← Баляга

Баляга · id 23788

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المؤيد العلوي

Полный текст (682 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

من رآه توهم أنه هو الملك، لكنت قد أعرته الملك، لأن المقصود من هيئة الملك حصول المهابة فى النفوس والجلالة فى الأعيان، ولكن ذلك غير حاصل مع بقاء ما يدل على كونه سوقيا، فهكذا ما نحن فيه إذا قلت زيد أسد، فقد نفيت عنه ما يدل على أنه ليس بأسد، لأن الذاتين لا يكونان ذاتا واحدة، فلا جرم لا تحصل المبالغة المقصودة من الاستعارة فلا تكون الإعارة حاصلة. الحجة الثانية، إن المقصود من الاستعارة هو أن يحصل للمستعير من المنافع مثل ما كان حاصلا للمعير منها، كالثوب مثلا فإن المستعير يلبسه كما يلبسه المعير سواء، فإذا قلت زيد أسد، فالمقصود من هذا الإخبار عن الشخص المعلوم بكونه أسدا لا غير، بخلاف قولك: لقيت الأسد، فإنك تفيد به أنه هو الحيوان المعلوم فى الشجاعة، فقد صار الاسم منتفعا بالشجاعة مثل انتفاع الأسد بها، بخلاف قولك زيد الأسد، فلم يقع ذلك الموقع، فلهذا لم يكن منتفعا بها، فلا جرم قضينا بكونه غير مستعار لما ذكرناه. المذهب الثانى أنه بحقيقة الاستعارة أشبه ، وقد قال به أبو هلال العسكرى، والغانمى، وأبو الحسن الآمدى، وأبو محمد الخفاجى، وغيرهم من علماء البيان ولهم حجتان. الحجة الأولى، قولهم الاستعارة ليس لها آلة، والتشبيه له الآلة، فما كانت فيه آلة التشبيه ظاهرة فهو تشبيه، وما لم تكن فيه ظاهرة فهو استعارة، فقوله زيد الأسد لا آلة فيه فوجب كونه من الاستعارة. الحجة الثانية، هو أن المفهوم من قولنا زيد الأسد، مثل المفهوم من قولنا لقيت الأسد، وأتانى أسد، فإذا كان مفهومهما واحدا فى المبالغة فى المجاز، فإذا قضينا بكون أحدهما استعارة وجب أن يكون الآخر كذلك من غير تفرقة بينهما، هذا مغزى كلام الفريقين مع فضل تهذيب منا له لم يذكروه، وقد لخصناه، والمختار عندنا تفصيل نرمز إلى مباديه، وحاصله أنا نقول: ما كان من قبيل التشبيه المضمر الأداة كقولنا: زيد الأسد، وزيد أسد، فليس يخلو حاله من قسمين: فالقسم الأول أن يكون الكلام مسوقا على جهة الاستعارة، فلو قدرنا ظهور آلة التشبيه لنزل قدره ولخرج عن ديباجة بلاغته، فما هذا حاله يكون من باب الاستعارة، ويفسد

стр. 107

جعله من التشبيه، ومثاله قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: ٢٤] وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: ١١٢] فالخفض والذوق استعارتان بليغتان فلو ذهب بجعله تشبيها قائلا، اخفض لهما جانبك الذى هو كالجناح، وأذاقها الله الجوع والخوف اللذين هما كاللباس، كان من الركة بمكان، وهكذا لو قلت فى نحو قول الشاعر: فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد فما هذا حاله من رقيق الاستعارة وعجيبها فلو أظهرت التشبيه فيه وقلت فأمطرت دمعا كاللؤلؤ من عين كالنرجس، وسقت خدا كالورد، وعضت أنامل مخضوبة كالعناب بأسنان كالبرد، لكان غثا من الكلام فضلا عن أن يكون بليغا. القسم الثانى أن يكون الكلام متسقا مع ظهور أداة التشبيه وهذا كقولنا: زيد الأسد، فإنك لو قلت كالأسد كان الكلام سديدا وكقول البحترى: إذا سفرت أضاءت شمس دجن ... ومالت فى التعطف غصن بان فإنك لو قلت سفرت مثل ضوء الشمس ومالت فى التعطف مثل غصن البان، لم يخرج الكلام عن بلاغته، وعن هذا قيل إن قولنا زيد أسد، الأحق أن يكون من باب الاستعارة، وأن يكون قولنا زيد الأسد، أن يكون من باب التشبيه، لأن الكاف يحسن إظهارها فى المعرف باللام دون المنكر، والتفرقة بينهما أن اللام فى الأسد للجنس، فكأنك قلت زيد يشبه هذه الحقيقة المخصوصة من الحيوان، بخلاف المنكر، فإنها دالة على واحد من هذه الحقيقة، فإذا قلت زيد يشبه واحدا من هذه الحقيقة، فلا مبالغة فيه فافترقا، وقد قرر الزمخشرى فى تفسيره أن قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة: ٧] يمكن جعله من باب الاستعارة، ويمكن جعله من باب التشبيه، مشيرا إلى ما ذكرنا من التلخيص فى ظهور آلة التشبيه وإضماره، كما مر، والله أعلم، فينحل من مجموع كلامنا أن الاستعارة لا تفتقر إلى أداة التشبيه وأن التشبيه لابد فيه من ذكر الأداة، وهى الكاف وكأن، ومثل، ونحو، وما شاكلها، فكلما ازداد التشبيه خفاء ازدادت الاستعارة حسنا ورشاقة، وكلما ظهر معنى التشبيه تعفت آثار الاستعارة، وامحت رسومها وأعلامها، واتضح أمر المشابهة كما تشهد له الأمثلة التى ذكرناها من قبل ويشهد له ما نذكره الآن بمعونة الله تعالى.

стр. 108

دقيقة اعلم أنك إذا حققت النظر فى الاستعارة فى مثل قولك لقيت الأسد، وجاءنى البحر، علمت قطعا أن التجوز إنما كان فى جهة المعنى دون اللفظ من حيث اعتقدت أن ذات زيد ذات الأسد، من غير مخالفة، ومن أجل هذا قال أهل التحقيق من علماء المعانى: إن استعمال المجازات يكون أبلغ فى تأدية المعانى من استعمال الحقائق، ولهذا فإنه يقال عند ذاك جعله أسدا وبحرا كما يقال جعله أميرا. فإن زعم زاعم أن المراد بالجعل ههنا التسمية كقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزخرف: ١٩] أى سموا، والمفعول الثانى من فعل سمى أبدا يكون المراد به اللفظ دون المعنى، كقولك سميت ولدى عبد الله، إذا وضعت عليه هذا الاسم، فجوابه أنا لا نسلم أنهم أرادوا التسمية، بل اعتقدوا للملائكة صفة الأنوثة، وأثبتوها لهم، ومن أجل هذا الاعتقاد صدر من جهتهم إطلاق اسم البنات فى قوله تعالى: أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ [الطور: ٣٩] ولم يكن ذمهم من أجل إطلاق لفظ البنات والأنوثة على الملائكة من غير اعتقاد لمعنى الأنوثة، بل كان الإنكار عليهم من أجل اعتقادهم لها فيهم، ومصداق ذلك قوله تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [الزخرف: ١٩] فهذا ما أردنا تقريره فى ماهية الاستعارة والحمد لله. البحث الثانى فى إيراد الأمثلة فيهما اعلم أن الأمثلة هى تلو الماهيات فى تقرير الحقائق وبيانها، فلأجل هذا أوردناها على إثر كلامنا فى الماهية ليتضح الأمر فيما نريده من ذلك، وجملة ما نورده من أمثلة الاستعارة أنواع خمسة. النوع الأول الاستعارات القرآنية اعلم أن من حق الاستعارة وحكمها الخاص أن يكون المستعار له مطوى الذكر، وكلما ازداد خفاء ازدادت الاستعارة حسنا، فإن أدخلت على الاستعارة حرف التشبيه فقلت فى قولك رأيت أسدا، رأيت رجلا كالأسد، فقد وضعت تاجها، وسلبتها ديباجها.

стр. 109

فمن ذلك قوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: ١١٢] فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الآية من المجازات البليغة والاستعارات الرشيقة، فقد تضمنت استعارات أربعا، الأولى منها القرية للأهل، والثانية استعارة الذوق فى اللباس، والثالثة استعارة اللباس فى الجوع، والرابعة استعارة اللباس فى الخوف، فهذه الاستعارات كلها متلائمة، وفيها من التناسب ما لا خفاء به، فلما ذكر الأمن، والرغد من الرزق أردفه بما يلائمه من الجوع، والخوف، والإذاقة، لما فى ذلك من البلاغة، وهذا النوع يسمى الاستعارة المرشحة، وهو أن يأتى بالاستعارة عقيب الاستعارة لها بالأولى علاقة ومناسبة، وهذا كقوله تعالى: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [البقرة: ١٦] فلما استعار الشراء عقبه بذكر الربح لما كان مناسبا له فى غاية الملائمة لما سبق، وقد زعم عبد الله بن سيار الخفاجى إنكار الاستعارة المرشحة، وقال إن الاستعارة المبنية على الاستعارة من أبعد الاستعارات، وأنكر عليه الآمدى هذه المقالة، وما قاله الآمدى هو المعول عليه، فإن هذه الاستعارة المرشحة من أعجب الاستعارات وأغربها، واستظرفها كل محصل من علماء البيان وسنوضحها فى التقاسيم، ونورد الشاهد عليها بمعونة الله تعالى. ومن ذلك قوله تعالى: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١] فذكر الظلمات والنور إنما كان على جهة الاستعارة للكفر والإيمان، والضلالة والهدى كأنه قال لتخرج الناس من الكفر والضلال اللذين هما كالظلمة إلى الإيمان والهدى اللذين هما كالنور، والمستعار له مطوى الذكر، فإذا أظهر كان من قبيل صريح التشبيه كما مثلناه ومن هذا قوله تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [إبراهيم: ٤٦] وإنما يكون استعارة فى قراءة من قرأ لتزول بالنصب على تقدير (ان) بمعنى (ما) والمعنى وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، واستعار الجبال لما أتى به الرسول صلى الله عليه وآله، من المعجزات الباهرة والأعلام الواضحة النيرة على نبوته، فالمعنى وما كان خدعهم وتكذيبهم لتزول منه هذه الأمور المستقرة الثابتة التى هى كالجبال فى الرسوخ والاستقرار، فأما على قراءة من قرأ لتزول منه بالرفع فى: تزول، فلا وجه للاستعارة فيه للجبال بل تكون باقية على

стр. 110

حقيقتها، هذا ما قاله ابن الأثير، وهو جيد لا غبار عليه، لكنه يمكن دخول المجاز فيها من وجه آخر، وهو أن الله تعالى أخبر عما كانوا عليه من الإغراق فى الرد والتكذيب والمبالغة فى الإنكار لما جاء به الرسول بأن الجبال الرواسى تزول من شنع هذه المقالة وتفاحش هذه الجهالة كما قال تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) [مريم: ٩٠- ٩١] فهكذا هذا، ومن هذا قوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) [الشعراء: ٢٢٤، ٢٢٥] فاستعار الأودية للمغازى والمقاصد الشعرية التى يلخصونها بأفئدتهم ويصوغونها بأفكارهم، وخص الاستعارة بالأودية دون الطرق والمسالك، لأن المعانى الشعرية تستخرج بالفكرة والروية، وفيهما خفاء وغموض، فلهذا كانت الأودية أليق بالاستعارة، وفى القرآن استعارات كثيرة. النوع الثانى الاستعارة فى الأخبار النبوية فمن ذلك قوله صلّى الله عليه وآله: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات فإنكم إن ذكرتموه فى ضيق وسعة عليكم» «١» فاستعار هاذم اللذات للموت، وهو مطوى الذكر، ولو ظهر لم يكن هناك استعارة، وفى هذه الاستعارة من الرقة واللطافة ما لا يخفى حاله على من ضرب فى هذه الصناعة بحظ وافر وكان له فيها القدح القامر. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله: «لا تستضيئوا بنار المشركين» فاستعار ذكر النار للرأى والمشورة، والمعنى لا تهتدوا بآراء المشركين، ولا تتكلوا على أقوالهم، لما فيها من الخديعة والمكر والغرر، ومن ذلك قوله ﵇، «إن الغضب ليوقد فى فؤاد ابن آدم النار ألا تراه إذا غضب كيف تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه» فاستعار الوقيد لاشتداد الغضب وتراكمه، ومنه قوله ﵇: «ما ذئبان ضاريان فى زريبة أحدكم بأسرع من الحسد فى حسنات المؤمن» فاستعار الذئبين فى إفساد الغنم بضراوتهما لما يحصل من عقوبة الحسد فى إحباط الحسنات المستحقة على الأعمال الصالحة، يريد أن إسراعه فى الإحباط بمنزلة إسراع هذين الذئبين فى إهلاك الغنم وقتلها. ومن بديع الاستعارة وغريبها قوله صلّى الله عليه وآله «ما جرع عبد قط جرعتين أعظم عند الله من جرعة غيظ يلقاها بحلم أو جرعة

стр. 111

مصيبة يلقاها بصبر جميل» فاستعار الجرعة لما يكابده الإنسان عند ملابسة الغيظ ومقاساة الأحزان، وخص الجرعة لأن هذه الأمور كلها تخص القلب وتقع عليه كما تقع الجرعة عليه عند شربه، وهى استعارة لطيفة يعقلها أهل الكياسة، وينظر لها الأذكياء، ومن ذلك قوله ﵇: «المؤمن والكافر لا تتراءى نيرانهما» فاستعار ذلك إعلاما لما بينهما من البعد والانقطاع فى جميع الأحوال لأنهما إذا تباعدا فى الدين، فما وراء ذلك يكون أبعد وأعظم فى الانقطاع، وفى هذا إشارة إلى أن الإيمان أعظم الوصل فيما بين المسلمين، وأن الافتراق فيه لا وصلة بعده، ولهذا استعار له النار لأنها ترى من الأمكنة البعيدة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله «قيدوا القرآن بالدرس فإن له أوابد كأوابد الوحش» فاستعار ذكر الأوابد وهى الحيوانات الوحشية لما فيها من النفار وشدة الشرود لذهاب هذه المحفوظات عن القلب إذا لم تكن راسخة فيه بشدة الدرس لها، ومجازات الأخبار النبوية واسعة الخطو وقد وقفت على المجازات النبوية للسيد الشريف على بن ناصر، ولقد أتى فيها بالعجب العجاب ولباب الألباب، وفى كلامه دلالة على ما اختص به من الفضل والإحاطة بالبلاغة وتبحره فى علومها. النوع الثالث فى الاستعارة المأخوذة من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، فمن بليغها وأغربها قوله ﵇ «وايم الله لأقودن الظالم بخزامة حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها» فانظر إلى هذه النكتة من كلامه ما أعظم موقعها فى الدين، وأرضاها لله وأشجاها فى حلوق الظلمة، وأرسخ قدمها فى البلاغة، وقد اشتملت على استعارات ثلاثة، الخزامة، والانقياد، والمنهل، وما أعجب توشحها فى قالب نظمها وحسن سياقها، فإنه لما ذكر الانقياد عقبه بما يلائمه من الخزامة، ولما ذكر الورود عقبه بما يناسبه من المنهل، وهذا هو سر التوشيح، وحقيقة جوهره، ومن أرق الاستعارة وألطفها ما قاله ﵇: يشير به إلى نفسه وأولاده من بعده «نحن الشعار والخزنة والأبواب، لا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، فمن أتاها من غير بابها سمى سارقا» . فتفكر فى هذه الكلمات القصيرة وما اشتملت عليه من المعانى وانطوت عليه من الأسرار والرموز فى فضل أهل البيت وعلو درجتهم عند الله تعالى ومكانتهم من الشرف

стр. 112

بالرسول ﷺ ، وقرب مكانهم منه، وتحتوى على استعارات خمسة، فاستعار الشعار ليدل به على الاختصاص بالرسول، والملاصقة له فى حسبه، واستعار الخزنة ليدل به على أنهم الحافظون لعلوم الشريعة والمهيمنون عليها، واستعار الأبواب ليدل به على أنه لا توجد الفضائل فى العلوم إلا من جهتهم، وأنهم بمنزلة الأبواب لها، واستعار قوله لا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، دالا به على أن أخذها من جهة غيرهم خلاف العادة المألوفة وعكس للأمر وإبطال لحقيقته، واستعار قوله فمن أتاها من غير بابها كان سارقا، ليدل به على أن كل من أخذها من غيرهم فقد ظلم وتعدى وأساء كالسارق، لأنه أخذ ما لا يملكه فاستعار هذه الألفاظ لما ذكرناه من تلك المعانى، ومن ذلك ما قاله فى معرض التهكم والتوبيخ لبنى أمية إن بنى أمية يفوقوننى بمال الله، والله لئن عشت لهم لأنفضنهم نفض اللحام الوذام التربة» وفى كلام آخر «التراب الوذمة» فاستعار التوفيق للأكل قليلا قليلا، أخذا من فواق الناقة، وهو الحلبة بعد الحلبة، وقوله لأنفضنهم نفض اللحام، استعارة لتفريق شملهم والتنكيل بهم، واللحام، هو القصاب، والوذام هى القطع من الكرش، واحدتها وذمة، والتربة التى تقع على الأرض فإذا نفضها اللحام تناثر التراب منها أسرع ما يكون وأقصاه عنها، فأما قوله ﵇: التراب الوذمة، فهو من القلب الذى قد رقى فى غايتى الفصاحة والبلاغة، وهذه الاستعارة دالة على أنه مبالغ فى قطع الدابر منهم، واستئصال الشأفة بالتفريق لجموعهم، والإهانة لقدرهم، ولله در أمير المؤمنين ما أصلب قناته فى الدين، وأشد غضبه فى الله، وأعظم عداوته لأعدائه. ومن ذلك كتابه إلى ابن عباس وهو عامله بالبصرة اعلم أن البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن فحادث أهلها بالإحسان إليهم، واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم. وقد بلغنى تنمرك على بنى تميم وغلظتك عليهم، وإن بنى تميم لم يغب منهم نجم إلا طلع لهم آخر. فالمهبط، والمغرس استعارتان بليغتان لموضع البدع والشرور ومخالفة أمر الله تعالى، وإثارة الفتن، ومعصية إمام الحق، وقوله فحادث أهلها بالإحسان إليهم، استعارة، وقوله واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم، استعارة أخرى للأنس لهم وتقرير خواطرهم. وقوله وقد بلغنى تنمرك على بنى تميم، استعارة للوحشة وشراسة الأخلاق. وقوله وغلظتك عليهم، استعارة أيضا للإعراض وضيق النفس عليهم، وقوله وإن بنى تميم لم يغب منهم نجم إلا طلع لهم آخر، استعارة لبقاء الرئاسة فيهم، وأنه لا يزال فيهم من فى حياته نفع للإسلام وعز وكهف.

стр. 113

وأكثر كلامه ﵇ فى أعلا طبقات الفصاحة، وأسمى مراتب البلاغة، فأما قوله ﵇ عند لقاء عدوه اللهم قد صرح بمكنون الشنآن، وجاشت مراجل الأضغان فهاتان استعارتان لشدة البغضاء وتمكن العداوة وتأكدها فى الأفئدة، فهما على ما اختصا به من النظم والاتساق، وقصر اللفظ وبلاغة المعانى، لا يقدران بقيمة ولا يوزنان بأنفس الأثمان كما ترى. ومن كلام له ﵇ يخاطب به معاوية ويذكر فيه توجعه على بنى هاشم، فأراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا، وهموا بنا الهموم، وفعلوا بنا الأفاعيل، ومنعونا العذب، وأحلسونا الخوف، واضطرونا إلى جبل وعر، وأوقدوا لنا نار الحرب، فعزم الله لنا على الذب عن حوزته، والرمى من وراء حرمته، مؤمننا يبغى بذلك الأجر، وكافرنا يحامى عن الأصل، ومن أسلم من قريش خلو مما نحن فيه بحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه، فهو من القتل بمكان أمن، وكان رسول الله إذا احمر الباس، وأحجم الناس قدم أهل بيته، فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنة. فعلى الناظر إعمال فكرته الصافية، وشحذ عزيمته الماضية، فإذا فعل ذلك وعزل عن نفسه سلطان الحمية، وحمى جانبه عن التمسك بأهداب العصبية علم قطعا لا ريب فيه، ويقينا لا رد له أنه كلام من أحاط بالمعانى ملكه، ونظم عقود البلاغة ولآلئها سلكه، وما قصدت بنقل طرف من كلام أمير المؤمنين إلا لغرضين . الغرض الأول التنبيه على عظم قدره ، والإعلام بأن أحدا من البلغاء وأهل الفصاحة لا يبلغ وإن عظم خطره شأو كلامه، ولا يستولى على أغواره، ويقصر عن الإتيان بمثاله وما ذاك إلا لأنه قد سبق وقصروا، وتقدم وتأخروا. الغرض الثانى الإعلام بأن أهل البلاغة ألهب الناس حشا، وأعطشهم أكبادا ، إلى الوقوف على أسرارها، والإحراز لأغوالها، وأغوارها، ومع ذلك تراهم قد أعرضوا عن كلامه صفحا، وطووا عنه كشحا، مع دلوعهم من الكلام بما لا يدانيه ويقصر عن بلوغ أقصر

стр. 114

معانيه، ولست أدرى علام أحمل إعراضهم عنه؟ فإن كان جهلا بأمره، فقدرهم أعلا من أن يجهلوا مثل ذلك، وهم الغواصون على جواهر البلاغة، والمتبحرون فى علومها، وإن كان استغناء عنه بغيره فهيهات هيهات، أين الغرب من النبع، والحصا من العقيان، وعقود الياقوت، من خرز المرجان، وشتان ما بين ظهور السها ونور الفرقد، ومتى ظهر نور الشمس انسلخ الظلام وزال الليس. النوع الرابع فى الاستعارة الواردة عن البلغاء وأهل الفصاحة اعلم أنا نذكر ههنا ما ورد من الاستعارات الفائقة عمن يوصف بالبلاغة، ونذكر ما يوازنه من كلام أمير المؤمنين، كرم الله وجهه، ليتحقق الناظر تفاوت ما بين الكلامين، وليعرف مصداق ما ادعيناه فى حقه من أنه قد صار ابنا لبجدتها وأبا لعذرتها. فمن ذلك ما روى عن الحجاج عند قدومه العراق أنه قال: إن أمير المؤمنين عبد الملك ابن مروان نثل كنانته وعجمها عودا عودا، فرآنى أصلها نجارا، وأبعدها نصلا. فقوله: نثل كنانته وعجمها عودا عودا، يريد أنه عرض رجاله واحدا واحدا، واختبرهم رجلا رجلا، فرآنى أشدهم وأمضاهم، فهذا من الاستعارات الفائقة. ولنذكر من كلام أمير المؤمنين ما هو أرق وألطف فى الاستعارة من هذا، وهذا نحو قوله يخاطب به معاوية، فكيف أنت إذا انكشف عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت بزينتها، وخدعت بلذتها، دعتك فأجبتها، وقادتك فاتبعتها، وأمرتك فأطعتها، وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه منج، فاقعس عن هذا الأمر، وخذ أهبة الحساب، وشمر لما قد نزل بك، فإنك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه، وبلغ فيك أمله، وجرى منك مجرى الروح والدم. فليمعن الناظر نظره فيما بين الكلامين من التفاوت فى لطيف الاستعارة منهما، فإنه يجد بينهما بونا بعيدا، وغاية غير مدركة بالحصر. ومن ذلك ما قاله بعض الفصحاء فى وصف ولدين لرجل كان مغرما بحبهما قال: وقد هويت بدرين على غصنين، ولا طاقة لقلب بهوى واحد، فكيف إذا حمل هوى اثنين، ومما شجانى أنهما يتلونان فى أصباغ الثياب، كما يتلونان فى فنون التجرم والعتاب، وكان

стр. 115

أحدهما قد لبس قباء أحمر، والآخر لبس قباء أسود، فقال: واصفا لهما، وقد استجدا الآن زيا لا مزيد على حسنهما فى حسنه، فهذا يخرج فى ثوب من حمرة خده، وهذا فى ثوب من سواد جفنه. ولنذكر من كلام أمير المؤمنين ما يفوق عليه ويزيد فى الاستعارة الرائقة، والمقاصد الفائقة، من ذلك قوله فى صفة خلقة الطاووس قال فيه: إذا نشر جناحه من طيه وسما به مطلا على رأسه قلت قلع دارىّ عنجه نوتيه، تخال قصبه مدارى من فضة وما أنبت عليه من عجيب داراته وشموسه خالص العقيان وفلز الزبرجد فإن شبهته بما أنبتت الأرض قلت جنىّ جنى من زهرة كل ربيع، وإن شاكلته بالحلى فهو فصوص ذات ألوان، قد نطقت باللجين المكلل، وإن ضاهيته بالملابس قلت موشى الحلل، أو مونق عصب اليمن، وإذا تصفحت شعرة من شعرات قصبه، أرتك حمرة وردية، وتارة خضرة زبرجدية، وأحيانا صفرة عسجدية. فانظر أيها الواقف مقدار ما بين الكلامين من التفاوت فى مأخذهما فى الاستعارة، وميز ما اشتمل عليه من الرقة واللطافة والرونق والرشاقة، فليس العلم كالحسبان، ولا يكون الخبر كالعيان. ومن ذلك ما قاله بعض الفصحاء فى وصف المطر، أقبل عارض مسف، متراكم غير شف، كالقاصد إلى الرقاق، والمخضل للأنفاق، فأرخى الغمام عزاليه. واثعنجر بصوب ما فيه. فالتقى الماء على أمر قد قدر، وتعقد منه الثرى وودأت منه العذر، وتهدمت القرى. وقال أمير المؤمنين كرم الله وجهه عند الاستسقاء: وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق، والربيع المغدق، والنبات المونق سحا وابلا، تحيى به ما قد مات وترد به ما قد فات، وأنزل علينا سماء مخضلة مدرارا هاطلة يدافع الودق منها الودق، ويحفز القطر منها القطر، غير خلب برقها ولا جهام عارضها، ولا قزع ربابها، ولا شفان ذهابها، تنعش بها الضعيف من عبادك، وتحيى بها الميت من بلادك، فهذا معنى واحد قد اتفقا على وصفه فانظر ما بين الوصفين وتأمل ما بين الكلامين، كيف بالغ فأحسن، واستعار فأجاد، ولنقتصر على هذا القدر ففيه كفاية فى الاعتراف له بالتقدم والسبق ممن لم يتضمخ برذائل الحسد، ولا ينبض فيه عرق العصبية، حيث خصه الله بالخصال الشريفة والفضائل الجمة.

стр. 116

النوع الخامس الاستعارات الشعرية ، من ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى: فما تركن بها خلدا له بصر ... تحت التراب ولا بازا له قدم ولا هزبرا له من درعه لبد ... ولا مهاة لها من شبهها حشم وهذا من بديع الاستعارة وغريبها واستعار الخلد لمن كان مختفيا تحت التراب خائفا، والباز استعاره لمن طار هاربا، والهزبر، والمهاة استعارتان للرجال المقاتلة، وللنساء من السبايا، وهذه مبالغة فى شدة الوقعة والهزيمة، ومن ذلك ما ورد عن بعض الشعراء فى صفة السيف فقال: حملت حمائله القديمة بقلة ... من عهد عاد غضة لم تذبل وقال المتنبى أيضا: فى الخد إن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به الخدود محولا فالبقلة استعارة للسيف، والمطر جعله استعارة للدمع، ومن ذلك ما قاله الشريف الرضى: إذا أنت أفنيت العرانين والذرى ... رمتك الليالى من يد الخامل الذكر وهبك اتقيت السهم من حيث يتقى ... فمن ليد ترميك من حيث لا تدرى فالعرانين والذرى، استعارة لعظماء الناس وأشرافهم، ومن ذلك ما ورد عن امرىء القيس فى صفة الليل الطويل: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل فلما جعل لليل وسطا ممتدا، استعار له اسم الصلب، وجعله متمطيا، استعارة لطوله، واستعار الأعجاز لثقله وبطائه، واستعار الكلكل لمعظم الليل ووسطه، أخذا له من كلكل البعير، وهو ما يعتمد عليه إذا برك. فصور الليل على صورة البعير، حيث جعل له صلبا يتمطى به أولا، وثنى بذكر العجز، وثلث بالكلكل حتى يكاد أن يخيل أنه كصورة البعير، وهو من بليغ الاستعارة ومحاسنها ومن ذلك ما قاله بعضهم. نبل حباها من رؤوس بنانه ... ريشا ومن حلل المداد نصولا ففرت شواكل كل أمر مشكل ... ورددن كل مفضل مفضولا وترى الصحيفة حلبة وجيادها ... أقلامه وصريرهن صهيلا

стр. 117

فهذا أيضا من جيد الاستعارة ومليحها فاستعار اسم النبل للأقلام، والريش للأنامل، والنصول لسواد المداد، واستعار اسم الحلبة للقرطاس، والجياد للأقلام وجعل الصرير كالصهيل فى الخيل، وهذا من التوشيح للاستعارة البالغ ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء: العيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال سارى فاقضوا مآربكم سراعا إنما ... أعماركم سفر من الأسفار وتراكضوا خيل الشباب وبادروا ... أن تسترد فإنهن عوارى ومن غريب الاستعارة ما قاله بعضهم يرثى ولدا له: وهلال أيام مضى لم يستدر ... بدرا ولم يمهل لوقت سرار عجل الكسوف عليه قبل أوانه ... فمحاه قبل مظنة الإبدار واستل من أترابه ولداته ... كالمقلة استلت من الأشفار ولنكتف بهذا القدر فى أمثلة الاستعارات ففيه غنية. البحث الثالث فى أقسام الاستعارة اعلم أن الاستعارة منقسمة باعتبار ذاتها إلى حقيقية، وخيالية، وباعتبار لازمها إلى مجردة، وموشحة، وباعتبار حكمها إلى حسنة، وقبيحة، وباعتبار كيفية استعمالها إلى استعارة محسوس لمحسوس، أو معقول لمعقول، إلى غير ذلك من أنواع التقاسيم، فهذه تقسيمات أربعة، نذكر ما يتعلق بكل واحد منها وأمثلته بمعونة الله تعالى. التقسيم الأول باعتبار ذاتها إلى حقيقية وخيالية فأما الحقيقية فهى أن تذكر اللفظ المستعار مطلقا كقولك: رأيت أسدا. والضابط لها أن يكون المستعار له أمرا محققا، سواء جرد عن حكم المستعار له، أو لم يجرد بأن يذكر الاستعارة ثم يأتى بعد ذلك بما يؤكد أمر المستعار له ويوضح حاله، وهذا مثاله قولك: رأيت أسدا على سرير ملكه، وبدرا على فرس أبلق، وبحرا على بابه الوفاد، وبحر علم لا

стр. 118

يحيف فى قضائه وحكمه، وبدر تم يتكلم بجميع الحقائق، فيأتى بهذه الأمور عقيب ذكر الاستعارة من أجل تأكيد أمرها، وإيضاح حالها لأنك إذا قلت رأيت أسدا، فقد حصل مطلق الاستعارة اختصاصه بالشجاعة التى هى خاصة الأسد، فهذه استعارة مطلقة، ثم لما قلت على سرير ملكه، فصلته عن حكم الآساد، إذ ليس الجلوس على السرر من شأنها، وإنما جىء بذلك من أجل تأكيد المستعار له، وهذه تسمى مجردة، وهكذا إذا قلت رأيت قمرا على فرس، وبدر تم يتكلم، فقد أثبت له ضوء الأقمار وتمام البدور، ثم فصلته عما لا يليق بالأقمار والبدور بقولك على فرس، وبقولك يتكلم، لأنه ليس الكون على الخيل والكلام من صفة الأقمار والبدور بحال، ولكن الغرض هو ما ذكرناه من توكيد أمر المستعار له وتوضيح حاله، ومن النمط العالى فى الاستعارة ما قاله بعض الشعراء: وصاعقة فى كفه ينكفى بها ... على أرؤس الأعداء خمس سحائب فلما استعار الصاعقة لنصل السيف عقبه بقوله ينكفى بها، أى يتصل ويلابس رؤوس الأعداء خمس سحائب، أراد بها الأصابع، إيضاحا لأمر الصاعقة، وتبيانا أن ما ذكره من حكم المستعار له، وجعل قرينته دالة على ما أراده من وصف هذا الممدوح، ومن فائق الاستعارة ورائقها قول بعضهم: ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيبليها فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ... والبدر فى كل وقت طالع فيها فلما استعار ذكر القمر، عقبه بذكر المعاجر وأنه يبليها بطلوعه فيها كل وقت، وذكره من أجل إيضاح أمر المستعار له، وبيان حقيقته. وأما الاستعارة الخيالية الوهمية ، لهى أن تستعير لفظا دالا على حقيقة خيالية تقدرها فى الوهم، ثم تردفها بذكر المستعار له، إيضاحا لها وتعريفا لحالها كما قال بعضهم: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع وقد يجتمع التجريد والتوشيح فى الاستعارة كما قال زهير: لدى أسد شاكى السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم فلما صوره بصورة الأسد جرد الاستعارة بأن عقبه بكونه حديد الشوكة فى سلاحه، تقريرا لحال الاستعارة، وتوكيدا لأمرها، ثم وشحها بقوله: «له لبد أظفاره لم تقلم» وكما لو قال فى هذا «رأيت أسدا دامى الأنياب وافر البراثن» لكان من باب الاستعارة الموشحة،

стр. 119

ومن الخيالية قولهم: «فلان أنشبت المنية فيه مخالبها» كان تخييلا للاستعارة، لأنه لما شبه المنية بالسبع فى عدوانها وتضريتها على الإنسان، جعل لها مخالب، ليزداد أمر التخييل ويكثر، ومن الاستعارة التخيلية، الآيات الدالة على التشبيه كقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [المائدة: ٦٤] وقوله تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَ [ص: ٧٥] وقوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: ٢٧] ومن أجل ذلك زل كثير من الفرق فى اعتقادها جواز الأعضاء على الله تعالى وحلول المكان، والجهة، وغير ذلك من الظواهر النقلية التى يشعر ظواهرها بذلك، فإنهم لما لم يفهموا هذه الاستعارة وجهلوا حالها، وقعوا فى أودية التهويس من اعتقاد التشبيه وتوهم كل ضلالة فى ذاته تعالى، فمن ههنا كان السبب فى ضلال المشبهة، فأما المنزهة فلهم فيها تأويلات ركيكة بعيدة، والذى حملهم على ذلك تقرير القواعد العقلية، فلا جرم اغتفروا بعدها حذرا من المناقضة للقضايا فى البراهين، ولو تفطنوا لهذه الاستعارة لكانوا فى غنية عن أكثر هذه التأويلات الركيكة، فأما التفرقة بين الاستعارة الحقيقية والاستعارة الخيالية، فسنذكرها فى أحكام الاستعارة بمعونة الله تعالى: وقد يجتمع التحقيق والتخييل فى الاستعارة كما فى بيت زهير: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله فيمكن جعله من باب التخييل، وتقريره هو أنه لما تحقق من حاله أنه أمسك عما كان عليه فى عنفوان الشباب وغضارته من سلوك جانب الغى وركوب مراكب الهوى، استعار له قوله: «عرى أفراس الصبا ورواحله» على جهة التخييل وطريقه، كأنه شبه الصبا فى حال قوة دواعيه وميلانه إلى اللهو والطرب، بالإنسان الذى يقدر على تصريفك على ما تريد، ثم بالغ فى الاستعارة حتى صوره بصورة الإنسان واختراع ما له من الآلات والأدوات، وأطلق اسمها عليه تحقيقا لحال الاستعارة المتخيلة، ويمكن جعله من باب التحقيق، وتقريره أنه استعار الأفراس والرواحل لما يحصل من دواعى النفوس والقوى الإنسانية عند الصبا وميل القلوب إلى الهوى فلهذا قال: عرى عن هذه الأشياء بعد مفارقة الصبا. ومما يمكن تنزيله على هذين الوجهين فى الخيال، والتحقيق، قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: ٢٤] فإذا جعلته من باب التخييل، فتقريره هو أن الله تعالى أمر الولد بأن يلين لهما جانبه، ويتواضع لهما، فاستعار لفظ الجناح، منبها به على التخييل فى الاستعارة بطريق المبالغة فى طلب أن يكون الولد لأبويه،

стр. 120

كالطائر لفرخه فى فرط حنوه عليه وتعطفه على محبته، فجعل الذل طائرا على طريق الاستعارة، ثم أخذ الوهم فى تصوير ما للمستعار من الآلات والجوارح، ثم أضاف اسم الجناح إلى الذل، رعاية لمزيد البيان، وإفراطا فى تحصيل البلاغة. وإذا جعلته من باب التحقيق فتقريره أنه لما أراد المبالغة فى لين الجانب للأبوين من جهة الولد، استعار لفظ الجناح للتذلل والتواضع، ونزله منزلة الجناح فى التصاقه بالتراب وإسباله فى التغطية للفرخ، مبالغة فى لين العريكة، وحسن التذلل للوالدين. ومن ألطف ما نوجهه على هذين التوجيهين قوله تعالى فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: ١١٢] والظاهر من هذه الاستعارة هو التخييل، لأن الله تعالى لما ابتلاهم لكفرهم باتصال هاتين البليتين، ولما استعار اللباس ههنا مبالغة فى الاشتمال عليهم أخذ الوهم فى تصوير ما للمستعار منه من التغطية والستر والاسترسال، رعاية لمزيد البيان فى ذلك، وإن جعلته من باب التحقيق للاستعارة، فتقريره هو أن ما يرى على الإنسان عند شدة الخوف والجوع من الضعف والهزال، وانتقاع اللون، وعلو الصفرة، ورثاثة الهيئة، وركة الحال، وحصول القلق والفشل، يضاهى الملابس فى اختلاف أحوالها وألوانها. التقسيم الثانى باعتبار اللازم لها إلى مجردة وموشحة إذا استعير لفظ لمعنى آخر، فليس يخلو الحال، إما أن يذكر معه لازم المستعار له، أو يذكر لازم المستعار نفسه، فإن كان الأول فهو التجريد، وإن كان الثانى فهو التوشيح، فأما الاستعارة المجردة فإنما لقبت بهذا اللقب، لأنك إذا قلت: «رأيت أسدا يجدل الأبطال بنصله، ويشك الفرسان برمحه» فقد جردت قولك: أسدا، عن لوزم الآساد وخصائصها، إذ ليس من شأنها تجديل الأبطال ولا شك الفرسان بالرماح والنصال، ومن التجريد قوله تعالى فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: ١١٢] ولو قال: كساها الله لباس الجوع والخوف، لكان توشيحا فبالغ فى شدة ما أصابهم بقوله «فأذاقها» لأن الذوق أبلغ فى الإحساس وأدخل فى الإيلام، من قوله كساها.

стр. 121

لا يقال فأراه لما قال «أذاقها» فلم لم يقل طعم الجوع والخوف ليلائم قوله «فأذاقها» ؟ ولم قال لباس الجوع وبين اللباس والطعام تنافر؟ لأنا نقول إن الطعم وإن كان ملائما للإذاقة، لكنه لو ذكره لما كان مقويا لبيان اشتمال الجوع والخوف لهم، وعموم أثرهما على جميع البدن، كما تعم الملابس وتغطى جميع البدن، فلا جرم حصل من لفظ الإذاقة المبالغة فى إدراك ألم الجوع والخوف بالإدراك بآلة الذوق، وحصل من لفظ اللباس المبالغة فى العموم والاشتمال، فلأجل هذا كان الأولى ذكر اللباس ليحصل المعنيان جميعا» ، فأما الاستعارة الموشحة ، فإنما سميت بهذا الاسم، لأنك إذا قلت: «رأيت أسدا وافر الأظفار منكر الزئير دامى الأنياب» فقد ذكرت لازم اللفظ المستعار وذكرت خصائصه فوشحت هذه الاستعارة، وزينتها بما ذكرته من لوازمها وأحكامها الخاصة، أخذا لها من التوشيح، وهو ترصيع الجلد بالجواهر واللآلىء تحمله المرأة من عاتقها إلى كشحها، وهذا هو الوشاح، واشتقاق التوشيح للاستعارة منه، ومثالها قوله تعالى: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [البقرة: ١٦] ثم قال على إثره فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦] فلما استعار لفظ الشراء عقبه بذكر لازمه وحكمه، وهو الربح توشيحا للاستعارة، ولو قال فهلكوا أو عموا وصموا عوض قوله: فَما رَبِحَتْ لكان تجريدا، ولم يكن توشيحا، ولو قال تعالى فكساها الله لباس الجوع، لكان توشيحا، أو قال فأذاقها الله طعم الجوع والخوف لكان توشيحا أيضا، ومن التوشيح قول كثير عزة: رمتنى بسهم ريشه الكحل لم يضر ومن قوله: تقرى الرياح رياض الحزن مزهرة ... إذا سرى النوم فى الأجفان أيقاظا فذكر السهم مع الريش، والرياض مع الأزهار، يكون توشيحا. ومن مليح الاستعارة المجردة ما قاله أمير المؤمنين كرم الله وجهه، فى حق الله تعالى: «فلو وهب ما ضحكت عنه أصداف البحار من سبائك العقيان وفلز اللجين» ومن الاستعارة الموشحة قوله ﵇: «قذفت إليه السموات والأرضون مقاليدها، وانقادت له الدنيا والآخرة بأزمتها» . فلما ذكر الانقياد عقبه بما يلائمه من الزمام توشيحا لها.

стр. 122

التقسيم الثالث باعتبار حكمها إلى حسنة وقبيحة اعلم أن الاستعارة إنما يظهر حسنها إذا عريت عن أداة التشبيه، وكلما ازداد التشبيه خفاء ازدادت حسنا ورشاقة، وكانت متضمنة للبلاغة مع الإيجاز، وجودة النظم وحسن السياق، والقبيح منها ما خالف ما ذكرناه من هذه الاعتبارات. فأما الاستعارة الرائقة فكقوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [طه: ١٣١] فانظر إلى استعارة مد العين لإحراز محاسن الدنيا والشغف بحبها، والتهالك فى جمع حطامها، والشح بما ظفر به منها وبين المد للعين، وهذه الأشياء، من الملائمة، والتناسب ما لا يخفى على أهل الكياسة، وهكذا قوله تعالى: زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا فاستعار الزهرة لما يظهر من زينة الدنيا ورونقها، وإدراك لذاتها كالزهر إذا تفتح وأعجبت غضارته وحسن بهجته ومن أعظمها إعجابا قوله ﷺ فى وصف القرآن «من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار» فاستعار الأمام، والخلف للعمل بأحكامه والإعراض عنها ثم جعل الانقياد إلى الأمور المحبوبة وصير السوق إلى الأمور المكروهة، ومما يشير إلى هذا المعنى قول أمير المؤمنين «تخففوا تلحقوا» وقوله: «فإن السبقة الجنة، وإن الغاية النار» فقوله تخففوا تلحقوا، من الكلام الذى لا تنال له غاية، ولا يدرك له حد ولا نهاية، ثم إنه جعل السبقة، لما يراد ويجب، وجعل الغاية لما يكره ويعرض عنه. ومن جيدها قوله: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطى الأباطح والغرض بهذا هو أن الإبل سارت سيرا شديدا فى سرعة مع اختصاصه بلين وسلاسة، حتى كأنها سيول وقعت فى الأباطح فجرت. ومن غريبها ما قاله بعض الشعراء: قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها ... سحبا مزررة على أقمار

стр. 123

لو أشرعوا أيمانهم من طولها ... طعنوا بها عوض القنا الخطار ودحوا فويق الأرض أرضا من دم ... ثم انثنوا فبنوا سماء غبار فهذا وما شاكله من أحسن الاستعارات وأرقها، وقال بعضهم يرثى ولدا له: إن تحتقر صغرا فرب مفخم ... يبدو ضئيل الشخص للنظار إن الكواكب فى علو مكانها ... لترى صغارا وهى غير صغار فهكذا يكون حال الاستعارة الحسنة. فأما الاستعارة القبيحة فهى كل ما كان لا مناسبة بينها وبين المستعار له فيقبح لأجل ذلك، وهذا كقول أبى نواس: بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح فهذا وأمثاله من الاستعارة الركيكة النازلة القدر فى البلاغة، ومراده من هذا هو أن المال يتظلم من إهانته له بالتمزيق بالإعطاء فالمعنى جيد، والعبارة قبيحة لا تلوح فيها مخايل البلاغة بحال. ومنه قوله أيضا: ما لرجل المال أضحت ... تشتكى منها الكلالا فهذا أيضا أرك من الأول وأنزل قدرا وأسخف. وما أعجب ما قاله مسلم بن الوليد فى هذا المعنى: تظلّم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلاما فالمقصود من هذا له ولأبى نواس واحد، ولكنه فاق عليه بجودة الانتظام وحسن السبك، فكان بليغا فصيحا. ومن ضعيف الاستعارة قول أبى تمام: بلوناك أما كعب عرضك فى العلى ... فعال وأما خد مالك أسفل فمراده من هذا أن عرضك مصون ومالك مبتذل، لكنه أخرجه أقبح مخرج، وساقه سياقا مستكرها، فانظر إلى قوله كعب عرضك، وخذ مالك، ما أبعده عن طرق البلاغة وأسخف قدره فيها. ومما نزل قدره قول بعضهم: (أيا من رمى قلبى بسهم فأولجا) فقوله فأولجا من الاستعارات النازلة وهكذا لو قال فأدخلا، ولو قال بدله فأقصدا أو فأنفذا، لكان له موقع حسن فى الاستعارة. فهذه الأمور «إذن» تعرف بالذهن الصافى، ويحكم فيها الذوق المعتدل. وفى ما ذكرناه كفاية فى التنبيه على ما أردنا من ذلك على غيره.

стр. 124

التقسيم الرابع باعتبار كيفية الاستعمال للاستعارات اعلم أن الاستعارة تجرى فى استعمالها على أوجه أربعة نذكرها. الوجه الأول استعارة المحسوس للمحسوس وهذا كقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن: ٥٨] شبه الحور العين بالمرجان والياقوت فى شدة الحمرة والرقة وهكذا قوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات: ٤٩] شبههن بالبيض فى بياضه ورقته ولطافته، فهذه استعارة مقدرة بتقدير طرح أداة التشبيه فتكون استعارة محققة، كما أن كل ما كان من الاستعارة يطوى فيه ذكر المشبه فهو من التشبيه المقدر كقولك: رأيت أسدا، ولقينى أسد، كما مر بيانه. ومثال الاستعارة المحققة فى المحسوسين قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤] فالمستعار النار، والمستعار له هو الشيب، بواسطة الانبساط ومنه قوله تعالى: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف: ٩٩] فالموجان، حركة المآء فى الأصل، فاستعير للقلق والفشل والاضطراب فى الأمر. ومن هذا قوله تعالى: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات: ٤١] فالمستعار منه المرأة التى لا تلد ولدا، والمستعار له الريح، لأنها لا تصلح شيئا ولا ينمو بها نبات. وقوله تعالى: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس: ٣٧] فالمستعار له خروج النهار من ظلمة الليل، والمستعار منه ظهور المسلوخ من جلدته، فلما كان النهار من شدة الاتصال بالليل كاتصال الجلد بالمسلوخ منه، لا جرم حسنت الاستعارة، وهو باب واسع فى كتاب الله تعالى والسنة الشريفة. الوجه الثانى استعارة المعقول للمعقول وهذا كقوله تعالى: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [يس: ٥٢] فاستعار الرقاد للموت، وكلاهما أمر معقول. وقوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [الأعراف: ١٥٤] فالسكوت عبارة عن زوال الغضب وارتفاعه: وهما أمران عقليان. ومنه قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ [الفرقان: ٢٣] استعير من قدوم المسافر بعد مدة والمستعار له، هو الجزاء بعد الإمهال. وقوله تعالى: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ

стр. 125

الْغَيْظِ [الملك: ٨] فالغيظ أمر معقول مستعار للحالة المتوهمة للنار. أجارنا الله منها. لإرادة الانتقام بلسان الحال من العصاة. الوجه الثالث استعارة المحسوس للمعقول وهذا كقوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ [الأنبياء: ١٨] فالقذف، والدمغ، أمران معقولان مستعاران من صفات الأجسام، والمستعار له الحق، والباطل، والجامع هو الإعدام والإذهاب ومنه قوله تعالى وَزُلْزِلُوا [البقرة: ٢١٤] فأصل الزلزلة التحريك بالعنف والشدة، ثم يستعار لشدة ما نالهم من العذاب. ومنه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤] الأصل فى الصدع هو الانشقاق للقارورة وغيرها. ومنه قوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [آل عمران: ١٨٧] فالنبذ فى الأصل يستعمل فى إلقاء الشىء عن اليد، ثم استعير فى الأمر المعقول عنه المتناسى حاله، والجامع بينهما اشتراكهما فى الزوال عن التحفظ والإيقاظ. الوجه الرابع استعارة المعقول للمحسوس وهذا كقوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ [الحاقة: ١١] المستعار منه التكبر والعلو، والمستعار له هو ظهور الماء، والجامع بينهما خروج الحد فى الاستعلاء المضر، ومنه قوله تعالى: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ [الحاقة: ٦] فالعتو مستعار من التكبر والشموخ، والمستعار له هو الريح، والجامع بينهما هو الإضرار البالغ. ومنه قوله تعالى: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [الملك: ٨] فالتميز من الغيظ استعاره، استعير للنار والجامع بينهما شدة التلهب والاضطراب كما قال تعالى: سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [الفرقان: ١٢] ومنه قوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [محمد: ٤] فالوضع والوزر معنيان معقولان، استعيرا للحرب وهى محسوسة. تنبيه اعلم أن فى الاستعارة ما يكون معدودا فى التهكم، وحاصل الاستعارة التهكية، أن تستعمل الألفاظ الدالة على المدح فى نقائضها من الذم والإهانة تهكما بالمخاطب، وإنزالا لقدره، وحطا منه وهذا كقوله تعالى: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود: ٨٧] مكان

стр. 126

نقيضهما من السفيه الغوى وقوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١] بدل قوله أنذرهم، لأن البشارة إنما تستعمل فى الأمور المحمودة، والمراد ههنا العذاب والويل ومنه قوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) [الصافات: ٢٣] . والتهكم فى اللغة عبارة عن شدة الغضب على المتهكم به، لما فيه من إسقاط أمره وحط منزلته وحاله، واشتقاقه من: تهكمت البئر، إذا سقط طيها. وهو كثير التدوار فى كتاب الله تعالى خاصة عند عروض ذكر الكفار وأهل الشرك والنفاق كقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] وغير ذلك من الآيات الوعيدية، والخطابات الزجرية الدالة على مزيد الغضب وبالغ الانتقام. اللهم أجرنا من التعرض لسخطك، وعظيم غضبك، يا خير مستجار به، وأكرم من يلاذ برحمته. البحث الرابع فى أحكام الاستعارة اعلم أنا قد ذكرنا ما يتعلق بحقائق الاستعارة، والذى بقى علينا هو ذكر أحكامها الخاصة غير ما أسلفناه من قبل، وجملتها سبعة. الحكم الأول هل المستعار هو اللفظ، أو المعنى ؟ زعم زاعمون أن المستعار هو اللفظ، والذى عليه أهل التحقيق أن الاستعارة إنما تكون متعلقة بالمعنى، وهذا هو المختار، ويدل على ذلك أوجه ثلاثة، أما أولها فلأن الإجماع منعقد من جهة علماء الأدب وأرباب هذه الصناعة على أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة وأن قولنا: زيد أسد، فى المبالغة فى وصف الشجاعة أعظم من قولنا: زيد يشبه الأسد، فى شجاعته، فلو لم تكن هناك استعارة لفظ الأسد ونقله، لم تكن هناك مبالغة لأنه لا مبالغة فى نقل العبارة خالية من معناها وعرية عنه، وأما ثانيا فلأن القائل إذا قال: رأيت أسدا، ولقينى أسد، فالسابق من هذا الكلام هو أنه صوره بحقيقة الأسد مبالغة فى شجاعته، وزيادة فى جراءته، وليس ذلك إلا لأجل ما كان من المقصود من إثبات حقيقة الشجاعة ومعقولها، ولو كان ذلك من أجل استعارة اللفظ لم يكن هذا الإطلاق، لأنه لا يقال لمن سمى إنسانا باسم الأسد، أنه صيره أسدا، وجعله

стр. 127

بحقيقة الآساد، وأما ثالثا فلقوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزخرف: ١٩] فظاهر الآية مشعر بأنهم أثبتوا للملائكة صفة الأنوثة، فلأجل هذا الاعتقاد سموهم باسم الإناث، وليس الغرض إطلاق اسم البنات عليهم من غير اعتقاد معنى الأنوثة، ولهذا قال تعالى: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [الزخرف: ١٩] فلو لم يعتقدوا الأنوثة لكان لا وجه للمبالغة فى التنكير عليهم فى ذلك، وظهر بما لخصناه أن المبالغة فى الاستعارة بإثبات المعنى أولا ثم يتلوه اللفظ فى الاستعارة كما حققناه. الحكم الثانى فى المجاز بالاستعارة هل يكون عقليا أو لغويا اعلم أن المجاز فى الاستعارة يرد على نوعين، النوع الأول منها مركب وهذا كقولنا أحيانى اكتحالى بطلعتك، وقوله: أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشى فإسناد الإشابة والإفناء إلى الكر والمر إنما كان على جهة التجوز بالاستعارة، والحقيقة فيه هو الإضافة إلى الله تعالى لأنه فى الحقيقة هو الفاعل لذلك فإسناده إلى قدرة الله تعالى هو حكم ذاتى، لا من جهة وضع واضع، فإذا أسندناه إلى غيره، فقد نقلناه عما كان مستحقا له لذاته فى الأصل، وعلى هذا يكون التصرف عقليا، فهذا هو مراد علماء البيان بكون المجاز المركب عقليا، فما هذا حاله من الاستعارة لا يختلفون فى تسميته مجازا عقليا، على التقرير الذى لخصناه، هذا تقرير كلام الناظر من أهل هذه الصناعة، والمختار أن المجاز لا مدخل له فى الأحكام العقلية، ولا وجه لتسمية المجاز بكونه عقليا، لأن ما هذا حاله إنما يتعلق بالأوضاع اللغوية دون الأحكام العقلية، وإذا كان الأمر كما حققناه من تعذر المجاز فى العقل فنقول: إن صيغة «أشاب وأفنى» موضوعتان للإسناد إلى الفاعل المختار القادر، فإذا وجدناهما على الإسناد إلى غيره نحو «كر الغداة ومر العشى» عرفنا بذلك أنهما قد استعملا فى غير موضوعهما الأصلى اللغوى، وعلى هذا التقرير يكون المجاز المركب لغويا حيث وقع من غير حاجة إلى كونه عقليا. (النوع الثانى) مفرد وهذا كقولنا: لقيت أسدا، وجاءنى أسد، فما هذا حاله من الاستعارات قد وقع فيه خلاف، وتردد فيه نظر الشيخ عبد القاهر الجرجانى، وله فيه اختياران.

стр. 128

(الاختيار الأول) نصره فى أسرار البلاغة، وهو أن ما هذا حاله من المجاز يكون مجازا لغويا، وحجته على ذلك هو أنا إذا أجرينا اسم الأسد على الرجل الشجاع فإنما نجريه بطريق التأويل، فلأجل هذا كان ما ذكرناه استعمالا للأسد فى غير موضوعه، ويؤيد ما ذكرناه ويزيده وضوحا هو أنا إذا أطلقنا على الرجل اسم الأسد فإنما كان ذلك الإطلاق من أجل اختصاصه بالشجاعة، ولا ندعى للرجل صورة الأسد وشكله وهيئته وتأليفه، واسم الأسد ليس موضوعا على معنى الشجاعة وحدها، بل هو موضوع على تمام هذه الهيئة وكمالها، فإذا أجرينا عليه اسم الأسد تبعا لثبوت صفة الشجاعة، فقد سلبنا عن الصيغة بعض ما كان مندرجا تحتها فى أصل وضعها من الشكل والهيئة وتدوير الوجه، وعرض المقادم، ودقة المآخير فيكون نقلا لها عما وضعت له فى الأصل. (الاختيار الثانى) نصره فى دلائل الإعجاز، وتقرير كلامه: أنه قد كثر كلام الناس فى أن الاستعارة لفظة منقولة عن موضوعها الأصلى، وهو خطأ، وبيانه أنك لا تطلق لفظ الأسد على الرجل إلا بعد أن تعتقد أنه بصفة الأسد وشكله وهيئته، وتتصوره بجميع صفاته، فلما كان الأمر كما قلناه فأنت لم تنقل لفظة الأسد عما كانت موضوعة له فى الأصل. لأنك إنما تكون ناقلا لها إذا لم تقصد معناها الأصلى، فأما إذا كنت قاصدا له فلا وجه لكونها منقولة، فلأجل هذا قضينا بكون هذا المجاز عقليا، فهذا تقرير كلامه ههنا، وإلى كون هذا المجاز عقليا ذهب ابن الخطيب الرازى، واختار ما قرره عبد القاهر فى دلائل الإعجاز، والمختار عندنا ما نصره فى أسرار البلاغة من كونه لغويا، ومعتمدنا فى ذلك أمران، أحدهما أن القائل إذا قال لقينى الأسد، وجاءنى الأسد، فالسابق إلى الفهم من هذا هو أنه جاءه رجل بالغ فى الشجاعة كل مبلغ ليس فوقها رتبة لأنه شاكل الأسد فى شجاعته لا غير، وليس الغرض حصوله على هيئة الأسد، فى تدوير الهامة، وحدة الأنياب، وطول البراثن، إلى غير ذلك من الصفات، وإنما الغرض إحراز وصف الشجاعة دون غيره من الصفات. وثانيهما أنه لو كان الغرض من إطلاق لفظ الأسد أنه لابد من إحراز جميع أوصافه ومعانيه، لكان إذا جردنا الاستعارة فقلنا جاءنى أسد يضحك، ورأيت أسدا له عقل

стр. 129

وافر، وبحرا قد برز على الأقران فى فضله، أن يكون مناقضا، لأن قولنا يضحك، وله عقل وافر، وفضل باهر، ينافى هذه الاستعارات، لأن الأسد لا يوصف بالضحك ولا بالعقل ولا يوصف البحر بالفضل، وفى هذا دلالة على أن المجاز يجب كونه لغويا بالاستعارة، كما أشرنا إليه. إشارة اعلم أن هذه الاستعارة فى المفرد والمركب كما ذكرناه، فأما الخلاف فى كونها مجازا، هل يكون عقليا، أو لغويا فالأمر فيه قريب، وليس وراء النزاع كبير فائدة، فإذا فهم المراد من كونه لغويا أو عقليا، فلا عليك فى إطلاق العبارة بعد إحراز المعانى والوقوف على حقائقها. الحكم الثالث فى بيان محل الاستعارة ومكانها اعلم أن أعظم ما تدخل فيه الاستعارة هو أسماء الأجناس، وهذا كقوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: ٢٤] وقوله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة: ١٧، ١٨] وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا [يس: ٩] وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الأنعام: ٢٥] فأما أسماء الأعلام فقد قررنا فيما سبق استحالة دخول المجاز فيها فضلا عن الاستعارة، فلا وجه لتكريره، وقد تدخل الاستعارة فى أسماء الإشارة كقوله تعالى: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ص: ٥٥] فقوله: هذا استعارة لأنه إنما يستعمل حقيقة فيما كان قريبا مشارا إليه، فالمجاز فى الإشارة داخل ههنا فيما يعرض من أحواله فى القرب والبعد، فلا يكون مناقضا لما أسلفناه من أن أسماء الإشارة لا يدخلها المجاز، فإنما تعذر المجاز فيها من حيث الإطلاق، وقد تدخل الاستعارة فى الأفعال، كقولك: نطقت الحال بكذا، لأن الحال غير ناطقة، وإنما يكون النطق حقيقة من الإنسان وغيره، فهذه الاستعارة فيها من جهة مفعولاتها كما قال: فلان أظهر العلوم بعد خفائها، ورفع المجد بعد انخفاضه، قال ابن المعتز:

стр. 130

جمع الخلق لنا فى إمام ... قتل البخل وأحيى السماحا وكقول الحريرى: وأقر المسامع إما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا الحكم الرابع فى بيان موقع الاستعارة اعلم أنهم ربما بالغوا فى الاستعارة حتى ينزلوها منزلة الحقيقة، وبيان ذلك أنهم قد يستعيرون الوصف للشىء المعقول ويجعلون تأتيه لذلك الشىء على جهة التحقيق وكأن خلافها محال وكأن الاستعارة غير موجودة، وينكرون خلاف ذلك ويتعجبون منه، وهذا كقول أبى تمام: ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة فى السماء فقرر صعوده فى الخصال العالية، والمراتب الشريفة، على وجه لا يمكن جحده ولا يسوغ إنكاره، وأحسن من هذا وأوضح لما نحن فيه قول بعض الشعراء: ومن عجب أن الصوارم والقنا ... تحيض بأيدى القوم وهى ذكور وأعجب من ذا أنها فى أكفهم ... تأجج نارا والأكف بحور فلولا أن هذه الاستعارة قد نزلت منزلة الحقائق لما كان للتعجب وجه، ومن هذا ما قاله بعض الأدباء: لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر فالقمر من طبعه إبلاء الأثواب وتقطيعها فمعناه لا تعجبوا من تقطيع الغلالة فإنها مشتملة على القمر، فانظر إلى تحقيقه للاستعارة وتقريرها، ومن هذا قوله: قامت تظللنى من الشمس ... نفس أعز على من نفسى قامت تظللنى ومن عجب ... شمس تظللنى من الشمس فلولا أنها قد نزلت عنده منزلة الشمس على الحقيقة لما كان للتعجب وجه.

стр. 131

الحكم الخامس فى التفرقة بين الاستعارة والتشبيه المحققون من علماء البيان على حصول التفرقة بينهما، وصار صائرون إلى أنه لا فرق بينهما فنقول: أما ما كان من التشبيه مظهر الأداة بالكاف، وكأن، فلا تخفى التفرقة بينه وبين الاستعارة تفرقة لفظية، وأما ما كان من التشبيه مضمر الأداة، فقد يكاد يلتبس بالاستعارة، وهل يكون لاحقا بالتشبيه، أو بالاستعارة فى نحو قولك جاءنى الأسد، ومررت بالأسد، وقد قدمنا ذكر الخلاف فيه وذكر المختار فيه فأغنى عن الإعادة، وعلى الجملة فلابد من إدراك التفرقة بينهما، وحاصله أن التشبيه حكم إضافى لا يوجد إلا بين شيئين مشبه ومشبه به بخلاف الاستعارة، فإنها لا تفتقر إلى شىء من ذلك، بل تفهم مطلقة من غير إشارة إلى آخر وراء الاستعارة ولهذا فإنك تجد فرقا بين قولنا: زيد الأسد، وبين قولك جاءنى الأسد، فى كون الأول ينجذب إلى التشبيه لأنه يشير إليه. والثانى استعارة مع اتفاقها جميعا فى إضمار أداة التشبيه، فهذا هو الذى يفتقر إلى التفرقة بينه وبين الاستعارة، فأما ما كان من الاستعارة لا يفهم منه التشبيه فلا يحتاج إلى التفرقة بحال، كقوله تعالى: ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: ٩١] ، وقوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ [الحاقة: ١١] وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأعراف: ١٨٦] . الحكم السادس فى التفرقة بين الاستعارة المجردة، والموشحة اعلم أنا نريد بتجريد الاستعارة هو أن نذكر اللفظ المستعار ونقرن به ما يلائم المستعار له كقولك: رأيت أسدا يتكلم، ولقيت بحرا يضحك، وهذا يخالف الاستعارة الموشحة، فإنك تذكر اللفظ المستعار وتقرن به ما يلائم المستعار نفسه فتقول: رأيت أسدا دامى الأنياب، طويل البراثن، فحاصل التفرقة بينهما أن كل ما كان ملائما للمستعار له فهو التجريد، وما كان ملائما للمستعار نفسه من الأحكام فهو التوشيح، فبما ذكرناه تدرك التفرقة بينهما.

стр. 132

الحكم السابع فى التفرقة بين الاستعارة المحققة وبين الخيالية اعلم أن كل ما كان من الاستعارات لا يفهم منه معنى التشبيه لا على قرب ولا بعد كقوله: أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنابا فما هذا حاله من الاستعارات محقق لا يفهم منه معنى التشبيه بحال، ولو ذهبت تقدر التشبيه أخرجته عن حقيقة البلاغة، وسلبت عنه ثوب جمالها، فأما ما كان من الاستعارات يفهم منه معنى التشبيه الذى لا يدرك فى الوجود ويكون متصورا فى الخيال، فهذه هى الاستعارات الخيالية، وهذا كقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [المائدة: ٦٤] وجميع آيات التشبيه كله من باب الاستعارات الخيالية، فحاصل التفرقة آئل إلى أن كل ما كان من الاستعارات لا يفهم منه معنى التشبيه فهى الاستعارة المحققة، وما كان منها يدرك فيه التشبيه على جهة التقدير فهى الخيالية، وما كان يدرك فيه التشبيه على جهة التحقيق، فهو الاستعارة المشبهة، وقد قررنا هذه الأمثلة فلا مطمع فى الإعادة لها، وفيما ذكرناه كفاية فى أحكام الاستعارة، ولنختم هذه القاعدة بالكلام فى ذكر الاستعارة فيه باعتبار أمره فى نفسه فهو المعبر عنه بالأصلية، وما كانت الاستعارة فيه باعتبار حال غيره، فهو المعبر عنه بالتبعية، فالأول هو ما كان من الاستعارة متعلقا بأسماء الأجناس فهو بالأصالة، وأكثر ما يرد فيه كما أوضحنا أمثلته فى الاستعارات وكل ما كان واردا فى الأفعال، والحروف، فهو من الاستعارات التبعية، لأنها إنما وردت فى الأفعال باعتبار مصادرها، وإنما وردت فى الحروف باعتبار متعلقاتها، فمثال الأفعال قولك: تخبرنى حالك بأنك عائب على، وحالك ينطق لى بأنك مفارقى، ومثال الحروف قوله تعالى لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة: ٣٥] فموضوعها للترجى، وليس ههنا ترج وقوله تعالى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: ٨] فاللام للتعليل، وليس ههنا تعليل ولكنها ترد على جهة الاستعارة لمعان أخر، والاستعارة فيها إنما وردت باعتبار غيرها كما أوضحناه، وهكذا الأمر فى سائر الأفعال، والحروف، فإنها إنما ترد فيها الاستعارة إذا جاءت مخالفة لموضوعاتها الأصلية، فإنها على جهة الاستعارة من غيرها والله أعلم بالصواب.

стр. 133

القاعدة الثانية من قواعد المجاز فى ذكر التشبيه وحقائقه هذه قاعدة واسعة النطاق ممتدة الحواشى، فسيحة الخطور، ولكنها غامضة المدرك، متوعرة المسلك، دقيقة المجرى عزيزة الجدوى، وإنما قدمنا عليها الكلام فى الاستعارة، لاتفاق علماء البيان على عدّها قاعدة من قواعد المجاز، ولا خلاف بين علماء البيان على عدها قاعدة من قواعد المجاز، ولا خلاف بين علماء البيان فى أن التشبيه من أودية البلاغة، وإنما وقع النزاع هل يعد من أودية المجاز أم لا، فالذى عليه النظار من علماء البلاغة وأهل التحقيق من علماء البيان أنه غير معدود فى المجاز، وهو رأى الشيخ ناصر بن أبى المكارم المطرزى فى شرحه للحريريات، وعن ابن الأثير أنه معدود من جملة المجاز، ويمكن الانتصار له على المطرزى بأمرين، أما أولا فلأنه عد الكناية من أودية المجاز، والتشبيه أقرب منها إليه، وأما ثانيا فلأن مضمر الأداة من التشبيه معدود فى الاستعارة، وقد اعترف بها، فإذن لا وجه لإنكار التشبيه أن يكون معدودا من أودية المجاز، والعجب منه فى قبول الكناية وعدها من المجازات، وإنكار ما ذكرناه من التشبيه، مع أن الكناية دالة على موضوعها الأصلى فى اللغة، كما سنقرره عند الكلام فيها بمشيئة الله تعالى. واعلم أنا قبل الخوض فى أسرار التشبيه وذكر حقائقه، نقدم التنبيه على أمور أربعة تكون كالتمهيد والتوطئة لما نريد ذكره من ذلك . التنبيه الأول فى بيان ماهية التشبيه أما لفظه فهو مصدر من قولهم شبهته بكذا، إذا جمعت بينهما بوصف جامع، وأما فى مصطلح علماء البيان فنذكر له تعريفات ثلاثة وفيها كفاية. التعريف الأول ذكره المطرزى ، وحاصل كلامه فى ماهيته هو الدلالة على اشتراك شيئين فى وصف هو من أوصاف الشىء فى نفسه، هذه الفاظه، وهذا فاسد لأمرين، أما أولا، فلأنه إن أراد بالدلالة حقيقتها، فالشىء لا يدل على نفسه، ومن حق الدليل أن يكون مغايرا له لمدلوله،

стр. 134

وإن أراد بلفظ الدلالة أن من عرف الحد عرف لا محالة المحدود، فهذا جيد، لكن لفظ الدلالة يوهم الخطأ من جهة المغايرة، فيجب اطراحها، وأما ثانيا فلأنه لم يفصل بين التشبيه الوارد على جهة الاستعارة كقولك جاءنى الأسد، ورأيت بحرا، وبين التشبيه الصريح كقولنا: زيد كالأسد، وعمرو كالسيف، وغير ذلك وكلاهما معدود من باب التشبيه، والغرض ههنا هو المظهر الأداة فكان من حقه فصله عما ذكرناه بذكر الأدلة، لأنه هو المقصود بذكر هذه القاعدة. التعريف الثانى ذكره الشيخ عبد الكريم السماكى ، وحاصل مقالته أنه ركن من أركان البلاغة، لإخراج الخفى إلى الجلى وإدنائه البعيد من القريب، هذا ما ذكره فى كتابه التبيان، وهو فاسد أيضا لأمرين، أما أولا فلأن ما قاله إنما هو إشارة إلى فائدته ومقصوده، وليس فيه بيان ماهيته فى ذاته، كمن يقول فى ماهية الأسد، هو الحيوان الذى تخاف سطوته وله هيبة فى النفوس، فكما أن هذا غير موصل إلى ماهية الأسد، فكذا ما قاله، ولأنه لم يفصل بين مضمر الأداة، ومظهر الأداة، وحقيقة أحدهما مخالفة لحقيقة الآخر ولأن ذكر الأداة جزء من مفهوم هذه القاعدة التى تصدينا لكشفها وبيانها، فلابد من ذكر الأداة، وظهر مما حققناه ضعف ما قالا. التعريف الثالث وهو المختار أن يقال هو الجمع بين الشيئين، أو الأشياء بمعنى ما بواسطة الكاف ونحوها، فقولنا: «هو الجمع بين الشيئين» يدخل فيه التشبيه المفرد كقولك: زيد كالأسد، «أو الأشياء» ليدخل فيه التشبيه المركب على أوصافه ومراتبه كما سنقرره ونصف حاله ونمثله، وقولنا: «بمعنى ما» عام لجميع الأوصاف كلها العقلية والحسية، المفردة والمركبة وقولنا «بواسطة الكاف» يخرج العطف لأنه جمع بين الشيئين، أو الأشياء لكن بغير الكاف، ويخرج عنه مضمر الأداة كقولنا: زيد أسد، فإنه ليس من التشبيه الذى أوردنا فى هذه القاعدة، وإنما هو معدود فى الاستعارة كما قررناه من قبل، فهكذا يكون تعريفه بما ذكرناه، ولقد حام من أسلفنا ذكره فى تعريف حقيقة التشبيه حول ما قررناه، فما وقع، وصأصأ فما فقح، ومن حق من أراد تعريف ماهية من الماهيات أن يورد فى حده أخص أوصافها وأن يصونها عن النقوض.

стр. 135

دقيقة اعلم أنا قد جعلنا هذه القاعدة للتشبيه فصدرناها بلقبه، وحكينا عن المطرزى إنكار كونه معدودا من المجازات وإن عد من أنواع البلاغة، وإلى هذا ذهب الشيخ عبد الكريم صاحب التبيان، وغالب الظن بل نعلم قطعا أن كل ما كان من التشبيه مضمر الأداة كقولنا: زيد الأسد، ولقينى الأسد، وعمرو الشمس فى ضيائه، والقمر فى نوره، والبحر فى كرمه، إلى غير ذلك من التشبيهات المضمرة فإنهما لا يخالفان فى كون ما هذا حاله معدودا فى المجاز، وإن كان من التشبيه، لأن ظاهره الاستعارة وإن كان المشبه به فى طيه، فلهذا وجب عده فى المجاز، وإنما يتوجه خلافهما فيما كان من التشبيهات مظهر الأداة، كقولنا: هو كالبحر كرما، وكالقمر نورا، وكالبدر تماما وكمالا، فما كان بهذه الصورة ففيه مذهبان. المذهب الأول أنه معدود من جملة المجازات، وهذا الذى يشير إليه كلام ابن الأثير، وحجته على ذلك أن قولنا: زيد أسد إذا كان معدودا فى المجاز باتفاق بين علماء البيان، فيجب فى قولنا: زيد كالأسد شجاعة، أن يعد فى المجاز أيضا، إذ لا تفرقة بينهما إلا من جهة ظهور الأداة، وظهورها إن لم يزده قوة ودخولا فى المجاز لم يكن مخرجا له عن المجاز، ولأن التمثيل إذا كان معدودا فى المجاز فى نحو قولنا: فلان يقدم رجلا ويؤخر أخرى، يقال للمتحير فى أمره فهكذا حال التشبيه أيضا. المذهب الثانى إنكار كونه معدودا فى المجاز، كما حكيناه عن المطرزى وعبد الكريم، وغيرهما، وحجتهم على ما قالوا: أن المجاز استعمال اللفظ فى غير موضوعه الأصلى وقولنا. زيد كالأسد، مستعمل فى موضوعه فى الأصل، فلهذا لم يكن معدودا فى المجاز، فهذا تقرير الكلام فى المذهبين جميعا، والمختار عندنا كونه معدودا فى علوم البلاغة، لما فيه من الدقة واللطافة، ولما يكتسب به اللفظ من الرونق والرشاقة، ولاشتماله على إخراج الخفى إلى الجلى، وإدنائه البعيد من القريب، فأما كونه معدودا فى المجاز أو غير معدود، فالأمر فيه قريب بعد كونه من أبلغ قواعد البلاغة، وليس يتعلق به كبير فائدة، وربما كان الخلاف فى ذلك لفظيا فعدلنا عنه.

стр. 136

التنبيه الثانى فى بيان الصفة الجامعة بين المشبه والمشبه به اعلم أن كل من أراد تشبيه شىء بغيره، فلابد من اجتماعهما فى وصف يكون دالا على الاجتماع وعلما دالا على المبالغة، ولابد من أن يكون المشبه به أعلا حالا من المشبه، لتحصل المبالغة هناك، وتختلف تلك الأوصاف الجامعة ويحصرها أقسام ستة. القسم الأول الأوصاف المحسوسة وهى بالإضافة إلى الحواس التى هى طريق الإدراك خمسة، نفصلها بمعونة الله تعالى. المدرك الأول: الاشتراك فى الصفة المبصرة ، ومثاله قوله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) [الصافات: ٤٨، ٤٩] فالجامع هو البياض، وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) [الرحمن: ٥٨] فالجامع الحمرة، ونحو تشبيه الخد بالورد فى البياض المشرب بالحمرة، والشعر بالليل فى سواده، وكقول بعضهم: وكأن أجرام السماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق فشبه أديم السماء فى صفاء زرقته، وبياض النجوم، بدرر منثورة على بساط أزرق، وكقول بعضهم فى وصف ما يجتمع من الأزهار فى الزرقة والبياض والحمرة. ولا زوردية تزهو بزرقتها ... بين الرياض على حمر اليواقيت كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار فى أطراف كبريت ولأمير المؤمنين فى هذا اليد البيضاء حيث قال فى خلقة الطاووس: ومخرج عنقه كالإبريق، ومغرزها إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية، والوسمة «بكسر السين» نبت أسود يقال له «العظلم» أو كحريرة ملبسة مرآة ذات صقال، وكأنه متلفع بمعجر أسحم، ومع فتق أذنه خط كمستدق القلم، فهو كالأزاهير المبثوثة. وقال: فى جناحه إذا نشره من طيه وسما به مطلا على رأسه كأنه قلع دارى عنجه نوتيّه- والنوتى هو الملاح- فإن ضاهيته بالملابس فهو كموشى الحلل، وإن شاكلته بالحلى فهو كفصوص ذات ألوان، فانظر إلى

стр. 137

هذه التشبيهات المدركة بالبصر، ما أدقها وما أوقعها فى التشبيه وأرقها، تكاد لدقتها تسحر الألباب، ويعجز عن حصر معانيها فى البلاغة منطق الخطاب. المدرك الثانى فى الاشتراك فى الكيفية المسموعة ، وهذا نحو تشبيه صوت الخلخال، بصوت الصنج كما قال «كأن صوت الصنج فى مصلصله» وتشبيه أواخر الميس بأصوات الفراريج قال: كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس إنقاض الفراريج ونحو تشبيه الأسلحة فى وقعها بالصواعق وتشبيه الأصوات الطيبة فى قراءة القرآن بالمزامير المدرك الثالث فى الاشتراك فى الكيفية المذوقة ، وهذا نحو تشبيه الفواكه الحلوة بالعسل، والريق بالخمر قال: كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى وذوب العسل يعل به برد أنيابها ... إذا النجم وسط السماء اعتدل المدرك الرابع فى الاشتراك فى الكيفية المشمومة ، وهذا نحو تشبيه النكهة بالعنبر، وتشبيه شم الريحان بالكافور والمسك، ومثل تشبيه الرياحين المجتمعة فى الريح، بالغالية، لكونها مجموعة من أنواع طيبة، ونحو تشبيه الأخلاق الكريمة بالعطر. المدرك الخامس فى الاشتراك فى الكيفية الملموسة ، وهذا نحو تشبيه الجسم بالحرير، وحسن الشمائل بالديباج قال: لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشى لا هراء ولا نزر

стр. 138

القسم الثانى فى الأوصاف التابعة للمحسوسات، وذلك أمور ثلاثة أولها الأشكال، وليس يخلو حالها، إما أن تكون على جهة الاستقامة، وهذا نحو تشبيه حسن القامة بالرماح فى الطول، وبخوط البان، فى حسن التكسر والتثنى، وإن كان على جهة الاستدارة، فمثل تشبيه القطعة من العجين بالكرة، ونحو تشبيه الأمر المعضل بالحلقة المبهمة، فى أنه لا يهتدى لصوابه، وثانيها الاشتراك فى المقادير، وهذا نحو تشبيه عظيم الخلق بالجمل، والفيل، ونحو تشبيه من يسند إليه معظم الأمور بالجبل، وتشبيه من يستقيم فى أمره بالقدح، والميل، وثالثها الاشتراك فى الرخاوة، والصلابة، واللين، كتشبيه الشىء الصلب بالحديد، والأحجار، ونحو تشبيه الشىء الرخو بالحرير، والقطن، إلى غير ذلك وإنما ألحقنا هذه الأمور بالحسيات، لأنها مختصة بها، وأكثر ما تكون فى الأجسام كما مثلناه. القسم الثالث فى الأوصاف العقلية وهذا نحو تشبيههم المرض الشديد بالموت، ونحو تشبيههم العافية بالملك، والقناعة بالمال، والفقر بالكفر، والسفر بالعذاب، والسؤال للخلق بالموت فى أكثر الحوائج والضلال عن الحق بالعمى، والاهتداء إلى الخير بالإبصار، وكما شبهوا الجود بالمطر، والوابل، ومثلوا الأنامل بالشآبيب من الغيث، ومثلوا العدو الشديد بالطيران، وكقوله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [الحج: ٣١] مثّل حال من تلبس بالشرك واعتقده وشرح به صدره، بمنزلة من سقط من السماء فقطعته الطير، أو أبعدته الريح فى أبعد ما يكون وأقصاه، شبه الشرك فى بعده، وتلاشيه، وبطلانه، وزواله، بهذه الأمور التى هى النهاية فى البعد والبطلان.

стр. 139

القسم الرابع فى الأوصاف الوجدانية من النفس وهذا نحو تشبيههم العلم بالحياة، والجهل بالموت، ومنه قوله تعالى. فى الاستعارة على جهة التشبيه: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ [الأنعام: ١٢٢] فيجوز فيما هذا حاله، أن يراد به العلم، والجهل فى الحياة، والموت، ونحو تشبيههم الجوع بالنار، والعطش باللهب وتسعر النار، وتشبيه الأشواق، والغيظ، والأسف والغضب، بالنار فى تلظيها وتلهبها إلى غير ذلك من الأمور الموجودة من جهة النفس. القسم الخامس فى الأمور الخيالية وهذا نحو أن يتخيل شبحا من بعيد، فيظنه إنسانا، فإذا تخيله ضئيلا، شبهه بالقلم، وإن تخيله جسيما، شبهه بالفيل والجمل، وهكذا إذ رأى حيوانا، فإذا تخيله أسدا، شبهه بالبرق لسرعة جريه، وإذا تخيله شاة، شبهها بالبكرة لعظمها وفخامة جسمها، وهكذا القول فى سائر الأمور الخيالية، فإن التشبيه على قدر ما يرى عن الخيال. القسم السادس فى الأمور الوهمية وهذا نحو أن يتوهم الواحد منا فراق ما يألفه فيشبهه بتقطيع الجسم ووخز الشفار ونحو أن يتوهم انقطاع إحسان واصل إليه من جهة الغير بزوال الروح، وانقطاع الأباهر، إلى غير ذلك من الأمور الوهمية، والتفرقة بين الأمور الخيالية والأمور الموهومة هو أن الخيال أكثر ما يكون فى الأمور المحسوسة، فأما الأمور الوهمية فإنما تكون فى المحسوس وغير المحسوس مما يكون حاصلا فى التوهم وداخلا فيه.

стр. 140

التنبيه الثالث فى بيان ثمرة التشبيه وفائدته اعلم أنك إذا أردت تشبيه الشىء بغيره فإنما تقصد به تقرير المشبه فى النفس، بصورة المشبه به، أو بمعناه. فيستفاد من ذلك البلاغة فيما قصد به من التشبيه على جميع وجوهه من مدح، أو ذم، أو ترغيب، أو ترهيب، أو كبر، أو صغر، أو غير ذلك من الوجوه التى يقصد بها التشبيه وتراد للإيجاز أيضا والاختصار فى اللفظ من تعديد الأوصاف الشبهية، وتراد للبيان والإيضاح أيضا، فهذه مقاصد ثلاثة نفصلها بمعونة الله تعالى. المقصد الأول فى إفادته للبلاغة ، وهذا كقوله تعالى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ [الرحمن: ٢٤] فشبه السفن الجارية على ظهر البحر بالجبال، فى كبرها وفخامة أمرها على جهة المبالغة فى ذلك، وهكذا القول فى جميع تصرفات التشبيه، فإنه لا ينفك عن إفادة البلاغة، وإلا لم يكن تشبيها، لأن إفادته للبلاغة هو مقصده الأعظم، وبابه الأوسع، ولهذا فإنك لا تكاد تجد تشبيها خاليا عن مقصود البلاغة على حال، وكلما كان الإغراق فى التشبيه والإبعاد فيه وكونه متعذر الوقوع والحصول، كان أدخل فى البلاغة، وأوقع فيها، وهذا نحو تشبيه نور الله تعالى بنور المصباح فى المشكاة، سواء قلنا: إن المشبه هو نور الله تعالى كما هو الظاهر من الآية، أو هو نور الرسول ﷺ ، فالمقصود هو البلاغة فى ذلك، كما قال بعضهم فى وصف الخمر: وكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء شمس الضحى رقصت فنقّط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء فانظر إلى ما أبدعه فى المبالغة بهذا التشبيه، حيث شبه الساقى بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه حببها بالكواكب إغراقا فى ذلك، ومبالغة فيه، وكما قال بعض الشعراء: فى وصف الشقائق على أعوادها إذا حركتها الريح فتارة تستقيم، وتارة تعوج قال: وكأن محمر الشقي ... ق إذا تصوب أو تصعد أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد

стр. 141

وكما ورد فى الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: «المؤمن كالسنبلة، تعوج أحيانا، وتقوم أخرى» أراد بذلك أنه لا يخلو فى تصرفه عن أن يكون مستقيما على الدين فذلك حال الاستقامة، أو يكون مقارفا للذنب، فتلك حالة الاعوجاج وقوله ﷺ «المؤمن كخامة الزرع» «١» أراد أنه غافل عن أكثر المداخل، مشغول بما هو فيه من أمر الدين عن التفطن للأمور كالزرعة بين الزرع الكثيف، فإنه إذا غلظ عليها لم تكن بارزة للريح والشمس فتحصل لها الصلابة، فتراه فى جميع مجاريه لابد من إفادته للبلاغة ومراعاتها فيه. المقصد الثانى فى إفادته للإيجاز وهذا ظاهر، فإنك إذا قلت زيد كالأسد، فإن الغرض تشبيهه بالأسد فى شهامة النفس، وقوة البطش، وجراءة الإقدام، والقدرة على الافتراس، وغير ذلك من الصفات الفاخرة، فقد استغنيت بذكر لفظ الأسد عن أن تقول: زيد شهم شجاع قوى البطش جرىء الجنان قادر على الاعتداء، فهذا هو الذى نريده بالإيجاز، ومن الاختصار العجيب والإيجاز البليغ فى التشبيه قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ [الكهف: ٤٥] فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الآية من أنواع التشبيهات. أشياء بأشياء فى معان وأوصاف بحيث لو فصلت لا حتاجت إلى شرح، مع اختصاصها بجزالة اللفظ، وبراعة النظم، وبلاغة المعانى وحسن السياق، ومن الإيجاز قول البحترى: تبسم وقطوب فى ندى ووغى ... كالرعد والبرق تحت العارض البرد فما هذا حاله من جيد التشبيه وغريبه الموجز غاية فى الإيجاز، وكما قال أبو نواس فى صفة الخمر: وإذا علاها الماء ألبسها ... حببا شبيه خلاخل الحجل حتى إذا سكنت جوامحها ... كتبت بمثل أكارع النمل وكقول أبى نواس فى تشبيه الحبب أيضا: فإذا ما اعترضته العي ... ن من حيث استدارا خلته فى جنبات ال ... كأس واوات صغارا فهذه التشبيهات كلها فى غاية الإيجاز والاختصار كما ترى.

стр. 142

المقصد الثالث فى إفادته للبيان والإيضاح وهذه أيضا هى فائدة التشبيه الكبرى، فإنه يخرج المبهم إلى الإيضاح والمتلبس إلى البيان، ويكسوه حلة الظهور بعد خفائه، والبروز بعد استتاره وهذا كقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة: ١٧] الآية، وقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ الآية [البقرة: ١٩- ٢٠] فهاتان الآيتان واردتان مثالا وتشبيها بحال أهل النفاق. وإيضاحا وبيانا لأمرهم فيما ظهر لهم من النور التام بالرسول ﷺ ، وإعراضهم عنه، فشبه حالهم فى ذلك بالمستوقد للنار، وبالصيب الذى فيه الرعد والبرق، كشفا لحالهم فى النفاق، وإظهارا لأمرهم فيه، فنظام هذه الآية وسياقها دال على نهاية الإيضاح بالتشبيه، وإظهار حالهم به، وهكذا إذا قلت زيد يفيض فيض البحر، ويقدم إقداما كالأسد، فإنك بذكر هذا التشبيه قد أوضحت أمره فى الكرم والشجاعة، وكشفت ذلك بالإيضاح كشفا لا غاية له ولا مزيد عليه، ومنه قوله ﷺ «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» » يعنى فى قطع العلائق، وخفة الحال، فإن الغريب لا علقة له فى بلاد الغربة، وابن السبيل لا لبث له إلا مقدار العبور وقطع المسافة، فهذا المعنى قد أظهره التشبيه نهاية الظهور وأوضح حاله كما تراه. ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه «كن فى الفتنة كابن اللّيون، لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب» أراد أن الفتن إذا تلبس الإنسان بها ووقع فى غمرتها كان أدعى للهلاك وأقرب إلى تورط النفوس، وإذا كان لا علقة له بها، فربما كان ذلك أدعى للسلامة وأقرب إلى الخلاص عنها، وهذه المعانى قد أشعر بها التشبيه ودل عليها ومن واضح التشبيه قول أبى نواس فى ذم الدنيا وتقبيحها: إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو فى ثياب صديق فهذا من التشبيه الواضح المضمر الأداة فلهذا أوردناه ههنا، ومن أعجب ما يورد مثالا فى وضوح التشبيه قول البحترى:

стр. 143

يمشون فى زغف كأن متونها ... فى كل معركة متون نهاء بيض يسيل على الكماة فضولها ... سيل السراب بقفرة بيداء فإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكب فى ماء وقوله أيضا: وتراه فى ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكر على الرجال بكوكب فقد ظهر بما أوردناه من هذه الأمثلة وضوح ما ادعيناه من كون التشبيه مختصا بالإيضاح والبيان لما قصد به. التنبيه الرابع فى بيان مراتب التشبيهات فى الظهور والخفاء والقرب والبعد والزيادة والنقصان وغير ذلك من أحوالها التى تعرض لها اعلم أن الشىء المشبه به كلما كان أبعد من الوقوع كان التشبيه المستخرج منه أغرب، ويكون فى المبالغة أدخل وأعجب، فمثال القريب تشبيه السيوف بالأمواج، وتشبيه أطراف الأسنة بالكواكب، وتشبيه الرجال بالأسود ومن قريب التشبيه وأحسنه ما قاله على بن جبلة: إذا ما تردى لأمة الحرب أرعدت ... حشا الأرض واستدمى الرماح الشوارع وأسفر تحت النقع حتى كأنه ... صباح مشى فى ظلمة الليل ساطع ومنه قول أبى تمام: خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا ... كالحسن شيب لمغرم بدلال ومثال التشبيه البعيد تشبيه الفحم إذا كان فيه جمر ببحر من المسك موجه ذهب، ونحو تشبيه الدماء بنهر من ياقوت أحمر، فهذا وأمثاله من المعدود فى البعيد، لكونه غير متوهم الوقوع بحال، فإن البحر من المسك لا يوجد ولكنه متصور وهكذا، فإن أعلام الياقوت على رماح الزبرجد غير موجودة، ولهذا فإنه لما كان غير موجود كان أدخل فى التشبيه وأعجب لكونه غير واقع ولهذا كان قول من قال: وكأن أجرام السماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق أدخل فى الإعجاب وأغرب من قول ذى الرمة فى شعره:

стр. 144

كأنها فضة قد مسها ذهب لما كان الأول غير واقع، لأن البساط الأزرق عليه درر منثورة لا يكاد يوجد، بخلاف الفضة المموهة بالذهب، فإنها توجد كثيرا، فأما التشبيهات الواردة فى القرآن الكريم والسنة النبوية، فإنها كلها قريبة، وما ذلك إلا لأنها أدخل فى التحقيق، وأقرب إلى التيقن مما لا يكاد يقع، فلهذا كانت مختصة بهما كقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ [النور: ٤٠] وقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ [الجمعة: ٥] وقوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ [الأعراف: ١٧٦] إلى غير ذلك من الأمور الممكنة الوقوع. ومثال الواضح من التشبيه ما قاله على بن جبلة فى وصف الخمر: ترى فوقها نمشا للمزاج ... تقارب لا تتصلن اتصالا كوجه العروس إذا خططت ... على كل ناحية منه خالا ومن أوضحه قول مسلم بن الوليد يصف رجلا بالشجاعة: يلقى المنية فى أمثال عدتها ... كالسيل يقذف جلمودا بجلمود فهذا وأمثاله من الأمور الواضحة فى المقصود منها فى التشبيه، وهكذا جميع التشبيهات فى القرآن العظيم، فإنها واضحة جليلة، ومثال التشبيهات الخفية، ونريد بخفائها أن الأمور المحسوسة الظاهرة مستمدة من الأمور الخفية فى المعانى وهذا كقول بعض الشعراء: وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع فشبه النجوم فى ظلمة الظلام مع نورها بالسنن الواضحة التى هى كالأنوار توسط بينها بدع، كسواد الليل فى ظلمتها، فالسنة فى هداها كالنور، والبدعة فى جهلها بمنزلة الظلمة، ومن هذا قول بعضهم: كأن انصياع البدر من تحت غيمه ... نجاء من البأساء بعد وقوع فشبه المحسوس بالمعقول، مثل البدر الذى ينحسر عنه الظلام، بالمتخلص من البأساء بعد وقوعها عليه، وما ذاك إلا لأن هذه المعانى وضحت وضوحا وقربت من النفوس قربا فألحقت بالأمور المحسوسة فى وضوحها وتحققها، ومن الأمثلة ما حكاه الله تعالى عن مستحلى الربا حيث قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [البقرة: ٢٧٥] وكان القياس فى قولهم: إنما الربا مثل البيع، فى تحليله إغراقا منهم فى المبالغة، وذهابا إلى أن الربا فى باب الحل أدخل من البيع وأقوى حالا، وهذا من أنواع التشبيه يلقب بالمعكوس، ولهذا يقال: صبح كغرة الفرس، ويقال فى عكسه أيضا غرة كالصبح، وسيأتى تقريره بمعونة الله تعالى.

стр. 145

التنبيه الخامس فى اكتساب وجه التشبيه اعلم أن كل من أراد تشبيه شىء بغيره فلا بد من أن يجمع بينهما بوصف ما كما قررناه من قبل، فعليه أن يسعى فى طلب الوجه الجامع بينهما، فمن طلب أن يمثل حركة أو هيئة بغيرهما، فعليه أن يطلب أمرا يتفقان فيه، كما فعل ذلك ابن المعتز فى قوله: وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا فلم ينظر إلى جميع أوصاف البرق كلها ومعانيه، ولكنه أراد تشبيه هيئة البرق وحركة لمعانه بالمصحف، يفتحه القارىء مرة ويطبقه أخرى، فيكون جامعا بين الأمرين المختلفين ما ذكرنا من الجامع. دقيقة ومما يكون مناسبا لما أوردناه فى كونه جامعا بين المختلفات هو أن يجعل الشىء سببا لضده كما يقال أحسن إلى من حيث قصد الإساءة، ونفعنى من حيث أراد الإضرار، كانت نجاتى من حيث قصد إهلاكى، ومن هذا قول بعض الشعراء: أعتقنى سوء ما صنعت من الر ... ق فيا بردها على كبدى فصرت حرا بالسوء منك وما ... أحسن سوء قبلى إلى أحد وما ذاك إلا من أجل تخيل الجامع فى الأمور المختلفة المتضادة. كما قررناه. فهذا ما أردنا ذكر التنبيهات فى صدر هذه القاعدة لتكون توطئة وتمهيدا لما نريد ذكره من أسرار التشبيه وحقائقه، فإذا تمهد ذلك فلنذكر أقسام التشبيه، ثم نردفه بذكر الأمثلة، ثم نذكر كيفية التشبيه، ثم نذكر أحكامه . فهذه مطالب أربعة نفصلها بمعونة الله تعالى. المطلب الأول فى بيان أقسام التشبيه اعلم أن التشبيه له طرق كثيرة، وتنقسم إلى أنحاء منتشرة باعتبارات مختلفة، ولكنا نقتصر من ذلك على تقسيمات أربعة هى وافية بالمطلوب ومندرج تحتها شعب كثيرة.
следующие страницы →