← Адаб

Адаб · id 23787

الصناعتين: الكتابة والشعر

أبو هلال العسكري

Полный текст (457 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وأفلتهنّ علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب «١» أى لو أدركنه- يعنى الخيل- قتلنه، واستقن إبله فصفرت وطابه؛ ومن ذلك قول الأعشى: ربّ رفد هرقنه ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقيال الرّفد: القدح العظيم الضخم، يقول: استقت الإبل فخلا الرّفد، فكأنك قد هرقته. ومن الأرداف قول المرأة لمن سألته: أشكو إليك قلة الجرذان، وذلك أن قلّة جرذان البيت ردف لعدم خيره؛ ويقولون: فلان عظيم الرماد، يريدون أنه كثير الإطعام للأضياف؛ لأن كثرة الإطعام يردف كثرة الطبخ؛ ومن المنظوم قول التغلبى «٢» : وكل أناس قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب أراد أن يذكر عزّ قومه، فذكر تسريح الفحل فى المرعى، والتوسيع له فيه؛ لأن هذه الحال تابعة للعزّة رادفة للمنعة، وذلك أن الأعداء لعزهم لا يقدمون عليهم فيحتاجون إلى تقييد فحلهم، مخافة أن يساق فيتبعه السّرح؛ ومن ذلك قول الآخر: ومهما فىّ من عيب فإنى ... جبان الكلب مهزول الفصيل يعنى أن كلبه يضرب إذا نبح على الأضياف، فيردف ذلك جبنه عن نبحهم؛ وأن اللبن الذى يسمن به الفصيل يجعل للأضياف فيردف ذلك هزال الفصيل. وقول الآخر: وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل يعنى الموت، فعبر عنه باصفرار الأنامل، لأنها تصفر من الميت، فكان اصفرارها ردف؛ وقول امرىء القيس «٣» :

стр. 352

وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نئم الضحا لم تنتطق عن تفضل أراد أنها مكفّية؛ ونئومة الضحا وترك الانتطاق للخدمة يردفان الكفاية؛ فعبر بهما عنها وأراد أنها من أهل الترفّه والنعمة فتستعمل المسك الكثير فينتثر فى فراشها وهذه الحال تردف الترف والنعمة؛ وقول عمر بن أبى ربيعة «١» : بعيدة مهوى القرط أما لنوفل ... أبوها وأما عبد شمس وهاشم فأراد أن يصف طول عنقها فأتى بما دلّ عليه من طول مهوى القرط، وبعد مهوى القرط ردف لطول العنق. وقول الخنساء «٢» : ومخرّق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما أرادت وصفه بالجود فجعلته مخرّق القميص، لأن العفاة يجذبونه؛ فتمزيق قميصه ردف لجوده. وقول الشاعر «٣» : طويل نجاد السيف لا متضائل ... ولا رهل لبّاته وبآدله «٤» أراد وصفه بطول القامة، فذكر طول نجاده، لأن طوله ردف لطول القامة. وقد أدخل بعض من صنّف فى هذا أمثلة باب الأرداف فى باب المماثلة، وأمثلة باب المماثلة فى باب الأرداف، فأفسد البابين جميعا، فلخصت ذلك وميّزته وجعلت كلّا فى موضعه، وفيه دقّة وإشكال.

стр. 353

الفصل التاسع فى المماثلة المماثلة المماثلة: أن يريد المتكلم العبارة عن معنى، فيأتى بلفظة تكون موضوعة لمعنى آخر، إلا أنه ينبىء إذا أورده عن المعنى الذى أراده، كقولهم: «فلان نقى الثوب» ، يريدون به أنه لا عيب فيه. وليس موضوع نقاء الثوب البراء من العيوب، وإنما استعمل فيه تمثيلا. وقول امرىء القيس «١» : ثياب بنى عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غرّان «٢» وكذلك قولهم: «فلان طاهر الجيب» ، يريدون أنه ليس بخائن ولا غادر. وقولهم: فلان طيب الحجزة، أى عفيف. قال النابغة «٣» : رقاق النعال طيّب حجزاتهم ... يحيّون بالريحان يوم السباسب «٤» وقال الأصمعى: إذا قالت العرب: الثوب والإزار؛ فإنهم يريدون البدن، وأنشد «٥» : ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخى ثقة إزارى وقالوا فى قول ليلى «٦» : رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبها إلا النعام المنفرا أى رموها بأجسامهم وهى خفاف عليها. ووضع الثوب موضعا آخر فى قول الشاعر: فتلك ثياب إبراهيم فينا ... بواق ما دنسن ولا بلينا

стр. 354

ويقولون: فلان أوسع بنى أبيه ثوبا، أى أكثرهم معروفا، وفلان غمر الرداء، إذا كان كثير المعروف؛ قال كثير: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... علقت لضحكته رقاب المال وكذلك قولهم: فلان رحب الذراع، وفلان دنس الثوب؛ إذا كان غادرا فاجرا، قال الشاعر: ولكننى أنفى عن الذمّ والدى ... وبعضهم للذم فى ثوبه دسم ويقولون: دم فلان فى ثوب فلان، أى هو صاحبه. قال أبو ذؤيب «١» : تبرّأ من دمّ القتيل وبزّه ... وقد علقت دمّ القتيل إزارها هذيل تؤنث الإزار، أى علّقت دم القتيل هى، ورواه أبو عمرو الشيبانى وبزّه، بالرفع، أى وبزه إزارها وقد علقت دمه؛ ويقولون للفرس: إنه لطرب العنان؛ وللبعير: قد سفه جديله، والجديل: الزمام. وقال ذو الرمة «٢» : وأشقر موشىّ القميص نصبته ... على خضر مقلات سفيه جديلها «٣» وفى القرآن: كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ، فمثّل العمل ثم إحباطه بالنّقض بعد الفتل. وكذلك قوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها. وقوله : هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ. وقوله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فمثّل البخيل الممتنع من البذل بالمغلول، لمعنى يجمعهما، وهو أنّ البخيل لا يمدّ يده بالعطية فشبّهه بالمغلول. ويقولون: عركت هذه الكلمة بجنبى، إذا أغضيت عنها،

стр. 355

وفلان قد طوى كشحه عن فلان، إذا ترك مودّته وصحبته. ويقولون: كبا زند العدوّ، وصلف زنده، وأفل نجمه، وذهبت ريحه، وأطفئت جمرته، وأخلف نوءه، وأخلقت جدّته، وانكسرت شوكته، وكلّ حدّه، وانقطع بطانه، وتضعضع ركنه، وضعف عقده، وذلت عضده، وفتّ فى عضده، ورق جانبه، ولانت عريكته، يقال ذلك فيه إذا ولّى أمره؛ تمثيلا وتشبيها. وقال النبى ﷺ : «إيّاكم وخضراء الدمن» ، أراد المرأة الحسناء فى منبت السوء، فأتى بغير اللفظ الموضوع لها تمثيلا. وقال بعضهم: كنا فى رفقة فضللنا الطريق، فاسترشدنا عجوزا فقالت: استبطن الوادى، وكن سيلا حتى تبلغ. وكتب أحمد بن يوسف إلى عبد الله بن طاهر عن المأمون بعزله عن ديار مصر، وتسليم العمل إلى إسحاق بن إبراهيم: أما بعد! فإن أمير المؤمنين قد رأى تولية إسحاق بن إبراهيم ما تتولاه من أعمال المعاون بديار مصر، وإنما هو عملك نقل منك إليك. فسلمه من يدك إلى يدك والسلام. واغتاب رجل رجلا عند سلم بن قتيبة، فقال له سلم: اسكت، فو الله لقد تلمّظت مضغة طالما لفظها الكرام. ومن المنظوم قول طرفة: أبينى، أفى يمنى يديك جعلتنى ... فأفرح أم صيّرتنى فى شمالك أى أبينى منزلتى عندك أوضيعة هى أم رفيعة؛ فذكر اليمين وجعلها بدلا من الرفعة، والشمال وجعلها عوضا من الضّعة. وأخذه الرّمّاح بن ميّادة، فقال «١» : ألم تك فى يمنى يديك جعلتنى ... فلا تجعلنّى بعدها فى شمالكا ولو أنّنى أذنبت ما كنت هالكا ... على خصلة من صالحات خصالكا وقال آخر «٢» : تركت الرّكاب لأربابها ... وأكرهت نفسى على ابن الصّعق

стр. 356

جعلت يدى وشاحا له ... وبعض الفوارس لا تعتنق فقوله: جعلت يدى وشاحا تمثيل. وقول زهير «١» : ومن يعص أطراف الزّجاج فإنه ... يطيع العوالى ركبت كل لهذم «٢» أراد أن يقول: من أبى الصلح رضى بالحرب، فعدل عن لفظه، وأتى بالتمثيل؛ فجعل الزّج للصلح؛ لأنه مستقبل «٣» فى الصلح، والسنان للحرب لأن الحرب به يكون؛ وهذا مثل قولهم: من عصى الصوت أطاع السيف، ومنه قول امرىء القيس «٤» : وما ذرفت عيناك إلّا لتضربى ... بسهميك فى أعشار «٥» قلب مقتّل فقال: بسهميك، وأراد العينين. وقال العباس بن مرداس «٦» : كانوا أمام المؤمنين درّية ... والشمس يومئذ عليهم أشمس أراد تلألؤ البيض فى الشمس، فكأن على كل رأس شمسا، وقال قدامة: من أمثلة هذا الباب قول الشاعر «٧» : أوردتهم وصدور العيس مسنفة «٨» ... والصّبح بالكوكب الدّرىّ منحور وقال: قد أشار إلى الفجر إشارة إلى طريقه بغير لفظه. وليس فى هذا البيت إشارة إلى الفجر، بل قد صرّح بذكر الصبح، وقال: هو منحور بالكوكب الدرّى، أى صار فى نحره، ووضع هذا البيت فى باب الاستعارة أولى منه فى باب المماثلة. مما عيب فى المماثلة ومما عيب من هذا الباب قول أبى تمام: أنت دلو وذو السّماح أبو ... موسى قليب وأنت دلو القليب أيها الدّلو لا عدمتك دلوا ... من جياد الدّلاء صلب الصّليب

стр. 357

الفصل العاشر فى الغلو الغلو الغلو تجاوز حد المعنى والارتفاع فيه إلى غاية لا يكاد يبلغها؛ كقول الله تعالى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ . وقال تأبط شرا «١» : ويوم كيوم العيكتين «٢» وعطفة ... عطفت وقد مسّ القلوب الحناجر وقال الله تعالى: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ، بمعنى لتكاد تزول منه. ويقال إنها فى مصحف ابن مسعود مثبته؛ وقد جاءت فى القرآن مثبتة وغير مثبتة. قال الله تعالى: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ. وقال الشاعر «٣» : يتقارضون إذا التقوا فى موطن ... نظرا يزيل مواطىء الأقدام «٤» وكاد إنما هى للمقاربة، وهى أيضا مع إثباتها توسع؛ لأن القلوب لا تقارب البلوغ إلى الحناجر وأصحابها أحياء. وقوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ، وهذا إنما هو على البعيد؛ ومعناه لا يدخل الجمل فى سمّ الخياط ولا يدخل هؤلاء الجنة. ومثله قول الشاعر «٥» : إذا زال عنكم أسود العين «٦» كنتم ... كراما وأنتم ما أقام ألائم وقول الآخر «٧» : فرجّى الخير وانتظرى إيابى ... إذا ما القارظ العنزىّ آبا

стр. 358

وقال النابغة «١» : فإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب مثال الغلو من النثر ومثال الغلو من النثر قول امرأة من العجم كانت لا تظهر إذا طلعت الشمس فقيل لها فى ذلك، فقالت: أخاف أن تكسفنى. وقال أعرابى: لنا تمرة فطساء جرداء؛ تضع التمرة فى فيك، فتجد حلاوتها فى كعبك. وقيل لأعرابىّ: ما حضر «٢» فرسك؟ قال: يحضر ما وجد أرضا. ووصف أعرابى فرسه، فقال: إن الوابل ليصيب عجزه؛ فلا يبلغ إلى معرفته حتى أبلغ حاجتى. وذمّ أعرابى رجلا، فقال: يكاد يعدى لؤمه من تسمّى باسمه. وكتب بعضهم يصف رجلا، فقال: أما بعد، فإنك قد كتبت تسأل عن فلان، كأنك قد هممت بالقدوم عليه، أو حدّثت نفسك بالوفود إليه، فلا تفعل، فإنّ حسن الظن به لا يقع إلا بخذلان الله تعالى، وإنّ الطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا بسوء التوكل على الله تعالى، والرجاء لما فى يديه لا ينبغى إلا بعد اليأس من رحمة الله تعالى؛ لا يرى إلا أن الإقتار الذى نهى الله عنه هو التبذير الذى يعاقب عليه، والاقتصاد الذى أمر به هو الإسراف الذى يغضب منه، وأن الصنيعة مرفوعة، والصلة موضوعة، والهمة مكروهة، والثقة منسوخة، والتوسع ضلالة، والجود فسوق، والسخاء من همزات الشياطين، وأن مواساة الرجل أخاه من الذنوب الموبقة، وإفضاله عليه إحدى الكبائر المرهقة، وأن الله تعالى لا يغفر أن يؤثر المرء على نفسه، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن آثر على نفسه فقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا؛ كأنه لم يسمع بالمعروف إلا فى الجاهلية الذين قطع الله دابرهم، ومحا معالمهم، ونهى المسلمين عن اتباع آثارهم، وحظر عليهم أن يختاروا مثل اختيارهم، يظنّ أن الرّجفة لم تأخذ أهل مدين إلا لسخاء كان فيهم، ولم تهلك عادا بالريح العقيم

стр. 359

إلا لتوسّع كان فيهم، فهو يخشى العقاب على الإنفاق، ويرجو الثواب على الإمساك، ويعذر نفسه فى العقوق، ويلوى ماله عن الحقوق؛ خيفة أن ينزل به قوارع العالمين. ويأمرها بالبخل خشية أن يصيبه ما أصاب القرون الأولين، فأقم- رحمك الله- على مكانك، واصطبر على عسرتك، عسى الله أن يبدّلنا وإياك خيرا منه زكاة وأقرب رحما. وقالت سكينة بنت الحسين رضى الله عنهما وقد أثقلت ابنتها بالدر: ما ألبستها إياه إلا لتفضحه؛ ونحوه قول الشاعر: جارية أطيب من طيبها ... والطّيب فيه المسك والعنبر ووجهها أحسن من حليها ... والحلى فيه الدرّ والجوهر وقال ابن مطير «١» : مخصّرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها وقيل لأعرابى: فلان يدّعى الفضل على فلان، فقال: والله لئن كان أطول من مسيره ما بلغ فضله، ولو وقع فى ضحضاح معروفه غرق. وقال أعرابى: الناس يأكلون أماناتهم لقما، وفلان يحسوها حسوا، ولو نازعت فيه الخنازير لقضى به لها لقرب شبهه منها، وما ميراثه عن آدم إلا أنه سمى آدميا. وذكر أعرابى رجلا، فقال: كيف يدرك بثاره وفى صدره حشو مرفقة من البلغم، وهو المرء لو دقّ بوجهه الحجارة لرضّها، ولو خلا بالكعبة لسرقها. وأخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا الصولى، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الأزدى قال: حدثنا ابن أبى السرى، عن رزين العروضى، قال: لقيت أبا الحرث جميزا «٢» ومعه غلام لمحمد بن يحيى البرمكى متعلق به، فقلت له: ما لهذا متعلق بك؟ فقال: لأنى دخلت أمس على مولاه وبين يديه خوان من نصف خشخاشة، فتنفست فطار

стр. 360

الخوان فى أنفى فهذا يستعدى علىّ، فقلت له: أما تستحى مما تقول؟ فقال: الطلاق له لازم لو أن عصفورا نقر حبّة من طعام بيدره ما رضى حتى يؤتى بالعصفور مشويا بين رغيفين، والرغيفان من عند العصفور! قلت: قبحك الله! ما أعظم تعدّيك! فقال: علىّ المشى إلى بيت الله الحرام إن لم يكن صعود السماء على سلم من زبد حتى يأخذ بنات نعش أيسر عليه من أن يطعمك رغيفا فى اليوم. [مثال الغلو] من المنظوم ومن المنظوم قول امرىء القيس «١» : من القاصرات الطرف لو دبّ محول ... من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا «٢» وقول الأعشى «٣» : فتى لو ينادى الشمس ألقت قناعها ... أو القمر السارى لألقى المقالدا ينادى: أى يجالس؛ وقول أبى الطمحان «٤» : أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه ومثله «٥» : وجوه لو ان المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلى وقول الآخر: من البيض الوجوه بنى سنان ... لو انك تستضىء بهم أضاءوا وقول النابغة الجعدى «٦» : بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا وقول النّمرى «٧» . تظلّ تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادى

стр. 361

وقول الطّرمّاح: «١» تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت ولو أنّ برغوثا على ظهر قملة ... يكرّ على صفّى تميم لولّت ولو أنّ أم العنكبوت بنت لها ... مظّلتها يوم الندى لاستظلت ولو جمعت يوما تميم جموعها ... على ذرّة معقولة لا ستقلت ولو أن يربوعا يزقّق مسكه ... إذن نهلت منه تميم وعلّت يزقق: أى يجعل منه زقاقا. وقال الآخر: وتبكى السموات إذا ما دعا ... وتستغيث الأرض من سجدته لما اشتهى يوما لحوم القطا ... صرّعها فى الجوّ من نكهته ومثله فى الإفراط قول الخثعمى: يدلى يديه إلى القليب فيستقى ... فى سرجه بدل الرشاء المحصد «٢» وكما أفرطوا فى صفة الطّول كذلك أفرطوا فى صفة القصر؛ قال بعضهم: فأقسم لو خرّت من استك بيضة ... لما انكسرت من قرب بعضك من بعض وقال آخر فى صفة كثير عزة وكان قصيرا: قصير القميص فاحش عند بيته ... يعضّ القراد باسته وهو قائم وقال بعض المحدثين: وقصير لا تعمل الش ... شمس ظلّا لقامته يعثر الناس فى الطرى ... ق به من دمامته وقال أبو عثمان الناجم: ألا يا بيدق الشطرن ... ج فى القيمة والقامة

стр. 362

وقال أبو نواس يصف قدرا: يغصّ بحيزوم الجرادة صدرها ... وينضج ما فيها بعود خلال وتغلى بذكر النار من غير حرّها ... وتنزلها عفوا بغير جعال هى القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ... ربيع اليتامى عام كل هزال وقال آخر فى خلاف ذلك: بقدر كأنّ الليل شحمة قعرها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يقطّع ومن الإفراط قول المؤمل: من رأى مثل حبّتى ... تشبه البدر إذ بدا تدخل اليوم ثم تد ... خل أرادفها غدا ومثله قول الآخر: أنت فى البيت وعرن ... ينك فى الدّار يطوف ومثله: لقد مرّ عبد الله فى السوق راكبا ... له حاجة من أنفه ومطّرق وعنّت له فى جانب السوق مخطة ... توهمت أن السوق منها سيغرق فأقذر به أنفا وأقذر بربّه ... على وجهه منه كنيف معلّق ومثله فى الإفراط قول آخر فى إمام بطىء القراءة: إن قرأ «العاديات» فى رجب ... لم تفن آياتها إلى رجب بل هو لا يستطيع فى سنة ... بختم «تبت يدا أبى لهب» وقال ابن مقبل: يقلقل من ضغم اللجام لهاته ... تقلقل عود المرخ فى الجعبة الصّفر وقال إبراهيم بن العباس «١» : يا أخا لم أر فى الدهر خلّا ... مثله أسرع هجر ووصلا

стр. 363

كنت لى فى صدر يومى صديقا ... فعلى عهدك أمسيت أم لا وقال ابن الرومى: يا ثقيلا على القلوب خفيفا ... فى الموازين دون وزن النقير طر مخيفا أو قع مقيتا فطو ... را كسفاة وتارة كثبير «١» وقبول النفوس إياك عندى ... آية فيك للّطيف الخبير إن قوما أصبحت تنفق فيهم ... لعلى غاية من التسخير ومن الناس من يكره الإفراط الشديد ويعيبه؛ وإذا تحرز المبالغ واستظهر فأورد شرطا، أو جاء- بكاد- وما يجرى مجراها يسلم من العيب؛ وذلك مثل قول الأول «٢» : لو كنت من شىء سوى بشر ... كنت المنوّر ليلة البدر وقول العرجى: لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا ... حيا الحطيم وجوههنّ وزمزم وقول الأسدى: فلو قاتل الموت امرؤ عن حميمه ... لقاتلت جهدى سكرة الموت عن معن فتى لا يقول الموت من وقعة به ... لك ابنك خذه ليس من حاجتى دعنى وقول الآخر: لو كان يخفى على الرّحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد قوم أقام بدار الذلّ أو لهم ... كما أقامت عليه جذمة الوتد وقول البحترى «٣» : ولو أن مشتاقا تكلّف غير ما «٤» ... فى وسعه لسعى إليك المنبر من عيوب الغلو ومن عيوب هذا الباب أن يخرج فيه إلى المحال، ويشوبه بسوء الاستعارة، وقبيح العبارة؛ كقول أبى نواس فى الخمر:

стр. 364

توهمتها فى كأسها فكأنما ... توهمت شيئا ليس يدرك بالعقل وصفراء أبقى الدهر مكنون روحها ... وقد مات من مخبورها جوهر الكل فما يرتقى التكييف منها إلى مدى ... تحدّ به إلّا ومن قبله قبل فجعلها لا تدرك بالعقل وجعلها لا أول لها، وقوله: «جوهر الكل» و «التكييف» فى غاية التكلف، ونهاية التعسف. ومثل هذا من الكلام مردود، لا يشتغل بالاحتجاج عنه له، والتحسين لأمره، وهو بترك التداول أولى؛ إلا على وجه التعجب منه ومن قائله. ومن الغلو الغث قول المتنبى «١» : فتى ألف جزء رأيه فى زمانه ... أقلّ جزىء بعضه الرأى أجمع وقوله «٢» : تتقاصر الأفهام عن إدراكه ... مثل الذى الأفلاك فيه والدّنا سئل عما فيه الأفلاك والدنا، فقال: علم الله؛ ونيته لا تدل عليه؛ فأفرط وعمّى، وجمع دنيا على قول أهل الأدوار والتناسخ.

стр. 365

الفصل الحادى عشر فى المبالغة المبالغة المبالغة أن تبلغ بالمعنى أقصى غاياته، وأبعد نهاياته، ولا تقتصر فى العبارة عنه على أدنى منازله وأقرب مراتبه؛ ومثاله من القرآن قول الله تعالى: يَوْمَ (تَرَوْنَها) تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى . ولو قال: تذهل كل امرأة عن ولدها لكان بيانا حسنا وبلاغة كاملة؛ وإنما خص المرضعة للمبالغة، لأن المرضعة أشفق على ولدها لمعرفتها بحاجته إليها، وأشغف به لقربه منها ولزومها له، لا يفارقها ليلا ولا نهارا، وعلى حسب القرب تكون المحبة والإلف؛ ولهذا قال امرؤ القيس «١» : فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذى تمائم محول لما أراد المبالغة فى وصف محبّة المرأة له، قال: إنى أليتها عن ولدها الذى ترضعه لمعرفته بشغفها به، وشفقتها عليه فى حال إرضاعها إياه. وقوله تعالى: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً ، لو قال يحسبه الرائى لكان جيدا؛ ولكن لما أراد المبالغة ذكر الظمآن؛ لأن حاجته إلى الماء أشد، وهو على الماء أحرص؛ وقد ذكرناه قبل. ومثل ذلك قول دريد بن الصّمة «٢» : متى ما تدع قومك أدع قومى ... وحولى من بنى جشم فئام «٣» فوارس بهمة حشد إذا ما ... بدا حضر الحيّية والحذام «٤» فالمبالغة الشديدة فى قوله: «الحيية» . ومن المبالغة نوع آخر، وهو أن يذكر المتكلم حالا لو وقف عليها أجزأته فى غرضه منها، فيجاوز ذلك حتى يزيد فى المعنى

стр. 366

زيادة تؤكده، ويلحق به لاحقة تؤيده. كقول عمير بن الأهتم التغلبى «١» : ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا فإكرامهم الجار ما دام فيهم مكرمة، وإتباعهم إياه الكرامة حيث مال من المبالغة. وقول الحكم الخضرى «٢» : وأقبح من قرد وأبخل بالقرى ... من الكلب أمسى وهو غرثان أعجف فالكلب بخيل على ما ظفر به، وهو أشد بخلا إذا كان جائعا أعجف. ومن هاهنا أخذ حماد عجرد قوله فى بشار «٣» : ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمى القرد وقول رواس بن تميم «٤» : وإنّا لنعطى النّصف منّا وإننا ... لنأخذه من كل أبلخ «٥» ظالم المبالغة فى قوله: «أبلخ» . وقول أوس بن غلفاء الهجيمى «٦» : وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرا، وأشرد من نعام فقوله: «رأت صقرا» من المبالغة. وكتبت فى فصل إلى بعض أهل الأدب: قربك أحبّ إلىّ من الحياة فى ظل اليسر والسعة، ومن طول البقاء فى كنف الخفض والدّعة، ومن إقبال الحبيب مع إدبار الرقيب، ومن شمول الخصب بعد عموم الجدب، وأقرّ لعينى من الظّفر بالبغية بعد إشرافى على الخيبة، وأسرّ لنفسى من الأمن بعد الخوف، والإنصاف بعد الحيف. وأسأل الله أن يطيل بقاءك، ويديم نعماءك، ويرزقنى عدلك ووفاءك، ويكفينى نبوّك وجفاءك.

стр. 367

فقولى: «الحياة فى ظل اليسر والسعة» . و «البقاء فى كنف الخفض والدعة» . وقولى: «إقبال الحبيب مع إدبار الرقيب» وقولى: «الخصب بعد عموم الجدب» ، وما بعده إلى آخر الفصول مبالغات. من عيوب المبالغة ومن عيوب هذا الباب قول بعض المتأخرين «١» : فلا غيضت بحارك يا جموما ... على علل الغرائب والدّخال «٢» أراد أن يقول: إنك كثير الجود على كثرة سؤالك فلا نقصت؛ فعبر عنه بهذه العبارة الغثّة، والجموم: البئر الكثيرة الماء؛ وقوله «٣» : ليس قولى فى شمس فعلك كالشم ... س ولكن فى الشّمس كالإشراق على أن حقيقة معنى هذا البيت لا يوقف عليها. ومن ردىء المبالغة قول أبى تمام «٤» : ما زال يهذى بالمكارم والعلا ... حتى ظننّا أنه محموم أراد أن يبالغ فى ذكر الممدوح باللهج بذكر الجود، فقال: «ما زال يهذى» فجاء بلفظ مذموم، والجيد فى معناه قول الآخر: ما كان يعطى مثلها فى مثله ... إلا كريم الخيم أو مجنون قسم قسمين: ممدوحا ومذموما، ليخرج الممدوح من المذموم إلى الممدوح المحمود. ومن جيد المبالغة قول عمرو بن حاتم: خليلىّ أمسى حبّ خرقاء قاتلى ... ففى الحبّ منى وقدة وصدوع ولو جاورتنا العام خرقاء لم نبل ... على جدبنا ألّا يصوب ربيع قوله: «على جدبنا» مبالغة جيدة.

стр. 368

الفصل الثّانى عشر فى الكناية والتعريض الكناية والتعريض وهو أن يكنى عن الشىء ويعرّض به ولا يصرح، على حسب ما عملوا باللّحن والتّورية عن الشىء. كما فعل العنبرى إذ بعث إلى قومه بصرّة شوك وصرّة رمل وحنظلة، يريد: جاءتكم بنو حنظلة فى عدد كثير ككثرة الرمل والشوك. وفى كتاب الله تعالى : أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ، فالغائط كناية عن الحاجة، وملامسة النساء كناية عن الجماع. وقوله تعالى: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ كناية عن النّساء. ومن مليح ما جاء فى هذا الباب قول أبى العيناء، وقيل له: ما تقول فى ابنى وهب؟ قال: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ سليمان أفضل، قيل: وكيف؟ قال: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. من التعريض الجيد ومن التعريض الجيد ما كتب به عمرو بن مسعدة إلى المأمون: أما بعد، فقد استشفع بى فلان إلى أمير المؤمنين، ليتطوّل عليه فى إلحاقه بنظرائه من المرتزقين فيما يرتزقون، فأعلمته أنّ أمير المؤمنين لم يجعلنى فى مراتب المستشفع بهم، وفى ابتدائه بذلك تعدّى طاعته والسلام. فوقع فى كتابه: قد عرفنا تصريحك له، وتعريضك بنفسك، وأجبناك إليهما، وأوقفناك عليهما. ومن المنظوم قول بشّار: وإذا ما التقى ابن نهيا وبكر ... زاد فى ذا شبر وفى ذاك شبر أراد أنهما يتبادلان، وقال آخر فى ابن حجام: أبوك أب مازال للناس موجعا ... لأعناقهم نقرا كما ينقر الصّقر

стр. 369

إذا عوّج الكتّاب يوما سطورهم ... فليس بمعوجّ له أبدا سطر وقال بعض المتقدمين: وقد جعل الوسمىّ ينبت بيننا ... وبين بنى دودان نبعا وشوحطا النّبع والشّوحط، كأنه كنّى بهما عن القسى والسهام؛ ومثله قول الآخر: وفى البقل ما لم يدفع الله شرّه ... شياطين ينزو بعضهنّ على بعض وقول رؤبة: يابن هشام أهلك النّاس اللبن ... فكلّهم يعدو بقوس وقرن وهذه كنايات عن القتال والوقائع بينهم أيام الربيع، وهو وقت الغزو عندهم. وكتب كافى الكفاة: إن فلانا طرق بيته وهو الخيف؛ لا خوف على من دخله، ولا يد على من نزله، فصادف فتيانا يعاطون كريمته الكؤوس تارة، والفؤوس مرة، فمن ذى معول يهدم، ومن ذى مغول «١» يثلم. فبائع الرقيق يكتب من بينهم بالغليظ، فوثبت العفيفة خفيفة ذفيفة «٢» ، تحكم يمناها فى أخادعه، وتتقى بيسراها وقع أصابعه، والحاضرون يحرّضونها على القتال، ويدعونها إلى النزال، والشيخ يناديهم: تجمعتم من كل أوب وبلدة ... على واحد لازلتم قرن واحد ثم علم أن الحرب خدعة، ولكل امرىء فرصة، فتلقّاها بالأثافى طلاقا بتّا وفراقا بتلا. وأخذ ينشد: إنى أبىّ أبىّ ذو محافظة ... وابن أبىّ أبىّ من أبيين «٣» ولكن بعد ماذا، بعد ما ضمّوا الخصر، وأموا الحصر، وأدمنوا العصر، وافتتحوا القصر. (٢٤- الصناعتين)

стр. 370

وكان ما كان مما لست أذكره ... فظنّ شرّا ولا تسأل عن الخبر فأكثر هذا الكلام كنايات. مما عيب من الكناية ومما عيب من هذا الباب ما أخبرنا به أبو أحمد، قال: قال أبو الحسن بن طباطبا الأصبهانى يصف غلاما: منعّم الجسم يحكى الماء رقته ... وقلبه قسوة يحكى أبا أوس أى قلبه حجر، أراد والد أوس بن حجر، فأبعد التناول. فكتب إليه أبو مسلم قال: وأنشدنيها أبو مسلم، ولم ينسبها إلى نفسه: أبا حسن حاولت إيراد قافية ... مصلّبة المعنى فجاءتك واهيه وقلت أبا أوس تريد كناية ... عن الحجر القاسى فأوردت داهيه فإن جاز هذا فاكسرن غير صاغر ... فمى بأبى القرم الهمام معاويه وإلا أقمنا بيننا لك جدّه ... فتصبح ممنونا بصفّين ثانيه أراد: فاكسرن فمى بصخر، وإلا أقمنا بيننا لك حربا وهو جد معاوية؛ وقال أبو نواس فى جلد عميرة: إذا أنت أنكحت الكريمة كفئها ... فانكح حسينا راحة بنت ساعد وقل بالرّفا ما نلت من وصل حرّة ... لها راحة حفّت بخمس ولائد ومن شنيع الكناية، قول بعض المتأخرين «١» : إنى على شغفى بما فى خمرها «٢» ... لأعفّ عما فى سراويلاتها وسمعت بعض الشيوخ يقول: الفجور أحسن من عفاف يعبّر عنه بهذا اللفظ. قال: وقريب من ذلك قول الآخر: وما نلت منها محرما غير أننى ... إذا هى بالت بلت حيث تبول

стр. 371

الفصل الثّالث عشر فى العكس العكس العكس: أن تعكس الكلام فتجعل فى الجزء الأخير منه ما جعلته فى الجزء الأول، وبعضهم يسميّه التبديل؛ وهو مثل قول الله : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ. وقوله تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ. وكقول القائل: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك. وقول الآخر: اللهم أغننى بالفقر إليك، ولا تفقرنى بالاستغناء عنك. وقول بعض النساء لولدها: رزقك الله حظّا يخدمك به ذوو العقول، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوى الحظوظ. وقال بعضهم لرجل كان يتعهده: أسأل الله الّذى رحمنى بك، أن يرحمك بى. وقال بعض القدماء: ما أقلّ منفعة المعرفة مع غلبة الشهوة! وما أكثر قلة المعرفة مع ملك النفس! وقال بعضهم: كن من احتيالك على عدوك، أخوف من احتيال عدوك عليك. وقال آخر: ليس معى من فضيلة العلم إلا أنى أعلم أنى لا أعلم. وفى معناه قول الشاعر: جهلت ولم تعلم بأنك جاهل ... فمن لى بأن تدرى بأنّك لا تدرى وعزّى رجل أخاه على ولد، فقال: عوّضك الله منه ما عوّضه منك- يعنى الجنّة. وقال بعضهم: إنى أكره للرّجل أن يكون مقدار لسانه فاضلا عن مقدار علمه، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا عن مقدار لسانه. وقال عمر بن الخطاب رضوان الله عنه: إذا أنا لم أعلم ما لم أر فلا علمت ما رأيت. وقيل للحسن بن سهل- وكان يكثر العطاء: ليس فى السّرف خير، فقال: ليس فى الخير سرف.

стр. 372

فعكس اللفظ واستوفى المعنى. مثاله من المنظوم وقال بعضهم؛ كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه. ومثاله من المنظوم قول عدى بن الرقاع «١» : ولقد ثنيت يد الفتاة وسادة ... لى جاعلا إحدى يدىّ وسادها وقال بعض المحدثين: لسانى كتوم لأسراركم ... ودمعى نموم لسرى مذيع فلولا دموعى كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لى دموع وقال آخر: تلك الثنايا من عقدها نظمت ... أو نظّم العقد من ثناياها والعكس أيضا من وجه آخر؛ وهو أن يذكر المعنى ثم يعكسه إيراد خلاف؛ كقول الصاحب: وتسمى شمس المعالى وهو كسوفها

стр. 373

الفصل الرابع عشر فى التذييل موقع التذييل فى الكلام وللتذييل فى الكلام موقع جليل، ومكان شريف خطير؛ لأن المعنى يزداد به انشراحا والمقصد اتضاحا. وقال بعض البلغاء: للبلاغة ثلاثة مواضع؛ الإشارة، والتذييل، والمساواة. وقد شرحنا الإشارة والمساواة فيما تقدم؛ فأما التذييل التذييل فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى بعينه، حتى يظهر لمن لم يفهمه، ويتوكد عند من فهمه، وهو ضدّ الإشارة والتعريض؛ وينبغى أن يستعمل فى المواطن الجامعة، والمواقف الحافلة؛ لأن تلك المواطن تجمع البطىء الفهم، والبعيد الذهن، والثاقب القريحة، والجيد الخاطر، فإذا تكررت الألفاظ على المعنى الواحد توكد عند الذهن اللقن، وصح للكليل البليد. مثاله من القرآن ومثاله من القرآن قول الله : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ؛ ومعناه وهل يجازى بمثل هذا الجزاء إلا الكفور. وقوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. وإن كل نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ جميعا تذييل. [مثاله] من النثر ومثاله من النثر قول بعضهم: قبول السّعاية شر من السعاية؛ لأنّ السعاية إخبار ودلالة، والقبول إنفاذ وإجازة، وهل الدّال المخبر، مثل المجيز المنفذ، فإذا كان كذلك فالحزم أن يمقت الساعى على سعايته إن كان صادقا للؤمه فى هتك العورة، وإضاعة الحرمة، وأن يجمع له إلى المقت العقوبة إن كان كاذبا، لجمعه على إضاعة الحرمة، وهتك العورة ومبارزة الرحمن بقول الزّور واختلاق البهتان. فقوله: «وهل الدال المخبر مثل المجيز المنفذ» تذييل ما تقدم من الكلام.

стр. 374

وكتب رجل إلى أخ له: أما بعد، فقد أصبح لنا من فضل الله تعالى ما لا نحصيه، ولسنا نستحى من كثرة ما نعصيه، وقد أعيانا شكره، وأعجزنا حمده، فما ندرى ما نشكر: أجميل ما نشر، أم قبيح ما ستر، أم عظيم ما أبلى، أم كثير ما عفا، فاستزد الله من حسن بلائه بشكره على جميع آلائه. فقوله: «فما ندرى ما نشكر» تذييل لقوله «قد أعيانا شكره» . وكتب سليمان بن وهب لبعضهم: بلغنى حسن محضرك، فغير بديع من فضلك، ولا غريب عندى من برّك؛ بل قليل اتّصل بكثير، وصغير لحق بكبير؛ حتى اجتمع فى قلب قد وطّن لموتك، وعنق قد ذلّلت لطاعتك، ونفس قد طبعت على مرضاتك؛ وليس أكثر سؤلها، وأعظم إربها، إلا طول مدتك، وبقاء نعمتك، قوله: «فغير بديع من فضلك ولا غريب عندى من برك» تذييل لقوله: «بل قليل اتصل بكثير، وصغير لحق بكبير» فأكد ما تقدم. [مثاله] من المنظوم ومن المنظوم قول الحطيئة «١» : قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يقيس «٢» بأنف الناقة الذنبا فاستوفى المعنى فى النّصف الأول، وذيّل بالنصف الثانى. وقول الآخر: فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل وقول طرفة «٣» : لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطّول المرخى وثنياه باليد «٤» فالنصف الآخر تشبيه وتذييل. وقول أبى نواس: عرم الزمان على الذين عهدتهم ... بك قاطنين وللزمن عرام «٥» قوله: «وللزمان عرام» تذييل.

стр. 375

الفصل الخامس عشر فى الترصيع التصريع [و] مثاله وهو أن يكون حشو البيت مسجوعا، وأصله من قولهم: رصّعت العقد، إذا فصّلته. ومثاله قول امرىء القيس «١» : سليم الشّظى عبل الشّوى شنج النّسا ... له حجبات مشرفات على الفال «٢» وقوله «٣» : وأوتاده ماذيّة وعماده ... ردينية فيها أسنّة قعضب «٤» وقوله «٥» : فتور القيام قطيع الكلا ... م تفترّ عن ذى غروب خصر وضرب منه قوله «٦» : مخشّ مجش مقبل مدبر معا ... كتيس ظباء الحلّب العدوان «٧» وضرب منه، قوله «٨» فى صفة الكلب: ألصّ الضّروس حبىّ الضّلوع ... تبوع طلوب نشيط أشر «٩» فقوله: «الضّروس مع الضلوع» ، سجع؛ وإن لم يكن القاطع على حرف واحد؛ وقد أحكمنا هذا فى السجع والازدواج.

стр. 376

وقال زهير «١» : كبداء مقبلة عجزاء مدبرة ... قوداء فيها إذا استعرضتها خضع «٢» وقال أوس «٣» : جشّا حناجرها علما مشافرها ... تستنّ أولادها فى قرقر ضاحى «٤» وقال طرفة «٥» : بطىء عن الجلّى سريع إلى الخنا ... ذلول بأجماع الرجال ملهّد «٦» وقال النمرى «٧» : من صوب سارية علّت بغادية ... تنهلّ حتى يكاد الصبح ينجاب وقال تأبط شرا «٨» : بل من لعذّالة خذّالة أشب ... حرّقت باللّوم جلدى أى تحراق «٩» وقال أيضا «١٠» : حمال ألوية شهاد أنديه ... هبّاط أودية جوّال آفاق وقال النمر «١١» : طويل الذّراع قصير الكراع ... يواشك بالسّبسب الأغبر وقال الأفوه الأودى «١٢» : سود غدائرها بلج محاجرها ... كأن أطرافها لمّا اجتلى الطّنف «١٣»

стр. 377

وقال العجير «١» : حمّ الذرى مرسلة منها العرى وقال سليك «٢» : إذا أسهلت خبّت وإن أحزنت مشت وقال بشامة بن الغدير «٣» : هوان الحياة وخزى الممات ... وكلّا أراه طعاما وبيلا وقال الراعى «٤» : سود معاصمها خضر معاقمها ... قد مسّها من عقيد القار تنصيل «٥» وقالت ليلى الأخيلية «٦» : وقد كان مرهوب السنان وبيّن ال ... لسان ومجذام السّرى غير فاتر وقال ذو الرمة: كحلاء فى برج صفراء فى نعج «٧» ... كأنها فضة قد مسها ذهب وقال عامر بن الطفيل: إنى وإن كنت ابن فارس عامر ... وفى السرّ منها والصريح المهذّب فما سوّدتنى عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب ولكنّنى أحمى حماها وأتقى ... أذاها وأرمى من رماها بمقنب المقنب: جماعة الخيل. كثرته ومثل هذا إذا اتفق فى موضع من القصيدة أو موضعين كان حسنا، فإذا كثر وتوالى دلّ على التكلّف؛ وقد ارتكب قوم من القدماء الموالاة بين أبيات كثيرة

стр. 378

من هذا الجنس فظهر فيها أثر التكلّف، وبان عليها سمة التعسف، وسلم بعضها ولم يسلم بعض؛ فمن ذلك ما روى أنه للخنساء: حامى الحقيقة محمود الخليقة مه ... دىّ الطريقة نفاع وضرّار هذا البيت جيد؛ ثم قالت: فعّال سامية ورّاد طامية ... للمجد نامية تعنيه أسفار هذا البيت ردىء لتبرىء بعض ألفاظه من بعض؛ ثم قالت: جواب قاصية جزّاز ناصية ... عقّاد ألوية للخيل جرّار آخر هذا البيت لا يجرى مع ما قبله، وإذا قسته بأوله وجدته فاترا باردا؛ ثم قالت: حلو حلاوته فصل مقالته ... فاش حمالته للعظم جبّار وهذا مثل ما قبله؛ وقول أبى صخر الهذلى «١» : وتلك هيكلة خود مبتّلة «٢» ... صفراء رعبلة فى منصب سنم هذا البيت صالح؛ وبعده: عذب مقبّلها جذل مخلخلها ... كالدّعص «٣» أسفلها مخصورة القدم كأن قوله: «مخصورة القدم» ناب عن موضعه غير واقع فى موقعه؛ وبعده: سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت على الكرم وهذا البيت أيضا قلق القافية؛ وبعده: سمح خلائقها درم مرافقها ... يروى معانقها من بارد شبم هذا البيت ردىء لبعد ما بين الخلائق، والمرافق، وما بين الدّرم، والسمح؛ ولولا أن السجع اضطره لما قال: سمح وليس لعظم مرفقها حجم «٤» . وهذا مثل قول القائل لو قال: خلق فلان حسن وشعره جعد «٥» . ليس هذا من تأليف

стр. 379

البلغاء ونظم الفصحاء. وقول أبى المثلم «١» : آبى الهضيمة ناء بالعظيمة مت ... لاف الكريمة جلد غير ثنيان «٢» حامى الحقيقة نسّال الوديقة مع ... تاق الوسيقة لا نكس ولاوان «٣» البيت الثانى أجود من الأول؛ وقوله: ربّاء مرقبة منّاع مغلبة ... وهاب سلهبة قطاع أقران «٤» وهذا البيت أيضا صالح؛ وبعده: هبّاط أودية حمّال ألوية ... شهاد أندية سرحان فتيان «٥» قوله: سرحان فتيان ناب قلق؛ وبعده: يعطيك ما لا تكاد النفس ترسله ... من التلاد وهوب غير منّان التارك القرن مصفرّا أنامله ... كأن فى ريطتيه نضح إرقان «٦» هذا البيت جيّد وقد سلم من سائر العيوب إذ لم يتكلّف فيه السجع ولم يتوخ الموازنة. من جيد الترصيع ومن جيد الباب قول ابن الرومى: حوراء فى وطف قنواء فى ذلف ... لفّاء فى هيف عجزاء فى قبب «٧» من معيبه ومن معيب هذا الباب أيضا قول بعض المتأخرين «٨» : عجب الوشاة من اللّحاة وقولهم ... دع ما نراك ضعفت عن إخفائه هذا ردىء لتعمية معناه.

стр. 380

الفصل السّادس عشر فى الإيغال الإيغال وهو أن يستوفى معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه؛ ثم يأتى بالمقطع فيزيد معنى آخر يزيد به وضوحا وشرحا وتوكيدا وحسنا، وأصل الكلمة من قولهم: أوغل فى الأمر إذا أبعد الذهاب فيه. وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الصولى عن المبرّد عن التّوّزى، قال: قلت للأصمعى: من أشعر الناس؟ فقال: من يأتى بالمعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا، أو الكبير فيجعله بلفظه خسيسا، أو ينقضى كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى. قال: قلت: نحو من؟ قال: قول ذى الرّمة حيث يقول «١» : قف العيس فى أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرّداء المسلسل فتم كلامه «بالرداء» قبل المسلسل، ثم قال «المسلسل» ؛ فزاد شيئا بالمسلسل. ثم قال: أظن الذى يجدى عليك سؤالها ... دموعا كتبذير الجمان المفصّل فتم كلامه، بالجمان، ثم قال: المفصل، فزاد شيئا. قلت: ونحو من؟ قال: الأعشى حيث يقول «٢» : كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل فتم كلامه «بيضرها، فلما احتاج إلى القافية قال: وأوهى قرنه الوعل؛ فزاد معنى. قلت: وكيف صار الوعل مفضّلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحطّ من قلة الجبل على قرنيه فلا يضيره. وكتب بعض الكتاب: نبوّ الطرف من الوزير دليل على تغير الحال عنده،

стр. 381

ولا صبر على الجفاء ممّن عود الله منه البرّ، وقد استدللت بإزالة الوزير إياى عن المحل الذى كان يحلنيه بتطوّله على ما سؤت له ظنا بنفسى، وما أخاف عتبا لأنى لم أجن ذنبا، فإن رأى الوزير أن يقوّمنى لنفسى، ويدلّنى على ما يراد منى فعل. تم كلامه عند قوله له «يقومنى» ثم جاء بالمقطع وهو قوله: «لنفسى» فزاد معنى. وممن زاد توكيدا امرؤ القيس حيث يقول «١» : كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذى لم يثقّب قوله: «لم يثقب» يزيد التشبيه توكيدا؛ لأن عيون الوحش غير مثقبة. وزهير حيث يقول «٢» : كأنّ فتات العهن «٣» فى كلّ منزل ... نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم القنا إذا كسر ابيض. والفنا: شجر الثعلب «٤» . ومن الزيادة قول امرىء القيس «٥» : إذا ما جرى شأوين وابتلّ عطفه ... تقول هزيز الريح مرّت بأثأب «٦» فالتشبيه قد تم عند قوله «هزيز الريح» وزاد بقوله «مرت بأثأب» : لأنه أخبر به عن شدة حفيف الفرس، وللريح فى أغصان الأثاب حفيف شديد. والأثأب: شجر. وقول أبى نواس: ذاك الوزير الذى طالت علاوته ... كأنه ناظر فى السّيف بالطّول فقوله «بالطول» أنفى للشبهة. وقول راشد الكاتب: كأنه ويد الحسناء تغمزه ... سير الإداوة لما مسّه البلل فقوله: «لما مسه البلل» تأكيد، ويدخل أكثر هذا الباب فى التتميم؛ وإنما يسمى إيغالا إذا وقع فى الفواصل والمقاطع.

стр. 382

الفصل السّابع عشر فى التوشيح التوشيح سمى هذا النوع التوشيح، وهذه التسمية غير لازمة بهذا المعنى، ولو سمى تبيينا لكان أقرب، وهو أن يكون مبتدأ الكلام ينبىء عن مقطعه؛ وأوله يخبر بآخره، وصدره يشهد بعجزه، حتى لو سمعت شعرا، أو عرفت رواية؛ ثم سمعت صدر بيت منه وقفت على عجزه قبل بلوغ السماع إليه؛ وخير الشّعر ما تسابق صدوره وأعجازه، ومعانيه وألفاظه؛ فتراه سلسا فى النظام، جاريا على اللسان، لا يتنافى ولا يتنافر؛ كأنه سبيكة مفرغة، أو وشى منمنم، أو عقد منظم من جوهر متشاكل، متمكّن القوافى غير قلقة، وثابتة غير مرجة، ألفاظه متطابقة، وقوافيه متوافقة، ومعانيه متعادلة، كلّ شىء منه موضوع فى موضعه، وواقع فى موقعه؛ فإذا نقض بناؤه، وحلّ نظامه، وجعل نثرا؛ لم يذهب حسنه، ولم تبطل جودته فى معناه ولفظه؛ فيصلح نقضه لبناء مستأنف، وجوهره لنظام مستقبل. أمثلة من القرآن فمما فى كتاب الله من هذا النوع قوله تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ؛ فإذا وقفت على قوله تعالى: «فيما» ، عرف فيه السامع أن بعده «يختلفون» ، لما تقدم من الدلالة عليه. وهكذا قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ذا وقف على «يكتبون» ، عرف أن بعده «ما يمكرون» ، لما تقدم من ذكر المكر. وضرب منه آخر، وهو أن يعرف السامع مقطع الكلام، وإن لم يجد ذكره فيما تقدم؛ وهو كقوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ، فإذا وقف على قوله: «لننظر» مع ما تقدم من قوله تعالى: «جعلناكم خلائف فى الأرض» ، علم أن بعده: «تعملون» ، لأن المعنى يقتضيه.

стр. 383

ومن الضرب الأول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. وهكذا قوله تعالى: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ؛ إذا وقف على «أوهن البيوت» ، يعرف أن بعده «بيت العنكبوت» . أمثلة من الشعر ومن أمثلة ذلك قول الراعى «١» : وإن وزن الحصى فوزنت قومى ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا إذا سمع الإنسان أول هذا البيت وقد تقدمت عنده قافية القصيدة استخرج لفظ قافيته؛ لأنه عرف أن قوله «وزن الحصى» سيأتى بعده «رزين» لعلتين: إحداهما أن قافية القصيدة توحيه؛ والأخرى أن نظام البيت يقتضيه؛ لأن الذى يفاخر برجاحة الحصى ينبغى أن يصفه بالرزانة. وقول نصيب: وقد أيقنت أن ستبين ليلى ... وتحجب عنك لو نفع اليقين وأنشد أبو أحمد قول مضرس بن ربعى: تمنيت أن ألقى سليما ومالكا ... على ساعة تنسى الحليم الأمانيا ومن عجيب هذا الباب قول البحترى «٢» : فليس الّذى حلّلته بمحلّل ... وليس الذى حرّمته بحرام وذلك أن من سمع النصف الأول عرف الأخير بكماله؛ ونحوه قول الآخر: فأما الذى يحصيهم فمكثّر ... وأما الذى يطريهم فمقلّل وقول الآخر: هى الدرّ منثورا إذا ما تكلمت ... وكالدرّ منظوما إذا لم تكلّم وقول الآخر: ضعائف يقتلن الرجال بلا دم ... ويا عجبا للقاتلات الضعائف

стр. 384

وقول الآخر: وقد لان أيام الحمى ثم لم يكد ... من العيش شىء بعد ذاك يلين يقولون ما أبلاك والمال عامر ... عليك وضاحى الجلد منك كنين فقلت لهم: لا تعذلونى وانظروا ... إلى النازع المقصور كيف يكون إذا قلت: «ضاحى الجلد منك» ، فليس شىء سوى «الكنين» ؛ وكذا إذا قلت: «إلى النازع المقصور كيف» ، فليس شىء سوى «يكون» . مما عيب منه ومما عيب من هذا الضرب قول أبى تمام «١» : صارت المكرمات بزلا وكانت ... أدخلت بينها بنات مخاض «٢» وقول بعض المتأخرين «٣» : فقلقلت بالهمّ الذى قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلّهنّ قلاقل وإنما أخذه من قول أبى تمام «٤» فأفسده: طلبتك من نسل الجديل وشدقم ... كوم عقائل من عقائل كوم «٥»

стр. 385

الفصل الثّامن عشر فى رد الأعجاز على الصدور فأول ما ينبغى أن تعلمه أنك إذا قدمت ألفاظا تقتضى جوابا فالمرضىّ أن تأتى بتلك الألفاظ بالجواب، ولا تنتقل عنها إلى غيرها مما هو فى معناها، كقول الله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . وكتب بعض الكتاب فى خلاف ذلك: من اقترف ذنبا عامدا، أو اكتسب جرما قاصدا لزمه ما جناه، وحاق به ما توخّاه. والأحسن أن يقول: لزمه ما اقترف، وحاق به ما اكتسب. وهذا يدلك على أن لردّ الأعجاز على الصدور موقعا جليلا من البلاغة، وله فى المنظوم خاصة محلا خطيرا. اقسامه وهو ينقسم أقساما؛ منها ما يوافق آخر كلمة فى البيت آخر كلمة فى النصف الأول؛ مثل قول الأول: تلقى إذا ما الأمر كان عرمرما ... فى جيش رأى لا يفلّ عرمرم وقال عنترة «١» : فأجبتها إنّ المنية منهل ... لابد أن أسقى بذاك المنهل وقال جرير «٢» : زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع وقال المخبل: وينفس فيما أورثتنى أوائلى ... ويرغب عما أورثته أوائله (٢٥- الصناعتين)

стр. 386

ومنها ما يوافق أول كلمة منها آخر كلمة فى النصف الأخير، كقول الشاعر «١» : سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعى الوغى «٢» بسريع وقول ابن الأسلت: أسعى على جلّ بنى مالك ... كلّ امرىء فى شأنه ساع ومنه ما يكون فى حشو الكلام فى فاصلته، كقول الله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا . وقوله تعالى: (قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى . وكقول امرىء القيس» : إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شىء سواه بخزّان وقول الآخر: كذلك خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم وقول زهير «٤» : ولأنت تفرى ما خلقت «٥» وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى وقال جرير «٦» : سقى الرمل جون مستهلّ ربابه ... وما ذاك إلّا حبّ من حلّ بالرمل «٧» أخذه من قول النّمرىّ: لعمرك ما أسقى البلاد لحبها ... ولكنما أسقيك حار بن تولب وقول ابن مقبل: ياحرّ من يعتذر من أن يلمّ به ... ريب المنون فإنى لست أعتذر

стр. 387

وقول الحطيئة «١» : إذا نزل الشتاء بدار قوم ... تجنّب جار بيتهم الشتاء وقول الآخر: رأت نضو أسفار أميمة واقفا ... على نضو أسفار فجنّ جنونها وقول عمرو بن معديكرب «٢» : إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع وقول الآخر: أصدّ بأيدى العيس عن قصد دارها ... وقلبى إليها بالمودّة قاصد ومن الضرب الأول قول زهير «٣» : الستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر وقول الحطيئة «٤» : تدرّون إن شدّ العصاب عليكم ... ونأبى إذا شدّ العصاب فلا ندر وقول أبى تمام «٥» : أسائله ما باله حكم البلى ... عليه وإلا فاتر كونى أسائله وقوله: تجشّم حمل الفادحات وقلّما ... أقيمت صدور المجد إلّا تجشّما وقول الآخر: مفيد إن تزره وأنت مقو ... تكن من فضل نعمته مفيدا وقول الآخر «٦» : واستبدت مرّة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد

стр. 388

ومنها ما يقع فى حشو النصفين؛ كقول النمر: يودّ الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السّلامة تفعل وقلت: ألا لا يذم الدهر من كان عاجزا ... ولا يعدل الأقدار من كان وانيا فمن لم تبلّغه المعالى نفسه ... فغير جدير أن ينال المعاليا وقفت على يحيى رجائى وإنما ... وقفت على صوب الربيع رجائيا إذا ما الليالى أدركت ما سعت له ... تمطيت جدواه ففتّ اللياليا من العيوب ومما عيب من هذا الباب قول ذى نواس البجلى: يتيّمنى برق المباسم بالضّحى ... ولا بارق إلّا الكريم يتيّمه وقال منصور بن الفرج: زرناك شوقا ولو أن النوى نشرت ... بسط النوى بيننا بعدا لزرناك وهذا أيضا داخل فى سوء الاستعارة، وقوله أيضا: إذا احتجب الغيث احتبى فى نديّه ... فيضرب أغياثا له أن تحجّبا وهذا البيت على غاية الغثاثة.

стр. 389

الفصل التّاسع عشر فى التتميم والتكميل التتميم والتكميل وهو أن توفى المعنى حظه من الجودة، وتعطيه نصيبه من الصحة؛ ثم لا تغادر معنى يكون فيه تمامه إلا تورده، أو لفظا يكون فيه توكيده إلا تذكره؛ مثاله كقول الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ، فبقوله تعالى: «وهو مؤمن» تمّ المعنى. ونحو قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ، فبقوله تعالى: «استقاموا» تم المعنى أيضا؛ وقد دخل تحته جميع الطاعات، فهو من جوامع الكلم. ونحو قوله تعالى: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ. ومن النثر قول أعرابية لرجل: كبت الله كلّ عدو لك إلا نفسك. فبقولها: «نفسك» تم الدعاء؛ لأن نفس الإنسان تجرى مجرى العدو له، يعنى إنها تورطه وتدعوه إلى ما يوبقه. ومثله قوله الآخر: احرس أخاك إلا من نفسه. وقريب منه قول الآخر: من لك بأخيك كله. ومن المنظوم قول عمرو بن براق: فلا تأمننّ الدهر حرّا ظلمته ... فما ليل مظلوم كريم بنائم فقوله: «كريم» تتميم؛ لأن اللئيم يغضى على العار، وينام على الثار، ولا يكون منه دون المظالم تكبر. وقول عمرو بن الأيهم: بها نلنا الغرائب من سوانا ... وأحرزنا الغرائب أن تنالا فالذى أكمل جودة المعنى قوله: «وأحرزنا الغرائب أن تنالا» . وقول الآخر «١» : رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عادوا بالسيوف القواضب

стр. 390

وقول طرفة «١» : فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى فقوله: «غير مفسدها» إتمام المعنى، وتحرز من الوقوع فيما وقع فيه ذو الرمة فى قوله «٢» : ألا يا سلمى يا دار مىّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر فهذا بالدعاء عليها أشبه منه بالدعاء لها؛ لأن القطر إذا انهل فيها دائما فسدت؛ ومن العجب أن ذا الرّمة كان يستحسن قول الأعرابية- وقد سألها عن الغيث، فقالت: «غيثا ماشئنا» ، وهو يقول خلاف ما يستحسن. ومن التتميم قول الراعى: لا خير فى طول الإقامة لامرىء ... إلّا إذا ما لم يجد متحوّلا ونحوه قول الآخر: إذا كنت فى دار يهينك أهلها ... ولم تك مكبولا بها فتحوّل وقول الآخر: ومقام العزيز فى بلد الذّلّ ... إذا أمكن الرحيل محال فقوله: «إذا أمكن الرحيل» تتميم؛ وقول النّمر: لقد أصبح البيض الغوانى كأنما ... يرين إذا ما كنت فيهنّ أجربا وكنت إذا لاقيتهنّ ببلدة ... يقلن على النّكراء أهلا ومرحبا فقوله: «على النكراء» تتميم؛ ولو كانت بينه وبينهن معرفة لم ينكر له منهن أهل ومرحب. وقول الآخر: وهل علمت بيتنا إلّا وله ... شربة من غيره وأكله فقوله: «من غيره» تتميم؛ لأن لكل بيت شربة وأكلة من أهله.
следующие страницы →