Полный текст (457 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ألم تسأل الرّبع القديم بعسعسا «١» ... كأنى أنادى إذ أكلّم أخرسا «٢»
هذا من التشبيه فاسد لأجل أنه لا يقال: كلّمت حجرا فلم يجب فكأنه كان حجرا، والذى جاء به امرؤ القيس مقلوب.
وتبعه أبو نواس فقال يصف دارا:
كأنها إذ خرست جارم ... بين ذوى تفنيده مطرق «٣»
والجيد منه قول كثّير فى امرأة «٤» :
فقلت لها: يا عزّ كلّ مصيبة ... إذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
كأنّى أنادى صخرة حين أعرضت ... من الصّمّ لو تمشى بها العصم زلّت
فشبّه المرأة عند السكوت والتّغافل بالصّخرة.
قالوا: ومن ذلك قول المسيب بن علس «٥» :
وكأن غاربها رباوة مخرم ... وتمدّ ثنى جديلها بشراع «٦»
أراد أن يشبّه عنقها بالدّقل «٧» ... فشبّهها بالشّراع. وتبعه أبو النجم
فقال «٨» :
كأنّ أهدام النّسيل المنسل ... على يديها والشّراع الأطول «٩»
стр. 72
والجيد منه قول ذى الرمة «١» :
وهاد كجذع الساج سام يقوده ... معرق أحناء الصّبيّين أشدق «٢»
وقال أبو حاتم: الشّراع: العنق، يقال: للعنق الشراع والثليل والهادى، فإذا صحّت هذه الرواية فالمعنى صحيح فى قول أبى النجم.
وقال طفيل:
يرادى على فأس اللّجام كأنما ... يرادى على مرقاة جذع مشذّب «٣»
ومن ذلك قول الراعى «٤» :
يكسو المفارق واللّبّات ذا أرج ... من قصب معتلف الكافور درّاج
أراد المسك، فجعله من قصب الظبى؛ والقصب: المعى. وجعل الظبى يعتلف الكافور فيتولّد منه المسك، وهذا من طرائف الغلط.
وقريب منه قول زهير «٥» :
يخرجن من شربات ماؤها طحل «٦» ... على الجذوع يخفن الغمّ «٧» والغرقا
ظنّ أنّ الضفادع يخرجن من الماء مخافة الغرق. ومثله قول ابن أحمر «٨» :
لم تدر ما نسج اليرندج قبلها ... ودراس أعوص دارس متخدّد
стр. 73
ظنّ أنّ اليرندج مما ينسج، واليرندج: جلد أسود، تعمل منه الخفاف- فارسى معرب، وأصله رنده، وفسره أبو بكر بن دريد تفسيرا آخر، وقال: إنما هذه حكاية عن المرأة التى يصفها ظنّت لقلة تجربتها أنّ اليرندج شىء منسوج، ولم تدارس عويص الكلام، والفاظ البيت لا تدلّ على ما قال.
ومثله قول أوس بن حجر:
كأن ريقتها بعد الكرى اعتبقت ... من ماء ادكن فى الحانوت نضاح «١»
ومن مشعشعة كالمسك يشربها ... أو من أنابيب رمان وتفاح
ظن أنّ الرمّان والتفّاح فى أنابيب، وقيل: إنّ الأنابيب الطرائق التى فى الرمان، وإذا حمل على هذا الوجه صحّ المعنى.
ومن فساد المعنى قول المرقش الأصغر «٢» :
صحا قلبه عنها على أنّ ذكرة ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما
وكيف صحا عنها من إذا ذكرت له دارت به الأرض، وليس هذا مثل قولهم:
ذهب شهر رمضان إذا ذهب أكثره؛ لأنّ الناس لا يعرفون أشدّ الحب إلّا أن يكون صاحبه فى الحد الذى ذكره المرقش.
والجيد فى السلو قول أوس:
صحا قلبه عن سكره وتأملا ... وكان بذكرى أمّ عمرو موكلا
فقال: وكان بذكرى أمّ عمرو موكلا.
ومثل قول المرقش فى الخطأ قول امرىء القيس «٣» :
أغرّك منّى أنّ حبّك قاتلى ... وأنّك مهما تأمرى القلب يفعل
وإذا لم يغررها هذه الحال منه فما الذى يغرّها! وليس للمحتجّ «٤» عنه أن يقول:
стр. 74
إنما عنى بالقتل ههنا التّبريح؛ فإنّ الذى يلزمه من الهجنة مع ذكر القتل يلزمه أيضا مع ذكر التّبريح.
ومما أخذ على امرىء القيس قوله «١» :
فللسّوط الهوب وللسّاق درّة ... وللزّجر منه وقع أخرج مهذب «٢»
فلو وصف أخسّ حمار وأضعفه ما زاد على ذلك.
والجيد قوله:
على سابح يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كزّ ولا وان «٣»
وما سمعنا أجود ولا أبلغ من قوله «أفانين جرى» .
وقول علقمة «٤» :
فأدركهنّ ثانيا من عنانه ... يمر كمرّ الرائح المتحلّب «٥»
فأدرك طريدته وهو ثان من عنانه ولم يضربه بسوط، ولم يمره بساق، ولم يزجره بصوت.
ومما يعاب قول الأعشى «٦» :
ويأمر لليحموم كلّ عشيّة ... بقتّ وتعليق فقد كان «٧» يسنق «٨»
يعنى باليحموم فرس الملك، يقول: إنه يأمر لفرسه كلّ عشية بقت وتعليق؛
стр. 75
وهذا مما لا يمدح به الملوك، بل ولا رجل من خساس الجند.
وقريب منه قول الأخطل «١» :
وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبلج لا عارى الخوان ولا جدب
يقوله فى عبد الملك. ومثل هذا لا يمدح به الملوك.
وأطرف منه قول كثير «٢» :
وإنّ أمير المؤمنين برفقه ... غزا كامنات الودّ منى فنالها
فجعل أمير المؤمنين يتودّد إليه.
وقوله لعبد العزيز بن مروان «٣» :
وما زالت رقاك تسلّ ضغنى ... وتخرج من مكامنها ضبابى
ويرقينى لك الرّاقون حتى ... أجابت حية تحت التراب
وإنما تمدح الملوك بمثل قول الشاعر:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمّته الصّغرى أجلّ من الدّهر
له راحة لو أن معشار جودها ... على البرّ كان البرّ أندى من البحر
ومثل قول النابغة «٤» :
فإنّك كاللّيل الذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع «٥»
وقوله «٦» :
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
ومن غفلته أيضا قوله- يعنى كثيّرا «٧» :
стр. 76
ألا ليتنا يا عزّ من غير ريبة ... بعيران نرعى فى خلاء ونعزب «١»
كلانا به عرّ فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب
نكون لذى مال كثير مغفل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردنا منهلا هاج أهله ... إلينا فلا ننفكّ نرمى ونضرب
فقالت له عزّة: لقد أردت بى الشقاء الطويل، ومن المنى ما هو أوطأ من هذه الحال. فهذا من التمنّى المذموم.
ومن ذلك أيضا قول الآخر «٢» :
سلّام ليت لسانا تنطقين به ... قبل الّذى نالنى من خبله قطعا «٣»
فدعا عليها بقطع لسانها.
ومثله قول عبد بنى الحسحاس «٤» :
وراهنّ ربّى مثل ما قد وريننى ... وأحمى على أكبادهنّ المكاويا «٥»
ومن ذلك قول جنادة «٦» :
من حبّها أتمنّى أن يلاقينى ... من نحو بلدتها ناع فينعاها
لكى يكون «٧» فراق لا لقاء له ... وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها
فإذا تمنّى المحبّ لحبيبته الموت فما عسى أن يتمنّى المبغض لبغيضته؟ وشتّان بين هذا وبين من يقول:
стр. 77
ألّا ليتنا عشنا جميعا وكان بى ... من الداء ما لا يرعف الناس مابيا
فهذا أقرب إلى الصواب. ولو أن جنادة كان يتمنّى وصلها ولقاءها لكان قد قضى وطرا من المنى ولم تلزمه الهجنة، كما قال العباس بن الأحنف «١» :
فإن تبخلوا عنى ببذل نوالكم ... وبالوصل منكم كى أصبّ وأحزنا
فإنى بلذّات المنى ونعيمها ... أعيش إلى أن يجمع الله بيننا
ومن المختار فى ذكر المنى قول الآخر:
منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى ... وإلّا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أمانىّ من ليلى حسان كأنّما ... سقتك بها ليلى على ظمأ بردا
وقول الآخر:
ولما نزلنا منزلا طلّه النّدى ... أنيقا، وبستانا من النّور حاليا
أجدّ لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنّينا فكنت الأمانيا
وقال الآخر:
فسوّغينى المنى كيما أعيش به ... ثمّ امسكى المنع ما أطلقت آمالى
على أن عنترة ذمّ جميع المنى حيث يقول «٢» :
ألا قاتل الله الطّلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين الخواليا
وقولك للشىء الّذى لا تناله ... إذا هويته النّفس: يا ليت ذا ليا
وقيل أيضا:
إنّ ليتا وإنّ لوّا عناء
ومن الفاسد قول النابغة «٣» :
ألكنى يا عيين إليك قولا ... ستحمله الرّواة إليك عنّى
стр. 78
وليس من الصواب أن يقال: أرسلنى «١» إلى نفسك ثم قال: ستحمله الرواة إليك عنى.
ومن خطل الوصف قول أبى ذؤيب «٢» :
قصر الصّبوح لها فشرّج لحمها ... بالنّىّ فهى تثوخ فيها الإصبع
تأبى بدرّتها إذا ما استكرهت ... إلّا الحميم فإنه يتبضّع «٣»
قال الأصمعى: هذه الفرس لا تساوى در همين؛ لأنه جعلها كثيرة اللّحم رخوة «٤» تدخل فيها الإصبع. وإنما يوصف بهذا شاء يضحى [بها] ، وجعلها حرونا «٥» إذا حرّكت قامت، إلا العرق فإنه يسيل «٦» .
والجيد قول أبى النجم:
جردا تعادى كالقداح ذبله ... نطى اللحم ولسنا نهزله
نطويه والطّىّ الدّقيق يجدله ... طىّ التجار العصب إذ تبجله
стр. 79
حتّى إذا اللحم بدا تذبّله ... وانضمّ عن كلّ جواد رهله
راح ورحنا بشديد زجله «١»
وقال غيلان الربعى:
يمتاح عصريها قرون مائها ... متح السّباع الحسى من بطحائها «٢»
حتّى اعتصرنا البدن من اعفائها ... بعد انتشار اللحم واستعصائها
تجريدك القناة من لحائها ... مكرمة لا عيب فى احتذائها
وقد قال غيلان أيضا:
قد صار منها اللّحم فوق الأعضا ... مثل جلاميد الضّفاة الصّلغا «٣»
وقال أيضا:
فوق الهوادى ذابلات الأكشح ... يشقين أشوال المزاد النّزّح «٤»
وقال أيضا:
حتّى إذا ما آض عبلا جرشعا ... قد تمّ كالفالج لا بل أضلعا «٥»
هجنا به نطويه حتى استوكعا ... قد اعتصرن البدن منه اجمعا «٦»
стр. 80
ثمّ اتّقانا بالّذى لن يدفعا ... وآض أعلى اللّحم منه صومعا «١»
فوصفه بعظم الجسم، وصلابة اللّحم، وما وصف أحد الفرس بترك الانبعاث إذا حرك غير أبى ذؤيب. وإنما توصف بالسرعة فى جميع حالاتها، إذا حرّكت وإن لم تحرّك، فتشبّه بالكوكب، والبرق، والحريق، والريح، والغيث، والسيل، وانفجار الماء فى الحوض، والدّلو ينقطع رشاؤها، ويد السّابح، وغليان المرجل «٢» ، والقمقم، وبأنواع الطير: كالبازى، والسّوذنيق، والأجدل «٣» ، والقطامى، والعقاب، والقطا، والحمام، والجراد، وأنواع الوحش؛ كالوعل، والظّبى، والذّئب، والتّتفل «٤» ، ويشبه بالخذروف «٥» ، ولمعان الثّوب، وبالسّهم وبالريح وبالحسى.
قال أعرابىّ وقد سئل عن حضر «٦» فرسه: يحضر ما وجد أرضا.
وقال آخر: همها أمامها، وسوطها عنانها. أخذه بعض المحدثين فقال «٧» :
فكان لها سوطا إلى ضحوة الغد
وأخذه ابن المعتزّ، فلم يستوفه قوله:
أضيع شىء سوطه إذ يضربه
فذكر «إذ يضربه» . وقال فى أخرى:
صببنا عليها- ظالمين- سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
وقيل لامرأة: صفى لنا النّاقة النّجيبة. فقالت: عقاب إذا هوت «٨» وحيّة إذا التوت، تطوى الفلاة وما انطوت.
стр. 81
وكتب ابن القرّية- عن الحجاج- إلى عبد الملك: بعثت بفرس حسن المنظر، محمود المخبر، جيّد القد، أسيل الخدّ، يسبق الطّرف، ويستغرق الوصف.
وأجود ما قيل فى العدو قول عبدة بن الطبيب «١» :
يخفى التّراب بأظلاف ثمانية ... فى أربع مسّهنّ الأرض تحليل «٢»
والتحليل، من تحلّة اليمين، وهو أن يقول إن شاء الله؛ فقول الحالف: إن شاء الله، لا يكون إلا موصولا باليمين. يقول: إن مواصلة هذا الثور بين خطواته كمواصلة الحالف بالتحلّة يمينه من غير تراخ. أخذه المحدث فقال:
كأنّما يرفعن ما لم يوضع
وقال أبو النّجم «٣» :
جاء كلمع البرق جاش ما طره ... يسبح أولاه ويطفو آخره
فما يمسّ الأرض منه حافره
وأخذ على أبى النجم قوله:
يسبح أولاه ويطفو آخره
أنشده الأصمعى فقال: حمار الكسّاح أسرع من هذا؛ لأنّ اضطراب مآخيره قبيح؛ وقد أحسن فى قوله: «ويطفو آخره» «٤» . وقوله: «فما يمس الأرض منه حافره» جيد.
وقال أبو نواس «٥» :
ما إن يقعن الأرض إلا فرطا ... كأنما يعجلن شيئا لقطا
стр. 82
وقال «١» :
فانصاع كالكوكب فى انحداره ... لفت المشير موهنا بناره
وقال ذو الرمة:
كأنه كوكب فى إثر عفرية
أخذه ابن الرومى، فقال «٢» :
خذها تبوعا لمن ولى مسومة «٣» ... كأنها كوكب فى إثر عفريت
وقال ابن المعتز فى كلبة:
وكلبة زهراء كالشهاب ... تحسبها فى ساعة الذّهاب
نجما منيرا لاح فى انصباب ... خفيفة الوطء على التّراب
وقال خلف بن الأحمر «٤» :
كالكوكب الدّرّى منصلتا ... شدا يفوت الطّرف أسرعه
وكأنما جهدت أليته ... أن لا تمسّ الأرض أربعه
أخذه من قول الأعشى:
بجلالة أجد مداخلة ... ما إن تكاد خفافها تقع «٥»
وقال أبو نواس «٦» :
أرسله كالسّهم إذ غلا به ... يسبق طرف العين فى التهابه
يكاد أن ينسلّ من إهابه ... كلمعان البرق فى سحابه
مأخوذ من قول ذى الرمة «٧» :
لا يذخران من الإيغال باقية ... حتّى تكاد تفرّى عنهما الأهب «٨»
стр. 83
وقال كثير:
إذا جرى معتمدا لأمه ... يكاد يفرى «١» جلده عن لحمه
وقال أعرابى:
غاية مجد رفعت فمن لها ... نحن حويناها وكنّا أهلها
لو أرسل الرّيح لجئنا قبلها
وقال أبو النجم:
كأنّ فى المرو حريقا يشعله ... أو لمع برق خافق مسلسله «٢»
ومما عيب على طرفة قوله «٣» :
وإذا تلسننى ألسنها ... إننى لست بموهون فقر «٤»
والعاشق يلاطف من يحبّه ولا يحاجّه، ويلاينه ولا يلاجّه.
وقد قال بعض المحدثين «٥» :
بنى الحبّ على الجور فلو ... أنصف العاشق فيه لسمج
ليس يستحسن فى وصف الهوى ... عاشق يعرف تأليف الحجج
ومن خطأ المعانى قول الأعشى:
وما رابها من ريبة غير أنّها ... رأت لمّتى شابت وشابت لداتيا
وأى ريبة عند امرأة أعظم من الشيب.
ومثله قوله «٦» :
وأنكر تنى وما كان الّذى نكرت ... من الحوادث إلّا الشّيب والصّلعا
стр. 84
وأعجب منه قوله أيضا «١» :
صدّت هريرة عنّا ما تكلّمنا ... جهلا بأمّ خليد حبل من تصل
أإن رأت رجلا أعشى أضرّ به ... ريب الزّمان ودهر خاتل خبل
وأىّ شىء أبغض عند النساء من العشا والضر يتبيّنّه فى الرجل؟ وأعجب ما فى هذا الكلام أنه قال: حبل من تصل هذه المرأة بعدى وأنا بهذه الصفة من العشا والفقر والشّيب؟ فلا ترى كلاما أحمق من هذا.
ومن اضطراب المعنى قول امرىء القيس «٢» :
أراهنّ لا يحببن من قلّ ماله ... ولا من رأين الشّيب فيه وقوّسا «٣»
وهن يبغضنه من قبل التقويس، فما معنى ذكر التقويس؟ فأما بغضهنّ لمن قوّس فجدير وليس ببديع.
ومن الجيّد فى هذا الباب قول بعض المتأخرين «٤» :
لقد أبغضت نفسى فى مشيبى ... فكيف تحبنى الخود «٥» الكعاب
وقلت «٦» :
فلا تعجبا أن يعبن المشيب ... فما عبن من ذاك إلّا معيبا
إذا كان شيبى بغيضا إلىّ ... فكيف يكون إليها حبيبا
ومن فساد المعنى قول النابغة «٧» :
تحيد عن أستن سود أسافله ... مشى الإماء الغوادى تحمل الحزما «٨»
وإنما تحمل الإماء حزم الحطب عند رواحهنّ؛ فأما غدوهنّ إلى الصحراء فإنهن مخفّات.
стр. 85
والجيد قول التغلبى:
يظلّ بها ربذ النّعام كأنّها ... إماء تزجّى بالعشىّ حواطب «١»
وقد روى مثل الإماء «٢» . وإذا صحّت هذه الرواية سلم المعنى.
والأستن: شجر بشع المنظر تسميّه العرب رءوس الشياطين. وجاء فى بعض التفسير فى قوله تعالى: (طلعها كأنّه رءوس الشياطين) : إنه عنى الأستن.
وقد أساء النابعة أيضا فى وصف الثور حيث يقول «٣» :
من وحش وجرة موشىّ أكارعه ... طاوى المصير كسيف الصّيقل الفرد «٤»
أراد بالفرد أنه مسلول من غمده، فلم يبن بقوله: «الفرد» عن سلّه بيانا واضحا.
والجيد قول الطّرمّاح وقد أخذه منه: «٥»
يبدو وتضمره البلاد كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
وهذا غاية فى حسن الوصف.
وربما سامح الشاعر نفسه فى شىء فيعود عليه بعيب كبير. وقد قال المتلمّس «٦» :
وقد أتناسى الهمّ عند احتضاره ... بناج عليه الصّيعريّة مكدم «٧»
стр. 86
كميت كناز اللحم أو حميريّة ... مواشكة تنفى الحصى بمثلم «١»
والصيعرية: سمة للنوق فجعلها للجمل.
وسمعه طرفة ينشدها، فقال: استنوق الجمل. فضحك الناس وسارت مثلا.
فقال له المتلمّس: ويل لرأسك من لسانك، فكان قتله بلسانه- وروى هذا الحديث له مع المسيّب بن علس.
وأخبرنا أبو أحمد عن مهلهل بن يموت عن أبيه، عن الجاحظ أنه قال: وممّن أراد أن يمدح فهجا الأخطل وانبرى له فتى، فقال له: أردت أن تمدح سماكا الأسدى فهجوته، فقلت «٢» :
نعم المجير سماكا من بنى أسد ... بالطّفّ «٣» إذ قتلت جيرانها مضر
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فاليوم طيّر عن أثوابه الشّرر «٤»
وأردت أن تهجو سويد بن منجوف فمدحته، فقلت «٥» :
وما جذع سوء خرّب السّوس جوفه «٦» ... بما حمّلته وائل بمطيق
فأعطيته الرياسة على وائل، وقدره دون ذلك.
وأردت أن تهجو حاتم بن اليعمان الباهلى وأن تصغّر من شأنه وتضع منه، فقلت:
وسوّد حاتما أن ليس فيها ... إذا ما أوقد النّيران نار
فأعطيته السودد فى الجزيرة وأهلها ومنعته ما لا يضره.
وقلت فى زفر بن الحرث «٧» :
بنى أميّة إنى ناصح لكم ... فلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر
стр. 87
مفترش كافتراش اللّيث كلكله «١» ... لوقعة كائن فيها لكم جزر «٢»
فأردت أن تغرى به فعظّمت أمره، وهوّنت أمر بنى أمية.
ومن اضطراب المعنى ما أخبرنا به أبو أحمد عن مبرمان، عن أبى جعفر بن القبسى «٣» ، قال: لما قتلت بنو تغلب عمير بن الحباب السلمى أنشد الأخطل عبد الملك والجحّاف السلمى عنده «٤» :
ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر
فخرج الجحّاف مغضبا حتى أغار على البشر- وهو ماء لبنى تغلب- فقتل منهم ثلاثة وعشرين رجلا، وقال «٥» :
أبا مالك هل لمتنى مذ حضضتنى ... على القتل أو هل لامنى لك لائم
متى تدعنى أخرى أجبك بمثلها ... وأنت امرؤ بالحقّ ليس بعالم
فخرج الأخطل حتى أتى عبد الملك، وقد قال «٦» :
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فإلّا تغيّرها قريش بمثلها «٧» ... يكن عن قريش مستماز ومزحل «٨»
فقال له عبد الملك: إلى أين يا بن اللخناء «٩» ؟ فقال: إلى النّار. فقال. والله لو غيرها قلت لضربت عنقك! ووجه العيب فيه أنه هدّد عبد الملك، وهو ملك الدنيا بتركه إياه والانصراف عنه إلى غيره. وهذه حماقة مجردة، وغفلة لا يطار غرابها. ثم قال «١٠» :
стр. 88
فلا هدى الله قيسا من ضلالتها ... ولا لعا لبنى ذكوان إذ عثروا «١»
ضجّوا من الحرب إذ عضّت غواربهم ... وقيس غيلان من أخلاقها الضّجر «٢»
فقال له عبد الملك: لو كان الأمر كما زعمت لما قلت:
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة
وممن أراد أن يمدح نفسه فهجاها جرير فى قوله «٣» :
تعرّض التّيم لى عمدا لأهجوها ... كما تعرّض لاست الخارىء الحجر
فشبّه نفسه باست الخارى.
وقريب من ذلك قول الرّاعى «٤» :
ولا أتيت نجيدة بن عويمر ... أبغى الهدى فيزيدنى تضليلا «٥»
فأخبر أنه على شىء من الضلال؛ لأن الزيادة لا تكون إلا على أصل، وأراد أن يمدح نفسه فهجاها.
وأراد جرير [أن] يذكر عفوه عن بنى غدانة حين شفع فيهم عطية بن جعال، فهجاهم أقبح هجاء حيث يقول «٦» :
أبنى غدانة إننى حرّرتكم ... فوهبتكم لعطيّة بن جعال
لولا عطيّة لاجتدعت أنوفكم ... ما بين ألأم آنف وسبال
стр. 89
فلما سمع عطية هذا الشعر قال: ما أسرع ما رجع أخى فى عطيّته.
ومثل ذلك سواء قول يزيد بن مالك العامرى حيث يقول «١» :
أكفّ الجهل عن حلماء قومى ... وأعرض عن كلام الجاهلينا
فأخبر أنه يحلم عن الجهّال ولا يعاقبهم، ثم نقض ذلك فى البيت الثانى، فقال:
إذا رجل تعرّض مستخفّا ... لنا بالجهل أو شك أن يحينا
فذكر أنه كاد أن يفتك بمن جهل عليه «٢» .
وقريب منه قول عبد الرحمن بن عبد الله القس «٣» :
أرى هجرها والقتل مثلين فاقصروا ... ملامكم فالقتل أعفى وأيسر
فأوجب أنّ الهجر والقتل سواء، ثم ذكر أنّ القتل أعفى وأيسر «٤» ، ولو أتى ببل استوى «٥» .
ومن عجائب الغلط قول ذى الرمة «٦» :
إذا انجابت الظّلماء أضحت رءوسها ... عليهنّ من جهد الكرى وهى ظلّع «٧»
وقال ابن أبى فروة: قلت لذى الرّمة: ما علمت أحدا من الناس أظلع الرءوس غيرك! فقال: أجل.
ومن الغلط قول العجّاج «٨» :
كأنّ عينيه من الغؤور ... قلتان أو حوجلتا قارور
صيّرتا بالنّضح والتّصبير ... صلاصل الزّيت إلى الشّطور
стр. 90
فجعل الزّجاج ينضح «١» .
ومن الخطأ قول رؤبة فى صفة قوائم الفرس:
يهوين شتى ويقعن وقعا «٢»
فقال له سلم «٣» : أخطأت، جعلته مقيّدا، فقال له رؤبة: أدننى من ذنب البعير، أى لست أبصر الخيل، وإنما أنا بصير بالإبل.
ومن الغلط قول رؤبة أيضا «٤» :
وكلّ زجّاج سخام الخمل ... يبرى له فى رعلات خطل «٥»
جعل للظليم عدّة إناث؛ وليس للظليم إلا أنثى واحدة.
وأخطأ فى قوله «٦» :
كنتم كمن أدخل فى جحر يدا ... فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا
стр. 91
فجعل الأفعى دون الأسود فى المضرّة، وهى فوقه فيها.
ومن خطأ الوصف قول أبى النّجم «١» :
أخنس فى مثل الكظام المخطمه «٢»
والأخنس: القصير المشافر، وإنما توصف المشافر بالسّبوطة «٣» .
ووصف أعرابى إبلا، فقال: كوم بهازر، مكد خناجر، عظام الحناجر، سباط المشافر، أجوافها رغاب، وأعطانها رحاب، تمنع من البهم، وتبذل للجمم.
ناقة مكود وخنجورة «٤» : كثيرة اللبن «٥» . والبهازر: العظام «٦» . والكوم:
المرتفعة الأسنمة. ولم يحسن أيضا صفة ورود الإبل. قال «٧» :
جاءت تسامى «٨» فى الرّعيل الأوّل ... والظّلّ عن أخفافها لم يفضل
ذكر أنها وردت فى الهاجرة، وهذا خلاف المعهود؛ وإنما يكون الورود غلسا، كقول الآخر «٩» :
فوردت قبل الصّباح الفاتق «١٠»
стр. 92
وقال الآخر (١) :
فوردن قبل تبيّن الألوان
وقول لبيد (١) :
إن من وردى تغليس النّهل
ومن الغلط قول أبى النّجم «١» :
صلب العصا جاف عن التغزّل «٢»
يصف راعى الإبل بصلابة العصا، وليس بالمعروف.
والجيّد قول الراعى «٣» :
ضعيف العصا بادى العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا «٤»
وإنما يقال: فلان صلب العصا على أهله إذا كان شديدا عليهم.
ومن الغلط قول أبى النّجم أيضا فى وصف الفرس، وهو غلط فى اللّفظ «٥» :
كأنّها ميجنة القصّار
وإنما الميجنة لصاحب الأدم، وهى التى يدقّ عليها الأدم من حجر وغيره.
ومن فساد المعنى قول الشمّاخ «٦» :
بانت سعاد وفى العينين ملمول «٧» ... وكان فى قصر من عهدها طول
كان ينبغى أن يقول «٨» : فى طول من عهدها قصر؛ لأنّ العيش مع الأحبّة يوصف بقصر المدة، كما قال الآخر:
يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقى فيه قصير
стр. 93
ومن اضطراب المعنى قول أبى داود الأيادى «١» :
لو أنها بذلت لذى سقم ... حرض «٢» الفؤاد مشارف القبض
حسن «٣» الحديث لظلّ مكتئبا ... حرّان من وجد بها مضّ
وكان استواء المعنى أن يقول: لبرأ من سقمه- كما قال الأعشى:
لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
وقال تأبط شرا:
قليل غرار النّوم
تقديره قليل يسير النوم، وهذا فاسد؛ ووجه الكلام أن يكون ما ينام إلّا غرارا؛ فإن احتلت له قلت: يعنى أن نومه أيسر من اليسير.
وقول أبى ذؤيب «٤» :
فلا يهنأ «٥» الواشون أن قد هجرتها ... وأظلم دونى ليلها ونهارها
هذا من المقلوب؛ كان ينبغى أن يقول: وأظلم دونها ليلى ونهارى.
وقول ساعدة «٦» :
فلو نّبأتك الأرض أو لو سمعته ... لأيقنت أنى كدت بعدك أكمد
كان ينبغى أن يقول: إنّى بعدك أكمد.
ومن الخطأ قول طرفة يصف ذنب البعير «٧» :
كأنّ جناحى مضرحىّ تكنّفا ... حفافيه شكّا فى العسيب بمسرد «٨»
وإنما توصف النجائب بخفّة الذنب «٩» ... وجعله هذا كثيفا طويلا عريضا.
стр. 94
وقول امرىء القيس «١» :
وأركب فى الرّوع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر
شبّه ناصية الفرس بسعف النخلة لطولها، وإذا غطى الشعر العين لم يكن الفرس كريما.
وقول الحطيئة «٢» :
ومن يطلب مساعى آل لأى ... تصعّده الأمور إلى علاها
كان ينبغى أن يقول: من طلب مساعيهما جز عنها وقصّر دونها، فأما إذا تناهى إلى علاها فأى فخر لهم؛ فإن قيل: إنه أراد به [أنه] يلقى صعوبة كما يلقى الصاعد من أسفل إلى علو، فالعيب أيضا لازم له؛ لأنه لم يعبّر عنه تعبيرا مبينا.
وقول النابغة «٣» :
ماضى الجنان أخى صبر إذا نزلت ... حرب يوائل منها كل تنبال
التنبال: القصير من الرجال، وليس القصير بأولى بطلب الموئل من الطوال؛ وإن جعل التّنبال الجبان فهو أبعد من الصواب؛ لأن الجبان خائف وجل اشتدت الحرب أم سكنت.
والجيد قول الهمدانى:
يكرّ على المصافّ إذا تعادى ... من الأهوال شجعان الرّجال
وقول المسيب بن علس «٤» :
فتسلّ حاجتها إذا هى أعرضت ... بخميصة سرح اليدين وساع
وكأنّ قنطرة بموضع كورها ... وتمدّ ثنى جديلها بشراع «٥»
وإذا أطفت بها أطفت بكلكل ... نبض الفرائص مجفر الأضلاع
стр. 95
وهذا من المتناقض؛ لأنه قال خميصة، ثم قال: كأن موضع كورها قنطرة، وهى مجفرة الأضلاع؛ فكيف تكون خميصة وهذه صفتها.
وقول الحطيئة «١» :
حرج يلاوذ بالكناس كأنّه ... متطوّف «٢» حتى الصباح يدور
حتى إذا ما الصبح شقّ عموده ... وعلاه أسطع لا يردّ منير
وحصى الكثيب بصفحتيه كأنه ... خبث الحديد أطارهنّ الكير
زعم أنه يطوف حتى الصباح، فمن أين صار الحصى بصفحتيه؟
وقول لبيد «٣» :
فلقد أعوص بالخصم «٤» وقد ... أملأ الجفنة من شحم القلل
أراد السنام، ولا يسمّى السنام شحما.
وقوله «٥» :
لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامى وزحل
ليس للفيّال من الشدّة والقوة ما يكون مثلا.
ومن الخطأ قول أبى ذؤيب فى الدرة «٦» :
فجاء بها ما شئت من لطميّة ... يدوم الفرات فوقها ويموج
والدّرّة إنما تكون فى الماء الملح دون العذب. وقال من احتج له: إنما يريد بماء الدّرة صفاءه فشبّه بماء الفرات؛ لأنّ الفرات لا يخطئه الصفاء والحسن.
وقوله أيضا «٧» :
فما برحت فى الناس حتى تبيّنت ... ثقيفا بزيزاء «٨» الأشاة «٩» قبابها
стр. 96
يقول: ما زالت هذه الخمرة فى الناس يحفظونها حتى أتوا بها ثقيفا. قال الأصمعى:
وكيف تحمل الخمرة إلى ثقيف وعندهم العنب.
وقول عدى بن الرقاع:
لهم راية تهدى الجموع كأنها ... إذا خطرت فى ثعلب «١» الرّمح طائر
والراية لا تخطر، وإنما الخطران للرمح.
ومما لم يسمع مثله قط قول عدى بن زيد فى الخمرة ووصفه إياها بالخضرة حيث يقول:
والمشرف الهيدب يسعى بها ... أخضر مطموثا بماء الحريص «٢»
والحريص: السّحابة تحرص وجه الأرض، أى تقشرها بشدّة وقع مطرها.
ومن وضع الشىء فى غير موضعه قول الشاعر:
يمشى بها كلّ موشّى أكارعه ... مشى الهرابذ حجّوا بيعة الدّون
فالغلظ فى هذا البيت فى ثلاثة مواضع: أحدها أن الهرابذ المجوس «٣» لا النصارى.
والثانى أن البيعة للنصارى لا للمجوس. والثالث أنّ النصارى لا يعبدون الأصنام ولا المجوس.
ومن المحال الذى لا وجه له قول القس «٤» :
وإنّى إذا ما الموت حلّ بنفسها ... يزال بنفسى قبل ذاك فأقبر
وهذا شبيه بقول قائل لو قال: إذا دخل زيد الدار دخل عمرو قبله. وهذا عين المحال الممتنع الذى لا يجوز كونه.
ومن عيوب المعنى مخالفة العرف وذكر ما ليس فى العادة كقول المرار «٥» :
وخال على خدّيك يبدو كأنّه ... سنا البدر فى دعجاء باد دجونها
стр. 97
والمعروف أن الخيلان سود أو سمر، والحدود الحسان إنما هى البيض، فأتى هذا الشاعر بقلب المعنى.
وهكذا قول الآخر:
كأنّما الخيلان فى وجهه ... كواكب أحدقن بالبدر
ويمكن أن يحتج لهذا الشاعر بأن يقال: شبّه الخيلان بالكواكب من جهة الاستدارة لا من جهة اللّون.
والجيد فى صفة الخال قول مسلم:
وخال كخال البدر فى وجه مثله ... لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل
وقال العباس بن الأحنف «١» :
لخال بذات الخال أحسن عندنا ... من النكتة السّوداء فى وضح البدر
ومن المعانى ما يكون مقصرا غير بالغ مبلغ غيره فى الإحسان، كقول كثير «٢» :
وما روضة بالحزن طيّبة الثّرى ... تمجّ الندى «٣» حوذانها «٤» وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرّطب «٥» نارها
وقد صدق؛ ليس ريح الروض بأطيب من ريح العود، إلا أنه لم يأت بإحسان فيما وصف من طيب عرق المرأة؛ لأن كلّ من تجمّر بالعود طابت رائحته.
والجيد قول امرئ القيس «٦» :
ألم تر أنّى كلّما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
والعود الرطب ليس بمختار للبخور؛ وإنما يصلح للمضع والسواك، والعود اليابس أبلغ فى معناه.
стр. 98
وأنشد الكميت نصيبا «١» :
كأنّ الغطامط فى غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا
فقال نصيب: لم تهج أسلم غفارا قط، فقال الكميت «٢» :
إذا ما الهجارس غنّينها ... تجاوبن «٣» بالفلوات الوبارا
فقال نصيب: لا يكون بالفلوات وبار، فاستحى الكميت وسكت «٤» ومن عيوب المديح عدول المادح عن الفضائل التى تختصّ بالنفس: من العقل، والعفّة، والعدل، والشجاعة، إلى ما يليق بأوصاف الجسم: من الحسن، والبهاء والزّينة، كما قال ابن قيس الرقيّات فى عبد الملك بن مروان «٥» :
يأتلق التّاج فوق مفرقه ... على جبين كأنّه الذّهب
فغضب عبد الملك، وقال: قد قلت فى مصعب «٦» :
إنما مصعب شهاب من اللّ ... هـ تجلّت عن وجهه الظّلماء «٧»
فأعطيته المدح بكشف الغمم، وجلاء الظّلم؛ وأعطيتنى من المدح ما لا فخر فيه؛ وهو اعتدال التاج فوق جبينى الذى هو كالذّهب فى النضارة.
ومثل ذلك قول أيمن بن خزيم فى بشر بن مروان «٨» :
يابن الأكارم من قريش كلّها ... وابن الخلائف وابن كلّ قلمّس «٩»
стр. 99
من فرع آدم كابرا عن كابر ... حتّى أتيت «١» إلى أبيك العنبس
مروان، إنّ قناته خطّيّة ... غرست أرومتها أعزّ المغرس
وبنيت عند مقام ربك قبّة ... خضراء كلّل تاجها بالفسفس «٢»
فسماؤها ذهب وأسفل أرضها ... ورق تلألأ فى صميم الحندس
فما فى هذه الأبيات شىء يتعلّق بالمدح الذى يختصّ بالنفس، وإنما ذكر سودد الآباء، وفيه فخر للأبناء، ولكن ليس العظامى كالعصامىّ، وربما كان سودد الوالد وفضيلته نقيصة للولد إذا تأخّر عن رتبة الوالد، ويكون ذكر الوالد الفاضل تقريعا للولد الناقص.
وقيل لبعضهم: لم لا تكون كأبيك؟ فقال: ليت أبى لم يكن ذا فضل؛ فإنّ فضله صار نقصا لى.
وقد قال الأوّل:
إنّما المجد ما بنى والد الصّد ... ق وأحيا فعاله المولود
وقال غيره فى خلافه:
لئن فخرت بآباء ذوى شرف ... لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا
وقال آخر:
عفّت مقابح أخلاق خصصت بها ... على محاسن أبقاها أبوك لكا
لئن تقدمت أبناء الكرام به ... لقد تأخّر آباء اللّئام بكا
ثم ذكر أيمن بناء قبة حسنة، وليس بناء القباب مما يدل على جود وكرم؛ بل يجوز أن يبنى اللئيم البخيل الأبنية النفيسة، ويتوسّع فى النفقة على الدور الحسنة
стр. 100
مع منع الحق، وردّ السائل، وليس اليسار مما يمدح به مدحا حقيقيا؛ ألا ترى كيف يقول أشجع السّلمى «١» :
يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم فى الغنى ... ولكنّ معروفة أوسع
ومن عيوب المدح قول أيمن بن خريم أيضا فى بشر بن مروان «٢» :
فإن أعطاك «٣» بشر ألف ألف ... رأى حقّا عليه أن يزيدا
وأعقب مدحتى سرجا خلنجا ... وأبيض جوز جانيّا عنودا «٤»
وإنّا قد رأينا أمّ بشر ... كأمّ الأسد مذكارا ولودا
جميع هذا الكلام جار على غير الصواب، إلّا فى ابتداء وصفه فى التناهى فى الجود، ثم انحطّ إلى مالا يقع مع الأول موقعا وهو السّرج وغيره. وأتى فى البيت الثالث بما هو أقرب إلى الذّم منه إلى المدح، وهو قوله:
وإنا قد رأينا أمّ بشر ... كأمّ الأسد مذكارا ولودا
لأنّ الناس مجمعون على أنّ نتاج الحيوانات الكريمة أعسر وأولادها أقلّ. كما قال الأول «٥» :
بغاث الطّير أكثرها فراخا ... وأمّ الصّقر مقلات «٦» نزور
ومن عيوب المدح قول بعضهم- هو عبيد الله بن الحويرث- لبشر بن مروان:
إنّى رحلت إلى عمرو لأعرفه ... إذ قيل بشر ولم أعدل به نشبا
فنكّر الممدوح وسلبه النباهة؛ وكان ينبغى أن يقول: ليعرفنى.
стр. 101
والنادر العجب الذى لا شبه له قول عدىّ بن الرّقاع، وذكر الله سبحانه، فقال «١» :
وكفّك سبطة «٢» ونداك غمر ... وأنت المرء تفعل ما تقول
فجعل إلهه امرءا، تعالى الله عما يقول:
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى، قال: أخبرنا أبو العيناء عن الأصمعى قال:
اجتمع جرير والفرزدق عند الحجّاج. فقال: من مدحنى منكما بشعر يوجز فيه ويحسن صفتى فهذه الخلعة له؛ فقال الفرزدق «٣» :
فمن يأمن الحجاج والطير تتّقى ... عقوبته إلّا ضعيف العزائم
فقال جرير «٤» :
فمن يأمن الحجّاج أمّا عقابه ... فمرّ وأمّا عقده فوثيق
يسرّ لك البغضاء كلّ منافق ... كما كلّ ذى دين عليك شفيق
فقال الحجاج للفرزدق: ما عملت شيئا، إنّ الطير تنفر من الصبىّ «٥» والخشبة؛ ودفع الخلعة إلى جرير.
والجيد فى المديح قول زهير «٦» :
هنالك أن يستخولوا المال يخولوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا «٧»
стр. 102
وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية ينتابها القول والفعل «١»
فلما استتمّ وصفهم بحسن المقال، وتصديق القول بالفعل، وصفهم بحسن الوجوه.
ثم قال:
على مكثريهم حقّ من يعتريهم ... وعند المقلّين السماحة والبذل «٢»
فلم يخل مكثرا ولا مقلّا منهم من برّ وفضل.
ثم قال:
فإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
فوصفهم بالحلم.
ثم قال:
وإن قام منهم قائم قال قاعد ... رشدت فلا غرم عليك ولا خذل
فوصفهم أيضا بالتّضافر والتّعاون.
فلما آتاهم هذه الصفات النفيسة ذكر فضل آبائهم فقال:
وما يك «٣» من خير أتوه فإنّما ... توارثه آباء آبائهم قبل «٤»
وهل ينبت الخطىّ إلّا وشيجه ... وتغرس إلّا فى منابتها النّخل «٥»
وكقول ذى الرمة «٦» :
إلى ملك «٧» يعلو الرّجال بفضله ... كما بهر «٨» البدر النّجوم السّواريا
فما مرتع الجيران «٩» إلّا جفانكم «١٠» ... تبارون أنتم والرياح تباريا
стр. 103
أخذه بعضهم، فقال وأحسن:
رأيتكم بقيّة حىّ قيس ... وهضبته الّتى فوق الهضاب
تبارون الرّياح إذا تبارت ... وتمتثلون أفعال السّحاب
يذكرنى مقامى فى ذراكم ... مقامى أمس فى ظلّ الشّباب
وكقول الراعى:
إنى وإياك والشكوى التى قصرت ... خطوى وبابك والوجد الذى أجد
كالماء والظالع الصّديان يطلبه ... وهو الشّفاء له لو أنّه يرد
ضافى العطيّة، راجيه وسائله ... سيّان، أفلح من يعطى ومن يعد
وقول مروان بن أبى حفصة «١» :
بنو مطر يوم اللّقاء كأنّهم ... أسود لهم فى غيل خفّان «٢» أشبل
هم المانعون «٣» الجار حتّى كأنّما ... لجارهم فوق السّماكين منزل
بها ليل فى الإسلام سادوا ولم يكن ... كأوّلهم فى الجاهليّة أوّل
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
ولا يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا فى النّائبات وأجملوا
تلاث بأمثال الجبال حباهم ... وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل
ويقول الآخر:
علّم الغيث الندى حتى إذا ... ما حكاه علّم البأس الأسد
فله الغيث مقرّ بالنّدى ... وله اللّيث مقرّ بالجلد
وكقول الآخر:
شبه الغيث فيه والليث وال ... بدر فسمح ومحرب وجميل
стр. 104
ومع ما ذكرناه فإنّه لا ينبغى أن يخلو المدح من مناقب لآباء الممدوح، وتقريظ من يعرف به وينسب إليه.
وأنشد أبو الخطاب الفضل بن يحيى:
وجد له يابن أبى علىّ ... بنفحة من ملك سخىّ
فإنّه عود على بدىّ ... فإنّما الوسمىّ بالولىّ «١»
فقال الفضل: بنفحة من نفح برمكى؛ فجعله كذلك.
وأنشده مروان بن أبى حفصة:
نفرت فلا شلّت يد خالديّة ... رتقت بها الفتق الذى بين هاشم
فقال له الفضل: قل برمكية؛ فقد يشركنا فى خالد بشر كثير، ولا يشركنا فى برمك أحد.
والهجاء أيضا إذا لم يكن يسلب الصفات المستحسنة التى تختصّها النفس؛ ويثبت الصفات المستهجنة التى تختصها أيضا لم يكن مختارا.
والاختيار أن ينسب المهجوّ إلى اللؤم والبخل والشّره وما أشبه ذلك.
وليس بالمختار فى الهجاء أن ينسبه إلى قبح الوجه وصغر الحجم وضؤولة الجسم؛ يدلّ على ذلك قول القائل «٢» :
فقلت لها: ليس الشّحوب على الفتى ... بعار ولا خير الرجال سمينها
وقول الآخر:
تنال الخير ممّن تزدريه ... ويخلف ظنّك الرّجل الطّرير
وقول الآخر «٣» :
رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح
стр. 105
وذكر السموءل أنّ قلة العدد ليست بعيب، فقال «١» :
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل
ومن الهجاء الجيّد قول بعضهم «٢» :
اللّؤم أكرم من وبر ووالده ... واللّؤم أكرم من وبر وما ولدا
قوم إذا ماجنى جانيهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا «٣»
وقول أعشى باهلة «٤» :
بنو تيم قرارة كلّ لؤم ... كذاك لكلّ سائلة قرار «٥»
وتبعه أبو تمام، فقال «٦» :
ملقى الرجاء وملقى الرّحل فى نفر ... الجود عندهم قول بلا عمل
أضحوا بمستنّ «٧» سبل اللّؤم «٨» وارتفعت ... أموالهم فى هضاب المطل والعلل
ونقله إلى موضع آخر، فقال «٩» :
وكانت زفرة «١٠» ثمّ اطمأنّت ... كذاك لكلّ سائلة قرار
وقول الآخر «١١» :
لو كان يخفى على الرّحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد
وقول الحكم الحضرى «١٢» :
ألم تر أنّهم رقموا بلؤم ... كما رقمت بأذرعها الحمير
стр. 106
ومن خبيث الهجاء قول الآخر «١» :
إن يغدروا أو يجبنوا ... أو يبخلوا لا يجفلوا «٢»
يغدوا عليك مرجّلي ... ن كأنّهم لم يفعلوا
وقول الآخر «٣» :
لو اطّلع الغراب على تميم ... وما فيها من السّوءات شابا «٤»
وقول مرة بن عدى الفقعسى «٥» :
وإذا تسرّك من تميم خصلة ... فلما يسوءك من تميم أكثر
ومن المبالغة فى الهجاء قول ابن الرومى «٦» :
يقتّر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد
ولو يستطيع لتقتيره ... تنفّس من منخر واحد
والناس يظنون أنّ ابن الرومى ابتكر هذا المعنى، وإنما أخذه ممن حكاه أبو عثمان أنّ بعضهم قبر إحدى عينيه وقال: إنّ النظر بهما فى زمان واحد من الإسراف.
وقول البحترى «٧» :
وردّدت العتاب عليك حتّى ... سئمت وآخر الودّ العتاب
وهان عليك سخطى حين تغدو ... بعرض ليس تأكله الكلاب
стр. 107
ومن خطأ الوصف قول كعب بن زهير «١» :
ضخم مقلّدها فعم مقيّدها «٢»
لأن النجائب توصف بدقّة المذبح «٣» .
ومن خطأ اللفظ قول ذى الرّمة:
حتّى إذا الهيق أمسى شام أفرخه ... وهنّ لا مويس نأيا ولا كثب «٤»
لأنّه لا يقال شام إلّا فى البرق.
ومن ردىء التشبيه قول لبيد «٥» :
فمتى ينقع صراخ صادق ... يحلبوها ذات جرس وزجل
فخمة ذفراء ترتى بالعرا ... قردمانيّا وتركا كالبصل
فشبّه البيضة بالبصل، وهو بعيد، وإن كانا يتشابهان من جهة الاستدارة لبعد ما بينهما فى الحنس.
وقول أبى العيال «٦» :
ذكرت أخى فعاودنى ... صداع الرّأس والوصب «٧»
стр. 108
فذكر الرأس مع الصّداع فضل، لأنّ الصداع لا يكون فى الرّجل ولا فى غيرها من الأعضاء. وفيه وجه آخر من العيب؛ وهو أن الذّاكر لما قد فات من محبوب يوصف بألم القلب واحتراقه لا بالصّداع.
وقول أوس بن حجر «١» :
وهم لمقلّ المال أولاد علّة ... وإن كان محضا فى العمومة مخولا
فقوله: «المال» مع المقلّ فضل.
وقول عبد الرحمن بن عبد الله الخزرجى «٢» :
قيدت فقد لان حاذاها «٣» وحاركها ... والقلب منها مطار القلب مذعور «٤»
فما سمعنا بأعجب من قوله: فالقلب منها مطار القلب.
وقول الآخر: «٥»
ألا حبّذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النّأى والبعد
فقوله: «النّأى» مع «البعد» فضل، وإن كان قد جاء من هذا الجنس فى كلامهم كثير، والبيت فى نفسه بارد.
ومن عيوب اللفظ ارتكاب الضرورات فيه كما قال المتلمس «٦» :
إن تسلكى سبل الموماة منجدة ... ما عاش عمر وما عمّرت قابوس «٧»
стр. 109
أراد [ما عاش عمرو] «١» وما عمّر قابوس وقول الأعشى «٢» - حكاه بعض الأدباء وعابه:
من القاصرات سجوف الحجا ... ل لم تر شمسا ولا زمهريرا
قال: لا توضع الشّمس مع الزمهرير. قال: وكان يجب أن يقول، لم تر شمسا ولا قمرا، ولم يصبها حرّ ولا قر، وقد أخطأ لأنّ القرآن قد جاء فيه موضع هاتين اللفظتين معا.
ومن المطابقة أن يتقارب التضاد دون تصريحه، وهذا كثير فى كلامهم. وقد أوردناه فى باب الطباق.
وكقول علقمة «٣» :
يحملن أترجّة نضخ العبير بها ... كأنّ تطيابها فى الأنف مشموم
والتطياب هاهنا على غاية السماجة. والطيب أيضا مشموم لا محالة، فقوله:
كأنه مشموم هجنة. وقوله: فى الأنف أهجن؛ لأن الشمّ لا يكون بالعين.
وقول عامر بن الطفيل «٤» :
تناولته فاحتل سيفى ذبابه ... شراشيفه العليا وجذّ المعاصما «٥»
وهذا البيت على غاية التكلف.
وقول خفاف بن ندبة «٦» :
إن تعرضى وتضنّى بالنّوال لنا ... تواصلين «٧» إذا واصلت أمثالى
وكان ينبغى أن يقول: إن تضنّى بالنوال علينا، على أنّ البيت كله مضطرب النّسج.
стр. 110
وقول الحطيئة «١» :
صفوف وماذىّ الحديد عليهم ... وبيض كأولاد النّعام كثيف «٢»
جعل بيض النّعام أولادها.
ومن عيوب اللّفظ استعماله فى غير موضعه المستعمل فيه، وحمله على غير وجهه المعروف به؛ كقول ذى الرمة «٣» :
نغار إذا ما الرّوع أبدى عن البرى ... ونقرى عبيط اللّحم والماء جامس «٤»
لا يقال: ماء جامس، وإنما يقال: ودك جامس.
وقول جرير «٥» :
لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقنى ... صوت الدّجاج وقرع بالنّواقيس
قالوا: لا يكون التّأريق إلّا أوّل الليل. والدجاج: الديكة هاهنا.
وقول عدىّ بن زيد فى الفرس: «فارها متابعا» . لا يقال: فرس فاره، إنما يقال بغل فاره.
وقول النابغة «٦» :
رقاق النّعال طيّب حجزاتهم ... يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب «٧»
يمدح بذلك ملوكا بأنهم يحيّون بالريحان يوم السباسب، ويوم السباسب يوم عيد لهم؛ ومثل هذا لا يمدح به السوقة فضلا عن الملوك.
следующие страницы →