← Баляга

Баляга · id 23788

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المؤيد العلوي

Полный текст (682 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ما لى رأيت ترابكم يبس الثرى ... ما لى أرى أطوادكم تتهدم فجعل يبس الثرى، كناية عن تنكر ذات البين، يقال يبس الثرى بينى وبين فلان، إذا تنكر الود الذى بينك وبينه، وهكذا تهدم الأطواد فإنه كناية، إما عن موت الرؤساء، وإما عن خفة الحلوم وطيش العقول، ومن ذلك قول أبى نواس يكنى به عن امرأة: تحاول أن يقوم أبو زياد ... ودون قيامه شيب الغراب أتت بجرابها تكتال فيه ... فعادت وهى فارغة الجراب فقوله: «أتت بجرابها تكتال فيه» من الكناية اللطيفة، ومن هذا قول زياد الأعجم: إن السماحة والمروءة والندى ... فى قبة نصبت على ابن الحشرج فأراد أن يقول: إن السماحة والمروءة والندى مجموعة فيه، أو مقصورة عليه، أو مختصة به، لكنه عدل إلى ما هو أرق من ذلك، وأدخل فى الإعجاب والمدح، فجعلها فى «قبة» وكنى به عن كونه فيها وأنه متمكن فى الندى، منسدل عليه كالقبة المضروبة على كل ما تحويه، ومن ذلك ما قاله بعض الأذكياء فى الكناية: وما يك فى من عيب فإنى ... جبان الكلب مهزول الفصيل فكنى عن كرم نفسه، وكثرة قراه للضيفان، بجبن الكلب، وهزال الفصيل، ولو صرح لقال: إن جنابى مأهول، وكلبى مؤدب، لا ينكر الضيف، ولا يهر فى وجوههم، وإنى أنحر النوق، فأدع فصالها هزلى، ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء: يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم وهكذا ورد قول أبى نواس: فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير فتوصل إلى إثبات الصفة للممدوح، بإثباتها فى مكانه، وإلى لزومها له، بلزومه الموضع الذى يحله. ومن هذا قول حسان بن ثابت: بنى المجد بيتا فاستقرت عماده ... علينا فأعيا الناس أن يتحولا وقول البحترى: ظللنا نعود المجد من وعكك الذى ... وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد فكنى باعتلال عضو منه، عن اعتلال عضو من المجد، ومن هذا ما قاله البحترى أيضا:

стр. 212

أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... فى آل طلحة ثم لم يتحول ومن هذا قول أبى تمام: أبين فما يزرن سوى كريم ... وحسبك أن يزرن أبا سعيد وقول الآخر: متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة بن عمرو من تميم ومن الكناية قول بعضهم: يصف امرأة بالعفة: يبيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت للملامة حلت ومن غريب الكناية وبديعها ما قيل فى أبيات الحماسة: أبت الروادف والثدى لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا وإذا الرياح مع العشى تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا فكنى عن كبر الأعجاز، ونهود الثدى، بارتفاع القميص عن أن يمس بطنا أو ظهرا، وهذا من عجيب الكناية وغريبها. ومن هذا ما قاله بعض الشعراء: بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم ومن هذا النوع ما قاله بعض المغاربة: رشا يرنو بنرجسة ويعطو ... بسوسان ويبسم عن أقاح يشير إلى قرطاه وتصغى ... خلاخله إلى نغم الوشاح ومن غريب الكناية قول بعضهم فى أيام الأسبوع: سبع رواحل ما ينخن من الونى ... سنم تساق بسبعة زهر متواصلات لا الدءوب يملها ... باق تعاقبها على الدهر ومن لطيفها قول بعضهم فى حجر المحك: ومدرع من صبغة الليل برده ... يفوق طورا بالنضار ويطلس إذا سألوه عن عويصين أشكلا ... أجاب بما أعيى الورى وهو أخرس ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على معانى الكناية، وقد نجز غرضنا من الفصل الثالث الذى جعلناه بيانا للأمثلة وحصرها، فأما ما كان من التلويح، والرمز، والإشارة، فكلها مندرجة تحت ما ذكرناه من حقيقة التعريض لاتفاقها فى الدلالة على مقصود واحد فلا جرم أغنى ذلك عن إفرادها بالذكر، وبالله التوفيق.

стр. 213

الفصل الرابع فى بيان أقسام الكناية وذكر طرف من أحكامها الخاصة اعلم أن الشيخ عبد القاهر الجرجانى وغيره من أفاضل علماء البيان مطبقون على أن الكناية أبلغ من الإفصاح بذلك المعنى المكنى به عنه، وأعظم مبالغة فى ثبوته، والحجة على ما قلناه، هو أنك إذا كنيت عن كثرة القرى بقولك فلان كثير رماد القدر، فإنك تكون مثبتا لكثرة القرى بإثبات شاهدها وأقمت برهانا على صحتها وثبوتها، وعلما على صحة وجودها، وذلك لا محالة يكون أبلغ من إثباتها بنفسها فتكون بمنزلة دعوى مجردة عن البرهان، فأين حال دعوى مقررة بالدليل، عن حال دعوى لا يؤيدها برهان ولا تعليل، فإذا عرفت هذا فلنرجع إلى بيان الأقسام والأحكام، فهذان بحثان، نفصلهما بمعونة الله تعالى. البحث الأول فى بيان أقسامها وتنقسم باعتبارات كثيرة ولكنا نشير إلى ما يخص ما نحن فيه وهى ثلاثة: التقسيم الأول باعتبار ذاتها إلى مفردة، ومركبة ، فأما [المفردة] ، فهى ما كانت الكناية حاصلة فى اللفظة الواحدة، وهذا كقوله تعالى إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ [ص: ٢٣] فالمراد بالنعجة فى كلا الموضعين، المرأة، إنما كنى بالنعجة عن المرأة لما بينهما من الملائمة فى التذلل والضعف والرحمة وكثرة التآلف وكقوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ [النساء: ٤٣] فإنه كناية عن الجماع وحكى عن الفراء أنه قال: إن الجبال فى قوله تعالى: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [إبراهيم: ٤٦] المراد منه أمر النبى ﷺ ، فجعل الجبال كناية عنه، وهذا إنما يحمل على هذا المعنى إذا كانت «إن» نافية، فيكون المعنى وما كان مكرهم ليزول به أمر النبى ﷺ وما جاء به الحجج الواضحة، فأما إذا كانت «إن» على بابها فى التوكيد للجملة، فالجبال باقية على حقيقتها، ويكون المعنى فيه وإن كان مكرهم من عظمة أمره وفخامة شأنه فى الإنكار والتكذيب لتزول منه الجبال الرواسى على رسوخها، وقوة

стр. 214

أمرها فى الثبوت والاستقرار، فعلى هذين التأويلين وردت القراءتان فى نصب اللام، ورفعها، فالنصب يؤيد التأويل الأول، فتكون اللام مؤكدة للجحد، والرفع يؤيد التأويل الثانى، وتكون اللام فيها هى الفارقة بين المؤكدة، والنافية، وتكون القراءة بالرفع فى قوله «لتزول» دالة على التخييل، كأنها لعظم دخولها فى الإنكار واغراقها فيه. بمنزلة قلع الجبال، وإزاحة الصخور، ونظيره قوله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً [مريم: ٩٠، ٩١] وهذا وارد على جهة الكثرة، ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه لولده محمد بن الحنفية لما عقد له الراية فى معسكر: أعز الله حجتك وأيد فى الأرض قدكم، تزول الجبال الرواسى ولا تزول. وأما [المركبة] فأكثر ورود الكناية عليها، وهذا كقولك: الكرم فى برديه، والمجد بين ثوبيه، والعفاف فى عطفيه، وهذا كله فى المدح، فأما الكناية فى الذم فكقولهم «إنك لعريض الوساد» كما ورد فى الحديث عن الرسول ﷺ أنه لما نزل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧] جعل عدى بن حاتم خيطين فى يده، أحدهما أسود والآخر أبيض، علامة للفجر، فحكى ذلك لرسول الله ﷺ وأخبره بما فعل، فقال له الرسول: «يا عدى. إنك لعريض الوساد» ، وهو كناية عن بله الإنسان، وقلة فطانته، ونقصان كياسته، وقولهم «فلان عريض القفا» يجعلونه كناية عن فهاهته وقلة ذكائه، ومنه قول أمير المؤمنين لبعض الناس «وإنه لمزهو فى عطفيه، مختال فى برديه، تفاق فى شراكيه» يشير بذلك إلى حمقه وخيلائه، فجعل ذلك كناية عنه. نعم ورود الكناية إنما هو على جهة التشبيه عند التأمل والنظر، فإذا وردت على طريقة التركيب كانت أشد ملاءمة، وأعظم بلاغة، وإذا وردت على صورة الإفراد لم يكن لها تلك المزية التى حصلت للمركبة، ومثاله أنك إذا قلت فى الكناية المركبة، فلان نقى الثوب، وأردت إيراده على صورة المشابهة، فإنك تقول هو فى نزاهة العرض من العيوب كنزاهة الثوب من الأدناس، فإذا حصل على هذا التأليف اتضحت المشابهة ووجدت المناسبة وظهر أمر الكناية، وإذا قلت فى الكناية المفردة، اللمس، فى الجماع لم تكن فى تلك الدرجة من المناسبة وقوة المشابهة كما ترى.

стр. 215

التقسيم الثانى باعتبار حالها إلى [قريبة وبعيدة] ، ونعنى بالقريبة ما يكون الانتقال إلى المطلوب بأقرب اللوازم، ونريد بالبعيدة ما يكون الانتقال إلى مطلوبها من لازم أبعد منه، ومثال القريبة قوله «بعيدة مهوى القرط» فإنه كناية عن طول عنقها، وهذا حاصل على القرب من غير اعتبار واسطة ونحو قوله «أبت الروادف والثدى لقمصها» فإنه كناية عن كبر الأعجاز، ونهود الثدى، وهذا كله معدود فى واضح الكناية. وأما الخفى من القريب منها كقولك: فلان عريض القفا، فإنه كناية عن الأبله، من الناس، وقولهم أيضا فلان عريض الوساد، فإنه كناية عن هذه الكناية، وكقول بعضهم يهجو من به داء الأسد وهو البخر: أخو لخم أعارك منه ثوبا ... هنيئا بالقميص المستجد وقال بعضهم فى رجل يهجوه: أراد أبوك أمك يوم زفت ... فلم يوجد لأمك بنت سعد فقوله بنت سعد، جعله كناية عن العذرة، فهذا كله يحصل على القرب فى الكناية. ومثال البعيدة قولهم: فلان كثير الرماد، فهذا تكثر فيه الوسائط، لأنك تنتقل من كثرة الرماد إلى كثرة الجمر، ثم إلى كثرة الإحراق تحت القدر، ثم إلى كثرة الطبائخ، ثم إلى كثرة الآكلين، ثم إلى كثرة الأضياف، ثم كونه مضيافا، وهذا كقولك فلان جبان الكلب، مهزول الفصيل، فإن الوسائط تكثر فيهما، فلهذا كان ما هذا حاله معدودا فى بعيد الكناية. التقسيم الثالث باعتبار حكمها إلى [حسنة وقبيحة] ، فالحسنة ما قدمنا ذكره من الأمثلة، ومن هذا ما ورد فى السنة النبوية وهو أن امرأة جاءت إلى الرسول ﷺ تسأله عن غسلها من الحيض، فأمرها كيف تغتسل، ثم قال لها: خذى قرصة من مسك فتطهرى بها، فقالت كيف أتطهر بها، فقال تطهرى بها، فقالت كيف أتطهر بها، فقال سبحان الله، تطهرى بها، قالت عائشة فاجتذبتها من ورائها، وقلت لها تتبعى بها آثار الدم، فقولها: آثار الدم، كناية عن الفرج، ومنه قول أعرابية تصف زوجها: له إبل قليلات المسارح، كثيرات المبارك، إذا سمعن صوت المزهر، أيقن أنهن هوالك، ومثال القبيحة ما تخلو عن الفائدة

стр. 216

المرادة من الكناية، وهو عيب عند أهل البلاغة، ومن هذا قول الشريف الرضى يرثى امرأة: إن لم تكن نصلا فغمد نصال وهذا عندهم من ركيك الكناية ورديئها فإنه لا يعطى الفائدة المقصودة من الكناية، بل ربما سبق الوهم فى هذا الموضوع إلى ما يقبح ذكره من التهمة بالريبة، ومن هذا قول أبى الطيب المتنبى أيضا: إنى على شغفى بما فى خمرها ... لأعف عما فى سراويلاتها قال ابن الأثير: فهذه كناية عن النزاهة والعفة إلا أن الفجور أحسن منها وما ذاك إلا لنزول قدرها وسوء تأليفها. وقد أجاد الشريف الرضى فيما أساء فيه أبو الطيب فأورده على أحسن هيئة وجاء به فى أعجب قالب قال: أحن إلى ما يضمن الخمر والحلى ... وأصدف عما فى ضمان المآزر إلى غير ذلك من الأمثال. البحث الثانى فى بيان حكمها اعلم أن أنس النفوس وسكونها متوقف على إخراجها من غامض إلى واضح ومن خفى إلى جلى، وإبانتها بصريح بعد مكنى وأن تردها فى شىء تعلمها إياه إلى شىء آخر هى بشأنه أعلم وثقتها به أقوى، وتحققها له أدخل، ومن ثم كان التمثيل بالأمور المشاهدة أوقع ولمادة الشبه أقطع، وإذا أردت أن ترى شاهدا على ما قلت فانظر إلى قوله تعالى: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً [العنكبوت: ٤١] فالله تعالى ضربه مثالا لضعف الأمر وهونه فى كل شىء فأنت لو فكرت فى نفسك، وبالغت فى نظرك وحدسك فى وصف الضعف، لكان غاية أمرك ونهاية تقديرك، أن تقول كأضعف ما يكون وأهونه، أو تقول هو كالهواء أو غير ذلك من التقدير والتصوير، لكان دون ما ذكره الله تعالى فى المثال، وهكذا لو قلت فلان يكد نفسه فى قراءة الكتب، ويتعب نفسه بجمعها، ويتحمل فى التعلم الإصار والمتاعب كلها، وهو لا يفهم شيئا ويسكت، فإنك تجد فرقا بين أن تذكر هذا وبين أن تتلو الآية وتقول كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة: ٥] فإنك تجد مصداق ما قلته

стр. 217

فيها، وهكذا فإنك تفصل بين أن تقول: إنى أرى قوما لهم منظر وليس لهم مخبر، وبين أن تتبعه بقول من قال: لا تعجبنك الثياب والصور ... تسعة أعشار من ترى بقر فى خشب السرو منهم مثل ... له رواء وما له ثمر فإنك تجد فرقا بين الأمرين، وهكذا حال غيره من الأمثلة والتشبيهات، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن الكناية لها فى البلاغة موقع عظيم فإنها تفيد الألفاظ جمالا، وتكسب المعانى ديباجة وكمالا وتحرك النفوس إلى عملها، وتدعو القلوب إلى فهمها، فإن أوقعتها فى المدح كانت أرفع وأحسن، وفى نفس الممدوح أوقع وأمكن، وإن صدرتها للذم كانت آلم وأوجع وإلى ذكر فضائح المذموم أسرع وأخضع، وإن أدخلتها من أجل الحجاج كان البرهان لها أوضح وأنور، والسلطان بها أقدر وأقهر، والإقحام بها أشهر، والتسلط أعظم وأبهر، وإن وقعت فى الافتخار كان ضياؤه أسطع، ومناره أعلى وأرفع، وإن كانت موجهة للاعتذار فهى إلى سل سخائم القلوب أعجل وأقرب، وبوحر الصدور وفل غرب غضبها أذهب، وإن صدرت للاتعاظ كانت فى المبالغة فى النصيحة أنجع، ولمرض القلوب أشفى وأنقع، وإن أردت بها جانب الإعتاب والرضا، كانت بطيب الصحبة ولين العريكة أظفر، وعلى الوفاء بلوازم الألفة أوفر، فهى كما ترى واقعة من البلاغة فى أعلى المراتب، وحائزة من الفصاحة أعظم المناقب وقد نجز غرضنا فيها بحمد الله تعالى. بحمده تعالى قد تم الجزء الأول من كتاب الطراز فى علوم حقائق الإعجاز. ويليه الجزء الثانى وأوله القاعدة الرابعة من قواعد المجاز

стр. 218

الجزء الثانى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [تتمة فن الثانى من علوم هذا الكتاب وهو فن المقاصد اللائقة] [تتمة باب الاول في كيفية استعمال المجاز وذكر مواقعه في البلاغة] القاعدة الرابعة من قواعد المجاز فى ذكر أسرار ومعناه اعلم أن علماء البيان وفرسان البلاغة بالإضافة إلى ترجمة هذه القاعدة فريقان: الفريق الأول: أدرجوها فى ضمن قاعدة التشبيه، ولم يفصّلوا بينهما تفصيلا وهذا هو الظاهر من كلام المطرزىّ، فأما ابن الأثير فقد صرّح بكونهما بابا واحدا لا تفرقة بينهما وتعجّب ممن فصّل بينهما، قال: وما أعلم كيف خفى على أولئك العلماء مع ظهوره ووضوحه. وحكى أن بعض علماء البيان قد فصّل بينهما وغاير بين حقيقتيهما وهما عنده شىء واحد. الفريق الثانى: وهم الذين فرّقوا بينهما، وهذا هو ظاهر كلام ابن الخطيب الرازى فى نهاية الإيجاز، وعبد الكريم صاحب التبيان، فإنهم ميّزوا أحدهما عن الآخر وفرقوا بينهما، وقالوا: إنّ التشبيه غير معدود من المجاز، بخلاف التمثيل، فإنه معدود من جملة قواعده، وإن كانا كلاهما معدودا من أودية البلاغة، فهذا مغزى كلام الفريقين فى الرّدّ والقبول. وهذا الخلاف يقرب أن يكون لفظيا، وليس وراءه كبير فائدة، والمختار عندنا تفصيل نشير إليه، وحاصله أنا نقول: القاعدة التى رسمناها من أجل التشبيه، إنما كانت بمظهر الأداة، كما أوردنا أمثلته، وفصلناها وعددنا ما كان من التشبيه مضمر الأداة، فهو من باب الاستعارة، وأوضحنا الأمر فيما يظهر على القرب فيه التشبيه، وما يستنبط على البعد فأغنى عن تكريره، فإذا عرفت هذا فاعلم أن كلّ ما كان من التمثيل تظهر فيه أداة التشبيه، كالكاف، وكأن، فإنه معدود من جملة التشبيه، ولا يفترقان بحال؛ لأن التشبيه أكثر ما يطلق على ما كانت الأداة فيه ظاهرة، فأمّا ما كانت الأداة فيه غير ظاهرة، فهو التمثيل، فإنه لا يقال له تمثيل إلّا إذا كان واردا على حدّ الاستعارة، ولهذا فإنّ الزمخشرىّ ﵀ فى تفسير قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة: ٧] الآية، تارة يجعله من باب التمثيل، وتارة يجعله واردا على حدّ الاستعارة، وعلى الجملة فالأمر فيه قريب، فإن الاستعارة، والتمثيل، والكناية، كلّه معدود من أودية

стр. 219

المجاز، بخلاف التشبيه، فإن ما كان منه مضمر الأداة، فهو معدود فى الاستعارة والتمثيل، وهو مجاز، وما كان مظهر الأداة فليس معدودا من المجاز، وإن عدّ فى البلاغة كما أسلفنا تقريره. ومن غريب أمثلة التمثيل ما قاله ابن الرومى «١» : إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان البحر والمطر وإن أضاءت لنا أنوار غرّته ... تضاءل النيّران الشمس والقمر وإن نضا حدّه أو سلّ عزمته ... تأخّر الماضيان السيف والقدر من لم يبت حذرا من سطو صولته ... لم يدر ما المزعجان الخوف والحذر ينال بالظنّ ما يعيى العيان به ... والشاهدان عليه العين والأثر ومن ذلك ما قاله أبو تمام «٢» : مها الوحش إلّا أنّ هاتا أو انس ... قنا الخط إلّا أنّ تلك ذوابل ومن جيّد ما يقال فى أمثلة التمثيل قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [الجاثية: ٢٣] . مثّل الله تعالى حال من انقاد لهواه، واستولى عليه سلطانه، حتّى صار عقله موطوءا بقدم الهوى، وجعل فى إسار الذّلّ، وربقة الملكة وحصل غالبا عليه فى جميع أحواله مطيعا له فى كلّ أموره، بحال من له إله يعبده، ويطيعه فى جميع أوامره ونواهيه، ثم لمّا علم الله تعالى من حاله ما ذكرناه أضلّه بترك الألطاف الخفيّة على علم باستحقاقه للخذلان لإعراضه، ومثّلت حالته فيما صار إليه من الخذلان بسلب الألطاف، بحال من ختم على سمعه، وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فى النكوص والتمرّد عن الهدى، وسلوك جانب الغىّ، وركوب غارب البغى، فمن هذه حاله لا يرجى صلاحه، فهكذا حال من ساعد هواه وكان مطيعا له فى الأمور كلها. ومن التمثيل الرائق قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الأنعام: ٢٥] وقوله: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: ٩] .

стр. 220

فهم لإعراضهم عن الدّين، وإصرارهم على المخالفة لما جاء به الرسول ﷺ وبلوغ الغاية فى الصّدّ والنكوص، ممثّلون بحال من جعل على قلبه كنان فهو لا يفقه ما يقال له، ولا يرعوى لقبوله، وبحال من ضرب بينه وبين مراده بسدّ من بين يديه ومن خلفه، فهو لا يهتدى إليه، ولا يمكنه الوصول إلى بغيته بحال، وقوله تعالى: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فيه تنبيه على ما هم عليه من التّمادى فى ركوب الباطل، وإكبابهم على الجحود والكتمان لما جاءهم من الحقّ، وقطع للرجاء بخيرهم، وسد لطريقه؛ لأن من كان بين يديه سد، ومن خلفه سد وأغشى على بصره، تعطّل، فأنّى يكون له اهتداء إلى طريق الخير، وسلوك بسبيله، وهذا باب من فنّ البلاغة يقال له التخييل، وسنورد فيه حقائق وأمثلة شافية عند الكلام فى معانى البديع وخصائصه. وممّا ورد من التمثيل فى السّنّة النبوية قوله ﷺ : «إيّاكم وفضول المطعم فإنه يسم القلب بالقسوة، ويبطىء الجوارح عن الطاعة، ويصمّ الآذان عن سماع الموعظة، وإياكم وفضول النظر، فإنه يبذر الهوى، ويولّد الغفلة» . ومنه قوله ﷺ : «حلوا أنفسكم بالطاعة، وألبسوها قناع المخافة، واجعلوا حرثكم لأنفسكم، وسعيكم لمستقرّكم» . ومن كلام أمير المؤمنين فى التمثيل، فى كلام يشير به إلى الخوارج: «حاول القوم إطفاء نور الله من مصباحه، وسدّ فوّاره من ينبوعه، وجدحوا «١» بينى وبينهم مشربا وبيئا، فإن ترتفع عنّا وعنهم محن الدنيا أحملهم من الحق على محضه، وإن تكن الأخرى فلا تذهب نفسك عليهم حسرات» . وقال في كلام يصف به الرسول ﷺ وذمّه للدنيا: «قضم الدّنيا قضما، ولم يعرها طرفا، أهضم أهل الدنيا كشحا، وأخمصهم من الدّنيا بطنا، أعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها عن لسانه، وأحبّ أن تغيب زينتها عن عينه» . وقال فى وصف أهل الدنيا: «يمسى مع الغافلين، ويغدو مع المذنبين، بلا سبيل قاصد، ولا إمام قائد، حتى إذا كشف لهم عن جزاء معصيتهم واستخرجوا من جلابيب غفلتهم، استقبلوا مدبرا، واستدبروا مقبلا، فلم ينتفعوا بما أدركوا من طلبتهم ولا بما قضوا من وطرهم» .

стр. 221

ولنقتصر على هذا القدر فى التمثيل ففيه كفاية، فينحلّ من مجموع ما ذكرناه مفارقته للتشبيه بما أشرنا إليه، وأنه نوع من أنواع الاستعارة، على أن الاستعارة فى المفرد والمركب كما مهدناه من قبل، بخلاف التمثيل، فإنه إنما يرد فى المركب من الكلام كما أوضحناه فى هذه الأمثلة. تنبيه اعلم أن أرباب البلاغة وجهابذة أهل الصناعة مطبقون على أن المجاز فى الاستعمال أبلغ من الحقيقة، وأنه يلطف الكلام ويكسبه حلاوة، ويكسوه رشاقة، والعلم فيه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الحجر: ٩٤] وقوله: وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [الأحزاب: ٤٦] فلو استعمل الحقائق فى هذه المواضع، لم تعط ما أعطى المجاز من البلاغة، وهكذا فإن الاستعارة أبلغ مما يظهر فيه التشبيه؛ لأن قولك: جاءنى أسد. أبلغ من قولك: زيد كالأسد. لأنك جعلته فى الأول نفس الأسد وفى الثانى ليس إلا مشابهه لا غير، فأما الكناية، والتمثيل، فهما نوعا من أنواع الاستعارة، والاستعارة أعم فيهما كما أوضحناه من قبل، لكن الكناية مؤدية للحقيقة، والمجاز، بخلاف الاستعارة، والتمثيل، من حقه أن يرد فى المركبات، فلأجل هذا كانا جميعا. أعنى الكناية والتمثيل. أخص من الاستعارة، وقد نجز غرضنا من تقرير الباب الأول وهو حصر قواعد المجاز، وإظهار أمثلتها وأحكامها، وأشرع الآن فى الباب الثانى مستعينا بالله ومتوكلا عليه.

стр. 222

الباب الثانى فى ذكر الدلائل الإفرادية وبيان حقائقها اعلم أن اللفظ فى دلالته على ما يدل عليه لا يخلو حاله إما أن يكون بالإضافة إلى مفرداته، أو بالإضافة إلى ما تركب منه، فالأول هو الدلالة الإفرادية، وهذا كدلالة لفظ الرجل، والأسد، والإنسان، على معانيها المفردة، فإنها دالة عليها من غير إضافة أمر إليها، لا سلبا ولا إيجابا، والثانى هو الدلالة التركيبية، وهذا كدلالة قولنا: زيد قائم، وعمر خارج، فإن ما هذا حاله دال على معنى مركب، وهو إضافة هذه الأحكام لتحصل من أجلها الفائدة المركبة، وهذا هو الكلام فى ألسنة النحاة، ويقال له الجملة، ثم إن الفائدة التى يفيدها الكلام على وجهين؛ أحدهما أن تكون من جهة ذاته كقولنا: زيد قائم، وعمر منطلق، فإن ما هذا حاله فإنه لا يحتاج فى إفادة ما يفيده إلى أمر وراء هذه الجملة، وثانيهما أن تكون مستفادة من جهة أخرى، إما من جهة الكناية كما يقال فى المرأة: هى نئوم الضّحى. فإنه يدل على كونها مترفهة، وإما من جهة الاستعارة كما يقال: «بين أثوابه أسد هصور» استعاره للشجاعة، و ٧ ما من جهة التمثيل كقولنا: «فلان يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى» تمثيلا لتحيّره فى الأمر، وإما من جهة الاقتضاء كقوله تعالى فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ [البقرة: ٦٠] المعنى فضرب فانفجرت، وكقوله ﷺ : «لا تضحوا بالعوراء» . فدخول العمياء من جهة الاقتضاء، إلى غير ذلك من التعليقات التى يشعر بها الكلام ويقتضيها، وكان من حقنا إيراد الكلام فى المجاز وأنواعه لكونه من الدلائل الإفرادية، لكنا جعلنا له بابا على حياله لأمرين؛ أما أولا فلما اختص به من مزيد الاعتناء، وأكيد الاهتمام، وعظم موقعه فى البلاغة، وأما ثانيا فمن أجل كثرة مسائله وانتشار حواشيه، فلأجل هذا قدمناه وأفردنا له باب على حياله غير مضموم إلى سواه، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن مقصودنا من هذا الباب منحصر فى عشرة فصول:

стр. 223

الفصل الأول فى المعرفة والنكرة اعلم أن المعرفة ما دلت على شىء بعينه، والنكرة ما دلت على شىء لا بعينه، ولا يجوز تعريف حقيقة المعرفة بأمر لفظى لأمرين؛ أما أولا فلأن المقصود بيان الماهية، وهذا لا يحصل إلا بالأمور المعنوية دون اللفظية، وأما ثانيا فلأن بعض المعارف يكون فى معنى النكرة كقولنا: ضاربك، وأرسلها العراك، والجماء الغفير، ثم إن المعارف خمس؛ المضمرات، والأعلام، وأسماء الإشارة، ثم المعرف باللام، ثم المضاف إلى واحد من هذه إضافة معنوية، لا لفظية، وهى متفاوتة فى التعريف، فأعرفها المضمرات، ثم العلم، على الترتيب الذى أسلفناه على اختلاف فى ذلك بين النحاة، مذكور فى موضعه، وكما كانت المعارف متفاوتة فى مراتب التعريف، فكذا حال النكرات، فكل نكرة هى أعم من غيرها فهى أبهم، وجملتها شىء، ثم جسم، ثم حيوان، ثم إنسان، ثم رجل، فكل واحدة من هذه النكرات هى أدخل فى الإبهام، والتنكير، مما بعدها كما تراه فى صورها، فقولنا: شىء، أعم من قولنا: موجود؛ لأن قولنا شىء، مندرج تحته الموجود والمعدوم، وهل يطلق قولنا: شىء، على المعدوم حقيقة أو مجازا؟ فيه خلاف بين المتكلمين، فمن قال منهم إن المعدوم ذات فى حال عدمه كان إطلاقه عليه حقيقة، ومن قال منهم ليس ذاتا فى حال عدمه، وإنما هو نفى صرف كان إطلاقه عليه بطريق المجاز، وقد قررنا ما هو الحق فى هذه المسألة فى الكتب العقلية، فإذا عرفت هذا فاعلم أن المعرفة، والنكرة يتعلق بكل واحد منهما معان دقيقة متعلقة بأسرار البلاغة، فلا جرم أوردناها فى هذا الفصل، وفيه تقريران: التقرير الأول فى [النكرة] ، ولها أحكام: الحكم الأول: النكرة إذا أطلقت فى نحو قولك: رجل، وفرس، وأسد، ففيها دلالة على أمرين، الوحدة، والجنسية، فالقصد يكون متعلقا بأحدهما، ويجىء الآخر على جهة التبعية، فأنت إذا قلت: أرجل فى الدار أم امرأة، حصل بيان الجنسية، والوحدة جاءت تابعة غير مقصودة، وإذا قلت: أرجل عندك أم رجلان، فالغرض ههنا الوحدة، دون الجنسية. الحكم الثانى: هو أن التنكير قد يجىء لفائدة جزلة يقصر عن إفادتها العلم، ولا يبلغ

стр. 224

كنهها رسم القلم، ومثاله قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩] وقوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: ٩٦] فتنكير الحياة ههنا أحسن من تعريفها، وإنما وجب ذلك لأمرين؛ أما أولا فلأنه لا يحرص إلّا الحى، وهو لا يستقيم حرصه على أصل الحياة المعهودة، وإنما يتوجه حرصه على الازدياد من الحياة فى الأزمنة المستقبلة، وهذا إنما يكون إذا كانت نكرة. لأن المعنى فيها على أنهم أحرص الناس على أن يزدادوا حياة إلى حياتهم، ولو عاشوا ما عاشوا، وأما ثانيا فلأنها إذا كانت نكرة فالتنوين مصاحب لها، وعلى هذا يكون معناها، ولتجدنهم أحرص الناس على حياة أى حياة لأنها مسوقة للمبالغة، ولكن يكون كذلك إلا بالتقدير الذى ذكرناه، وهكذا قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩] لأن الواحد منا إذا علم أنه إذا قتل، قتل، فإنه لا محالة يرتدع عن القتل، فيسلم هو وصاحبه، فتصير حياة كل واحد منهما فى المستقبل مستفادة من جهة القصاص، مضمومة إلى الحياة الأصلية، ولا يحصل هذا إلا مع التنكير؛ لأنه يفيد التجدد، والتعريف لا يعطيه، وهكذا قوله تعالى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النحل: ٦٩] وقوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ [الإسراء: ٨٢] إلى غير ذلك من الآيات التى يكون فيها التنكير أبلغ من التعريف فى تقرير المقاصد المعنوية. الحكم الثالث: المطلق هو نحو قولك: رجل، وأسد، وله تعريفان: التعريف الأول ذكره ابن الخطيب ، وحاصل ما قاله أنه اللفظ الدال على الحقيقة من حيث هى هى من غير أن يكون فيه دلالة على شىء من قيود تلك الحقيقة، سلبا كان ذلك القيد أو إيجابا. التعريف الثانى ذكره عبد الكريم صاحب التبيان ، وهو محكى عن القدماء، وهو الدال على واحد لا بعينه، هذا ملخص ما قيل فى حد المطلق، قال ابن الخطيب الرازى: والحد الأول أولى؛ لأن الوحدة والتعيين قيدان زائدان على الماهية، وما هذا حاله لا يجوز أن يكون تعريفا للمطلق، ولا حدّا له، وذكر الشيخ عبد الكريم أن ما ذكره القدماء فى حد المطلق هو الذى يجب التعويل عليه، وقال: إن الوحدة، والتعيين إنما يكونان قيدين زائدين على الماهية فى غير حد المطلق، فأما فى المطلق فلا، ولو صح ما قاله لم يتجه فرق بين قولنا: أسد، وأسامة، وثعلب، وثعالة، إلى غير ذلك من أعلام الأجناس، والذى يتجه فرقا

стр. 225

بينهما، أن اللفظ إن قصد به الحقيقة من حيث هى هى، فهو معرفة، كأسامة، فإنه موضوع على الحيوان المفترس من حيث هو هو، وإن قصد باللفظ واحد من تلك الحقيقة، فهو نكرة كأسد، هذا محصول كلامهما فى حد المطلق؛ والمختار ما عول عليه ابن الخطيب فى حد المطلق، لأن الحد الثانى فيه التقيد بالوحدة، والتعيين، وهما منافيان للإطلاق؛ لأن الشىء لا يكون مطلقا مقيدا، فأما ما قاله الشيخ عبد الكريم من أنه لو صح تحديده بما ذكره لم يتجه فرق بين قولنا: أسد، وأسامة، فلعله لا يجعلهما من باب المطلق؛ لأن أحدهما دال على التعيين، وهو قولنا: أسامة؛ لأنه موضوع على الحقيقة الذهنية من حيث هى هى، وأحدهما دال على الوحدة وهو قولنا: أسد، وإذا لم يكونا مطلقين لم يردا اعتراضا على ما ذكره من الحد، وكانت التفرقة بينهما حاصلة من الوجه الذى ذكره، ولو قيل فى حد المطلق: هو اللفظ الدال على حقيقة من غير قيد، لكان جيدا. خيال وتنبيه فإن قال قائل: قد ذكرتم الوجه فى تنكير الحياة فى قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩] فما وجه تنكير السلام فى قصة «يحيى» فى قوله تعالى: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ [مريم: ١٥] وتعريف السلام فى قصة «عيسى» فى قوله تعالى: وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ [مريم: ٣٣] ثم إذا كان التنكير فى السلام هو المطرد كقوله: سَلامٌ عَلى نُوحٍ [الصافات: ٧٦] سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ [الصافات: ١٣٠] وغير ذلك، فما وجه نصبه فى سلام الملائكة فى قوله تعالى: قالُوا سَلاماً [هود: ٦٩] ورفعه فى سلام إبراهيم فى قوله تعالى: قالَ سَلامٌ [هود: ٦٩] فمن حقكم إيراد التفرقة فى هذه الأمور ليكمل الغرض فى تقرير قاعدة التنكير، والجواب: أما ما ذكره أولا من تقرير فائدة التنكير فى قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩] فقد أوردنا ما قاله علماء البيان فى ذلك، فأغنى عن إعادته، والمعتمد عندنا أن العلة فى إيثار التنكير على التعريف، هو أن الغرض إخراجها مخرج الإطلاق عن كل قيد من القيود اللازمة لها، من تعريف أو تخصيص؛ لأن التقدير: إن لكم فى القصاص حياة بالغة فى اللطف مبلغا عظيما، وجامعة لجميع مصالح

стр. 226

الدين، والدنيا، ونازلة فى الاستصلاح منزلا تقاصرت العبارة عن كنهه، فحذفت هذه القيود كلها، وأطلقت إطلاقا، وعوض التنوين عن هذه القيود، كما جعل عوضا فى يومئذ، وحينئذ، عن جميع الجمل السالفة، وفيه من التعظيم والفخامة ما يرى، فهذا هو الوجه اللائق بفصاحة القرآن، دون ما ذكره علماء البيان، وأما ما ذكره ثانيا من تنكير السلام فى قصة يحيى، وتعريفه باللام فى قصة عيسى، فإنما كان ذلك التنكير واردا فى قصة يحيى ﵇؛ لأن التحية كانت من جهة الله تعالى فى المواطن الثلاثة، وسلام ما كان من جهة الله مغن عن كل تحية، «قليلك لا يقال له قليل» ، ومن ثم لم يرد السلام من جهة الله إلا منكرا، كقوله تعالى سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: ٥٨] وقوله اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا [هود: ٤٨] وقوله تعالى سَلامٌ عَلى نُوحٍ [الصافات: ٧٦] ولو كانت معرفة لكان لا فائدة فى تعريفها، وأما تعريف السلام فى حق عيسى ﵇، فإنما كان ذلك من أجل أنه ليس واردا على جهة التحية من الله تعالى، وإنما هو حاصل من جهة نفسه، فلا جرم جىء بلام التعريف، إشعارا بذكر الله تعالى؛ لأن السلام اسم من أسمائه، وفيه تعرض لطلب السلامة، ولهذا فإنك إذا ناديت الله باسم من أسمائه، فإنك متعرض لما اشتق منه ذلك الاسم، فتقول فى طلب الحاجة، يا كريم، وفى سؤال مغفرة الذنب: يا عفو، يا غفور، يا رحيم، يا حليم، لما كان ذلك مناسبا ملائما لما أنت فيه، فلهذا أورده باللام، تعرضا للسلامة، وطلبا لها باسم الله تعالى، وجؤارا إليه، ومن أجل ذلك كان اختتام الصلاة بالسلام المعرف باللام لكونه اسما من أسماء الله، لما كان افتتاحها باسم من أسمائه، ومن جوز السلام بغير اللام، فهو بمعزل عن هذه الأسرار ومعرض عن هذه المقاصد، وأما ما ذكره ثالثا من نصب سلام الملائكة، ورفع سلام إبراهيم، فلأن سلام الملائكة إنما ورد على جهة الإشعار بالفعل، وكونه مصدرا عنه تقريرا لخاطره، وإزالة للوحشة الحاصلة من جهتهم بامتناع الأكل، كما نبه عليها بقوله تعالى: فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [الذاريات: ٢٨] وهذا المعنى إنما يظهر بالنصب بخلاف السلام من جهة إبراهيم؛ فإنما هو وارد على جهة التحية، كأنه قال: منى سلام، أو عليكم سلام، غير متعرض

стр. 227

لتقييد الفعل، والانتصاب عنه، أو نقول: ليس واردا على جهة التحية، وإنما هو تعرض للمصالحة والمسالمة، وقد نبه على هذا قوله ﷺ : اقرأوا. قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الذاريات: ٢٥] ومن ثم قال أهل التحقيق من علماء البيان: إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة. يشيرون به إلى ما ذكرناه. التقرير الثانى [المعرفة] اعلم أن المعارف أجناس مختلفة كما أسلفنا حصرها، لكنا إنما نتعرض للمعرفة باللام، لاختلاف المعانى بها، فقد تكون واردة فى المبتدأ، وقد تكون واردة فى الخبر، فهاتان حالتان؛ الحالة الأولى: أن تكون واردة فى المبتدأ، ودخولها فيه يكون على أوجه أربعة، أولها أن تكون داخلة لإفادة تعريف الجنسية الحاصلة فى الذهن، ومثاله قولنا: أهلك الناس الدينار والدرهم، والرجل خير من المرأة، إلى غير ذلك من الحقائق الذهنية، وهكذا قولنا: أكلت الجبن، وشربت الماء، ودخلت السوق؛ لأنه ليس الغرض الاستغراق ولا المقصود بذاك عهدية سابقة، وإنما الغرض ما قلناه من ٧ فادة التعريف للحقائق الذهنية التى لا وجود لها فى الخارج، نعم إذا وجدنا صورة مفردة فى الخارج، فهل تكون الحقيقة الذهنية حاصلة فى الخارج، أم لا، فيه مذهبان؛ أحدهما أنها غير موجودة، بل يستحيل وجودها فى الخارج، وهذا هو المحكى عن، «أرسطو» ، وثانيهما أنها موجودة عند وجود المفردة، وهذا هو المحكى عن «أفلاطون» ، والمختار ما قاله «أرسطو» ، وهو بحث كلامى، وقد ذكرناه فى الكتب العقلية. وثانيها أن تكون داخلة لإفادة تعريف العهدية، وهذا كقولك: لبست الثوب، وأخذت الدراهم، لثوب ودراهم معهودين بينك وبين مخاطبك، وما هذا حاله لا يدل التعريف إلا على صورة واحدة من غير زيادة، وثالثها أن تكون دالة على الاستغراق، وهذا كقوله: جاءنى الرجال، وقد ترد فى الجمع الحقيقى إما سالما كقولك: المؤمنون، والزيدون، وإما مكسرا كقولك: الرجال، والدراهم، وإما أسماء جمع كقولك: الناس،

стр. 228

والرهط، والنفر، وقد ترد فى الاسم المفرد كقولك: الرجل خير من المرأة، وهى فى جميع هذه الموارد دالة على الاستغراق فى الصور المفردة التى لا نهاية لها، ورابعها أن تكون داخلة للزيادة من غير إفادة للتعريف، وهذا نحو دخولها فى الأعلام، ودخولها فيها قد يكون على جهة اللزوم لا يجوز نزعها منه كقولك: النجم للثريا، ونحو أيام الأسبوع، وغير ذلك، وقد تكون غير لازمة إما فى الصفة كقولك: المظفر، والعباس، وإما فى المصدر كقولك: الفضل، والعلاء، فدخول لام التعريف لا تنفك عن هذه الأمور الأربعة، هذا كله إذا كانت داخلة على المبتدأ، الحالة الثانية أن تكون اللام داخلة على الخبر. اعلم أن الأصل أن يكون نكرة؛ لأنك إنما تخبر بما يجهله المخاطب فتعرفه إياه، فإذا ورد فيه اللام فإنها تأتى لمقاصد، وجملتها أربعة، أولها أن تقصد المبالغة فى الخبر فتقصر جنس المعنى على المخبر عنه كقولك: زيد هو الجواد، وعمرو هو الشجاع، تريد أنه هو المختص بالمعنى دون غيره، وأنت إذا قصدت هذا المعنى فلا يجوز العطف عليه على جهة الاشتراك، فلا يجوز أن تقول: زيد هو الجواد وعمرو؛ لأنه يبطل المعنى، ومن هذا قوله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤] وقوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٤] يريد أنهم المختصون بهاتين الصفتين دون غيرهم، وثانيها أن تقصره لا على جهة المبالغة كما فعلت فى الأول، ولكن على معنى أنه لا يوجد إلا منه، وإنما يكون ذلك إذا قيد المعنى بشىء يخصصه ويجعله فى حكم نوع برأسه، ومثاله قولك: زيد الكريم حين يبخل كل جواد، وعمرو الشجاع حين يتأخر الأبطال، وبكر هو الوفى حين لا تظن نفس بنفس خيرا، ومن هذا قول الأعشى «١» : هو الواهب المائة المصطفاة ... إمّا مخاضا وإمّا عشارا أى أنه لا يهب هذا العدد إلا الممدوح، ومما يؤيد هذا المعنى وإن لم يكن على طريقة الإخبار قول بعضهم: أعطيت حتى تركت الريح حاسرة ... وجدت حتى كأنّ الغيث لم يجد وثالثها أن تورده على وجه اتضح أمره اتضاحا لا يسع إنكاره، وظهر حاله ظهورا لا يخفى على أحد، وهذا كقولك: زيد الشجاع، على معنى أن إسناد الشجاعة إليه أمر ظاهر

стр. 229

لا يفتقر إلى دلالة، ولا يحتاج إلا علامة وأمارة، وعلى هذا حمل بيت الخنساء «١» : إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا أرادت أن تقرره فى جنس الحسن الباهر الذى لا ينكره من أخبر به وعلى هذا قرر قوله: أسود إذا ما أبدت الحرب نابها ... وفى سائر الدهر الغيوث المواطر ورابعها أن تقصد به مقصد التعريف بحقيقة عقلها المخاطب فى ذهنه لا فى الخارج، أو توهمت أنه لم يعرفها فتقول له: تصور كذا، فإذا تصورته فى نفسك فتأمل فلانا، فإنه يحصل ما تصورته على الكمال، ويأتيك به تاما، ومثاله قولنا: هو الحامى لكل حقيقة، وهو المرتجى لكل ملمة، وهو الدافع لكل كريهة، كأنك قلت: هل تعقل الحامى، والمرتجى وتسمع بهما، فإن كنت تعقل ذلك وتعرفه حقيقة معرفته، فاعلم أنه فلان، فإنى خبرته وجربته فوجدته على هذه الصفة، فاشدد يديك به، فإنه ضالتك التى تنشدها، وبغيتك التى تقصدها، ومما يؤيد هذا المعنى ويقويه قول ابن الرومى: هو الرجل المشروك فى جلّ ماله ... ولكنّه بالحمد والمجد مرتدى كأنه قال: فكر فى رجل لا يتميز عن غيره فى ماله فى الأخذ والتصرف، فإذا فهمت ذلك وعقلته وصورته فى نفسك، فاعلم أنه فلان، وكقول بعضهم: أخوك الّذى إن تدعه لملمّة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب فهذه المعانى متغايرة كما ترى، تحصل لأجل تعريف الخبر باللام كما فصّلناه ههنا. تنبيه إذا عرفت ما قدمناه من صحة دخول اللام على الخبر كما صح دخولها على المبتدأ، وأظهرنا معانيها فى النوعين فلا يغررك ما يقرع سمعك من كلام النحاة، من أن المبتدأ، والخبر إذا كانا معرفتين فأيهما قدمت فهو المبتدأ، فهذه قاعدة قد زيفناها وقررنا فسادها فى الكتب الإعرابية، فإن حقيقة الخبر هو المسند به وهو غير خارج عن هذه الماهية بتقديم ولا تأخير، ولا تعريف ولا تنكير، وأيضا فإن الخبر عبارة عن الصفة، والمبتدأ فى نفسه عبارة عن الذات، ولا شك أن الذات بالابتدائية والصفة بالخبرية أحق من العكس، فإذا بان لك مما ذكرناه بطلان كلامهم، وأن المبتدأ هو المسند إليه بكل حال، والخبر مسند به بكل حال فلا يغير هذه الماهية عروض عارض.

стр. 230

الفصل الثانى فى الخطاب بالجملة الاسمية والفعلية وذكر التفرقة بينهما اعلم أن الكلام إذا قصد به الإفادة، فتارة يرد مصدّرا بالجملة الاسمية سلبا كان أو ٧ يجابا، وتارة يرد مصدرا بالجملة الفعلية سلبا كان أو إيجابا، والمعانى تختلف بالإضافة إلى تصدير الجملتين، فهذان طرفان: الطرف الأول فى توجيه الخطاب ب [الجملة الاسمية] ، وهذا نحو قولك: زيد قد فعل، وأنا فعلت، وأنت فعلت، ومتى كان واردا على جهة الاسمية، فإنه ينقدح فيه معنيان: المعنى الأول أن تريد أن الفاعل قد فعل ذلك الفعل على جهة الاختصاص به دون غيره ، ويذكر على جهة الاستبداد، وهذا كما تقول: أنا قتلت فلانا، وأنا الذى شفعت لفلان عند الأمير بالعطية، وأنا الذى توجهت فى إطلاقه من السجن، وكقوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا [النجم: ٤٣- ٤٤] فصدر الجملة بالضمير، دلالة على اختصاصه تعالى بالإماتة والإحياء، والإضحاك والإبكاء، وإنما أورد الضمير وصير الجملة اسمية تكذيبا، وردّا، وإنكارا لمن زعم أنه مشارك لله تعالى فى هذه الخصال، ويؤكد هذا أن الأمور التى تقع فيها المشاركة وردت بالجملة الاسمية، والأمور التى لا تقع فيها المشاركة، وردت بالجملة الفعلية، كقوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [النجم: ٤٤- ٤٥] فأورد الضمير فى الأولى دلالة على الاختصاص بما ذكرناه دون الثانية؛ لأنها لا مطمع فيها بالمشاركة، بخلاف الأولى، فإنه ربما يظن أو يتوهم فيها المشاركة، فلا جرم ورد الضمير مصدّرا فيه الجملة، دلالة على اختصاصه بما ذكرناه.

стр. 231

المعنى الثانى أن لا يكون المقصود الاختصاص، وإنما المقصود التحقق ، وتمكين ذلك المعنى فى نفس السامع بحيث لا يخالجه فيه ريب، ولا يعتريه شك، وهذا كقولك: هو يعطى الجزيل، وهو الذى يجود بنفسه، فغرضك تحقيق إعطائه للجزيل، وكونه لا يبخل بنفسه، وتمكّنه فى نفس من تخاطبه، وعلى هذا ورد قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: ١٤] فخاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالجملة الاسمية المحقّقة بإنّ المشددة، وإنما كان الأمر كذلك لأنهم فى خطابهم لإخوانهم مخبرون عن أنفسهم بالثبات والتصميم على اعتقاد الكفر مصرون على التمادى فى الجحود والإنكار، فلهذا وجّهوه بالجملة المؤكدة الاسمية بخلاف خطابهم للمؤمنين، فإنما كان عن تكلف وإظهار للإيمان، خوفا ومداجاة من غير عزم عليه، ولا شرح صدورهم به، ومن هذا قوله تعالى فى سورة يوسف: قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [يوسف: ١١- ١٢] فانظر إلى ما أخبروا به عن أنفسهم فى قولهم: لَناصِحُونَ ولَحافِظُونَ كيف ورد بالجملة الاسمية المؤكدة بإن، وما كان عن غيرهم كقوله: ما لَكَ لا تَأْمَنَّا ، وقوله: أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ، وهذا فيه دلالة على ما ذكرناه من الاختصاص والتحقيق والثبوت، ومن هذا قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ [ق: ٤٣] وقوله تعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ [الحجر: ٢٣] وقوله فى سورة الواقعة: أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ [الواقعة: ٥٩] أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ [الواقعة: ٦٤] وقوله: أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها [الواقعة: ٧٢] إلى غير ذلك من الآى المصدرة بالجمل الابتدائية، ومن هذا القبيل قوله تعالى: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ [المائدة: ٦١] فإنما صدر الخروج بالضمير، وصيرها جملة ابتدائية، مبالغة فى تصميم عزمهم على الكفر عند الخروج، وقطع الإياس عن الإيمان يخالف دخولهم، فإنه ربما كانت نفوسهم تحدثهم بإظهار الإيمان على وجه التقية والمخادعة، فأما الخروج فهو على قطع وحقيقة،

стр. 232

فلهذا ميز بين الجملتين مشيرا إلى ما ذكرناه، وقوله تعالى وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [آل عمران: ٧٧] فإنما أورد الضمير دلالة على تأكيد تحققهم للصدق، ومع ذلك يقولون على الله الكذب وهم يعلمون كونه كذبا، أو هم يعلمون أنه لا يقوله، وقوله تعالى: وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [الزخرف: ٧٧] ونحو قوله تعالى فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ [الصافات: ٧٠] وأمثال ذلك فى كتاب الله أكثر من أن يحصى، وكما وجب تصدير الاسم فى الجملة الإثباتية من أجل المبالغة وجب تقديمه فى الجملة السلبية أيضا، فتقول: أنت لا تحسن هذا، وأنت لا تقول ذلك، ولو قلت: لا تحسن أنت هذا، ولا يقول ذلك إلا أنت، فأتت تلك القوة عن الكلام، ومن هذا قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون: ٥٩] وقوله تعالى لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس: ٧] وقوله تعالى فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ [القصص: ٦٦] وقوله وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الزخرف: ٦٦] ومن الأبيات الشعرية ما يدل على ما نحن فيه كقوله «١» : هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... حريصان ما اسطاعا عليه كلاهما وقال بعضهم «٢» : والشّيب إن يظهر فإنّ وراءه ... عمرا يكون خلاله متنفّس لم ينتقص منّى المشيب قلامة ... ولما بقى منّى ألبّ وأكيس فلما كان المشيب يذم فى أكثر أحواله أتى باللام المؤكدة فى قوله: (ولما بقى) وجعل الجملة الاسمية عوضا من الفعلية، مبالغة فى ذلك وتأكيدا كما مر بيانه، وقال بعض أهل الحماسة «٣» : إنا لنصفح عن مجاهل قومنا ... ونقيم سالفة العدوّ الأصيد

стр. 233

ومتى نجد يوما فساد عشيرة ... نصلح وإن نر صالحا لا نفسد فلما أراد المبالغة فى الصفح وإيثاره، صدّره بالجملة الاسمية مؤكدا باللام من أجل ذلك، وقال آخر «١» : نحن فى المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب منّا ينتقر فصدّره بالجملة الاسمية عوضا عن الفعلية إرادة للتأكيد، والجفلى هى الدعوة العامة، وهى تخالف «النّقرى» لأنها دعوة خاصة من جهة أنه ينقّر فى دعوته، أى يدعو واحدا خاصّا من بين أقوام. الطرف الثانى فى توجيه الخطاب ب [الجملة الفعلية] اعلم أن الإخبار فى قولنا: قام زيد، مثله فى نحو قولك: زيد قام، خلا أن قولنا: زيد قام، فيه نوع اهتمام وإيضاح للجملة الاسمية كما أوضحنا فى نظائره، وهكذا قولنا: زيد قائم، مثل قولنا: إن زيدا قائم، خلا أن الثانى مختص بمزيد قوة وتأكيد لم يكن فى الأول، ولو جئت باللام فى خبر إن، لكان أعظم تأكيدا، فقولنا: زيد منطلق، إخبار لمن يجهل انطلاقه وقولنا: منطلق زيد، إخبار لمن يعرف زيدا، وينكر انطلاقه، فتقديمه اهتمام بالتعريف بانطلاقه، وقولنا: إن زيدا منطلق، رد لمقالة من يقول: ما زيد منطلقا، وقولنا: إن زيدا لمنطلق، رد لقول من قال: ما زيد بمنطلق، فأنت إذا جئت بالجملة الفعلية فقلت قام زيد، فليس فيه إلا الإخبار بمطلق القيام مقرونا بالزمان الماضى من غير أن يكون هناك مبالغة وتوكيد كقوله تعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ [النمل: ١٧] وقوله تعالى: نَزَّلَ الْكِتابَ [الأعراف: ١٩٦] فالغرض الإخبار بهاتين الجملتين بالفعل الماضى من غير إشعار بمبالغة هناك، ولما أراد المبالغة فى الجملة الأولى قال فى آخرها: فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل: ١٧] وقال فى الثانية: وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف: ١٩٦] فإتيانه بالجملتين الاسميتين من آخر الجملتين السابقتين المصدرتين بالفعلين دلالة على المبالغة والتأكيد فى المقصود الذى سقناه من أجله، وهو التولى للصالحين والإيزاع.

стр. 234

دقيقة اعلم أن جميع ما يخبر به على قسمين؛ اسم، وفعل، ثم كل واحد من الاسم والفعل يقع جزءا من الجملة تارة، ويقع جزءا زائدا على الجملة أخرى، فمثال ما يكون جزءا معتمدا فى الجملة قولنا: زيد قائم، وقام زيد، فهذان الخبران كل واحد منهما عمدة فى الإخبار، إما على أنه مسند إليه كالفاعل، والمبتدأ، وإما على أنه مسند به، كالفعل، وخبر المبتدأ، ومثال ما يقع جزءا زائدا على الجملة، الحال فى نحو قولك. جاءنى زيد ضاحكا، فإن الحال جزء فى الحقيقة، ولهذا فإنك تجعله خبرا عن ذى الحال، كما تثبته لذى الخبر بالخبر، لكن الإخبار بالحال جار على جهة التبعية للخبر السابق، بخلاف خبر المبتدأ والفعل المسند إلى الفاعل، فإنه ليس بمشترط فيه تقدم واسطة بينهما.

стр. 235

الفصل الثالث فى أحوال [الفصل ،] والوصل، وهو دقيق المجرى، لطيف المغزى، جليل المقدار، كثير الفوائد، غزير الأسرار، ولقد سئل بعض البلغاء عن ماهية البلاغة، فحدّها بمعرفة الفصل، والوصل، وجعل ما سواه تبعا له، ومفتقرا إليه، وقاعدته العظمى حروف العطف، وينعطف عليها حروف الجر، وتكون تابعة لها، فإنه يتعلق بكل واحد منهما أسرار ولطائف ننبه عليها بمعونة الله تعالى، ولسنا نريد بتلك الأسرار واللطائف ما يكون متعلقا بعلوم الإعراب من كون الأحرف العاطفة تلحق المعطوف فى الإعراب، ولا أن الحروف الجارة تجر الاسم، وتعدى الأفعال اللازمة، بل نريد أمرا أخص من ذاك، وأغوص على تحصيل الأسرار الغريبة واللطائف العجيبة فى كتاب الله تعالى وفى غيره، وإن كان لا بد من التصرفات الإعرابية والإحاطة بالمعانى النحوية، فهذان بحثان يحيطان بالبغية من ذلك بمعونة الله تعالى. البحث الأول فيما يتعلق ب [الأحرف العاطفة] اعلم أن العطف على نوعين، عطف مفرد على مفرد، وعطف جملة على جملة، فأما عطف المفرد على المفرد فيستفاد منه مشاركة الثانى للأول فى الإعراب فى رفعه ونصبه وجره، بالفاعلية، أو بالمفعولية، أو بالإضافة وحروف الجر، فأما الصفات فالأكثر أنه لا يعطف بعضها على بعض كقولك: مررت بزيد الكريم العاقل الفاضل، وإنما قل العطف فيها؛ لأن الصفة جارية مجرى الموصوف، ولهذا فإنه يمتنع عطفها على موصوفها فلا يجوز أن تقول: جاءنى زيد والكريم، على أن الكريم هو زيد، لاستحالة عطف الشىء على نفسه، ويجوز عطف بعضها على بعض باعتبار المعانى الدالة عليها، فلهذا تقول: مررت بزيد الكريم، والعاقل، والعالم، باعتبار ما ذكرناه، كأنك قلت. مررت بشخص اجتمع فيه الكرم، والعقل، والعلم، فقد اجتمع فى الصفة دلالتها على ذات الموصوف ودلالتها على معنى فى الذات، فلأجل تلك المعانى التى تدل عليها جاز فيها العطف، ولأجل كونها دالة على الذات قل فيها عطف بعضها على بعض، وتعذر عطفها على الموصوف كما أشرنا

стр. 236

إليه، فأما الأوصاف الجارية على الله تعالى فقلما يأتى فيها العطف، وما ذاك إلا لأنها أسماء دالة على الذات باعتبار هذه الخصائص لها ووافقت الذات فى عدم الأولية لها، فلأجل هذا جرت مجرى الأسماء المترادفة كقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ [الحشر: ٢٢] ثم قال: الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر: ٢٣] الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر: ٢٤] وقال غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ [غافر: ٣] فجاء بها على جهة التعديد من دون الواو لما ذكرناه، وإنما جاءت معطوفة فى قوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [الحديد: ٣] لأنها متضادة المعانى فى أصل موضوعها، فلهذا جاءت الواو رافعة لتوهم من يستبعد ذلك فى ذات واحدة؛ لأن الشىء الواحد لا يكون ظاهرا باطنا من وجه واحد، فلأجل هذا حسن العطف، ولهذا جاء العطف فى قوله تعالى ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [التحريم: ٥] بخلاف ما تقدمه من الصفات، فإنها معدودة من غير واو، وذلك لأجل تناقض البكارة والثيوبة، فجىء بالعطف لرفع التناقض بخلاف الإسلام، والإيمان، والقنوت، والتوبة، وغيرها من الصفات، ومنه قوله تعالى التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ [التوبة: ١١٢] إلى آخرها بغير واو، وقال فى آخرها الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة: ١١٢] لما كانت هاتان الصفتان متضادتين، فلا جرم وجب فيهما العطف كما ترى، لا يقال فإنا نرى الأوصاف فى قوله تعالى: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ [غافر: ٣] جاءت كلها بغير حرف عطف إلا قوله وَقابِلِ التَّوْبِ [غافر: ٣] فإنها جاءت بالواو مع اشتراكها كلها فى كونها من الأوصاف الفعلية، فما السر فى ذلك، لأنا نقول: أما مجىء غافِرِ عقيب قوله: الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [غافر: ٢] من غير واو مع أنهما من صفات الذات و «غافر» من صفات الأفعال: فإنما كان كذلك لأنها فى معناهما؛ لأن العزيز هو الغالب، والعالم هو المحيط بكل المعلومات، ومن كان غالبا بالقدرة على كل شىء وعالما بحسن العفو ومزيد الإحسان فهو الأحق بالستر، وإسقاط العقوبة وأن لا يستوفى له حقّا من العباد، فلهذا جاءت من غير واو؛ لانتظامها مع ما قبلها فى سلك واحد كما أوضحناه، وأما مجىء قوله: وَقابِلِ التَّوْبِ بالواو مع كونها من صفات الأفعال لأمرين؛ أما أولا فلأن المرجع بالمغفرة إلى السلب؛ لأن معنى «الغافر» هو الذى لا يفعل العقوبة مع الاستحقاق، والمرجع بقبول التوبة إلى الإثبات؛ لأن معناه أنه يقبل العذر والندم، فلما

стр. 237

كانا متناقضين بما ذكرناه، وجب ورود الواو فصلا بينهما كما ذكرناه فى الأول والآخر، وأما ثانيا فلأنهما وإن كانا من صفات الأفعال لكنه جمع بينهما بالواو لسر لطيف، وهى إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين، بين أن تقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن يجعلها إمحاء للذنوب، كأن لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول، ومن وجه آخر، وهو أنهما وإن كانا من صفات الأفعال خلا أن المغفرة مختصة بالعبد، وقبول التوبة مختص بالله تعالى، فلما تغاير أمر هذا الوجه لا جرم وردت الواو منبهة على تغايرهما، وإنما وردا على وزن اسمى الفاعل دون ما بعدهما وما قبلهما من الصفات، ولم يقل: الغفار والتواب، كما ورد فى موضع من التنزيل، دلالة على أن الغرض ههنا إحداث المغفرة والتوبة من جهته تعالى للعبيد لمزيد الرحمة واللطف، بخلاف قولنا: التواب والغفار، فإن الغرض بهما هو الثبوت والاستمرار دون الحدوث، فافترقا، وإنما جاء قوله: شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ من غير واو لكون الأوصاف ملتئمة متناسبة يجمعها كونها من صفات الأفعال، كما جاء قوله: الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر: ٢٤] من غير واو لكونها جميعا من الصفات الفعلية، فنبه بلفظ اسم الفاعل على أنه تعالى فاعل للأمرين جميعا، محدث لهما من جهته، ليكون ذلك لرجاء الرحمة من عنده والأمل للعفو برحمته وكرمه، ثم عقّبه بقوله: شَدِيدِ الْعِقابِ [غافر: ٣] تحذيرا عن مواقعة الخطايا وملابسة المعاصى وزجرا عن الاتّكال على ما سلف من الغفران وقبول التوبة، ثم ختم هذه الصفات بأحسن ختام وأعجب تمام بالوصف «بالطول» رحمة للخلق، وتسلية للعبيد، وعدة لهم بأن منتهى الأمر فى حقهم، الطول عليهم بالكرم، واندراجهم فى غمار الرحمة الواسعة واللطف العظيم، اللهم اجعلنا ممن شملته رحمتك، وأدخلته فى عبادك الصالحين، لا يقال: فعلام يحمل قوله تعالى: شَدِيدِ الْعِقابِ فإن حمل على الصفة فهو نكرة؛ لأن الصفة المشبهة باسم الفاعل لا تتعرف بإضافتها إلى المعرفة، وإن حملتموه على البدلية مما قبله، حصل هناك تنافر فى نظام الآية وسياقها؛ لأن ما قبله صفة وما بعده صفة، فلا يجوز حمله على البدلية لما ذكرناه؛ لأنا نقول حكى عن أبى إسحق الزجاج أنه حمله على البدلية، وما ذاك إلا لأنه اعتاص عليه تنزيله على وجه يتعرف به، فعدل إلى هذه المقالة، وهذا لعمرى أسرع وأخلص لكن غيره أدق وأغوص، والأقرب حمله على الصفة، ليطابق ما قبله وما بعده، فأما تعريفه ففيه تأويلات، التأويل الأول ذكره الزمخشرى فى تفسيره أن

стр. 238

تعريفه إنما هو باللام لكنها اطّرحت لأجل الازدواج، وليطابق قوله تعالى: ذِي الطَّوْلِ فلا جرم قضينا بتعريفه باللام لما ذكرناه ولكنها اطرحت لمراعاة الازدواج، التأويل الثانى أن يقال: إنه فى نية الإضافة، والمعنى فيه أنه يكون تقديره: «ذى العقاب الشديد» ومع هذا يحصل التعريف المعنوى، والازدواج اللفظى، وما ذكره الزمخشرى وإن كان جيدا لكن هذا أدق وأحسن، هذا كله فى عطف المفردات، وهذا كله إنما يتقرر على رأى من يجعلها كلها دالة على الثبوت، فأما على ما تأولناه من أن غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ دالان على الحدوث، فهى كلها أبدال، فلا يكون هناك تنافر بينها؛ لأنها كلها نكرات على هذا التقرير، وأما عطف الجملة على الجملة فهو على وجهين؛ أحدهما أن يكون العطف على جملة لها موضع من الإعراب فتكون المعطوفة كذلك أيضا، وهذا كقولك: مررت برجل خلقه حسن، وخلقه قبيح. فيكون مشتركا بين الجملتين فى القضاء عليهما بالحسن، حملا على الصفة، وثانيهما أن تعطف جملة على جملة لا موضع لها من الإعراب. وهذا كقولك: زيد أخوك، وبشر صاحبك. فالجملة الأولى لا موضع لها من الإعراب، لكونها ابتدائية، وعلى هذا تكون الثانية لا موضع لها من الإعراب أيضا، وهل يكون للواو ههنا فائدة أو لا، فظاهر كلام الشيخ عبد الكريم أنه لا فائدة لها ههنا بحال، فأما الزمخشرى فقد قال إنها تجمع بين مضمونى الجملتين فى الحصول، وهذا هو الأقرب، فإنها كما تجمع بين الرجلين فى المجىء فى نحو قولك: جاء زيد وعمرو، فهكذا تجمع بين الجملتين فى الوجود والحصول، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلننعطف على بيان المقصود، ونعكر عكرة على بيان الأسرار المعنوية المتعلقة بالحروف العاطفة، فمن ذلك قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧] فالواو فى قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ هل تكون للعطف، أو للاستئناف، قد وقع فيها تردد بين العلماء، فمنهم من قال: هى للعطف، ويقف على قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وهو الذى عول عليه الزمخشرى فى تفسيره ومنهم من قال هى للاستئناف ويقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ ومنهم من توقف فى ذلك وجوز الأمرين جميعا، فمن ذهب إلى العطف قال: إن التأويل معلوم لله وللراسخين، ومن قال بالاستئناف قال: إن تأويل

стр. 239

القرآن لا يعلمه إلا الله وحده، فأما من توقف فهو شاك فى الأمرين، فتردد فيهما جميعا، فلا مذهب له فى الحقيقة؛ لأنه غير قاطع بحكم فى الآية، والمختار عندنا فى الآية أن الراسخين مرفوع على الابتداء ويَقُولُونَ [آل عمران: ٧] خبره، وأن الواو عاطفة لجملة على جملة، فيكون التقرير: فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، وأما الراسخون فيقولون: آمنا به كل من عند ربنا، ويدل على ما اخترناه أوجه؛ أما أولا فلأن ظاهر الواو للعطف، فلا يجوز العدول عنه من غير دليل، وإذا وجب العطف فلا يجوز عطف الراسخين على قوله: إِلَّا اللَّهُ لأن الراسخين جملة، واسم الله مفرد، فلا يجوز عطفه عليه، وأما ثانيا فلأن الراسخين لو كان معطوفا على اسم الله، لم يحسن الوقوف على اسم الله دونه، إذ لا يحسن الوقف على المعطوف عليه دون المعطوف، فلما حسن ذلك دل على امتناع عطفه عليه، وأما ثالثا فلأن وضع «أما» للتفصيل بين الأجناس المتعددة، ولم يسبق إلا أحد الجنسين، وهو قوله فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ إلى آخر صفاتهم، فيجب أن يتلوه الجنس الآخر المقابل له، وهم الراسخون فى العلم، فتحصل «أما» الأولى «وأما» الثانية على مقصود التقابل، كما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا [هود: ١٠٦] ثم عقبه بقوله: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا [هود: ١٠٨] فيكون تقدير الآية: فأما الزائغون فيتبعون وأما الراسخون فيقولون: آمنا به، لا يقال: لو كان الراسخون عطفا على قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ لوجب إثبات الفاء فى قوله: يَقُولُونَ كما جاءت فى قوله: فَيَتَّبِعُونَ ليتطابق الكلامان ويتسق نظامهما، لأنا نقول. هذا هو الوجه اللائق، لكنا نقول: إنما ترك المجىء بها لأن الفاء إنما يجب الإتيان بها: إذا كانت (أما) مذكورة فى الكلام لأنها مشعرة بالشرط، فأما إذا كانت محذوفة فلا يلزم الإتيان بالفاء، فلما حذفت فى قوله: وَالرَّاسِخُونَ استغناء عنها بالواو، لا جرم لم يأت بالفاء فى قوله: يَقُولُونَ من أجل ذلك، ومن ذلك قوله تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) [الشعراء: ٧٩- ٨١] فعطف السقى على الإطعام بالواو إرادة للجمع بينهما، وتقديم أحدهما على الآخر جائز، إذ لا ترتيب فيهما، خلا أن مراعاة حسن النظم والمشاكلة أوجب ذلك،

стр. 240

ثم عطف يَشْفِينِ بالفاء؛ لأن الشفاء يتعقب المرض، وتنبيها على عظم المنة بالعافية بعد المرض من غير تراخ، ثم عطف الإحياء بعد الإماتة بثم؛ لأن الإحياء بعد الموت إنما يكون بمهلة وتراخ، ولو عطفت الجمل فى هذه الآية بعضها على بعض بالواو لتم المعنى المقصود، ولكن الذى ورد به التنزيل أدخل فى المعنى وأعجب فى النظم، وأليق ببلاغة القرآن وفصاحته، ومن ذلك قوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) [عبس: ١٧- ٢٢] فانظر إلى نظام هذه الآية، ما أدخله فى الإعجاب، فجاء قوله: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ من غير واو؛ لأنها واردة على جهة التفسير لقوله: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) والخلق هو الإيجاد، خلافا لما يحكى عن المعتزلة من أنه التقدير؛ لأنه لو كان التقدير لكان قوله: فَقَدَّرَهُ (١٩) يكون تكريرا لا حاجة إليه، وهكذا قوله: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان: ٢] يكون مكررا على مقالتهم، وقوله: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) [القمر: ٤٩] فهذه كلها مع غيرها تبطل كون الخلق بمعنى التقدير، وهذا عارض، فعطف قوله: فَقَدَّرَهُ بالفاء تنبيها على أن التقدير مرتب على الخلق، وعلى عدم التراخى بينهما، وعطف السبيل بثم، لما بين الخلق والهداية من التراخى والمهلة الكثيرة، ثم عطف الإماتة بثم، إشارة إلى التراخى بينهما بأزمنة طويلة، ثم عطف الإقبار بالفاء، إذ لا مهلة هناك، ثم عطف الإنشار بثم، لما يكون هناك من التراخى باللّبث فى الأرض أزمنة متطاولة، فأكرم بهذه اللطائف الشريفة، والمعانى الرائقة التى لا تزداد على طول البحث وكثرة التنقير إلا غوصا على الأسرار ودخولا فى التحقيق، ولله سر التنزيل، ما أحواه للغرائب، وأجمعه للأسرار والعجائب. ومن ذلك قوله تعالى فى بديع خلقة الإنسان: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: ١٢- ١٤] فتأمل هذه الآية كيف بدأ بالخلق الأول، وهو خلق آدم من طين، ولما عطف عليه الخلق الثانى الذى هو خلق التناسل، عطفه بثم، لما بينهما من

стр. 241

التراخى، وحيث صار إلى الأطوار التى يتلو بعضها بعضا على جهة المبالغة عطف العلقة على النطفة بثم، لما بينهما من التراخى، ثم عطف المضغة على العلقة بالفاء لما لم يكن هناك تراخ، ثم عطف خلق العظام من عقيب كونه مضغة بالفاء من غير مهلة ولا تلبّث، ثم عطف فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً بالفاء من غير تراخ، ثم تسويته إنسانا بعد خلق العظام بثم، إشارة إلى التراخى، ثم قوله فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) [المؤمنون: ١٩] عطفه بالفاء دلالة على أن كل عاقل خرق قرطاس سمعه نظم هذه الآية وتأليفها فإنه يقضى العجب على الفور من غير تلبّث، وينطق باللفظ الدال على الزيادة فى الحكمة والدخول فى الإتقان، ومن ثم قال «١» غير واحد من البلغاء وأهل الفصاحة عند سماع هذه الآية، تبارك الله أحسن الخالقين. لأجل ما يقع فى النفوس من بديع النظام وحسن التأليف فيها. ويتعلق بما نحن فيه تنبيهات ثلاثة: التنبيه الأول هو أن من حق الجمل إذا ترادفت وتكرر بعضها فى إثر بعض فلابد فيها من ربط الواو لتكون متسقة منتظمة، كما أن الجمل إذا وقعت موقع الصلة، أو الصفة، فلا بد لها من ضمير رابط يعود منها إلى صاحبها، فلهذا تقول: زيد قائم، وعمرو منطلق، فلا تجد بدّا من الواو، وكما لا تجد بدّا من الضمير فى نحو قولك: هذا الذى قام وخرج، من أجل الربط كما ذكرناه، وهذا الصنيع مستمر، اللهم إلا أن تكون الجملتان بينهما امتزاج معنوى، وتكون الثانية موضحة للأولى مبينة لها كأنهما أفرغا فى قالب واحد، فإذا كانت بهذه الصفة فإنها تأتى من غير واو، وهذا كقوله تعالى: الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ١- ٢] فإنه من غير واو لما كان موضحا لقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ ؛ لأن كل ما كان من القرآن فهو لا ريب فيه ولا شك، ثم قال: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] فإنه موضح لقوله: لا رَيْبَ فِيهِ لأن كل ما كان لا يرتاب فى حاله، ولا يقع فيه

стр. 242

تردد، ففيه نهاية الهدى، وغاية الصلاح لأهل التقوى وهكذا قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ [البقرة: ٧] جاء بغير واو لما كان واردا على جهة التأكيد لقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة: ٦] لأن كل من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر فهو فى غاية الجهل والعمى مختوما على قلبه مغشى على بصره وقوله تعالى: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: ١٤] لأن قوله: قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ أى إنا غير تاركى اليهودية فى التكذيب بالرسول ﷺ فيكون قولهم: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) مؤكدا لهذا المعنى بعينه، ومن الواضح قوله تعالى ما هذا بَشَراً [يوسف: ٣١] مع قوله إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) [يوسف: ٣١] لأن الجملة الثانية واردة مورد التأكيد، فإن كونه ملكا ينفى كونه من البشر، ومن هذا قوله تعالى وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً [لقمان: ٧] فجرد التشبيهين عن العاطف؛ لأنه مثّل حاله بعد التلاوة مثل حاله قبلها فقوله كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها مؤكد لما قبله وقوله كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً مؤكد لما قبله أيضا، فلهذا جاءتا من غير عاطف. دقيقة قد يعرض للجملة التى من حقها أن تكون معطوفة على ما قبلها أمر يسوغ ترك الواو مع كونها أجنبية عن الأولى مثاله قوله تعالى إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٤- ١٥] فالجملة الثانية إنما جاءت مجردة عن الواو لما كانت على تقدير سؤال، كأنه قيل: هم أحقاء بالاستهزاء لأجل دخولهم فى العناد وإغرابهم فى التكذيب، فمن يستهزىء بهم، فقيل. الله يستهزىء بهم كما قال بعضهم «١» : زعم العواذل أننى فى غمرة ... صدقوا ولكن «٢» غمرتى لا تنجلى فلما حكى عن العواذل ما زعموه وجرّ ذلك سؤال السامع له عن صدق ما زعموه، أو كذبه، فكأنه قيل له: فما تقول فى ذلك، فقال: أقول: صدقوا، ولكن لا مطمع لهم فى خلاصى مما أنا فيه.

стр. 243

التنبيه الثانى من حق المحدّث عنه فى الجملة الثانية، أن يكون له تعلق بالمحدث عنه فى الجملة الأولى، حتى يكونا كالنظيرين والشريكين، ولا يجوز أن يكون أجنبيا عنه بحيث لا علقة بينهما ولا مشابهة بحال، ولهذا حسن: زيد قائم، وعمرو قاعد، وزيد أخوك، وبشر صاحبك، لما كان عمرو، وبشر، لهما تعلق بزيد ونظيران له، وقبح قولنا: خرجت من دارى، وأحسن ما قيل من الشعر كذا، لما كان الثانى لا تعلق له بالأول، ولا مناسبة بينه، وبينه ولهذا عيب على أبى تمام قوله «١» : لا والذى هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم إذ لا ملابسة بين كرم أبى الحسين وبين مرارة النوى، ولا تعلق لأحدهما بالآخر، وكما وجب أن يكون بين المحدث عنه فى الجملتين هذه الملاءمة والمشابهة، فهكذا أيضا يجب فى الخبر الثانى أن يكون مشابها للخبر الأول أو مناقضا له، ولهذا حسن قولنا: زيد خطيب، وعمرو شاعر، وبكر فقيه، وخالد محدث، وزيد قائم، وعمرو قاعد، وقبح قولنا: زيد طويل القامة، وعمرو شاعر، إذ لا تعلق بين طول القامة، وبين كونه شاعرا، وهكذا زيد كاتب، وعمرو باع داره، لأجل ما بينهما من المنافرة. إشارة إذا أوجبتم ما تقدم من وجوب الملاءمة بين المعطوف والمعطوف عليه فكيف يقال فى قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [البقرة: ١٨٩] وأى ارتباط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها؟ قلنا فيه أجوبة ثلاثة؛ أحدها أنه لما ذكر أنها مواقيت للحج، وكان من عادتهم ذلك كما نقل فى الحديث أن ناسا كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحدهم بيتا ولا خيمة ولا خباء من باب، بل إن كان من أهل المدر نقب نقبا من ظاهر البيت يدخل منه، وإن كان

стр. 244

من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة أو الخباء، فقيل لهم: ليس البر تحرّجكم من دخول البيت، ولكن البر من اتقى محارم الله. وثانيها أن يكون ذلك معطوفا على شىء محذوف، كأنه قيل لهم عند سؤالهم: معلوم أن كل ما يفعله الله تعالى فيه حكمة عظيمة، ومصلحة ظاهرة فى الأهلة وغيرها، فدعوا هذا السؤال، وانظروا فى خصلة تفعلونها أنتم مما ليس، من البر فى ورد، ولا صدر، وهى إتيان البيوت من ظهورها، فليست برّا، ولكن البر هو تقوى الله تعالى والتجنب لمحارمه ومناهيه، وثالثها أن يكون واردا على جهة التمثيل لما هم عليه من تعكيس الأسئلة ولما هم بصدده من التعنت، وأن مثالهم فى سؤالاتهم المتعنتة، كمثل من ترك باب الدار، ودخل من ظهر البيت فقيل لهم: ليس البر ما أنتم عليه، ولكن البر هو التقوى. ومنه قوله ﵇، حين سئل عن التوضؤ بماء البحر، فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . فلما كان للبحر تعلق بحل الميتة كما كان له تعلق بجواز التوضؤ، ذكره على أثره، وأردفه به، وأتى به من غير واو، ليدل بذلك على أنهما جميعا من حكم ماء البحر ومن لوازمه. التنبيه الثالث إذا ورد لفظة «قال» فى التنزيل مجردة عن حرف العطف فهو على تقرير سؤال، وإن جاء متصلا به حرف العطف، فهو يأتى على إثر جملة يكون معطوفا عليها، فمثال وروده معطوفا قوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً [الذاريات: ٢٤- ٢٥] فالقول معطوف على الدخول، وهكذا قوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً [الأنبياء: ٢٦] فإنه يكون عطفا على ما قبله بالواو، ونحو قوله تعالى: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ [الزخرف: ٥٨] إلى غير ذلك، ومثال ما ورد مجرّدا عن العاطف قوله تعالى: فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) [الذاريات: ٢٧] لأنه لما قربه إليهم، كأن قائلا قال: فما قال لهم لما قربه، قال: ألا تأكلون، وهكذا قوله تعالى فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ [الذاريات: ٢٨] كأن قائلا قال: فما قالوا له حين رأوه قد تغير لونه وداخله الخوف، قالوا: لا تخف، وقوله تعالى فى قصة فرعون وردّ موسى عليه يجب تنزيله على ما ذكرناه: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ

стр. 245

مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) [الشعراء: ٢٣- ٣١] إلى قوله إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فإن لفظ القول فيها خارج على تقدير سؤال، ولهذا جاء بغير واو لما ذكرناه. تكميل اعلم أن الجمل بالإضافة إلى كيفية وقوعها على ثلاثة أوجه؛ أولها جملة حالها مع ما قبلها، حال الصفة مع الموصوف، والتأكيد مع المؤكد، فلا يكون فيها عاطف البتة لتنزيلها مع ما قبلها منزلة الشىء الواحد، والشىء لا يجوز عطفه على نفسه، ومن أجل هذا قضوا عند شدة الامتزاج بالبدلية فى قولك: من يضحك يتهلل وجهه فله درهم ولهذا وجب جزم الثانى، وثانيها جملة حالها مع ما قبلها حال الاسم الذى قبله غيره، فى المشاركة، فكما تقول: قام زيد وعمرو، فتقع بينهما المشاركة فى القيام، فكذا تقول: قام زيد وقعد، فتقع بينهما المشاركة فى الإسناد إلى زيد، وما هذا حاله فلا بد فيه من ذكر العاطف حتى تقع المشاركة من أجله، وثالثها جملة حالها مع ما قبلها على الانقطاع من غير مشاركة، وعلى هذا يكون ذكر الجملة السابقة، وترك ذكرها سواء، فتكون بمنزلة الاسم مع اسم آخر لا رابطة بينهما، وهذا كما مثلناه فى قوله تعالى: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٤- ١٥] ويجب مع هذا ترك العاطف لأنه لا حاجة إليه، فهذا تمام ما أردنا ذكره فى هذا البحث، وبالله التوفيق. البحث الثانى فى ذكر ما يتعلق ب [الأحرف الجارة] اعلم أن وضع الحرف مطلقا هو دلالته على معنى فى غيره ولا يستقل بنفسه فى الدلالة، فأما وضع حروف الجر فإنما هو لاتصال معانى الأفعال بالأسماء، ويختلف ذلك الاتصال

стр. 246

باختلاف معانيها، وتحتها أسرار ولطائف، فالباء، للإلصاق، وللوعاء ولبيان الجنس إلى غير ذلك من المعانى، ولنذكر من ذلك ثلاث آيات من أجل التنبيه: الآية الأولى قوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) [سبأ: ٢٤] فانظر إلى براعة هذا المعنى المقصود وجزالة هذا الانتظام بمخالفة موقعى هذين الحرفين، فإنه إنما خولف بينهما فى التلبس بالحق والباطل، والدخول فيهما، وذلك من جهة أن صاحب الحق كأنه لمزيد قوة أمره، وظهور حجته، وفرط استظهاره راكب لجواد يصرفه كيف شاء، ويركضه حيث أراد، فلأجل هذا جعل ما يختص به معدى بحرف «على» الدال على الاستعلاء، بخلاف صاحب الباطل فإنه لفشله، وفرط قلقه، وضعف حاله، كأنه ينغمس فى ظلام، وموضع سافل لا يدرى أين يتوجه ولا كيف يفعل، فلهذا كان الفعل المتعلق بصاحبه معدى بحرف الوعاء، إشارة إلى ما ذكرناه، ويؤيد هذا ما ذكره الله تعالى فى سورة يوسف حيث قال: قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) [يوسف: ٩٥] . الآية الثانية قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة: ٦٠] فهذه أصناف ثمانية، جعل الله الصدقات مصروفة فيهم لكونهم أهلا لها ومستحقين لصرفها، لكن الله تعالى خص المصارف الأربعة الأول باللام، دلالة على الملك والأهلية للاستحقاق، وعدل عن اللام إلى حرف الوعاء فى الأصناف الأربعة الأخر، وما ذاك إلا للإيذان بأن أقدامهم أرسخ فى الاستحقاق للصداقة، وأعظم حاجة فى الافتقار من حيث كانت دالة على الوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشىء فى الوعاء وأن يجعلوا مظنة لها، وذلك لما فى فك الرقاب وفى الغرم من الخلاص عن الرق والدّين اللذين يشتملان على النقص، وشغل القلب، بالعبودية، والغرم، ثم تكرير الحرف فى قوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ قرينة مرجحة له على الرقاب والغارمين، وكان سياق الكلام يقتضى أن يقال: وفى الرقاب والغارمين وسبيل الله وابن السبيل. فلما جىء ب «فى» مرة ثانية وفصل بها سبيل

стр. 247

الله، علم أن السبيل آكد فى الاستحقاق بالصرف فيه من أجل عمومه وشموله لجميع القربات الشرعية والمصالح الدينية. الآية الثالثة قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الإسراء: ٧٠] إنما أعرض عن ذكر حرف الاستعلاء وهو «على» وعدل عنه إلى حرف الوعاء وهو «فى» مع أن الظاهر هو العلو على الأرض والفلك، إعلاما بأن حرف الوعاء أقعد وأمكن ههنا من حرف الاستعلاء؛ لأن «على» تشعر بالاستعلاء لا غير من غير تمكن واستقرار، و «فى» تشعر ههنا بالاستقرار والتمكن، ومن حق ما يكون مستقرا فيه متمكنا أن يكون مستعليا له، فلما كانت تؤذن بالمعنيين جميعا آثرها وعدل إليها وأعرض عن «على» دلالة على المبالغة التى ذكرناها، وإنما ساوى فى ذكر «على» بين قوله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) [الملك: ٢٢] لاستوائهما جميعا فى الدلالة على المبالغة؛ لأن كل من كان منهمكا فى الغى منغمسا فى غمرات الباطل، فهو فى التمثيل بمنزلة من ركب وجهه، وجعله مطية له يمتطيها إلى الوقوف عليه وإحرازه له، ومن كان على الحق فهو فى التمثيل بمنزلة من هو على طريق مستقيمة لا تعوّج به منتصب القامة، لا ينحنى فى صعود ولا هبوط، فلما كان فى كلتا حالتيه لا ينفك عن الركوب والاستعلاء إما لوجهه أو للطريق المستقيمة سوّى بينهما فى حرف الاستعلاء، وهذه لطائف دقيقة وأسرار غامضة يدريها من ضرب فى هذه الصناعة بعرق، وظفر فيها بحظ.

стр. 248

الفصل الرابع فى [التقديم والتأخير] اعلم أن الألفاظ تابعة للمعانى كما سنقرره فى خاتمة هذا الكتاب بمعونة الله تعالى، والمعانى لها فى التقديم أحوال خمسة: الحالة الأولى [تقدم العلة على معلولها] عند القائلين بها ، وهذا كتقدم الكون على الكائنية، والعلم على العالمية، وهكذا سائر العلل والمعلولات عند من أثبتها، وهم أكثر المعتزلة وطوائف من الأشعرية، فأما نحن فلا نراها، بل الكون هو نفس الكائنية، والعلم هو نفس العالمية، من غير أمر وراء ذلك، واستقصاء الرد على من أثبتها قد قررناه فى الكتب الكلامية، وأنهينا فيه القول نهايته، ونحو تقدم الأسباب على مسبباتها، وهذا نحو تقدم السراج على ضوئه، فإن تقدم هذه الموجبات على موجباتها يكون تقدما ذهنيا، لا زمانيا، لأن الموجب لا يتراخى عن موجبه. الحالة الثانية [التقدم بالذات] ، وهذا نحو تقدم الواحد على الاثنين على معنى أن الوحدة لا يمكن تحقق الاثنينية إلا بعد سبقها، وليس من باب العلة والمعلول، فإن الوحدة ليست علة فى الاثنينية بخلاف ما قررناه فى الحالة الأولى. الحالة الثالثة [التقدم بالشرف] ، وهذا نحو تقدم الأنبياء على الأتباع، والعلماء على الجهال، فهذا تقدم معقول يخالف ما تقدم. الحالة الرابعة [التقدم بالمكان] ، وهذا نحو تقدم الإمام على المأموم، ونحو تقدم من يقرب إلى الحائط دون من تأخر عنه، فمن يلى الحائط فإنه يقال: إنه سابق على من تأخر عنه، وهكذا القول فى غيره من الأمكنة. الحالة الخامسة [التقدم بالزمان] ، وهذا نحو تقدم الشيخ على الشاب، والأب على الابن، فإن الوالد

стр. 249

وجد فى زمان لم يوجد فيه الابن، فهذه المعانى كلها عقلية، فما كان منها متقدما على غيره بأحد هذه الاعتبارات كان فى العبارة كذلك إتباعا للمعانى بالألفاظ، ومن التقدم بالزمان قوله تعالى: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ [العنكبوت: ٣٨] وهكذا قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١] فإن الظلمة سابقة على النور؛ لأن الحق أن الظلمة هى عدم النور، وليست أمرا ثبوتيّا، فإذا كان الأمر فيها كما قلناه فلا شك أن عدم الشىء سابق على وجوده، لأن العدم بلا أول والوجود يتلوه، فلهذا كان تقدم الظّلم على الأنوار، من باب تقدم الأزمنة، وهكذا القول فى الظلمة المعنوية؛ لأنها إذا أريد بها الجهل والكفر فإنها تكون سابقة على النور المعنوىّ، وهو العلم، والإسلام، ويؤيد ما قلناه قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ [النحل: ٧٨] فانتفاء العلم ظلمة معنوية مجازية، فهى متقدمة بالزمان على نور الإدراكات الخمسة كلها، وقوله تعالى: فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر: ٦] يريد ظلمة البطن والرحم والمشيمة. ومن التقدم بالذات قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [النساء: ٣] وقوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ [المجادلة: ٧] وهكذا القول فى مراتب الأعداد كلها، فإن كل واحدة منها سابقة على ما بعدها من المراتب سبقا ذاتيا، ومن التقدم بالسببية قوله تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر: ٢٤] ؛ لأن العزيز هو الغالب، ولأنه تعالى لما عز فى ذاته بالغلبة حكم على كل شىء، فلم يخرج عن حكمة ملكه خارج، ونحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢] فالتوبة هى سبب التطهير من دنس الآثام كلها. وقوله تعالى وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الجاثية: ٧] فالإفك يكون سببا للإثم، فلهذا قدم عليه، فأما قوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج: ٢٧] فتقديم رِجالًا فيه وجهان؛ أحدهما أن يكون تقدما بالرتبة، فإن الغالب أن الرجالة إنما يأتون من الأمكنة القريبة، والركبان يأتون من الأمكنة البعيدة، فلهذا قدم الرجالة، وثانيهما أن يكون تقديم الرجالة لأجل الفضل، فإن من حج راجلا أفضل ممن حج راكبا، فلهذا قال ابن عباس رضى الله عنهما: وددت لو حججت راجلا، فإن الله قدم الرجالة على الركبان فى القرآن. فدل ذلك على أنه فهم من التقديم فى الآية الفضل، فالمعنيان محتملان فى الآية كما

стр. 250

ترى، ومن التقديم فى الرتبة قوله تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم: ١١] فإن الهماز هو المغتاب، وهو لا يفتقر إلى مشى، بخلاف النميمة فإنها تفتقر إلى نقل الحديث من شخص إلى شخص، وما كان مجردا فهو سابق فى الرتبة على ما كان له تعلقات بغيره، وقوله تعالى مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ [القلم: ١٢] إنما قدم على قوله: مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [القلم: ١٢] لما كان المنع مقصورا على نفسه والعدوان له تعلق بغيره، وهكذا قوله عُتُلٍ فإنه الفظّ الغليظ، والزنيم له تعلق بالغير من جهة أنه الدعى وهو المنسوب إلى غير أبيه فله تعلق بالغير. ومن التقدم فى الشرف قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ [المائدة: ٦] وقوله: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة: ٦] فإن الوجه أشرف من اليد، والرأس أفضل من الرجل، ومنه قوله النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النساء: ٦٩] فإن النبى أشرف من الصديق وقوله: وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩] فإن الشهداء أعلى درجة من غيرهم من أهل الصلاح، ومن هذا قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ [الملك: ٢٣] وقوله إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ [الإسراء: ٣٦] وقوله: سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١] وقوله تعالى: فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ [الأحقاف: ٢٦] فأما تقديم الإنس على الجن فهو الأكثر الوارد فى القرآن من أجل شرفهم على الجن كقوله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ [الرحمن: ٧٤] وقوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ [الرحمن: ٣٩] وقوله تعالى: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الجن: ٥] وغير ذلك، فأما قوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الرحمن: ٣٣] فإنما ورد مقدّما ههنا على الإنس، من أجل اشتمالهم على الملائكة كما قال وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصافات: ١٥٨] حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وكما قال الأرحبى «١» : وسخّر من جنّ الملائك سبعة ... قياما لديه يعملون بلا أجر فحيث كان متناولا للملائكة قدموا لفضلهم، وحيث كان الخطاب مقصورا على الثقلين قدم الإنس لفضلهم، والأجود أن يقال: إنما قدم الجن ههنا لما كان المقام مقام خطاب بامتثال الأوامر فى العبادة فى قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] فقدمهم لما كانت المخالفة منهم فى ترك العبادة أكثر من
следующие страницы →