Полный текст (682 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
كما قال امرؤ القيس:
إذا ما الثريا فى السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل
ودونه فى التشبيه مشابهة العين بالنرجس فى قوله:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس
فمراتب التشبيه متفاوتة رقة وصفاء.
الكيفية الثالثة
إن المعانى العقلية وإن كانت ثابتة مقطوعا بها متيقنة، خلا أن التمسك بالمحسوسات والتعويل عليها فى المشابهة أولى وأحق، لكونها تفيد زيادة قوة ومزيد إيضاح، وإنما كان الأمر كما قلنا لأوجه ثلاثة.
أما أولا فلما يحصل بها من الوثاقة واطمئنان النفس إليها، وانشراح الصدر بها، وقد أشار الله إلى ما قلناه بقوله تعالى: قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
[البقرة: ٢٦٠] وأما ثانيا فلأنك إذا كنت بجانب نهر وأنت تريد أن تخبر بأن فعل صاحبك لا ثمرة له ولا يحصل منه على فائدة، فوضعت كفك فى الماء ورفعتها، وقلت انظر إلى كفى، هل حصل فيه شىء من الماء، فهكذا أنت فيما تفعله وتعالجه كان فى ذلك ضرب من التأثير والقوة والتأكيد أكثر مما فى النطق والقول، وما ذاك إلا من أجل تعقله بالإدراك، وأما ثالثا فلأنك لو أردت ضرب مثال فى تباين الشيئين وتنافيهما، فأشرت إلى الماء والنار فقلت: هل هذان يجتمعان فإنك تجد فى نفسك لتمثلك من التأثير ما لا تجده إذا أخبرت عن ذلك بالقول، فقلت هل يجتمع الماء والنار كما قال بعضهم:
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب فى الماء جذوة نار
ومصداق ما ذكرناه ههنا هو أنك تجد فى قوله:
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر
ما لا تجده فى نحو قوله:
فى ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصول
من مزيد القوة والتأكيد، وما ذاك إلا لأن الأول مبنى على الإدراك دون الآخر مع أن الأول فى المبالغة دون الثانى، فإن ظل الرمح متناه واتصال ليل صول بالليل لا نهاية له، ولكن الوجه فى قوّته ما ذكرناه فيه.
стр. 177
الكيفية الرابعة
هو أن العادة جارية والأساليب مطردة فى تشبيه الأدنى بالأعلى والأقل بالأكثر، والفاضل بالأفضل، وقد يقصد البليغ فى نظمه ونثره على جهة التخييل أن يوهم فى الشىء القاصر عن نظيره أنه زائد عليه، وعند هذا ينعكس الأمر فيجعل الأصل فرعا، ويشبه الزائد بالناقص ويجعل الفرع لأجل المبالغة أعلا شأنا من الأصل، فيرفعه إلى رتبة الأصل كما قال بعض الشعراء:
وبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح
فهذا على أنه جعل وجه الخليفة كأنه أعرف وأشهر وأتم وأكمل فى النور والضياء من الصباح، فلما اعتقد هذا وعزم عليه ساغ له جعل الصباح فرعا ووجه الخليفة أصلا، وكما قال ابن المعتز:
وكأنما الشمس المنيرة دينا ... رجلته حدائد الضراب
فهذا وأمثاله وإن عظم التفاوت فيه لكن الذى حسن منه هو أنه لم يقصد قصر التشبيه على مجرد الإنارة، وإنما أراد تشبيه مستدير يتلألأ ويلمع، ثم خصوص حسن اللون الموجود فى الدينار المتخلص من حمى السبك، فأما مقدار النور والشعاع العظيم فكأنه لم يتعرض له بحال.
الكيفية الخامسة
اعلم أن التشبيه كما يقع فى المفرد فهو واقع فى المركب فإذا قصدت إيقاع التشبيه بالمفرد، فإنما تقصد إلى نفس تلك الحقيقة المجردة مع قطع النظر إلى غيرها، وإذا قصدت التشبيه بالمركب. فإنما يؤول الأمر فيه إلى تشبيه مفردات بمفردات، فلا جرم حصل التركيب لا محالة، فأما تشبيه المفرد بالمفرد فمثاله فى الحركة، فإذا أوقعت التشبيه فأنت كما قال ابن المعتز فى صفة البرق.
وكأن البرق مصحف قار ... فانطباقا مرة وانفتاحا
فلم يقع التشبيه فى جميع أوصاف البرق ومعانيه، ولكن نظر إلى مجرد الحركة فى الانبساط والانقباض، وقد قصر تشبيهه على نفس الحركة، ثم إنه قدر فى نفسه لينظر أى أوصاف الحركة أخص، فوجد ذلك فى فعل القارىء بأوراق المصحف من فتحها مرة،
стр. 178
وإطباقها أخرى، فأما تشبيه المركب بالمركب، فإنه يجمع أوصافا مختلفة، كالشكل واللون والإضاءة والحركة، ومثاله ما قاله بعضهم: والشمس كالمرأة فى كف الأشلّ.
فإن هذا التشبيه يريك مع الاستدارة والإشراق الحركة التى تراها للشمس إذا تأملتها، وذلك أن الشمس لها حركة متلألئة دائمة، ولنورها بسبب ذلك تموج واضطراب ولا يحصل هذا التشبيه إلا بمرآة فى كف أشل، لأن حركتها تدوم وتتصل ويكون لها سرعة وتموج، وتلك حالة الشمس فإن ترى شعاعها كأنه يهم أن ينبسط، وأجود من هذا التشبيه فى اجتماع هذه الأمور قول المهلب الوزير:
الشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقة ليس لها حاجب
كأنها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب
ولنقتصر على هذا القدر من الكيفيات ففيه كفاية فيما نريده بمعونة الله تعالى.
المطلب الرابع فى ذكر أحكام التشبيه
وهى كثيرة، ولكنا نورد ما تمس الحاجة إليه
الحكم الأول هو أنه لابد من رعاية جهة التشبيه ،
ويجب أن لا يتعدى فى التشبيه عن الجهة المقصودة، وإلا وقع الخطأ لا محالة، ومثاله قوله ﷺ «الكمأة جدرى الأرض» فالغرض من كلامه ﵇ فى تشبيه الكمأة بالجدرى هو أنها مفسدة لها كما أن الجدرى يفسد الوجه والبدن، وليس المقصود من التشبيه هو الاتصال، فإن مثل هذا لا فائدة فيه ولا ثمرة تحته، فإن الاتصال، غرض حقير لا يقصد التشبيه لأجله، وكما يقال: النحو فى الكلام كالملح فى الطعام فإن المقصود من هذا التشبيه هو أن الكلام لا يجدى ولا يكون فيه نفع إلا بمراعاة الأحكام النحوية، كما أن الطعام لا ينفع ما لم يصلح بالملح، وليس المقصود ما ظنه بعضهم من أن وجه التشبيه هو أن القليل من النحو مغن، والكثير مفسد، كما أن القليل من الملح مصلح للطعام، والكثير مفسد، فهذا باطل، لأن الزيادة والنقصان فى مجارى الأحكام النحوية فى الكلام باطل، وبيانه هو أنا إذا قلنا: إن زيدا قائم، وكان زيد قائما فلابد من رفع أحد الاسمين ونصبه، فهذا إذا وجد فقد حصل
стр. 179
القانون النحوى، وتمتنع الزيادة عليه، وإن لم يحصل فقد زال قانون النحو، ولا فائدة فيه لأنه خارج، فإذن لا وجه لدخول الزيادة والنقصان فى النحو كما لخصناه، وعلى هذا يكون تشبيه النحو بالملح ليس كما اعتقده، وإنما هو من جهة الإصلاح كما أشرنا إليه، فتقرر بما حققناه أن التشبيه قد يكون من جهة ويظن أنه من جهة أخرى، وعند هذا يقع الغلط، وهكذا الحال فى قوله ﵇: «المؤمن كالسنبلة، يعوج أحيانا ويقوم أخرى» فجهة التشبيه هو أنه أراد أن المؤمن يواقع الذنب فيتوب منه، ويسترجع مرة بعد أخرى، والكافر كالأرزة، يعنى أنه إذا هفا فى الذنب لم يتذكر ولم يسترجع، فهو كالأرزة، إذا انجعفت لم تقم أبدا، ويحتمل أن يكون مراده أنه لا يتوب إلا عند الموت بحيث لا يقوم، ولا تنفعه التوبة (كالأرزة) إذا انجعفت لا يرجى لها استقامة بحال فما خالف هذه الجهات فى التشبيه يكون خطأ بلا مرية.
الحكم الثانى
هو أن الأمر الذى يقع به التشبيه منقسم إلى ما يمكن إفراد أحد أجزائه بالذكر، وإلى ما يتعذر ذلك فيه، فمثال الأول قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[الجمعة: ٥] فإن شئت جعلت التشبيه مطلق الحمار فى الغباوة والجهل والبلادة وسقوط النفوس عن كريم الخصال، وشريف الفعال، وهذه حالة اليهود، وإن شئت جعلته مركبا، وهو أنه ليس الغرض إفراد الحمار بالتشبيه، ولكن الغرض تشبيه حالهم فى كونهم حملوا التوراة ثم لم يحملوها حمل مثلها فى امتثال أوامرها ونواهيها، كمثل الحمار فى حمله للأسفار، فمثلوا فى السخف بحال الحمار الحامل فوق ظهره، جعل مثلا لما كلفوه من الأحكام الشرعية و «أسفارا» جعل مثلا لنفاسة المحمول، وعدم انتفاع الحامل به، فصار حاصل الأمر أنهم مشبهون بالحمار الحامل فوق ظهره كتبا لا يدرى حالها، ولا ينتفع بها، ومن هذا قول بشار:
وكأن أجرام السماء لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
فإن شئت جعلته من المفرد فقلت: كأن النجوم فى ضوئها درر، وكأن السماء فى زرقتها بساط أزرق، فهذا مقول على انفراده، وإن شئت جعلته من باب المركب فقلت: لم يكن
стр. 180
التشبيه بمطلق الدرر، ولا بمطلق البساط، وإنما الغرض النجوم فى ضوئها وتلألئها إلى زرقة أديم السماء، كبساط أزرق نثرت عليه درر صافية، ونظير هذا القسم، عقد من در وياقوت، فهو إذا فصل واحدة واحدة، فهو على حظ من الإعجاب، وهو إذا نظم فى سلك واحد، فهو على حظ وافر من الزينة والحسن والنضارة. ومثال الثانى وهو ما يتعذر فيه الإفراد، قوله تعالى: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ
[إبراهيم: ٢٦] فإن المقصود تشبيه كلمة موصوفة بالخبث بشجرة موصوفة بالخبث أيضا، فلو سلبت الكلمة صفة الخبث قائلا ومثل كلمة كشجرة خبيثة، أبطلت بلاغة الآية، وأزلت عنها رونق الفصاحة، ومن هذا قوله:
كأنما المريخ والمشترى ... قدامه فى شامخ الرفعه
منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه
فالغرض أن التشبيه لم يكن للمريخ على انفراده، ولكن إنما حصل له من جهة الحالة الحاصلة له من كون المشترى قدامه، ولهذا كانت الواو فى قوله والمشترى قدامه، واو الحال، فهى كالصفة فى كونها تابعة لا يمكن إفرادها بالذكر، بل تذكر فى ضمن الأول على طريق التبعية، فلو أبطلت التركيب قائلا كأنما المريخ منصرف عن دعوة، كان خلفا من الكلام فضلا عن أن يكون بليغا، ونظير هذا القسم، خاتم من فضة، وسوار من ذهب، فإنه لا يفيد الحسن والإعجاب إلا إذا كان مركبا منظما، فإن زال تركيبه ونظامه، خرج عن إعجابه وحسنه وبطل.
الحكم الثالث
اعلم أن من التشبيه ما يحضر فى الذهن ويسهل إدراكه، ويسمى القريب، ومنه ما يحتاج إلى نوع فكرة وتأمل، ويسمى الغريب، ولنذكر الأمرين جميعا بالأمثلة. مثال الأول وهو القريب، وذلك متى أخطرت ببالك استدارة قرص الشمس وتنورها وتموج ضوئها، فإن المرآة المجلوة تقع فى قلبك وتعرف من أول وهلة كونها مشبهة للشمس، وهكذا إذا نظرت إلى السيف المصقول عند سله، فإنك تذكر لمعان البرق، فلهذا تشبيهه به، وإذا رأيت الثياب الموشاة من الحرير فى رقتها وصفائها، وإحكام ألوانها، فإنك تشبهها بالروض
стр. 181
الممطور، المفتر عن أزهاره، المبتسم عن أنواره، فهذه الأمور وما شابهها تعد من التشبيه القريب كما ذكرناه، ومثال الثانى وهو الغريب فهو الذى يحتاج فى إدراكه إلى دقة نظر وقوة فكر، وهذا نحو تشبيه الشمس بالمرآة فى كف الأشل، ومثل تشبيهها فى التموج والإنارة بالبوتقة من الذهب، ونحو تشبيه الخمر فى الكأس فى لونه، بمداهن در حشوهن عقيق، ومثل تشبيه حمرة الشقائق مع خضرة أعوادها، بأعلام ياقوت منصوبة على رماح من زبرجد، إلى غير ذلك مما يحتاج إلى مزيد فكرة ونظر.
الحكم الرابع
كل تشبيه على جميع أنواعه، فلابد فيه من اشتماله على أركان أربعة، المشبه، والمشبه به، والوصف الجامع بينهما، وكيفية التشبيه فى قربه وبعده، وكونه مفردا ومركبا، ونادرا ومألوفا، إلى غير ذلك، فمتى كثرت الأوصاف، كان أدخل فى الغرابة وأعجب فى مقاصد البلاغة، وأقرب مثال له فى اجتماع أوصاف التشبيه قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
[يونس: ٢٤] فالآية فى نظمها مشتملة على عشر جمل، كل واحدة منها على حظ من التشبيه، ثم يكون التشبيه أيضا حاصلا من مجموعها من غير أن يمكن فصل بعضها عن بعض، فإنك لو حذفت منها جملة واحدة، تطرق الخرم إليها على قدر المحذوف، وكان مخلا بمغزى التشبيه الذى قصد فيها، وهكذا القول فى الإفراد فى التشبيه، والتركيب، فالإفراد نحو تشبيهك الكلام بالعسل، فى أن كل واحد منهما يوجب للنفس لذة وحالة محمودة، والمركب كقولك: «أعط القوس باريها» فإنه ليس الغرض إعطاء مطلقا، وإنما المقصود إعطاء من هو أهل للرماية، ومنه قولهم «الرامى بغير وتر، والساعى إلى الهيجاء بغير سلاح» ، فالتشبيه فيما هذا حاله مركب كما ترى.
الحكم الخامس
اعلم أن من جملة التشبيهات المركبة ما يظن لكثرة اتصاله أنه لا يمكن فصل بعضه عن بعض، وليس الأمر كذلك، وهذا كقول امرىء القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالى
стр. 182
فليس يحصل من أجل ضم الرطب من القلوب إلى اليابس، هيئة تجب مراعاتها، ويعنى بملازمتها، ولا لاجتماع الحشف البالى، مع العناب غرض تجب فيه المضامة والملاصقة، ولو فرقت هذه التشبيهات لم يكن هناك إخلال بالمعنى المقصود، فلو قلت: كأن الرطب من القلوب عناب، وكأن اليابس حشف من الطير فى وكر العقاب، لم يكن أحد التشبيهين موقوفا فى إفادته لما يفيده على الآخر، ونظيره قول أبى الطيب المتنبى:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
فهذا من التشبيه المضمر الأداة، وكل واحد منهما مستقل بنفسه، وفيما ذكرناه غنية عما عداه، وبتمامه يتم الكلام على أسرار التشبيه، فأما كونه معدودا من المجاز أم لا، فقد أوضحنا حاله، وقد نجز غرضنا من القاعدة الثانية المرسومة للتشبيه، والحمد لله.
стр. 183
القاعدة الثالثة من قواعد المجاز فى ذكر حقائق الكناية
اعلم أن الكناية واد من أودية البلاغة، وركن من أركان المجاز، وتختص بدقة وغموض، ومن أجل ذلك حصل الزلل لكثير من الفرق، لسبب التأويلات، كما عرض للباطنية فيما أتوا به من قبح التأويل وشنيعه، ولطوائف من أهل البدع والضلالات، وما ذاك إلا من جهلهم بمجاريها، وما يجوز استعماله منها، وما لا يجوز، فلا جرم كانت مختصة بمزيد الاعتناء، لما يحصل فيها من الفوائد الكثيرة، والنكت الغزيرة، ولنذكر ماهية الكناية، ثم نردفه بالفرق بين الكناية، والتعريض، ثم نذكر أقسامها وأمثلتها، فهذه فصول أربعة نفصلها بمعونة الله تعالى.
الفصل الأول فى تفسير لفظ الكناية وبيان معناها
ولكثرة دورها فى الكلام استعملت فى اللغة، والعرف، والاصطلاح، فهذه مجار ثلاثة.
المجرى الأول فى لسان أهل اللغة
الكناية مصدر كنّى يكنى، وكنيته تكنية حسنة، ولامها واو وياء، يقال. كناه يكنيه، ويكنوه، والكنية بالأب، أو بالأم، وفلان يكنى بأبى عبد الله، وفلانة تكنى بأم فلان، ولا يقال: يكنى بعبد الله، ولا زينب تكنى بهند، وإنما هو مقصود على الأب، والأم، وفلان كنىّ فلان، أى مكنى بكنيته، كما يقال سميه، أى مسمى باسمه، وكنى الرؤيا، هى الأمثال التى تكون عند الرؤيا يكنى بها عن أعيان الأمور، وفى الحديث «إن للرؤيا كنى، ولها أسماء فكنوها بكناها، واعتبروا بأسمائها» .
стр. 184
المجرى الثانى فى عرف اللغة
الكناية مقولة على ما يتكلم به الإنسان، ويريد به غيره، وأنشد الجوهرى لأبى زياد
وإنى لأكنو عن قذور بغيرها ... وأعرب أحيانا بها وأصارح
والكناية بالضم، والكسر فى فائها، واحدة الكنى، واشتقاقها من الستر، يقال. كنيت الشىء، إذا سترته، وإنما أجرى هذا الاسم على هذا النوع من الكلام، لأنه يستر معنى ويظهر غيره، فلا جرم سميت كناية، فالعرف متناول للعبارة كما ترى.
المجرى الثالث فى مصطلح النظار من علماء البيان
وقد ذكروا فى بيان معناها تعريفات كثيرة، ونحن نورد الأقوى منها بمشيئة الله تعالى.
التعريف الأول ذكره الشيخ عبد القاهر الجرجانى .
وحاصل كلامه هى أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعانى فلا يذكره باللفظ الموضوع له فى اللغة، ويأتى بتاليه وجودا، فيومىء به إليه، ويجعله دليلا عليه، ومثاله قولنا: فلان كثير رماد القدر، طويل نجاد السيف، فنكنى بالأول عن جوده، وبالثانى عن طول قامته، هذا ملخص كلامه، وهذا فاسد لأمور ثلاثة، أما أولا فلأن قوله «ويأتى بتاليه» إما أن يريد بتاليه مثله، فهو خطأ، فإن الكناية ليست مماثلة لما كان من اللفظ الذى ترك بالكناية، لأن كثرة الرماد، ليس مماثلا لكونه كريما، وإما أن يريد معنى آخر، فيجب ذكره، حتى ننظر فيه، إما بصحة، وإما بفساد، وأما ثانيا فلأن قوله «فيؤمىء به» ليس يخلو الإيماء، إما أن يكون على جهة الحقيقة، أو على جهة المجاز، فلفظة الإيماء محتملة لما ذكرناه وليس فى الإيماء إشارة إلى أحد الوجهين، فلابد من بيان أحدهما، وإلا كان كلاما مجملا لا يفيد فائدة، وهو مجانب لصناعة الحدود، وأما ثالثا فلأن ما هذا حاله ينتقض بالاستعارة فى نحو قولك: رأيت الأسد، ولقيت بحرا، فإنك فيه قد تركت اللفظ الموضوع للشجاعة والكرم، وأتيت بتاليهما، وأومأت بهما إليه، وإذا دخلت الاستعارة فى هذا الحد كان باطلا، لأنه لم يفد خصوصية الكناية على انفرادها، وقد مر الشيخان أبو المكارم صاحب التبيان، والمطرزى على ما قاله الشيخ عبد القاهر، ولم يعترضاه بما ذكرناه من الإفساد.
стр. 185
التعريف الثانى ذكره ابن سراج المالكى فى كتابه المصباح ،
وتقرير ما قاله فى ماهية الكناية، هو ترك التصريح بالشىء إلى مساويه فى اللزوم، لينتقل منه إلى الملزوم، فقوله: «ترك التصريح بالشىء» عام فى جميع الأنواع المجازية، فإنها متفقة فى ترك التصريح بحقائقها الموضوعة من أجلها، وقوله: «إلى مساويه فى اللزوم لينتقل منه إلى الملزوم» يحترز به عن الاستعارة فى مثل قولك: رأيت أسدا، فإنك انتقلت فى الكناية عن لفظ إلى ما يساويه فى مقصود دلالته، فإن الوصف كما يلزم قولنا فلان كريم، فإنه يلزم مساويه أيضا وهو قولنا فلان كثير رماد القدر، بخلاف قولنا أسد، فإنه ليس مماثلا لقولنا فلان شجاع فى مقصود دلالته، بل يخالفه فى نفس دلالته، فإنه دال على خلاف ما دل عليه قولنا فلان شجاع، وإنما شاركه فى بعض معانيه، وهو الشجاعة فافترقا، وقوله (لينتقل منه إلى الملزوم) يعنى أن فائدة المساواة فى الدلالة، هو المساواة فى الملزوم، فهذا ملخص ما ذكره ابن سراج المالكى فى كتاب المصباح مع فضل بيان منا لقيود فى الحد أغفلها فيه.
التعريف الثالث حكاه ابن الأثير عن بعض علماء البيان ،
وحاصل ما قاله فى تفسير الكناية، هى اللفظ الدال على الشىء بغير الوضع الحقيقى بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه، وزعم أن مثال ما قاله هو، اللمس، والجماع، فإن الجماع اسم موضوع حقيقى لمعناه، واللمس كناية عنه، وبينهما الوصف الجامع، لأن الجماع لمس وزيادة، فكان دالا عليه بالوضع المجازى هذه زبدة كلامه، وفائدته، وهو فاسد لأمور ثلاثة، أما أولا فلأن هذا يبطل بالتشبيه، فإنه اللفظ الدال على غير الوضع الحقيقى فى وصف من الأوصاف، كقولنا.
كأن زيدا الأسد، فأدخل فيه ما ليس منه، وأما ثانيا فلأن الكناية لا تفتقر إلى ذكر جامع، فإننا إذا قلنا فلان كثير رماد القدر، وجعلنا هذا دلالة على كونه كريما، فهو غير محتاج إلى ذكر «جامع» فاعتبار ذكر الجامع فى الكناية يخرجها عن حقيقة وضعها، ويبطل فائدتها، وأما ثالثا فلأنه ذكر الكناية والمكنى فى حد الكناية، وهذا فيه تفسير الشىء بنفسه، وإحالة بأحد المجهولين على الآخر، فلا جرم كان باطلا.
стр. 186
إشارة: اعلم أن ما ذكر ابن سراج المالكى فى تعريف الكناية، وإن كان أسلم مما حكاه ابن الأثير، وأدخل فى التحقيق، لكنه لا يخلو عن نظر من وجهين، أما أولا فلأن ما ذكره حاصل فى الاستعارة فى نحو قولك: رأيت الأسد، ولقيت البحر، فإنك تركت التصريح بقولك لقينى الشجاع إلى لفظ الأسد، والكريم إلى لفظ البحر، والكناية مخالفة للاستعارة فى ماهيتها، فلا يخلط أحدهما بالآخر، وأما ثانيا فإن قوله: «إلى مساويه فى اللزوم لينتقل منه إلى الملزوم» إن أراد بالملزوم، المدلول، فذكر المدلول أوضح، فلا حاجة إلى العدول عنه، وإن أراد به معنى آخر غير المدلول فهو خطأ لا فائدة فيه، لأنه لا مشاركة بينهما إلا فى مدلولهما لا غير، ولهذا كان كناية عنه، نعم إنما حمله على هذا هو أنه كان مولعا بممارسة المنطق ومعالجته، فغلبت عليه عباراته، «وما كل آذان تسمع القيل» فإن موضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة ومعرفة أساليبهما، وهما بمعزل عن علم المنطق، فلا ينبغى أن يمزج أحدهما بالآخر لاختلاف حقائقهما.
التعريف الرابع حكاه ابن الأثير عن بعض الأصوليين
ولم أعرف قائله وهو مصدق فيما نقله، قال فى حد الكناية: إنها اللفظ الذى يحتمل الدلالة على المعنى، وعلى خلافه، وهذا فاسد لأمرين، أما أولا فلأن ما قاله يبطل باللفظ المشترك فى نحو قولك: قرء، وشفق، فإن كل واحد منها دال على معنى، وعلى خلافه، وأما ثانيا فلأن ما ذكره يبطل بالحقيقة والمجاز، فإن قولنا: أسد، وبحر، كما يدل على ما وضع له بالحقيقة فهو دال على ما استعمل فيه من المجاز، فيلزم أن يكون ما ذكرناه من الكناية، وهو باطل، فأما ابن الخطيب الرازى فما زاد فى حد الكناية فى كتابه نهاية الإيجاز على أن قال: هى اللفظ الدال على معنى مقصود مع ملاحظة معناه الأصلى. هذا ملخص كلامه، ولم يورده على جهة التحديد، وهذا فاسد بالاستعارة فإنها دالة على معنى مقصود مع ملاحظة معناها الأصلى، فيلزم على ما قاله دخولها فى الكناية، ويبطل أيضا بالحقيقة مع مجازها، فإنه ما من مجاز يدل على معنى إلا وهو دال على حقيقة، وفى هذا دخول أنواع المجاز فى الكناية، وهذا باطل، والعجب من إطلاقه هذا الإطلاق مع إدراكه لصناعة الحدود، وتصّونه عن النقوض، وتبحره فى علم الكلام.
стр. 187
التعريف الخامس ما قاله ابن الأثير عن نفسه
وهو كل لفظ دل على معنى يجوز حمله على جانبى الحقيقة والمجاز بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز، وهذا نحو قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
[البقرة: ٢٢٣] فإن لفظ الحرث دال على معناه بالحقيقة، لكنه استعمل فى مجازه ههنا وهو الجماع فى المأتى المخصوص الصالح للزرع، فلما كان دالا على حقيقته ومجازه لا جرم كان كناية، فهذا ملخص كلامه مع حذف كثير من فضلاته وهو فاسد لأوجه ثلاثة، أما أولا فلأن ظاهر كلامه «معنى» يجوز حمله على جانبى الحقيقة والمجاز، يدل على أن المحمول معنى واحد على جهة الحقيقة والمجاز، وهذا خطأ فإن المعنى الواحد لا يجوز أن يكون حقيقة ومجازا لاجتماع النفى والإثبات فيه لأنه يصير حقيقة، ليس حقيقة وهو باطل، بل الحق فى الكناية أنهما معنيان، أحدهما حقيقة، والآخر مجاز، وظاهر كلامه أنه معنى واحد، لأن قولنا فلان كثير رماد القدر، هو بأصله دال على كثرة الرماد، وبمجازه على كرم الموصوف لكثرة ضيفانه، فقد أساء فى هذا الإطلاق، وأما ثانيا فلأن ما ذكره يبطل بالاستعارة فى مثل قولنا فلان أسد وبحر، فإن قولنا: أسد كما يدل بحقيقته على السبع، فهو دال بمجازه على الشجاعة، فيجب دخوله فى حد الكناية، وأما ثالثا فلأن قوله «بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز» يدخل فيه التشبيه؛ فإنه لابد من اعتبار أمر جامع، بخلاف الكناية، فإنها لا تفتقر إلى ذكر الجامع، فاعتبار قيد الوصف الجامع يدخلها فى التشبيه ويخرجها عن حقيقتها، فهذا ما يرد على حد ابن الأثير فى الكناية، ولقد طول فيه أنفاسه، وزعم أن أحدا لم يسبقه إلى هذه المقالة، ومن العجب أنه قد عاب على من ذكر فى حد الكناية ذكر الجامع كما حكاه عن بعض علماء البيان، وأبطله بالتشبيه، ومع ذلك فإنه قد اعتبره فى حده، وهذه مناقضة على القرب، ولم يدر أن العلم بصناعة الحدود بمعزل عن علم الكتابة، فهو (ممن حفظ شيئا وغابت عنه أشياء) فإذا عرفت فساد هذه الحدود بما لخصناه، فالمختار عندنا فى بيان ماهية الكناية أن يقال: هى اللفظ الدال على معنيين مختلفين، حقيقة ومجاز من غير واسطة، لا على جهة التصريح، ولنفسر مرادنا بهذه القيود، فقولنا اللفظ الدال يحترز به عن التعريض، فإنه ليس مدلولا عليه بلفظ، وإنما هو مفهوم من جهة الإشارة والفحوى كما سنقرر ماهيته من بعدها بمعونة الله تعالى، والتفرقة بينه وبين الكناية وقولنا على معنيين، يحترز به عما يدل على معنى واحد، فإنه
стр. 188
ليس كناية، ويدخل فيه اللفظ المتواطىء، كرجل، وفرس، واللفظ المشترك كقولنا قرء، وشفق، فإنهما دالان على معنيين، وقولنا مختلفين، يخرج عنه المتواطىء، فإن دلالته على أمور متماثلة، وقولنا حقيقة ومجاز، يحترز به عن اللفظ المشترك، فإن دلالته على ما يدل عليه من المعانى على جهة الحقيقة لا غير، وقولنا من غير واسطة، يحترز به عن التشبيه، فإنه لا بد فيه من أداة التشبيه، ٧ ما ظاهرة كقولك زيد كالأسد، وإما مضمرة، كقولك زيد البحر، وقولنا على جهة التصريح، يحترز به عن الاستعارة، فإن دلالتها على ما تدل عليه من جهة صريحها، إما من غير قرينة، كدلالة الأسد على الحيوان، وإما مع القرينة كدلالة الأسد على الشجاع، فكلاهما مفهوم من جهة التصريح، بخلاف الكناية فإن الجماع ليس صريحا من قوله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
[البقرة: ٢٢٣] وإنما هو مفهوم على جهة التبع كما دلت عليه بحقيقتها فهذا هو الحد الصالح لتقرير ماهية الكناية.
تنبيه
اعلم أن أكثر علماء البيان على عد الكناية من أنواع المجاز خلافا لابن الخطيب الرازى، فإنه أنكر كونها مجازا، وزعم أن الكناية عبارة عن أن تذكر لفظة وتفيد بمعناها معنى ثانيا هو المقصود، فإذا كنت تفيد المقصود بمعنى اللفظ، وجب أن يكون معناه معتبرا فيما نقلت اللفظة إليه عن موضوعها. فلا يكون مجازا، ومثاله على زعمه أنك إذا قلت فلان كثير رماد القدر، فإنك تريد أن تجعل حقيقة كثرة الرماد دليلا على كونه جوادا، فأنت قد استعملت هذه اللفظة فى الأصلى وغرضك فى إفادة كونه كثير الرماد معنى يلزم الأول، وهو الكرم، فإذا وجب فى الكناية اعتبار معناها الأصلى لم يكن مجازا أصلا. هذا ملخص كلامه فى كتابه نهاية الإيجاز، وهو فاسد لأمرين، أما أولا فلأن حقيقة المجاز، ما دل على معنى، خلاف ما دل عليه بأصل وضعه، فى قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
[النساء: ٤٣] فإن الحقيقة فى الملامسة هى مماسة الجسد للجسد، ودلالة المماسة على الجماع ليس بأصل الوضع، وهذه هى فائدة المجاز، وأما ثانيا فلأن الكناية قد دلت على معناها اللغوى الذى وضعت من أجله، فبعد ذلك لا يخلو حالها، إما أن تدل على معنى مخالف لما دلت عليه بالوضع أم لا، فإن لم تدل فلا معنى للكناية، وإن دلت عليه وجب القول بكونه مجازا، لما كان مخالفا لما دلت عليه بالوضع، والعجب من ابن الخطيب حيث أنكر كون الكناية مجازا،
стр. 189
واعترف بكون الاستعارة مجازا، وهما سيان فى أن كل واحد منهما دال على معنى يخالف ما دل عليه بأصل وضعه.
دقيقة
اعلم أن التفرقة بين الكناية والاستعارة ظاهرة، وذلك أنك إذا قلت جاءنى الأسد، ورأيت أسدا فهذا وما شاكله تجوّز بالاستعارة فأنت إذا أطلقته فالمراد به حقيقته وهو السبع فلا تحتاج فيه إلى قرينة، وإذ أردت به الشجاع فأنت تحتاج فيه إلى قرينة، فهما بالحقيقة وضعان، أحدهما مجاز، والآخر حقيقة، فمتى أفاد الحقيقة فإنه لا يفيد المجاز، ومتى أفاد المجاز فإنه لا يفيد الحقيقة، بخلاف الكناية، فإنها إذا أطلقت فالمعنيان أعنى الحقيقة والمجاز مفهومان معا عند إطلاقها، ومثالها قولنا: فلان كثير رماد القدر، فإنك قد استعملت هذه الألفاظ فى معانيها الأصلية، وغرضك فى إفادة كونه كثير رماد القدر إفادة معنى آخر يلزمه، وهو الكرم، وهكذا فى قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
[النساء: ٤٣] فإنك قد أفدت به موضوعه اللغوى بالأصالة، لكنه قصد به معنى آخر وهو الجماع، فهما مفهومان عند الإطلاق لكن أحدهما حقيقة والآخر مجاز كما قررنا، فقد وضح الفرق بينهما بما أشرنا إليه، نعم هذا هو الذى غر ابن الخطيب حتى أبطل كون الكناية مجازا، فإنه لما كان معناها اللغوى مفهوما عند استعمال كونها مجازا فى غيره، أبطل مجازها، وظن أن كون معناها اللغوى مفهوما عند استعمالها فى مجازها يزيل كونها مستعملة فى المجاز، وليس الأمر كما زعمه، بل هما مفهومان معا. فأما ابن الأثير، فهو وإن قال إن الكناية من باب الاستعارة، لكنه أحسن حالا من ابن الخطيب، فإنه بقوله هذا لم يخرجها عن حد المجاز وحكمه، لأن الاستعارة من باب المجاز، فكما أن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له، فهكذا حال الكناية، فإنها لا تكون إلا حيث يكون ذكر المكنى عنه مطويا فيه، فإذن حاصل الكلام فى الكناية، أن يتجاذبها أصلان، ثم ذانك الأصلان يستحيل فيهما أن يكونا حقيقتين، لأن ذلك هو اللفظ المشترك، وباطل أن يكونا مجازين، لأن المجاز فرع على الحقيقة كما مر بيانه، وإذا كان فرعا على حقيقة نقل عنها، فإنها لا تنزل إلا على تلك الصورة المنقولة بعينها من غير زيادة، فكما أن المجاز نفسه لا يكون له حقيقتان، فهكذا حال المجازين لا يصدران عن حقيقة واحدة، فإذا بطل هذان القسمان لم
стр. 190
يبق إلا أنه يتجاذبهما حقيقة ومجاز، وهذا هو مطلوبنا، ولا قسم ههنا رابع فنورده ونتكلم عليه. هذا ملخص كلام ابن الأثير فيما زعمه، والحق الذى لا غبار على وجهه، أن الكناية مخالفة للاستعارة، وإن كانتا معدودتين من أودية المجاز، والتفرقة بينهما تقع من أوجه ثلاثة، أولها من جهة العموم، والخصوص، فإن الاستعارة عامة، والكناية خاصة، ولهذا فإن كل استعارة فهى كناية، وليس كل كناية استعارة. وثانيها أن الكناية يتجاذبها أصلان، حقيقة ومجاز، وتكون دالة عليهما معا عند الإطلاق. بخلاف الاستعارة، فإن لفظ الأسد يستعمل فى السبع فيكون دالا عليه، ثم يستعمل فى الشجاع فيكون دالا عليه، فأما الكناية فهى دالة على الحقيقة والمجاز جميعا عند الإطلاق، وثالثها هو أن لفظ الاستعارة صريح، ودلالتها على ما تدل عليه من الحقيقة والمجاز على جهة التصريح، بخلاف الكناية، فإن دلالتها على معناها المجازى ليس من جهة التصريح، بل من جهة الكناية، فقد افترقا من هذه الأوجه كما ترى، فوجب القضاء بكون حقيقة أحدهما مخالفة لحقيقة الأخرى، لا يقال فعلى أى وجه يكون التعويل فى اشتقاق اسم الكناية، هل يكون من الستر، أو يكون اشتقاقها من الكنية؟ لأنا نقول: الأمران محتملان فيها.
وبيانه، أما اشتقاقها من الستر فهو ظاهر، لأن المجاز مستور بالحقيقة حتى يظهر بالقرينة، فالحقيقة ظاهرة والمجاز خفى، وأما اشتقاقها من الكنية فهو ممكن أيضا، لأن الرجل إذا كان اسمه محمدا، فهو كالحقيقة فى حقه، لأنه هو الموضوع بإزائه أولا، وأما قولنا: أبو عبد الله، فإنه أمر طارىء بعد جرى محمد عليه، لأنه كأنهم لا يطلقونه عليه إلا بعد أن صار له ابن يقال له عبد الله حقيقة، أو تفاؤلا، فلهذا قلنا بأنه كنية، لما كان موضحا للاسم وكاشفا عنه فهما كما ترى صالحان للاشتقاق.
الفصل الثانى فى بيان ماهية [التعريض] ، وذكر التفرقة بينه وبين الكناية
، أما حقيقة التعريف فله مجريان .
المجرى الأول، لغوى
، والتعريض خلاف التصريح، يقال: عرضت لفلان أو بفلان إذا قلت قولا وأنت تعنيه، ومنه المعاريض فى الكلام، وفى أمثالهم «إن فى المعاريض لمندوحة عن الكذب» أرادوا أن المعاريض فيها سعة عن قصد الكذب وتعمده، واشتقاقه من قولهم عرض له كذا، إذا عنّ، لأن الواحد منا قد يعرض له أمر خلاف التصريح فيؤثره ويقصده.
المجرى الثانى فى مصطلح علماء البيان
وله تعريفان.
стр. 191
التعريف الأول ذكره ابن الأثير ،
وحاصل ما قاله: أنه اللفظ الدال على الشىء من طريق المفهوم، لا بالوضع الحقيقى، ولا المجازى. فقوله اللفظ الدال على الشىء، عام فى جميع ما يدل عليه اللفظ من جهة النص والظاهر والحقيقة والمجاز، وقوله من طريق المفهوم، يخرج جميع ما ذكرناه، فإن دلالتها من جهة اللفظ، لا من جهة مفهومها، وقوله لا بالوضع الحقيقى ولا المجازى، تفصيل لما تقدم وبيان له وإيضاح، وليس يحترز به عن شىء آخر، ولو حذفه لجاز، هذا ملخص كلامه مع فضل بيان منا له فى القيود، ولم يذكره فى كتابه. وهذا التعريف فاسد لأمرين، أما أولا فلأن المفهوم منقسم إلى ما يكون مفهوم الموافقة، وإلى مفهوم المخالفة، فأما مفهوم الموافقة، فهو كقوله ﷺ : «لا تضحوا بالعوراء» «١» فإنه يدخل فيه العمياء «ولا تضحوا بالعرجاء» فإنه يدخل فيه مقطوعة الرجلين من جهة مفهومه، وأما مفهوم المخالفة فكقوله ﵇: «لا تبيعوا الطعام بالطعام، إلا مثلا بمثل» فما لا يكون مطعوما لا يجرى فيه الربا على زعم الشافعى، فدل على أن ما عدا المطعوم بخلافه، وكل واحد من هذين المفهومين مأخوذ من جهة اللغة، ودالة عليها الألفاظ، والتعريض ليس مفهوما من جهة اللفظ كما قرر عليه كلامه، فهذه مناقضة ظاهرة، لأن قوله من طريق المفهوم، يدل على كونه لغويا، وتصريحه بأن التعريض يفهم من قصد المتكلم لا من طريق اللفظ، ينقض ذلك، وأما ثانيا فلأن قوله: «لا بالوضع الحقيقى ولا المجازى» ففضلة لا يحتاج إليها، لأن ما قبله من القيود قد أغنى عنه، ومن حق ما يكون حدا أن لا يكون فضلة، فإن زعم زاعم وقال: إن ابن الأثير غرضه بقوله هو اللفظ الدال على الشىء من طريق المفهوم، ليخرج به النص والظاهر، فإن دلالتهما من جهة المنطوق، لا من جهة المفهوم. وقوله: «لا بالوضع الحقيقى ولا بالوضع المجازى» ليخرج منه الاستعارة، فإن دلالتها من جهة المجاز على مدلولها، ويخرج منه الكناية، فإن دلالتها على ما تدل عليه من طريق الحقيقة والمجاز جميعا، بخلاف التعريض فإنه خارج عن هذه الدلالات الحقيقية والمجازية جميعا، فجوابه هو أن دلالة التعريض إنما هى من جهة القرينة، وليست من جهة المفهوم كما زعمه ابن الأثير، لأن دلالة المفهوم لغوية، ولا هى حاصلة من جهة المنظوم
стр. 192
لا بالحقيقة ولا بالمجاز، فإذن لا معنى لكلامه. والذى غره من هذا ما قرع سمعه وخرق قرطاس عقله من لقب المفهوم فى لسان الأصوليين، فظن لخفة وطأته فى المباحث الأصولية أن دلالة المفهوم من جهة القرينة، وليس الأمر كما ظنه، وإنما دلالة المفهوم لغوية، مخالفة كانت أو موافقة، والتعريض بمعزل عن ذلك لما أوضحناه.
التعريف الثانى
أن يقال فيه: هو المعنى الحاصل عند اللفظ لا به، فقولنا: «الحاصل عند اللفظ» عام يدخل تحته لفظ الحقيقة، وما يندرج تحتها من النص والظاهر، ولفظ المجاز، وما يندرج تحته من الاستعارة والكناية، وقوله: «لا به» يخرج منه جميع ما ذكرناه، لأن الحقيقة وما يندرج تحتها، والمجاز وما يندرج تحته، كلها مستوية فى دلالة اللفظ عليها، وأنها حاصلة عند اللفظ، ويدخل تحته التعريض فإنه حاصل بغير اللفظ، وهو القرينة كما مر بيانه، وإن شئت قلت فى حده: هو المعنى المدلول عليه بالقرينة دون اللفظ، لأن التعريض إنما حصل معقوله بالقرينة دون دلالة اللفظ، فينحل من مجموع ما ذكرناه أن دلالة اللفظ على ما يدل عليه من المعانى على ثلاث مراتب.
(المرتبة الأولى) أن يكون ذلك حاصلا من جهة ملفوظه، وما هذا حاله يندرج تحته النصوص والظواهر، والألفاظ المؤولة، والحقائق المشتركة، وغير ذلك من الحقائق اللفظية.
(المرتبة الثانية) أن يكون ذلك المعنى حاصلا من جهة المفهوم، ثم ينقسم إلى مفهوم الموافقة، وإلى مفهوم المخالفة، فما وافق اللفظ فى دلالته على ما يدل، فهو الموافق، وهذا كقول صاحب الشريعة صلوات الله عليه «إذا وقع الحيوان فى السمن أريق المائع وقوّر ما حوالى الجامد» فإن العسل وسائر المائعات مثله، وما خالف اللفظ فى دلالته فهو المخالف كقوله ﵇ «فى سائمة الغنم زكاة» فمفهومه أن لا زكاة فى المعلوفة.
والمفهوم على درجات مختلفة وأحوال متفاوتة فى الجلاء والظهور، والخفاء، قد استوفينا ذكرها فى الكتب الأصولية.
стр. 193
(المرتبة الثالثة) ما كان من معقول اللفظ، ويندرج تحت هذا جميع الاستنباطات الفقهية التى أخذت من غير ظاهر اللفظ، فإذا حرم الخمر بنص فإنا نحرم غيرها بجامع الشدة والسكر، بمعقول اللفظ ودلالته عند ورود التعبد بالقياس، فهذه دلائل الألفاظ، فأما التعريض فليس يفهم من جهة اللفظ، ولكنه مدلول عليه بالقرينة، خلافا لما زعمه ابن الأثير، من كونه مفهوما من طريق المفهوم كما قررناه، ولنذكر له مثالين.
المثال الأول: للتعريض فى خطبة النكاح، كما أشار إليه تعالى فى قوله: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ
[البقرة: ٢٣٥] وهذا كقول الزوج: إنك لمرغوب فيك، لأحوالك الجميلة، وإنى لمحتاج إلى ما آنس به، فهذا وأمثاله مما لا يدل على النكاح بحقيقته، ولا بمجازه، ولا من جهة ظاهره، ولا من جهة مفهومه، وإنما هو حاصل من جهة القرينة وأحوال الشمائل والشيم.
المثال الثانى: قولك لمن تتوقع صلته ومعروفه بغير طلب: والله إنى لفقير، وإنى لمحتاج وما فى يدى شىء، وإنى عريان، والبرد قد آذانى. فهذا وأمثاله تعريض بالطلب، وليس دلالته على الطلب لا من جهة حقيقته، ولا من جهة مجازه، كما أشرنا إليه، ومن ثم قيل له تعريض، لما كان المعنى منه مفهوما من عرضه، أى جانبه، وعرض كل شىء جانبه، وهو كثير الدور فى الكلام، وله مدخل فى البلاغة. وموقع عظيم،
فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر أمثلة التعريض، ثم نردفه بذكر التفرقة بينه وبين الكناية فهذان مقصدان نوضحهما بعون الله تعالى.
المقصد الأول فى بيان أمثلته
اعلم أن كثيرا من علماء البيان لا يميزون بين التعريض والكناية فى الماهية، وقد ميزنا كل واحد منهما بحده، وكثيرا ما يخلطون أمثلة هذا بهذا وهما مفترقان كما أشرنا إليه، ونقتصر من الأمثلة على ضروب خمسة.
стр. 194
الضرب الأول منها ما ورد فى القرآن
وهذا كقوله تعالى فى قصة إبراهيم: قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
[الأنبياء: ٦٢، ٦٣] فإنما أورد إبراهيم صلوات الله عليه هذا الكلام على جهة التهكم والاستهزاء والسخرية بعقولهم، وذلك يكون من وجهين، أحدهما أنه لم يرد نسبة الفعل إلى كبير الأصنام، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على رمز خفى، ومسلك تعريض، يبلغ به إلزام الحجة لهم، والتسفيه لحلومهم، كأنه يقال يا ضعفاء العقول ويا جهال البرية، كيف تعبدون ما لا يجيب إن سئل، ولا ينطق إن كلم وتجعلونه شريكا لمن له الخلق والأمر، فوضع قوله: فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)
موضع هذا، ونظير هذا لو أحضر عدلّى وجبرىّ للمناظرة، فلما تقابلا للإفحام قام العدلى فلطم الجبرى لطمة شديدة، فقيل للعدلى من فعل هذا، فله أن يقول فعله الله فوضع قوله: فعله الله، موضع إلزام الحجة وقطع الخصومة للجبرى، فهكذا قول إبراهيم ﵇: فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
. وثانيهما أن يقال: إن كبير الأصنام غضب لما عبد معه غيره من هذه الأصنام الصغار، فكسرها على جهة التخيل والتمثيل، وغرض إبراهيم بذلك أن يعرض بهم فى كونهم قد أشركوا فى العبادة من هو دون الله، وأن من دونه مخلوق حقير من مخلوقاته، فوضع هذا الكلام لفاحش ما أتوا به وعظيم ما تلبسوا به من عبادة غير الله، ومن ذلك قوله تعالى: فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٣٧)
[هود: ٢٧] فهذه الآية كلها موضعها فى قصدهم واعتقادهم موضع التعريض بأنهم أحق بالنبوة، وأن نوحا لم يكن متميزا عليهم بحالة يجب لأجلها أن يكون نبيا من بينهم فقالوا:
لو أراد الله أن يجعل النبوة فى أحد من البشر، لكانوا أحق بها دونه. والتعريض فى القرآن وارد كثيرا بأحوال الكفرة فى التهكم والنقص وإسقاط المنزلة وحط القدر، ومواضعها دقيقة تستخرج بالفكر الصافى، والرسوخ فى قدم البلاغة.
стр. 195
الضرب الثانى ما ورد من السنة النبوية
، فمن ذلك أنه خرج يوما وهو محتضن لأحد الحسنين فقال لهما: «إنكما لمن ريحان الله، وإن آخر وطأة وطئها الله بوجّ» فهذا الكلام وأمثاله أورده على جهة التعريض لغيره، وأقامه مقامه. فوضع قوله: «إنكما من ريحان الله» موضع الرحمة بهما والشفقة والحنو والعطف عليهما، وإعظام المنزلة عنده لهما، فعرض به عن ذلك، ثم وضع قوله «وإن آخر وطأة وطئها الله بوج» ، موضع النعى لنفسه والتعزية لها بكونه قد قربت وفاته، ووجه التعريض، هو أن وجا موضع بالطائف، وأراد به غزاة حنين، لأنها آخر غزوة وقع فيها القتال مع المشركين، فأما غزوة تبوك، والطائف، اللتان كانتا بعدها فلم يكن فيهما قتال، وإنما كان خروج من غير ملاقاة للحرب، فكل هذا الكلام تعريض بقرب وفاته وتأسف على مفارقة أولاده، لأن غزوة حنين كانت فى شوال سنة ثمان، ووفاته كانت فى ربيع الأول من سنة إحدى عشرة فكأنه قال: إنكما لمن رزق الله الذى يستراح به، وتقر به النفس، وإنى مفارقكم عن قريب، فانظر إلى هذا التعريض، ما أحسن مغزاه وأدق فى البلاغة مجراه، وكم فى السنة النبوية من هذه اللطائف العجيبة، والأسرار الدقيقة والرموز الخفية.
الضرب الثالث كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه
، قال فى كلام يخاطب به زياد ابن أبيه، وكان عاملا لعامله عبد الله بن عباس على فارس وكرمان، وكور الأهواز: «وإنى أقسم بالله قسما صادقا لئن بلغنى أنك خنت من فىء المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا لأشدن عليك شدة، تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل الأمر، والسلام» . فهذا كما يحتمل أن يكون على ظاهره فإنه يحتمل أيضا أن يكون قد أخرجه مخرج التعريض فيما كان منه من الانتساب إلى أبى سفيان وتهديدا له على ذلك، فأوقعه موقعه، وقوله ﵇: «أيها الناس سلونى قبل أن تفقدونى فلأنا بطرق السماء أعلم منى بطرق الأرض قبل أن نشغر برجلها فتنة تطأ فى خطامها، وتذهب بأحلام قومها» فكما يمكن حمل هذا على ظاهره وهو السابق إلى الأفهام منه، يمكن أيضا أن يكون أورده مورد التعريض تهكما بأصحابه، وانتقاصا
стр. 196
لقدرهم، لعدم علمهم بقدره وجهلهم بحاله وأمره، فرمز بهذه المقالة إلى ذلك، ومن لحظ كلامه بعين الإنصاف، وأصغى سمعه لقبول الحق ودان بالاعتراف، عرف أن كلامه فى البلاغة شمس لا يشاركه غيره فى الشعاع وأنه فى الفصاحة فلك لا يدانيه غيره فى الارتفاع.
الضرب الرابع ما ورد فى كلام البلغاء من التعريض
، حكى ابن الأثير فى كتابه أن مروان بن الحكم كان واليا على المدينة من قبل معاوية، فعزله، فلما قدم عليه قال: عزلتك لثلاث، لو لم تكن إلا واحدة لأوجبت عزلك، إحداهن أنى أمرتك على عبد الله بن عامر، وبينكما ما بينكما، فلم تستطع أن تشتفى منه، والثانية منهن كراهتك أمر زياد، والثالثة أن ابنتى «رملة» استعدتك على زوجها عمرو بن عثمان، فلم تعدها، فقال له مروان: أما عبد الله ابن عامر، فإنى لا أنتصر عليه فى سلطانى، ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موضعه، وأما كراهتى أمر زياد، فإن سائر بنى أمية كرهوه، وأما استعداء «رملة» على عمرو بن عثمان، فو الله إنه ليأتى على سنة وعندى بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا، يريد أن «رملة» بنت معاوية، إنما استعدت لطلب الجماع، فقال معاوية: يابن الوزغ، لست هناك، فقال له مروان هو ذاك. وهذا من التعريضات اللطيفة الآخذه من حسن الملاطفة بحظ وافر، وألطف منها وأدخل فى الرشاقة ما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وذلك أنه كان يوم الجمعة، فدخل عثمان بن عفان، فقال له عمر: أى ساعة هذه فقال له عثمان:
يا أمير المؤمنين انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت، فقال عمر:
والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل. فقوله أى ساعة هذه، تعريض بالإنكار عليه، لتأخره عن الحضور للصلاة، وترك السبق إليها، وإنها من حسن الأدب والإنصاف لفى أحسن موقع. ومن التعريض اللطيف ما روى عن امرأة أنها وقفت على قيس بن سعد، فقالت: أشكو إليك قلة الفأر فى بيتى، فقال: ما أحسن ما وردت عن حاجتها، املأوا لها بيتها خبزا وسمنا ولحما. ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك بن مروان، فقالت له: يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتى على العصى. فقال لها ألطفت فى السؤال، لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود، وملأ بيتها حبا وأنا شديد العجب
стр. 197
والاستغراب من ابن الأثير، حيث أورد فى كتابه المثل طرفا وعجائب وحكايات فى المنظوم والمنثور عن أهل البلاغة، وحكى عن نفسه ما كان منه من التقليدات والكتب، والرسائل والتهانى والتعازى حتى ملأ كتابه مما كان منه من ذلك، وأعجب بحاله وأمره فيما هنالك غاية الإعجاب، وما درى أن الإعجاب ضد الصواب، وأغفل على كثرة ما نقل كلام أمير المؤمنين فى الخطب والرسائل، والكتب الوجيزة، ومعانى التوحيد التى أشار إليها، ودقائق البلاغة، وأسرار الحكم فى طويل الكلام وقصيره، مع أنه لا غاية فى البلاغة إلا وقد بلغها، ولا نهاية إلا وقد تجاوزها، ولقد كان الاقتصار على كلام أمير المؤمنين فيه شفاء كل علة، وبلال كل غلة، وما أحقه بكلام أبى الطيب المتنبى:
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... فى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
الضرب الخامس فيما ورد من التعريضات الشعرية
فمن ذلك ما قاله الشميذر الحارثى:
بنى عمنا لا تذكروا الشعر بعد ما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا
فليس قصده مما قال الأبيات الشعرية، ولكنه قصد تعريفهم بما كان جرى فى ذلك الموضع من الظهور عليهم والقتل لأشرافهم، فذكر الشعر، وجعله تعريضا، أى لا تفخروا بعد تلك الوقعة، ومن ذلك ما قاله امرؤ القيس:
وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أىّ إذلال
فهذا جعله للتعريض عن الجماع، وقد عده بعض علماء البيان كالفاغى والعسكرى، من الكناية، وهو محتمل لهما جميعا، ولأجل تقاربهما تكاد أن تختلط أمثلة أحدهما بالآخر كما سنذكر التفرقة بينهما بمعونة الله تعالى، ومن التعريض الرائق ما قاله نصر بن سيار فى شحذ عزائم بنى أمية بإدراك الثأر، والانتقام لمن أرادهم:
أرى خلل الرماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالزندين تورى ... وإن الحرب أولها كلام
أقول من التعجب ليت شعرى ... أأيقاظ أمية أم نيام
فإن هبوا فذاك بقاء ملك ... وإن رقدوا فإنى لا ألام
стр. 198
وقد يرد التعريض من غير الألفاظ العربية كالتوراة، والإنجيل، والسريانية، والفرسيّة، وذلك لكثرة الحاجة إليه، وأعجب ما سمعته من ذلك، أن رجلا من خواص كسرى قيل له إن الملك يختلف إلى امرأتك، فهجرها من أجل ذلك، وترك فراشها، فأخبرت كسرى، فدعاه، وقال له، قد بلغنى أن لك عينا عذبة وأنك لا تشرب منها، فقال له: أيها الملك بلغنى أن الأسد يردها، فخفته، فاستحسن كسرى منه كلامه، وأسنى عطيته.
المقصد الثانى فى بيان التفرقة بين التعريض والكناية
ويشتمل على تنبيهات ثلاثة:
التنبيه الأول فى أن التعريض ليس معدودا من باب المجاز
وبيانه هو أن المجاز ما دل على خلاف ما وضع له فى الأصل، والتعريض ليس حاله هكذا، فإنه دال على ما كان دالا عليه فى الأصل، خلا أنه أفاد معنى آخر بالقرينة، ومثاله قوله تعالى:
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً
[المؤمنون: ١١٥] فهذا استفهام ورد على جهة الإنكار، وهو مجاز فيه، وهو دال على ما وضع له، لكنه تعريض بالكفار فى إنكار الرجعة، والمعاد الأخروى، وليس دالا عليه من جهة مجازه، ولا من جهة حقيقته، وإنما هو مفهوم من جهة القرينة، كما قررناه من قبل. ومن غريب ما جاء فى التعريض قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه: «إن الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، وإن أكرم الموت القتل، والذى نفس ابن أبى طالب بيده، لضربة ألف سيف أهون على من ميتة على الفراش» فهذا كلامه، قاله على جهة التعريض لأصحابه فى تأخرهم عن الجهاد ونكوصهم عن قتال عدوهم، ثم قوله أيضا يخاطب به أصحابه: «أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرؤوا القرآن فأحكموه، وهيجوا للجهاد فولهوا وله اللقاح لأولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا، وصفا صفا، بعضهم هلك، وبعضهم نجا» إلى آخر كلامه. فهذا كلام أخرجه مخرج التعريض بأصحابه، حيث لم ينقادوا لأمره، ولا استمعوا قوله.
стр. 199
التنبيه الثانى فى بيان موقعه
واعلم أن موقعه إنما يكون فى الجمل المترادفة، والألفاظ المركبة، ولا يرد فى الكلم المفردة بحال، والسر فى ذلك هو أن دلالته على ما يدل عليه لم يكن من جهة الحقيقة، ولا من جهة المجاز، فيجوز وروده فى الألفاظ المفردة والمركبة كما جاز فى الحقائق، وكما جاز فى المجازات ورودهما معا كالاستعارة، والتشبيه المضمر الأداة، والكناية، فإنها واردة فى الأمرين جميعا، كما لخصناه من قبل، وإنما دلالته كانت من جهة القرينة، والتلويح والإشارة، وهذا لا يستقل به اللفظ المفرد، ولكنه إنما ينشأ من جهة التركيب، فلأجل هذا كان مختصا بالوقوع منه، لا يقال فإذا كان التعريض ليس مدلولا عليه باللفظ، لا مجازا ولا حقيقة، فأى مانع من اشتغالهم به فى الكلم المفردة، كما كان فى المركبة، فأى تفرقة بينهما فى ذلك، لأنا نقول: هذا مردود من وجهين، أما أولا فلأن أمر الوضع موكول إلى اختيارهم، وموقوف على ما فهمناه من تصرفاتهم، فلأمر ما قصروه على المركب لا غير، وأما ثانيا فلعل اللفظ المركب أدل على المقصود، وأوضح للمراد، ولا حرج عليهم فى قصره عليه.
التنبيه الثالث فى بيان التفرقة بينه وبين الكناية
ويظهر ذلك من أوجه ثلاثة، أولها أن الكناية واقعة فى المجاز، ومعدودة منه، بخلاف التعريض، فلا يعد منه، وذلك من أجل كون التعريض مفهوما من جهة القرينة، فلا تعلق له باللفظ، لا من جهة حقيقته، ولا من جهة مجازه، وثانيها هو أن الكناية كما تقع فى المفرد، فقد تكون واقعة فى المركب، بخلاف التعريض، فإنه لا موقع له فى باب اللفظ المفرد كما مر بيانه، وثالثها أن التعريض أخفى من الكناية، لأن دلالة الكناية مدلول عليها من جهة اللفظ بطريق المجاز، بخلاف التعريض، فإنما دلالته من جهة القرينة.
والإشارة، ولا شك أن كل ما كان اللفظ يدل عليه، فهو أوضح مما يدل عليه اللفظ، وإن
стр. 200
علم بدلالة أخرى، ومن أجل هذا فرق علماء الشريعة بين صريح القذف وكنايته، وتعريضه، فأوجبوا فى الصريح من القذف الحد مطلقا فى قولك: يا زانى، وأوجبوا فى كنايته الحد إذا نوى به فى مثل قولك: يا فاعلا بأمه، ويا مفعولا به، ولم يوجبوا فى التعريض الحد فى مثل قولك. يا ولد الحلال، وما ذاك إلا لأجل أن الصريح والكناية، يدلان على القذف من جهة اللفظ، إما بالحقيقة، أو بالمجاز، ويحكى عن الإمام الناصر أن رجلا قال لرجل بحضرته. يا ولد الحلال، فلم يحده، واعتذر بأنه لا حد فى التعريض، فصار التعريض وإن لم يكن معدودا من المجاز، لكنه أخص من الكناية، ولهذا فإن كل تعريض كناية، وليس كل كناية بتعريض، فهى أعم منه، والكناية بالإضافة إلى الاستعارة خاصة، ولهذا فإن كل كناية فهى استعارة، وليس كل استعارة تكون كناية، لما كانت أخص منها، فأما التشبيه المضمر الأداة والاستعارة التى لا يظهر فيها مقصود التشبيه، فهما نوعان لا يدخل أحدهما تحت الآخر، لكن التشبيه المضمر الأداة، يمكن اندراجه تحت التشبيه، لما كان التشبيه مقدرا فيه، ويمكن اندراجه تحت الاستعارة لما كان حرف التشبيه غير ظاهر فيه، فإذن حقيقته منحدرة إليهما كما ترى، وقد أسلفنا فيه قولا بالغا يطلع على السر والغاية ويفى بالمقصود وإحراز النهاية، ثم إنها مندرجة تحت المجاز، لأنها أنواعه وهو جنسها، فهذا ما أردنا ذكره فى التعريض، وهو الفصل الثانى.
الفصل الثالث فى بيان أمثلة الكناية، وذكر شواهدها
ولها شواهد وأمثلة من جهة الكتاب، والسنة، وكلام أمير المؤمنين، وكلام البلغاء، والكنايات الشعرية، فهذه أنواع خمسة.
(النوع الأول) فى بيان ما ورد من الكنايات القرآنية
فمن ذلك قوله تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
[الحجرات: ١٢] فهذه الآية قد اشتملت على نكت سبع، كلها دالة على حسن المطابقة لمقصد الكناية التى وقعت من أجله، نفصلها بمعونة الله تعالى.
стр. 201
النكتة الأولى
قوله تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ
إنما جعله محبوبا لما جبلت عليه النفوس، ومالت إليه الأهواء، من الإسراع إلى الغيبة والإصغاء إلى من يتحدث بها، مع ما فيها من الحظر، ووعيد الشرع، فلهذا صدرها بالمحبة، مشيرا إلى ما ذكرناه، ويؤيد ما ذكرناه أنه أتى فيها بلفظ المحبة، ولم تجىء بلفظ الإرادة، دالا بذلك على موقعها فى النفوس وتطلع الخواطر إليها، ولفظ الإرادة يعطى هذا المعنى، ولا يتمكن فى الأفئدة تمكن المحبة فلهذا آثره.
النكتة الثانية
قوله تعالى: أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ
إنما جعل الغيبة بمنزلة أكل الإنسان لحم غيره، لما فى ذلك من شدة الملاءمة للمعنى، وعظم المناسبة فيه، وذلك أن الغيبة إنما تكون بذكر معايب الناس، وبيان مثالبهم وتمزيق أعراضهم، ولا شك أن تمزيق العرض مماثل لأكل الإنسان لحم من يغتابه، لأن أكل اللحم تقطيع له، وتمزيق لأوصاله، ومن وجه آخر، وهو أن الناس يولعون بالغيبة، ويشتد شوقهم إليها كما يولع الإنسان بأكل اللحم، ويعظم شوقه إليه، ولأجل هذا شبهه بأكل اللحم.
النكتة الثالثة
قوله تعالى: لَحْمَ أَخِيهِ
فأضافه إلى الأخ، وإنما جعله كلحم الأخ لأمرين، أما أولا فلأن التحريم إنما وقع فى غيبة المسلمين وأهل الديانة دون غيرهم، فلا حرمة له من كافر ولا فاسق، ولا شك أن المؤمنين إخوة بنص القرآن ولهذا أشار إليه بقوله: لَحْمَ أَخِيهِ
وأما ثانيا فلأن أكل الإنسان لحم الأجنبى يكون مستكرها خبيثا، فضلا عن كونه أخا له، فلا شك أن التحريم أوقع، والغيبة فيه أعظم من غيره، فلا جرم أورده على جهة المبالغة فى المعنى.
النكتة الرابعة
قوله تعالى: مَيْتاً
وإنما جعله مَيْتاً
لأمرين، أما أولا فلأن المغتاب غائبا بمنزلة الميت، فلا يشعر بما وقع فيه من النقص، ولا يستطيع الدفع لعدم شعوره، وأما ثانيا فلأن أكل اللحم إذا كان هزيلا ربما يستكره ويستخبث فى النفوس، فكيف به إذا كان ميتة، يكون لا محالة أدخل فى التقذير وأعظم فى الاستخباث.
стр. 202
النكتة الخامسة
قوله تعالى: فَكَرِهْتُمُوهُ
وإنما عقبه بالإخبار عما هذا حاله. فهو مكروه، لأن العقول مشيرة إلى ما اختص بخصلة من هذه الخصال. فهو فى غاية الكراهة، فضلا عما إذا كان جامعا لها يكون لا محالة أدخل فى الاستكراه، فلهذا أخبر عنه بكونه مكروها.
النكتة السادسة
أن الله تعالى صدر هذه الآية بالمحبة، وختمها بذكر الكراهة، وإنما فعل ذلك تنبيها على كونها محتوشة بطرفين نقيضين، متضادين، فلأجل تمكنها فى القلوب وميل الخواطر إلى ملابستها وفعلها، فهى محبوبة، ولأجل كونها بمنزلة أكل لحوم الإخوة الأموات مكروهة، فلا جرم صدرها وختمها بما ذكرناه تنبيها على المعنى الذى أشرنا إليه.
النكتة السابعة
تلتفت إلى مفردات ألفاظ الآية، وذلك أن الله تعالى آثر ألفاظها على ما يماثلها فى تأدية معناها، تعويلا على البلاغة وإعطاء لجانب الفصاحة ما يستحقه، فنزل هذه الآية على هذه الهيئة، ولم يقل فيها: أيريد رجل منكم أن يمضغ جلد مسلم غائبا فعفتموه، وما ذاك ٧ لا لأن كل واحدة من ألفاظ الآية مختص بفضل بلاغة، ونوع فصاحة لا يكون مثله، كما أشرنا إليه، ومن ذلك قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ
ثم قال: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ
إلى قوله: فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
[الرعد: ١٧] فهذه الآية لها تقريران:
التقرير الأول من جهة ظاهرها، وهو أن الله أخبر أنه أنزل المطر من السماء فسالت الأودية والشعاب بقدر ما أنزل فيها منه، من الكثرة والقلة، فاحتمل السيل لأجل ما اختص به من الحركة، والانحدار والجرى زبدا رابيا يعلو على ظهر الماء، ومما توقدون عليه فى النار، أى مما يحتاج إلى الإخلاص من هذه الأحجار المعدنية التى فى إخلاصها واجتماعها إلى النار ابتغاء حلية كالذهبيات والفضيات أو متاع، كالحديد، والرصاص، والنحاس، زبد مثله، يعنى أن هذه المعادن فى أصلها كالزبد، يشير إلى أن ابتداء خلقتها كذلك، إلا أنها صارت هكذا بالإخلاص، ليكون أدخل فى الحكمة، وأظهر فى كمال القدرة. «كذلك» أى مثل ما ذكرناه، من السيل والزبد، والإشارة بقوله «ذا» إلى المذكور
стр. 203
أولا. «يضرب الله الحق والباطل» يريد أن الحق مشابهته للسيل من جهة صفائه وركوده، وكثرة الانتفاع به، وأن الباطل يشبه الزبد، فى خفته وجفافه، وطيرانه، بهبوب الريح، وقلة الجدوى فيه، وقد أشار تعالى إلى ما ذكرناه من حالهما بقوله: «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض» فهذا ما تقتضيه الآية من جهة ظاهرها، وهو السابق إلى الأفهام، وأما قوله تعالى: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ
فهى جملة معترضة بين المثال، والممثول فى السيل، والزبد، للحق والباطل.
التقرير الثانى: من جهة الكناية، وهو أن يكون قد كنى بقوله «ماء» عن العلم، وبالأودية عن القلوب، وبالزبد عن الضلال، وهذه الآية قد ذكرها الشيخ أبو حامد الغزالى فى كتابه الذى لقبه بجواهر القرآن ودرره، وأشار فيها إلى أن فى القرآن إشارات وإيماءات لا تنكشف إلا بعد الموت فنقول: المعتمد فيما يقبل من التأويل، وما يعول عليه من ذلك، هو أن ما كان من المعانى محتملا لحقيقة اللفظ أو لمجازه، فهو مقبول يعول عليه، وما كان من التأويلات لا يحتمله اللفظ من جهة حقيقته، ولا مجازه فهو مردود على قائله، فهذا هو الأصل والقاعدة فيما ذكرناه، ولو ساغ تأويل القرآن على ما لا يحتمله اللفظ مجازا ولا حقيقة، لساغ للباطنية ما يزعمونه، من تأويل العصا بالحجة، والثعبان بالبرهان، فى قوله تعالى: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
[الأعراف: ١٠٧] والمراد بالأنهار العلم فى قوله تعالى: وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
[محمد: ١٥] إلى غير ذلك من التأويلات المستهجنة، وهذا يفتح علينا بابا من علم التأويل ويحرك قطبا من مسائله استقصاؤها يخرجنا عن مقصد الكتاب، وقد ذكرنا منه طرفا أودعناه كتاب المشكاة فى الرد على الباطنية، فالتأويل فى الآية إن استعمل مجازا وإن بعد وكان غريبا قبلناه، وإن لم يكن مستعملا فى المجاز رددناه؛ حراسة للتنزيل عن التأويلات الركيكة، وصونا لمعانيه عن المحتملات الرديئة الفاسدة. فأما الشيخ أبو حامد الغزالى ﵀ فإنه إن أتى بغريب من التأويل وبعيده فلأنه لا وطأة له فى علم البيان، وإخاله لم يتغلغل فى كنه أسراره، ولا خاض فى غمرات بحاره، ومن ذلك قوله تعالى: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها
[الأحزاب: ٢٧] فظاهر الآية دال على أن الأرض هى العقارات، والديار هى المساكن، والأموال هى المنقولات، وقوله: وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها
يحتمل أن يكون كناية عن فروج النساء ونكاحهن، وهذا من جيد الكناية ونادرها، لمطابقتها لقوله تعالى: نِساؤُكُمْ
стр. 204
حَرْثٌ لَكُمْ
[البقرة: ٢٢٣] والحرث إنما يكون فى الأرض، فلهذا ازدادت رشاقة وحسنا، فهذه الآيات كلها يجوز حملها على ما ذكرناه من الكنايات على جهة المجاز مع الوفاء بما تحتمله من ظاهرها على وجه الحقيقة، وقد قررنا فيما سبق أنه ليس فى المجازات ما يجوز حمله على حقيقته، ومجازه معا سوى الكناية فلا مطمع فى إعادته، وفى القرآن كنايات كثيرة أعرضنا عنها استكفاء بما ذكرناه، وتنبيها بالأقل منها على الأكثر.
النوع الثانى فيما ورد من الكنايات فى الأخبار النبوية
فمن ذلك ما روى أن رجلا يقال له «أنجشة» غلام أسود وكان فى بعض أسفاره، فحدا بالإبل فطربت لحسن حدائه فأسرعت فى سيرها وعليها النساء فقال الرسول ﷺ ويحك يا أنجشة، سوقك بالقوارير. فهذه كناية لطيفة، وإنما كنى عنهن «بالقوارير» لأمور ثلاثة، أما أولا فلما هن عليه من حفظ الأجنة، والوعاء كالقارورة تحفظ ما فيها، وأما ثانيا فلاختصاصهن بالصفاء والصقالة، والحسن والنضارة، وأما ثالثا فلما فيهن من الرقة والمسارعة إلى التغير والانثلام، كما يتسارع الانكسار إلى القارورة لرقتها، وهذا الوجه هو الذى يومىء إليه كلام الرسول ﷺ حيث قال له. «رفقا بالقوارير» فى حديث غير هذا، ومن ذلك ما ورد عن الرسول ﷺ أنه قال: كانت امرأة ممن كان من قبلنا، وكان لها ابن عم يحبها فراودها على نفسها فامتنعت منه، فأصابتها سنة مجدبة فجاءت إليه تسأله فراودها فمكنته من نفسها، فلما قعد منها مقعد الخائن قالت له: اتق الله ولا تفضض الخاتم إلا بحقه، فقام وتركها، وهذه كناية قد وقعت موقعها فى اللطافة والرقة، وكنت بالخاتم عن بكارتها، وأنها بمنزلة الشىء المختوم الذى لم ينكسر ختمه، ومن ذلك قوله ﷺ لما جاءه رجل يشهد له بالزنا على نفسه، فقال له. لعلك لا تعرف الزنا، فقال له. والله يا رسول الله لقد غيبت ميلى فى مكحلتها كما يغيب الرشاء فى البئر، فكنى بالميل عن الذكر، وبالمكحلة عن فرج المرأة، ومن ذلك قوله ﷺ لخوّات بن جبير، وقد كان خوات كثيرا ما يرد على النساء فى مجامعهن فيقول: إن معى بعيرا شرودا فمن يفتل له منكن قيدا أقيده به، فكنى بالبعير عن ذكره، فقال له الرسول ﷺ يوما وقد لقيه: ياخوات ما فعل بعيرك الشارد، فقال يا رسول الله قيده
стр. 205
الإسلام، وإنما كنى بالبعير عن الذكر، لأن اشتداد الغلمة وعظم الشبق بمنزلة صعوبة الإبل، وشدة معالجتها، وعزة مراسها، فلهذا قرره الرسول ﷺ على تلك الكناية لما ذكرناه. ومن ذلك قوله ﷺ فى غزوة «بدر» حين رأى أهل مكة يصوبون من العقنقل يريدون لقاءه للحرب قال: «هذه مكة قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها يريدون أن يحادوا الله ورسوله» فكنى بقوله «أفلاذ كبدها» عن الرؤساء والأكابر، لأن الكبد من أعز أعضاء الإنسان، ويضاف إليها ضيق الإنسان وحزنه، وفرحه وغمه، وأفلاذها قطعها، فكنى بها عنهم. ومن ذلك ما يحكى عن بديل بن ورقاء الخزاعى وقد جاء إلى الرسول ﷺ فى عام الحديبية، حين نزل على الركية فى نفر من قومه من تهامة، فقال:
أتى ركب كعب بن لؤى وعامر بن لؤى، نزلوا على مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقوله «العوذ المطافيل» جعلها كناية عن النساء والصبيان، والعوذ جمع عائذ، وهى الناقة التى قوى ولدها «والمطافيل» جمع مطفل، وهى الناقة التى معها ولدها لقرب عهدها بالنتاج، ويجوز حمل هذا على حقيقته، أى الأموال الكريمة التى تكون قواما لهم فى الحرب، وعونا لهم عليها، ومن ذلك قوله ﷺ لما قال له عمر: يا رسول الله هلكت، فقال: وما أهلكت؟ فقال حولت رحلى البارحة، فقال له الرسول ﷺ أقبل وأدبر واتق الدبر، والحيضة. فكنى عمر بقوله «حولت رحلى» عن أنه أتى امرأته من جهة دبرها، فجعل تحويل الرحل كناية عن ذلك، لأن المرأة للرجل بمنزلة الناقة، يأتيها فى الركوب من أى جوانبها شاء، فهكذا حال المرأة، ومن ذلك قوله ﷺ «إياكم وخضراء الدمن» وهذا تحذير، وكنى بقوله «خضراء الدمن» عن المرأة الحسناء فى المنبت السوء، وإنما كنى بذلك عنها، لما فيه من المناسبة لأمرين، أما أولا فلأن أول عشرتها يكون حسنا موافقا، ومن بعد ذلك تعود إلى الفساد والرداءة، كزرع المزابل، فإنه يعجب أولا ثم يذبل ويجف ويزول على القرب، وأما ثانيا فلأن غضارتها ورونقها قليلة، وعن قريب وقد صارت مقحلة ذات ذبول. ومن ذلك قوله ﷺ لجابر حين سايره من مكة إلى المدينة، وقد سأله عمن نكح، هل بكرا أم ثيبا، فقال له «إذا قدمت فالكيس الكيس» كنى بالكيس عن حسن الشمائل فى الوقاع ولطيف المعاشرة عنده، والإقلال منه، ولنقتصر على هذا القدر من الكنايات ففيه كفاية وتنبيه بالأقل على الأكثر.
стр. 206
النوع الثالث فيما ورد من الكنايات عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه
اعلم أن الكنايات فى كلامه ﵇ أكثر من أن تحصى، ولكنا نورد من ذلك نكتا لطيفة، فمن ذلك قوله ﵇ فى ذم البصرة وأهلها: «كنتم جند المرأة، وأعوان البهيمة، رغا فأجبتم وعقر فهربتم» فأخرج هذا الكلام مخرج الكناية، فجعل قوله، كنتم جند المرأة، كناية عن خفة أديانهم وترك التصلب والوثاقة فيها، برياسة المرأة عليهم، ويشير إلى سقوط المروءة والشهامة، وقوله «وأعوان البهيمة» جعله كناية عن جهلهم وسخف حلومهم وفراغ قلوبهم، حيث انقادوا للجمل، وكانوا أتباعا له فساروا حيث سار، ووقفوا حيث وقف، وهذا فيه نهاية الانتقاص ونزول القدر وقوله «رغا فأجبتم» جعله كناية عن دعاء عائشة إلى حربه وتألبها عليه، وتشميرها فى قتاله، وقوله «وعقر فهربتم» جعله كناية عن الطيش والفشل، وكثرة الانزعاج. وهذه الكلمات فى الكناية كلها دالة على نهاية الذم لهم، والركة لأحوالهم، والتلبس بالخصال الدنيئة فى الدين والدنيا، وانسلاخهم عن الخصال الشريفة، والمراتب العلية، وهو بأسره حكاية عما كان بينه وبين عائشة وأهل البصرة، وطلحة، والزبير يوم الجمل، وصفة ما كان منهم ومنه فى ذلك. ومن ذلك قوله ﵇ لما قبض رسول الله ﷺ ودعى إلى المبايعة فقال: «ما أجر ولقمة يغص بها آكلها» فجعل هذا كناية عن أمر الخلافة وأنها صعبة عسرة، لذتها حقيرة وأيامها قليلة، وأخطارها عظيمة، وأمورها صعبة، فجعل هذه الأشياء كناية عما ذكرناه، ثم قال: «فإن أقل تقولوا حرص على الملك، وإن أسكت تقولوا جزع من الموت» فهذا كلام، أخرجه مخرج الكناية عن كونه غير منقاد لما قالوه، ولا طيب النفس لما دعوه إليه، ومعناه، فإن أقل «نعم» وقع فى نفوسهم أن مساعدتى إنما كانت من أجل محبتى للدنيا، وشغفى بلذتها، وطمعا فى عاجلها، وإن أسكت، أى لا أجيبهم إلى ما قالوا، وقع فى نفوسهم أن سكوتى، وعدم انقيادى ما كان إلا من أجل جزعى من الموت، واقتحام موارده، ومقاساة الشدائد، وتحمل أعباء الخلافة والنهوض بأثقالها. ومن ذلك قوله ﵇ فى الشقشقية «أما والله لقد تقمصها فلان» يكنى بذلك عن «أبى بكر» فى خلافته، «وإنه ليعلم أن محلى منها محل القطب من الرحا» كنى به عن استحقاقه للإمامة،
стр. 207
وأهليته لها، وسبقه إليها، لاستكمال خصالها فيه، «ينحدر عنى السيل، ولا ترقى إلى الطير» كنى بذلك عن علو شأنه، وارتفاع قدره، وعظم خطره عند الله «فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا» كنى بذلك عن إعراضه عن الإمامة، لأمور جرت وعوارض حضرت، فرأى أن الإعراض أحجى، وأسلم للدين وأرضى، والسدل هو إرخاء جانبى الرداء، وطى الكشح كناية عن القطع، يقال فلان طوى كشحه عنى، إذا قطعك، ويحتمل أن يريد بطى الكشح، أنه أضمر ما فى نفسه، وستره وكتمه، يقال طويت كشحى، عن الأمر، إذا أضمرته وسترته، وكلا الأمرين صالح هاهنا ثم قال «حتى مضى الأول لسبيله» كنى به عن أبى بكر «فأدلى بها إلى فلان بعده» كنى به عن عمر من تحمله للخلافة بعده «إلى أن قام ثالث القوم» كنى به عن عثمان وخلافته «وقام معه بنو أبيه» كنى به عن بنى معيط «يخضمون مال الله خضمة الإبل، نبتة الربيع» يكنى به عن أخذ الأموال من غير حقها، ووضعها فى غير أهلها، ولقد كان الأمر فيهم كما قال ﵇ من الخضم والقضم، والتوسع فى الأموال. والترفه فيها. فهذه الخطبة مشتملة على توجع، واصطبار على ما كان منهم فى الإمامة، من الاختصاص والإيثار، ولم يصدر من جهته ﵇ ما يكون قدحا فى أديانهم ولا حطا لمراتبهم، ولا نقصا لأقدارهم، وقد ذكرنا تقرير إمامته بالنصوص، وأوردنا ما يتعلق بحكم من خالفها فى الكتب العقلية، ومن ذلك قوله ﵇، فى من يتصدى للحكم وليس أهلا له: «فإن نزل به إحدى المهمات هيأ لها حشوا رثّا من رأيه، ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات، فى مثل نسج العنكبوت. لا يدرى، أصاب أم أخطأ» فهذا خارج مخرج الكناية عن جهله، وقلة البصيرة فيما يأتى ويذر، ثم قال: «جاهل خباط جهالات، عاش ركاب عشواءات» كنى به عن أنه لا يدرى، أين يضع قدمه، ولا أين منتهى قدره «لم يعض على العلم بضرس قاطع، يذرى الروايات إذراء الريح الهشيم» كنى به عن خفة الوطأة فى العلم، وعدم القوة على إحكام أصوله وفروعه، وهى كناية لطيفة لا يقوم لأحد بها لسان، ولا يطلع على محّ فصاحتها إنسان، ولا يعرف قدرها، ولا يستولى على سرها، ويعلم قدر جوهرها إلا الخواص من أهل هذه الصناعة وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.
стр. 208
النوع الرابع ما ورد من الكنايات فى كلام البلغاء
فمن ذلك ما روى عن عمرو بن العاص أنه لما زوج ولده عبد الله بن عمرو بن العاص، امرأة فمكثت عنده ثلاث ليال، لم يدن منها، وإنما كان ملتفتا إلى صلاته، فدخل عليه عمرو بعد ثلاث فقال لها: كيف ترين بعلك، فقالت: نعم البعل هو، إلا أنه لم يغش لنا كنفا، ولا قرب لنا مضجعا. فقولها «لم يغش لنا كنفا» من الكنايات الغريبة، والكنف هو الستر، والكنف الوعاء، وكلاهما محتمل ههنا، ومن أمثال العرب قولهم:
«إياك وعقيلة الملح» جعلوا هذا كناية عن المرأة الحسناء فى منبت السوء، فإن عقيلة الملح، هى اللؤلؤة تكون فى البحر، فهى حسنة، وموضعها ملح، ومن ذلك قولهم «ليس له جلد النمر، وجلد الأسد» إذا كثرت عداوته، وعظم حقده، واشتد غضبه، ولهذا قال أمير المؤمنين لابن عباس «وقد بلغنى تنمرك على بنى تميم» يشير به إلى ما ذكرناه، ومن هذا قولهم «قلب له ظهر المجن» جعلوه كناية عن أن يبدو له خلاف ما كان يعهده منه، من الألفة والمودة، وقولهم «فلان ورمت أنفه علينا» إذا كان مغتاظا يظهر الحنق والغضب، ومن هذا قولهم «الآن حمى الوطيس» جعلوه كناية عن شدة الحرب والتحامها، أخذ لها من حر النار، والوطيس التنور، وقد قيل: «إن أول من تكلم بهذا المثل رسول ﷺ فى حنين» لما رأى جلادهم بالسيف بعد الهزيمة للمسلمين، قال ذلك، فإن صح هذا كان الأحسن إيراده فى قسم كنايات الأخبار، ومن ذلك ما ورد عنهم من قولهم «التفت حلقتا البطان» وهذا مثل جعلوه كناية عند شدة الأمر، وازدحام العظائم فى الحروب وغيرها، ومن ذلك ما روى أن امرأة جاءت إلى عائشة رضى الله عنها، فقالت: أقيد جملى؟ فقالت لها عائشة «لا» وأرادت المرأة أنها تصنع بزوجها شيئا يمنعه عن غيرها، أى تربطه أن يأتى سواها، فظاهر هذا اللفظ يفيد تقييد الجمل، وباطنه أنها جعلته كناية عما ذكرناه، ومن هذا ما يحكى عن عبد الله بن سلام أنه أتاه رجل عليه ثوب معصفر فقال له: لو أن ثوبك
стр. 209
هذا فى تنور أهلك لكان خيرا لك، فذهب الرجل فألقاه فى التنور، فاحترق، ولم يرد عبد الله احتراقه وإنما أراد المجاز، وهو أنه لو باعه وصرف قيمته إلى دقيق يخبزه فى التنور أو حطب يلقيه فيها لكان خيرا له، وهذا الكلام حكاه ابن الأثير عن عبد الله بن سلام، وهو مأثور عن الرسول ﷺ ، بمعناه فى سنن أبى داود. ويمكن أن نقول: ما نقله عبد الله بن سلام هو من جهة الرسول ﷺ ، ومن هذا قولهم «فلان يقدم رجلا ويؤخر أخرى» جعلوه كناية عمن يتحير فى أمره، فلا يدرى كيف يورده ويصدره، وقوله «مازال يفتل فى الذروة والغارب» يجعلونه كناية عمن يريد التلطف والاحتيال فى المساعدة إلى ما يقصده ويريده، وقولهم «فلان ينفخ فى غيره ضرم» جعلوه كناية عمن يفعل فعلا لا يجدى عليه بفائدة، ولا يعود عليه بنفع، لأن النفخ فى غير ضرم لا يورى نارا، ومن هذا قولهم «فلان يخط على الماء» يكون هذا كناية عمن يفعل فعلا يكون عدمه كوجوده بالإضافة إلى عدم الفائدة. لأن الخط على الماء يذهب فى أسرع شىء وأقربه، والكنايات كثيرة فى كلام العرب، وأمثالها، وفيما ذكرناه غنية وكفاية، وبالله التوفيق.
واعلم أن هذه الأمثلة التى أسلفناها من الكنايات من الكتاب، والسنة، وكلام أمير المؤمنين فى الكناية، فإنها واضحة فى الاستعارة وضوحا كليا، واحتمالها للكناية بعيد يحتاج إلى تكلف، والمقصود وهو معرفة الأمثلة وإيضاح المقصود بها، فإن هى صلحت حصل المقصود، وإن كانت غير صالحة للتمثيل طلب غيرها ولم يكن خللها يخل بالحقيقة المطلوبة.
النوع الخامس فيما ورد من الكنايات الشعرية
فمن ذلك قول أبى الطيب المتنبى فى مدح سيف الدولة:
وشر ما قنصته راحتى قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
فكنى بالبزاة عن سيف الدولة، وبالرخم عن غيره، وأنه يستوى فيه المال هو وغيره، ومن ذلك قول الأقيشر الأسدى:
стр. 210
ولقد أروح بمشرف ذى ميعة ... عسر المكرة ماؤه يتفصد
مرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدد
وكان عنّينا لا رغبة له فى النساء، وكان كثيرا ما يصف ذلك من نفسه، فهذان البيتان جعلهما كناية، فهما كما ترى دالان بحقيقتهما على شىء، وبمجازهما على غيره، وهذه هى فائدة الكناية. وحكى ابن الأثير أن سعيد بن عبد الرحمن وفد على هشام بن عبد الملك، وكان جميل الوجه، فراوده عبد الصمد على نفسه، فدخل على هشام مغضبا وهو يقول:
أما والله لولا أنت لم ... ينج منى سالما عبد الصمد
فقال هشام، ولم ذاك؟ فقال:
إنه قد رام منى خطة ... لم يرمها قبله منى أحد
فقال له هشام، وما هى؟ فقال:
رام جهلا بى وجهلا بأبى ... يدخل الأفعى إلى خيس الأسد
قال فضحك هشام، وقال: لو فعلت به شيئا لم أنكره عليك، ومما أنشده ابن الأثير فى الكناية وقال من لطيفها وعجيبها لأبى نواس فى الهجاء:
إذا ما كنت جار أبى حسين ... فنم ويداك فى طرف السلاح
فإن له نساء سارقات ... إذا ما بتن أطراف الرماح
سرقن وقد نزلن عليه أيرى ... فلم أظفر به حتى الصباح
فجاء وقد تخدش جانباه ... يئن إلى من ألم الجراح
فجعل قوله «أطراف الرماح» كناية عن العضو المشار إليه، وهذه عبارة فى غاية اللطافة، والحسن والرشاقة، ومن جيد الكناية وبديعها ما قاله الفرزدق يرثى امرأته:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفى جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو ان المنايا أمهلته لياليا
وقد قيل: إنه ما كنى عن امرأة ماتت بأحسن من هذه الكناية، وإنها لجيدة فى معناها، فائقة فى مقصودها ومغزاها، ومما حسن موقعه فى الكناية قول الشريف الرضى:
أحن إلى ما يضمن الخمر والحلى ... وأصدف عما فى ضمان المآزر
ومن ذلك ما قاله أبو تمام فى الاستعطاف:
стр. 211
ما لى رأيت ترابكم يبس الثرى ... ما لى أرى أطوادكم تتهدم
فجعل يبس الثرى، كناية عن تنكر ذات البين، يقال يبس الثرى بينى وبين فلان، إذا تنكر الود الذى بينك وبينه، وهكذا تهدم الأطواد فإنه كناية، إما عن موت الرؤساء، وإما عن خفة الحلوم وطيش العقول، ومن ذلك قول أبى نواس يكنى به عن امرأة:
تحاول أن يقوم أبو زياد ... ودون قيامه شيب الغراب
أتت بجرابها تكتال فيه ... فعادت وهى فارغة الجراب
فقوله: «أتت بجرابها تكتال فيه» من الكناية اللطيفة، ومن هذا قول زياد الأعجم:
إن السماحة والمروءة والندى ... فى قبة نصبت على ابن الحشرج
فأراد أن يقول: إن السماحة والمروءة والندى مجموعة فيه، أو مقصورة عليه، أو مختصة به، لكنه عدل إلى ما هو أرق من ذلك، وأدخل فى الإعجاب والمدح، فجعلها فى «قبة» وكنى به عن كونه فيها وأنه متمكن فى الندى، منسدل عليه كالقبة المضروبة على كل ما تحويه، ومن ذلك ما قاله بعض الأذكياء فى الكناية:
وما يك فى من عيب فإنى ... جبان الكلب مهزول الفصيل
فكنى عن كرم نفسه، وكثرة قراه للضيفان، بجبن الكلب، وهزال الفصيل، ولو صرح لقال: إن جنابى مأهول، وكلبى مؤدب، لا ينكر الضيف، ولا يهر فى وجوههم، وإنى أنحر النوق، فأدع فصالها هزلى، ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم
وهكذا ورد قول أبى نواس:
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
فتوصل إلى إثبات الصفة للممدوح، بإثباتها فى مكانه، وإلى لزومها له، بلزومه الموضع الذى يحله. ومن هذا قول حسان بن ثابت:
بنى المجد بيتا فاستقرت عماده ... علينا فأعيا الناس أن يتحولا
وقول البحترى:
ظللنا نعود المجد من وعكك الذى ... وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد
فكنى باعتلال عضو منه، عن اعتلال عضو من المجد، ومن هذا ما قاله البحترى أيضا:
стр. 212
أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... فى آل طلحة ثم لم يتحول
ومن هذا قول أبى تمام:
أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد
وقول الآخر:
متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم
ومن الكناية قول بعضهم: يصف امرأة بالعفة:
يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت للملامة حلت
ومن غريب الكناية وبديعها ما قيل فى أبيات الحماسة:
أبت الروادف والثدى لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا
وإذا الرياح مع العشى تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا
فكنى عن كبر الأعجاز، ونهود الثدى، بارتفاع القميص عن أن يمس بطنا أو ظهرا، وهذا من عجيب الكناية وغريبها. ومن هذا ما قاله بعض الشعراء:
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم
ومن هذا النوع ما قاله بعض المغاربة:
رشا يرنو بنرجسة ويعطو ... بسوسان ويبسم عن أقاح
يشير إلى قرطاه وتصغى ... خلاخله إلى نغم الوشاح
ومن غريب الكناية قول بعضهم فى أيام الأسبوع:
سبع رواحل ما ينخن من الونى ... سنم تساق بسبعة زهر
متواصلات لا الدءوب يملها ... باق تعاقبها على الدهر
ومن لطيفها قول بعضهم فى حجر المحك:
ومدرع من صبغة الليل برده ... يفوق طورا بالنضار ويطلس
إذا سألوه عن عويصين أشكلا ... أجاب بما أعيى الورى وهو أخرس
ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على معانى الكناية، وقد نجز غرضنا من الفصل الثالث الذى جعلناه بيانا للأمثلة وحصرها، فأما ما كان من التلويح، والرمز، والإشارة، فكلها مندرجة تحت ما ذكرناه من حقيقة التعريض لاتفاقها فى الدلالة على مقصود واحد فلا جرم أغنى ذلك عن إفرادها بالذكر، وبالله التوفيق.
стр. 213
الفصل الرابع فى بيان أقسام الكناية وذكر طرف من أحكامها الخاصة
اعلم أن الشيخ عبد القاهر الجرجانى وغيره من أفاضل علماء البيان مطبقون على أن الكناية أبلغ من الإفصاح بذلك المعنى المكنى به عنه، وأعظم مبالغة فى ثبوته، والحجة على ما قلناه، هو أنك إذا كنيت عن كثرة القرى بقولك فلان كثير رماد القدر، فإنك تكون مثبتا لكثرة القرى بإثبات شاهدها وأقمت برهانا على صحتها وثبوتها، وعلما على صحة وجودها، وذلك لا محالة يكون أبلغ من إثباتها بنفسها فتكون بمنزلة دعوى مجردة عن البرهان، فأين حال دعوى مقررة بالدليل، عن حال دعوى لا يؤيدها برهان ولا تعليل، فإذا عرفت هذا فلنرجع إلى بيان الأقسام والأحكام، فهذان بحثان، نفصلهما بمعونة الله تعالى.
البحث الأول فى بيان أقسامها
وتنقسم باعتبارات كثيرة ولكنا نشير إلى ما يخص ما نحن فيه وهى ثلاثة:
التقسيم الأول باعتبار ذاتها إلى مفردة، ومركبة
، فأما [المفردة]
، فهى ما كانت الكناية حاصلة فى اللفظة الواحدة، وهذا كقوله تعالى إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
[ص: ٢٣] فالمراد بالنعجة فى كلا الموضعين، المرأة، إنما كنى بالنعجة عن المرأة لما بينهما من الملائمة فى التذلل والضعف والرحمة وكثرة التآلف وكقوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
[النساء: ٤٣] فإنه كناية عن الجماع وحكى عن الفراء أنه قال: إن الجبال فى قوله تعالى: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
[إبراهيم: ٤٦] المراد منه أمر النبى ﷺ ، فجعل الجبال كناية عنه، وهذا إنما يحمل على هذا المعنى إذا كانت «إن» نافية، فيكون المعنى وما كان مكرهم ليزول به أمر النبى ﷺ وما جاء به الحجج الواضحة، فأما إذا كانت «إن» على بابها فى التوكيد للجملة، فالجبال باقية على حقيقتها، ويكون المعنى فيه وإن كان مكرهم من عظمة أمره وفخامة شأنه فى الإنكار والتكذيب لتزول منه الجبال الرواسى على رسوخها، وقوة
стр. 214
أمرها فى الثبوت والاستقرار، فعلى هذين التأويلين وردت القراءتان فى نصب اللام، ورفعها، فالنصب يؤيد التأويل الأول، فتكون اللام مؤكدة للجحد، والرفع يؤيد التأويل الثانى، وتكون اللام فيها هى الفارقة بين المؤكدة، والنافية، وتكون القراءة بالرفع فى قوله «لتزول» دالة على التخييل، كأنها لعظم دخولها فى الإنكار واغراقها فيه. بمنزلة قلع الجبال، وإزاحة الصخور، ونظيره قوله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً
[مريم: ٩٠، ٩١] وهذا وارد على جهة الكثرة، ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه لولده محمد بن الحنفية لما عقد له الراية فى معسكر: أعز الله حجتك وأيد فى الأرض قدكم، تزول الجبال الرواسى ولا تزول.
وأما [المركبة]
فأكثر ورود الكناية عليها، وهذا كقولك: الكرم فى برديه، والمجد بين ثوبيه، والعفاف فى عطفيه، وهذا كله فى المدح، فأما الكناية فى الذم فكقولهم «إنك لعريض الوساد» كما ورد فى الحديث عن الرسول ﷺ أنه لما نزل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
[البقرة: ١٨٧] جعل عدى بن حاتم خيطين فى يده، أحدهما أسود والآخر أبيض، علامة للفجر، فحكى ذلك لرسول الله ﷺ وأخبره بما فعل، فقال له الرسول: «يا عدى. إنك لعريض الوساد» ، وهو كناية عن بله الإنسان، وقلة فطانته، ونقصان كياسته، وقولهم «فلان عريض القفا» يجعلونه كناية عن فهاهته وقلة ذكائه، ومنه قول أمير المؤمنين لبعض الناس «وإنه لمزهو فى عطفيه، مختال فى برديه، تفاق فى شراكيه» يشير بذلك إلى حمقه وخيلائه، فجعل ذلك كناية عنه.
نعم ورود الكناية إنما هو على جهة التشبيه عند التأمل والنظر، فإذا وردت على طريقة التركيب كانت أشد ملاءمة، وأعظم بلاغة، وإذا وردت على صورة الإفراد لم يكن لها تلك المزية التى حصلت للمركبة، ومثاله أنك إذا قلت فى الكناية المركبة، فلان نقى الثوب، وأردت إيراده على صورة المشابهة، فإنك تقول هو فى نزاهة العرض من العيوب كنزاهة الثوب من الأدناس، فإذا حصل على هذا التأليف اتضحت المشابهة ووجدت المناسبة وظهر أمر الكناية، وإذا قلت فى الكناية المفردة، اللمس، فى الجماع لم تكن فى تلك الدرجة من المناسبة وقوة المشابهة كما ترى.
стр. 215
التقسيم الثانى باعتبار حالها إلى [قريبة وبعيدة] ،
ونعنى بالقريبة ما يكون الانتقال إلى المطلوب بأقرب اللوازم، ونريد بالبعيدة ما يكون الانتقال إلى مطلوبها من لازم أبعد منه، ومثال القريبة قوله «بعيدة مهوى القرط» فإنه كناية عن طول عنقها، وهذا حاصل على القرب من غير اعتبار واسطة ونحو قوله «أبت الروادف والثدى لقمصها» فإنه كناية عن كبر الأعجاز، ونهود الثدى، وهذا كله معدود فى واضح الكناية. وأما الخفى من القريب منها كقولك:
فلان عريض القفا، فإنه كناية عن الأبله، من الناس، وقولهم أيضا فلان عريض الوساد، فإنه كناية عن هذه الكناية، وكقول بعضهم يهجو من به داء الأسد وهو البخر:
أخو لخم أعارك منه ثوبا ... هنيئا بالقميص المستجد
وقال بعضهم فى رجل يهجوه:
أراد أبوك أمك يوم زفت ... فلم يوجد لأمك بنت سعد
فقوله بنت سعد، جعله كناية عن العذرة، فهذا كله يحصل على القرب فى الكناية.
ومثال البعيدة قولهم: فلان كثير الرماد، فهذا تكثر فيه الوسائط، لأنك تنتقل من كثرة الرماد إلى كثرة الجمر، ثم إلى كثرة الإحراق تحت القدر، ثم إلى كثرة الطبائخ، ثم إلى كثرة الآكلين، ثم إلى كثرة الأضياف، ثم كونه مضيافا، وهذا كقولك فلان جبان الكلب، مهزول الفصيل، فإن الوسائط تكثر فيهما، فلهذا كان ما هذا حاله معدودا فى بعيد الكناية.
التقسيم الثالث باعتبار حكمها إلى [حسنة وقبيحة]
، فالحسنة ما قدمنا ذكره من الأمثلة، ومن هذا ما ورد فى السنة النبوية وهو أن امرأة جاءت إلى الرسول ﷺ تسأله عن غسلها من الحيض، فأمرها كيف تغتسل، ثم قال لها: خذى قرصة من مسك فتطهرى بها، فقالت كيف أتطهر بها، فقال تطهرى بها، فقالت كيف أتطهر بها، فقال سبحان الله، تطهرى بها، قالت عائشة فاجتذبتها من ورائها، وقلت لها تتبعى بها آثار الدم، فقولها: آثار الدم، كناية عن الفرج، ومنه قول أعرابية تصف زوجها: له إبل قليلات المسارح، كثيرات المبارك، إذا سمعن صوت المزهر، أيقن أنهن هوالك، ومثال القبيحة ما تخلو عن الفائدة
следующие страницы →