Полный текст (457 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وحرب عبوس قد ضاحكتها أسنتهم، وخطب شين «١» ، قد ذللوا مناكبه؛ إنما كانوا كالبحر الذى لا ينكش «٢» غماره؛ ولا ينهنه تيّاره. وقيل لأعرابى: يزعم فلان أنه كساك ثوبا، فقال: إن المعروف إذ أمرّ كدّر، وإذا محض أمرّ؛ ومن ضاق قلبه اتسع لسانه.
وذكر أعرابى رجلا فقال: كلامه منقوض آثار القطا؛ وهو مع ذا رثّ عقال المودة، مسودّ وجه الصداقة؛ ولئن كان لبنى الآدميين سباخ إنه لمن سباخ بنى آدم.
وقيل لأعرابى: لم لا تشرب النبيذ؟ فقال: لا أشرب ما يشرب عقلى.
وقال معاوية: العيال أرضة المال. وقال خالد بن صفوان: إياكم ومجانيق الضعفاء «٣» .
وقال: لا تضع معروفك عند فاجر، ولا أحمق، ولا لئيم، فإن الفاجر يرى ذلك ضعفا، والأحمق لا يعرف ما أوتى إليه فيشكره على مقدار عقله، واللئيم سبخة لا ينبت شيئا ولا يثمر؛ ولكن إذا رأيت الثرى فازرع المعروف تحصد الشكر، وأنا الضامن.
وأهدت امرأة من العجم إلى هوى لها فى يوم نوروز وردا وكتبت إليه: هذا اليوم أحد «٤» فتيان الدهر وشاب «٥» أقسامه، والقصف فيه عروس، والورد فى البرد كالدر فى النّحر؛ وقد بعثت إليك منه مهرا ليومك، فزوّج السرور من النفس، والطرب من القلب، ولا تستقل برا، فإنا لا نستكثر على قبوله شكرا.
وقال آخر فى رجل: ماذا تثير الخبرة من دفأن كرمه. وقال أعرابى لخصمه: أما والله لئن هملجت إلى الباطل، إنك عن الحق لقطوف، ولئن أبطأت عنه لتسر عن إليه؛ فاعلم أنه إن لم يعد لك الحق عدلك الباطل، والآخرة من ورائك. وقال آخر: الخط مركب البيان. وقال آخر: القلم لسان اليد. وسمعت بعض الأطباء يقول: الماء مطية الطعام.
وقال الحسن بن وهب لكاتبه: لا ترق ماء معروفى بالمن؛ فإن اعتدادك بالعرف
стр. 282
يعقل لسان الشكر.
الاستعارة فى أشعار المتقدمين
وأمثال هذا كثير فى منثور الكلام وفيما أوردته كفاية إن شاء الله.
فأما الاستعارة من أشعار المتقدمين فمثل قول امرىء القيس «١» :
وليل كموج البحر مرخ سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
وقال زهير «٢» :
صحا القلب عن ليلى وأقصر باطله ... وعرّى أفراس الصّبا ورواحله
وقول امرىء القيس «٣» :
فبات عليه سرجه ولجامه ... وبات بعينى قائما غير مرسل
أى كنت أراه وأحفظه؛ وعلى هذا مجاز قوله : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا.
وقال زهير «٤» :
إذا سدّت به لهوات ثغر ... يشار إليه جانبه سقيم «٥»
وقال النابغة «٦» :
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب «٧»
وفى هذا البيت ماء وطلاوة ليس مثله فى بيت زهير. وقال عنترة «٨» :
جادت عليه كلّ بكر حرّة ... فتركن كلّ قرارة كالدّرهم «٩»
وقال مهلهل:
تلقى فوارس تغلب ابنة وائل ... يستطعمون الموت كل همام
стр. 283
وقال زهير «١» :
إذا لقحت حرب عوان مضرّة ... ضروس تهرّ الناس أنيابها عصل «٢»
أخذه من قول أوس بن حجر «٣» :
وإنى امرؤ أعددت للحرب بعد ما ... رأيت لها نابا من الشّرّ أعصلا
وقال المسيّب بن علس «٤» :
وإنهم قد دعوا دعوة ... سيتبعها ذنب أهلب «٥»
أراد جيشا كثيفا.
وقال الأسود بن يعفر:
فأدّ حقوق قومك واجتنبهم ... ولا يطمح «٦» بك العز الفطير
أراد عزّا ليس بالمحكم كفطير العجين، والفطير من الجلد: ما لم يدبغ.
وقال طفيل الغنوى «٧» :
وجعلت كورى فوق ناجية ... يقتات «٨» شحم سنامها الرّحل
وقال الحرث بن حلزة «٩» :
حتى إذا التفع الظباء بأطرا ... ف الظّلال وقلن فى الكنّس «١٠»
الالتفاع: لبس اللفاع وهو اللّحاف. ومثله قول الشّماخ «١١» :
إذا الأرطى توسّد أبرديه ... خدود جوازىء بالرمل عين «١٢» :
стр. 284
أبرداه: ظلّ الغداة والعشىّ. توسدته: جعلته بمنزلة الوسادة.
وقال آخر:
ومهمه فيه السراب يسبح ... يدأب فيه القوم حتى يطلحوا «١»
ثم يبيتون كأن لم يبرحوا ... كأنما أمسوا بحيث أصبحوا
وقال عمرو بن كلثوم «٢» :
ألا أبلغ النّعمان عنّى رسالة ... فمجدك حولىّ ولؤمك قارح «٣»
وقال الحطيئة «٤» :
ألا يالقلب عارم «٥» النظرات
وقال الجعدىّ:
فإن يطف أصحابه يرسب
وقال أبو ذؤيب «٦» :
وإذا المنية أنشبت أظفارها
وقال أبو خراش الهذلىّ «٧» :
أردّ شجاع البطن لو تعلمينه ... وأوثر غيرى من عيالك بالطعم «٨»
وقال لبيد «٩» :
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضّحى ... واجتاب أردية السراب إكامها «١٠»
стр. 285
وقال أيضا «١» :
وغداة ريح قد كشفت وقرّة ... إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها
وقال أوس بن مغراء:
يشيب على لؤم الفعال كبيرها ... ويغذى بثدى اللؤم منها وليدها
وقال الأخطل:
وأهجر هجرانا جميلا وينتحى ... لنا من ليالينا العوازم أول
وقال آخر «٢» :
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات «٣» ووحدانا
وقال:
هم ساعد الدهر الّذى يتقّى به ... وما خير كفّ لا تنوء بساعد
وقال آخر:
سأبكيك للدّنيا وللدّين إننى ... رأيت يد المعروف بعدك شلّت
وقال المقنّع «٤» :
أسدّ به ما قد أخلّوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدّا
وقال آخر:
وذاب للشمس لعاب فنزل
أخذه من قول النابغة «٥» :
إذا الشّمس مجّت ريقها بالكلاكل
стр. 286
وقال آخر «١» :
جاء الشّتاء واجثألّ القبّر ... وطلعت شمس عليها مغفر
جعل قطعة السحاب إلى جانب الشمس مغفرا لها، واجثأل: انتفش «٢» .
وقال الحطيئة:
وما خلت سلمى قبلها ذات رحلة ... إذا قسورىّ الليل جيبت سرابله
وقال أيضا:
ولّوا وأعطونا الذى سئلوا ... من بعد موت ساقط أزره
إنا لنكسوهم «٣» وإن كرموا ... ضربا يطير خلاله شرره
وقال أبو دواد:
وقد اغتدى فى بياض الصّباح ... وأعجاز ليل مولّى الذّنب
وقال الأفوه «٤» :
عافوا الإتاوة واستقت أسلافهم ... حتى ارتووا عللا بأذنبة الردى «٥»
وقال ابن مناذر:
بأرشية أطرافها فى الكواكب
وقال الأخطل:
حتى إذا افتض ماء المزن عذرتها ... راح الزجاج وفى ألوانه صهب
وقال غيره «٦» :
وجيش يظلّ البلق فى حجراته ... ترى الأكم فيه سجدا للحوافر «٧»
стр. 287
وقال ذى الرّمة:
سقاه الكرى كأس النعاس فرأسه ... لدين الكرى من آخر الليل ساجد
قوله: «سقاه الكرى» جيد. وقوله: «لدين الكرى» بعيد عندى.
وقال مضرس ابن ربعىّ:
أذود سوام الطرف عنك وماله ... على أحد إلّا عليك طريق
وقال تأبط شرا «١» :
ويسبق وفد الرّيح من حيث تنتحى ... بمنخرق من شدّه المتدارك «٢»
إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالىء من قلب شيحان فاتك «٣»
ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلّة من صارم الغرب باتك «٤»
إذا هزّه فى عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك
فى كل بيت من هذه الأبيات استعارة بديعة، وقد أخذ رؤبة قوله: «ويسبق وفد الريح» فقال «٥» :
يسبق وفد الريح «٦» من حيث انخرق
وقال الراعى:
يدعو أمير المؤمنين ودونه ... خرق «٧» تجرّ به الرياح ذيولا
وقال أوس:
ليس الحديث ينهى بينهنّ ولا ... سرّ يحدّثنه فى الحىّ منشور
стр. 288
الاستعارة فى كلام المحدثين
ومما جاء فى كلام المحدثين قول أبى تمام «١» :
ليالى نحن فى غفلات عيش ... كأنّ الدهر عنها فى وثاق «٢»
وأيام لنا ولهم لدان ... عرينا من حواشيها الرّقاق «٣»
وقال العباس بن الأحنف، أو الخليع:
قد سحب الناس أذيال الظّنون بنا ... وفرّق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظنّ غيركم ... وصادق ليس يدرى أنّه صدقا
وقال مسلم»
:
شججتها بلعاب المزن فاغتزلت «٥» ... نسجين من بين محلول ومعقود
وقوله «٦» :
كأنه أجل يسعى إلى أمل
وقوله «٧» :
يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذّبل
وقوله «٨» :
إذا ما نكحنا الحرب بالبيض والقنا ... جعلنا المنايا عند ذاك طلاقها
وقوله «٩» :
والدهر آخذ ما أعطى مكدّر ما ... أصفى ومفسد ما أهوى له بيد
فلا يغرّنك من دهر عطيته ... فليس يترك ما أعطى على أحد
стр. 289
وقوله «١» :
ولم ينطق بأسرارها الحجل
وقوله «٢» :
ولما تلاقينا قضى الليل نحبه ... بوجه كأنّ الشمس من مائه مثل
وماء كعين الشمس لا تقبل القذى ... إذا درجت فيه الصّبا خلته يعلو
من الضّحّك الغرّ اللّواتى إذا التقت ... تحدّث عن أسرارها السّبل الهطل «٣»
صدعنا به حدّ الشّمول وقد طغت ... فألبسها حلما وفى حلمها جهل
تساقط يمناه النّدى وشماله الر ... ردى وعيون القول منطقه الفصل
حبى لا يطير الجهل من عذباتها «٤» ... إذا هى حلّت لم يفت حلها ذحل
بكفّ أبى العباس يستمطر الغنى ... ويستنزل النّعمى ويسترعف النّصل
متى شئت رفّعت الستور عن الغنى ... إذا أنت زرت الفضل أو أذن الفضل
وقال أيضا:
كأنها ولسان الماء يقلبها ... عقيقة ضحكت فى عارض برد
دارت عليه فزادت فى شمائله ... لين القضيب ولحظ الشادن الغرد
وقال أيضا «٥» :
فأقسمت أنسى الدّاعيات إلى الصّبا ... وقد فاجأتها العين والسّتر واقع
فغطّت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدى الأسارى ثقّلتها الجوامع
(١٩- الصناعتين)
стр. 290
وقال أيضا «١» :
نفضت بك الأحلاس نفض إقامة ... واسترجعت نزاعها الأمصار «٢»
أجل ينافسه الحمام وحفرة ... نفست عليها وجهك الأحفار «٣»
فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار
أخذ «نفست عليها وجهك الأحفار» بعضهم، فقال:
لو علم القبر ما يوارى ... تاه على كلّ ما يليه
وقال «٤» :
ويخطىء عذرى وجه جرمى عندها ... فأجنى إليها الذّنب من حيث لا أدرى
إذا أذنبت أعددت عذرا لذنبها ... وإن سخطت كان اعتذارى من العذر
وقال:
يذكّر نيك اليأس فى خطرة المنى ... وإن كنت لم أذكرك إلا على ذكرى
وقال «٥» :
تجرى الرياح بها حسرى مولهة ... حين تلوذ بأطراف الجلاميد
وقال أبو الشيص:
خلع الصّبا عن منكبيه مشيب
وقال أبو العتاهية «٦» :
أنته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها
وقال أبو نواس «٧» :
فاسقنى البكر التى اختمرت ... بخمار الشّيب فى الرّحم
стр. 291
ثمت انصات الشباب لها ... بعد أن جازت مدى الهرم
فهى لليوم الّذى نزلت ... وهى تلو الدّهر فى القدم
ومنها قوله:
فتمشت فى مفاصلهم ... كتمشّى البرء فى السقم
صنعت فى البيت إذ مزجت ... كصنيع الصّبح فى الظّلم
قوله: انصات الشباب لها: كأنها صوتت به، فانصات لها أى أجابها.
وقوله «١» :
أعطتك ريحانها العقار ... وحان من ليلك انسفار
أى شربتها فتحول طيبها إليك.
وقوله:
لنا روامش ينتخبن لنا ... تظلّ آذاننا مطاياها
الرامشة: ورقة آس لها رأسان.
وقال «٢» :
حتى تخيرت بنت دسكرة ... قد عاجمتها السنون والحقب «٣»
وقوله «٤» :
حتى إذا ما علا ماء الشباب بها ... وأفعمت فى تمام الجسم والقصب
وجمّشت بخفىّ اللحظ فانجشمت ... وجرّت الوعد بين الصّدق والكذب
وقوله فى السحاب:
وجرّت على الرّبا ذنبا
وقال:
فراح لا عطّلته عافية ... وبات طرفى من طرفه جنبا
стр. 292
وقال «١» :
دع الألبان يشربها رجال ... رقيق العيش بينهم غريب
وقوله:
ولا عجيب إن جفت دمنة ... عن مستهام نومه قوت
وقوله «٢» :
فقمت والليل يجلوه الصباح كما ... جلا التبسّم عن غرّ الثّنيات
وقوله «٣» :
من قهوة جاءتك قبل مزاجها ... عطلا فألبسها المزاج وشاحا
وقوله منها:
شكّ البزال فؤادها فكأنما ... أهدت إليك بريحها التفّاحا
صفراء تفترس النفوس فلا ترى ... منها بهنّ سوى السّباب جراحا
عمرت يكاتمك الزمان حديثها ... حتى إذا بلغ السآمة باحا
وقوله «٤» :
جريت مع الصّبا طلق الجموح ... وهان علىّ مأثور القبيح
وجدت ألذّ عارية الليالى ... قران النّغم بالوتر الفصيح
وقوله منها:
تمتع من شباب ليس يبقى ... وصل بعرى الغبوق عرى الصّبوح
وخذها من مشعشعة كميت «٥» ... تنزّل درّة الرجل الشّحيح
فإنى عالم أن سوف ينأى ... مسافة بين جثمانى وروحى
وقوله:
فاستنطق العود قد طال السّكوت به ... لن ينطق اللهو حتى ينطق العود
стр. 293
وقوله «١» :
صفراء تعنق بين الماء والزبد «٢»
وقوله:
وقد لاحت الجوزاء وانغمس النّسر
وقوله:
تجرر أذيال الفجور ولا فجر
وقوله «٣» :
لا ينزل الليل حيث حلّت ... فدهر شرّابها نهار
وقوله «٤» :
وريّان من ماء الشباب كأنما ... يظمّأ من صمّ الحشا ويجاع
وقوله «٥» :
وتنحّ عن طرب وعن قصف
وقوله:
عين الخليفة بى موكّلة ... عقد الحذار بطرفها طرفى
صحّت علانيتى له وأرى ... دين الضّمير له على حرف
وقوله:
سلبوا قناع الطّين عن رمق ... حىّ الحياة مشارف الحتف
فتنفست فى البيت إذ مزجت ... كتنفّس الريحان فى الأنف
وقوله «٦» :
نتيجة مزنة من عود كرم ... تضىء الليل مضروب الرّواق
стр. 294
وقوله «١» :
حلبت لأصحابى بها درّة الصّبا ... بصفراء من ماء الكروم شمول
وقوله «٢» :
دعا همّه من صدره برحيل
وقوله «٣» :
ولما توفى الليل جنحا من الدّجى
وقوله «٤» :
وقام وزن الزمان فاعتدلا
وقوله «٥» :
فقد أصبح وجه الزمان مقتبلا
وقوله «٦» :
كان الشباب مطيّة الجهل
وهو من قول النابغة «٧» :
فإن مطيّة الجهل الشّباب
وقوله «٨» :
وحططت عن ظهر الصّبا رحلى
وقوله «٩» :
ومتّصل بأسباب المعالى ... له فى كل مكرمة حميم
стр. 295
رفعت له النداء «بقم» فخذها ... فقد أخذت مطالعها النّجوم
وقوله «١» :
ألا لا ترى مثلى امترى اليوم فى رسم ... تغصّ به عينى ويلفظه وهمى
وقوله: «تغص به» ؛ أى تمتلىء بالدموع، «ويلفظه وهمى» أى ينكره.
وقوله:
وكأنما يتلو طرائدها ... نجم تواتر فى قفا نجم
وقوله «٢» :
شمولا تخطته المنون وقد أتت ... سنون لها فى دنّها وسنون
وقوله «٣» :
فتقربت بصرف عقار ... نشأت فى حجر أمّ الزّمان
وقوله:
ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقلّ جفونها
وقوله «٤» :
فى مجلس ضحك السرور به ... عن ناجذيه وحلّت الخمر
وقول أبى تمام «٥» :
وحسن منقلب تبدو عواقبه ... جاءت بشاشته فى سوء منقلب
وقوله «٦» :
رخصت لها المهجات وهى غوال
وقوله «٧» :
وتنظّرى خبب الركاب ينصّها «٨» ... محيى القريض إلى مميت المال
стр. 296
وقوله «١» :
تطلّ الطلول الدمع فى كلّ منزل ... وتمثل بالصّبر الديار المواثل «٢»
دوارس لم يجف الربيع ربوعها ... ولا مرّ فى أغفالها وهو غافل
فقد سحبت فيها السحاب ذيولها ... وقد أخملت بالنّور فيها الخمائل
ليالى أضللت العزاء وخزّلت ... بعقلك أرآم الخدور العقائل «٣»
وقوله «٤» :
بسقيم الجفون غير سقيم ... ومريب الألحاظ غير مريب
وقوله «٥» :
غليلى على خالد خالد ... وضيف همومى طويل الثّواء
ألا أيّها الموت فجعتنا ... بماء الحياة وماء الحياء
أصبنا بكنز الغنى والإما ... م أمسى مصابا بكنز الفناء
وقوله:
ثوى فى الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
وقوله «٦» :
سعدت غربة النوى بسعاد
وقوله «٧» :
إذا سيفه أضحى على الهام حاكما ... غدا العفو منه وهو فى السّيف حاكم
وقوله «٨» :
لئن أصبحت ميدان السّوافى ... لقد أصبحت ميدان الهموم
стр. 297
أظنّ الدمع فى خدى سيبقى ... رسوما من بكائى فى الرّسوم
وليل بتّ أكلوه كأنى ... سليم أو سهدت على سليم
أراعى من كواكبه هجانا ... سواما لا تزيغ إلى المسبم «١»
يكاد نداه يتركه عديما ... إذا هطلت يداه على عديم
سفيه الرمح جاهله إذا ما ... بدا فضل السّفيه على الحليم
وقوله «٢» :
عهدى بهم تستنير الأرض إن نزلوا ... فيها وتجتمع الدّنيا إذا اجتمعوا
ويضحك الدّهر منهم عن غطارفة ... كأن أيامهم من أنسها جمع
وقوله «٣» :
وضلّ بك المرتاد من حيث يهتدى ... وضرت بك الأيام من حيث تنفع
وقوله:
ترد الظنون به على تصديقها ... وتحكّم الآمال فى الأموال
وقوله «٤» :
إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا ... بلا منّة أحسنت أن تتطوّلا
تعظّمت عن ذاك التعظّم منهم ... وأوصاك نبل القدر أن تتنبّلا
وقوله «٥» :
فاطلب هدوّا فى التقلقل واستثر ... بالعيس من تحت السّهاد هجودا
وقوله «٦» :
أيامنا مصقولة أطرافها «٧» ... بك والليالى كلّها أسحار
стр. 298
وقال البحترىّ «١» :
بيضاء يعطيك القضيب قوامها ... ويريك عينيها الغزال الأحور
وقوله «٢» :
فحاجب الشمس أحيانا يضاحكها ... وريّق الغيث أحيانا يباكيها
وقوله «٣» :
وللقضيب نصيب من تثنّيها
وقوله «٤» :
أصابة برسوم رامة بعدما ... عرفت معارفها الصّبا والشّمال
وقوله «٥» :
صفت مثل ما تصفو المدام خلاله ... ورّقت كما رقّ النسيم شمائله
وقوله «٦» :
نثرت وردها عليه الخدود
أخذه آخر فقال:
وحياء نثر الورد على الخدّ الأسيل
وقوله «٧» :
سحاب خطانى جوده وهو مسبل ... وبحر عدانى فيضه وهو مفعم
وقوله «٨» :
أرجن علىّ الليل وهو ممسّك ... وصبحننا بالصّبح وهو مخلّق «٩»
стр. 299
وقوله «١» :
فى مقام تخرّ فى ضنكه البى ... ض على البيض ركّعا وسجودا
وقوله «٢» :
جارى الجياد فطار عن أوهامها ... سبقا وكاد يطير عن أوهامه
وقوله «٣» :
فطواهنّ طيّهنّ الفيافى ... واكتسين الوجيف «٤» حتى عرينا
وقوله «٥» :
فأضللت حلمى والتفتّ إلى الصّبا ... سفاها وقد جزّت الشباب مراحلا
وقوله:
إذا سرايا عطاياه سرت أسرت
وقوله «٦» :
ليل يبيت الليل فيه غريبا
وقول ابن الرومى:
وما تعتريها آفة بشريّة ... من النّوم إلّا أنها تتخثّر «٧»
كذلك أنفاس الرياح بسحرة ... تطيب وأنفاس الأنام تغيّر
وقوله:
يا ربّ ريق بات بدر الدّجى ... يمجّه بين ثناياكا
يروى ولا ينهاك عن شربه ... والخمر يرويك وينهاكا
стр. 300
وقول العتّابى:
وأشعث مشتاق رمى فى جفونه ... غريب الكرى بين الفجاج السّباسب «١»
أمات الليالى شوقه غير زفرة ... تردّد ما بين الحشى والتّرائب
سحبت له ذيل السّرى وهو لابس ... دجى اللّيل حتى مجّ ضوء الكواكب
ومن فوق أكوار المطايا لبانة ... أحلّ لها أكل الذرى والغوارب «٢»
إذا ادّرع الليل انجلى وكأنّه ... بقية هندىّ حسام المضارب
بركب ترى كسر الكرى فى جفونهم ... وعهد الفيافى فى وجوه شواحب
وقول أبى العتاهية:
أسرى إليه الرّدى فى حلبة القدر
ومن ردىء الاستعارة قول علقمة الفحل «٣» :
وكلّ قوم وإن عزّوا وإن كرموا ... عريفهم بأثافى الدّهر مرجوم «٤»
أثافى الدّهر، بعيد جدا.
وقول ذى الرّمة «٥» :
تيمّمن يا فوخ الدّجى فصد عنه ... وجوز الفلا صدع السيوف القواطع
وقال تأبّط شرا «٦» :
نحزّ رقابهم حتّى نزعنا ... وأنف الموت منخره رثيم «٧»
стр. 301
وقول الحطيئة «١» :
سقوا جارك العيمان لمّا جفوته ... وقلّص عن برد الشّراب مشافره «٢»
وقول الآخر «٣» :
فما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر
وقول الآخر:
قد أفنى أنامله أزمه ... فأضحى يعضّ علىّ الوظيفا «٤»
وإذا أريد بذلك الذمّ والهجاء كان أقرب إلى الصواب.
وأما القبيح الذى لا يشكّ فى قباحته، فقول الآخر:
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقّق
وقول ذى الرّمة «٥» :
يعزّ ضعاف القوم عزة نفسه ... ويقطع أنف الكبرياء من الكبر
وقول خويلد الهذلى أو غيره «٦» :
تخاصم قوما لا تلقّى جوابهم ... وقد أخذت من أنف لحيتك اليد
أى قبضت بيدك على مقدّم لحيتك كما يفعل النادم أو المهموم، وأنف كلّ شىء: مقدمه، وأنوف القوم: سادتهم، والأنف فى هذا البيت هجين «٧» الموقع كما ترى.
وقد وقع فى غيره أحسن موقع، وهو قول الشاعر «٨» :
стр. 302
إذا شمّ أنف الضيف ألحق بطنه ... مراس الأواسى وامتحان الكرائم «١»
ويقولون: أنف الريح، وأنف النهار، ورعينا أنف الربيع؛ أى أوله.
قال امرؤ القيس «٢» :
قد غدا يحملنى فى أنفه ... لاحق الإطلين محبوك ممرّ «٣»
وروى بعض الشيوخ الثّقات: فى أنفه- مضموم الألف، قال: هو من قوله:
كأس أنف. وروضة أنف.
وقال أعرابى يصف البرق «٤» :
إذا شيم أنف الليل أو مض وسطه ... سنا كابتسام العامريّة شاغف
أراد أول الليل.
ومن بعيد الاستعارة، قول أعرابى «٥» :
ما زال مجنونا على است الدّهر ... ذا جسد ينمى، وعقل يجرى
أى ينقص.
وسئل مسلم بن الوليد عن قول أبى نواس:
رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفّى عليه بكا عليك طويل
قال: إن كان قول أبى العذافر:
باض الهوى فى فؤادى وفرّخ التذكار
حسنا، كان هذا حسنا.
стр. 303
ومن عجيب هذا الباب قول بعض شعراء عبد القيس «١» :
ولما رأيت الدهر وعرا سبيله ... وأبدى لنا ظهرا أجبّ مسلّعا «٢»
وجبهة قرد كالشراك ضئيلة ... وصعّر خدّيه وأنفا مجدّعا «٣»
ومعرفة حصّاء غير مفاضة ... عليه ولونا ذا عثانين «٤» أنزعا
وما أعرف متى رأى هذا للدّهر جبهة كالشّراك مع هذا الذى عدده؛ فجاء بما يضحك الثكلى.
وقال الكميت:
ولما رأيت الدهر يقلب بطنه ... على ظهره فعل الممعّك «٥» فى الرّمل
كما ظعنت عنا قضاعة ظعنة ... هى الجدّ مأدوم النّحيزة بالهزل «٦»
ومن ذلك قول الأخطل:
إكسير هذا الخلق يلقى واحد ... منه على ألف فيكرم خيمه «٧»
وقول أبى تمام:
حتى اتّقته بكيمياء السّودد
فلا ترى شيئا أبعد من إكسير الخلق، وكيمياء السودد.
وقد أكثر أبو تمام من هذا الجنس اغترارا بما سبق منه فى كلام القدماء مما تقدّم ذكره، فأسرف، فنغى عليه ذلك، وعيب به؛ وتلك عاقبة الإسراف. فمن ذلك قوله «٨» :
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك
وقوله «٩» :
كانوا رداء زمانهم فتصدّعوا ... فكأنما لبس الزّمان الصّوفا
стр. 304
وقوله «١» :
نزحت به ركىّ العين إنّى ... رأيت الدّمع من خير العتاد «٢»
وقوله «٣» :
ولين أخادع الزّمن الأبىّ
وقوله «٤» :
فضربت الشّتاء فى أخدعيه ... ضربة غادرته عودا ركوبا «٥»
وقوله «٦» :
تروح علينا كلّ يوم وليلة ... خطوب كأنّ الدّهر منهنّ يصرع
وقوله «٧» :
ألا لا يمدّ الدّهر كفّا بسيىء ... إلى مجتدى نصر فتقطع للزّند
وقوله «٨» :
والدّهر ألأم من شرقت بلؤمه ... إلّا إذا أشرقته بكريم
وقوله «٩» :
تحملت ما لو حمّل الدّهر شطره ... لفكّر دهرا أىّ عبأيه أثقل
وقوله يصف قصيدة «١٠» :
تحلّ بقاع المجد حتى كأنّها ... على كلّ رأس من يد المجد مغفر «١١»
لها بين أبواب الملوك مزامر ... من الذكر لم تنفخ ولا هى تزمر
وقوله «١٢» :
به أسلم المعروف بالشّام بعدما ... ثوى منذ أودى خالد وهو مرتدّ
стр. 305
وقوله «١» :
كأنّ المجد قد خرفا
وقوله «٢» :
إلى ملك فى أيكة المجد لم يزل ... على كبد المعروف من نيله برد
وقوله «٣» :
فى غفلة أوقدت على كبد النا ... ئل نارا أخنت على كبده
وقوله «٤» :
حتى إذا اسودّ الزمان توضّحوا ... فيه فغودر وهو منهم أبلق
وقوله»
:
وكم ملكت منّا على قبح قدّها ... صروف النّوى من مرهف حسن القدّ
وقوله «٦» :
إذا الغيث غادى نسجه خلت أنه ... مضت حقبة حرس «٧» له وهو حائك
وقوله «٨» يرثى غلاما:
أنزلته الأيام عن ظهرها من ... بعد إثبات رجله فى الرّكاب
وقوله «٩» :
وكأنّ فارسه يصرّف إذ غدا ... فى متنه ابنا للصباح الأبلق
وقوله «١٠» :
لمّا مخضت الأمانىّ التى احتلبت ... عادت هموما وكانت قبلها همما
(٢٠- الصناعتين)
стр. 306
وقوله «١» :
كلوا الصّبر مرّا واشربوه فإنكم ... أثرتم بعير الظّلم والظلم بارك
وقد جنى أبو تمام على نفسه بالإكثار من هذه الاستعارات، وأطلق لسان عائبه، وأكّد له الحجّة على نفسه؛ واختيارات الناس مختلفة بحسب اختلاف صورهم وألوانهم.
ومن ردىء الاستعارة أيضا قول بعضهم:
أنا ناقة وليس فى ركبتى دماغ
وأنشد أبو العنبس:
ضرام الحبّ عشّش فى فؤادى ... وحضّن فوقه طير البعاد
وقد نبذ الهوى فى دنّ قلبى ... فعر بدت الهموم على فؤادى
ومثله كثير ولا وجه لاستيعابه؛ لأن قليله دالّ على كثيره، وجمله مبينة عن تفسيره إن شاء الله.
стр. 307
الفصل الثانى من الباب التاسع فى المطابقة
قد أجمع الناس أنّ المطابقة فى الكلام هى الجمع بين الشىء وضدّه فى جزء من أجزاء الرّسالة أو الخطبة أو البيت من بيوت القصيدة؛ مثل الجمع بين البياض والسواد، والليل والنهار، والحرّ والبرد.
وخالفهم قدامة بن جعفر الكاتب، فقال: المطابقة إيراد لفظتين متشابهتين فى البناء والصيغة مختلفتين فى المعنى، كقول زياد الأعجم «١» :
ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللّوم فيهم كاهل «٢» وسنام
وسمى الجنس الأول التكافؤ. وأهل الصنعة يسمّون النوع الذى سمّاه المطابقة التعطّف. قال: وهو أن يذكر اللفظ ثم يكرّره، والمعنى مختلف، وستراه فى موضعه إن شاء الله.
والطّباق فى اللغة: الجمع بين الشيئين؛ يقولون: طابق فلان بين ثوبين، ثم استعمل فى غير ذلك؛ فقيل: طابق البعير فى سيره، إذا وضع رجله موضع يده، وهو راجع إلى الجمع بين الشيئين. قال الجعدىّ «٣» :
وخيل تطابق بالدارعين ... طباق الكلاب يطأن الهراسا «٤»
وفى القرآن: سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً
، أى بعضهن فوق بعض؛ كأنه شبّه بالطّبق يجعل فوق الإناء؛ قال امرؤ القيس «٥» :
طبق الأرض تحرّى وتدرّ «٦»
стр. 308
وكل فقرة من فقر الظهر والعنق طبق، وذلك أن بعضها منضود على بعض.
فمما فى كتاب الله من الطّباق قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ.
وقوله تعالى: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
، أى من الكفر إلى الإيمان.
وقوله : باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ.
وقوله سبحانه: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
، وهذا على غاية التساوى والموازنة.
وقوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ.
وقوله جلّ شأنه: وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً.
وقوله عزّ اسمه: لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ.
وقوله سبحانه: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ.
وقوله جل ذكره: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا.
وقد تنازع الناس هذا المعنى؛ قال ابن مطير:
تضحك الأرض من بكاء السماء
وقال آخر:
ضحك المزن بها ثمّ بكى
وقال آخر:
فله ابتسام فى لوامع برقه ... وله بكا من ودقه المتسرّب
وقال آخر «١» :
لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
стр. 309
فلم يقرب أحد من لفظ القرآن فى اختصاره وصفائه، ورونقه وبهائه، وطلاوته ومائه؛ وكذلك جميع ما فى القرآن من الطّباق.
ومما جاء فى كلام النبى ﷺ من الكلام المطابق قوله للأنصار:
«إنّكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطمع» . وقوله ﵊: «خير المال عين ساهرة لعين نائمة» ، يعنى عين الماء ينام صاحبها وهى تسقى أرضه. وقوله ﵊: «إيّاكم والمشارّة فإنها تميت الغرّة وتحيى العرّة» «١» .
ومن سائر الكلام قول الحسن: ما رأيت يقينا لا شكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت. وقال أيضا رضى الله عنه: إنّ من خوّفك حتّى تبلغ الأمن خير ممن يؤمنك حيت تلقى الخوف. وقال أبو الدّرداء رضى الله عنه: معروف زماننا منكر زمان قد فات، ومنكره معروف زمان لم يأت. وقال بعضهم: ليت حلمنا عنك لايدعو جهل غيرنا إليك. وقال عبد الملك: ما حمدت نفسى على محبوب ابتدأته بعجز، ولا لمتها على مكروه ابتدأته بحزم. وقالوا: الغنى فى الغربة وطن، والفقر فى الوطن غربة. وقال أعرابى لرجل: إن فلانا وإن ضحك لك، فإنّه يضحك منك.
فإن لم تتخذه عدوّا فى علانيتك، فلا تجعله صديقا فى سريرتك. وقال علىّ رضى الله عنه: أعظم الذّنوب ما صغر عندك. وشتم رجل الشّعبىّ، فقال: إن كنت كاذبا فغفر الله لك، وإن كنت صادقا فغفر الله لى. وأوصى بعضهم غلاما، فقال: إنّ الظنّ إذا أخلف فيك أخلف منك. ونحوه قول الآخر: لا تتّكل على عذر منى فقد اتّكلت على كفاية منك. وقال الحسن: أما تستحيون من طول ما لا تستحيون! ونحوه قول الأعرابى: فلان يستحى من أن يستحى. وقال:
من خاف الله أخاف الله منه كلّ شىء، ومن خاف الناس أخافه الله من كلّ شىء.
стр. 310
وقيل لأبى داود- وابنته تسوس دابته- فى ذلك، فقال: كما أكرمتها بهوانى، معناه إن كانت تصوننى عن سياسة دابّتى وتتبذّل منى، فها إنى أصونها وأتبذّل دونها بالقيام فى أمر معاشها، وإصلاح حالها؛ فأخذ اللفظ بعضهم فقال فى السلطان:
أهين لهم نفسى لأكرمها بهم ... ولن تكرم النفس التى لا تهينها
وقال بعضهم لعليل: إن أعلّك الله فى جسمك، فقد أصحّك من ذنوبك.
وقال بعضهم: الكريم واسع المغفرة؛ إذا ضاقت المعذرة.
وقال كثير بن هراسة يوما لابنه: يا بنىّ، إنّ من الناس ناسا ينقصونك إذا زدتهم، وتهون عليهم إذا أكرمتهم؛ ليس لرضاهم موضع فتقصده، ولا لسخطهم موقع فتحذره؛ فإذا عرفت أولئك بأعيانهم فأبدلهم وجه المودة، وامنعهم موضع الخاصة؛ ليكون ما أبديت لهم من وجه المودة حاجزا دون شرّهم، وما منعتهم من موضع الخاصة قاطعا بحرمتهم.
وقال خالد بن صفوان لرجل يصف له رجلا: ليس له صديق فى السر، ولا عدوّ فى العلانية.
وقال آخر: فى العمل ما هو ترك للعمل، ومن ترك العمل ما هو أكثر العمل «١» .
وقال آخر: إنّا لا نكافىء من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
وقال الحسن: كثرة النّظر إلى الباطل تذهب بمعرفة الحق من القلب.
وقال سهل بن هرون: من طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى توفيه رزقه فيها، ومن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه منها.
وكتب رجل إلى محمد بن عبد الله: إنّ من النّعمة على المثنى عليك ألا يخاف الإفراط، ولا يأمن التّقصير، ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب، ولا ينتهى به المدح إلى غاية إلّا وجد فى فضلك عونا على تجاوزها.
стр. 311
وفى الحديث: «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» . وقال معاوية: ليس بين أن يملك الملك جميع رعيته أو يملكه جميعها إلا حزم، أو توان.
وقال بعضهم: إذا شربت النّبيذ فاشربه مع من يفتضح بك، ولا تشربه مع من تفتضح به.
وقال بعضهم: سوداء ولود خير من حسناء عقيم. وقال ابن السّماك للرشيد:
يا أمير المؤمنين؛ تواضعك فى شرفك أشرف من شرفك.
وقال ابن المعتز: طلاق الدّنيا مهر الآخرة. وقالوا: غضب الجاهل فى قوله، وغضب العاقل فى فعله.
وشرب أحدهم بحضرة الحسن بن وهب قدحا وعبس، فقال له: والله ما أنصفتها، تضحك فى وجهك، وتعبس فى وجهها!! وقال طاهر بن الحسين لابنه: التّبذير فى المال ذمّه حسب التقتير فيه، فاتّق التبذير، وإياك والتقتير. وقال أعرابى: أتيت بغداد فإذا ثياب أحرار على أجساد عبيد؛ إقبال حظّهم إدبار حظّ الكرم؛ شجر فروعه عند أصوله، شغلهم عن المعروف رغبتهم فى المنكر.
وقال أعرابىّ: الله مخلف ما أتلف الناس، والدهر متلف ما أخلف الله؛ فكم من منيّة علّتها طلب الحياة، وحياة سببها التعرّض للموت؛ وهذا مثل قول الشاعر «١» :
تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد ... لنفسى حياة مثل أن أتقدّما
وقال آخر: كدر الجماعة خير من صفو الفرقة. وقال بعضهم: وكان اعتدادى بذلك اعتداد من لا تنضب عنه نعمة تغمرك، ولا يمرّ عليه عيش يحلو لك.
وقال بعضهم: وكان سرورى بذلك سرور من لا تأفل عنه مسرّة طلعت عليك، ولا تظلم عليه محلة أنارت لك.
стр. 312
وقال المنصور: لا تخرجوا من عزّ الطاعة إلى ذلّ المعصية. ووصف أعرابى غلاما فقال: ساع فى الهرب، قطوف «١» فى الحاجة.
وكتب سعيد بن حميد فى كتاب فتح: ظنّا كاذبا لله فيه حتم صادق، وأملا خائنا لله فيه قضاء نافذ.
وقال الأفوه الأودى: سهما تقرّ به العيون وإن كان قليلا خير مما وجلت به القلوب وإن كان كثيرا. ونحوه قول الشاعر:
ألا كلّ ما قرّت به العين صالح
ومن الأشعار فى الطّباق قول زهير «٢» :
ليث بعثّر يصطاد الرّجال إذا ... ما اللّيث كذّب عن أقرانه صدقا «٣»
وقول امرىء القيس «٤» :
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
وقول الطّفيل الغنوى يصف فرسا:
بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الرّوع مبذول «٥»
وقول الآخر «٦» :
رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن «٧» له سمودا
فردّ شعورهنّ السّود بيضا ... وردّ وجوههنّ البيض سودا
وقال حسين بن مطير «٨» :
ومبتّلة الأرداف زانت عقودها ... بأحسن ممّا زيّنتها عقودها
стр. 313
بصفر تراقيها وحمر أكفّها ... وسود نواصيها وبيض خدودها
وقال فى وصف السحاب:
وله بلا حزن ولا بمسرّة ... ضحك يراوح بينه وبكاء
وقال آخر «١» :
لئن ساءنى أن نلتنى بمساءة ... لقد سرّنى أنّى خطرت ببالك
وقال النابغة «٢» :
وإن هبطا سهلا أثارا عجاجة ... وإن علوا حزنا تشظّت جنادل «٣»
وقال مسافع «٤» :
أبعد بنى أمّى أسرّ بمقبل ... من العيش أو آسى على إثر مدبر
أولاك بنو خير وشرّ كليهما ... وأبناء معروف ألمّ ومنكر
وقال أوس بن حجر:
أطعنا ربنا وعصاه قوم ... فذقنا طعم طاعتنا وذاقوا
وقال الفرزدق «٥» :
لعن الإله بنى كليب إنهم ... لا يعذرون ولا يفون لجار
يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار
وقال امرؤ القيس «٦» :
بماء سحاب زلّ عن ظهر صخرة ... إلى بطن أخرى طيّب طعمه خصر «٧»
стр. 314
وقال النابغة «١» :
ولا يحسبون الخير لا شرّ بعده ... ولا يحسبون الشّرّ ضربة لازب
وقال بيهس بن عبد الحرث، يصف الشيب:
حتى كأنّ قديمه وحديثه ... ليل تلفّع مدبرا بنهار
فطابق بين قديم وحديث، وليل ونهار؛ فأخذه الفرزدق، فقال «٢» :
والشّيب ينهض فى الشباب كأنّه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
طابق بين الشيب والشباب، والليل والنهار؛ وهذا أحسن من قول بيهس سبكا ورصفا، وفيه نوع آخر من البديع، وهو «يصيح بجانبيه نهاره» أخذه من قول الشماخ:
ولاقى بصحراء الإهالة ساطعا ... من الصبح لما صاح بالليل نفّرا
وقال أبو دواد قبله:
تصيح الرّدينيّات فى حجباتهم ... صياح العوالى فى الثّقاف المثقّب
وقال آخر:
تصيح الرّدينيّات فينا وفيهم ... صياح بنات الماء أصبحن جوّعا
وقال آخر فى صفة قوس:
فى كفّه معطية منوع «٣»
وقال آخر:
مرحت وصاح المرو من أخفافها «٤»
وقال آخر فى صفة ناقة:
خرقاء إلّا أنها صناع «٥»
стр. 315
وقال آخر:
فجاء ومحمود القرى يستفزّه ... إليها وداعى الليل بالصّبح يصفر
ومما فيه ثلاث تطبيقات قول جرير «١» :
وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شرّ عنكم بشماليا
فطابق بباسط وقابض، وخير وشر، ويمين وشمال؛ ومثله قول الآخر «٢» :
فلا الجود يفنى المال والجدّ مقبل ... ولا البخل يبقى المال والجدّ مدبر
ومثله قول الآخر:
فسرّى كإعلانى وتلك سجيّتى ... وظلمة ليلى مثل ضوء نهاريا
ومما فيه طباقان، قول المتلمّس:
وإصلاح القليل بزيد فيه ... ولا يبقى الكثير على الفساد
وقال أوس بن حجر:
فتحدركم عبس إلينا وعامر ... وترفعنا بكر إليكم وتغلب
إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أمّ ولا أب
وقول قيس بن الخطيم:
إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّما ... يرجّى الفتى كيما يضرّ وينفعا
وهذا تطبيق وتكميل، ومثله قول عدىّ بن الرّعلاء:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنّما الميت ميّت الأحياء
فاستوفى المعنى فى قوله: ليس من مات فاستراح بميت، وكمّل فى قوله: إنما الميت ميت الأحياء؛ وقد طابق جماعة من المتقدمين بالشىء وخلافه على التقريب، لا على الحقيقة، وذلك كقول الحطيئة «٣» :
стр. 316
وأخذت أطرار «١» الكلام فلم تدع ... شتما يضرّ ولا مديحا ينفع
والهجاء ضدّ المديح، فذكر الشتم على وجه التقريب؛ وهكذا قول الآخر «٢» :
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
فجعل ضدّ الظلم المغفرة.
ومن المطابقة فى أشعار المحدثين، قول أبى تمام «٣» :
أصمّ بك الناعى وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
وقالوا: هذا أحسن ابتداء فى مرثية إسلامية؛ وقال أبو تمام أيضا «٤» :
وضلّ بك المرتاد من حيث يهتدى ... وضرّت بك الأيام من حيث تنفع
وقد كان يدعى لابس الصّبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع
وقال سديف فى النّساء:
وأصحّ ما رأت العيون جوارحا ... ولهن أمرض ما رأيت عيونا
وقال عمارة بن عقيل:
وأرى الوحش فى يمينى إذا ما ... كان يوما عنانه بشمالى
وقال أبو تمام «٥» :
فيم الشماتة إعلانا بأسد وغى ... أفناهم الصّبر إذا أبقاكم الجزع
فجاء بتطبيقتين فى مصراع.
وقال البحترى «٦» :
إن إيامه من البيض بيض ... ما رأين المفارق السود سودا
وقال النّمرى:
ومنازل لك بالحمى ... وبها الخليط نزول
стр. 317
أيامهنّ قصيرة ... وسرورهنّ طويل «١»
وسعودهنّ طوالع ... ونحوسهنّ أفول
والمالكية والشّبا ... ب وقينة وشمول
وقال آخر:
براذين ناموا عن المكرما ... ت فأيقظهم قدر لم ينم
فيا قبحهم فى الّذى خوّلوا ... ويا حسنهم فى زوال النّعم
وقال آخر:
أفاطم قد زوّجت من غير خبرة ... فتى من بنى العباس ليس بطائل
فإن قلت من آل النبىّ فإنه ... وإن كان حرّ الأصل عبد الشمائل
ونحوه فى معناه، لا فى التطبيق، قول على بن الجهم فى بعض بنى هاشم:
إن تكن منهم بلاشك فللعود قتار
ومثله:
فما خبث من فضّة بعجيب
ومثله:
لئيم أتاه اللؤم من عند نفسه ... ولم يأته من عند أمّ ولا أب
وقول أبى تمام «٢» :
نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل «٣» المغرم
وصلت نجيعا بالدموع فخدّها ... فى مثل حاشية الرّداء المعلم
أخذه من قول أبى الشّيص:
وصلت دما بالدمع حتّى كأنما ... يذاب بعينى لؤلؤ وعقيق
وقول أبى تمام «٤» :
جفوف البلى أسرعت فى الغصن الرطب
стр. 318
وقوله:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنّعم
وقول الآخر:
عجل الفراق بما كرهت وطالما ... كان الفراق بما كرهت عجولا
وأرى التى هام الفؤاد بذكرها ... أصبحت منها فارغا مشغولا
وقال بكر بن النطّاح:
وكأن إظلام الدروع عليهم ... ليل وإشراق الوجوه نهار
وقول أبى تمام «١» :
أصبحت فى روضة الشّباب هشيما ... وغدت ريحه البليل سموما
شعلة فى المفارق استودعتنى ... فى صميم الفؤاد ثكلا صميما «٢»
غرّة مرة «٣» ألا إنما كن ... ت أغر أيام كنت بهيما
دقة فى الحياة تدعى جلالا ... مثل ما سمّى اللديغ سليما
وقول آخر:
فجلست منها قبلة ... لما رويت بها عطشت
وقلت:
إذا معشر فى المجد كانوا هواديا ... فقيسوا به فى المجد عادوا تواليا
رأيت جمال الدّهر فيك مجددا ... فكن باقيا حتى ترى الدّهر فانيا
وقلت:
قل لمن أدنيه جهدى ... وهو يقصينى جهده
ولمن ترضاه مو ... لاك ولا يرضاك عبده
أمليح بمليح الش ... كل أن يخلف وعده
стр. 319
أم جميل بجميل ال ... وجه أن ينقض عهده
ما الذى صدّك عنى ... ليت ما صدّك صدّه
وقلت:
فلماذا أبيعه وبنفسى أشتريه
وقلت:
فى كلّ خلق خلّة مذمومة ... ووراء كلّ محبّب مكروه
ومن عيوب التطبيق قول الأخطل:
قلت المقام وناعب قال النّوى ... فعصيت قولى والمطاع غراب
وهذا من غث الكلام وبارده، وقال:
كم جحفل طارت قدامى خيله ... خلّفته يوم الوغى منتوفا
أعلمت نابك وهو رأس أنه ... سيكون بعدك حافرا ووظيفا «١»
وقال آخر فى القاسم بن عبيد الله:
من كان يعلم كيف رقّة طبعه ... هو مقسم أنّ الهواء ثخين
وقال أبو تمام «٢» :
فيا ثلج الفؤاد وكان رضفا «٣» ... ويا شبعى بمقدمه «٤» وريّى
وقال «٥» :
وإذ الصنع كان وحشا فملّي ... ت برغم الزمان صنعا ربيبا
وقال «٦» :
قد لان أكثر ما تريد وبعضه ... خشن وإنى بالنجاح لواثق
стр. 320
وقوله «١» :
لعمرى لقد حرّرت يوم لقيته ... لو انّ القضاء وحده لم يبرّد
وقوله «٢» :
وإن خفرت أموال قوم أكفّهم ... من النيل والجدوى فكفّاه مقطع
وقوله «٣» :
يوم أفاض جوى أغاض تعزّيا ... خاض الهوى بحرى حجاه المزبد
فجعل «الحجى» فى هذا البيت «مزبدا» ، ولا أعرف عاقلا يقول: إن العقل يزبد؛ وليس المزبد هاهنا نعتا للبحرين؛ لأنه قال «بحرى حجاه المزبد» ، فلو جعل «المزبد» نعتا للبحرين لقال المزبدين، وخوض الهوى بحر التعزى أيضا من أبعد الاستعارة.
ونحو منه قوله أيضا «٤» :
يا يوم شرّد يوم لهوى لهوه ... بصبابتى وأذلّ عزّ تجلّدى
وقوله «٥» :
غرض الظلام أو اعترته وحشة ... فاستأنست روعاته «٦» بسهادى
بل ذكرة «٧» طرقت فلما لم أبت ... باتت تفكر فى ضروب رقادى
أغرت همومى فاستلبن فصولها ... نومى ونمن على فضول وسادى
وهذه الأبيات مع قبح التطبيق الذى فى أولها، وهجنة الاستعارة لا يعرف معناها على حقيقته.
следующие страницы →