← Адаб

Адаб · id 23787

الصناعتين: الكتابة والشعر

أبو هلال العسكري

Полный текст (457 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وأخذت أطرار «١» الكلام فلم تدع ... شتما يضرّ ولا مديحا ينفع والهجاء ضدّ المديح، فذكر الشتم على وجه التقريب؛ وهكذا قول الآخر «٢» : يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا فجعل ضدّ الظلم المغفرة. ومن المطابقة فى أشعار المحدثين، قول أبى تمام «٣» : أصمّ بك الناعى وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا وقالوا: هذا أحسن ابتداء فى مرثية إسلامية؛ وقال أبو تمام أيضا «٤» : وضلّ بك المرتاد من حيث يهتدى ... وضرّت بك الأيام من حيث تنفع وقد كان يدعى لابس الصّبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع وقال سديف فى النّساء: وأصحّ ما رأت العيون جوارحا ... ولهن أمرض ما رأيت عيونا وقال عمارة بن عقيل: وأرى الوحش فى يمينى إذا ما ... كان يوما عنانه بشمالى وقال أبو تمام «٥» : فيم الشماتة إعلانا بأسد وغى ... أفناهم الصّبر إذا أبقاكم الجزع فجاء بتطبيقتين فى مصراع. وقال البحترى «٦» : إن إيامه من البيض بيض ... ما رأين المفارق السود سودا وقال النّمرى: ومنازل لك بالحمى ... وبها الخليط نزول

стр. 317

أيامهنّ قصيرة ... وسرورهنّ طويل «١» وسعودهنّ طوالع ... ونحوسهنّ أفول والمالكية والشّبا ... ب وقينة وشمول وقال آخر: براذين ناموا عن المكرما ... ت فأيقظهم قدر لم ينم فيا قبحهم فى الّذى خوّلوا ... ويا حسنهم فى زوال النّعم وقال آخر: أفاطم قد زوّجت من غير خبرة ... فتى من بنى العباس ليس بطائل فإن قلت من آل النبىّ فإنه ... وإن كان حرّ الأصل عبد الشمائل ونحوه فى معناه، لا فى التطبيق، قول على بن الجهم فى بعض بنى هاشم: إن تكن منهم بلاشك فللعود قتار ومثله: فما خبث من فضّة بعجيب ومثله: لئيم أتاه اللؤم من عند نفسه ... ولم يأته من عند أمّ ولا أب وقول أبى تمام «٢» : نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل «٣» المغرم وصلت نجيعا بالدموع فخدّها ... فى مثل حاشية الرّداء المعلم أخذه من قول أبى الشّيص: وصلت دما بالدمع حتّى كأنما ... يذاب بعينى لؤلؤ وعقيق وقول أبى تمام «٤» : جفوف البلى أسرعت فى الغصن الرطب

стр. 318

وقوله: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنّعم وقول الآخر: عجل الفراق بما كرهت وطالما ... كان الفراق بما كرهت عجولا وأرى التى هام الفؤاد بذكرها ... أصبحت منها فارغا مشغولا وقال بكر بن النطّاح: وكأن إظلام الدروع عليهم ... ليل وإشراق الوجوه نهار وقول أبى تمام «١» : أصبحت فى روضة الشّباب هشيما ... وغدت ريحه البليل سموما شعلة فى المفارق استودعتنى ... فى صميم الفؤاد ثكلا صميما «٢» غرّة مرة «٣» ألا إنما كن ... ت أغر أيام كنت بهيما دقة فى الحياة تدعى جلالا ... مثل ما سمّى اللديغ سليما وقول آخر: فجلست منها قبلة ... لما رويت بها عطشت وقلت: إذا معشر فى المجد كانوا هواديا ... فقيسوا به فى المجد عادوا تواليا رأيت جمال الدّهر فيك مجددا ... فكن باقيا حتى ترى الدّهر فانيا وقلت: قل لمن أدنيه جهدى ... وهو يقصينى جهده ولمن ترضاه مو ... لاك ولا يرضاك عبده أمليح بمليح الش ... كل أن يخلف وعده

стр. 319

أم جميل بجميل ال ... وجه أن ينقض عهده ما الذى صدّك عنى ... ليت ما صدّك صدّه وقلت: فلماذا أبيعه وبنفسى أشتريه وقلت: فى كلّ خلق خلّة مذمومة ... ووراء كلّ محبّب مكروه ومن عيوب التطبيق قول الأخطل: قلت المقام وناعب قال النّوى ... فعصيت قولى والمطاع غراب وهذا من غث الكلام وبارده، وقال: كم جحفل طارت قدامى خيله ... خلّفته يوم الوغى منتوفا أعلمت نابك وهو رأس أنه ... سيكون بعدك حافرا ووظيفا «١» وقال آخر فى القاسم بن عبيد الله: من كان يعلم كيف رقّة طبعه ... هو مقسم أنّ الهواء ثخين وقال أبو تمام «٢» : فيا ثلج الفؤاد وكان رضفا «٣» ... ويا شبعى بمقدمه «٤» وريّى وقال «٥» : وإذ الصنع كان وحشا فملّي ... ت برغم الزمان صنعا ربيبا وقال «٦» : قد لان أكثر ما تريد وبعضه ... خشن وإنى بالنجاح لواثق

стр. 320

وقوله «١» : لعمرى لقد حرّرت يوم لقيته ... لو انّ القضاء وحده لم يبرّد وقوله «٢» : وإن خفرت أموال قوم أكفّهم ... من النيل والجدوى فكفّاه مقطع وقوله «٣» : يوم أفاض جوى أغاض تعزّيا ... خاض الهوى بحرى حجاه المزبد فجعل «الحجى» فى هذا البيت «مزبدا» ، ولا أعرف عاقلا يقول: إن العقل يزبد؛ وليس المزبد هاهنا نعتا للبحرين؛ لأنه قال «بحرى حجاه المزبد» ، فلو جعل «المزبد» نعتا للبحرين لقال المزبدين، وخوض الهوى بحر التعزى أيضا من أبعد الاستعارة. ونحو منه قوله أيضا «٤» : يا يوم شرّد يوم لهوى لهوه ... بصبابتى وأذلّ عزّ تجلّدى وقوله «٥» : غرض الظلام أو اعترته وحشة ... فاستأنست روعاته «٦» بسهادى بل ذكرة «٧» طرقت فلما لم أبت ... باتت تفكر فى ضروب رقادى أغرت همومى فاستلبن فصولها ... نومى ونمن على فضول وسادى وهذه الأبيات مع قبح التطبيق الذى فى أولها، وهجنة الاستعارة لا يعرف معناها على حقيقته.

стр. 321

الفصل الثّالث فى ذكر التجنيس التجنيس أن يورد المتكلم كلمتين تجانس كلّ واحدة منهما صاحبتها فى تأليف حروفها على حسب ما ألّف الأصمعى كتاب الأجناس. فمنه ما تكون الكلمة تجانس الأخرى لفظا واشتقاق معنى، كقول الشاعر: يوما خلجت على الخليج نفوسهم ... عصبا وأنت لمثلها مستام خلجت: أى جذبت، والخليج: بحر صغير يجذب الماء من بحر كبير؛ فهاتان اللفظتان متفقتان فى الصيغة واشتقاق المعنى والبناء «١» ، ومنه ما يجانسه فى تأليف الحروف دون المعنى، كقول الشاعر «٢» : فأرفق به ان لوم العاشق اللّوم وشرط بعض الأدباء من هذا الشرط فى التجنيس وخالفه فى الأمثلة فقال: وممّن جنس تجنيسين فى بيت زهير، فى قوله «٣» : بعزمة مأمور مطيع وآمر ... مطاع فلا يلفى لحزمهم مثل وليس المأمور والآمر والمطيع وآمر ... مطاع فلا يلفى لحزمهم مثل وليس المأمور والآمر والمطيع المطاع من التجنيس، لأن الاختلاف بين هذه الكلمات لأجل أنّ بعضها فاعل، وبعضها مفعول به؛ وأصلها إنما هو الأمر والطاعة. وكتاب الأجناس الذى جعلوه لهذا الباب مثالا إنما يصف على هذه السبيل، ويكون المطيع مع المستطيع، والآمر مع الأمير تجنيسا. وجعل أيضا من التجنيس قول الآخر: ذو الحلم منّا جاهل دون ضيفه ... وذو الجهل منا عن أذاه حليم (٢١- الصناعتين)

стр. 322

ليس بتجنيس، وكذلك قول خداش بن زهير: ولكن عايش ما عاش حتى ... إذا ما كاده الأيام كيدا وقال الشّنفرى «١» : وإنى لحلو إن أريد حلاوتى ... ومرّ إذا النفس العزوف أمّرت «٢» وقال العجير السّلولى «٣» : يسرّك مظلوما ويرضيك ظالما ... وكلّ الذى حملته فهو حامله وقول الآخر: وساع مع السلطان يسعى عليهم ... ومحترس من مثله وهو حارس وقول تأبط شرا «٤» : يرى الوحشه الأنس الأنيس ويهتدى ... بحيث اهتدت أمّ النجوم الشّوابك «٥» وقول الآخر: صبّت عليه ولم تنصبّ من كثب ... إن الشقاء على الأشقين مصبوب ليس فى هذه الألفاظ تجنيس؛ وإنما اختلفت هذه الكلم للتصريف. فمن التجنيس فى القرآن قول الله تعالى: أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ. وقوله : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ. وقوله تعالى: تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ. وقوله : وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ. وقوله تعالى: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ. وقوله : فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ، الرّوح: الراحة، والريحان: الرزق.

стр. 323

وقوله سبحانه: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ. وقوله تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ، الآزفة: اسم ليوم القيامة. فهذا كقول امرىء القيس: لقد طمح الطّماح «١» وليس هذا كقولهم: «أمر الأمر» . هذا ليس بتجنيس. وفى كلام النبىّ ﷺ : «عصيّة عصت الله ورسوله، وغفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله» «٢» . وقوله ﷺ : «الظلم ظلمات يوم القيامة» . أخذه أبو تمام، فقال «٣» : جلا ظلمات الظلم عن وجه أمة ... أضاء لها من كوكب العدل آفله وقيل له ﷺ : من المسلم؟ فقال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» . وقال معاوية لابن عباس رضى الله عنهم: ما بالكم يا بنى هاشم تصابون فى أبصاركم؟ فقال: كما تصابون فى بصائركم يا بنى أمية!. وقال صدقة بن عامر- وقد مات له بنون سبعة فرآهم قد سجّوا: اللهم إنى مسلم مسلم. وقال رجل من قريش لخالد بن صفوان: ما اسمك؟ قال: خالد بن صفوان بن الأهتم، فقال الرجل: إنّ اسمك لكذب، ما خلّد أحد، وإن أباك لصفوان وهو حجر، وإن جدّك لأهتم وإن الصحيح خير من الأهتم. قال خالد: من أىّ قريش أنت؟ قال: من بنى عبد الدار، قال: فمثلك يشتم تميما فى عزّها وحسبها، وقد هشمتك هاشم، وأمّتك أمية، وجمحت بك جمح، وخزمتك مخزوم، وأقصتك قصىّ، فجعلتك عبد دارها وموضع شنارها، تفتح لهم الأبواب إذا دخلوا، وتغلقها إذا خرجوا. وقال رسول الله ﷺ : «لا يكون ذو الوجهين عند الله وجيها» .

стр. 324

وكتب بعض الكتاب: العذر مع التّعذّر واجب. وقيل لبعضهم: ما بقى من نكاحك؟ قال: ما يقطع حجّتها ولا يبلغ حاجتها. وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: هاجروا ولا تهجّروا، أى لا تشبّهوا بالمهاجرين من غير إخلاص. وكتب بعض الكتّاب: قد رخصت الضرورة فى الإلحاح، وأرجو أن تحسن النظر، كما أحسنت الانتظار. وأخبرنا أبو أحمد، قال: حكى لى محمد بن يحيى عن عبد الله بن المعتز، قال: قدّم فى بعض المجالس إلىّ صديق لنا بخورا، فقال له صاحب المجلس: تبخّر، فإنه ندّ «١» ، فلما استعمله لم يستطبه، فقال: هذا ندّ عن النّدّ. ومثله ما حكى لنا أبو أحمد عن الصّولى أن إبراهيم بن المهدى زار صديقا له استدعى زيارته، فوجده سكران، فكتب فى رقعة جعلها عند رأسه: رحنا إليك وقد راحت بك الراح وروى بعضهم أن عبد الله بن إدريس سئل عن النبيذ، فقال: جلّ أمره عن المسئلة، أجمع أهل الحرمين على تحريمه. وذم أعرابى رجلا فقال: إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوّف، يحسد على الفضل، ويزهّد فى الإفضال. وكتب العتابى إلى مالك بن طوق: أما بعد فاكتسب أدبا، تحى نسبا، واعلم أن قريبك من قرب منك خيره، وأن ابن عمّك من عمّك نفعه، وأن أحبّ الناس إليك أجداهم بالمنفعة عليك. وقال آخر: اللهى تفتح اللها «٢» . وأخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن إبراهيم الكاغدى، قال: أخبرنا أبو بكر العقدى، قال: أخبرنا أبو جعفر الخراز، قال: دخل فيروز حصين على الحجاج- وعنده الغضبان بن القبعثرى- فقال له الحجاج: زعم الغضبان أن قومه خير من قومك، فقال: أكذاك يا غضبان؟، قال: نعم، فقال فيروز: أصلح الله الأمير!

стр. 325

اعتبر قومى وقومه بأسمائهم، هذا غضبان، غضب الله عليه، والقبعثرى اسم قبيح من بنى ثعلبة شرّ السباع، ابن بكر شرّ الإبل، ابن وائل له الويل؛ وأنا فيروز فيروز به، حصين حصن وحرز، والعنبر ريح طيبة، من بنى عمرو، عمارة وخير، من تميم تمّ، فقومى «١» خير من قومه وأنا خير منه. وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر عن أبى حاتم عن الأصمعى، قال سمعت الحىّ يتحدّثون أن جريرا، قال: لولا ما شغلنى من هذه الكلاب «٢» لشبّبت تشبيبا تحنّ منه العجوز إلى شبابها. ومن أشعار المتقدمين فى التجنيس قول امرىء القيس «٣» : لقد طمح الطّماح من بعد أرضه ... ليلبسنى من دائه ما تلبّسا «٤» وأخذه الكميت فقال «٥» : ونحن طمحنا لامرىء القيس بعد ما ... رجا الملك بالطّماح نكبا على نكب وقال الفرزدق- وذكر واديا «٦» : خفاف أخفّ الله عنه سحابة ... وأوسعه من كلّ ساف وحاصب وقال زهير «٧» : كأنّ عينى وقد سال السّليل بهم ... وجيرة «٨» ما هم لو أنّهم أمم «٩» وقال الفرزدق «١٠» : قد سال فى أسلاتنا أو عضّه ... عضب بضربته الملوك تقتّل

стр. 326

وقال النابغة «١» : وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية «٢» وقال غيره «٣» : على صرماء فيها أصرماها ... وخرّيت الفلاة بها مليل «٤» وقال قيس بن عاصم «٥» : ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة ... سقته نجيعا من دم الجوف أشكلا «٦» وقال «٧» : وقاظ أسيرا هانىء وكأنما ... مفارق مفروق تغشين عند ما وقال أمية بن أبى الصلت: فما أعتبت فى النائبات معتّب ... ولكنّها طاشت وضلّت حلومها وقال أوس بن حجر: قد قلت للركب لولا أنهم عجلوا ... عوجوا علىّ فحيوا الحى أو سيروا وفيها: عرّ عرائر أبكار نشأن معا ... خشن الخلائق عمّا يتّقى زور وفيها: لكن بفرتاج فالخلصاء أبت بها ... فحنبل فعلى سراء مسرور «٨»

стр. 327

وفيها: حتى أشب لهن الثور من كثب ... فأرسلوهنّ لم يدروا بما ثيروا وقال الكميت «١» : فقل لجذام قد جذمتم وسيلة ... إلينا كمختار الرداف على الرّحل وقال طرفة «٢» : بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم وقال القحيف: بخيل من فوارسها اختيال وقال النعمان بن بشير لمعاوية «٣» : ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عمّا ناب قومك نائم وقال العبسى «٤» : أبلغ لديك بنى سعد مغلغلة ... أنّ الذى ينهها قد مات أو دنفا وذاكم أنّ ذلّ الجار حالفكم ... وأن آنفكم لا يعرف الأنفا وقال جليح بن سويد: أقبلن من مصر يبارين البرا وقال ذو الرّمة «٥» : كأنّ البرى والعاج عيجت متونه ... على عشر نهّى به السيل أبطح وقال حيان بن ربيعة الطائى: «٦» لقد علم القبائل أنّ قومى ... لهم حدّ إذا لبس الحديد

стр. 328

وقال القطامى: فلما ردّها فى الشول شالت ... بذيّال يكون لها لفاعا وقال جرير «١» : وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن الخير حابس «٢» وقال امرؤ القيس «٣» : بلاد عريضة وأرض أريضة ... مدافع غيث فى فضاء عريض وقال آخر: وطيب ثمار فى رياض أريضة وقال حميد الأرقط: مرتجز فى عارض عريض ومن أشعار المحدثين قول الشاعر «٤» : وسميته يحيى ليحيى ولم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل تيممت فيه الفأل حين رزقته ... ولم أدر أنّ الفأل فيه يفيل وقال البحترى «٥» : نسيم الروض فى ريح شمال ... وصوب المزن فى راح شمول وهذا من أحسن ما فى هذا الباب، وقال أبو تمام «٦» : سعدت غربة النوى بسعاد ... فهى طوع الإتهام والإنجاد وهذا من الابتداءات المليحة، وقال فيها: عاتق معتق من اللّوم إلا ... من معاناة مغرم أو نجاد «٧»

стр. 329

مليتك الأحساب أىّ حياة ... وحيا أزمة وحيّة واد لو تراخت يداك عنها فواقا «١» ... أكلتها الأيام أكل الجراد كادت المكرمات تهدّ لولا ... أنها أيّدت بحىّ إياد وقال البحترى «٢» : راحت لأربعك الرياح مريضة ... وأصاب مغناك الغمام الصّيّب وقال مسلم بن الوليد: لعبت بها حتى محت آثارها ... ريحان رائحتان باكرتان وقال آخر: لا تضغ للوم إن اللّوم تضليل ... واشرب ففى الشرب للاحزان تحليل فقد مضى القيظ واحتثّت رواحله ... وطابت الراح لمّا آل أيلول لم يبق فى الأرض نبت يشتكى مرها ... إلّا وناظره بالطّلّ مكحول وقال اليزيدىّ للأصمعى: وما أنت هل أنت إلا امرؤ ... إذا صح أصلك من باهله وللباهلىّ على خبزه ... كتاب لآكله الآكله وقال آخر: قد بلغت الأشدّ لاشدك الل ... هـ وجاوزته وأنت مليم «٣» وقال مسلم: يورى بزندك أو يسعى بمجدك أو ... يفرى بحدّك كلّ غير محدود وقال: وليس يبالى حين يحتكّ جمرها ... صدود صداء «٤» واجتناب بنى جنب «٥»

стр. 330

وقال البحترى «١» : لولا علىّ بن مرّ لاستمرّ بنا ... خلف من العيش فيه الصّاب والصّبر برد الحشا وهجير الروع محتفل ... ومسعر «٢» وشهاب الحرب يستعر ألوى إذا شابك الأعداء كرّهم ... حتى يروح وفى أظفاره الظّفر جافى المضاجع ما ينفك فى لجب ... يكاد يقمر من لألائه القمر وقال «٣» : حيا الأرض ألقت فوقه الأرض ثقلها ... وهول الأعادى فوقه الترب هائل ستبكيه عين لا ترى الخير بعده ... إذا فاض منها هامل عاد هامل وقال الطائى: ورمى بثغرته الثّغور فسدّها ... طلق اليدين مؤمّلا مرهوبا وأنشدنى العتبى: دنس القميص غليظه ... من غير لحمته سداه وشعاره من شعره ... فكأنه من مسك «٤» شاه وجنس أبو تمام أربع تجنيسات فى بيت واحد، ولعله لم يسبق إليه وهو قوله «٥» : بحوافر حفر وصلب صلّب ... وأشاعر شعر وخلق أخلق «٦» وقوله أيضا: لسلمى سلامان وعمرة عامر ... وهندبنى هند وسعدى بنى سعدى ومما جنس فيه تجنيسين، قوله «٧» : ففصلن منه كلّ مجمع مفصل ... وفعلن فاقرة بكل فقار «٨»

стр. 331

ومن التجنيس ضرب آخر، وهو أن تأتى بكلمتين متجانستى الحروف؛ إلا أن فى حروفها تقديما وتأخيرا، كقول أبى تمام «١» : بيض الصفائح لا سود الصحائف فى ... متونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب وقلت فى حية: منقوشة تحكى صدور صحائف ... إبّان يبدو من صدور صفائح وقيل لابنة الخسّ: كيف زنيت مع عقلك؟ فقالت: طول السواد، وقرب الوساد. ومن التجنيس نوع آخر يخالف ما تقدم بزيادة حرف أو نقصانه، وهو مثل قول الله : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ . وقوله تعالى: كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ . وقوله جل ذكره: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ. وقوله سبحانه: ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ. وكتب عبد الحميد: الناس أخياف مختلفون، وأطوار متباينون؛ منهم علق مضنّة لا يباع، ومنهم غلّ مظنّة لا يبتاع. ورفع رجل هاشمى يسمى عبد الصمد صوته فى مجلس المأمون عند مناظرة، فقال المأمون: لا ترفعنّ صوتك يا عبد الصمد ... إن الصواب فى الأسدّ لا الأشدّ وكتب كافى الكفاة ﵀: فأنت أدام الله عزّك، وأن طويت عنّا خبرك، وجعلت وطنك وطرك، فأنباؤك تأتينا، كما وشى بالمسك ريّاه، ودلّ على الصّبح محياه. وقال علىّ رضى الله عنه: كل شىء يعز حين ينزر، والعلم يعز حين يغزر

стр. 332

وقال بعضهم: عليك بالصبر، فإنه سبب النصر، ولا تخض الغمر، حتى تعرف الغور. وقال آخر: راش سهامه بالعقوق، ولوى ماله عن الحقوق. وقال النبىّ ﷺ : «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة» . ودعا على بن عبد العزيز المافروخى صاعد بن مخلد فى يوم مطير، فتخلف عنه واعتذر إليه. فكتب إليه علىّ: ما شقّ طريق هدى إلى صديق. وإنما جعلت المماطر، لليوم الماطر. فركب إليه. ومن المنظوم قول الأعشى» : رب حىّ أشقاهم آخر الده ... وحىّ سقاهم بسجال وقوله «٢» : بلبون المعزابة المعزال «٣» وقول أوس بن حجر «٤» : أقول فأما المنكرات فأتّقى ... وأما الشّذا عنّى الملمّ فأشذب «٥» وقال امرؤ القيس «٦» : بسام ساهم الوجه حسّان وقال ابن مقبل: يمشين هيل «٧» النّقا مالت جوانبه ... ينهال حينا وينهاه الثّرى حينا

стр. 333

وقال زهير «١» : هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا ... لا ينكلون إذ ما استلحموا وحموا «٢» وقال: فى متناه متناه كوكبه وقال الحطيئة «٣» : وإن كانت النّعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا وقال آخر: مطاعين فى الهيجا مطاعيم فى القرى وقال أبو ذؤيب «٤» : إذا ما الخلاجيم العلاجيم نكّلوا ... وطال عليهم حميها وسعارها «٥» وقال آخر: على الهام منها قيض بيض مفلّق «٦» وقال: كفّاه مخلفة ومتلفة ... وعطاؤه متخرق جزل ومن شعر المحدثين قول البحترىّ «٧» : من كل ساجى الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور وقوله «٨» : فقف مسعدا فيهن إن كنت عاذرا ... وسر مبعدا عنهنّ إن كنت عاذلا وقوله «٩» : سنان أمير المؤمنين وسيفه ... وسيب أمير المؤمنين ونائله

стр. 334

وقوله «١» : هل لما فات من تلاف تلاف ... أو لشاك من الصّبابة شاف وقول أبى تمام «٢» : يمدّون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب «٣» إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدّعوا ... صدور العوالى فى صدور الكتائب «٤» وقوله «٥» : ولم أر كالمعروف تدعى حقوقه ... مغارم فى الأقوام وهى مغانم وقول الآخر: لله ما صنعت بنا ... تلك المحاجر فى المعاجر أمضى وأنفذ فى القلو ... ب من الخناجر فى الحناجر وقلت: عذيرى من دهر موار موارب ... له حسنات كلّهنّ ذنوب وقلت: آفة السر من جفو ... ن دوام دوامع كيف يخفى مع الدمو ... ع الهوامى الهوامع وقلت أيضا: خليفة شهم كلما اسمحت محت ... معالم جدب لم يطق محوها المطر ومما عيب من التجنيس قول أبى تمام «٦» : أهيس أليس لجاء إلى همم ... تغرّق الأسد فى آذيها الليسا «٧» ومما عيب من التجنيس الأول قول أبى تمام «٨» : خان الصفا أخ خان الزمان أخا ... عنه فلم تتخون جسمه الكمد

стр. 335

وقوله «١» : قرت بقرّان عين الدين وانشترت ... بالأشترين عيون الشّرك فاصطلما «٢» فهذا مع غثاثة لفظه وسوء التجنيس فيه يشتمل على عيب آخر، وهو أن انشتار العين لا يوجب الاصطلام، وقوله «٣» : إن من عقّ والديه لملعو ... ن ومن عقّ منزلا بالعقيق وقوله «٤» : خشنت عليه أخت بنى خشين وهذا فى غاية الهجانة والشناعة. وقد جاء فى أشعار المتقدمين من هذا الجنس نبذ يسير منه قول امرىء القيس «٥» : وسنّ كسنّيق سناء وسنّما ... ذعرت بمدلاج الهجير نهوض «٦» ولم يعرف الأصمعى وأبو عمرو معنى هذا البيت، وقال الأعشى «٧» : وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى ... شاو مشلّ شلول شلشل شول تبعه مسلم بن الوليد، فقال «٨» : سلّت وسلت ثم سلّ سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا وقال أبو الغمر يصف السحاب: نسجته الجنوب وهى صناع ... فترقّى كأنه حبشىّ وقرى كل قرية كان يقرو ... ها قرى لا يجف منه قرىّ وهذا مستهجن لا يجوز لمتأخر أن يجعله حجة فى إتيان مثله؛ لأن هذا وأمثاله شاذ معيب، والعيب من كل أحد معيب، وإنما الاقتداء فى الصواب لا فى الخطأ.

стр. 336

وقد قال بعض المتأخرين ما هو أقبح من جميع مامر فى قوله وليس من التجنيس «١» : ولا الضّعف حتى يتبع الضّعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضّعف بل مثله ألف وقوله «٢» : فقلقلت بالهمّ الّذى قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلّهنّ قلاقل وقيل لأبى القمقام: ألا تخرج إلى الغزاة بالمصّيصة؟ فقال: أمصّنى الله إذا بظر أمى! ومن التجنيس المعيب قول بعض المحدثين، أنشده ابن المعتز: أكابد منكم أليم الألم ... وقد أنحل الجسم بعد الجسم وقول الآخر: كم رأس رأس بكى من غير مقلته ... دما وتحسبه بالقاع مبتسما وقول إبراهيم أبو الفرج البندنيجى فى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: هى الجآذر إلّا أنّها حور ... كأنها صور لكنّها صور نور الحجال ولكن من معايبها ... إذا طلبت هواها أنها نور غيداء لو بلّ طرف البابلىّ بها ... لارتدّ وهو بغير السّحر مسحور إن الرواح جلا روح العراق لنا ... أصلا وقد فصلت من مكّة العير تشكو العقوق وقد عقّ العقيق لها ... وأرض عروة من بطحان فالنّير يحتثّها كلّ زول دأبه دأب ... من طول شوق وهجّيراه تهجير مقوّرة الآل من خوض الفلاة إذا ... ما اعتمّ بالآل فى أرجائها القور هذا البيت قريب من قول أبى تمام «٣» : أحطت بالحزم «٤» حيزوما أخاهمم ... كشّاف طخياء لا ضيقا ولا حرجا وقال المخزومى «٥» فى طاهر بن الحسين: ولو رأى هرم معشار نائله ... لقيل فى هرم قد جنّ أو هرما

стр. 337

الفصل الرابع فى المقابلة المقابلة فى المعنى المقابلة: إيراد الكلام، ثم مقابلته بمثله فى المعنى واللفظ على جهة الموافقة أو المخالفة. فأما ما كان منها فى المعنى فهو مقابلة الفعل بالفعل؛ مثاله قول الله تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا ؛ فخواء بيوتهم وخرابها بالعذاب مقابلة لظلمهم. ونحو قوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً ؛ فالمكر من الله تعالى العذاب، جعله الله مقابلة لمكرهم بأنبيائه وأهل طاعته. وقوله سبحانه: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ. ومن ذلك قول تأبط شرا «١» : أهزّ به فى ندوة الحىّ عطفه ... كما هزّ عطفى بالهجان الأوارك «٢» وقول الآخر: ومن لو أراه صاديا لسقيته ... ومن لو رآنى صاديا لسقانى ومن لو أراه عانيا لفديته ... ومن لو رآنى عانيا لفدانى المقابلة بالألفاظ فهذا مقابلة باللفظ والمعنى. وأما ما كان منها بالألفاظ، فمثل قول عدى بن الرّقاع «٣» : ولقد ثنيت يد الفتاة وسادة ... لى جاعلا إحدى يدىّ وسادها وقال عمرو بن كلثوم «٤» : ورثناهنّ عن آباء صدق ... ونورثها إذا متنا بنينا (٢٢- الصناعتين)

стр. 338

ومن النثر قول بعضهم: فإنّ أهل الرأى والنّصح لا يساويهم ذو الأفن والغشّ، وليس من جمع إلى الكفاية الأمانة، كمن أضاف إلى العجز الخيانة. فجعل بإزاء الرأى الأفن وبإزاء الأمانة الخيانة؛ فهذا على وجه المخالفة. وقيل للرشيد: إن عبد الملك بن صالح يعدّ كلامه، فأنكر ذلك الرشيد، وقال: إذا دخل فقولوا له: ولد لأمير المؤمنين فى هذه الليلة ابن ومات له ابن، ففعلوا. فقال: سرّك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرك، وجعلها واحدة بواحدة، ثواب الشاكر، وأجر الصابر؛ فعرفوا أنّ بلاغته طبع. وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من عمل: شكرى لك على ما أريد الخروج منه شكر من نال الدخول فيه. وكتب بعض الكتاب إلى رجل: فلو أن الأقدار إذ رمت بك فى المراتب إلى أعلاها بلغت بك من أفعال السودد منتهاها لوازنت مساعيك مراقيك، وعادلت النعمة عليك النعمة فيك، ولكنك قابلت رفيع المراتب بوضيع الشّيم؛ فعاد علوّك بالاتفاق إلى حال دونك بالاستحقاق، وصار جناحك فى الانهياض «١» إلى مثل ما عليه قدرك فى الانخفاض؛ ولا عجب أن القدر أذنب فيك فأناب، وغلط بك فعاد إلى الصواب؛ فأكثر هذه الألفاظ مقابلة وقال الجعدى «٢» : فتى كان فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا وقال آخر «٣» : وإذا حديث ساءنى لم أكتئب ... وإذا حديث سرنى لم أشر «٤» وهذا فى غاية التقابل. ومن مقابلة المعانى بعضها لبعض، وهو من النوع الذى تقدم فى أول الفصل قول الآخر: وذى أخوة قطّعت أقران بينهم ... كما تركونى واحدا لا ألحاليا

стр. 339

وقول الآخر «١» : أسرناهم وأنعمنا عليهم ... وأسقينا دماءهم الترابا فما صبروا لبأس عند حرب ... ولا أدّوا لحسن يد ثوابا فجعل بإزاء الحرب أن لم يصبروا، وبإزاء النعمة أن لم يثيبوا؛ فقابل على وجه المخالفة. وقال آخر «٢» : جزى الله عنا ذات بعل تصدقت ... على عزب حتى يكون له أهل فإنا سنجزيها بمثل فعالها ... إذا ما تزوجنا وليس لها بعل فجعل حاجته وهو عزب بحاجتها وهى عزب، ووصاله إياها فى حال عزبتها، كوصالها إياه فى حال عزبته؛ فقابل من جهة الموافقة. ومن سوء المقابلة قول امرىء القيس «٣» : فلو أنها نفس تموت سوّية ... ولكنها نفس تساقط «٤» أنفسا ليس «سوية» بموافق «لتساقط» ولا مخالف له، ولهذا غيّره أهل المعرفة فجعلوه «جميعة» ؛ لأنه بمقابلة «تساقط» أليق. فساد المقابلة وفساد المقابلة أن تذكر معنى تقتضى الحال ذكرها بموافقة أو مخالفة، فيؤتى بما لا يوافق ولا يخالف، مثل أن يقال: فلان شديد البأس، نقى الثغر، أو جواد الكف، أبيض الثوب. أو تقول: ما صاحبت خيّرا، ولا فاسقا، وما جاءنى أحمر، ولا أسمر. ووجه الكلام أن تقول: ما جاءنى أحمر ولا أسود، وما صاحبت خيّرا ولا شريرا، وفلان شديد البأس، عظيم النكاية، وجواد الكفّ، كثير العرف. وما يجرى مع ذلك؛ لأن السمرة لا تخالف السواد غاية المخالفة، ونقاء الثغر لا يخالف شدة البأس ولا يوافقه، فاعلم ذلك وقس عليه.

стр. 340

ومما يقرب من هذا قول أبى عدى القرشى «١» : يا بن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت زين الورى وغيث الجنود فوضع «زين الورى» مع «غيث الجنود» فى غاية السماجة. وقريب منه قول الآخر «٢» : خود تكامل فيها الدلّ والشنب ومثله قول أبى تمام «٣» : وزير حق ووالى شرطة ورحى ... ديوان ملك وشيعىّ ومحتسب ومن مختار المقابلة- وكان ينبغى تقديمه فلم يتفق- ما كتب الحسن بن وهب: لا ترض لى بيسير البرّ، فإنى لم أرض لك بيسير الشكر، ودع عنّى مؤونة التقاضى كما وضعت عنك مؤونة الإلحاح، وأحضر من ذكرى فى قلبك ما هو أكفى من قعودى بصدرك؛ فإنى أحق من فعلت به، كما أنك أحق من فعله بى، وحقق الظن؛ فليس وراءك مذهب، ولا عنك مقصّر.

стр. 341

الفصل الخامس فى صحة التقسيم التقسيم التقسيم الصحيح: أن تقسّم الكلام قسمة مستوية تحتوى على جميع أنواعه، ولا يخرج منها جنس من أجناسه؛ فمن ذلك قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ، وهذا أحسن تقسيم؛ لأنّ الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، ليس فيهم ثالث. ومن القسمة الصحيحة قول أعرابى لبعضهم: النعم ثلاث؛ نعمة فى حال كونها، ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتى غير محتسبة؛ فأبقى الله عليك ما أنت فيه، وحقق ظنك فيما ترتجيه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه، فليس فى أقسام النعم التى يقع الانتفاع بها قسم رابع سوى هذه الأقسام. ووقف أعرابى على مجلس الحسن، فقال: رحم الله عبدا أعطى من سعة، أو آسى من كفاف، أو آثر من قلّة. فقال الحسن: ما ترك لأحد عذرا؛ فانصرف الأعرابى بخير كثير. وقول إبراهيم بن العباس: وقسم الله تعالى عدوه أقساما ثلاثة؛ روحا معجّلة إلى عذاب الله، وجثة منصوبة لأولياء الله، ورأسا منقولا إلى دار خلافة الله. ليس لهذه الأقسام رابع أيضا؛ فهى فى نهاية الصحة. ومن المنظوم قول نصيب «١» : فقال فريق القوم. لا، وفريقهم ... نعم، وفريق لا يمن الله ما ندرى

стр. 342

فليس فى أقسام الإجابة عن المطلوب إذا سئل عنه غير هذه الأقسام. قال الشماخ «١» : متى ما تقع أرساغه مطمئنة ... على حجر يرفضّ أو يتدحرج «٢» والوطء الشديد إذا صادف الموطوء رخوا ارفضّ منه، أو صلبا تدحرج عنه. وقول الآخر «٣» : يا أسم صبرا على ما كان من حدث ... إنّ الحوادث ملقىّ ومنتظر وليس فى الحوادث إلا ما لقى أو انتظر لقيه. وقول الآخر «٤» : والعيش شحّ وإشفاق وتأميل وكان عمر رضى الله عنه يتعجب من صحة هذه القسمة. وقول زهير «٥» : فإنّ الحقّ مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء «٦» فذلكم مقاطع كلّ حق ... ثلاث كلّهنّ لكم شفاء من عيوب القسمة وكان يعجب أيضا بهذا البيت ويقول: لو أدركت زهيرا لولّيته القضاء لمعرفته. ومن عيوب القسمة قول بعض العرب: سقاه سقيتين الله سقيا ... طهورا والغمام يرى الغماما فقال: «سقيتين» ثم قال: «سقيا طهورا» ، ولم يذكر الأخرى، وقيل: أراد فى الدنيا وفى الآخرة، وهذا مردود؛ لأن الكلام لا يدل عليه. وقول عبيد الله بن سليم «٧» : فهبطت غيثا ما يفزّع وحشه ... من بين مسرب ناوىء وكنوس فقسم قسمة رديئة؛ لأنه جعل الوحش بين سمين وداخل فى كناسه. وكان ينبغى أن يقول: من بين سمين وهزيل، أو بين كانس وظاهر؛ ويجوز أن يكون السمين

стр. 343

كانسا وراتعا والكانس سمينا وهزيلا، وما أعرف لهذا شبها إلا قول كيسان حين سأل فقال: علقمة بن عبدة، جاهلى أو من بنى تميم؟ ومثله ما كتب بعضهم: فمن بين جريح مضرج بدمائه، وهارب يلتفت إلى ورائه؛ فالجريح قد يكون هاربا، والهارب قد يكون جريحا؛ ولو قال: «فمن قتيل» لصح المعنى ومثله قول قيس بن الخطيم: وسلوا ضريح الكاهنين ومالكا ... كم فيهما من دارع ونجيب ليس النجيب من الدارع فى شىء. وقريب منه قول الأخطل: إذا التقت الأبطال أبصرت لونه ... مضيئا وأعناق الكماة خضوع كان ينبغى أن يقول: وألوان الكماة كاسفة، و «مضيئة» مع «خضوع» ردىء جدا. ومن القسمة الرديئة قول جرير «١» : صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من موالينا فأنشده ورجل من حنيفة حاضر، فقيل له: من أى قسم أنت. فقال: من الثلث الملغى ذكره. ومن هذا الجنس ما ذكره قدامة أن ابن ميادة كتب إلى عامل من عماله هرب من صارفه: إنك لا تخلو فى هربك من صارفك أن تكون قدّمت إليه إساءة خفته معها، أو خشيت فى عملك خيانة رهبت بكشفه إياك عنها؛ فإن كنت أسأت فأول راض سنة من يسيرها «٢» وإن كنت خفت خيانة فلابد من مطالبتك بها. فكتب العامل تحت هذا التوقيع: فى الأقسام ما لم يدخل فيما ذكرته، وهو أنى خفت ظلمه إياى بالبعد عنك، وتكثيره علىّ الباطل عندك؛ فوجدت الهرب إلى حيث يمكننى فيه دفع ما يتخرّصه أنفى للظّنة عنى، وبعدى عمّن لا يؤمن ظلمه أولى بالاحتياط لنفسى.

стр. 344

ومن القسمة الرديثة أيضا قول ابن القرّية: الناس ثلاثة؛ عاقل، وأحمق، وفاجر، فالفاجر يجوز أن يكون أحمق، ويجوز أن يكون عاقلا، والعاقل يجوز أن يكون فاجرا، وكذلك الأحمق. وإذا دخل أحد القسمين فى الآخر فسدت القسمة، كقول أمية بن أبى الصلت» : لله نعمتنا تبارك ربّنا ... ربّ الأنام ورب من يتأبد «٢» داخل فى الأنام من يتأبد. وكذلك قول الآخر «٣» : أبادر إهلاك مستهلك ... لمالى وإن عبث العابث فعبث العابث داخل فى إهلاك المستهلك. وكذلك قول الآخر «٤» : فما برحت تومى إليك بطرفها ... وتومض أحيانا إذا طرفها غفل فتومى وتومض واحد. وقول جميل: لو كان فى قلبى كقدر قلامة ... حبّ وصلتك أو أتتك رسائلى فإتيان الرسائل داخل فى الوصل. ومن ذلك أيضا ما كتب بعضهم: ففكرت مرة فى عزلك، ومرة فى صرفك وتقليد غيرك. وفى فصل آخر كتب هذا الرجل إلى عامل: فتارة تسرق الأموال وتختزلها، وتارة تقتطعها وتحتجبها. فمعنى الجزأين واحد.

стр. 345

الفصل السّادس فى صحة التفسير التفسير وهو أن يورد معانى فيحتاج إلى شرح أحوالها، فإذا شرحت تأتى فى الشرح بتلك المعانى من غير عدول عنها أو زيادة تزاد فيها، كقول الله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ، فجعل السكون لليل، وابتغاء الفضل للنهار؛ فهو فى غاية الحسن، ونهاية التمام. ومن النثر ما كتب بعضهم: إن لله نعما لو تعاون خلقه على شكر واحدة منها لأفنوا أعمارهم قبل قضاء الحقّ فيها، ولى ذنوب لو فرّقت بين خلقه جميعا لكان كلّ واحد منهم عظيم الثقل منها؛ ولكنه يستر بكرمه، ويعود بفضله، ويؤخر العقوبة انتظارا للمراجعة من عبده، ولا يخلى المطيع والعاصى من إحسانه وبرّه. فذكر جملتين؛ وهمانعم الله تعالى وذنوب عبده، ثم فسركل واحدة منهما مرتين تفسيرا صحيحا. قوله: «يستر بكرمه» راجع إلى الذنوب، وقوله: «يعود بفضله» راجع إلى النعم، فاستوفى. ثم قال: «ويؤخر العقوبة» فهذا أيضا راجع إلى الذنوب، وقوله: «ولا يخلى المطيع والعاصى من إحسانه وبره» راجع إلى النّعم، فهو تفسير صحيح فى تفسير صحيح. ومن ذلك قول بعض أهل الزمان وقد كتب إليه بعض الأشراف كتابا وسأله أن يصلح ما يجد فيه من سقم؛ فكتب إليه: فأمّا ما رسمه من سدّ ثلمه، وجبر كسره، ولمّ شعثه؛ فأىّ ثلم يوجد فى أديم السماء؛ وأىّ كسر يلفى فى حاجب ذكاء؛ وأىّ شعث يرى فى الزّهرة الزهراء! ففسر الثلاثة، ولم يغادر منها واحدا. ومثاله من المنظوم قول الفرزدق «١» :

стр. 346

لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم لألفيت فيهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوّم ففسر قوله: «حاملا ثقل مغرم» ، بقوله: «تلقى فيهم من يعطيك» وقوله: «طريد دم» بقوله: «تلقى فيهم من يطاعن دونك» . وقال ابن مطير فى السحاب «١» : وله بلا حزن ولا بمسرّة ... ضحك يراوح بينه وبكاء وقول المقنّع: لا تضجرنّ ولا يدخلك معجزة ... فالنّجح يهلك بين العجز والضّجر وضرب منه قول صالح بن جناح اللخمى «٢» : لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنّنى ... إلى الجهل فى بعض الأحايين أحوج ولى فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولى فرس للجهل بالجهل مسرج فمن رام تقويمى فإنى مقوّم ... ومن رام تعويجى فإنى معوّج وقول سهل بن هرون «٣» : فوا حسرتا حتّى متى القلب موجع ... بفقد حبيب أو تعذّر إفضال فراق حبيب مثله يورث الأسى ... وخلة حر لا يقوم لها «٤» مالى وقال آخر: شبه الغيث فيه والليث والبد ... ر فسمح ومحرب «٥» وجميل وقلت: كيف أسلو وأنت حقف «٦» وغصن ... وغزال لحظا وردفا وقدّا وقال آخر: فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم

стр. 347

من فساد التفسير ومن عيوب هذا الباب ما أنشده قدامة «١» : فيأيها الحيران فى ظلمة الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغى من العدا تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحرا من الندى وكان يجب أن يأتى بإزاء بغى العدا بالنصرة أو بالعصمة أو بالوزر أو ما يجانس ذلك مما يحتمى به الإنسان، كما وضع بإزاء الظلمة الضياء. فأما إذا وضع بإزاء ما يتخوّف من بغى العدا بحرا من الندى فليس ذلك تفسيرا لذلك. ومن فساد التفسير ما كتب بعضهم: من كان لأمير المؤمنين كما أنت له من الذّبّ عن ثغوره والمسارة إلى ما يهيب به إليه من صغير أمره وكبيره كان جديرا بنصح أمير المؤمنين فى أعماله، والاجتهاد فى تثمير أمواله؛ فليس الذى قدّم من الحال التى عليها هذا العامل من الذّب عن الثغور والمسارعة فى الخطوب ما سبيله أن يفسّر بالنصح فى الأعمال وتثمير الأموال. ولعلّه لو أضاف إلى ذكر الذّب عن الثغور ذكر الحياطة فى الأمور لكان بهذا المضاف يجوز أن يفسّر بالنصح فى الأعمال والتثمير للأموال.

стр. 348

الفصل السّابع فى الإشارة الإشارة الإشارة أن يكون اللفظ القليل مشارا به إلى معان كثيرة، بإيماء إليها ولمحة تدل عليها؛ وذلك كقوله تعالى: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى . وقول الناس: لو رأيت عليّا بين الصفين؛ فيه حذف وإشارة إلى معان كثيرة. وأخبرنا أبو أحمد، قال أخبرنا أبو بكر الصولى، قال أخبرنا الحزنبل، قال: لما ولّى المهتدى بالله وزارته سليمان بن وهب قام إليه رجل من ذى حرمته، فقال: أعز الله الوزير! خادمك المؤمّل لدولتك، السعيد بأيامك، المنطوى القلب على مودتك، المبسوط اللسان بمدحتك، المرتهن الشكر بنعمتك، وإنما أنا كما قال القيسى: ما زلت أمتطى النهار إليك، وأستدلّ بفضلك عليك؛ حتى إذا أجنّنى الليل، فقبض البصر، ومحا الأثر، قام بدنى، وسافر أملى، والاجتهاد عذر، وإذا بلغتك فقط. فقال سليمان: لا بأس عليك فإنى عارف بوسيلتك، محتاج إلى كفايتك، ولست أؤخر عن يومى هذا توليتك بما يحسن عليك أثره، ويطيب لك خيره إن شاء الله. فقوله: «وإذا بلغتك فقط» إشارة إلى معان كثيرة يطول شرحها. وكتب آخر إلى آخر: أتعيّرنى وأنا أنا! والله لأزرن عليك الفضاء، ولأبغّضنك لذيذ الحياة، ولأحبّبنّ إليك كريه الممات، ما أظنك تربع على ظلعك، وتقيس شبرك بفترك؛ حتى تذوق وبال أمرك، فتعتذر حين لا تقبل المعذرة، وتستقيل حين لا تقال العثرة. فقوله: «وأنا أنا» إشارة إلى معان كثيرة، وتهديد شديد، وإيعاد كثير. ومن المنظوم قول امرىء القيس «١» : فإن تهلك شنوءة أو تبدّل ... فسيرى إنّ فى غسان خالا «٢»

стр. 349

بعزّهم عززت وإن يذلّوا ... فذلهم أنالك ما أنالا فقولوه: «إنّ فى غسان خالا» و «أنالك ما أنالا» إشارة إلى معان كثيرة. وضرب منه قوله «١» : على سابح يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كزّ ولا وان فقوله: «أفانين جرى» مشار به إلى معان لو عدت لكثرت؛ وضم إلى ذلك جميع أوصاف الجودة فى قوله: «يعطيك قبل سؤاله» . وأنشدنا أبو أحمد لبعضهم: لم آت مطّلبا إلا لمطلب ... وهمة بلغت بى أفضل الرتب أعملت عيسى إلى البيت العتيق على ... ما كان من دأب فيها ومن نصب حتى إذا ما انقضى حجّى ثنيت لها ... فضل الزمام فأمّت سيد العرب هذا رجائى وهذى مصر معرضة ... وأنت أنت وقد ناديت من كثب فقوله: «أنت أنت» مشار به إلى نعوت من المدح كثيرة. ومن هذا قول أبى نواس «٢» : أنت الخصيب وهذه مصر

стр. 350

الفصل الثامن فى الأرداف والتوابع الأرداف والتوابع الأرداف والتوابع: أن يريد المتكلم الدلالة على معنى فيترك اللفظ الدالّ عليه، الخاص به، ويأتى بلفظ هو ردفه وتابع له، فيجعله عبارة عن المعنى الذى أراده، وذلك مثل قول الله تعالى: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ ، وقصور الطرف فى الأصل موضوعة للعفاف على جهة التوابع والأرداف؛ وذلك أن المرأة إذا عفّت قصرت طرفها على زوجها، فكان قصور الطرف ردفا للعفاف، والعفاف ردف وتابع لقصور الطرف. وكذلك قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ، وذلك أنّ الناس يتكافّون عن الحرب من أجل القصاص فيحيون فكأن حياتهم ردف للقصاص الذى يتكافّون عن القتل من أجله؛ ونحوه قول الشاعر: وفى العتاب حياة بين أقوام ومن ذلك قول رسول الله ﷺ وقد سئل عن الفرع، فقال: «حق، وإن تتركه حتى يكون ابن مخاض أو ابن لبون خير من أن تكفىء إناءك، وتولّه ناقتك؛ وتدعه يلصق لحمه بوبره» «١» . الفرع: أول شىء تنتجه الناقة، وكانوا يذبحونه لله . فقال: هو حق، إلا أنه ينبغى أن يترك حتى يكون ابن مخاض أو ابن لبون فيصير للحمه طعم، وقال «هو خير من أن تكفىء إياءك» فهذه من الإرداف أراد أنك إذا ذبحته حين تضعه أمّه بقيت الأم بلا ولد ترضعه فانقطع لبنها؛ فردف ذلك أن يخلو إناؤك من اللبن، فكأنك قد كفأته. ومثله قول امرىء القيس «٢» :

стр. 351

وأفلتهنّ علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب «١» أى لو أدركنه- يعنى الخيل- قتلنه، واستقن إبله فصفرت وطابه؛ ومن ذلك قول الأعشى: ربّ رفد هرقنه ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقيال الرّفد: القدح العظيم الضخم، يقول: استقت الإبل فخلا الرّفد، فكأنك قد هرقته. ومن الأرداف قول المرأة لمن سألته: أشكو إليك قلة الجرذان، وذلك أن قلّة جرذان البيت ردف لعدم خيره؛ ويقولون: فلان عظيم الرماد، يريدون أنه كثير الإطعام للأضياف؛ لأن كثرة الإطعام يردف كثرة الطبخ؛ ومن المنظوم قول التغلبى «٢» : وكل أناس قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب أراد أن يذكر عزّ قومه، فذكر تسريح الفحل فى المرعى، والتوسيع له فيه؛ لأن هذه الحال تابعة للعزّة رادفة للمنعة، وذلك أن الأعداء لعزهم لا يقدمون عليهم فيحتاجون إلى تقييد فحلهم، مخافة أن يساق فيتبعه السّرح؛ ومن ذلك قول الآخر: ومهما فىّ من عيب فإنى ... جبان الكلب مهزول الفصيل يعنى أن كلبه يضرب إذا نبح على الأضياف، فيردف ذلك جبنه عن نبحهم؛ وأن اللبن الذى يسمن به الفصيل يجعل للأضياف فيردف ذلك هزال الفصيل. وقول الآخر: وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل يعنى الموت، فعبر عنه باصفرار الأنامل، لأنها تصفر من الميت، فكان اصفرارها ردف؛ وقول امرىء القيس «٣» :

стр. 352

وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نئم الضحا لم تنتطق عن تفضل أراد أنها مكفّية؛ ونئومة الضحا وترك الانتطاق للخدمة يردفان الكفاية؛ فعبر بهما عنها وأراد أنها من أهل الترفّه والنعمة فتستعمل المسك الكثير فينتثر فى فراشها وهذه الحال تردف الترف والنعمة؛ وقول عمر بن أبى ربيعة «١» : بعيدة مهوى القرط أما لنوفل ... أبوها وأما عبد شمس وهاشم فأراد أن يصف طول عنقها فأتى بما دلّ عليه من طول مهوى القرط، وبعد مهوى القرط ردف لطول العنق. وقول الخنساء «٢» : ومخرّق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما أرادت وصفه بالجود فجعلته مخرّق القميص، لأن العفاة يجذبونه؛ فتمزيق قميصه ردف لجوده. وقول الشاعر «٣» : طويل نجاد السيف لا متضائل ... ولا رهل لبّاته وبآدله «٤» أراد وصفه بطول القامة، فذكر طول نجاده، لأن طوله ردف لطول القامة. وقد أدخل بعض من صنّف فى هذا أمثلة باب الأرداف فى باب المماثلة، وأمثلة باب المماثلة فى باب الأرداف، فأفسد البابين جميعا، فلخصت ذلك وميّزته وجعلت كلّا فى موضعه، وفيه دقّة وإشكال.

стр. 353

الفصل التاسع فى المماثلة المماثلة المماثلة: أن يريد المتكلم العبارة عن معنى، فيأتى بلفظة تكون موضوعة لمعنى آخر، إلا أنه ينبىء إذا أورده عن المعنى الذى أراده، كقولهم: «فلان نقى الثوب» ، يريدون به أنه لا عيب فيه. وليس موضوع نقاء الثوب البراء من العيوب، وإنما استعمل فيه تمثيلا. وقول امرىء القيس «١» : ثياب بنى عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غرّان «٢» وكذلك قولهم: «فلان طاهر الجيب» ، يريدون أنه ليس بخائن ولا غادر. وقولهم: فلان طيب الحجزة، أى عفيف. قال النابغة «٣» : رقاق النعال طيّب حجزاتهم ... يحيّون بالريحان يوم السباسب «٤» وقال الأصمعى: إذا قالت العرب: الثوب والإزار؛ فإنهم يريدون البدن، وأنشد «٥» : ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخى ثقة إزارى وقالوا فى قول ليلى «٦» : رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبها إلا النعام المنفرا أى رموها بأجسامهم وهى خفاف عليها. ووضع الثوب موضعا آخر فى قول الشاعر: فتلك ثياب إبراهيم فينا ... بواق ما دنسن ولا بلينا

стр. 354

ويقولون: فلان أوسع بنى أبيه ثوبا، أى أكثرهم معروفا، وفلان غمر الرداء، إذا كان كثير المعروف؛ قال كثير: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... علقت لضحكته رقاب المال وكذلك قولهم: فلان رحب الذراع، وفلان دنس الثوب؛ إذا كان غادرا فاجرا، قال الشاعر: ولكننى أنفى عن الذمّ والدى ... وبعضهم للذم فى ثوبه دسم ويقولون: دم فلان فى ثوب فلان، أى هو صاحبه. قال أبو ذؤيب «١» : تبرّأ من دمّ القتيل وبزّه ... وقد علقت دمّ القتيل إزارها هذيل تؤنث الإزار، أى علّقت دم القتيل هى، ورواه أبو عمرو الشيبانى وبزّه، بالرفع، أى وبزه إزارها وقد علقت دمه؛ ويقولون للفرس: إنه لطرب العنان؛ وللبعير: قد سفه جديله، والجديل: الزمام. وقال ذو الرمة «٢» : وأشقر موشىّ القميص نصبته ... على خضر مقلات سفيه جديلها «٣» وفى القرآن: كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ، فمثّل العمل ثم إحباطه بالنّقض بعد الفتل. وكذلك قوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها. وقوله : هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ. وقوله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فمثّل البخيل الممتنع من البذل بالمغلول، لمعنى يجمعهما، وهو أنّ البخيل لا يمدّ يده بالعطية فشبّهه بالمغلول. ويقولون: عركت هذه الكلمة بجنبى، إذا أغضيت عنها،

стр. 355

وفلان قد طوى كشحه عن فلان، إذا ترك مودّته وصحبته. ويقولون: كبا زند العدوّ، وصلف زنده، وأفل نجمه، وذهبت ريحه، وأطفئت جمرته، وأخلف نوءه، وأخلقت جدّته، وانكسرت شوكته، وكلّ حدّه، وانقطع بطانه، وتضعضع ركنه، وضعف عقده، وذلت عضده، وفتّ فى عضده، ورق جانبه، ولانت عريكته، يقال ذلك فيه إذا ولّى أمره؛ تمثيلا وتشبيها. وقال النبى ﷺ : «إيّاكم وخضراء الدمن» ، أراد المرأة الحسناء فى منبت السوء، فأتى بغير اللفظ الموضوع لها تمثيلا. وقال بعضهم: كنا فى رفقة فضللنا الطريق، فاسترشدنا عجوزا فقالت: استبطن الوادى، وكن سيلا حتى تبلغ. وكتب أحمد بن يوسف إلى عبد الله بن طاهر عن المأمون بعزله عن ديار مصر، وتسليم العمل إلى إسحاق بن إبراهيم: أما بعد! فإن أمير المؤمنين قد رأى تولية إسحاق بن إبراهيم ما تتولاه من أعمال المعاون بديار مصر، وإنما هو عملك نقل منك إليك. فسلمه من يدك إلى يدك والسلام. واغتاب رجل رجلا عند سلم بن قتيبة، فقال له سلم: اسكت، فو الله لقد تلمّظت مضغة طالما لفظها الكرام. ومن المنظوم قول طرفة: أبينى، أفى يمنى يديك جعلتنى ... فأفرح أم صيّرتنى فى شمالك أى أبينى منزلتى عندك أوضيعة هى أم رفيعة؛ فذكر اليمين وجعلها بدلا من الرفعة، والشمال وجعلها عوضا من الضّعة. وأخذه الرّمّاح بن ميّادة، فقال «١» : ألم تك فى يمنى يديك جعلتنى ... فلا تجعلنّى بعدها فى شمالكا ولو أنّنى أذنبت ما كنت هالكا ... على خصلة من صالحات خصالكا وقال آخر «٢» : تركت الرّكاب لأربابها ... وأكرهت نفسى على ابن الصّعق
следующие страницы →