Полный текст (1 008 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
١٥٢٨* وقوله فى الرشيد «١» :
ملك تصوّر فى القلوب مثاله ... فكأنّه لم يخل منه مكان
ما تنطوى عنه القلوب بفجرة ... إلا يكلّمه بها اللّحظان «٢»
١٥٢٩* وقوله فيه «٣» :
يحميك ممّا يستسرّ بنفسه ... ضحكات وجه لا يريبك مشرق
حتّى إذا أمضى عزيمة رأيه ... أخذت بسمع عدوّه والمنطق
١٥٣٠* وقوله فى محمّد بن الفضل بن الربيع «٤» :
أخذت بحبل من حبال محمّد ... أمنت به من نائب الحدثان
تغطّيت من دهرى بظلّ جناحه ... فعينى ترى دهرى وليس يرانى
١٥٣١* وقوله «٥» :
أوحده الله فما مثله ... لطالب ذاك ولا ناشد «٦»
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد
стр. 807
١٥٣١* وقوله «١» :
أنت امرؤ أوليتنى نعما ... أوهت قوى شكرى فقد ضعفا
فإليك بعد اليوم تقدمة ... لاقتك بالتّصريح منكشفا
لا تحدثنّ إلىّ عارفة ... حتّى أقوم بشكر ما سلفا
١٥٣٣* وقوله فى غالب:
ما كان لو لم أهجه غالب ... قام له شعرى مقام الشّرف
يقول: قد أسرفت فى شتمنا ... وإنّما طار بذاك السّرف
غالب لا تسع لبنى العلى ... بلغت مجدا بهجائى فقف
وكان مجهولا ولكنّنى ... نوّهت بالمجهول حتّى عرف
١٥٣٤* ومن إفراط الهجاء قوله فى الرّقاشيّين «٢» :
رأيت قدور النّاس سودا من الصّلى ... وقدر الرّقاشيّين بيضاء كالبدر «٣»
يبيّنها للمعتفى بفنائهم ... ثلاث كخطّ الثّاء من نقط الحبر «٤»
ولو جئتها ملأى عبيطا مجزّلا ... لأخرجت ما فيها على طرف الظّفر «٥»
إذا ما تنادوا للرّحيل سعى بها ... أمامهم الحولىّ من ولد الذّرّ
стр. 808
١٩٥- العباس بن الأحنف «١»
١٥٣٥* هو من بنى حنيفة. ويكنى أبا الفضل، وكان منشأه بغداد.
١٥٣٦* ويدلّك على أنّه من بنى حنيفة قوله للمرأة:
فإن تعتلونى لا تفوتوا بمهجتى ... مصاليت قومى من حنيفة أو عجل «٢»
وقد خطّىء فى توعّده المرأة بطلب قومه بثأره إذا هو قتل عشقا، والعادة فى مثل هذا من الشعراء أن يجعلوا القتيل مطلولا.
١٥٣٧* وقال فيه مسلم:
بنو حنيفة لا يرضى الدّعىّ بهم ... فاترك حنيفة واطلب غيرهم نسبا
اذهب إلى عرب ترضى بنسبتهم ... إنى أرى لك وجها يشبه العربا «٣»
١٥٣٨* وكان العبّاس صاحب غزل، ويشبّه من المتقدّمين بعمر بن أبى ربيعة. ولم يكن يمدح ولا يهجو.
١٥٣٩* ومن حسن شعره قوله:
أشّكو الّذين أذاقونى مودّتهم ... حتّى إذا أيقظونى بالهوى رقدوا
١٥٤٠* وقوله:
стр. 809
١٥٤٠* وقوله:
لو كنت عاتبة لسكّن روعتى ... أملى رضاك وزرت غير مراقب «١»
لكن مللت فلم تكن لى حيلة ... صدّ الملول خلاف صدّ العاتب
ما ضرّ من قطع الرّجاء ببخله ... لو كان علّلنى بوعد كاذب
١٥٤١* وشبيه به قول الآخر:
أمتّينى فهل لك أن تردّى ... حياتى من مقالك بالغرور «٢»
أرى حبّيك ينمى كلّ يوم ... وجورك فى الهوى عدلا فجورى «٣»
١٥٤٢* ومن جيد شعر العبّاس قوله:
أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا
صرت كأنى ذبالة نصبت ... تضىء للناس وهى تحترق
١٥٤٣* وقوله:
بكت غير آنسة بالبكاء ... ترى الدّمع فى مقلتيها غريبا
وأسعدها نسوة بالبكاء ... جعلن مغيض الدّموع الجيوبا «٤»
وفيها يقول:
أيا من تعلّقته ناشئا ... فشبت ولم يأن لى أن أشيبا
стр. 810
ويا من دعانى إلى حبّه ... فلبّيت لمّا دعانى مجيبا
وكم باسطين إلى وصلنا ... أكفّهم لم ينالوا نصيبا
لعمرى لقد كذب الزاعمو ... ن أنّ القلوب تجازى القلوبا
ولو كان ذاك كما يذكرو ... ن ما كان يشكو محبّ حبيبا
وفيها يقول:
وأنت إذا ما وطئت التّرا ... ب صار ترابك للناس طيبا
١٥٤٤* وقوله:
أيا من سرورى به شقوة ... ومن صفو عيشى به أكدر
تجنّيت تطلب لمّا مللت ... علىّ الذّنوب ولا تقدر
فلو لم يكن بى بقيا عليك ... نظرت لنفسى كما تنظر
وماذا يضرّك من شهرتى ... إذا كان أمرك لا يظهر «١»
أمنّى تخاف انتشار الحديث ... وحظّى فى صونه أوفر
وقال فيها:
هبونى أغضّ إذا ما بدت ... وأملك طرفى فلا أنظر
فكيف استتارى إذا ما الدّموع ... نطقن فبحن بما أضمر
١٥٤٥* ومن بديع تشبيهه قوله فى المرأة إذا مشت:
كأنّها حين تمشى فى وصائفها ... تخطو على البيض أو خضر القوارير
стр. 811
١٥٤٦* وقوله:
قلبى إلى ما ضرّنى داعى ... يكثر أسقامى وأوجاعى «١»
كيف احتراسى من عدوّى إذا ... كان عدوّى بين أضلاعى
يعنى قلبه.
١٥٤٧* ومن إفراطه قوله:
ومحجوبة بالسّتر عن كلّ ناظر ... ولو برزت باللّيل ما ضلّ من يسرى «٢»
أخذه من قول الأوّل «٣» :
وجوه لو أنّ المعتفين اعتشوا بها ... صدعن الدّجى حتّى ترى اللّيل ينجلى «٤»
وقول الآخر «٥» :
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الّليل حتّى نظّم الجزع ثاقبه
ثم قال العبّاس:
لخال بذاك الوجه أحسن عندنا ... من النّكتة السّوداء فى وضح البدر
١٥٤٨* وهو القائل:
ردّ الجبال الرّواسى من مواضعها ... أخفّ من ردّ نفس حين تنصرف
стр. 812
همّوا بهجرى وكانت فى نفوسهم ... بقيّة من هوى باق فقد وقفوا
١٥٤٩* وكان الرّشيد هجر جارية له «١» ، ونفسه بها متعلّقة، وكان يتوقّع أن تبدأه بالترضّى، فلم تفعل الجارية ذلك، حتى أقلقته وأرّقته، وبلغ ذلك العبّاس فقال:
صدّت مغاضبة وصدّ مغاضبا ... وكلاهما ممّا يعالج متعب
إنّ التّجنّب إن تطاول منكما ... دبّ السّلوّ له فعزّ المطلب «٢»
وبعث إليه بالبيتين، وبعث إليه ببيتين آخرين، وهما:
لا بدّ للعاشق من وقفة ... تكون بين الوصل والصّرم
حتّى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على رغم
فاستحسن الرشيد إصابته حاليها، وقال: أراجعها- والله- مبتدئا على رغم، وفعل ذلك وأمر للعباس بصلة سنيّة، وأمرت له «٣» الجارية بمثلها.
стр. 813
١٩٦- صريع الغوانى «١»
١٥٥٠* هو مسلم بن الوليد، من أبناء الأنصار. وكان مدّاحا محسّنا، وجلّ مدائحه فى يزيد بن مزيد، وداود بن يزيد المهلّبىّ «٢» ، والبرامكة، ومحمّد بن منصور بن زياد كاتبهم.
١٥٥١* وولّى فى خلافة المأمون بريد جرجان، فلم يزل بها حتّى مات وله عقب.
١٥٥٢* وكان يلقّب «صريع الغوانى» لقوله فى قصيدة له:
هل العيش إلا أن تروح مع الصّبا ... وتغدو صريع الكأس والأعين النّجل «٣»
١٥٥٣* وهو أوّل من ألطف فى المعانى ورقّق فى القول وعليه يعوّل الطائىّ فى ذلك وعلى أبى نواس.
١٥٥٤* وقد بيّن مسلم فى شعره بيته فى الأنصار بقوله:
تقسّمنى فى مالك آل مالك ... وفى أسلم الأثرين آل رزين
١٥٥٥* ومما يستحسن له من شعره قوله فى الوداع:
стр. 814
وإنّى وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الرّوع زايله النّصل «١»
فإن أغش قوما بعده أو أزرهم ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل
١٥٥٦* وقوله يهجو موسى بن خازم:
يا ضيف موسى أخى خزيمة صم ... أو فتزوّد إن كنت لم تصم «٢»
أطرق لمّا أتيت ممتدحا ... فلم يقل «لا» فضلا على «نعم»
فخفت إن مات أن أقاد به ... فقمت أبغى النّجاء من أمم «٣»
لو أنّ كنز البلاد فى يده ... لم يدع الاعتذار بالعدم
١٥٥٧* وقوله:
لن يبطىء الأمر ما أمّلت أوبته ... إذا أعانك فيه رفق متّئد
والدّهر آخذ ما أعطى، مكدّر ما ... صفّى، ومفسد ما أهوى له بيد «٤»
فلا تغرّنك من دهر عطيّته ... فليس يترك ما أعطى على أحد
١٥٥٨* ومن بديعه الذى امتثله الطائىّ وغيره:
إذا ما نكحنا الحرب بالبيض والقنا ... جعلنا المنايا عند ذاك طلاقها
١٥٥٩* ويستحسن له قوله فى الخمر:
شججتها بلعاب المزن فاعتزلت ... نسجين من بين محلول ومعقود «٥»
стр. 815
أهلا بوافداة للشيب واحدة ... وإن تراءت بشخص غير مودود
لا أجمع الحلم والصّهباء قد سكنت ... نفسى إلى الماء عن ماء العناقيد
١٥٦٠* ومن جيد شعره قوله فى المدح ليزيد بن مزيد:
موف على مهج فى يوم ذى رهج ... كأنّه أجل يسعى إلى أمل «١»
ينال بالرّفق ما يعيا الرّجال به ... كالموت مستعجلا يأتى على مهل
لا يرحل الناس إلا نحو حجرته ... كالبيت يضحى إليه ملتقى السّبل «٢»
يقرى المنيّة أرواح الكماة كما ... يقرى الضّيوف شحوم الكوم والبزل «٣»
يكسو السّيوف رؤوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذّبل
قد عوّد الطّير عادات وثقن بها ... فهنّ يتبعنه فى كلّ مرتحل
تراه فى الأمن فى درع مضاعفة ... لا يأمن الدّهر أن يؤتى على عجل «٤»
لله من هاشم فى أرضه جبل ... وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
صدّقت ظنّى وصدّقت الظّنون به ... وحطّ جودك عقد الرّحل من جملى «٥»
١٥٦١* وقوله فى صفة النساء:
خفين على غيب الظنون وغصّت ال ... برين فلم ينطق بأسرارها حجل «٦»
ولمّا تلاقينا قضى اللّيل نحبه ... بوجه لوجه الشّمس من مائه مثل
стр. 816
وخال كخال البدر فى وجه مثله ... لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل
وماء كعين الشّمس لا يقبل القذى ... إذا درجت فيه الصّبا خلته يعلو
من الضّحّك الغرّ الّلواتى إذا التقت ... يحدّث عن أسرارها السّبل الهطل «١»
صدعنا به حدّ الشّمول وقد طغت ... فالبسهما حلما وفى حلمها جهل
وفيها يقول يمدح الفضل بن يحيى:
تساقط يمناه النّدى وشماله ال ... ردّى، وعيون القول منطقه الفصل
عجول إلى أن يودع الحمد ماله ... يعدّ النّدى غنما إذا اغتنم البخل «٢»
له هضبة تأوى إلى ظلّ برمك ... منوط بها الآمال، أطنابها السّبل
حبى لا يطير الجهل فى عذباتها ... إذا هى حلّت لم يفت حلّها ذحل «٣»
بكفّ أبى العبّاس يستمطر الغنى ... وتستنزل النّعمى ويسترعف النّصل
متى شئت رفّعت السّتور عن الغنى ... إذا أنت زرت الفضل أو أذن الفضل
١٥٦٢* وقال فى الخمر:
ومانحة شرّابها الملك قهوة ... يهوديّة الأصهار مسلمة البعل «٤»
يعنى بالأصهار: باعتها وأولياءها، وهم يهود. والبعل هو الشارب لها، وذلك أنّه اشتراها وخطبها. يعنى نفسه.
стр. 817
معتّقة لا تشتكى يد عاصر ... حروريّة فى جوفها دمها يغلى «١»
١٥٦٣* وقال:
وبنت مجوسىّ أبوها حليلها ... إذا نسبت لم تعد نسبتها النّهرا «٢»
١٥٦٤* وقال:
وأحببت من حبّها الباخلي ... ن حتّى ومقت ابن سلم سعيدا
إذا سيل عرفا كسا وجهه ... ثيابا من الّلؤم صفرا وسودا «٣»
١٥٦٥* وقال فى السفينة:
كشفت أهاويل الدّجى عن مهوله ... بجارية محمولة حامل بكر «٤»
إذا أقبلت راعت بقلّة قرهب ... وإن أدبرت راقت بقادمتى نسر «٥»
أطلّت بمجدافين يعتورانها ... وقوّمها كبح اللّجام من الدّبر
كأنّ الصّبا تحكى بها، حين واجهت ... نسيم الصّبا، مشى العروس إلى الخدر
ركبنا إليك البحر فى أخرياتها ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر «٦»
стр. 818
١٥٦٦* وقال فى الخمر:
سلّت فسلّت ثمّ سلّ سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا «١»
لطف المزاج لها فزيّن كأسها ... بقلادة جعلت لها إكليلا «٢»
قتلت وعاجلها المدير ولم تفظ ... فإذا به قد صيّرته قتيلا «٣»
١٥٦٧* وقال:
إبريقنا سلب الغزالة جيدها ... وحكى المدير بمقلتيه غزالا
يسقيك بالّلحظات كأس صبابة ... ويعيدها من كفّه جريالا «٤»
١٥٦٨* وقال:
إذا شئتما أن تسقيانى مدامة ... فلا تقتلاها كلّ ميت محرّم «٥»
خلطنا دما من كرمة بدمائنا ... فأظهر فى الألوان منّا الدّم الدّم
١٥٦٩* وقال:
إن كنت تسقين غير الرّاح فاسقينى ... كأسا ألذّ بها من فيك تشفينى «٦»
عيناك راحى، وريحانى حديثك لى ... ولون خدّيك لون الورد يكفينى
١٥٧٠* وقال:
стр. 819
إذا التقينا منعنا النّوم أعيننا ... ولا نلائم نوما حين نفترق «١»
أقرّ بالذّنب منّى لست أعرفه ... كما أقول كما قالت فنتّفق
حبست دمعى على ذنب تجدّده ... فكلّ يوم دموع العين تستبق
١٥٧١* وقال:
فما سلوت الهوى جهلا بلذّته ... ولا عصيت إليه الحلم من خرق «٢»
يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجّى حذارك إنسانى من الغرق
١٥٧٢* وقال:
أعاود ما قدّمته من رجائها ... إذا عاودت باليأس منها المطامع
رأتنى غبىّ الطّرف عنها فأعرضت ... وهل خفت إلا ما تنثّ الأصابع «٣»
وما زيّنتها النّفس لى عن لجاجة ... ولكن جرى فيها الهوى وهو طائع
مللت من العذّال فيها فأطرقت ... لهم أذن قد صمّ منها المسامع
فأقسمت أنسى الداعيات إلى الصّبا ... وقد فاجأتها العين والسّتر واقع
فغطّت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدى الأسارى اثقلتها الجوامع
١٥٧٣* وقوله فى مرثية:
أبكيك للأيّام حين تجهّمت ... طلبى ولم يك لى وراءك منجع
قد كنت لى سببا وغيثا صائبا ... ويدا أضرّ بها العدوّ وأنفع
стр. 820
فاصعد إلى الغرفات، يومك واقع ... بالشامتين، لكلّ جنب مصرع «١»
هل أنسينك وكيف ينساك امرؤ ... بنوال جودك فى الحياة يمتّع
فلئن سلوتك ما جزيتك نعمة ... ولئن جزعت لواجد من يجزع
١٥٧٤* وقال فى مرثية أيضا «٢» :
نفضت بك الآمال أحلاس الغنى ... واسترجعت نزّاعها الأمصار «٣»
أجل تنافسه الحمام وحفرة ... نفست عليها وجهك الأحفار»
فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة ... أثنى عليها السّهل والأوعار
١٥٧٥* وقال فى هجاء:
وكم من معدّ فى الضّمير لى الأذى ... رآنى فألقى الرّعب ما كان أضمرا
هداه لقصد الحلم جهل جهلته ... عليه ولو حالمته لتجبّرا
١٥٧٦* وقال فى غزل:
يا نظرا نلته على حذر ... أوّله كان آخر النّظر «٥»
стр. 821
إن حجبوها عن العيون فقد ... حجبت طرفى لها عن البشر
١٥٧٧* وقال:
ويخطىء عذرى وجه جرمى عندها ... فأجنى إليها الذّنب من حيث لا أدرى
إذا أذنبت أعددت عذرا لذنبها ... فإن سخطت كان اعتذارى من العذر «١»
١٥٧٨* مثله قول الأعرابى «٢» :
شكوت فقالت: كلّ هذا تبرّما ... بحبى، أراح الله قلبك من حبّى
فلمّا كتمت الحبّ قالت: لشدّ ما ... صبرت وما هذا بفعل شجى القلب
فأدنو فتقصينى فأبعد طالبا ... رضاها فتعتدّ التّباعد من ذنبى
فشكواى تؤذيها وصبرى يسوءها ... وتجزع من بعدى وتنفر من قربى
فيا قوم هل من حيلة تعرفونها ... أشيروا بها واستوجبوا الشّكر من ربّى
١٥٧٩* وقال فى الزّهد:
كم رأينا من أناس هلكوا ... فبكى أحبابهم ثمّ بكوا «٣»
تركوا الدّنيا لمن بعدهم ... ودّهم لو قدّموا ما تركوا
كم رأينا من ملوك سوقة ... ورأينا سوقة قد ملكوا
قلب الدّهر عليهم فلكا ... فاستداروا حيث دار الفلك
١٥٨٠* وقال فى الهديّة:
стр. 822
جزى الله من أهدى التّرنج تحيّة ... ومنّ بما يهوى عليه وعجّلا «١»
أتتنا هدايا منه أشبهن ريحه ... وأشبه فى الحسن الغزال المكحّلا
ولو أنّه أهدى إلىّ وصاله ... لكان إلى قلبى ألذّ وأفضلا
стр. 823
١٩٧- أبو الشيص «١»
١٥٨١* اسمه محمّد بن عبد الله بن رزين، وهو ابن عمّ دعبل بن علىّ ابن رزين الشاعر. وكان فى زمن الرّشيد.
١٥٨٢* ولّما مات الرّشيد رثاه ومدح محمّدا فقال «٢» :
جرت جوار بالسّعد والنّحس ... فنحن فى وحشة وفى أنس
العين تبكى والسّنّ ضاحكة ... فنحن فى مأتم وفى عرس
يضحكنا القائم الأمين وتب ... كينا وفاة الإمام بالأمس
بدران بدر أضحى ببغداد فى ال ... خلد وبدر بطوس فى الرّمس «٣»
١٥٨٣* ومن جيّد شعره «٤» :
وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى ... متأخّر عنه ولا متقدّم
وأهنتنى فأهنت نفسى جاهدا ... ما من يهون عليك ممّن يكرم
أشبهت أعدائى فصرت أحبّهم ... إذ كان حظّى منك حظّى منهم
أجد الملامة فى هواك لذاذة ... حبّا لذكرك فليلمنى اللّوم
١٥٨٤* وقوله:
قل للطويلة موضع العقد ... ولطيفة الأحشاء والكبد
стр. 824
ألا وقفت على مدامعه ... فنظرت ما يعملن فى الخدّ
لولا التنطّق والسّوار معا ... والحجل والدّملج فى العضد
لتزايلت من كلّ ناحية ... لكن جعلن لها على عمد
جاءت إلى عينيك وجنتها ... فى جلعة الخيرىّ والورد
١٥٨٥* وقوله:
هذا كتاب فتى له همم ... عطفت عليك رجاءه رحمه
غلّ الزّمان يدى عزيمته ... وهوت به من حالق قدمه
وتواكلته ذوو قرابته ... وطواه عن أكفائه عدمه
أفضى إليك بسرّه قلم ... لو كان يعرفه بكى قلمه
١٥٨٦* وقال أيضا:
ما فرّق الأحباب بع ... د الله إلّا الإبل
والنّاس يلحون غرا ... ب البين لمّا جهلوا
وما على ظهر غرا ... ب البين تمطى الرّحل «١»
ولا إذا صاح غرا ... ب فى الدّيار احتملوا
وما غراب البين إ ... لّا ناقة أو جمل
١٥٨٧* ومن جيدّ شعره قصيدته التى يقول فيها:
أبدى الزّمان به ندوب عضاض ... ورمى سواد قرونه ببياض
стр. 825
لا تنكرى صدّى ولا إعراضى ... ليس المقلّ عن الزّمان براضى
١٥٨٨* وقوله:
خلع الصّبا عن منكبيه مشيب ... وطوى الذّوائب رأسه المخضوب
نشر البلى فى عارضيه عقاربا ... بيضا لهنّ على القرون دبيب
١٥٨٩* ومن جيّد شعره قصيدته الّتى يقول فيها:
نهى عن خلّة الخمر ... بياض لاح فى الشّعر
لقد أغدو وعين الشّم ... س فى أثوابها الصّفر
على جرداء قبّاء ال ... حشى ملهبة الحضر «١»
بسيف صارم الحدّ ... وزقّ أحدب الظّهر
وظبى تعطف الأردا ... ف متنيه على الخصر
على ألطف ما شدّت ... عليه عقد الأزر
مهاة ترتمى الألبا ... ب عن قوس من السّحر
لها طرف يشوب الخم ... ر للنّدمان بالخمر
عفيف اللّحظ والإغضا ... ء فى الصّحو وفى السّكر
على عذراء لم تفتق ... بنار لا ولا قدر
عجوز نسج الماء ... لها طوقا من الشّذر
كأنّ الذّهب الأح ... مر فى حافاتها يجرى
وليل يركب الرّكبا ... ن فى أثوابه الخضر
بأرض تقطع الحير ... ة فيها بالقطا الكدرى «٢»
стр. 826
توكّلت على أهوا ... لها بالله والصبّر
وإعمال بنات الرّي ... ح فى المهمهة القفر
شماليل يصافحن ... متون الصّخر بالصّخر
بإيجاف يقدّ الّلي ... ل عن ناصية الفجر
١٥٩٠* وقصيدته التى يقول فيها:
أشاقك واللّيل ملقى الجران ... غراب ينوح على غصن بان
أحصّ الجناح شديد الصّياح ... يبكّى بعينين ما تدمعان
وفى نعبات الغراب اغتراب ... وفى البان بين بعيد التّدانى
أهل لك يا عيش من رجعة ... بأيّامك المشرقات الحسان
لعلّ الشّباب وريعانه ... يسوّد ما بيّض العارضان
وهيهات يا عيش من عهدنا ... وأغصانك المائلات الدّوانى
لقد صدع الشّعب ما بيننا ... وبينك صدع الرّداء اليمانى
وقال فيها يذكر الخمر:
وعذراء لم تفترعها السّقاة ... ولا استامها الشّرب فى بيت حانى
ولا احتلبت درّها أرجل ... ولا وسمتها بنار يدان
ولكن غذتها بألبانها ... ضروع تحفّى بها جدولان «١»
فلم تزل الشّمس مشغولة ... بصنعتها فى بطون الدّنان
ترشّحها لأثام الرّجال ... إلى أن تصدّى لها الساقيان
ففضّا الخواتم عن جونة ... صدود عن الفحل بكر هجان
стр. 827
عجوز غذا المسك أصداغها ... مضمّخة الجلد بالزّعفران
يطوف علينا بها أحور ... يداه من الكأس مخضوبتان «١»
ليالى يحسب لى من سنىّ ... ثمان وواحدة واثنتان
غلام صغير أخو شرّة ... يطير مع اللهو بى طائران «٢»
جرور الإزار خليع العذار ... علىّ لعهد الصّبا بردتان
أصيب الذّنوب ولا أتّقى ... عقوبة ما يكتب الكاتبان
تنافس فىّ عيون الرّجال ... ويعتزّ بى فى الحجال الغوانى «٣»
فراجعت لّما أطار الشّباب ... غرابان عن مفرقى طائران
وأقصرت لّما نهانى المشيب ... وأقصر عن عذلى العاذلان
وعافت لعوب وأترابها ... دنوّى إليها وملّت مكانى
رأت رجلا وسمته السّنون ... بريب المشيب وريب الزّمان
فصدّت وقالت أخو شيبة ... عديم ألا بئست الخلّتان
فقلت كذلك من عضّه ... من الدّهر ناباه والناجذان
١٥٩١* وقال يرثى:
ختلته المنون بعد اختيال ... بين صفّين من قنا ونصال
فى رداء من الصّفيح صقيل ... وقميص من الحديد مذال «٤»
стр. 828
١٥٩٢* وقال فى الرشيد يرثيه:
غربت بالمشرق الشّم ... س فقل للعين تدمع «١»
ما رأينا قطّ شمسا ... غربت من حيث تطلع
١٥٩٣* وكان لأبى الشّيص ابن يقال له عبد الله، شاعر.
стр. 829
١٩٨- دعبل «١»
١٥٩٤* هو دعبل بن علىّ بن رزين «٢» ، من خزاعة، ويكنى أبا علىّ.
١٥٩٥* وكان قال للمأمون:
ويسومنى المأمون خطّة عارف ... أو ما رأى بالأمس رأس محمّد «٣»
نوفى على روس الخلائق مثلما ... توفى الجبال على رؤوس القردد
ونحلّ فى أكناف كلّ ممنّع ... حتّى يذلّل شاهقا لم يصعد
إنّى من القوم الّذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرّفوك بمقعد
إنّ التّرات مسهّد طلابها ... فاكفف مذاقك عن لعاب الأسود
١٥٩٦* وإنّما فخر برأس محمّد لأنّ طاهر بن الحسين قتله، وطاهر مولى خزاعة. وكان جدّه رزيق عبد الله بن خلف الخزاعىّ. وعبد الله بن خلف هو أبو طلحة الطّلحات. وكان عبد الله بن خلف كاتبا لعمر بن الخطّاب على ديوان الكوفة والبصرة، وولى سجستان فمات بها.
١٥٩٧* وهجا أبا إسحاق المعتصم فقال:
ملوك بنى العبّاس فى الكتب سبعة ... ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب
كذلك أهل الكهف فى الكهف سبعة ... كرام إذا عدّوا وثامنهم كلب
стр. 830
ونمى الشعر إلى المعتصم فأمر بطلبه فاستتر ثم هرب. ورأيته وهو يحلف:
ما قال الشّعر. وإنّما قيل على لسانه وكيد به.
١٥٩٨* وسئل وأنا حاضر عن أجود شعره فقال: القديمة. وحدّثنا بحديث اجتماعه مع أبى نواس ومسلم وأبى الشّيص- وقد ذكرته فى كتاب الأشربة «١» - وهى «٢» التى يقول فيها:
لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
قصر الغواية عن هوى قمر ... وجد السّبيل إليه مشتركا
١٥٩٩* وكان المأمون يقول لإبراهيم بن المهدىّ: لقد أوجعك دعبل إذ قال فيك:
إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق «٣»
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل ... ولتصلحن من بعده للمارق
أنّى يكون ولا يكون ولم يكن ... لينال ذلك فاسق عن فاسق
١٦٠٠* وهو القائل فى الطائى «٤» :
стр. 831
انظر إليه وإلى ظرفه ... كيف تطايا وهو منشور «١»
ويلك من دلّاك فى نسبة ... قلبك منها الدّهر مذعور
لو ذكرت طىّ على فرسخ ... أظلم فى ناظرك النّور
١٦٠١* وقال فى هذا المعنى لقوم:
هم قعدوا فانتقوا لهم حسبا ... يجوز بعد العشاء فى العرب
حتّى إذا ما الصّباح لاح له ... بيّن ستّوقه من الذّهب «٢»
والناس قد أصبحوا صيارفة ... أبصر شىء بزيبق النّسب
١٦٠٢* وهو القائل:
يموت ردىّ الشعر من قبل أهله ... وجيّده يحيا وإن مات قائله «٣»
١٦٠٣* وهو القائل:
إنّ من ضنّ بالكنيف عن الضّي ... ف بغير الكنيف كيف يجود
ما رأينا ولا سمعنا بحشّ ... قبل هذا لبابه إقليد
إن يكن فى الكنيف شىء تخبّا ... هـ فعندى إن شئت فيه مزيد
وكان ضيفا لرجل فقام لحاجته فوجد باب الكنيف مغلقا، فلم يتهيّأ فتحه
стр. 832
حتى أعجله الأمر.
١٦٠٤* وهو القائل:
وإنّ أولى الموالى أن تواسيه ... عند السّرور لمن واساك فى الحزن
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم فى المنزل الخشن
стр. 833
١٩٩- الخريمى «١»
١٦٠٥* هو إسحاق بن حسّان، ويكنى أبا يعقوب، من العجم.
وهو القائل:
إنى امرؤ من سراة الصّغد ألبسنى ... عرق الأعاجم جلدا طيّب الخبر
١٦٠٦* وكان مولى ابن خريم، الذى يقال لأبيه خريم الناعم «٢» . وهو خريم بن عمرو، من بنى مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان. وكان لخريم ابن يقال له عمارة، ولعمارة ابنان يقال لهما عثمان وأبو الهيذام ابنا عمارة.
١٦٠٧* ولعثمان يقول أو يعقوب:
جزى الله عثمان الخريمىّ خير ما ... جزى صاحبا جزل المواهب مفضلا
كفى جفوة الإخوان طول حياته ... وأورث ممّا كان أعطى وخوّلا
وكان عثمان عظيم القدر وأحد القوّاد.
١٦٠٨* وعمى أبو يعقوب الخريمىّ بعد ما أسنّ. وكان يقول فى ذلك.
فمنه قوله:
فإن تك عينى خبا نورها ... فكم قبلها نور عين خبا
فلم يعم قلبى ولكنّما ... أرى نور عينى إليه سرى
فأسرج فيه إلى نوره ... سراجا من العلم يشفى العمى
стр. 834
١٦٠٩* وأخذ هذا من عبد الله بن العباس بن عبد المطّلب، وكان قد عمى فقال:
إن يأخذ الله من عينىّ نورهما ... ففى لسانى وقلبى منهما نور «١»
قلبى ذكىّ وعقلى غير ذى دخل ... وفى فمى صارم كالسّيف مأثور
١٦١٠* وكان أبو يعقوب متّصلا بمحمد بن منصور بن زياد، كاتب البرامكة، وله فيه مدائح جياد، ثمّ رثاه بعد موته فقيل له «٢» : يا أبا يعقوب مدائحك لآل منصور بن زياد أحسن من مراثيك وأجود! فقال: كنّا يومئذ نعمل على الرّجاء، ونحن اليوم نعمل على الوفاء، وبينهما بون بعيد! ١٦١١* وهو القائل فى عينيه:
أصغى إلى قائدى ليخبرنى ... إذا التقينا عمّن يحيّينى «٣»
أريد أن أعدل السّلام وأن ... أفصل بين الشّريف والدّون
أسمع ما لا أرى فأكره أن ... أخطىء والسّمع غير مأمون
لله عينى التى فجعت بها ... لو أنّ دهرا بها يواتينى
لو كنت خيّرت ما أخذت بها ... تعمير نوح فى ملك قارون
حقّ أخلّائى أن يعودونى ... وأن يعزّوا عنّى ويبكونى
стр. 835
١٦١٢* وهو القائل:
إذا مات بعضك فابك بعضا ... فإنّ البعض من بعض قريب «١»
يمنّينى الطّبيب شفاء عينى ... وهل غير الإله لها طبيب
١٦١٣* وهو القائل فى بغداد فى الفتنة «٢» :
يا بؤس بغداد دار مملكة ... دارت على أهلها دوائرها «٣»
أمهلها الله ثمّ عاقبها ... لمّا أحاطت بها كبائرها
رقّ بها الدّين واستخفّ بذى ال ... فضل وعزّ الرّجال فاجرها «٤»
وصار ربّ الجيران فاسقهم ... وابتزّ أمر الدّروب شاطرها «٥»
يحرق هذا وذاك يهدمها ... ويشتفى بالنّهاب داعرها «٦»
والكرخ أسواقها معطّلة ... يستنّ شذّانها وعائرها «٧»
أخرجت الحرب من أساقطهم ... آساد غيل غلبا قساورها
من البوارى تراسها ومن ال ... خوص إذا استلأمت مغافرها
لا الرّزق تبغى ولا العطاء ولا ... يحشرها بالعناء حاشرها «٨»
стр. 836
١٦١٤* ومن جيّد شعره قوله:
النّاس أخلاقهم شتّى وإن جبلوا ... على تشابه أرواح وأجساد
للخير والشّرّ أهل وكّلوا بهما ... كلّ له من دواعى نفسه هاد
منهم خليل صفاء ذو محافظة ... أرسى الوفاء أواخيه بأوتاد
ومشعر الغدر محنىّ أضالعه ... على سريرة غمر غلّها باد
مشاكس خدع حمّ غوائله ... يبدى الصّفاء ويخفى ضربة الهادى «١»
يأتيك بالبغى فى أهل الصّفاء ولا ... ينفكّ يسعى بإصلاح لإفساد
١٦١٥* ومن جيّد شعر الخريمى قوله:
أضاحك ضيفى قبل إنزال رحله ... ويخصب عندى والمحلّ جديب «٢»
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنّما وجه الكريم خصيب
١٦١٦* ومن جيّد شعره قوله:
زاد معروفك عندى عظما ... أنّه عندك محقور صغير
تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير
١٦١٧* وهو القائل:
إنّ أشدّ الناس فى الحشر حسرة ... لمورث مال غيره وهو كاسبه
كفى سفها بالكهل أن يتبع الصّبا ... وأن يأتى الأمر الّذى هو عائبه
стр. 837
١٦١٨* ويستجاد له قوله:
ودون النّدى فى كلّ قلب ثنيّة ... لها مصعد وعر ومنحدر سهل «١»
وودّ الفتى فى كلّ نيل ينيله ... إذا ما انقضى لو أنّ نائله جزل
(وأعلم علما ليس بالظّنّ أنّه ... لكلّ أناس من ضرائبهم شكل
وأنّ أخلاء الزّمان غناؤهم ... قليل إذا الإنسان زلّت به النّعل
تزوّد من الدّنيا متاعا لغيرها ... فقد شمّرت حذّاء وانصرم الحبل «٢»
وهل أنت إلا هامة اليوم أو غد ... لكلّ أناس من طوارقها الثّكل)
وفى هذا الشعر يقول:
أبالصّغد بأس إذ تعيّرنى جمل ... سفاها ومن أخلاق جارتى الجهل
فإن تفخرى يا جمل أو تتجمّلى ... فلا فخر إلا فوقه الدّين والعقل
أرى الناس شرعا فى الحياة ولا يرى ... لقبر على قبر علاء ولا فضل «٣»
وما ضرّنى أن لم تلدنى يحابر ... ولم تشتمل جرم علىّ ولا عكل
١٦١٩* وهو القائل:
ما أحسن الغيرة فى حينها ... وأقبح الغيرة فى كلّ حين
من لم يزل متّهما عرسه ... مناصبا فيها لريب الظّنون
أو شك أن يغريها بالّذى ... يخاف أن يبرزها للعيون
حسبك من تحصينها وضعها ... منك إلى عرض صحيح ودين
لا تطّلع منك على ريبة ... فيتبع المقرون حبل القرين
стр. 838
٢٠٠- النمرى «١»
١٦٢٠* هو منصور بن سلمة بن الزّبرقان «٢» ، من النّمر بن قاسط. وكان مع الرّشيد مقدّما، وكان يمتّ إليه بأمّ العبّاس بن عبد المطّلب وهى نمريّة، واسمها نتيلة «٣» وكان الرشيد يعطيه ويجزل. وكان يظهر له أنه عبّاسىّ الرأى منافر لآل علىّ ولغيرهم.
١٦٢١* ومما قال فى ذلك للرشيد:
يا ابن الأئمّة من بعد النّبىّ ويا اب ... ن الأوصياء أقرّ الناس أو دفعوا «٤»
إنّ الخلافة كانت إرث والدكم ... من دون تيم وعفو الله متّسع
لولا عدىّ وتيم لم تكن وصلت ... إلى أميّة تمريها وترتضع
وما لآل علىّ فى إمارتكم ... وما لهم أبدا فى إرثكم طمع
يا أيّها الناس لا تعزب حلومكم ... ولا تضفكم إلى أكنافها البدع
العمّ أولى من ابن العمّ فاستمعوا ... قول النّصيحة إنّ الحقّ مستمع
١٦٢٢* وقال أيضا:
ألا لله درّ بنى علىّ ... ودرّ من مقالتهم كثير
يسمّون النّبىّ أبا ويأبى ... من الأحزاب سطر بل سطور
يريد قول الله : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ.
стр. 839
١٦٢٣* وكان مع هذا شيعيّا، وهو القائل:
شاء من الناس راتع هامل ... يعلّلون النّفوس بالباطل «١»
تقتل ذرّيّة النّبىّ وير ... جون جنان الخلود للقاتل
ويلك يا قاتل الحسين لقد ... نؤت بحمل ينوء بالحامل
أىّ حباء حبوت أحمد فى ... حفرته من حرارة الثاكل
بأىّ وجه تلقى النّبىّ وقد ... دخلت فى قتله مع الداخل
هلمّ فاطلب غدا شفاعته ... أو لا فرد حوضه مع النّاهل
ما الشّك عندى فى حال قاتله ... لكنّنى قد أشكّ فى الخاذل
نفسى فداء الحسين حين غدا ... إلى المنايا غدوّ لا قافل
ذلك يوم أنحى بشفرته ... على سنام الإسلام والكاهل
حتّى متى أنت تعجبين ألا ... تنزل بالقوم نقمة العاجل
لا يعجل الله إن عجلت وما ... ربّك عمّا يريد بالغافل
وعاذلى أنّنى أحبّ بنى ... أحمد فالتّرب فى فم العاذل
قد ذقت ما دينكم عليه فما ... وصلت من دينكم إلى طائل
دينكم جفوة النّبىّ وما ال ... جافى لآل النّبىّ كالواصل
مظلومة والنّبىّ والدها ... قرير أرجاء مقلة حافل
ألّا مصاليت يغضبون لها ... بسلّة البيض والقنا الذابل
١٦٢٤* وقال أيضا:
آل النّبىّ ومن يحبّهم ... يتطامنون مخافة القتل «٢»
стр. 840
أمنوا النّصارى واليهود وهم ... من أمّة التّوحيد فى أزل «١»
وأنشد الرشيد هذا بعد موته فقال: لقد هممت أن أنبشه ثمّ أحرقه.
١٦٢٥* ومن جيّد شعره قوله فى الرشيد:
يا زائرينا من الخيام ... حيّاكما الله بالسّلام «٢»
يحزننى أن أطفتما بى ... ولم تنالا سوى الكلام
لم تطرقانى وبى حراك ... إلى حلال ولا حرام
هيهات للهو والتّصابى ... وللغوانى وللمدام
أقصر جهلى وثاب حلمى ... ونهنه الشّيب من عرامى
عمر أبيها لقد تولّت ... سالمة الخدّ من غرامى «٣»
لله حبّى وترب حبّى ... ليلة أعياهما مرامى
آذنتانى بطول هجر ... وعزّبانى مع السّوام «٤»
وانطوتا لى على ملام ... والشّيب شرّ من الملام
بورك هارون من إمام ... بطاعة الله ذى اعتصام
له إلى ذى الجلال قربى ... ليست لعدل ولا إمام
يسعى على أمّة تمنّى ... أن لو تقيه من الحمام
لو استطاعت لقاسمته ... أعمارها قسمة السّهام
يا خير ماض وخير باق ... بعد النّبيّين فى الأنام
стр. 841
ما استودع الدّين من إمام ... حامى عليه كما تحامى
يأنس من رأيه برأى ... أصدق من سلّة الحسام
١٦٢٦* وقوله:
أعمير كيف بحاجة ... طلبت إلى صمّ الصّخور
لله درّ عداتكم ... كيف انتسبن إلى الغرور
إنّ اللّيال ضمّننى ... ووسمننى سمة الكبير «١»
أطفأن نور شبيبتى ... وفرشننى كنف الغيور «٢»
ولقد تبيت أناملى ... يجنين رمّان النّحور
стр. 842
٢٠١- العتابى «١»
١٦٢٧* هو كلثوم بن عمرو من بنى تغلب من بنى عتّاب، من ولد عمرو ابن كلثوم التّغلبىّ، ويكنى أبا عمرو. وكان شاعرا محسّنا، وكاتبا فى الرسائل مجيدا، ولم يجتمع هذان لغيره.
١٦٢٨* ولمّا أشخصه المأمون إليه فدخل عليه قال له المأمون: بلغتنى وفاتك فساءتنى، ثمّ بلغتنى وفادتك فسرّتنى. فقال العتّابىّ: يا أمير المؤمنين، لو قسمت هذه الكلمات على أهل الأرض لوسعتهم، وذلك لأنّه لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك. قال: سلنى. قال: يدك بالعطاء أطلق من لسانى «٢» .
١٦٢٩* وممّا يستحسن له من شعره قوله فى اعتذاره:
ردّت إليك ندامتى أملى ... وثنى إليك عنانه شكرى
وجعلت عتبك عتب موعظة ... ورجاء عفوك منتهى عذرى
١٦٣٠* ويستجاد قوله فى الرشيد:
ماذا عسى قائل يثنى عليك وقد ... ناداك فى الوحى تقديس وتطهير «٣»
فتّ المدائح إلا أنّ ألسننا ... مستنطقات بما تخفى الضّمائير
стр. 843
٢٠٢- على بن جبلة «١»
١٦٣١* كان علىّ بن جبلة ضريرا، وكان يمدح أبا دلف القاسم بن عيسى.
وهو القائل فيه:
إنّما الدّنيا أبو دلف ... بين مغزاه ومحتضره «٢»
فإذا ولّى أبو دلف ... ولّت الدّنيا على أثره
١٦٣٢* وكان يمدح حميد بن عبد الحميد، فلمّا سمع حميد هذا فى أبى دلف قال: أىّ شىء بقّيت لنا بعد هذا من مدحك؟ فقال:
إنّما الدّنيا حميد ... وأياديه الجسام
فإذا ولّى حميد ... فعلى الدّنيا السّلام «٣»
١٦٣٣* وهو القائل فى حميد «٤» :
دجلة تسقى وأبو غانم ... يطعم من تسقى من الناس
والناس جسم وإمام الهدى ... رأس وأنت العين فى الرأس
١٦٣٤* وقال للحسن بن سهل:
أعطيتنى يا ولىّ الحقّ مبتدئا ... عطيّة كافأت مدحى ولم ترنى «٥»
стр. 844
ما شمت برقك حتى نلت ريّقه ... كأنّما كنت بالجدوى تبادرنى «١»
١٦٣٥* وهو القائل فى حميد:
إلى أكرم قحطان ... وصلنا السّهب بالسّهب
إلى مجتمع النّيل ... وملقى أرحل الرّكب
حميد مفزع الأمّ ... ة فى الشّرق وفى الغرب
كأنّ الناس جسم وهـ ... ومنه موضع القلب
إذا سالم أرضا غ ... نيت آمنة السّرب
وإن حاربها حلّت ... بها راغية السّقب «٢»
إذا لاقى رعيل المو ... ت بالشّطبة والشّطب
وبالماذيّة الخضر ... وبالهنديّة القضب
غدا مجتمع القلب ... له جند من الرّعب
فيا فوز الّذى والى ... ويابؤسى أخى الذّنب «٣»
أيا ذا الجود فأسلم ما ... جرت حقب إلى حقب «٤»
فأنت الغيث فى السّلم ... وأنت الموت فى الحرب
وأنت الجامع الفار ... ق بين البعد والقرب
بك الله تلافى النا ... س بعد العثر والنّكب
стр. 845
وردّ البيض والبيض ... إلى الأغماد والحجب «١»
بإقدامك فى الحرب ... وإطعامك فى اللزب
فكم أمّنت من خوف ... وكم أشغبت من شغب
وكم أصلحت من خطب ... وكم أيّمت من خطب «٢»
وما تمهرها إلا ... دراك الطّعن والضّرب
تناهت بك قحطان ... إلى الغاية والحسب
ففاتت شرف الأحياء ... ء فوت الرّأس للعجب «٣»
١٦٣٦* وممّا أسرف فيه فكفر أو قارب الكفر، قوله فى أبى دلف:
أنت الّذى تنزل الأيّام منزلها ... وتنقل الدّهر من حال إلى حال «٤»
وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال
تزورّ سخطا فتمسى البيض راضية ... وتستهلّ فتبكى أوجه المال
وقال فيها:
كأنّ خيلك فى أثناء غمرتها ... أرسال قطر تهامى فوق أرسال
يخرجن من غمرات الموت سامية ... نشر الأنامل من ذى القرّة الصالى
١٦٣٧* أخذه من الأسعر الجعفى إذ ذكر الخيل فقال:
следующие страницы →