ مزجت ... كصنيع الصّبح فى الظّلم فاهتدى سارى الظّلام بها ... كاهتداء السّفر بالعلم هكذا قال لى الدّعلجىّ، رجل صحب أبا نواس وأخذ عنه. على أن أكثر الناس ينسبون الشعر إلى أبى نواس. وإنّما هو لوالبة قاله فيه «٣» .

стр. 777

١٤٥٠* وكان أبو نواس بصريّا، قال: ألا كلّ بصرىّ يرى أنّما العلى ... مكمّمة سحق لهنّ جرين «١» وإن أك بصريّا فإنّ مهاجرى ... دمشق، ولكنّ الحديث شجون ١٤٥١* وقال «٢» : أيا من كنت بالبصر ... ة أصفى لهم الودّا شربنا ماء بغداد ... فأنساناكم جدّا فلا ترعوا لنا عهدا ... فما نرعى لكم عهدا جدوا منّا كما أنّا ... وجدنا منكم بدّا ١٤٥٢* وهو أحد المطبوعين: ١٤٥٣* قال لى شيخ لنا: لقيته يوما ومعى تفّاحة حسنة، فأريته إيّاها، وسألته أن يصفها، وما أريد بذلك إلا أن أعرف طبعه وسهولة الشعر عليه، فقال لى: نحن على الطريق، فمل بنا إلى المسجد، فملنا إليه، فأخذها وقلّبها بيده شيئا، ثم قال:

стр. 778

يا ربّ تفّاحة خلوت بها ... تشعل نار الهوى على كبدى قد بتّ فى ليلتى أقلّبها ... أشكو إليها تطاول الكمد لو أنّ تفّاحة بكت لبكت ... من رحمتى هذى التى بيدى وبسط يده فناولنيها. ١٤٥٤* وكان أبو نواس متفنّنا فى العلم، قد ضرب فى كل نوع منه بنصيب، ونظر مع ذلك فى علم النجوم، يدلّك على ذلك قوله «١» : ألم تر الشّمس حلّت الحملا ... وقام وزن الزّمان فاعتدلا وغنّت الطّير بعد عجمها ... واستوفت الخمر حولها كملا وكان بعضهم يذهب إلى أنّه أراد أن للخمر حولا منذ جرى الماء فى العود، وجعل ذلك الماء هو الخمر، لأنّه يصير عنبا فيعصر. وهذا قول، لولا أنّ الماء يجرى فى العود قبل حلول الشمس برأس الحمل بمدّة طويلة. ١٤٥٥* والذى عندى فيه: أن الهاء فى قوله «حولها» كناية عن الشمس، لا عن الخمر، كأنّه قال: واستوفت الخمر حول الشمس كملا. وقد تقدّم ذكر الشمس فى البيت الأوّل، فحسنت الكناية عنها. ومعنى استيفائها حول الشمس: أن الله ﵎ خلق الفلك والنجوم والشمس برأس الحمل، والنهار والليل سواء، والزمان معتدل فى الحرّ والبرد، فكلّما حلّت الشمس برأس الحمل فقد مضت سنة للعالم، فقد استوفت الخمر حول الشمس كملا، وإن هى لم يأت لها حول فى نفسها. وإنّما أراد أن الشّرب يطيب فى هذا الوقت لاعتدال الزمان،

стр. 779

وتفتّح الأنوار، وتفجّر المياه، وغناء الطير فى أفنان الشجر. ١٤٥٦* ويدلّ على علمه بالنجوم أيضا قوله فى قصيدة أوّلها «١» : أعطتك ريحانها العقار ... وحان من ليلك انسفار ثم وصف الخمر فقال: تخيّرت والنّجوم وقف ... لم يتمكن بها المدار يريد أن الخمر تخيّرت حين خلق الله الفلك. ١٤٥٧* وأصحاب الحساب يذكرون أن الله تعالى حين خلق النجوم جعلها مجتمعة واقفة فى برج ثم سيّرها من هناك، وأنّها لا تزال جارية حتّى تجتمع فى ذلك البرج الذى ابتدأها فيه، وإذا عادت إليه قامت القيامة وبطل العالم. والهند تقول: إنّها فى زمان نوح اجتمعت فى الحوت إلا يسيرا منها، فهلك الخلق بالطوفان، وبقى منهم بقدر ما بقى منها خارجا عن الحوت. ولم أذكر هذا لأنّه عندى صحيح، بل أردت به التنبيه على معنى البيت ونظر هذا الشاعر فى هذا الفنّ. ١٤٥٨* وممّا يغلط الناس فيه من شعره، إلا من أخذه عمّن سمعه منه، قوله «٢» : وخيمة ناطور برأس منيفة ... تهمّ يدا من رامها بزليل «٣»

стр. 780

وضعنا بها الأثقال قلّ هجيرة ... عبوريّة تذكى بغير فتيل «١» كأنّا لديها بين عطفى نعامة ... جفا زورها عن مبرك ومقيل تأيّت قليلا ثمّ فاءت بمذقة ... من الظّلّ فى رثّ الأباء ضئيل يروونه «رثّ الإناء» وليس للإناء هاهنا وجه، إنّما هو «رثّ الأباء» و «الأباء» : القصب. يريد أنّ الخيمة التى للناطور التى شبّهها بنعامة متجافية كانت من قصب. قد رثّ وأخلق، وأنه الشمس عند الزوال تأيّت قليلا، أى: احتبست قليلا وكذلك تكون فى ذلك الوقت كأنّها تتلبّث شيئا ثم تنحطّ للزوال. ألا ترى ذا الرّمّة يقول: والشّمس حيرى لها بالجوّ تدويم يريد بحيرى تلك الوقفة. فإذا انحطّت فقد زالت وفاءت بمذقة من الظلّ، أى: بشىء يسير منه، فى أباء رثّ، أى: فى قصب. وقوله «مذقة» يريد: ليس بظلّ خالص، وهو ظلّ خرج من خلل قصب رثّ، فهو ممتزج بالشمس، فكأنّه ممذوق. ١٤٥٩* ومثله قول أبى كبير: وضع النّعامات الرّحال بريدها ... يرفعن بين مشعشع ومظلّل ١٤٦٠* ومما أخذ عليه فى شعره قوله فى الأسد:

стр. 781

كأنّما عينه إذا نظرت ... بارزة الجفن عين مخنوق «١» وصفه بجحوظ العين، وإنّما يوصف الأسد بغؤورها. قال أبو زبيد: كأنّما عينه وقبان من حجر ... قيضا اقتياضا بأطراف المناقير «٢» ١٤٦١* وأخذ عليه من الإفراط قوله: حتّى الذى فى الرّحم لم يك صورة ... بفؤاده من خوفه خفقان «٣» جعل لما لم يخلق بعد ولم يصوّر فؤادا يخفق. ١٤٦٢* وكذلك قوله فى الرشيد: وأخفت أهل الشّرك حتّى إنّه ... لتخافك النّطف الّتى لم تخلق «٤» ١٤٦٣* وأخذ عليه قوله فى الناقة: كأنّما رجلها قفا يدها ... رجل وليد يلهو بدبّوق «٥» وإذا كانت كذلك كان بها عقّال، وهو من أسوإ العيوب «٦» . ١٤٦٤* وأخذ عليه قوله فى وصف الدار:

стр. 782

كأنّها إذ خرست جارم ... بين ذوى تفنيده مطرق «١» شبّه ما لا ينطق أبدا فى السكوت بما قد ينطق فى حال، وإنّما كان يجب أن يشبّه الجارم إذا عذلوه فسكت وأطرق وانقطعت حجّته بالدار، وإنّما هذا مثل قائل قال: مات القوم حتّى كأنّهم نيام!! والصواب أن يقول: نام القوم حتى كأنّهم موتى. ونحوه قول الأحمر: كأنّ نيرانهم من فوق حصنهم ... معصفرات على أرسان قصّار «٢» وإنّما كان ينبغى أن يقول: كأن المعصفرات نيران. ١٤٦٥* ومما يستخفّ من شعره قوله «٣» : قل لزهير إذا حدا وشدا ... أقلل وأكثر فأنت مهذار سخنت من شدّة البرودة ح ... تّى صرت عندى كأنّك النار لا تعجب السامعون من صفتى ... كذلك الثّلج بارد حار وهذا الشعر يدلّ على نظره فى علم الطبائع، لأنّ الهند تزعم أن الشىء إذا أفرط فى البرد عاد حارّا مؤذيا. ١٤٦٦* ووجدت فى بعض كتبهم: لا ينبغى للعاقل أن يغترّ باحتمال السلطان وإمساكه، فإنّه إمّا شرس الطبع بمنزلة الحيّة: إن وطئت فلم تلسع لم يغترّ بها فيعاد لوطئها، أو سميح الطبع، بمنزلة الصندل الأبيض البارد: إن أفرط فى

стр. 783

حكّه عاد حارّا مؤذيا. ١٤٦٧* وبلغنى أن بعض الخلفاء سأل ابن ماسويه عن أصلح ما انتقل به على النبيذ؟ فقال: نقل أبى نواس، وأنشده: ما لى فى الناس كلّهم مثل ... مائى خمر ونقلى القبل «١» يومى حتّى إذا العيون هدت ... وحان نومى فمفرشى كفل ١٤٦٨* وكان محمّد الأمين حبسه، فكتب إليه من الحبس «٢» : قل للخليفة إنّنى ... حتّى أراك بكل باس من ذا يكون أبا نوا ... سك إذ حبست أبا نواس! وكان حبسه لشىء عتب عليه فيه، فكتب إليه بهذين البيتين وهو على الشراب، فلمّا أن قرأهما تبسّم وقال: لا أبا نواس بعده، وناولهما الفضل بن الربيع، فشفع له، فأمر بإطلاقه والإقبال به إليه، فلمّا أن دخل عليه أمر له بعشرة آلاف درهم وحمله وكساه. ١٤٦٩* ومما قال فى الحبس للفضل بن الربيع، وهو ممّا يستخفّ من شعره «٣» : أنت يا ابن الرّبيع علّمتنى الخي ... ر وعوّدتنيه، والخير عاده فارعوى باطلى وراجعنى الحل ... م وأحدثت عفّة وزهاده لو ترانى ذكرت بى الحسن البص ... رىّ فى حال نسكه أو قتاده

стр. 784

من خشوع أزينه بنحول ... واصفرار مثل اصفرار الجراده «١» التّسابيح فى ذراعى والمص ... حف فى لبّتى مكان القلاده فإذا شئت أن ترى طرفة تع ... جب منها مليحة مستفاده فادع بى، لا عدمت تقويم مثلى، ... فتأمّل بعينك السّجّاده تر سيما من الصّلاة بوجهى ... توقن النّفس أنّها من عباده لو رآها بعض المرائين يوما ... لاشتراها يعدّها للشّهاده ولقد طال ما شقيت ولكن ... أدركتنى على يديك السّعادة فتلطف الفضل بن الربيع لإطلاقه، فقال «٢» : ما من يد فى الناس واحدة ... كيد أبو العبّاس مولاها نام الثّقات على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسى فأحياها قد كنت خفتك ثمّ أمّننى ... من أن أخافك خوفك الله فعفوت عنّى عفو مقتدر ... وجبت له نقم فألغاها ١٤٧٠* وكان كتب إلى محمد من الحبس «٣» : تذكّر أمين الله والعهد يذكر ... مقامى وإنشاديك والناس حضّر ونثرى عليك الدّرّ يا درّ هاشم ... فيا من رأى درّا على الدّرّ ينثر مضت لى شهور مذ حبست ثلاثة ... كأنّى قد أذنبت ما ليس يغفر فإن كنت لم أذنب ففيم تعنّتى ... وإن كنت ذا ذنب فعفوك أكبر

стр. 785

١٤٧١* ومن شعره الذى لا يعرف معناه قوله «١» : وجنّة لقّبت المنتهى ... ثمّ اسمها فى العجم خلّار «٢» قال أبو محمّد: لست أعرفه، ولا رأيت أحدا يعرفه، وهو يتلو بيتا عمّى فيه اسما فقال: قولك علّ من لعلّ ومن ... قولك يا حارث يا حار فهو بحذفى ذا وترخيم ذا ... أخ الّذى تلذعه النار يريد: راحة، ألا تراه إذا حذف أوّله كما يحذف أوّل «لعلّ» فيقول «علّ» ، وإذا رخّم آخره فحذف الهاء بقى منه أخ، ثم قال: وجنّة لقّبت المنتهى ١٤٧٢* وأمّا قوله فى الخمر «٣» : لا كرمها ممّا يذال ولا ... فتلت مرائرها على عجم «٤» فإنه يشكل معناه. والذى عندى فيه: أنّه وصف الخمر بالصّلابة والشدّة، فشبّهها بحبل فتلت قواه، وهى مرائره، بعد أن نقّيت من كسارة العيدان

стр. 786

ورضاضها، وإذا نقّيت من ذلك جاد الحبل وصلب واشتدّ فتله، وأمن انتشاره، وإذا قتل على تلك الكسارة وذلك الرّضاض لم يشتدّ الفتل، وأسرع إليها الانتشار. وأصل العجم: النّوى، شبّه ما يبقى من عيدان الكتّان فى مرائر الحبل به، وهذا مثل يضرب لكل شىء اشتدّ وقوى، فيقال: إنّه لذو مرّة، أى ذو فتل. وقال النبى ﷺ : «لا تحلّ الصدقة لغنى، ولا لذى مرّة سوىّ» «١» ، أى لذى قوّة، كأنّ القوىّ من الرجال فتل. ثم يقال: ولا فتلت مرائره على عجم، أى لم يفتل إلا بعد تنقية من العيدان المتكسرة وبعد تنظيف. ١٤٧٣* وكان أبو نواس ومسلم اجتمعا وتلاحيا، فقال له مسلم بن الوليد: ما أعلم لك بيتا يسلم من سقط! فقال له أبو نواس: هات من ذلك بيتا واحدا، فقال له مسلم: أنشد أنت أىّ بيت شعر شئت من شعرك، فأنشد أبو نواس: ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحا ... وأملّه ديك الصّباح صياحا فقال له مسلم: قف عند هذا البيت، لم أملّه ديك الصباح وهو يبشّره بالصبوح الذى ارتاح له؟ قال له أبو نواس: فأنشدنى أنت فأنشده مسلم: عاصى الشّباب فراح غير مفنّد ... وأقام بين عزيمة وتجلّد فقال له أبو نواس: ناقضت، ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلا بانتقال من مكان إلى مكان، ثم قلت: وأقام بين عزيمة وتجلّد، فجعلته متنقلا مقيما!! وتشاغبا فى ذلك ثم فترقا. ١٤٧٤* قال أبو محمّد: والبيتان جميعا صحيحان لا عيب فيهما، غير أنّ

стр. 787

من طلب عيبا وجده، أو أراد إعناتا قدر عليه، إذا كان متحاملا متحيّنا، غير قاصد للحقّ والإنصاف «١» . ١٤٧٥* وممّا كفر فيه أو قارب قوله: تعللّل بالمنى إذ أنت حىّ ... وبعد الموت من لبن وخمر حياة ثم موت ثم بعث ... حديث خرافة يا أمّ عمرو ١٤٧٦* وقوله فى محمّد الأمين: تنازع الأحمدان الشّبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قدّ الشّراكان مثلان لا فرق فى المعقول بينهما ... معناهما واحد والعدّة اثنان ١٤٧٧* وقوله فى غلام: نتيج أنوار سمائيّة ... حليف تقديس وتطهير يكلّ عن إدراك تحد يده ... عيون أوهام الضّمائير فتّ مدى وصفى، ولكنّ ذا ... ، تفديك نفسى، جهد مقدورى وكيف أحكى وصف من جلّ أن ... يحكيه عند الوصف تدبيرى إلا بما تخبر أمشاجه ... من كامن فيهنّ مستور ١٤٧٨* وقوله لغلام: يا أحمد المرتجى فى كلّ نائبة ... قم سيّدى نعص جبّار السّموات «٢»

стр. 788

١٤٧٩* وقال له الرشيد: ابن الّلخناء، أنت المستخفّ بعصى موسى نبى الله! إذ تقول: فإن يك باقى سحر فرعون فيكم ... فإنّ عصى موسى بكفّ خصيب! «١» وقال لإبراهيم بن عثمان بن نهيك: لا يأوى إلى عسكرى من ليلته، فقال له: يا سيّدى، فأجل ثمود؟ فضحك، وقال: أجّله ثلاثا، فقال محمّد لإبراهيم: والله لئن حصصت منه شعرة لأقتلنّك، فأقام عند إبراهيم حتى مات هارون، فأخرجه محمّد. ١٤٨٠* ومات فى سنة ١٩٩ هـ، وهو ابن اثنتين وخمسين سنة. ١٤٨١* وقد سبق إلى معان فى الخمر لم يأت بها غيره، كقوله فى وصفها «٢» : وخدين لذّات معلّل صاحب ... يقتات منه فكاهة ومزاحا «٣» قال: ابغنى المصباح، قلت له: اتّئد ... حسبى وحسبك ضوؤها مصباحا فسكبت منها فى الزّجاجة شربة ... كانت له حتّى الصّباح صباحا ١٤٨٢* وقوله فى ذلك «٤» : لا ينزل اللّيل حيث حلّت ... فدهر شرّابها نهار حتى لو استودعت سرارا ... لم يخف فى ضوئها السّرار

стр. 789

السّرار: استسرار القمر ليلة الثلاثين «١» يقول: هى من ضوئها لو استودعت ما ليس شيئا لم يخف ذلك فى ضوئها. وهذا من الإفراط. ١٤٨٣* وقال بعض المتقدمين: طوت لقحا مثل السّرار فبشّرت ... بأسحم رنّان العشيّة مسبد «٢» أى: خفيّا مثل السّرار. ١٤٨٤* وقوله فى ذلك «٣» : وخمّار حططت إليه ليلا ... قلائص قد ونين من السّفار «٤» فجمجم والكرى فى مقلتيه ... كمخمور شكا ألم الخمار: أبن لى كيف صرت إلى حريمى ... ونجم اللّيل مكتحل بقار؟ فقلت له: ترفّق بى فإنى ... رأيت الصبّح من خلل الدّيار فكان جوابه أن قال: صبح ... ولا صبح سوى ضوء العقار وقام إلى العقار فسدّ فاها ... فعاد اللّيل مصبوغ الإزار

стр. 790

١٤٨٥* وقوله فى نحو ذلك: كأنّ يواقيتا رواكد حولها ... وزرق سنانير تدير عيونها «١» ١٤٨٦* وقوله فى مثل ذلك «٢» : شككت بزالها واللّيل داج ... فسال إلىّ عيّوق الظّلام «٣» ١٤٨٧* وفى ذلك يقول «٤» : فتعزّيت بصرف عقار ... نشأت فى حجر أمّ الزّمان فتناساها الجديدان حتى ... هى أنصاف شطور الدّنان فافترعنا مزّة الطّعم فيها ... نزق البكر ولين العوان «٥» واحتسينا من عتيق رقيق ... وشديد كامن فى ليان لم يجفها مبزل القوم حتى ... نجمت مثل نجوم السّنان «٦» أو كعرق السّام تنشقّ عنه ... شعب مثل انفراج البنان والسّام: عروق الذهب، شبّهها، حين بزلت وانشقّ ماخرج عنها من المبزل فصار شعبا، بعروق السّام إذا انفرجت انفراج الأصابع. ١٤٨٨* وفى نحو ذلك يقول «٧» :

стр. 791

إذا عبّ فيها شارب القوم خلته ... يقبّل فى داج من اللّيل كوكبا ترى حيث ما كانت من البيت مشرقا ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا ١٤٨٩* وله فى تصاوير الكؤوس معنى سبق إليه، وهو قوله «١» : تدور علينا الراح فى عسجديّة ... حبتها بألوان التّصاوير فارس قرارتها كسرى وفى جنباتها ... مها تدّريها بالقسىّ الفوارس «٢» فللخمر ما زرّت عليه جيوبها ... وللماء ما حازت عليه القلانس ١٤٩٠* وكذلك قوله «٣» : فحلّ بزالها فى قعر كأس ... محفّرة الجوانب والقرار رجال الفرس حول ركاب كسرى ... بأعمدة وأقبية قصار ١٤٩١* وكذلك قوله: بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكلّلة حافاتها بنجوم ١٤٩٢* وممّا سبق إليه فى الخمر قوله «٤» : من شراب ألذّ من نظر المع ... شوق فى وجه عاشق بابتسام ١٤٩٣* ونحو ذلك قوله «٥» : وكأنّها إنعام خلّة عاشق ... بالبذل بعد تعسّر ومكاس «٦»

стр. 792

ثم قال: والراح طيّبة وليس تمامها ... إلا بطيب خلائق الجلّاس فإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النّزع لا للنّاس وفى هذا حرف يؤخذ عليه، وهو قوله «ذاك النّزع» ، وكان ينبغى أن يقول «النزوع» ، يقال: نزعت عن الأمر نزوعا، ونزعت الشىء من مكانه نزعا، ونازعت إلى أهلى نزاعا «١» . ١٤٩٤* ومما يستحسن له فى الخمر قوله «٢» : لا تشنها بالتّى كرهت ... هى تأبى دعوة النّسب «٣» يريد: لا تطبخها فتخرج عن اسم الخمر، فيقال: مطبوخ، أو نبيذ، أحسبه قال: «لا تسمها بالتى كرهت» ، فهو أحسن وأشبه بالمعنى من «تشنها» فإن كانت الرواية «لا تشبها «٤» » فلعله أراد لا تمزجها بالماء، فإنها تأبى أن يقال خمر وفيها ماء، فكأنها ادّعت غير نسبها، وهو معنى حسن. ١٤٩٥* ومن قوله فى الحجاب وعتابه الفضل «٥» : أيّها الراكب المغذّ إلى الفض ... ل ترفّق فدون فضل حجاب ونعم هبك قد وصلت إلى الفض ... ل فهل فى يديك إلا السّراب؟

стр. 793

١٤٩٦* ومن خبيث هجائه قوله للفضل الرّقاشى «١» : وجدنا الفضل أكرم من رقاش ... لأنّ الفضل مولاه الرّسول فلو نضح القفا منه بماء ... بدا الينبوت منه والفسيل «٢» أراد قول النبى ﷺ : «أنا مولى من لا مولى له» «٣» . ١٤٩٧* وقال فى يؤيؤ «٤» : كيف خطا النّتن إلى منخرى ... ودونه راح وريحان أظنّ كرياسا طما فوقنا ... أو ذكر اليؤيؤ إنسان «٥» ١٤٩٨* وقال فى إسماعيل بن صبيح «٦» :

стр. 794

ألا قل لإسماعيل: إنّك شارب ... بكأس بنى ماهان ضربة لازم أتسمن أولاد الطّريد ورهطه ... بإهزال آل الله من نسل هاشم وتخبر من لاقيت أنّك صائم ... وتغدو بفرج مفطر غير صائم فإن يسر إسماعيل فى فجراته ... فليس أمير المؤمنين بنائم ١٤٩٩* وقال فيه «١» : بنيت بما خنت الإمام سقاية ... فلا شربوا إلا أمرّ من الصبّر «٢» فما كنت إلا مثل بائعة استها ... تعود على المرضى به طلب الأجر «٣» ١٥٠٠* وقال فيه «٤» : ألست أمين الله سيفك نقمة ... إذا ماق يوما فى خلافك مائق فكيف بإسماعيل يسلم مثله ... عليك ولم يسلم عليك منافق أعيذك بالرّحمن من شرّ كاتب ... له قلم زان وآخر سارق ١٥٠١* وقال فى جعفر بن يحيى «٥» :

стр. 795

عجبت لهارون الإمام وما الّذى ... يرجّى ويبغى منك يا خلقة السّلق «١» قفا خلف وجه قد أطيل كأنّه ... قفا مالك يقضى الهموم على بثق «٢» وأعظم زهوا من ذباب على خرا ... وأبخل من كلب عقور على عرق «٣» ترى جعفرا يزداد لؤما ودقّة ... إذا زاده الرّحمن فى سعة الرّزق «٤» ١٥٠٢* وهو القائل: يحبّ الشّمال إذا أقبلت ... لأن قيل مرّت بدار الحبيب وأحسب أيضا كذا فعله ... إذا ما تلقّته ريح الجنوب غناء قليل وحزن طويل ... تلقّى الرّياح بما فى القلوب ١٥٠٣* وممّا سبق إليه قوله فى إبليس: دبّ له إبليس فاقتاده ... والشّيخ نفّاع على لعنته عجبت من إبليس فى تيهه ... وعظم ما أظهر من نخوته تاه على آدم فى سجدة ... وصار قوّادا لذرّيّته ١٥٠٤* وفى هذا الشعر من مجونه أشياء تستغرب وتستخفّ.

стр. 796

١٥٠٥* وقال الرشيد: لو قيل للدنيا: صفى نفسك، وكانت ممّا تصف، لما عدت قول أبى نواس فيها: إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدّوّ فى ثياب صديق «١» ١٥٠٦* ومن خير شعره قوله فى محمّد الأمين يرثيه «٢» : طوى الموت ما بينى وبين محمّد ... وليس لما تطوى المنيّة ناشر وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لى شىء عليه أحاذر لئن عمرت دور بمن لا تحبّه ... لقد عمرت ممّن تحبّ المقابر ١٥٠٧* وقوله فيه يرثيه «٣» : أيا أمين الله من للنّدى ... وعصمة الضّعفى وفكّ الأسير خلّقتنا بعدك نبكى على ... دنياك والدّين بدمع غزير يا وحشتا بعدك ماذا بنا ... أحلّ من بعدك صرف الدّهور لا خير للأحياء فى عيشهم ... بعدك والزّلفى لأهل القبور ١٥٠٨* وقال فيه «٤» : أسلّى يا محمّد عنك نفسى ... معاذ الله والمنن الجسام فهلّا مات قوم لم يموتوا ... ودوفع عنك لى كأس الحمام كأنّ الدّهر صادف منك ثأرا ... أو استشفى بموتك من سقام

стр. 797

١٥٠٩* ومما يستحسن له قوله فى امرأة «١» : ومظهرة لخلق الله ودّا ... وتلقى بالتّحيّة والسّلام أتيت فؤادها أشكو إليه ... فلم أخلص إليه من الزّحام فيا من ليس يكفيها خليل ... ولا ألفا خليل كلّ عام أراك بقيّة من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام ١٥١٠* أخذه منه العبّاس بن الأحنف «٢» : يا فوز لم أهجركم لملالة ... منّى ولا لمقال واش حاسد لكنّنى جرّبتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد ١٥١١* ونحوه قول الأعرابىّ: ألمّا على دار لواسعة الحبل ... سواء عليها صالح القوم والرّذل ولو شهدت حجّاج مكّة كلّهم ... لراحوا وكلّ القوم منها على وصل ١٥١٢* ويستحسن له قوله «٣» : اسمى لوجهك يا منى صفة ... فكفى بوجهك مخبرا باسمى ثم قال: لا تفجعى أمّى بواحدها ... لن تخلفى مثلى على أمّى

стр. 798

قال أبو محمّد: ولا أرى هذا حسنا. ١٥١٣* ومثله قوله «١» : إنّ اسم حسن لوجهها صفة ... ولا أرى ذا لغيرها اجتمعا فهى إذا سمّيت فقد وصفت ... فيجمع اللّفظ معنيين معا ١٥١٤* ومما عمّى من الأسماء قوله «٢» : إذا ابتهلت سألت الله رحمته ... كنّيت عنك وما يعدوك إضمارى يريد أنه سأل الله رحمته، والناس يظنّون أنّها رحمة الله، وإنّما يسأله إنسانا يسمّى «رحمة» . ١٥١٥* وله أو لغيره: يمنعنى أن أكلّم الرّيما ... ميمين ألغيت منهما ميما «٣» ١٥١٦* ومن حسن معانيه قوله: يا قمرا للنّصف من شهره ... أبدى ضياء لثمان بقين يريد أنه أعرض عنه بوجهه فرأى نصفه. وقد ذكرت هذا فى خبر النّمر بن تولب فى بيت يشبهه «٤» .

стр. 799

١٥١٧* وقد كان يلحّن فى أشياء من شعره، لا أراه فيها إلا على حجّة من الشعر المتقدّم، وعلى علّة بيّنة من علل النحو. منها قوله: فليت ما أنت واط ... من الثّرى لى رمسا أمّا تركه الهمز فى «واطىء» فحجّته فيه أن أكثر العرب تترك الهمز، وأنّ قريشا تتركه وتبدل منه «١» . وأمّا نصه «رمسا» فعلى التمييز، والبغداديّون يسمّونه «التفسير» ألا تراه قال: «فليت ما أنت واط من الثرى لى» ! فتّم الكلام، وصار جواب «ليت» فى «لى» ثم بيّن من أىّ وجه يكون ذلك، فقال: «رمسا» أى: قبرا، كما تقول فى الكلام: ليت ثوبك هذا لى، ثم تقول: إزارا لأنّ جواب «ليت» صار فى قولك «لى» وصار الإزار تمييزا. ١٥١٨* ومنها قوله «٢» : وصيف كاس محدّثه ملك ... تيه مغنّ وظرف زنديق فجزم «محدّثة» لمّا تتابعت الحركات وكثرت، كما قال الآخر: إذا اعوججن قلت صاحب قوّم وكما قال امرؤ القيس «٣» : فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل

стр. 800

١٥١٩* ومنها قوله فى الخمر «١» : شمول تخطّتها المنون فقد أتت ... سنون لها فى دنّها وسنون تراث أناس عن أناس تخرّموا ... توارثها بعد البنين بنون فرفع نون الجماعة، وهذا يجوز فى المعتلّ، وقد أتى مثله، كأنّه لّما ذهب منه حرف صار كأنّه كلمة واحدة، وصارت «سنون» كأنّها «منون» والمنون: الدهر، و «بنون» كذلك «٢» : ١٥٢٠* ويتمثّل من شعره بقوله: ترى المعافى يعذل المبتلى ... ولا يلوم المبتلى المبتلى «٣» ١٥٢١* يستحسن له من التشبيه قوله فى البطّ: كأنّما يصفرن من ملاعق ... صرصرة الأقلام فى المهارق «٤» ١٥٢٢* وقوله فى المنسر: ومنسر أكلف فيه شغا ... كأنّه عقد ثمانينا «٥»

стр. 801

وقوله فى هذا الشعر أيضا: ألبسه التّكريز من حوكه ... وشيا على الجؤجؤ موضونا «١» له حراب فوق قفّازه ... يجمعن تأنيفا وتسنينا «٢» كلّ سنان عيج عن متنه ... تخال محنى عطفه نونا «٣» ١٥٢٣* وقوله «٤» : فى هامة علياء تهدى منسرا ... كعطفك الجيم بكفّ أعسرا يقول من فيها بعقل فكّرا: ... لو زادها عينا إلى فاء ورا فاتّصلت بالجيم كانت جعفرا ١٥٢٤* وقوله فى النرجس «٥» : لدى نرجس غضّ القطاف كأنّه ... إذا ما منحناه العيون عيون

стр. 802

١٥٢٥* وقوله فى الشباب «١» : كان الشّباب مظنّة الجهل ... ومحسّن الضّحكات والهزل يرويه الناس «مطيّة» «٢» ولا أراه إلا «مظنّة» لأنّ هذا الشطر للنابغة، فأخذه منه وهو قوله: فإنّ مظنّة الجهل الشّباب ... كان الجميل إذا ارتديت به ومشيت أخطر صيّت النّعل «٣» ... كان الفصيح إذا نطقت به وأصاخت الآذان للمملى ... كان المشفّع فى مآربه عند الفتاة ومدرك النّيل ... والباعثى والناس قد هجعوا حتى أكون خليفة البعل ... والآمرى حتّى إذا عزمت نفسى أعان يدىّ بالفعل ... فالآن صرت إلى مقاربة وحططت عن ظهر الصّبا رحلى ... والكأس أهواها وإن رزأت بلغ المعاش وقلّلت فضلى «٤» ... صفراء مجّدها مرازبها جلّت عن النّظراء والمثل «٥» ... ذخرت لآدم قبل خلقته فتقدّمته بحظوة القبل

стр. 803

فإذا علاها الماء ألبسها ... نمشا كشبه جلاجل الحجل «١» فأتاك شىء لا تلامسه ... إلا بحسن غريزة العقل فترود منها العين فى بشر ... حرّ الصّحيفة ناصع سهل حتّى إذا سكنت جوامحها ... كتبت بمثل أكارع النّمل خطّين من شتّى ومجتمع ... غفل من الإعجام والشّكل فاعذر أخاك فإنّه رجل ... مرنت مسامعه على العذل ١٥٢٦* وقوله «٢» : يا منّة يمتنّها السّكر ... ما ينقضى منّى لها الشّكر أعطتك قيد مناك من قبل ... من قبل كان مرامها وعر «٣» فى مجلس ضحك السّرور به ... عن ناجذيه وحلّت الخمر وهذا بيت يسأل عن معناه، وإنّما أخذه من قول امرىء القيس حين قتلت بنو أسد أباه، فحلف لا يشرب خمرا حتّى يدرك بثأره، فلمّا أدرك ثأره قال «٤» : حلّت لى الخمر وكنت امرا ... عن شربها فى شغل شاغل

стр. 804

١٥٢٧* وكان أبو نواس حلف لا يشرب خمرا حتّى يجمعه ومن يحبّ مجلس، فلمّا اجتمعا حلّت له الخمر، فقال: يثنى إليك بها سوالفه ... رشأ صناعة طرفه السّحر «١» ظلّت حميّا الكأس تبسطنا ... حتّى تهتّك بيننا السّتر «٢» ولقد تجوب بى الفلاة إذا ... صام النّهار وقالت العفر «٣» شدنيّة رعت الحمى فأتت ... ملء الحبال كأنّها قصر «٤» تثنى على الحاذين ذا خصل ... تعماله الخطران والشّذر «٥»

стр. 805

أمّا إذا رفعته شامذة ... فتقول رنّق فوقها نسر «١» أمّا إذا أرخته مسدلة ... فتقول أسدل خلفها ستر وتسفّ أحيانا فتحسبها ... مترسّما يقتاده أثر «٢» فإذا قصرت لها الزّمام سما ... فوق المقادم ملطم حرّ «٣» فكأنّها مصغ لتسمعه ... بعض الحديث بأذنه وقر «٤» تبرى لأنقاض ألمّ بها ... جذب البرى فخدودها صعر «٥» أسرى إليك بها بنو أمل ... عتبوا فأعتبهم بك الدّهر «٦» أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفّقا فكلاكما بحر لا تقعدا بى عن مدى أملى ... شيئا فما لكما به عذر ويحقّ لى إذ صرت بينكما ... ألا يحلّ بساحتى فقر «٧»

стр. 806

١٥٢٨* وقوله فى الرشيد «١» : ملك تصوّر فى القلوب مثاله ... فكأنّه لم يخل منه مكان ما تنطوى عنه القلوب بفجرة ... إلا يكلّمه بها اللّحظان «٢» ١٥٢٩* وقوله فيه «٣» : يحميك ممّا يستسرّ بنفسه ... ضحكات وجه لا يريبك مشرق حتّى إذا أمضى عزيمة رأيه ... أخذت بسمع عدوّه والمنطق ١٥٣٠* وقوله فى محمّد بن الفضل بن الربيع «٤» : أخذت بحبل من حبال محمّد ... أمنت به من نائب الحدثان تغطّيت من دهرى بظلّ جناحه ... فعينى ترى دهرى وليس يرانى ١٥٣١* وقوله «٥» : أوحده الله فما مثله ... لطالب ذاك ولا ناشد «٦» وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد

стр. 807

١٥٣١* وقوله «١» : أنت امرؤ أوليتنى نعما ... أوهت قوى شكرى فقد ضعفا فإليك بعد اليوم تقدمة ... لاقتك بالتّصريح منكشفا لا تحدثنّ إلىّ عارفة ... حتّى أقوم بشكر ما سلفا ١٥٣٣* وقوله فى غالب: ما كان لو لم أهجه غالب ... قام له شعرى مقام الشّرف يقول: قد أسرفت فى شتمنا ... وإنّما طار بذاك السّرف غالب لا تسع لبنى العلى ... بلغت مجدا بهجائى فقف وكان مجهولا ولكنّنى ... نوّهت بالمجهول حتّى عرف ١٥٣٤* ومن إفراط الهجاء قوله فى الرّقاشيّين «٢» : رأيت قدور النّاس سودا من الصّلى ... وقدر الرّقاشيّين بيضاء كالبدر «٣» يبيّنها للمعتفى بفنائهم ... ثلاث كخطّ الثّاء من نقط الحبر «٤» ولو جئتها ملأى عبيطا مجزّلا ... لأخرجت ما فيها على طرف الظّفر «٥» إذا ما تنادوا للرّحيل سعى بها ... أمامهم الحولىّ من ولد الذّرّ

стр. 808

١٩٥- العباس بن الأحنف «١» ١٥٣٥* هو من بنى حنيفة. ويكنى أبا الفضل، وكان منشأه بغداد. ١٥٣٦* ويدلّك على أنّه من بنى حنيفة قوله للمرأة: فإن تعتلونى لا تفوتوا بمهجتى ... مصاليت قومى من حنيفة أو عجل «٢» وقد خطّىء فى توعّده المرأة بطلب قومه بثأره إذا هو قتل عشقا، والعادة فى مثل هذا من الشعراء أن يجعلوا القتيل مطلولا. ١٥٣٧* وقال فيه مسلم: بنو حنيفة لا يرضى الدّعىّ بهم ... فاترك حنيفة واطلب غيرهم نسبا اذهب إلى عرب ترضى بنسبتهم ... إنى أرى لك وجها يشبه العربا «٣» ١٥٣٨* وكان العبّاس صاحب غزل، ويشبّه من المتقدّمين بعمر بن أبى ربيعة. ولم يكن يمدح ولا يهجو. ١٥٣٩* ومن حسن شعره قوله: أشّكو الّذين أذاقونى مودّتهم ... حتّى إذا أيقظونى بالهوى رقدوا ١٥٤٠* وقوله:

стр. 809

١٥٤٠* وقوله: لو كنت عاتبة لسكّن روعتى ... أملى رضاك وزرت غير مراقب «١» لكن مللت فلم تكن لى حيلة ... صدّ الملول خلاف صدّ العاتب ما ضرّ من قطع الرّجاء ببخله ... لو كان علّلنى بوعد كاذب ١٥٤١* وشبيه به قول الآخر: أمتّينى فهل لك أن تردّى ... حياتى من مقالك بالغرور «٢» أرى حبّيك ينمى كلّ يوم ... وجورك فى الهوى عدلا فجورى «٣» ١٥٤٢* ومن جيد شعر العبّاس قوله: أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا صرت كأنى ذبالة نصبت ... تضىء للناس وهى تحترق ١٥٤٣* وقوله: بكت غير آنسة بالبكاء ... ترى الدّمع فى مقلتيها غريبا وأسعدها نسوة بالبكاء ... جعلن مغيض الدّموع الجيوبا «٤» وفيها يقول: أيا من تعلّقته ناشئا ... فشبت ولم يأن لى أن أشيبا

стр. 810

ويا من دعانى إلى حبّه ... فلبّيت لمّا دعانى مجيبا وكم باسطين إلى وصلنا ... أكفّهم لم ينالوا نصيبا لعمرى لقد كذب الزاعمو ... ن أنّ القلوب تجازى القلوبا ولو كان ذاك كما يذكرو ... ن ما كان يشكو محبّ حبيبا وفيها يقول: وأنت إذا ما وطئت التّرا ... ب صار ترابك للناس طيبا ١٥٤٤* وقوله: أيا من سرورى به شقوة ... ومن صفو عيشى به أكدر تجنّيت تطلب لمّا مللت ... علىّ الذّنوب ولا تقدر فلو لم يكن بى بقيا عليك ... نظرت لنفسى كما تنظر وماذا يضرّك من شهرتى ... إذا كان أمرك لا يظهر «١» أمنّى تخاف انتشار الحديث ... وحظّى فى صونه أوفر وقال فيها: هبونى أغضّ إذا ما بدت ... وأملك طرفى فلا أنظر فكيف استتارى إذا ما الدّموع ... نطقن فبحن بما أضمر ١٥٤٥* ومن بديع تشبيهه قوله فى المرأة إذا مشت: كأنّها حين تمشى فى وصائفها ... تخطو على البيض أو خضر القوارير
следующие страницы →