Полный текст (682 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وكما ورد فى الحديث عن الرسول ﷺ أنه قال: «المؤمن كالسنبلة، تعوج أحيانا، وتقوم أخرى» أراد بذلك أنه لا يخلو فى تصرفه عن أن يكون مستقيما على الدين فذلك حال الاستقامة، أو يكون مقارفا للذنب، فتلك حالة الاعوجاج وقوله ﷺ «المؤمن كخامة الزرع» «١» أراد أنه غافل عن أكثر المداخل، مشغول بما هو فيه من أمر الدين عن التفطن للأمور كالزرعة بين الزرع الكثيف، فإنه إذا غلظ عليها لم تكن بارزة للريح والشمس فتحصل لها الصلابة، فتراه فى جميع مجاريه لابد من إفادته للبلاغة ومراعاتها فيه.
المقصد الثانى فى إفادته للإيجاز
وهذا ظاهر، فإنك إذا قلت زيد كالأسد، فإن الغرض تشبيهه بالأسد فى شهامة النفس، وقوة البطش، وجراءة الإقدام، والقدرة على الافتراس، وغير ذلك من الصفات الفاخرة، فقد استغنيت بذكر لفظ الأسد عن أن تقول: زيد شهم شجاع قوى البطش جرىء الجنان قادر على الاعتداء، فهذا هو الذى نريده بالإيجاز، ومن الاختصار العجيب والإيجاز البليغ فى التشبيه قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ
[الكهف: ٤٥] فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الآية من أنواع التشبيهات. أشياء بأشياء فى معان وأوصاف بحيث لو فصلت لا حتاجت إلى شرح، مع اختصاصها بجزالة اللفظ، وبراعة النظم، وبلاغة المعانى وحسن السياق، ومن الإيجاز قول البحترى:
تبسم وقطوب فى ندى ووغى ... كالرعد والبرق تحت العارض البرد
فما هذا حاله من جيد التشبيه وغريبه الموجز غاية فى الإيجاز، وكما قال أبو نواس فى صفة الخمر:
وإذا علاها الماء ألبسها ... حببا شبيه خلاخل الحجل
حتى إذا سكنت جوامحها ... كتبت بمثل أكارع النمل
وكقول أبى نواس فى تشبيه الحبب أيضا:
فإذا ما اعترضته العي ... ن من حيث استدارا
خلته فى جنبات ال ... كأس واوات صغارا
فهذه التشبيهات كلها فى غاية الإيجاز والاختصار كما ترى.
стр. 142
المقصد الثالث فى إفادته للبيان والإيضاح
وهذه أيضا هى فائدة التشبيه الكبرى، فإنه يخرج المبهم إلى الإيضاح والمتلبس إلى البيان، ويكسوه حلة الظهور بعد خفائه، والبروز بعد استتاره وهذا كقوله تعالى:
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
[البقرة: ١٧] الآية، وقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ
الآية [البقرة: ١٩- ٢٠] فهاتان الآيتان واردتان مثالا وتشبيها بحال أهل النفاق.
وإيضاحا وبيانا لأمرهم فيما ظهر لهم من النور التام بالرسول ﷺ ، وإعراضهم عنه، فشبه حالهم فى ذلك بالمستوقد للنار، وبالصيب الذى فيه الرعد والبرق، كشفا لحالهم فى النفاق، وإظهارا لأمرهم فيه، فنظام هذه الآية وسياقها دال على نهاية الإيضاح بالتشبيه، وإظهار حالهم به، وهكذا إذا قلت زيد يفيض فيض البحر، ويقدم إقداما كالأسد، فإنك بذكر هذا التشبيه قد أوضحت أمره فى الكرم والشجاعة، وكشفت ذلك بالإيضاح كشفا لا غاية له ولا مزيد عليه، ومنه قوله ﷺ «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» »
يعنى فى قطع العلائق، وخفة الحال، فإن الغريب لا علقة له فى بلاد الغربة، وابن السبيل لا لبث له إلا مقدار العبور وقطع المسافة، فهذا المعنى قد أظهره التشبيه نهاية الظهور وأوضح حاله كما تراه. ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه «كن فى الفتنة كابن اللّيون، لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب» أراد أن الفتن إذا تلبس الإنسان بها ووقع فى غمرتها كان أدعى للهلاك وأقرب إلى تورط النفوس، وإذا كان لا علقة له بها، فربما كان ذلك أدعى للسلامة وأقرب إلى الخلاص عنها، وهذه المعانى قد أشعر بها التشبيه ودل عليها ومن واضح التشبيه قول أبى نواس فى ذم الدنيا وتقبيحها:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو فى ثياب صديق
فهذا من التشبيه الواضح المضمر الأداة فلهذا أوردناه ههنا، ومن أعجب ما يورد مثالا فى وضوح التشبيه قول البحترى:
стр. 143
يمشون فى زغف كأن متونها ... فى كل معركة متون نهاء
بيض يسيل على الكماة فضولها ... سيل السراب بقفرة بيداء
فإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكب فى ماء
وقوله أيضا:
وتراه فى ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكر على الرجال بكوكب
فقد ظهر بما أوردناه من هذه الأمثلة وضوح ما ادعيناه من كون التشبيه مختصا بالإيضاح والبيان لما قصد به.
التنبيه الرابع فى بيان مراتب التشبيهات فى الظهور والخفاء والقرب والبعد والزيادة والنقصان وغير ذلك من أحوالها التى تعرض لها
اعلم أن الشىء المشبه به كلما كان أبعد من الوقوع كان التشبيه المستخرج منه أغرب، ويكون فى المبالغة أدخل وأعجب، فمثال القريب تشبيه السيوف بالأمواج، وتشبيه أطراف الأسنة بالكواكب، وتشبيه الرجال بالأسود ومن قريب التشبيه وأحسنه ما قاله على بن جبلة:
إذا ما تردى لأمة الحرب أرعدت ... حشا الأرض واستدمى الرماح الشوارع
وأسفر تحت النقع حتى كأنه ... صباح مشى فى ظلمة الليل ساطع
ومنه قول أبى تمام:
خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا ... كالحسن شيب لمغرم بدلال
ومثال التشبيه البعيد تشبيه الفحم إذا كان فيه جمر ببحر من المسك موجه ذهب، ونحو تشبيه الدماء بنهر من ياقوت أحمر، فهذا وأمثاله من المعدود فى البعيد، لكونه غير متوهم الوقوع بحال، فإن البحر من المسك لا يوجد ولكنه متصور وهكذا، فإن أعلام الياقوت على رماح الزبرجد غير موجودة، ولهذا فإنه لما كان غير موجود كان أدخل فى التشبيه وأعجب لكونه غير واقع ولهذا كان قول من قال:
وكأن أجرام السماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
أدخل فى الإعجاب وأغرب من قول ذى الرمة فى شعره:
стр. 144
كأنها فضة قد مسها ذهب
لما كان الأول غير واقع، لأن البساط الأزرق عليه درر منثورة لا يكاد يوجد، بخلاف الفضة المموهة بالذهب، فإنها توجد كثيرا، فأما التشبيهات الواردة فى القرآن الكريم والسنة النبوية، فإنها كلها قريبة، وما ذلك إلا لأنها أدخل فى التحقيق، وأقرب إلى التيقن مما لا يكاد يقع، فلهذا كانت مختصة بهما كقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ
[النور: ٤٠] وقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ
[الجمعة: ٥] وقوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
[الأعراف: ١٧٦] إلى غير ذلك من الأمور الممكنة الوقوع. ومثال الواضح من التشبيه ما قاله على بن جبلة فى وصف الخمر:
ترى فوقها نمشا للمزاج ... تقارب لا تتصلن اتصالا
كوجه العروس إذا خططت ... على كل ناحية منه خالا
ومن أوضحه قول مسلم بن الوليد يصف رجلا بالشجاعة:
يلقى المنية فى أمثال عدتها ... كالسيل يقذف جلمودا بجلمود
فهذا وأمثاله من الأمور الواضحة فى المقصود منها فى التشبيه، وهكذا جميع التشبيهات فى القرآن العظيم، فإنها واضحة جليلة، ومثال التشبيهات الخفية، ونريد بخفائها أن الأمور المحسوسة الظاهرة مستمدة من الأمور الخفية فى المعانى وهذا كقول بعض الشعراء:
وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع
فشبه النجوم فى ظلمة الظلام مع نورها بالسنن الواضحة التى هى كالأنوار توسط بينها بدع، كسواد الليل فى ظلمتها، فالسنة فى هداها كالنور، والبدعة فى جهلها بمنزلة الظلمة، ومن هذا قول بعضهم:
كأن انصياع البدر من تحت غيمه ... نجاء من البأساء بعد وقوع
فشبه المحسوس بالمعقول، مثل البدر الذى ينحسر عنه الظلام، بالمتخلص من البأساء بعد وقوعها عليه، وما ذاك إلا لأن هذه المعانى وضحت وضوحا وقربت من النفوس قربا فألحقت بالأمور المحسوسة فى وضوحها وتحققها، ومن الأمثلة ما حكاه الله تعالى عن مستحلى الربا حيث قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا
[البقرة: ٢٧٥] وكان القياس فى قولهم:
إنما الربا مثل البيع، فى تحليله إغراقا منهم فى المبالغة، وذهابا إلى أن الربا فى باب الحل أدخل من البيع وأقوى حالا، وهذا من أنواع التشبيه يلقب بالمعكوس، ولهذا يقال: صبح كغرة الفرس، ويقال فى عكسه أيضا غرة كالصبح، وسيأتى تقريره بمعونة الله تعالى.
стр. 145
التنبيه الخامس فى اكتساب وجه التشبيه
اعلم أن كل من أراد تشبيه شىء بغيره فلا بد من أن يجمع بينهما بوصف ما كما قررناه من قبل، فعليه أن يسعى فى طلب الوجه الجامع بينهما، فمن طلب أن يمثل حركة أو هيئة بغيرهما، فعليه أن يطلب أمرا يتفقان فيه، كما فعل ذلك ابن المعتز فى قوله:
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا
فلم ينظر إلى جميع أوصاف البرق كلها ومعانيه، ولكنه أراد تشبيه هيئة البرق وحركة لمعانه بالمصحف، يفتحه القارىء مرة ويطبقه أخرى، فيكون جامعا بين الأمرين المختلفين ما ذكرنا من الجامع.
دقيقة
ومما يكون مناسبا لما أوردناه فى كونه جامعا بين المختلفات هو أن يجعل الشىء سببا لضده كما يقال أحسن إلى من حيث قصد الإساءة، ونفعنى من حيث أراد الإضرار، كانت نجاتى من حيث قصد إهلاكى، ومن هذا قول بعض الشعراء:
أعتقنى سوء ما صنعت من الر ... ق فيا بردها على كبدى
فصرت حرا بالسوء منك وما ... أحسن سوء قبلى إلى أحد
وما ذاك إلا من أجل تخيل الجامع فى الأمور المختلفة المتضادة. كما قررناه. فهذا ما أردنا ذكر التنبيهات فى صدر هذه القاعدة لتكون توطئة وتمهيدا لما نريد ذكره من أسرار التشبيه وحقائقه،
فإذا تمهد ذلك فلنذكر أقسام التشبيه، ثم نردفه بذكر الأمثلة، ثم نذكر كيفية التشبيه، ثم نذكر أحكامه
. فهذه مطالب أربعة نفصلها بمعونة الله تعالى.
المطلب الأول فى بيان أقسام التشبيه
اعلم أن التشبيه له طرق كثيرة، وتنقسم إلى أنحاء منتشرة باعتبارات مختلفة، ولكنا نقتصر من ذلك على تقسيمات أربعة هى وافية بالمطلوب ومندرج تحتها شعب كثيرة.
стр. 146
التقسيم الأول باعتبار ذاته إلى مفرد ومركب
، ونعنى بالمفرد ما كان التشبيه فيه مقصورا على تشبيه صورة بصورة من غير زيادة، أو صورة بمعنى، ونعنى بالمركب ما كان التشبيه فيه تشبيها لأمر بأمرين أو بأكثر كما ستراه موضحا فى الأمثلة بمعونة الله تعالى، فإذن هذا التقسيم مشتمل على ضروب أربعة:
الضرب الأول منها تشبيه المفرد بالمفرد
وهذا كقوله تعالى:
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
[الرحمن: ٣٧] شبهها بالدهان لحمرتها، وهو الجلد الأحمر وكقوله تعالى تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌ
[النمل: ١٠] وقوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
[الفيل: ٥] إلى غير ذلك من التشبيهات المفردة الواردة فى القرآن، وقوله ﷺ «مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن، كمثل الأترجّة، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها، ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن، كمثل ريحانة، ريحها طيب ولا طعم لها» . ومنه قولهم زيد كالأسد، وعمرو كالبحر، وقول أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى الشّقشقية، فصاحبها كراكب الصعبة، إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، وقوله فى مخاطبة طلحة والزبير، والله لا أكون كالضبع، تنام على طول اللّدم حتى يصل إليها طالبها.
ومن التشبيه الفائق قول امرىء القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذى لم يثقب
وقول زهير:
بكرن بكورا واستحرن بسحرة ... فهن بوادى الرس كاليد للفم
ولقد أجاد زهير فى هذا التشبيه وأبدع فيه، ومنه قول ذى الرمة:
قف العيس فى أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل
ومثله قول أبى تمام:
خرقاء تلعب بالعقول مزاجها ... كتلعب الأفعال بالأسماء
وكقول ابن المعتز فى وصف العنب:
حتى إذا حرّ آب جاش مرجله ... بفائر من هجير الشمس مستعر
ظلت عناقيده يخرجن من ورق ... كما احتبى الزنج فى خضر من الأزر
стр. 147
وكما قال بعض الأذكياء:
والصبح يتلو المشترى وكأنه ... عريان يمشى خلفه بسراج
ومن ذلك قول بشار:
كأن الناس حين تغيب عنهم ... نبات الأرض أخطأه القطار
ومن بديع التشبيه قول امرىء القيس:
وكشح لطيف كالجديل مخصر ... وساق كأنبوب السقى المذلل
وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبى أو مساويك إسحل
مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل
فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الأبيات من بديع التشبيه وغريبه، ومن هذا قول بعضهم فى تشبيه الفحم والجمر:
كأنما النار فى تلهبها ... والفحم من فوقها يغطيها
زنجية قبضت أناملها ... من فوق نارنجة لتخفيها
ومن جيد التشبيه ورائقه ما قاله بعض الأدباء وهو البحترى:
دنوت تواضعا وعلوت قدرا ... فشاناك انخفاض وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع
ولنكتف بهذا القدر فى المفردات.
الضرب الثانى فى تشبيه المركب بالمركب ،
وما هذا حاله يرد على أوجه أربعة: أولها تشبيه شيئين بشيئين كقوله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
[إبراهيم: ٢٦] فقد مثل الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، وقد قررنا من قبل أنا نريد بالتشبيه المركب ذلك ونحو قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[الجمعة: ٥] وقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً
[البقرة: ١٧١] فمثّل الكفار فى إعراضهم عن الحق والهدى وعدم الإصغاء إلى ما جاء به الرسول برجل يتكلم بما لا يفهم منزلة نعيق البهائم ومن هذا قوله ﷺ : «مثل الرجل الذى لا يتم صلاته كمثل الحامل حملت حتى إذا دنا نفاسها أملصت فلا ذات حمل ولا
стр. 148
ذات ولد» ومن هذا قوله ﷺ فى مثال المؤمن حامل القرآن، كمثل الأترجة، ومثال المنافق الذى لا يحمل القرآن كمثل الحنظلة، وسائر تلك الأحاديث أسلفناها تمثيلا للمفرد بالمفرد، وهى ههنا صالحة للتمثيل المركب بالمركب فى شيئين بشيئين، فإن كان بالإضافة إلى الموصوف مع صفته، فهو من باب المركب بالمركب، والأمر فيه قريب، ومن الشعر قول امرىء القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
وقول بشار:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وثانيها تشبيه ثلاثة بثلاثة وهذا كقول بعضهم:
ليل وبدر وغصن ... شعر ووجه وقد
خمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد
فهذا عددناه من التشبيه، وإن لم تظهر فيه الأداة، لأنه فى معنى التشبيه، وإن كانت أداته مضمرة، لأن ظهورها يكون مقدرا.
وثالثها تشبيه أربعة بأربعة وهذا كقول امرىء القيس:
له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
وكقول أبى نواس:
تبكى فتذرى الدر من نرجس ... وتمسح الورد بعناب
فشبه الدمع بالدر، والعين بالنرجس، لما فيه من اجتماع السواد والبياض، وشبه الوجه بالورد، وشبه الأنامل بالعناب، فهذه تشبيهات أربعة كما أشرنا إليه وكما قال بعضهم:
فزحزحت شفقا غشّى سنا قمر ... وساقطت لؤلؤا من خاتم عطر
فشبه الخمار بالشفق، لحمرته، وشبه الوجه بالقمر، وشبه ثناياها باللؤلؤ، وشبه فمها بالخاتم.
ورابعها تشبيه خمسة بخمسة وهذا كقول الوأواء الدمشقى:
فأمطرت لؤلؤّا من نرجس وسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد
فجميع ما أوردناه فى هذا الضرب إنما هو فى تشبيه المركب بالمركب.
стр. 149
الضرب الثالث فى تشبيه المفرد بالمركب
ولنضرب له مثالين يدلان عليه
المثال الأول فى المظهر الأداة
وهذا كقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
[النور:
٣٥] فهذه الأمور المعدودة كلها أشباه لنور الله، إما على أن المراد به ذات الله تعالى، أو يراد به الرسول ﷺ ، وكقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
[إبراهيم: ١٨] وكقول أبى تمام يمدح قصيدة له:
خذها مثقفة القوافى ربها ... بسوابغ النعماء غير كنود
كالدر والمرجان ألف نظمها ... كالشذر فى عنق الفتاة الرود
وكما قال البحترى فى وصف السيف:
وكأنما سود النمال وحمرها ... دبت بأيد فى قراه وأرجل
فشبه فرند السيف بدبيب النمل، حمرها وسودها، وهذا مما يشهد له فيه بالإجادة والإنافة فى البلاغة والزيادة.
المثال الثانى فى مضمر الأداة
وهذا كقوله ﷺ «العزل هو الوأد الخفى» «١» وهذا من التشبيه الذى فاق فى رشاقته، وراق فى جودة نظمه وبلاغته، والوأد هو ما كانت العرب تفعله من دفن البنات وهن أحياء، خوفا من العار بركوب الفاحشة، فجعل العزل كالوأد، وعبر عنه بهذه العبارة التى تغض لها العيون طرفها، ولا ينتهى الوصف إليها، فيكون ترك وصفها كوصفها، ومن هذا قول أمير المؤمنين فى وصف العترة، ﵈ «فردوهم ورد الهيم العطاش» فهذا من الكلام لا يدرك فى البلاغة منتهاه، ولا يحرز بغاية غوره وأدناه. ومن غريب ما وجدته فى هذا الضرب كلام لابن الأثير فى وصف القلم «جدع أنفه فصار فى اليد قصيرا» يشير بذلك إلى ما كان من حديث قصير، مع الزّبّاء وفتكه بها، وكيده العظيم لها «وأرهف
стр. 150
صدره فصار فى المضاء عضبا شهيرا» أراد كالسيف فى مضائه «وقمص لباس السواد، وهو شعار الخطباء فنطق بفصل الخطاب، ونكس رأسه وهو صورة الإذلال، فاختال فى مشيه من الإعجاب» فأقول لقد نطق بفصل الخطاب ابن الأثير، وصار على بليغ التشبيه والاستعارة كالأمير، وهذا الضرب أعنى تشبيه المفرد بالمركب كثير الدور، واسع الجرى، وما ذاك إلا من أجل المبالغة فى المشبه نفسه فاتسعوا فيه بتشبيهات كثيرة.
الضرب الرابع فى تشبيه المركب بالمفرد
وما هذا حاله فهو على الندور والقلة، وإنما كان الأمر فيه كما قلناه من القلة، لأنه لا مبالغة فى تشبيه الأشياء المتعددة بشىء واحد، فلا جرم كان قليل الاستعمال، ثم هو فى قلة جريه على وجهين، الوجه الأول تشبيه شيئين مشتركين فى أمر معنوى بشىء واحد، ومثاله ما قاله أبو تمام فى وصف الربيع:
يا صاحبى تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهارا مشمسا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر
فشبه النهار المشمس مع الزهر الأبيض وقد اشتركا فى البياض والحسن، بضوء القمر، وهو تشبيه بالغ يقضى منه العجب، ويماثل فى نظمه وصفائه إكسير الذهب.
الوجه الثانى تشبيه شيئين ليس بينهما جامع ولا رابطة تشملهما وهذا كقول أبى الطيب المتنبى:
تشرق أعراضهم وأوجههم ... كأنها فى نفوسهم شيم
فشبه إشراق الأعراض والوجوه بإشراق الشيم، وهى الخلائق الطيبة، فإشراق الوجوه ببياضها، وإشراق الأعراض بشرفها وطيبها، وليس بينهما جامع كما ترى.
التقسيم الثانى باعتبار حكمه إلى قبيح وحسن
اعلم أن من التشبيه ما يروق منظره ويحمد أثره، وهذا هو الأكثر فى التشبيهات، فإنها جارية على الرشاقة فى معظم مجاريها، فلهذا تكون محمودة حسنة، وربما لم يكن بين المشبه والمشبه به وجه، أو حصل هناك جامع بينهما، لكنه يبعد، فلهذا كانت قبيحة مذمومة، فهذان ضربان.
стр. 151
الضرب الأول فيما يكون بعيدا، فيذم ويستقبح، [التشبيه القبيح]
وإنما قدمنا الكلام على ما يكون مذموما، لأجل قلته وندوره، وأكثرها جار على اللطافة والرقة.
ثم هو على وجهين فى قبحه، الوجه الأول منهما ما كان مظهر الأداة فمن ذلك قول أبى نواس فى وصفه الخمر:
كأن يواقيتا رواكد حولها ... وزرق سنانير تدير عيونها
فما هذا حاله من التشبيه مع ما فيه من البعد والركة، فقد اشتمل على نوع غثاثة وسخف فى لفظه وبشاعة، ومن العجب أنه فى هذه القصيدة قد قرنه بالفائق الرائق، والبديع النادر، الذى أجاد فيه وأحسن وهو قوله:
كأنا حلول بين أكناف روضة ... إذا ما سلبناها مع الليل طينها
يعنى إذا فضوا ختام الدنان الخمرية عن أفواهها، فكأنها فى روضة من الرياض لما يحصل فى نفوسهم عند ذاك من الارتياح والطرب، فانظر كيف قرن بين حرزه، لا بل بين بعره وعنبره، ومما أساء فيه من التشبيه قوله:
وإذا ما الماء واقعها ... أظهرت شكلا من الغزل
لؤلؤات ينحدرن بها ... كانحدار الذر من جبل
فشبه حبب الخمر فى انحداره بنمل صغار ينحدرن من جبل، فأين هذا من قوله فى صفة الخمر:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
ولقد أكثر من الخمريات حتى أتى فيها بما يخجل الأذهان، وبما ينزل قدره فى الإيمان. ومن بعيد التشبيه ما قاله الفرزدق:
يمشون فى حلق الحديد كما مشت ... جرب الجمال بها الكحيل المشعل
فشبه الرجل فى دروع الزرد، بالجمال الجرب، وهذا من التشبيه البعيد لأنه إن أراد السواد فلا مقاربة بينهما فى اللون، فإن لون الحديد أبيض، ومع ما فيه من البعد، ففيه أيضا سخف وغثاثة، ومن بعيد التشبيه ما أثر عن أبى الطيب المتنبى:
وجرى على الورق النجيع القانى ... فكأنه التارنج فى الأغصان
فما هذا حاله من التشبيه قد أنكره أهل هذه الصناعة، ووسموه بالنزول والشناعة، ومن ردىء التشبيه ما قاله فى بعض القصائد السيفية:
стр. 152
شرف ينطح النجوم بروقي ... هـ وعز يقلقل الأجبالا
فذكر الروق ليس جيدا فى المديح، وكذا لفظ المناطحة ليس فصيحا ولا دالا على البلاغة. ومن العجب أنه قال فى مطلع هذه القصيدة ما يروق الناظر، ويشوق القلب والخاطر:
ذى المعالى فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
فالتفاوت ما بين الشيئين يدركه كل من له ذوق سليم وطبع فى الفصاحة مستقيم، فلقد جمع فى هذا بين وردة، وسعدانة، لا بل بين بعرة ومرجانة. ومن البشع المستنكر فى التشبيه ما قاله بعض الشعراء:
ملا حاجبيك الشيب حتى كأنه ... ظباء جرى منها سنيح وبارح
وهكذا ورد قول آخر فى صفة السهام:
كساها رطيب الرصف فاعتدلت له ... قداح كأعناق الظباء الغوارق
فما هذا حاله لا ملائمة بين المشبه والمشبه به، وهما فى غاية البعد.
الوجه الثانى ما كان مضمر الأداة فمن ذلك ما قاله أبو تمام يمدح رجلا:
وتقاسم الناس السخاء مجزأ ... فذهبت أنت برأسه وسنامه
وتركت للناس الإهاب وما بقى ... من فرثه وعروقه وعظامه
فأما البيت الأول فهون فيه وليس وراءه كبير معنى ولا بليغه، فإن حاصله أنك ذهبت بالأعلا من السخاء وتركت للناس الأدنى، والبيت الثانى أرك وأنزل فى البلاغة. ومن ذلك ما قاله أيضا فى غير هذا الموضع.
لا تسقنى ماء الملام فإننى ... صب قد استعذبت ماء بكائى
فما هذا حاله ليس فاحشا ولا بليغا، وإنما هو متوسط كما قال ابن الأثير، وهو كما قال، فإنه وإن نزل فيما أورده من التشبيه فليس خاليّا عن بلاغة فى معناه وجزالة فى لفظه.
ويحكى أن رجلا لما سمع هذا البيت لأبى تمام بعث إليه بقارورة، وقال هب لى شيئا من ماء الملام فقال له أبو تمام ابعث لى بريشة من جناح الذل، حتى أبعث لك ماء الملام، ليس مراد أبى تمام المماثلة بينه وبين التشبيه فى قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: ٢٤] فإن بينهما بونا لا تدرك غايته، وبعدا لا تقطع مسافته، وإنما أراد أن الاستعارة جارية فى الماء كجريها فى الجناح، وهذا مقصد جيد لا غبار على أبى تمام فيه.
стр. 153
الضرب الثانى ما حسن فى الصورة من التشبيه، [التشبيه الحسن]
وهذا باب عظيم، قد اتسع فيه كلام البلغاء وأتوا فيه بكل حسن بديع، وتهالكوا فى دقة المعانى، ولطائف التشبيه، فمن ذلك ما قال امرؤ القيس فى صفة الفرس:
على الذيل جياش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلى مرجل
وقوله:
درير كخذروف الوليد أمرّه ... تتابع كفيه بخيط موصل
ومن ذلك ما قاله ابن دريد فى صفة الفرس أيضا:
كأنما الجوزاء فى أرساغه ... والنجم فى جبهته إذا بدا
وقال فى صفة ماء خال:
كأنما الريش على أرجائه ... زرق نصال أرهفت لتمتها
ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى فى سيف الدولة وابنه:
أما ترى ما أراه أيها الملك ... كأننا فى سماء ما لها حبك
الفرقد ابنك والمصباح صاحبه ... وأنت بدر الدجى والمجلس الفلك
وقال يمدح سيف الدولة:
أرى كل ذى ملك إليك مصيره ... كأنك بحر والملوك جداول
وقال فيه أيضا:
ولا ملك إلا أنت والملك فضلة ... كأنك نصل فيه وهو قراب
ومن رقيق التشبيه وبديعه ما قاله الصابى فى صفة الخمر:
كأن المدير لها باليمين ... إذا طاف بالكأس أو باليسار
تدرع ثوبا من الياسمين ... له فردكمّ من الجلّنار
فشبه حمرة كميه عند حمله للكأس من لونها، بلابس قميصا من الياسمين إحدى كميه من الجلنار، وهذا تشبيه حسن بالغ، ومن أبياته يشبه فيها مجلس اللهو بالمعركة قال:
كأن المجامر خيل جرت ... وقد ثار للند فيها غبار
دبادبة من طوال القيان ... والناى بوق له مستعار
ومجلسنا حومة أرهجت ... لزحف الندامى إليها بدار
ولنقتصر على هذا القدر من محاسن التشبيه ففيه غنية وكفاية لمقدار غرضنا، وستكون لنا فيه عودة عند ذكر الأمثلة بمعونة الله تعالى.
стр. 154
التقسيم الثالث باعتبار صورته وتأليفه إلى الطرد والعكس
اعلم أن أرباب علوم البلاغة متفقون على أن المجاز أبلغ من الحقيقة فى تأدية المعنى، وعلى أن الاستعارة أقوى من التصريح، وأن الكناية أدخل فى إفادة المعانى من تلك الصرائح الموضوعة، وذلك لأن دلالة هذه الأمور على ما تدل عليه، إنما كان دلالة باللازم والتابع، ولا شك أن الدلالة على الشىء بلازمه أكشف لحاله، وأبين لظهوره، وأقوى تمكنّا فى النفس من غير ما ليس بهذه الصفة، فأما التشبيه، فإنما يكون وروده على جهة المبالغة فيما تعلق به، وهذا هو المطرد فى جريه، وقد يرد على خلاف ذلك، فإذن له مرتبتان نوضحهما بمشيئة الله تعالى.
المرتبة الأولى فى بيان التشبيه المطرد
اعلم أن المبالغة فى التشبيه لا يمكن حصولها إلا إذا كان المشبه به أدخل فى المعنى الجامع بينهما، إما بالكبر كقوله تعالى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
[الرحمن:
٢٤] فمثلها بالجبال لما كانت الجبال أكبر من السفن، وهكذا القول فى السواد، والبياض، والحمد، والذم، والإيضاح والبيان، إلى غير ذلك من الأوصاف الجارية فى التشبيه، وآية ذلك وعلامته أنه لابد من أن تكون لفظة «أفعل التفضيل» جارية فى التشبيه، وهذا يدل على ما قلناه من اعتبار زيادة المشبه فى تلك الصفة الجامعة بينهما، فإن لم يكن الأمر على ما قلناه من الزيادة كان التشبيه ناقصا وكان معيبا، ولم يكن دالا على البلاغة، وهكذا الحال إذا كانا حاصلين على جهة الاستواء فلا مبالغة فى ذلك، فإذن لابد من اعتبار الزيادة كما أشرنا إليه، وهو فى ذلك على أربعة أوجه «أولها» تشبيه صورة بصورة كقوله تعالى:
كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ
[القارعة: ٤] شبه الناس يوم القيامة فى الضعف والهوان بالفراش، لما فيه من الدقة، وضعف الحال، وقوله تعالى: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
[القارعة: ٥] شبه الجبال مع اختصاصها بالصلابة والقوة، بأضعف ما يكون وأرخاه، وهو الصوف لأنه ألين ما يكون عند نفشه، وما ذاك إلا لإظهار باهر القدرة،
стр. 155
مبالغة فى الرد على من أنكر المعاد الأخروى، وتكذيبا لمن حاك فى صدره استبعاد ذلك.
وثانيها تشبيه معنى بمعنى كقولك: زيد كالأسد فى شجاعته، وكالأحنف فى حلمه، وكإياس فى ذكائه، وكحاتم فى جوده، وكعنترة فى شجاعته، إلى غير ذلك من التشبيهات المعنوية. وثالثها تشبيه معنى بصورة، وهذا كقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ
[إبراهيم: ١٨] ، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ
[النور: ٣٩] مثّلها فى تلاشيها وبطلانها بأمرين أسرع ما يكون فى الزوال، وأعظم شىء فى البطلان، وهما الرماد مع شدة العصف، والتراب فى الصحارى، فإنهما عن قريب وكأنهما ما كانا، وما هذا حاله من التشبيه كثير الدور والجرى، ويختص بالبلاغة، لما فيه من إلحاق غير المحسوس بالمحسوس، وإجرائه مجراه. ورابعها تشبيه صورة بمعنى وهذا كقول أبى تمام:
وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم
فشبه فتكه بالمال، وبالعدا، وذلك من الصورة المرئية، بفتك الصبابة وذلك أمر معنوى ليس محسوسا، وهذا من لطيف التشبيهات وأرقها وأدخلها فى البلاغة، وأدقها، ووجه البلاغة فيه هو إلحاق المعانى بالأمور المحسوسة المدركة فى الظهور والجلاء، فيصير فى الحقيقة كأنه تشبيه محسوس بمحسوس، وفى هذا نهاية المبالغة ومنه قول بعض المغرمين:
ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق
وكقول بعضهم:
كأن ابياض البدر من تحت غيمه ... نجاة من البأساء بعد وقوع
وكقول بعض الأدباء:
فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... فى العين ظلم وإنصاف قد اتفقا
وكما قال بعض الطلاب:
رب ليل كأنه أملى في ... ك وقد رحت عنك بالحرمان
وأنشد ابن الخطيب قول الصاحب الكافى حين أهدى عطرا إلى القاضى أبى الحسن
أيها القاضى الذى نفسى له ... فى قرب عهد لقائه مشتاقه
أهديت عطرا مثل طيب ثيابه ... فكأنما أهدى له أخلاقه
وقد يقال: إسلام كنور الشمس، وجهل كظلمة الليل، وحجة كضوء القمر، وكل ما
стр. 156
أوردناه على اتساعه، ووضوح أمره جار على الاطراد فى تشبيه الأدنى بالأعلا، والأقل بالأكثر والفاضل بالأفضل، والحقير بالأحقر، كما قرّرناه ومنه قول امرىء القيس فى صفة الفرس:
كأن سراته لدى البيت قائما ... مداك عروس أو صلاية حنظل
وقال ابن دريد فى صفة السيف:
كأن بين عيره وغربه ... مفتأدّا تأكلت فيه الجذا
وقول عمرو بن كلثوم يصف امرأة:
وثديا مثل حق العاج رخصّا ... حصانا من أكف اللامسينا
ونحرا مثل ضوء البدر وافى ... بأسعده أناسا مدجنينا
وقوله فى صفة الخمر:
مشعشعة كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا
والحص الورس، لأنها إذا مزجت بالماء رقت بصفرة فاقعة.
المرتبة الثانية فى بيان التشبيه المنعكس
اعلم أن هذا النوع من التشبيه، يرد على العكس والندور، وبابه الواسع هو الاطراد كما أشرنا إليه، وإنما لقب بالمنعكس لما كان جاريا على خلاف العادة والإلف فى مجارى التشبيه، وقد يقال له غلبة الفروع على الأصول، وكل هذه الألقاب دالة على خروجه عن القياس المطرد، والمعيه المستمر، وله موقع عظيم فى إفادة البلاغة، وقد ذكره ابن الأثير فى كتابه المثل السائر وقرره ابن جنى فى كتاب الخصائص، والشرط فى استعماله أن لا يرد إلا فيما كان متعارفا، حتى تظهر فيه صورة الانعكاس، كما سنقرره فى أمثلته، لأنه لو ورد فى غير التعارف لكان قبيحا، لأن مطرد العادة فى البلاغة على تشبيه الأدنى بالأعلا، فإذا جاء على خلاف ذلك فهو معكوس، ومن الأمثلة الواردة فيه قول ذى الرمة:
ورمل كأرداف العذارى قطعته ... إذا لبسته المظلمات الحنادس
فانظر إلى ما فعله ذو الرمة، كيف جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا، وذلك أن العادة جارية بتشبيه أعجاز النساء، بكثبان الأنقاء، فعكس ذو الرمة القضية، فشبه كثبان الأنقاء
стр. 157
بأعجاز النساء، وإنما قصد بذلك المبالغة فى أن هذا المعنى قد صار ثابتا للنساء بحيث لا يتمارى فيه أحد، فلا جرم كان أصلا فى التقرير، وغيره فرعا له، وقد تابعه البحترى على هذا فى قوله:
فى طلعة البدر شىء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنيها
فالعادة جارية على جهة الاطراد فى تشبيه الوجوه الحسنة بالبدور، فعكس البحترى هذه القضية، وشبه البدر بها، مبالغة فى الأمر، وتعظيما لشأنها، ومن هذا القبيل ما قاله عبد الله بن المعتز فى قصيدته المشهورة التى مطلعها: سقى الجزيرة ذات الظل والشجر، فقال منها:
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة إذ قصت من الظفر
فالجارى فى الاطراد، هو تشبيه القلامة من الظفر بالهلال فى نحولها، وتقوسها، واعوجاجها، فعكس ابن المعتز ذلك، وشبه الهلال بالقلامة، مبالغة ودخولا وإغراقا من جهته فى التشبيه كما هو دأبة وهجّيراه، وعادته المألوفة فى الخمريات وغيرها، فحاصل الأمر فيما ذكرناه من تشبيه العكس أن جريه إنما يكون فيما قد ألف وعرف حاله، فلهذا لم يلتبس حاله، فأما ما لا يعرف حاله ولا يؤلف فلا يجرى فيه، فإن جرى فعلى القلة والندور، ويكون من التشبيه المهجور الذى قد بعد عن البلاغة، ونأى بعض النأى عن استعمال الفصحاء.
التقسيم الرابع باعتبار أداته
إلى ما تكون أداة التشبيه ظاهرة، وهى الكاف وكأن، وإلى ما تكون مضمرة فيه، وكل واحد منهما معدود من التشبيه، فهذان ضربان نذكر ما يتوجه فى كل ضرب منهما.
الضرب الأول ما تكون الأداة فيه مضمرة
اعلم أنا قد أسلفنا فيما مر أن كل ما كان من التشبيه مضمر الأداة، فهل يعد من الاستعارة، أو يكون معدودا من أنواع التشبيه، وذكرنا خلاف علماء البيان فيه، وحققنا أن المختار فيه أن كل ما كان تقدير التشبيه يخرجه عن حد البلاغة وجب عده من باب الاستعارة، وكل ما كان تقدير التشبيه لا يخرجه عن حد البلاغة فهو من التشبيه، فلا وجه
стр. 158
لتكريره، ونحن الآن نذكر كل صورة من صور التشبيه المضمر الأداة، ونردفها بمثالها من المفرد، والمركب، ونطبق أحدهما على الآخر، فيحصل الأمران جميعا فى كل صورة من صوره المذكورة بمعونة الله تعالى.
الصورة الأولى ما يقع موقع المبتدأ والخبر المفردين
كقولك: زيد الأسد، والأسد زيد، وزيد أسد، وقد يأتى على جهة الفاعل كقولك: جاءنى الأسد، وكلمنى الأسد، وقد يأتى على جهة المفعول كقولك: رأيت الأسد: ولقيت البحر، فما هذا حاله من الاستعارة التى لا تظهر فيها أداة التشبيه يعرف ببديهة النظر على قرب من غير حاجة إلى تأمل ونظر، ولهذا تقول فيه زيد كالأسد، وكالأسد زيد، ولا تحتاج إلى تكلف وإضمار.
الصورة الثانية أن يقع المبتدأ ويكون الخبر مضافا إليه ،
مثاله قوله ﵇ «الكمأة جدرى الأرض» وكقولك: إقدامه إقدام الأسد، وفيضه بجوده فيض البحر، والكمأة ضرب من النبات، إذا أخرج فى الأرض، أفسدها، ونقص زرعها، وهذا هو مراد الرسول بقوله «جدرى الأرض» أراد أنها مفسدة للأرض، كما يفسد الجدرى البدن، وهى نبت يؤكل، وهو بارد مولّد للبلغم، ويقال أكمأت الأرض، إذا أنبتت الكمأة، وتكمأت إذا أكلت الكمأة.
الصورة الثالثة أن يقع موقع المبتدأ والخبر من جهة تركيبهما جميعا
فتركب المبتدأ بالإضافة وتركب الخبر مثل ذلك، فتركيب الإضافة حاصل فيهما جميعا، بخلاف الصورة الثانية، فإن التركيب إنما وقع بالإضافة فى الخبر لا غير، ومثال هذا الحديث الوارد عن الرسول ﷺ كما رواه ابن عمر رضى الله عنه حين قال له معاذ بن جبل «أنؤاخذ بما نتكلم، فقال: وهل يكب الناس على مناخرهم فى النار إلا حصائد ألسنتهم» «١» فالتقدير على هذا يكون: كلام الألسنة كحصائد المناجل، وحصد المنجل جزه، والمنجل حديدة حادة يقلم بها البيطار حافر الفرس، فعلى هذا حصيدة اللسان طرفه.
стр. 159
الصورة الرابعة ما يرد على جهة الفعل والفاعل ،
ومثاله قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
[الحشر: ٩] والتقدير على هذا فى ظهور التشبيه، أن يقال: إنهم فى الحقيقة لما تمكنوا فى الإيمان واطمأنوا أفئدة به، كأنهم فى التقدير اتخذوه مباءة ومسكنا، كما يتخذ الإنسان داره وبيته الذى يسكن فيه ويكاد فى هذا الاستعارة يضعف تقدير أداة التشبيه كما سنقرر مراتب التشبيه فى الظهور والإخفاء بمعونة الله تعالى.
الصورة الخامسة أن يكون واقعا موقع المثل المضروب ،
وهذا كقول الفرزدق يهجو جريرا:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
فشبه هجاء جرير تغلب وائل ببوله فى مجتمع البحرين، فما عسى أن يؤثر فيهما شىء، فهكذا هجاؤك هؤلاء القوم لا يؤثر أصلا، فيكاد التشبيه فى ما هذا حاله لا يظهر إلا بتقدير وتلطف واحتيال فى إبرازه، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر مراتب التشبيه فى هذه الصورة، ثم نردفه بموقعها فى المفرد والمركب فهذان طرفان نحقق ما فيهما بمعونة الله تعالى.
الطرف الأول فى بيان مراتب التشبيه فى هذه الصورة
اعلم أن التشبيه المضمر الأداة أبلغ وأوجز من التشبيه الذى ظهرت أداته، أما كونه أبلغ فلأنك إذا قلت: زيد الأسد، فقد جعلته نفس هذه الحقيقة، من غير واسطة، بخلاف قولك زيد كالأسد، فليس يفيد إلا مطلق المشابهة لا غير، وأما كونه أوجز، فلأن أداة التشبيه محذوفة منه، فلهذا كان أخصر من جهة لفظه، وعن هذا قال المحققون من أهل هذه الصناعة: إن الاستعارة أبلغ من التشبيه لما ذكرناه، ولا خلاف فى عد الاستعارة من باب المجاز بخلاف التشبيه، فإنه مختلف فى عده كما أسلفناه، ولأن الاستعارات فى القرآن أكثر من التشبيهات، ومن أجل هذا عظمت بلاغته، وارتفعت فصاحته، فنقول: التشبيه المضمر الأداة هو فى الظاهر يعد من باب الاستعارة، ولكن التشبيه مضمر فيه، ويتفاوت
стр. 160
درجة فى ظهور الأداة وإضمارها، وفى حصول المشبه به وعدم حصوله فمنها ما هو ظاهر متيسر تقديره على سهولة، ومنها ما يتعذر المشبه به، وإنما يتلطف فى تقديره بنوع من الاحتيال والتلطف، ومنها ما هو متوسط بين الدرجتين، فهذه درج ثلاث بالإضافة إلى تقدير المشبه فى الإضمار والإظهار نفصلها بمعونة الله ولطفه.
الدرجة الأولى: ما يكون المشبه به ظاهر التقدير لا يحتاج فى تقديره إلى تكلف، بل يتيسر تقديره على قرب، وهذا كقولنا: زيد الأسد، فإن التقدير فيه زيد كالأسد على سهولة من غير إضمار ولا خروج عن قاعدة، وهكذا قوله ﷺ «البدعة شرك الشّرك» لأن التقدير البدعة كالشرك للشرك، يريد مصايد له وأحبولات، ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى صفة التقوى «هى دواء داء قلوبكم وبصر عمى أفئدتكم» وقال فى الإسلام:
«هو ينابيع غزرت عيونها، ومصابيح شبت نيرانها، ومنار اقتدى به سفاره، ومناهل روى بها واردها» وقال فى القرآن «هو نور لا تطفأ مصابيحه، وشعاع لا يخبو توقده، وبحر لا يدرك قعره» فهذه الاستعارات كلها من التشبيه المضمر الأداة فيها أداة التشبيه على أسهل حال، وأقرب منال، كما مثلناه فى الصورة الأولى.
الدرجة الثانية فى غاية البعد من الأولى وهى الصورة الرابعة والخامسة وهى أدق الصور فى تقدير التشبيه فيها، فلا يتفطن للتشبيه فيهما إلا باستخراج وتأمل وفكر بالغ، يدرك بنوع من التلطف والاحتيال كما سنوضحه، وما ذاك إلا لأجل توغلها فى حسن الاستعارة وإغراقها فيها، وهذا يدلك على مصداق ما قاله أهل البراعة من أهل هذه الصناعة، من أن التشبيه كلما ازداد خفاء ازدادت الاستعارة حسنا ورشاقة، يشيرون به إلى ما ذكرناه، ومثاله قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
[الحشر: ٩] فهذه الاستعارة من أعجب الاستعارات وأدقها، ووجه دخولها فى الحسن، هو أنهم لتمكنهم فى الإيمان وإشراب قلوبهم محبته، والتصاقه بلحومهم ودمائهم، صار كالمباءة لهم والمسكن الذى يتوطنونه، ومع هذا يصعب تقدير التشبيه، ونهاية الأمر فيه أن يقال: إنه صار كالمباءة، وعند تقدير ما ذكرناه من التشبيه يضعف أمر الاستعارة، وينزل قدرها، ويرك أمرها وحالها.
وأما بيت الفرزدق الذى أنشدناه وهو قوله (ماضر تغلب وائل) فهذا البيت من الأبيات التى علا قدرها فى البلاغة وأقر لها الناس بالحسن فى الاستعارة، وما ذاك إلا لإغراقها فى الاستعارة والدخول فيها، فتقدير التشبيه فيها يخرجها عن مكانها الرفيع، ومحلها المنيع،
стр. 161
ونهاية الأمر فى تقدير التشبيه فيها، أن يقال: إن هجاءك لهذه القبيلة لا يؤثر كما أن بولك فى مجتمع البحرين لا يجدى ولا يكون نافعا، وأنت إذا قدرت التشبيه فيما ذكرناه، فقد عزلت هذه الاستعارة عن سلطانها، ووضعتها عن حلولها فى رفيع مكانها، ومن هذا قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: ٢٤] فإن تقدير التشبيه يخرجه عن رونق الاستعارة ويسلبه منها ثوب الإمارة، ومن هذا قول الفرزدق أيضا:
قوارص تأتينى فيحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
شبه ما يأتيه من الشتائم والأذايا بهذه القوارص التى تؤذى الجسم من البعوض، والنمل، والبق، فتقدير التشبيه فيما هذا حاله يدق كما ذكرناه فى غيره. ومنه قول البحترى أيضا فى التعزية بولد:
تعز فإن السيف يمضى وإن وهت ... حمائله عنه وخلاه قائمه
فما هذه صورته فهو من فن الاستعارة، وإنما يقدر التشبيه فيه بلطف واحتيال، فهاتان الصورتان الأحق بهما أنهما من باب الاستعارة كليهما، ولا حاجة بنا إلى جعلهما من باب التشبيه، فمن صيرهما منه فإنما هو متكلف فيما جاء به.
الدرجة الثالثة للصورة الثانية والثالثة، فإنها متوسطة بين الدرجتين، فلا هى تقرب من التشبيه كالصورة الأولى، ولا هى بعيدة من التشبيه كالرابعة والخامسة، والمثال فيها قوله ﷺ : «الكمأة جدرى الأرض» وقول أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى صفة الدين والإسلام «فهو عند الله وثيق الأركان، رفيع البنيان، منير البرهان، مشرق المنار عزيز السلطان» فأنت إذا أردت إظهار التشبيه فيما هذا حاله قلت فى الخبر النبوى الكمأة للأرض كالجدرى، وهكذا تقول فى كلام أمير المؤمنين أركانه كأوثق ما يكون من الأركان، وبنيانه كأرفع ما يكون من الأبنية، وبرهانه كأنور ما يكون، إلى غير ذلك من التقدير، ومن هذا قول البحترى:
غمام سحاب لا يغب له حيا ... ومسعر حرب لا يضيع له وتر
فإذا قدرت فى هذا أداة التشبيه فإنك تقول: سماح كالغمام، وحرب هولها كالمسعر، وهو موقد النار، وكقول أبى تمام:
أى مرعى عين ووادى نسيب ... لحبته الأيام فى ملحوب
ومراد أبى تمام أن يصف هذا الموضع بأنه كان حسنا فأزالت الأيام حسنه وأنه كان
стр. 162
ينسب به فى الأشعار لطيبه، فإذا قدرنا أداة التشبيه فإنا نقول: مكان كأنه مرعى للعين، وكأنه كان للنسيب منزلا ومألفا، فهكذا يصنع بما هذا حاله، فينحل من مجموع ما ذكرناه ههنا أن كل ما كان من التشبيه المضمر الأداة، فإن تقدير أداة التشبيه إما أن يكون فى غاية القوة كالدرجة الأولى، وإما أن يكون فى نهاية الصعوبة والضعف كالدرجة الرابعة والخامسة، وإما أن يكون متوسطا كالدرجة الثانية والثالثة، ولا مزيد على ما أوردناه من هذا التقرير، وعلى الناظر إعمال نظره فى كل صورة ترد عليه فيما يتعذر من ظهور أداة التشبيه، وما لا يتعذر والله أعلم.
الطرف الثانى فى بيان مواقع الإفراد والتركيب
اعلم أنا قد أسلفنا أن التشبيه المضمر الأداة لا ينفك عن تلك الصور الخمس، وهى منطبقة على الإفراد والتركيب، ونحن الآن نورد كيفية انطباقها على المفرد والمركب فنقول:
أما الصورة الأولى فهى واردة فى تشبيه المفرد بالمفرد ومثاله قولنا: زيد الأسد، وزيد البحر، ومن هذا قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً
[النبأ: ١٠] ، وقوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ
[البقرة: ١٨٧] وقوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
[البقرة: ٢٢٣] فقوله فى ذكر اللباس من الاستعارات التى استبد بها القرآن ولم تأت فى غيره فى كلام منظوم ولا منثور، وهى من عجائب الاستعارة ودقيقها، وقوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ
من الاستعارات البديعة أيضا، ومنه قوله تعالى: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[يس: ٣٧] فشبه انقطاع الليل من النهار بمنزلة سلخ الأديم عن المسلوخ، لشدة التحامه وصعوبة خروجه، وانقطاعه بالكلية، كما مثلناه وهذا التشبيه فى غاية المناسبة والملائمة لما هو له، ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى:
وإذا اهتز للندى كان بحرا ... وإذا اهتز للوغى كان نصلا
وإذا الأرض أظلمت كان شمسا ... وإذا الأرض أمحلت كان وبلا
ومنه قوله أيضا فى هذا المثال:
خرجن من النقع فى عارض ... ومن عرق الركض فى وابل
فلما نشفن لقين السياط ... بمثل صفا البلد الماحل
стр. 163
وأما الصورة الثانية فإنما ترد فى التشبيه المفرد بالمركب، ومثال قوله ﷺ : «الكمأة جدرى الأرض» «١» ومنه قول البحترى «غمام سحاب» وقول أبى تمام «أى مرعى عين» وقد أسلفناه، وهكذا ما حكيناه عن أمير المؤمنين، فإنه من باب تشبيه المفرد بالمركب، وهو كثير الدور، وأما الصورة الثالثة فمثالها قوله ﷺ فى حديث معاذ «وهل يكب الناس على مناخرهم فى النار إلا حصائد ألسنتهم» «٢» كأنه قال كلام الناس كحصائد المناجل، ومن علامة هذه الصورة التى هى تشبيه المفرد بالمركب، أنه لا يكون المشبه به مذكورا، بل المذكور صفته، وهو الحصد، فيكون تقديره، الألسنة فى كلامها كالمناجل المحصدة فيكون على هذا تشبيه مفرد بالمركب، وأما الصورة الرابعة والخامسة فإنما يردان فى تشبيه المركب بالمركب، فأما الرابعة فمثلناها بقوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
[الحشر: ٩] كأنه قال المؤمنون فيما تلبسوا به من الإيمان وتمكنوا فيه كمن اتخذ دارا وتبوأها مسكنا، فقد ظهر لك بما ذكرناه صورة التركيب فيهما جميعا، ومن هذا قول أبى تمام:
نطقت مقلة الفتى الملهوف ... فتشكت بفيض دمع ذروف
وإذا أردنا إظهار تركيبه قلنا: دمع العين الباكية فى حالها كاللسان الناطق، وأما الخامسة فمثلناها بقول الفرزدق «ما ضر تغلب وائل» البيت وبقول البحترى «تعز فإن السيف» البيت وبقول الفرزدق أيضا «قوارص تأتينى» . ومتى أردت إظهار التركيب فى هذا فإنك تقول: هجاؤك فى حق هذه القبيلة بمنزلة بولة مجتمعة فى ملتقى البحرين، وهكذا قوله فى القوارص، كأنه قال: القوارص المجتمعة فى تأثيرها فى الألم والأذية، مشبهة بالقطر القليل الذى يجتمع فيملأ الإناء ونحو قوله «تعز» فإن تقدير ظهور التركيب فيه أن يقال: أنت فيما أصابك من فقد من فقدته، بمنزلة السيف الماضى وإن انقطعت حمائله وخلاه قائمه، فقد ظهر بما حققناه ههنا انطباق الصور الخمس على أقسام المفرد والمركب من غير مخالفة فى ذلك وبالله التوفيق.
стр. 164
الضرب الثانى ما تكون الأداة فيه ظاهرة
اعلم أن ما هذا حاله فمضطرب البلاغة فيه واسع، وميدانها لديه فسيح، ومما أغرق فى الإعجاب والبداعة وأدهش الألباب من أهل هذه الصناعة قوله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ
[الحج: ٣١] وقوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
[الأنعام: ١٢٢] وقوله تعالى ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ
[آل عمران: ١١٧] فهذا وأمثاله من التشبيهات المركبة الفائقة التى أغرقت فى الفصاحة، ورسخت أصولها فى البلاغة. ومن هذا قول أمير المؤمنين فى وصف الفتن «أقبلت الفتن كالليل المظلم، والبحر الملتطم، لا تقوم لها قائمة ولا ترد لها راية» فشبهها بالليل لما يكون فيها من ظلم الجهل، وشبهها بالبحر لما فيها من شدة اضطراب الآراء واختلاف الأهواء. وقوله فى تحريض أصحابه على القتال «ولقد شفى وحاوح صدرى أن رأيتكم بآخرة تحوزونهم كما حازوكم وتزايلونهم عن مواقعهم كما أزالوكم حشّا بالنبال، وشجرا بالرماح، تركب أولاهم أخراهم، كالإبل المطرودة، ترمى عن حياضها، وتذاد عن مواردها» وكم له من التشبيهات التى فاق فيها على البلغاء، ولم يزاحمه أحد من مصاقع الخطباء. ومن جيد التشبيه ما قاله البحترى:
خلق منهم تردد فيهم ... وليته عصابة عن عصابة
كالحسام الجراز يبقى على الده ... ر ويفنى فى كل حين قرابه
ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
تراهم ينظرون إلى المعالى ... كما نظرت إلى الشيب الملاح
يحدون العيون إلى شزرا ... كأنى فى عيونهم السماح
وكقول أبى تمام يهجو إنسانا:
كم نعمة لله كانت عنده ... فكأنها فى غربة وإسار
كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت ... كتضاؤل الحسناء فى الأطمار
فهذا ما أردنا ذكره فى تقسيم التشبيه وبيان ضروبه وأنواعه.
стр. 165
المطلب الثانى فى بيان الأمثلة الواردة فى التشبيه
اعلم أن التشبيه هو بحر البلاغة وأبو عذرتها، وسرها ولبابها، وإنسان مقلتها، ونورد من أمثلته أنواعا خمسة.
النوع الأول من الآى القرآنية
وهذا كقوله تعالى فى الحيوانات كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ
[العنكبوت: ٤١] ، وقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[الجمعة: ٥] وقوله تعالى: كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ
[الأعراف: ١٧٦] الآية، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
[البقرة: ٢٦] وفى غير الحيوانات كقوله تعالى: كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ
[البقرة: ٢٦٤] وقوله تعالى:
َثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ
[آل عمران: ١١٧] وقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ
[البقرة: ١٩] وقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ
[النور: ٤٠] وقوله تعالى: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
[الكهف: ٤٥] وقوله تعالى: كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ
[إبراهيم: ١٨] وقوله تعالى:
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ
[النور: ٣٩] وقوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ
[الكهف: ٣٢] وقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً
[النحل: ٧٥] وقوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ
[يس: ١٣] وقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ
[الزمر: ٢٩] فهذا وأمثاله إنما ورد فى التشبيهات المفردة، وأما المركبة فقد مثلناها فى التقسيم فأغنى عن إيرادها، ومن هذا قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ
[البقرة: ٢٦١] وقوله تعالى: ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ
[آل عمران: ١١٧] فجميع ما أوردناه ههنا من الأمثلة المفردة والمركبة، وفى القرآن الكريم أمثال كثيرة، وهى غير خارجة عما ذكرناه فى الإفراد والتركيب فى مظهر الأداة، فأما ما كان من التشبيهات الرائقة مما أضمر فيه أداة التشبيه فهو كثير الدور والاستعمال فى التنزيل، وما ذاك إلا لرشاقته وحسن موقعه ولطافته، وهذا كقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
[مريم: ٤] ونحو قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها
[يس: ٣٣] وقوله
стр. 166
تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
[البقرة: ٢٢٣] وقوله تعالى: وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً
[النبأ: ١٩، ٢٠] وقوله تعالى: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
[الأنعام: ٢٥] وقوله تعالى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ
[البقرة: ٢٣٥] وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
[يس: ٩] ومن هذا النوع آيات التشبيه كلها كقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[المائدة: ٦٤] وقوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[القمر: ١٤] وقوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
[الرحمن: ٢٧] وقوله تعالى: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[الزمر: ٦٧] وما كان ذلك دالا بظاهره على الجهة كقوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ
[الفجر: ٢٢] وقوله تعالى: اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
[الأعراف:
٥٤] وقوله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
[الأنعام: ٣] ولهذا فإن المشبهة لما ضاقت حواصلهم عن إساغة هذه الأسرار، وأغشى أبصارهم نور هذه اللطائف، وقصرت أعناقهم عن التطلع إلى محاسنها، وقعوا فى متاهات عظيمة، وارتكبوا فى محارات وخيمة، وأوقعوا نفوسهم فى مهاو ومهالك، لأجل اعتقادهم لظواهرها، فمن ثم انسلخوا عن الدين وهم لا يشعرون، فنعوذ بالله من الخذلان، وجهل يؤدى إلى خسران، ولو لم يكن لهذا العلم من الشرف إلا أن كل من عرف حقائقه واستولى على معانيه، وأحرز دقائقه، فإنه يسلم لا محالة من اقتحام ورط التشبيه، والتضمخ برذائله، لكان هذا من أعظم المناقب، وأعلى المراتب، وأسنى الرغائب، مع ما حاز من شريف الخصال، ورفيع القدر والمنال، ولهذا فإنك ترى الشيخ العالم النحرير محمود بن عمر الزمخشرى، ما فاق فى تفسيره على كل تفسير إلا لتقرير أساسه عليه واستناده فيما أتى من الحقائق والغوامض إليه.
النوع الثانى من الأخبار النبوية
فأما التشبيهات المفردة فهى كثيرة كقوله ﷺ كأن الموت فيها على غير ما كتب، وكأن الحق فيها على غير ما وجب، وكأن الذى تشيع من الأموات سفر، عما قليل إلينا راجعون، وقوله. كأنا مخلدون بعدهم، وقوله ﷺ : العلم الذى لا ينفق منه صاحبه كالكنز الذى لا ينفق منه وقوله ﵇. مثل أهل بيتى كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى، وقوله ﷺ : «أصحابى كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم
стр. 167
وقوله ﷺ : «المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا» وقوله ﵇: «المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائر أعضائه بالسهر والحمى» وقوله ﷺ : «الحياء من الإيمان كالرأس من الجسد» وقوله ﷺ «الناس كأسنان المشط فى الاستواء» وقوله ﷺ :
«مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين» وقوله: «مثل هذه الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم ينغمس فيه كل يوم خمس مرات، ما عسى أن يبقى عليه من الدرن» وقوله ﷺ أمتى كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره. وقوله ﵇: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» . وفى الحديث «كان رسول الله ﷺ إذا استبشر فكأن وجهه قطعة قمر» . وفى الحديث عن النبى ﷺ أنه «كان إذا دخل رمضان كان أجود من الريح العاصف» . وفى حديث آخر «كالريح العاصف» وقوله ﵇ فكأنكم بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل. وأما التشبيهات المركبة فهى كثيرة فى كلامه ﵇ كقوله: إنه لم يبق من الدنيا إلا كإناخة راكب أو صر حالب، لأن التقدير فيما هذا حاله إلا كراكب أناخ راحلته أو صر حالب، والصر: وضع الخيط على ثدى الناقة لئلا يرضعها ولدها، والمراد لم يبق من الدنيا فى القلة إلا مقدار صرة، لأنه عن قريب ينقضه للحلب. وكقوله ﵇: فكأن قد كشف القناع، وارتفع الارتياب، وتقرير وجه التشبيه أنه شبه وضوح الأمر فى الآخرة وتحقيق الحال فيها بشىء كان مغطى فكشف قناعه، فظهر حاله، وبان أمره واتضحت حقيقته. وأكثر ما ذكرناه فى أحاديث التشبيهات المفردة يمكن إيرادها فى المركبة وهذا كقوله: مثل الصلاة كمثل نهر جار، فإن هذا يمكن أن يكون من المركبة، لأن التركيب قد قررناه من قبل أن كل ما كان من وصفين أو أكثر من ذلك، فهو مركب.
فأنت إذا تصفحت ما ورد من الأحاديث، وجدت أكثرها مركبا. وأما التشبيهات التى أضمر فيها أداة التشبيه فهى واسعة أيضا وهذا كقوله ﵇: «إن من فى الدنيا ضيف وما فى يده عارية، والضيف مرتحل، والعارية مردودة» فالإضمار لأداة التشبيه فى هذا سهل متيسر من غير تكلف كأنه قال الناس كالضيف فى الدنيا لسرعة انتقالهم، وما فى أيديهم من الأموال عارية، وعن قريب ترد العارية، ويأخذها مالكها. ولا يكاد يخفى التشبيه على من له أدنى ذوق وفطانة وكقوله ﵇ «الدنيا دار التواء، لا دار انتواء، ومنزل ترح، لا منزل فرح» فأداة التشبيه يمكن إظهارها من غير تكلف، ولا تعسر كما ترى. وقد يخفى تقدير أداة التشبيه بعض خفاء فيحتاج إلى مزيد تفطن ومزيد خبرة ودقة
стр. 168
نظر، ومن هذا قوله ﵊ «ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا التاط منها بثلاث، شغل لا ينفك عناؤه، وفقر لا يدرك غناه، وأمل لا ينال منتهاه» ، فانظر إلى ما اشتمل عليه هذا الكلام من بالغ الحكمة وعظيم الزجر ونافع الوعظ، وتلطف على تقرير التشبيه فيه بنوع احتيال وتلطف، كأنه قال إذا تمكن حب الدنيا من قلب العبد فكأنه الحال الساكن فيه، ثم إذا كان ساكنا فيه فهذه الخصال الثلاث كالملتاطة المختلطة لعظم شغفهم بها وتمكنها من سويداء قلوبهم. وقوله مادام رسنه مرخى، وحبله على غاربه ملقى، فهذا وأمثاله مما يدق تقرير الأداة فيه إلا بنوع تقدير كما أسلفنا تقريره.
النوع الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه ،
فمن التشبيهات الظاهرة التى أخذت من البلاغة بحظ وافر، وخصت بالقدح القامر قوله فى أثناء الوعظ «وضع فخرك، واحطط كبرك، واذكر قبرك، فإن عليه ممرك، وكما تدين تدان، وكما تزرع تحصد، وما قدمته اليوم تقدم عليه غدا فامهد لقدمك، وقدم ليومك» .
فتأمل أيها الناظر موقع قوله، كما تدين تدان وكما تزرع تحصد، ما أغرقه فى معانى التشبيه، وما أكثر رسوخه فى مواقع التنبيه. وكقوله فى خلقة الخفاش واشتمالها على العجائب من الحكمة «وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران، كأنها شظايا الآذان، غير ذوات ريش ولا قصب، إلا أنك ترى موضع العروق بينة أعلاما، لها جناحان لما يرق فينشقا، ولما يغلظا فيثقلا» وكما قال فى صفة الفتنة «تمتد فى مدارج خفية، وتؤول إلى فظاعة جلية، شبابها كشباب الغلام، وآثارها كآثار السلام، يهرب منها الأكياس، ويديرها الأرجاس. وكقوله فى وصف الجاهل «إن دعى إلى حرث الدنيا عمل، وإن دعى إلى حرث الآخرة كسل، كأن ما عمل له واجب عليه، وكأن ما ونى فيه ساقط عنه» وقوله ﵇: «سيأتى على الناس زمان يكفأ فيه الإسلام، كما يكفأ الإناء» فما أبلغ موقع هذه الكلمة مع اشتمالها على نظام عجيب، وتأليف بديع، ومعناه أنه ينقلب ظهرا لبطن فى انعكاس حاله وانقلاب أمره.
فأما التشبيهات المركبة فهى كثيرة فى كلامه كقوله ﵇ فى وصف الأولياء «عظم الخالق فى أنفسهم، فصغر ما دونه فى أعينهم، فهم والجنة كمن رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها، فهم فيها معذبون» وقوله فى وصف المنية «واعلموا أن ملاحظ
стр. 169
المنية نحوكم رانية، وكأنكم بمخالبها وقد نشبت فيكم، وقد دهمتكم فيها مفظعات الأمور، ومضلعات المحذور، فقطعوا علائق الدنيا، واستظهروا بزاد التقوى.
وأقول «إن هذا الكلام ليأخذ بمجامع القلوب إلى رفض الدنيا لو كان له قبول، أو صادفته آذان، أو وعته عقول» وقوله ﵇ فى خطاب لمعاوية يوبخه فيه «فياعجبا للدهر إذ صرت تقرن بى من لم يسع بقدمى ولم يكن له كسابقتى التى لا يدلى بها أحد مثلى، إلا أن يدعى مدع مالا أعرفه، ولا أظن أن الله يعرفه، فالحمد لله على كل حال» .
وقال فى مخاطبة أهل البصرة «والله لئن ألجأتمونى إلى المسير إليكم، لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلا كلعقة لاعق» . وقال فى خطاب آخر لمعاوية «فكأنى بك وقد رأيتك تضج من الحرب إذا عضتك ضجيج الجمال بالأثقال، وكأنى بجماعتك يدعوننى جزعا من الضرب المتتابع، والقضاء الواقع، ومصارع بعد مصارع، إلى كتاب الله وهى كافرة جاحدة، أو متابعة حائدة» .
فأما التشبيهات التى أضمرت فيها أداة التشبيه فيه فى كلامه أوسع مما ظهرت فيه الأداة، وقد ذكرنا من قبل أن التشبيه مهما خفى أمره فهو أدخل فى حسن الاستعارة، فمن ذلك قوله ﵇ «رحم الله امرءا ألجم نفسه بلجامها، وزمامها، فأمسكها عن معاصى الله وقادها بزمامها إلى طاعة الله» فالتشبيه فى مثل هذا يمكن تقديره، لأنك إذا أظهرت أداة التشبيه لم يخرج الكلام عن فصاحته، ومما تظهر فيه أداة التشبيه على قرب وسهولة، قوله فى صفة الأرض «فجعلها لخلقه مهادا، وبسطها لهم فراشا، فوق بحر لجى راكد لا يجرى» كأنه قال كالمهاد، والفراش. ومما يصعب فيه تقدير أداة التشبيه فيكون استعارة محضة قوله ﵇ فى التقوى أيقظوا بها نومكم، واقطعوا بها يومكم، وأشعروا بها قلوبكم، وارحضوا بها ذنوبكم، وداووا بها الأسقام، وبادروا بها الحمام، ألا وصونوها، وتصونوا بها» فهذه استعارات حسنة، ومعان دقيقة، إذا قدرت فيها أداة التشبيه، وخرج الكلام عن رونقه، وتبدل عن دباجته، وقال فى أهل البدع هم أساس الفسوق، وأحلاس العقوق، اتخذهم إبليس مطايا ضلال، وتراجمة ينطق على ألسنتهم فجعلهم مرمى نبله، وموطىء قدمه، ومأخذ يده» . وقال فى صفة الدنيا «حالها انتقال، ووطأتها زلزال، وعزها ذل، وجدها هزل، وعلوها سفل، دار حرب وسلب، ونهب وعطب، أهلها على ساق وسياق،
стр. 170
ولحاق وفراق» . وقال فى كلام آخر «فأطفئوا ما كمن فى قلوبكم من نيران العصبية، وأحقاد ثأر الجاهلية، واعتمدوا وضع التذلل على رؤسكم، وإلقاء التعذر تحت أقدامكم، وخلع التكبر عن أعناقكم، واتخذوا التواضع مسلحة بينكم وبين عدوكم، إبليس وجنوده، فإن له من كل أمة جنودا وأعوانا، ورجلا وفرسانا» ومن خبر كلامه ومارس أسلوبه ونظامه، تحقق لا محالة أنه قمر البلاغة المتوسط فى هالتها، والطراز الباهى فى أكم غلالتها.
النوع الرابع فيما ورد من التشبيه فى كلام البلغاء
فمن ذلك كلام قبيصة بن نعيم، لما قدم على امرىء القيس فى أشياخ من بنى أسد، يسألونه العفو عن دم أبيه حجر، فقال له قبيصة: إنك فى المحل والقدر من المعرفة بتصريف الدهر، وما تحدثه أيامه، وتتنقل به أحواله بحيث لا تحتاج إلى تذكير من واعظ، ولا تبصير من مجرب، ولك من سؤدد منصبك، وشرف أعراقك، وكرم أصلك فى العرب، محتمل يحتمل ما حمل من إقالة العثرة، ورجوع عن الهفوة، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك، فوجدت عندك من فضيلة الرأى، وبصيرة الفهم، وكرم الصفح، ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها، وقد كان الذى كان من الخطب الجليل الذى عمت رزيئته نزارا واليمن، ولم يخصص بذلك كندة دوننا، للشرف البارع كان الحجر، ولو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده، لما بخلت كرائمنا به على مثله، ولكنه مضى به سبيل لا ترجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه أدناه فأحمد الحالات أن تعرف الواجب عليك فى إحدى خلال ثلاث، إما أن اخترت من بنى أسد أشرفها بيتا، وأعلاها فى بناء المكرمات صوتا، فقدناه إليك بنسعه، تذهب مع شفرات حسامك قصرته، فنقول، رجل امتحن بهلك عزيز، فلم تستل سخيمته إلا بتمكينه من الانتقام. أو فداء بما يروح على بنى أسد من نعمها، فهى ألوف تجاوز الحسبة فكان ذلك فداء رجعت به القضب إلى أجفانها، وإما أن توادعنا إلى أن تضع الحوامل فنسدل الأزر، ونعقد الخمر فوق الرايات، قال فبكى امرؤ القيس ساعة، ثم رفع رأسه فقال: لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر فى دم، وإنى لن أعتاض به جملا ولا ناقة، فأكتسب بذلك سبة الأبد، وفت العضد، وأما النظرة فقد
стр. 171
أوجبتها للأجنة فى بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببا، وستعرفون طلائع كندة بعد ذلك، تحمل فى القلوب حنقا، وفوق الأسنة علقا:
إذا جالت الحرب فى مأزق ... تصافح فيها المنايا النفوسا
أتقيمون، أم تنصرفون؟ قالوا بل ننصرف بأسوأ الاختيار وأبلى الاجترار المكروه وأذية، وحرب وبلية، ثم نهضوا عنه، وقبيصة يتمثل:
لعلك أن تستوخم الورد إن غدت ... كتائبنا فى مأذق الحرب تمطر
فقال امرؤ القيس: لا والله، بل أستعذبه، فرويدا تنفرج لك دجاها عن فرسان كندة، وكتائب حمير، ولقد كان ذكر غير هذا بى أولى إذ كنت نازلا بربعى ولكنك قلت فأجبت، فقال له قبيصة ما نتوقع أكثر من المعاتبة والإعتاب.
فعليك إعمال فكرك فى هذا الكلام، ما أوقعه فى إصابة المعانى وأسلس ألفاظه، ومن ذلك ما قاله ابن الأثير فإنه أبدع فى نظم المنثور، وأحسن فى تأليف العقود من الدرر والشذور، ومن عجيب كلامه أنه يكاد يعول فى نظم كلامه على كتاب الله تعالى فيجعله كالأساس للبناء، قال فى وصف القلم وقد أوحى الله إلى قلمه ما أوحى، وإلى النحل، غير أنها تأوى إلى المكان الوعر، وهو يأوى إلى البيان السهل، ومن شأنه أن يجتنى من ثمرات ذات أرواح لا ذات أكمام، ويخرج من نفثاته شراب مختلف طعمه فيه شفاء للأفهام، وأين ما تبينه كثافة الخشب، مما تبينه لطافة المعنى، ولا تستوى نضارة هذا الثمر، وهذا الثمر، ولا طيب هذا المجنىّ وهذا المجنى، وقد أرخص ما يكثر وجوده، فيذهب فى لهوات الأفواه، وأغلى ما يعز وجوده، فيبقى خالدا على ألسنة الرواة.
فانظر كيف جعل الآية أصلا وقاعدة لمغزاه، ومهادا فى لفظه ومعناه. وقال فى وصف كاتب وهو إذا دجا ليل قلمه، وطلعت فيه نجوم كلمه، لم يقعد لها شيطان بلاغة مقعدا، إلا وجد له شهابا مرصدا، فأسرارها مصونة عن كل خاطف، مطوية عن كل قائف، فقرر ما ذكره على ما ذكره فى سورة الجن، ثم قال له بنت فكر ما تمخضت بمعنى إلا نتجته من غير ما تهمله، ثم أتت به قومها تحمله، ولم نعرض على ملإ من البلغاء إلا ألقوا أقلامهم أيهم يستعيره لا أيهم يكفله، فشيد ما ذكره على هاتين الآيتين، الأولى فى سورة الجن، والثانية فى سورة مريم، ومن ثم كان ارتفاع قدره، واستتمام نور بدره، ومن ذلك ما ذكره الشيخ العابد يحيى بن نباتة فى خطبة له، وهو قمر يشار إليه بالأكف فى البلاغة،
стр. 172
وله فى أساليبها اليد البيضاء، قال أولئك الذين أفلوا فنجمتم، ورحلوا فأقمتم، وأبادهم الموت كما علمتم، وأنتم الطامعون فى البقاء بعدهم كما زعمتم، كلا والله ما أشخصوا لتقروا، ولا نغصوا لتسروا ولا بد أن تمروا حيث مروا، فلا تفتنوا بخدع الدنيا ولا تغتروا، يا أيها الناس، أسيموا القلوب فى رياض الحكم، وأديموا البحث عن ابيضاض اللمم، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم، وأجيلوا الأفكار فى انقراض الأمم. فانظر إلى موقع قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ
[البقرة: ١٧٥] وقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ
[البقرة: ٢١] من كلامه لما كانا من آى القرآن، كيف تميزا تمييز الإبريز، عن القزدير، وصارا مع غيرهما من الكلام كالرصاص بالإضافة إلى الإكسير. وقد ساق ابن الجوزى على هذا المساق الذى حكيناه عن ابن الأثير فى جعل الآيات طررا فى كلامه، قال فى خطبة: يا معدودا مع أهل البصر وهو فى العميان، يا محسوبا مع أهل المشيب وهو فى الصبيان، يسافر بالهوى، ولا ينزل إلابجار من خان خل الهوى، فإن الهوى هوان، ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله؟ ألم يأن؟ سار الصالحون وتوقفت، وجد التائبون وسوفت، ما يقعدك عن الطريق وقد عرفت؟ هيهات! لقد استحكم هذا النسيان، ألم يأن؟ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله؟ ألم يأن؟ وكم له على هذا الأسلوب من النثر العجيب، والإغراق فى النظم البديع، ولقد رأيت له مائة فصل على مائة آية من كتاب الله على هذا الأسلوب. وقال فى الحريريات: أيها السادر فى غلوائه، السادل ثوب خيلائه، الجامح فى جهالاته، الجانح إلى خزعبلاته، إلا تستمر على غيك، وتستمرىء مرعى بغيك؟ وحتام تتناهى فى زهوك، ولا تنتهى عن لهوك، تبارز بمعصيتك، مالك ناصيتك، وتجترىء بقبح سيرتك، على عالم سريرتك، وتتوارى عن قريبك، وأنت بمرأى رقيبك، وتستخفى عن مملوكك، ولا تخفى خافية على مليكك، أتظن أن ستنفعك حالك؟ إذا آن ارتحالك، ويغنى عنك مالك، حين توبقك أعمالك، أو يغنى عنك ندمك، إذا زلت قدمك. ثم قال: طالما أيقظك الدهر فتناعست، وجذبك الوعظ فتقاعست، وحصحص لك الحق فتماريت، وأذكرك الموت فتناسيت، وأمكنك أن تؤاسى فما آسيت، تأمر بالعرف وتنتهك حماه، وتنهى عن المنكر ولا تتحاماه، وتزحزح عن الظلم ثم تغشاه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. ولقد ختم كلامه بأحسن ختام، حيث جعل الآية منتهى له، فتم أى تمام.
وفيما ذكرناه كفاية فى مقدار عرضنا من التنبيه على مواقع البلاغة فى كلام الفصحاء مثل واصل، والجاحظ، وغيرهما، ممن له فيها الحظ الوافر.
стр. 173
ويحكى عن «واصل» وكان من المفلقين فى طلاقة اللسان وذلاقته، أن رجلا قال له يمتحنه بالفصاحة وقد عرف أن فى لسانه لثغة فى مخرج الراء: قل: رجل ركب فرسه وجر رمحه، فقال له: غلام اعتلى جواده، وسحب ذابله، فما أجاب به أفصح وأسلس مما امتحن، بنطقه، وما ذاك إلا لأجل الطلاقة فى اللسان، والبراعة فى جودة الذكاء والفطنة.
النوع الخامس فيما ورد من التشبيه من المنظوم
فمن ذلك ما قاله امرؤ القيس:
كأن ثبيرا فى عرانين وبله ... كبير أناس فى بجاد مزمل
وقال:
كأن ذرى رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل
وقال عمرو بن كلثوم:
وما منع الضغائن مثل ضرب ... ترى منه السواعد كالقلينا
والقلة خشبة صغيرة قدر ذراع، يضرب بها وقال:
إذا ما رحن يمشين الهوينى ... كما اضطربت متون الشاربينا
وقال لبيد:
ولها هباب فى الزمام كأنها ... صهباء راح مع الجنوب جهامها
وقال ذو الرمة:
كحلاء فى برج صفراء فى دعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب
والبرج: النماء والزيادة، وقيل إن هذه اللفظة نبطية، وليست فصيحة، وقال آخر:
سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت من الكرم
وقال البحترى:
ذات حسن لو استزادت من الحس ... ن إليه لما أصابت مزيدا
فهى كالشمس بهجة والقضيب ال ... لدن قدا والرئم طرفا وجيدا
وقال آخر:
تردد فى خلقى سؤدد ... سماحا مرجى ويأسا مهيبا
فكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا
стр. 174
وكقول أبى تمام:
جمعت لنا فرق الأمانى منكم ... بأبر من روح الحياة وأوصل
فصنيعة فى يومها وصنيعة ... قد أحولت وصنيعة لم تحول
كالمزن من ماء الرباب فمقبل ... متنظر ومخيم متهلل
ومن جيد التشبيه قول إبراهيم بن العباس:
لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... ويغبر عنها أرضها وسماؤها
فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن يستباح دماؤها
حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأيسر خطب يوم حق فناؤها
وقال أبو تمام:
وما هو إلا الوحى أو حد مرهف ... يقيم ظباه أخدعى كل مائل
فهذا دواء الداء من كل عالم ... وهذا دواء الداء من كل جاهل
وهكذا ورد قوله:
وكان لهم غيثا وعلما لمعدم ... فيسأله أو باحث فيسائله
ومن ذلك قول أبى نواس:
ترجو وتخشى حالتيك الورى ... كأنك الجنة والنار
وليكن هذا القدر كافيا فى إيراد الأمثلة ففيه كفاية لمقدار غرضنا فى التشبيه المضمر الأداة، والمظهر الأداة كما فصلناه من قبل.
المطلب الثالث فى كيفية التشبيه
اعلم أن التشبيه لكثرة وقوعه فى الكلام، وتوسع أهل البلاغة فى طرقه يكاد أن تكون كيفية وقوعه غير منحصرة لما ذكرناه من الاتساع، ولكنا نشير من ذلك إلى كيفيات خمس بمعونة الله تعالى.
الكيفية الأولى
هو أن الغرض بالتشبيه ومقصوده، إنما هو الإبانة والإيضاح، ثم إما أن يكون بيانا لحكم مجهول، أو يكون بيانا لمقداره، فهذان وجهان، الوجه الأول أن يكون بيانا لحكم
стр. 175
مجهول وهذا نحو أن يكون المدعى يدعى ما لا يتصور ثبوته ولا يعقل إمكانه، فيأتى بالتشبيه لبيان إمكانه وهذا كقول بعضهم:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
فإن الشاعر أراد أن يقول: إن الممدوح فاق الأنام بحيث لم يبق بينه وبينهم مشابهة ومقاربة، بل صار جنسا برأسه وأصلا فى نفسه، وهذا فى الظاهر كالممتنع، فإنه يبعد فى العقل أن تتناهى بعض آحاد النوع أو شىء من مفرداته فى الفضائل الخاصة والمناقب العالية إلى حد يصير كأنه ليس من ذلك النوع، فلما أطلق ذلك عقبه بقوله «فإن المسك بعض دم الغزال» محتجا به على تصحيح دعواه، وعلى إمكان ما قاله، وعلى أنه ليس محالا، وبيانه هو أن المسك قد خرج لا محالة عن صفة الدم وحقيقته، حتى لا يقال هو منه، ولا يعد من جنسه ولا يوجد فيه شىء من الصفات الشريفة التى للمسك، فلأجل هذا سيق التشبيه من أجل هذه الفائدة.
الوجه الثانى أن يكون بيانا لمقداره، وهذا نحو أن يحاول نفى الفائدة عن فعل بعض الناس، وأن يدعى فيه أنه لا يحصل منه طائل فيقول فيه: فلان كالقابض على الماء، ويخط فى الهواء، فالتشبيه فيما هذا حاله لم يكن مسوقا لبيان الإمكان، بل إنما سيق لمعرفة المقدار؛ لأن الفعل فى نفسه بالإضافة إلى ما يفيده على مراتب مختلفة فى الإفراط، والتفريط، والتوسيط، فإذا مثّل ما ذكرناه من المحسوس عرف قدره، ولهذا قد يقال: حجة واضحة كالشمس، وجهل أظلم من الليل، ومداد كحدقة الغراب، إلى مثل ذلك مما ذكرناه.
الكيفية الثانية
هو أن المتشابهين من الأشياء متى كانت المباعدة بينهما أتم، كان التشبيه أعجب، والسبب فى ذلك هو أن المباينة متى كانت أدخل بينهما كان التشابه أشد إعجابا فى النفوس، وأقوى تمكنا فيها، لأن أكثر مبنى الطباع على أن الشىء إذا تصور ظهوره من مكان يبعد ظهوره منه، ازداد شغف النفس به، وكثر تعلقها به، فما يتعذر وجوده، أعجب مما يتسهل وجوده ولهذا فإن تشبيه الشقائق فى حمرتها وخضرة أعوادها بأعلام الياقوت المنصوبة على رماح من زبرجد، فى غاية الحسن، لما كان لا يكاد يوجد، وهكذا قوله «مداهن در حشوهن عقيق» وكذا تشبيه الكواكب فى سمائها، ببساط أزرق فوقه درر منثورة، ودونه فى الرتبة تشبيه الثريا بعنقود الكرم، واللجام المفضض والوشاح المفصل
стр. 176
كما قال امرؤ القيس:
إذا ما الثريا فى السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل
ودونه فى التشبيه مشابهة العين بالنرجس فى قوله:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس
فمراتب التشبيه متفاوتة رقة وصفاء.
الكيفية الثالثة
إن المعانى العقلية وإن كانت ثابتة مقطوعا بها متيقنة، خلا أن التمسك بالمحسوسات والتعويل عليها فى المشابهة أولى وأحق، لكونها تفيد زيادة قوة ومزيد إيضاح، وإنما كان الأمر كما قلنا لأوجه ثلاثة.
أما أولا فلما يحصل بها من الوثاقة واطمئنان النفس إليها، وانشراح الصدر بها، وقد أشار الله إلى ما قلناه بقوله تعالى: قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[البقرة: ٢٦٠] وأما ثانيا فلأنك إذا كنت بجانب نهر وأنت تريد أن تخبر بأن فعل صاحبك لا ثمرة له ولا يحصل منه على فائدة، فوضعت كفك فى الماء ورفعتها، وقلت انظر إلى كفى، هل حصل فيه شىء من الماء، فهكذا أنت فيما تفعله وتعالجه كان فى ذلك ضرب من التأثير والقوة والتأكيد أكثر مما فى النطق والقول، وما ذاك إلا من أجل تعقله بالإدراك، وأما ثالثا فلأنك لو أردت ضرب مثال فى تباين الشيئين وتنافيهما، فأشرت إلى الماء والنار فقلت: هل هذان يجتمعان فإنك تجد فى نفسك لتمثلك من التأثير ما لا تجده إذا أخبرت عن ذلك بالقول، فقلت هل يجتمع الماء والنار كما قال بعضهم:
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب فى الماء جذوة نار
ومصداق ما ذكرناه ههنا هو أنك تجد فى قوله:
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
ما لا تجده فى نحو قوله:
فى ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصول
من مزيد القوة والتأكيد، وما ذاك إلا لأن الأول مبنى على الإدراك دون الآخر مع أن الأول فى المبالغة دون الثانى، فإن ظل الرمح متناه واتصال ليل صول بالليل لا نهاية له، ولكن الوجه فى قوّته ما ذكرناه فيه.
стр. 177
الكيفية الرابعة
هو أن العادة جارية والأساليب مطردة فى تشبيه الأدنى بالأعلى والأقل بالأكثر، والفاضل بالأفضل، وقد يقصد البليغ فى نظمه ونثره على جهة التخييل أن يوهم فى الشىء القاصر عن نظيره أنه زائد عليه، وعند هذا ينعكس الأمر فيجعل الأصل فرعا، ويشبه الزائد بالناقص ويجعل الفرع لأجل المبالغة أعلا شأنا من الأصل، فيرفعه إلى رتبة الأصل كما قال بعض الشعراء:
وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح
فهذا على أنه جعل وجه الخليفة كأنه أعرف وأشهر وأتم وأكمل فى النور والضياء من الصباح، فلما اعتقد هذا وعزم عليه ساغ له جعل الصباح فرعا ووجه الخليفة أصلا، وكما قال ابن المعتز:
وكأنما الشمس المنيرة دينا ... رجلته حدائد الضراب
فهذا وأمثاله وإن عظم التفاوت فيه لكن الذى حسن منه هو أنه لم يقصد قصر التشبيه على مجرد الإنارة، وإنما أراد تشبيه مستدير يتلألأ ويلمع، ثم خصوص حسن اللون الموجود فى الدينار المتخلص من حمى السبك، فأما مقدار النور والشعاع العظيم فكأنه لم يتعرض له بحال.
الكيفية الخامسة
اعلم أن التشبيه كما يقع فى المفرد فهو واقع فى المركب فإذا قصدت إيقاع التشبيه بالمفرد، فإنما تقصد إلى نفس تلك الحقيقة المجردة مع قطع النظر إلى غيرها، وإذا قصدت التشبيه بالمركب. فإنما يؤول الأمر فيه إلى تشبيه مفردات بمفردات، فلا جرم حصل التركيب لا محالة، فأما تشبيه المفرد بالمفرد فمثاله فى الحركة، فإذا أوقعت التشبيه فأنت كما قال ابن المعتز فى صفة البرق.
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا
فلم يقع التشبيه فى جميع أوصاف البرق ومعانيه، ولكن نظر إلى مجرد الحركة فى الانبساط والانقباض، وقد قصر تشبيهه على نفس الحركة، ثم إنه قدر فى نفسه لينظر أى أوصاف الحركة أخص، فوجد ذلك فى فعل القارىء بأوراق المصحف من فتحها مرة،
стр. 178
وإطباقها أخرى، فأما تشبيه المركب بالمركب، فإنه يجمع أوصافا مختلفة، كالشكل واللون والإضاءة والحركة، ومثاله ما قاله بعضهم: والشمس كالمرأة فى كف الأشلّ.
فإن هذا التشبيه يريك مع الاستدارة والإشراق الحركة التى تراها للشمس إذا تأملتها، وذلك أن الشمس لها حركة متلألئة دائمة، ولنورها بسبب ذلك تموج واضطراب ولا يحصل هذا التشبيه إلا بمرآة فى كف أشل، لأن حركتها تدوم وتتصل ويكون لها سرعة وتموج، وتلك حالة الشمس فإن ترى شعاعها كأنه يهم أن ينبسط، وأجود من هذا التشبيه فى اجتماع هذه الأمور قول المهلب الوزير:
الشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب
كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب
ولنقتصر على هذا القدر من الكيفيات ففيه كفاية فيما نريده بمعونة الله تعالى.
المطلب الرابع فى ذكر أحكام التشبيه
وهى كثيرة، ولكنا نورد ما تمس الحاجة إليه
الحكم الأول هو أنه لابد من رعاية جهة التشبيه ،
ويجب أن لا يتعدى فى التشبيه عن الجهة المقصودة، وإلا وقع الخطأ لا محالة، ومثاله قوله ﷺ «الكمأة جدرى الأرض» فالغرض من كلامه ﵇ فى تشبيه الكمأة بالجدرى هو أنها مفسدة لها كما أن الجدرى يفسد الوجه والبدن، وليس المقصود من التشبيه هو الاتصال، فإن مثل هذا لا فائدة فيه ولا ثمرة تحته، فإن الاتصال، غرض حقير لا يقصد التشبيه لأجله، وكما يقال: النحو فى الكلام كالملح فى الطعام فإن المقصود من هذا التشبيه هو أن الكلام لا يجدى ولا يكون فيه نفع إلا بمراعاة الأحكام النحوية، كما أن الطعام لا ينفع ما لم يصلح بالملح، وليس المقصود ما ظنه بعضهم من أن وجه التشبيه هو أن القليل من النحو مغن، والكثير مفسد، كما أن القليل من الملح مصلح للطعام، والكثير مفسد، فهذا باطل، لأن الزيادة والنقصان فى مجارى الأحكام النحوية فى الكلام باطل، وبيانه هو أنا إذا قلنا: إن زيدا قائم، وكان زيد قائما فلابد من رفع أحد الاسمين ونصبه، فهذا إذا وجد فقد حصل
стр. 179
القانون النحوى، وتمتنع الزيادة عليه، وإن لم يحصل فقد زال قانون النحو، ولا فائدة فيه لأنه خارج، فإذن لا وجه لدخول الزيادة والنقصان فى النحو كما لخصناه، وعلى هذا يكون تشبيه النحو بالملح ليس كما اعتقده، وإنما هو من جهة الإصلاح كما أشرنا إليه، فتقرر بما حققناه أن التشبيه قد يكون من جهة ويظن أنه من جهة أخرى، وعند هذا يقع الغلط، وهكذا الحال فى قوله ﵇: «المؤمن كالسنبلة، يعوج أحيانا ويقوم أخرى» فجهة التشبيه هو أنه أراد أن المؤمن يواقع الذنب فيتوب منه، ويسترجع مرة بعد أخرى، والكافر كالأرزة، يعنى أنه إذا هفا فى الذنب لم يتذكر ولم يسترجع، فهو كالأرزة، إذا انجعفت لم تقم أبدا، ويحتمل أن يكون مراده أنه لا يتوب إلا عند الموت بحيث لا يقوم، ولا تنفعه التوبة (كالأرزة) إذا انجعفت لا يرجى لها استقامة بحال فما خالف هذه الجهات فى التشبيه يكون خطأ بلا مرية.
الحكم الثانى
هو أن الأمر الذى يقع به التشبيه منقسم إلى ما يمكن إفراد أحد أجزائه بالذكر، وإلى ما يتعذر ذلك فيه، فمثال الأول قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[الجمعة: ٥] فإن شئت جعلت التشبيه مطلق الحمار فى الغباوة والجهل والبلادة وسقوط النفوس عن كريم الخصال، وشريف الفعال، وهذه حالة اليهود، وإن شئت جعلته مركبا، وهو أنه ليس الغرض إفراد الحمار بالتشبيه، ولكن الغرض تشبيه حالهم فى كونهم حملوا التوراة ثم لم يحملوها حمل مثلها فى امتثال أوامرها ونواهيها، كمثل الحمار فى حمله للأسفار، فمثلوا فى السخف بحال الحمار الحامل فوق ظهره، جعل مثلا لما كلفوه من الأحكام الشرعية و «أسفارا» جعل مثلا لنفاسة المحمول، وعدم انتفاع الحامل به، فصار حاصل الأمر أنهم مشبهون بالحمار الحامل فوق ظهره كتبا لا يدرى حالها، ولا ينتفع بها، ومن هذا قول بشار:
وكأن أجرام السماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
فإن شئت جعلته من المفرد فقلت: كأن النجوم فى ضوئها درر، وكأن السماء فى زرقتها بساط أزرق، فهذا مقول على انفراده، وإن شئت جعلته من باب المركب فقلت: لم يكن
стр. 180
التشبيه بمطلق الدرر، ولا بمطلق البساط، وإنما الغرض النجوم فى ضوئها وتلألئها إلى زرقة أديم السماء، كبساط أزرق نثرت عليه درر صافية، ونظير هذا القسم، عقد من در وياقوت، فهو إذا فصل واحدة واحدة، فهو على حظ من الإعجاب، وهو إذا نظم فى سلك واحد، فهو على حظ وافر من الزينة والحسن والنضارة. ومثال الثانى وهو ما يتعذر فيه الإفراد، قوله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
[إبراهيم: ٢٦] فإن المقصود تشبيه كلمة موصوفة بالخبث بشجرة موصوفة بالخبث أيضا، فلو سلبت الكلمة صفة الخبث قائلا ومثل كلمة كشجرة خبيثة، أبطلت بلاغة الآية، وأزلت عنها رونق الفصاحة، ومن هذا قوله:
كأنما المريخ والمشترى ... قدامه فى شامخ الرفعه
منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه
فالغرض أن التشبيه لم يكن للمريخ على انفراده، ولكن إنما حصل له من جهة الحالة الحاصلة له من كون المشترى قدامه، ولهذا كانت الواو فى قوله والمشترى قدامه، واو الحال، فهى كالصفة فى كونها تابعة لا يمكن إفرادها بالذكر، بل تذكر فى ضمن الأول على طريق التبعية، فلو أبطلت التركيب قائلا كأنما المريخ منصرف عن دعوة، كان خلفا من الكلام فضلا عن أن يكون بليغا، ونظير هذا القسم، خاتم من فضة، وسوار من ذهب، فإنه لا يفيد الحسن والإعجاب إلا إذا كان مركبا منظما، فإن زال تركيبه ونظامه، خرج عن إعجابه وحسنه وبطل.
الحكم الثالث
اعلم أن من التشبيه ما يحضر فى الذهن ويسهل إدراكه، ويسمى القريب، ومنه ما يحتاج إلى نوع فكرة وتأمل، ويسمى الغريب، ولنذكر الأمرين جميعا بالأمثلة. مثال الأول وهو القريب، وذلك متى أخطرت ببالك استدارة قرص الشمس وتنورها وتموج ضوئها، فإن المرآة المجلوة تقع فى قلبك وتعرف من أول وهلة كونها مشبهة للشمس، وهكذا إذا نظرت إلى السيف المصقول عند سله، فإنك تذكر لمعان البرق، فلهذا تشبيهه به، وإذا رأيت الثياب الموشاة من الحرير فى رقتها وصفائها، وإحكام ألوانها، فإنك تشبهها بالروض
следующие страницы →