Полный текст (682 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
باختلاف معانيها، وتحتها أسرار ولطائف، فالباء، للإلصاق، وللوعاء ولبيان الجنس إلى غير ذلك من المعانى، ولنذكر من ذلك ثلاث آيات من أجل التنبيه:
الآية الأولى
قوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤)
[سبأ: ٢٤] فانظر إلى براعة هذا المعنى المقصود وجزالة هذا الانتظام بمخالفة موقعى هذين الحرفين، فإنه إنما خولف بينهما فى التلبس بالحق والباطل، والدخول فيهما، وذلك من جهة أن صاحب الحق كأنه لمزيد قوة أمره، وظهور حجته، وفرط استظهاره راكب لجواد يصرفه كيف شاء، ويركضه حيث أراد، فلأجل هذا جعل ما يختص به معدى بحرف «على» الدال على الاستعلاء، بخلاف صاحب الباطل فإنه لفشله، وفرط قلقه، وضعف حاله، كأنه ينغمس فى ظلام، وموضع سافل لا يدرى أين يتوجه ولا كيف يفعل، فلهذا كان الفعل المتعلق بصاحبه معدى بحرف الوعاء، إشارة إلى ما ذكرناه، ويؤيد هذا ما ذكره الله تعالى فى سورة يوسف حيث قال: قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)
[يوسف: ٩٥] .
الآية الثانية
قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ
[التوبة: ٦٠] فهذه أصناف ثمانية، جعل الله الصدقات مصروفة فيهم لكونهم أهلا لها ومستحقين لصرفها، لكن الله تعالى خص المصارف الأربعة الأول باللام، دلالة على الملك والأهلية للاستحقاق، وعدل عن اللام إلى حرف الوعاء فى الأصناف الأربعة الأخر، وما ذاك إلا للإيذان بأن أقدامهم أرسخ فى الاستحقاق للصداقة، وأعظم حاجة فى الافتقار من حيث كانت دالة على الوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشىء فى الوعاء وأن يجعلوا مظنة لها، وذلك لما فى فك الرقاب وفى الغرم من الخلاص عن الرق والدّين اللذين يشتملان على النقص، وشغل القلب، بالعبودية، والغرم، ثم تكرير الحرف فى قوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ
قرينة مرجحة له على الرقاب والغارمين، وكان سياق الكلام يقتضى أن يقال: وفى الرقاب والغارمين وسبيل الله وابن السبيل. فلما جىء ب «فى» مرة ثانية وفصل بها سبيل
стр. 247
الله، علم أن السبيل آكد فى الاستحقاق بالصرف فيه من أجل عمومه وشموله لجميع القربات الشرعية والمصالح الدينية.
الآية الثالثة
قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
[الإسراء: ٧٠] إنما أعرض عن ذكر حرف الاستعلاء وهو «على» وعدل عنه إلى حرف الوعاء وهو «فى» مع أن الظاهر هو العلو على الأرض والفلك، إعلاما بأن حرف الوعاء أقعد وأمكن ههنا من حرف الاستعلاء؛ لأن «على» تشعر بالاستعلاء لا غير من غير تمكن واستقرار، و «فى» تشعر ههنا بالاستقرار والتمكن، ومن حق ما يكون مستقرا فيه متمكنا أن يكون مستعليا له، فلما كانت تؤذن بالمعنيين جميعا آثرها وعدل إليها وأعرض عن «على» دلالة على المبالغة التى ذكرناها، وإنما ساوى فى ذكر «على» بين قوله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)
[الملك: ٢٢] لاستوائهما جميعا فى الدلالة على المبالغة؛ لأن كل من كان منهمكا فى الغى منغمسا فى غمرات الباطل، فهو فى التمثيل بمنزلة من ركب وجهه، وجعله مطية له يمتطيها إلى الوقوف عليه وإحرازه له، ومن كان على الحق فهو فى التمثيل بمنزلة من هو على طريق مستقيمة لا تعوّج به منتصب القامة، لا ينحنى فى صعود ولا هبوط، فلما كان فى كلتا حالتيه لا ينفك عن الركوب والاستعلاء إما لوجهه أو للطريق المستقيمة سوّى بينهما فى حرف الاستعلاء، وهذه لطائف دقيقة وأسرار غامضة يدريها من ضرب فى هذه الصناعة بعرق، وظفر فيها بحظ.
стр. 248
الفصل الرابع فى [التقديم والتأخير]
اعلم أن الألفاظ تابعة للمعانى كما سنقرره فى خاتمة هذا الكتاب بمعونة الله تعالى، والمعانى لها فى التقديم أحوال خمسة:
الحالة الأولى [تقدم العلة على معلولها] عند القائلين بها
، وهذا كتقدم الكون على الكائنية، والعلم على العالمية، وهكذا سائر العلل والمعلولات عند من أثبتها، وهم أكثر المعتزلة وطوائف من الأشعرية، فأما نحن فلا نراها، بل الكون هو نفس الكائنية، والعلم هو نفس العالمية، من غير أمر وراء ذلك، واستقصاء الرد على من أثبتها قد قررناه فى الكتب الكلامية، وأنهينا فيه القول نهايته، ونحو تقدم الأسباب على مسبباتها، وهذا نحو تقدم السراج على ضوئه، فإن تقدم هذه الموجبات على موجباتها يكون تقدما ذهنيا، لا زمانيا، لأن الموجب لا يتراخى عن موجبه.
الحالة الثانية [التقدم بالذات] ،
وهذا نحو تقدم الواحد على الاثنين على معنى أن الوحدة لا يمكن تحقق الاثنينية إلا بعد سبقها، وليس من باب العلة والمعلول، فإن الوحدة ليست علة فى الاثنينية بخلاف ما قررناه فى الحالة الأولى.
الحالة الثالثة [التقدم بالشرف] ،
وهذا نحو تقدم الأنبياء على الأتباع، والعلماء على الجهال، فهذا تقدم معقول يخالف ما تقدم.
الحالة الرابعة [التقدم بالمكان]
، وهذا نحو تقدم الإمام على المأموم، ونحو تقدم من يقرب إلى الحائط دون من تأخر عنه، فمن يلى الحائط فإنه يقال: إنه سابق على من تأخر عنه، وهكذا القول فى غيره من الأمكنة.
الحالة الخامسة [التقدم بالزمان]
، وهذا نحو تقدم الشيخ على الشاب، والأب على الابن، فإن الوالد
стр. 249
وجد فى زمان لم يوجد فيه الابن، فهذه المعانى كلها عقلية، فما كان منها متقدما على غيره بأحد هذه الاعتبارات كان فى العبارة كذلك إتباعا للمعانى بالألفاظ، ومن التقدم بالزمان قوله تعالى: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ
[العنكبوت: ٣٨] وهكذا قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[الأنعام: ١] فإن الظلمة سابقة على النور؛ لأن الحق أن الظلمة هى عدم النور، وليست أمرا ثبوتيّا، فإذا كان الأمر فيها كما قلناه فلا شك أن عدم الشىء سابق على وجوده، لأن العدم بلا أول والوجود يتلوه، فلهذا كان تقدم الظّلم على الأنوار، من باب تقدم الأزمنة، وهكذا القول فى الظلمة المعنوية؛ لأنها إذا أريد بها الجهل والكفر فإنها تكون سابقة على النور المعنوىّ، وهو العلم، والإسلام، ويؤيد ما قلناه قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
[النحل: ٧٨] فانتفاء العلم ظلمة معنوية مجازية، فهى متقدمة بالزمان على نور الإدراكات الخمسة كلها، وقوله تعالى: فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
[الزمر: ٦] يريد ظلمة البطن والرحم والمشيمة.
ومن التقدم بالذات قوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
[النساء: ٣] وقوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ
[المجادلة: ٧] وهكذا القول فى مراتب الأعداد كلها، فإن كل واحدة منها سابقة على ما بعدها من المراتب سبقا ذاتيا، ومن التقدم بالسببية قوله تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[الحشر: ٢٤] ؛ لأن العزيز هو الغالب، ولأنه تعالى لما عز فى ذاته بالغلبة حكم على كل شىء، فلم يخرج عن حكمة ملكه خارج، ونحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
[البقرة: ٢٢٢] فالتوبة هى سبب التطهير من دنس الآثام كلها. وقوله تعالى وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
[الجاثية: ٧] فالإفك يكون سببا للإثم، فلهذا قدم عليه، فأما قوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
[الحج: ٢٧] فتقديم رِجالًا
فيه وجهان؛ أحدهما أن يكون تقدما بالرتبة، فإن الغالب أن الرجالة إنما يأتون من الأمكنة القريبة، والركبان يأتون من الأمكنة البعيدة، فلهذا قدم الرجالة، وثانيهما أن يكون تقديم الرجالة لأجل الفضل، فإن من حج راجلا أفضل ممن حج راكبا، فلهذا قال ابن عباس رضى الله عنهما: وددت لو حججت راجلا، فإن الله قدم الرجالة على الركبان فى القرآن. فدل ذلك على أنه فهم من التقديم فى الآية الفضل، فالمعنيان محتملان فى الآية كما
стр. 250
ترى، ومن التقديم فى الرتبة قوله تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ
[القلم: ١١] فإن الهماز هو المغتاب، وهو لا يفتقر إلى مشى، بخلاف النميمة فإنها تفتقر إلى نقل الحديث من شخص إلى شخص، وما كان مجردا فهو سابق فى الرتبة على ما كان له تعلقات بغيره، وقوله تعالى مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ
[القلم: ١٢] إنما قدم على قوله: مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
[القلم: ١٢] لما كان المنع مقصورا على نفسه والعدوان له تعلق بغيره، وهكذا قوله عُتُلٍ
فإنه الفظّ الغليظ، والزنيم له تعلق بالغير من جهة أنه الدعى وهو المنسوب إلى غير أبيه فله تعلق بالغير.
ومن التقدم فى الشرف قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
[المائدة: ٦] وقوله: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
[المائدة: ٦] فإن الوجه أشرف من اليد، والرأس أفضل من الرجل، ومنه قوله النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
[النساء: ٦٩] فإن النبى أشرف من الصديق وقوله: وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ
[النساء: ٦٩] فإن الشهداء أعلى درجة من غيرهم من أهل الصلاح، ومن هذا قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
[الملك: ٢٣] وقوله إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ
[الإسراء: ٣٦] وقوله: سَمِيعٌ بَصِيرٌ
[المجادلة: ١] وقوله تعالى: فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ
[الأحقاف: ٢٦] فأما تقديم الإنس على الجن فهو الأكثر الوارد فى القرآن من أجل شرفهم على الجن كقوله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ
[الرحمن: ٧٤] وقوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ
[الرحمن: ٣٩] وقوله تعالى: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً
[الجن: ٥] وغير ذلك، فأما قوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[الرحمن: ٣٣] فإنما ورد مقدّما ههنا على الإنس، من أجل اشتمالهم على الملائكة كما قال وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً
[الصافات: ١٥٨] حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وكما قال الأرحبى «١» :
وسخّر من جنّ الملائك سبعة ... قياما لديه يعملون بلا أجر
فحيث كان متناولا للملائكة قدموا لفضلهم، وحيث كان الخطاب مقصورا على الثقلين قدم الإنس لفضلهم، والأجود أن يقال: إنما قدم الجن ههنا لما كان المقام مقام خطاب بامتثال الأوامر فى العبادة فى قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[الذاريات: ٥٦] فقدمهم لما كانت المخالفة منهم فى ترك العبادة أكثر من
стр. 251
الإنس وقوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[الرحمن: ٣٣] إنما قدمهم لما كان المقام مقام تسلط واجتراء والجن، بذلك أحق فلهذا قدمهم، فأما قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
[آل عمران: ١٤] فلأن الله تعالى لما صدّر الآية بذكر الحب، وكان المحبوب، مختلف المراتب متفاوت الدرج، اقتضت الحكمة الإلهية تقديم الأهم فالأهم من المحبوبات، فقدم النساء على البنين لما يظهر فيهن من قوة الشهوة ونزوع الطبع وإيثارهن على كل محبوب وقدم البنين على الأموال لتمكنهم فى النفوس واختلاط محبتهم بالأفئدة، وهكذا القول فى سائر المحبوبات، فالنساء أقعد فى البيوت، والبنون أقعد فى المحبة من الأموال، والذهب أكثر تمكنا من الفضة، والخيل أدخل فى المحبة من الأنعام، والمواشى أدخل من الحرث، فأما قوله تعالى: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[التغابن: ١٥] فإنما قدم الأموال ههنا لأنه فى معرض ذكر الافتتان، ولا شك أن الافتتان بالمال أدخل من الافتتان بالأولاد، لما فيه من تعجيل اللذة والوصول إلى كل مسرة والتمكن من البسطة والقوة، بخلاف آية القناطير، فإنه إنما قدم البنين فيها لما ذكرها فى معرض الشهوة وتمكين المحبة، ومما ينتظم فى سلك هذا العقد النفيس قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
[الحج: ٢٦] فإنما قدم الطائفين لأن سياق الآية فى عظم العناية بالبيت والطائفون أقرب ما يكونون إليه، فلهذا قدمهم، ثم ثنى بالقائمين لأنه يلى الطواف فى الرتبة لأن القيام يشملهما جميعا، وإنما جمعا لأن الجمع أدل على العموم من المفرد، وإنما جمعا جمع السلامة لأن فى لفظ اسم الفاعل إشعارا بالتجدد والحدوث، كالفعل، فالطائفون والقائمون فى معنى يطوفون ويقومون، وإنما عدل إلى لفظ اسم الفاعل تجريدا له عن تعلق الأزمنة التى يدل عليها الفعل، وكان اسم الفاعل أحق لما فيه من الإشعار بالحدوث والتجدد، وتجرده عن الدلالة على الأزمنة، ثم ثلث بالركع السجود، وإنما جمعه جمع التكسير وعدل عن مشاكلته لما قبله من جمع السلامة، لما ذكرناه من أن جمع السلامة فى الطائفين والقائمين، فيه تنبيه على تجدد الطواف المختص بالبيت، والقيام، لأنه نوع منه، بخلاف الركوع والسجود، فإنهما لا يختصان بالبيت، بل كما يكونان فيه يكونان بغيره، ثم وصف الركع بالسجود، ولم يعطفه بالواو كما فعل بالقائمين. لأن الركع هم السجود، والشىء لا يعطف على نفسه، كما لا تقول: جاءنى زيد والكريم، على أن
стр. 252
يكون الكريم هو زيد، ولأن السجود قد يكون عبارة عن المصدر، فلو عطفه لأوهم كونه مصدرا والمراد الجمع، لا يقال: فهلّا قال: السّجّد، ليطابق قوله: الركع، كما جاء فى آية أخرى: تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً
[الفتح: ٢٩] أو قال: الركوع ليطابق السجود، فما الوجه فى المخالفة بينهما، لأنا نقول: السجود يطلق على وضع الجبهة على الأرض، وعلى الخشوع، ولو قال: السجد، لم يتناول إلا المعنى الظاهر من غير إفادة الخشوع، ويصدق ذلك قوله تعالى: تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً
[الفتح: ٢٩] لما كان من رؤية العين، ورؤية العين لا تتعلق إلا بالظاهر، فقصد بذلك الإشارة إلى السجود المعنوى فالصورى، بخلاف الركوع، فإنه ظاهر فى أعمال الجوارح الظاهرة التى لا يشترط فيها البيت كما فى الطواف والقيام المتقدمين، دون أعمال القلب، فلأجل هذا جعل السجود وصفا للركّع، وإنما أراد الخشوع الذى هو روح الصلاة وكمالها، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر ما يجب تقديمه، ولو أخر لفسد المعنى، وتغير، ثم نذكر ما يجوز تقديمه، ولو أخر لم تفسد المعنى فهذان تقريران:
التقرير الأول ما يجب تقديمه ولو تأخر لفسد معناه
، ونذكر من ذلك صورا خمسا.
الصورة الأولى [تقديم المفعول على فعله]
كقولك: زيدا ضربت، فى ضربت زيدا، فإن فى قولك: زيدا ضربت تخصيصا له بالضرب دون غيره، بخلاف قولك: ضربت زيدا، وبيانه هو أنك إذا قدمت الفعل فإنك تكون بالخيار فى إيقاعه على أى مفعول أردت بأن تقول ضربت زيدا أو عمرا أو بكرا أو خالدا، وإذا أخرت الفعل وقدمت مفعوله فإنه يلزم الاختصاص للمفعول على أنك لم تضرب أحدا سواه، فأما قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[الفاتحة: ٥] فهل يكون تقديم المفعول به من أجل الاختصاص، أو من أجل المشاكلة لرءوس الآى، فيه مذهبان:
المذهب الأول أن تقديم المفعول إنما كان من أجل الاختصاص، وهذا هو الذى أشار إليه الزمخشرى فى تفسيره، وهو رأى الأكثر من علماء البيان، وذلك لأن المفعول إذا تقدم لزم الاختصاص كما قلناه فى قولنا: زيدا ضربت، ولأجل ذلك تكون العبادة مختصة بالله تعالى لأجل التقدم، وعلى هذا ورد قوله تعالى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
стр. 253
[الزمر: ٦٦] ولم يقل: بل اعبد الله، لأجل الاختصاص، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[الفاتحة: ٥] فتقدمه من أجل الاختصاص، وهذا فيه نظر لقوله تعالى لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
[قريش: ٣] وقوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
[النساء: ٣٦] وقوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ
[الحجر: ٩٩] وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
[الحج: ٧٧] ولو كان التقديم من أجل الاختصاص لوجب تقديمه فى هذه الآيات كلها، فلما ورد مؤخرا عن الفعل والمعنى واحد بطل ما قاله.
المذهب الثانى أنه إنما قدّم من أجل المشاكلة لرءوس الآى، ومراعاة حسن الانتظام، واتفاق أعجاز الكلم السجعية؛ لأن قبله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[الفاتحة: ٤] فلو قال: نعبدك، ونستعينك، لذهبت تلك الطلاوة، ولزالت تلك العذوبة، وهذا شىء يحكى عن بعض علماء البيان واختاره ابن الأثير، والمختار عندنا أنه لا منافاة بين الأمرين فيجوز أن يكون التقديم من أجل الاختصاص، والتشاكل، فيكون فى التقديم مراعاة لجانب اللفظ والمعنى جميعا، فالاختصاص أمر معنوى، والتشاكل أمر لفظى. وعلى هذا ورد قوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
[طه: ٦٧] وقوله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)
[الحاقة: ٣٠- ٣١] ومنه قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠)
[الضحى: ٩- ١٠] وقوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ
[يس: ٣٩] ولم يقل وقدّرنا القمر، ليطابق ما تقدم من الجمل الابتدائية فى قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ
[يس: ٣٧] وقوله وَالشَّمْسُ تَجْرِي
[يس: ٣٨] فبالتقديم تحصل ملاحظة الأمرين جميعا.
الصورة الثانية [تقديم خبر المبتدأ عليه]
فى نحو قولك: قائم زيد، فى: زيد قائم، فإنك إذا أخرت الخبر فليس فيه إلا الإخبار بأن زيدا قائم لا غير من غير تعرض لمعنى من المعانى البليغة، بخلاف ما إذا قدمته وقلت: قائم زيد، فإنك تفيد بتقديمه أنه مختص بهذه الصفة من بين سائر صفاته من الأكل، والضحك وغيرها، أو تفيد تخصيصه بالقيام دون غيره من سائر أمثاله، وتفيد وجها آخر وهو أنه يكون كلاما مع من يعرف زيدا وينكر قيامه فتقول: قائم زيد، ردا لإنكار من ينكره، ومن هذا قوله تعالى: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ
[الحشر: ٢] فإنما قدم قوله: مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ
وهو خبر المبتدأ فى أحد وجهيه، ليدل بذلك على فرط اعتقادهم لحصانتها ومبالغة فى شدة وثوقهم بمنعها إياهم،
стр. 254
وأنهم لا يبالون معها بأحد، ولا ينال فيهم نيل، وفى تقرير ضمير (هم) اسما، وإسناد المنع والحصون إليهم، دلالة بالغة على تقريرهم فى أنفسهم أنهم فى عزة ومنعة، لا ترمى حوزتهم، ولا يغزون فى عقر دارهم، ولو أخر الخبر لم يعط شيئا من هذه الفوائد، ومن هذا قوله تعالى فى قصة إبراهيم أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ
[مريم: ٤٦] فإنما قدم خبر المبتدأ ولم يقل: أنت راغب، ليدل بذلك على إفراط تعجبه فى الميل عنها، ومبالغة فى الاهتمام بأمرها، وواضعا فى نفسه أن مثل آلهته لا تنبغى الرغبة عنها ولا يصح الإعراض عن عبادتها، ومن رائق ذلك وبديعه قوله تعالى: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[الأنبياء: ٩٧] فإنما قدمه ولم يقل: أبصار الذين كفروا شاخصة، لأمرين: أما أولا فلأنه إنما قدم الضمير فى قوله ليدل به على أنهم مختصون بالشخوص دون غيرهم من سائر أهل المحشر، وأما ثانيا فلأنه إذا قدم الخبر أفاد أن الأبصار مختصة بالشخوص من بين سائر صفاتها من كونها حائرة أو مطموسة أو مزورّة إلى غير ذلك من صفات العذاب، ولو قال: واقترب الوعد الحق فشخصت أبصارهم، لم يعط من هذه الأسرار معنى واحدا، ومن دقيق التقديم وغريبه قوله ﷺ وقد سئل عن التوضؤ بماء البحر فقال مجيبا للسائل: (هو الطهور ماؤه والحل ميتته) وإنما قدم الخبر على المبتدأ فى الأمرين جميعا لغرضين؛ أما أولا فلأن يدفع بذلك إنكار من ينكر الحكمين جميعا؛ جواز التوضؤ وحل ميتته، لأنه ربما يسنح فى النفوس من أجل كونه زعاقا مختصا بالملوحة البالغة فلا يجوز التوضؤ به، وإن كان ميتا فلا يحل أكله لعدم الذكاة فيه، فقدم الخبر من أجل دفع ذلك وإزالته، وأما ثانيا فلأجل التنبيه على الاختصاص بكونه أخص الأمواه بجواز التوضؤ به لصفائه ورقته، وأن ميتته حلال لا يشوبها فى طيب المكسب، وحل التناول شائب، ولو قال فى الجواب: هو الذى ماؤه طاهر، وميتته حلال، نزل عن تلك الرتبة وفاتت عنه المزية.
الصورة الثالثة فى [تقديم الظرف وتأخيره]
اعلم أن الظرف لا يخلو حاله إما أن يكون واردا فى الإثبات، أو يكون واردا فى النفى، فإذا ورد فى الإثبات فتقديمه على عامله إنما يكون لغرض لا يحصل مع تأخيره فلا جرم التزم تقديمه؛ لأن فى تأخيره إبطالا لذلك الغرض، ثم هو على وجهين؛ أحدهما أن يكون
стр. 255
واردا دلالة على الاختصاص، وهذا كقوله تعالى: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٦٣)
[الشورى: ٥٣] لأن المعنى أن الله تعالى مختص بصيرورة الأمور إليه دون غيره، ونحو قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ
[الغاشية: ٢٥- ٢٦] وقوله تعالى: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ١
[التغابن: ١] فهذه الظروف لا وجه لتقديمها على عاملها إلا ما ذكرناه من الاختصاص، وثانيهما أن يكون تقديمه من أجل مراعاة المشاكلة لرءوس الآى فى التسجيع، وهذا كقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣)
[القيامة: ٢٢- ٢٣] ليطابق قوله: باسِرَةٌ (٢٤)
[القيامة: ٢٤] فاقِرَةٌ (٢٥)
[القيامة:
٢٥] ونحو قوله وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠)
[القيامة: ٢٩- ٣٠] وقوله تعالى: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)
[القيامة: ١٢] ليطابق قوله: بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)
[القيامة: ١٣] ومثل قوله تعالى: وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)
[مريم: ٤٠] ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)
[هود: ٨٨] فهذا وأمثاله إنما قدم ليس من جهة الاختصاص، وإنما كان من أجل ما ذكرناه من المطابقة اللفظية فى تناسب الآى وتشاكلها، وقد يظن الظان أن تقديم الظرف إنما يكون مقصورا على الاختصاص، وليس الأمر كما ظنه كما حققناه، بل كما يحتمل المشاكلة كما أشرنا إليه فهو يحتمل الاختصاص، فهما محتملان كما ترى، والتحكم بأحدهما لا وجه له، وأما إذا كان واردا فى النفى فقد يرد مقدما، وقد يرد مؤخرا، فإذا ورد مؤخرا أفاد النفى مطلقا من غير تفصيل، وهذا كقوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ
[البقرة: ٢] فإنه قصد أنه لا يلصق به الريب ولا يخالطه، لأن النفى التصق بالريب نفسه، فلا جرم كان منتفيا من أصله، بخلاف ما لو قدم الظرف فإنه يفيد أنه مخالف لغيره من الكتب فإنه ليس فيه ريب، بل فى غيره كما لو قلت: لا عيب فى هذا السيف، فإنه نفى العيب عنه على جهة الإطلاق، بخلاف ما لو قلت: هذا السيف لا فيه عيب، ولهذا أخره ههنا وقدمه فى قوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧)
[الصافات: ٤٧] لأن القصد ههنا تفضيلها على غيرها من خمور الدنيا والمعنى أنه ليس فيها ما فى غيرها من الغول، وهو الخمار الذى يصدع الرءوس، أو يريد أنها لا تغتالهم بإذهاب عقولهم كما فى خمور الدنيا وَلا يُنْزِفُونَ (١٩)
[الواقعة: ١٩] أى لا يسكرون، من الإنزاف وهو السكر.
الصورة الرابعة [الحال]
فإنك إذا قدمته فقلت: جاء ضاحكا زيد، فإنه يفيد أنه جاء على هذه الصفة
стр. 256
مختصا بها من غيرها من سائر صفاته، بخلاف ما لو قلت: جاء زيد راكبا، فإنه كما يجوز أن يجىء على هذه الصفة فإنه يجوز مجيئه على غيرها من الصفات فافترقا.
الصورة الخامسة [الاستثناء]
فى نحو قولك: ما ضربت إلا زيدا أحدا، فإنك إذا قدمته فإنه يفيد الحصر، وأنه لا مضروب لك سواه، وهكذا لو قلت: ما ضربت أحدا إلا زيدا؛ فالصورتان دالتان على الحصر لما كان الاستثناء متصلا بالمفعول، بخلاف قولك: ضربت زيدا، فإنه غير مفيد للحصر، فكما يجوز أن تضربه يجوز أن تكون ضاربا لغيره وهكذا القول فى غيره من المسائل فإنها تختلف حالها باختلاف التقديم والتأخير.
التقرير الثانى فى بيان ما يجوز تقديمه ولو أخر لم يفسد معناه
اعلم أن الشيئين إذا كان كل واحد منهما مختصّا بصفة تقتضى تقديمه على الآخر فأنت بالخيار فى تقديم أيهما شئت، وهذا كقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
[فاطر: ٣٢] فإنما قدم الظالم لنفسه لأجل الإيذان بكثرتهم وأن معظم الخلق على ظلم نفسه، ثم ثنى بعدهم بالمقتصدين لأنهم قليل بالإضافة إلى الظالمين، ثم ثلث بالسابقين وهم أقل من المقتصدين، فلا جرم قدم الأكثر، ثم بعده الأوسط، ثم ذكر الأقل آخرا لما أشرنا إليه، ولو عكست هذه القضية فقدم السابق لشرفه على الكل، ثم ثنى بالمقتصد لأنه أشرف ممن ظلم نفسه لم يكن فيه إخلال بالمعنى، فلا جرم روعى فى ذلك تقديم الأفضل فالأفضل، ومما ينسحب ذيله على ما قررناه من الضابط قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩)
[الفرقان: ٤٩] فقدم حياة الأرض لأنها سبب فى حياة الخلق، فلأجل هذا قدمت لاختصاصها بهذه الفضيلة، ثم قدم حياة الأنعام على حياة الناس، لما فيها من المعاش للخلق والقوام لأحوالهم، فراعى فى التقديم ما ذكرناه، ولو قدم سقى الخلق على سقى الأنعام لاختصاصهم بالشرب، وقدم سقى الأنعام على الأرض لكان له وجه؛ لأن الحيوان أشرف من غيره، فكل واحد منهما مختص بفضيلة يجوز تقديمه لأجلها، فلأجل هذا ساغ فيه الأمران كما ترى، ومما نورده من ذلك
стр. 257
قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ
[النور: ٤٥] وإنما قدم الماشى على بطنه؛ لأنه لما صدر الآية بالإخبار على جهة التمدح بأنه خالق لكل دابة من المآء، فقدم فى الذكر من يمشى على بطنه؛ لأنه أدل على باهر القدرة وعجيب الصنعة من غيره، وثنى بمن يمشى منهم على رجلين؛ لأنه أدخل فى الاقتدار ممن يمشى على أربع، لأجل كثرة آلات المشى، فيكون التقديم على هذا من باب تقديم الأعجب فى القدرة فالأعجب، ولو عكس الأمر فى هذا فقدم الماشى على الأربع ثم ثنى بالماشى على رجلين؛ ثم ختمه بالماشى على بطنه لكان له وجه فى الحسن، وعلى هذا يكون تقديمه من باب الأفضل فالأفضل، لا يقال فأراه لم يقتصر على قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ
[النور: ٤٥] فيكون فيه وفاء بذكر الصنفين ويكون ما عداهما مندرجا تحتهما فيدخل تحت الأول من لا رجل له من حيوان البر والبحر، ويدخل تحت الثانى من يمشى على أكثر من رجلين؛ ولا حاجة إلى ذكر من يمشى على أربع لاندراجه تحت ما قبله، أو كان قد ذكر الأربع بذكر ما فوقها، فلم خص هذه الأنواع الثلاثة، لأنا نقول: إنما ذكر من يمشى على بطنه ولا بد من ذكره لما فيه من باهر القدرة، ولأنه غير مندرج تحت غيره، وخص من يمشى على رجلين؛ لأن من جملتهم بنى آدم، فخصهم بالذكر لما لهم من مزيد الشرف على سائر الحيوانات، ثم نبه بمن يمشى على أربع على سائر الحيوانات كلها، ولم يذكر ما زاد على ذلك؛ إما لأنه قليل بالإضافة إلى ذوات الأربع، وإما لأنه يدخل بطريق الأولى لأنه إذا جاز أن يمشى على أربع فمشيه على أكثر منها أدخل فى القدرة والجواز.
ومن ذلك قوله تعالى: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
[يونس: ٦١] وقال فى آية أخرى: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
[سبأ: ٣] والتفرقة بينهما هو أنه أراد فى الثانية ذكر إحاطة علمه وشموله لكل المعلومات الجزئية والكلية، فلا جرم صدر بالسموات قبل الأرض لاشتمالها على لطائف الحكمة وعجائب الصنعة ومحكم التأليف وكثرة المعلومات، كما قال تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ
[الأنعام: ٧٥] وأما الأولى فإنها كانت مسوقة من شأن أهل الأرض كما قال تعالى: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً
[يونس: ٦١] فقدم ذكر الأرض تنبيها
стр. 258
على ذلك لما كان له اختصاص به، وهكذا حال الآيات القرآنية فإن فيها لمن تأملها وأمعن نظره وحك قريحته، أسرارا علمية ولطائف إلهية، يدريها من أدمن فكرته فيها، وأتعب قلبه وخاطره فى إحراز معانيها.
دقيقة
اعلم أنه إذا كان مطلع الكلام فى إفادة معنى من المعانى ثم يجىء بعده ذكر شيئين، وأحدهما يكون أفضل من الآخر وكان المفضول مناسبا لمطلع الكلام، فأنت ههنا بالخيار، فإن شئت قدمت المفضول لما له من المناسبة لمطلع الكلام، وإن شئت قدمت الفاضل لما له من رتبة الفضل، وقد جاء فى التنزيل تقديم السماء على الأرض وتقديم الأرض على السماء، وكل واحد منهما تحته سر ورمز إلى لطائف غريبة، ومعان عجيبة، فعلى الناظر إعمال نظره فى استنباطها، وإمعان فكره فى استخراجها، فليجدّ النظار الممارسون، وفى ذلك فليتنافس المتنافسون.
стр. 259
الفصل الخامس فى [الإبهام والتفسير]
اعلم أن المعنى المقصود إذا ورد فى الكلام مبهما فإنه يفيده بلاغة، ويكسبه إعجابا وفخامة، وذلك لأنه إذا قرع السمع على جهة الإبهام، فإن السامع له يذهب فى إبهامه كل مذهب، ومصداق هذه المقالة قوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ
ثم فسره بقوله أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)
[الحجر: ٦٦] وهكذا فى قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما
فأبهمه أولا ثم فسره بقوله: بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
[البقرة:
٢٦] ففى إبهامه فى أول وهلة، ثم تفسيره بغير ذلك تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه، فإنه لو قال: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، وإن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا بعوضة، لم يكن فيه من الفخامة وارتفاع مكانه فى الفصاحة، مثل ما لو أبهمه قبل ذلك، ويؤيد ما ذكرناه هو أن الإبهام أولا يوقع السامع فى حيرة وتفكّر واستعظام، لما قرع سمعه فلا تزال نفسه تنزع إليه وتشتاق إلى معرفته والاطلاع على كنه حقيقته، ألا ترى أنك إذا قلت: هل أدلك على أكرم الناس أبا، وأفضلهم فعلا وحسبا، وأمضاهم عزيمة، وأنفذهم رأيا، ثم تقول: فلان- فإن هذا وأمثاله يكون أدخل فى مدحته مما لو قلت: فلان الأكرم الأفضل الأنبل، وما ذاك إلا لأجل إبهامه أولا، وتفسيره ثانيا، وكل ذلك يؤكد فى نفسك عظم البلاغة فى الكلام إذ أبهم أولا، ثم إنه فسر ثانيا، ثم فى إفادته لما يفيده من ذلك ضربان:
الضرب الأول منهما ما يرد مبهما من غير تفسير، ووروده فى القرآن كثير، وهذا كقوله تعالى فى قصة موسى وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ
[الشعراء: ١٩] فلم يذكر الفعلة بعينها مع كونها معلومة لما فى ذلك من المبالغة فى أمرها وتعظيم شأنها، كأنه قال: تلك الفعلة التى عظم أمرها، وارتفع شأنها، وكقوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[الإسراء: ٩] يريد بذلك الطريقة أو الحالة أو الخصلة إلى غير ذلك من المحتملات المتعددة، وأى شىء من هذه الأمور قدّرته فإنك لا تجد له من البلاغة وإن بالغت فى الإفصاح به، الذى تجده من مذاق الفصاحة مع الإبهام، من جهة أن الوهم يذهب معه كل مذهب، لما فيه من المحتملات الكثيرة ومن هذا قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨)
[طه: ٧٨] يريد أنه بلغ مبلغا تقاصرت العبارة عن كنهه فحذف ذاك وأقام الإبهام مقامه؛ لأنه أدل على البلاغة فيه كما قررناه، ومنه قوله تعالى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣)
стр. 260
فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤)
[النجم: ٥٣، ٥٤] فهذه أبلغ من الآية التى قبلها لأن إبهامها أكثر، فلهذا كان أبلغ وأوقع، ولهذا فإنه قال فى الأولى فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨)
[طه: ٧٨] واليم هو البحر فصار الذى أصابهم من الألم والتعب إنما هو من البحر، خاصة لا من غيره، بخلاف الثانية، فإنه أبهم فيها الأمر الذى غشيها، ولم يخصه بجهة دون جهة، وهذا لا محالة يكون أبلغ؛ لأن الإنسان يرمى به خاطره فيه كل مرمى، ويذهب به كل مذهب.
ومما يجرى هذا المجرى قوله تعالى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢)
[النجم: ١٠- ١٢] فأبهم الأمر فى هذه الأمور الثلاثة فيما شرح الله به صدره من العلوم الموحاة، وأن الفؤاد ما أنكر ما رأى من تلك العجائب الإلهية، ثم عقبه بالإنكار عليهم فى المماراة له فى الذى رآه، وما ذاك إلا لأنه قصد تعظيم حالها، وأنها بلغت فى الفخامة مبلغا لا تدركه العقول، كأنه قال: أوحى إلى عبده أمرا أى أمر، واللام فى الفؤاد للعهد؛ لأن المراد هو فؤاد الرسول ﷺ ، كأنه قال: لا ينبغى لمثل ذلك الفؤاد أن يكذب ذلك الأمر، ولا يصلح فى مثل ذلك الأمر أن تقع فيه المماراة بحال.
ومما يجرى على هذا الأسلوب قوله تعالى وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا
[طه: ٦٩] كأنه قال: ألق هذا الأمر الهائل الذى فى يمينك، فإنه يبطل ما أتوا به من سحرهم العظيم، وإفكهم الكبير، وكما يرد على جهة التعظيم كما أشرنا إليه، فقد يكون واردا على جهة التحقير، كأنه قال: وألق العويد الصغير الذى فى يمينك، فإنه مبطل على حقارته وصغره ما أتوا به من الكذب المختلق والزور المأفوك، تهكما بهم، وإزراء بعقولهم، وتسفيها لأحلامهم، ومنه قوله تعالى فى المدح فَنِعِمَّا هِيَ
[البقرة: ٢٧١] فإن هذا إبهام نزل منزلا عظيما فى إفادته المدح، وما ذاك إلا لأجل فخامته فى الإبهام، فلهذا أفاد البلاغة، ومواقعه فى القرآن أكثر من أن تحصى، ومحاسنه الكبرى أوسع من عديد الحصا، ومن الأمثلة الواردة فى السنة الشريفة قوله ﷺ : «عش ما شئت فإنّك ميّت وأحبب من أحببت فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه» فهذا الإبهام إذا نظر فيه حاذق بصير، وفكر فيه ألمعى نحرير، وجده مع ما قد حاز من البلاغة مشتملا على مبان جمة، ونكت غزيرة، ومواعظ زاجرة، على تقارب أطرافه، وكثرة محاسنه وأوصافه، وقوله عليه السلام
стр. 261
«أحبب حبيبك هونا مّا عسى أن يكون بغيضك يوما مّا. وأبغض بغيضك هونا مّا عسى أن يكون حبيبك يوما مّا» فهذا من رشيق الإبهام وبديعه، ومن عجيب أمره، ودقيق سره، أنه أمره بالاعتدال فى حالتى الحب والبغض، ومجانبة الإفراط والتفريط، فقال: أحبب حبيبك على الهون من غير إفراط فى حبه، فلعلك أن ترجع عن ذلك فى بعض الأيام وإن قل، فأتى بالهون منكرا مبهما وباليوم منكرا مبهما، ليدل بهما على شدة المبالغة فى المفقود، وإنما قيد الأول بالهون والثانى باليوم على جهة الإبهام ولم يعكس الأمر فيهما؛ لأن الأول موجه على جهة الأمر، بخلاف الثانى، فلهذا أمره بالتهوين فى مبدأ الأمر، حبا كان أو بغضا من غير تهالك فيهما مخافة أن يبدو له خلاف ذلك فيصعب تداركه ويعظم تلافيه، فلا جرم قيد الأمر بالهون، لما كان ملابسا له، وقيد الرجوع باليوم، لما كان عائدا إليه، ولو عكس لم يعط هذا المعنى، ومن هذا قوله ﷺ : «خذوا العطاء ما كان عطاء فإذا تجاحفت قريش ملكها فاتركوه» . وفى حديث آخر: «خذوا العطاء ما كان عطاء فإذا تجاحفت قريش الملك فلا تأخذوه فإنما هو رشوة» فالإبهام هو قوله: «ما كان عطاء» ، لاشتماله على مقاصد عظيمة، وفى هذا القدر كفاية من التمثيل بالكلام النبوى.
ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى الإبهام قوله ﵇: أحسن إلى من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمّن شئت تكن نظيره. وفى هذا الكلام من الإعجاب ما لا يطلع عليه إلا الخواص، ولا يحيط بأسراره إلا كل غواص ويحار السامع له من أى شىء يعجب منه، هل من فصاحة لفظه؛ أو بلاغة معناه؛ أو من حسن سبكه أو من دقة مغزاه، ومنه قوله ﵇ عند قراءة: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١)
[التكاثر: ١] يا مراما ما أبعده، وزورا ما أغفله. فانظر إلى مطلع هذا الوعظ ما فيه من الزجر والمبالغة فى الموعظة وقرع القلوب وإيقاظها من الغفلة، ومنه قوله ﵇: إنّ الرجل ليحزن على ما لم يكن ليدركه، ويفرح بما لم يكن ليفوته؛ فهذا أيضا من عظيم الإبهام، ومن جيد الإبهام قولهم: لو رأيت أمير المؤمنين وقد اعتقل القناة يجدل الأبطال، ويجول فى معترك القتال أىّ مجال. فهذا عموم وإبهام معط للبلاغة، وإن لم يكن فيه آلة الإبهام، فأما الأبيات الشعرية فكقول البحترى:
стр. 262
مبيد مقيل السر لا يدرك التى ... يحاولها منه الأديب المخادع
فقوله: التى يحاولها. من الإبهام الذى لا تفسير له، ومن أبيات الحماسة «١» :
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلمّا علاه قال للباطل ابعد
فقوله: صبا ما صبا، فيه من الإبهام البالغ ما لو تناهيت فى تفسيره فإنك لا تجد له من البيان مثل ما تجده فى إبهامه، وكقول بعض الشعراء فى صفة الخمر «٢» :
مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفى الزجاجة باق يطلب الباقى
والكلام على هذا البيت مثل ما مضى فى أمثاله، ومنه قول بعض المتأخرين: فؤاد فيه ما فيه. فهذا فيه غاية المبالغة لإبهامه، وكقول ابن الأثير فى بعض التقاليد: وأنت مؤهل لواحدة تجلو بها غرر الجياد، وتناديها العلياء بلسان الإحماد، وتفخر بها سمر الأقلام على سمر الصعاد، فقوله: لواحدة، فيه من الإبهام البالغ ما لا يقوم مقامه البيان، ومنه قول المتنبى «٣» :
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... فى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
فقوله: ما تراه، فيه إبهام عظيم، ومنه قولهم: بعد الّلتيا والّتى. فإن هذا واقع فى الإبهام أعظم موقع، وما حذفوا الصلة إلا من أجل إرادة الإبهام؛ لأن الصلة موضحة للموصول فى علم الإعراب، ولهذا توهم بعض النحاة لأجل إيضاحها للموصول، أنها هى المعرفة له، وكأنها بلغت مبلغا لا تطيق العبارة على وصفه، والأمثلة فى مثل هذا كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية وتنبيه على ما عداه.
«الضرب الثانى» فى الإبهام الذى ظهر تفسيره، وهذا كقوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ
[الحجر: ٦٦] فقوله: ذلِكَ الْأَمْرَ
مبهم، وقد فسره بقوله: أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ
وفى إبهامه أولا، ثم تفسيره ثانيا تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه، ولو قال من قال من أول وهلة: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، لم يكن فيه ما
стр. 263
كان مع الإبهام من الفخامة، وعلى نحو هذا ورد قوله تعالى: قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦)
[طه: ٣٦] إلى أن قال إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ
[طه: ٣٨- ٣٩] فسر قوله: ما يُوحى (٣٨)
بقوله: أَنِ اقْذِفِيهِ
، فحصل فيه من البلاغة ما ترى، ومن هذا قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
[العنكبوت: ١٤] وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ
إلى قوله بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠)
[غافر: ٣٨- ٤٠] ألا ترى أنه أبهم الرشاد كيف حاله، ثم أوضحه بعد ذلك بأن افتتح كلامه بذم الدنيا وتحقير شأنها، وتعظيم حال الآخرة والاطلاع على كنه حقيقتها، ثم ذكر الأعمال حسنها وسيئها وعاقبة كل شىء منها، ليرغب فى كل حسنة ويزهد عن كل سيئة، فكأنه قال: سبيل الرشاد ما اشتمل عليه هذا الشرح العظيم المحيط بالترغيب فيما يزلف والانكفاف عما يوهى ويتلف.
ومن السنة الشريفة قوله ﷺ : «ألا أنبئكم بأمرين؛ خفيفة مؤنتهما، عظيم أجرهما، لن يلقى الله بمثلهما» . ثم قال بعد ذلك تفسيرا لهما: «الصمت وحسن الخلق» . وقوله ﵇: «ألا أدلكم على ما إذا فعلتموه تحاببتم» ، قالوا: نعم، قال: «أفشوا السلام» ، فانظر إلى تفسير ما أبهم فى هذين الخبرين، ما أعظم ما اشتمل عليه من البلاغة، وفى حديث آخر «ألا أدلكم على أخسر الناس صفقة» قالوا: نعم، قال: «من باع آخرته بدنيا غيره» . ولهذا باب واسع الخطو فى القرآن الكريم والسنة النبوية، فإن أمرهما مبنى على البلاغة، وهذا الباب موقع عظيم فى الدلالة عليها.
ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه: «إنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع» .
فسئل ﵇ عن معنى قوله هذا، فجمع أصابعه، ووضعها بين أذنيه وعينيه، ثم قال: «الباطل أن تقول سمعت، والحق أن تقول رأيت» فليتأمل المتأمل هذا الإبهام اللطيف الذى يعجز عنه أكثر الخليقة، ولا يدرى بكنهه إلا من رسخت قدمه فى علم البلاغة، ولقد سبق أمير المؤمنين إلى غايتها وما صلّى، وفاز فيها بالنصيب الأوفر والقدح المعلى، وبرز فيها على الأقران، وفاز بالخصل من بين سائر الفرسان.
стр. 264
الفصل السادس فى [الإيجاز والحذف، ويقال له: الإشارة]
أيضا، يقال: أوجز فى كلامه، إذا قصره، وكلام وجيز أى قصير، ومعناه فى اصطلاح علماء البيان: هو اندراج المعانى المتكاثرة تحت اللفظ القليل، وأصدق مثال فيه قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[الحجر: ٩٤] فهاتان الكلمتان قد جمعتا معانى الرسالة كلها، واشتملت على كليات النبوة، وأجزائها، وكقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)
[الأعراف: ١٩٩] فهذه الكلمات على قصرها وتقارب أطرافها قد احتوت على جميع مكارم الأخلاق، ومحامد الشيم، وشريف الخصال، وهذا هو المراد بقوله ﷺ : «أوتيت جوامع الكلم» فالكلم جمع كلمة، والجوامع جمع جامعة، كضاربة وضوارب، والغرض بما قاله هو أنه ﵇ مكن من الألفاظ المختصرة التى تدل على المعانى الغزيرة، وأنت إذا فكرت فى كلامه وجدت جل كلماته جارية هذا المجرى، ولهذا فإن الناظرين فى السنة النبوية الدالة على الأحكام الشرعية، والحكم الأدبية لا تزال المعانى المستخرجة منها غضة طرية على تكرر الأعوام وتطاول الأزمان، ومع ذلك فإنهم ما أحاطوا بغايتها ولا بلغوا نهايتها، وهذا كقوله ﵇: «لا ضرر ولا ضرار فى الإسلام» . فإن هذه الكلمة مشتملة على معان شرعية، وآداب حكمية تزيد على الحد وتفوت على العبد، وهكذا قوله ﷺ : «الخراج بالضّمان» فإن تحته أسرارا فقهية، وبدائع علمية، تشتمل عليها كتب الفقه، ومن ثم اتسع نطاق الاجتهاد وعظمت فوائده، فحصل من هذا أن الإيجاز من أعظم قواعد البلاغة، ومن مهمات علومها، ومواقعه فى القرآن أكثر من أن تحصى، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن جماعة من علماء البيان زعموا أن الكلام قسمان؛ فمنه ما يحسن فيه الإيجاز والاختصار، وهذا نحو الأشعار، والمكاتبات، وأنواع التصانيف فى العلوم والآداب، ومنه ما يحسن فيه التطويل، وهذا نحو الخطب وأنواع الوعظ التى تفعل من أجل العوام فإن الكلام إذا طال أثر ذلك فى قلوبهم، وكانوا أسرع إلى قبوله، واعتلوا بأنه لو اقتصر على الإيجاز والاختصار فإنه لا يقع لأكثرهم نفع، ولا يجدى ذلك فى حقه، وهذا فاسد لا وجه له، فإن الإيجاز الذى لا يخل بمعانى الكلام هو اللائق بالفصاحة والبلاغة وعلى هذا ورد التنزيل، والسنة النبوية، وكلام أمير المؤمنين، وغير ذلك من فصيح كلام العرب، فإنه مبنى على الإيجاز الدال على المعانى الكثيرة بالألفاظ القليلة، وما زعموه من إفهام العامة فإن إفهامهم ليس
стр. 265
شرطا معتبرا ولا يعول عليه، ولو جاز ترك الإيجاز البليغ لأجل إفهام العوام لجاز ترك الألفاظ الفصيحة والإتيان فى الكلام بالألفاظ العامية المألوفة عندهم، فكما أن هذا ليس شرطا فهكذا ما ذكروه ولقد صدق من قال فى هذا المعنى:
على نحت القوافى من مقاطعها ... وما علىّ إذا لم تفهم البقر
وإنما الذى يجب مراعاته ويتوجه إليه قصده، هو الإتيان بالألفاظ الوجيزة الفصيحة، والتجنب للألفاظ الوحشية مع الوفاء فى ذلك بالإبانة والإفصاح، وسواء فهم العوام أم لم يفهموا، فإنه لا عبرة بهم ولا اعتداد بأحوالهم ولا يضر الكلام الفصيح عدم فهمهم لمعناه، ولهذا فإن نور الشمس إذا لم يره الأعمى لا يكون نقصا فى وضوحه وجلائه، وإنما النقص فى بصر الأعمى حيث لم يدركه، ولهذا فإن الله تعالى ما خاطب بفهم معانى كتابه الكريم إلا الأذكياء، وأعرض عن البله من العوام وشبّههم فى العمى والبلادة بالأنعام حيث قال: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)
[الأعراف: ١٧٩] والتطويل نقيض الإيجاز، وهو مخالف لجانب البلاغة، وبمعزل عن مقاصد الفصاحة، وحاصله أن تورد ألفاظا فى الكلام إذا أسقطت بقى على حاله فى الإفادة، وأكثر ما يكون فى الأشعار فإنها تورد من أجل الاستقامة فى الوزن، كلفظ «لعمرى» فى قول أبى تمام:
أقرّوا لعمرى بحكم السيوف ... وكانت أحقّ بفصل القضا
ونحو لفظ «الغداة» فى قوله أيضا «١» :
إذا أنا لم ألم عثرات دهر ... بليت به الغداة فمن ألوم
فقوله: لعمرى، والغداة، فصلان زائدان لا حاجة إليهما إلا من أجل استقامة الوزن، وصحته، وكلفظ «يا صاحبى» فى قول البحترى
ما أحسن الأيام إلّا أنّها ... يا صاحبى إذا مضت لم ترجع
فقوله: «يا صاحبى» لغو لافائدة تحته سوى ما ذكرناه من تحسين لفظ البيت وتجويده، وهكذا القول فيما أشبهه، وهو خلاف ما عليه كلام البلغاء فإن من شأن الفصاحة أن تكون الألفاظ مطابقة لمعانيها المقصودة لها من غير زيادة فيها ولا نقصان، وإذ قد فرغنا عما نريده من ذكر ديباجة الإيجاز فلنرجع إلى مقاصده.
стр. 266
اعلم أن مدار الإيجاز على الحذف؛ لأن موضوعه على الاختصار، وذلك إنما يكون بحذف ما لا يخل بالمعنى، ولا ينقص من البلاغة، بل أقول: لو ظهر المحذوف لنزل قدر الكلام عن علو بلاغته، ولصار إلى شىء مسترك مسترذل، ولكان مبطلا لما يظهر على الكلام من الطلاوة والحسن والرقة، ولابد من الدلالة على ذلك المحذوف، فإن لم يكن هناك دلالة عليه فإنه يكون لغوا من الحديث، ولا يجوز الاعتماد عليه، ولا يحكم عليه بكونه محذوفا بحال، ويظهر المحذوف من جهتين؛ إحداهما من جهة الإعراب على معنى أن الدال على المحذوف هو من طريق الإعراب، وهذا كقولك: أهلا وسهلا، فإنه لابد لهما من ناصب ينصبهما يكون محذوفا لأنهما مفعولان فى المعنى، وثانيهما لا من جهة الإعراب، وهذا كقولنا: فلان يعطى ويمنع، ويصل ويقطع، فإن تقدير المحذوف لا يظهر من جهة إعرابه، وإنما يكون ظاهرا من جهة المعنى؛ لأن معناه فلان يعطى المال، ويمنع الذمار، ويصل الأرحام، ويقطع الأمور برأيه ويفصلها، ثم الإيجاز تارة يكون بحذف الجمل، ومرة بكون بحذف المفردات، وأخرى من غير حذف، فهذه ثلاثة أقسام يندرج تحتها جميع ما نريده من أسرار الإيجاز:
القسم الأول فى بيان [الإيجاز بحذف الجمل]
اعلم أن حذف الجمل له فى البلاغة مدخل عظيم، وأكثر ما يرد فى كتاب الله تعالى، وما ذاك إلا من أجل رسوخ قدمه، وظهور أثره، واشتهار علمه، ويرد على ضروب أربعة:
الضرب الأول: منها [حذف الأسئلة المقدّرة]
، ويلقب فى علوم البيان بالاستئناف، ثم هو يجرى على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون استئنافا بإعادة الصفات المتقدمة
، ومثاله قوله تعالى فى صدر سورة البقرة: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
[البقرة: ٢- ٣] إلى قوله: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ
[البقرة: ٥] لأنه لما عدد صفات المتقين بالإيمان بالغيب، وبإقامة الصلاة، وبالإنفاق، إلى آخر ما قرره من صفاتهم الحسنة، اتّجه لسائل أن يسأل بأن هؤلاء قد اختصوا بهذه الصفات، فهل يختصون بغيرها، فأجيب عنه بأن الموصوفين بما تقدم من
стр. 267
الصفات هم المستحقون للفوز بالهداية عاجلا وللفلاح آجلا.
الوجه الثانى: أن يكون الاستئناف واقعا بغير الصفات
، ومثاله قوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)
[يس: ٢٢] إلى قوله: فَاسْمَعُونِ (٣٥)
[يس: ٢٥] فموقع الاستئناف هو قوله تعالى قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ
[يس: ٢٦] لأن ما هذا حاله من مظان السؤال، كأن سائلا قال كيف حال هذا الرجل الذى آمن بالله ولم يعبد إلها غيره وأخلص فى عبادته عند لقاء ربه بعد التصلب فى دينه والسخاء له بروحه، فقيل. «قيل ادخل الجنة» ، وطرح الجار والمجرور، ولم يقل: قيل له، لانصباب القصد إلى القول، لا إلى المقول له مع كونه معلوما، فلهذا لم يذكره من أجل ذلك، وله أمثلة كثيرة، وفيما ذكرناه تنبيه على ما عداه.
«الضرب الثانى» أن يكون [الحذف من جهة السبب]
، لأنه لما كان السبب والمسبب متلازمين، فلا جرم جاز حذف أحدهما وإبقاء الآخر، فهذان وجهان.
الوجه الأول: [حذف المسبب وإبقاء ما هو سبب فيه]
، دلالة عليه، ومثاله قوله تعالى وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ
[القصص: ٤٤- ٤٥] والمعنى فى هذا «ما كنت شاهدا حال موسى فى إرساله، وما جرى له وعليه، ولكنا أوحينا إليك» ، فذكر سبب الوحى الذى هو إطالة الفترة ودل به على المسبب وهو الوحى إلى الرسول ﷺ كما هو الجارى فى أساليب التنزيل فى الاختصار، فعلى هذا يكون التقدير ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحى إلى موسى إلى زمانك قرونا كثيرة فتطاول على القرون الذى أنت منهم العمر، أى أمد انقطاع الوحى فاندرست أعلام النبوة، وامّحت آثار العلوم، فوجب من أجل ذلك إرسالك إليهم، فأرسلناك وعرّفناك أحكام التحليل والتحريم وأخبرناك بقصص الأنبياء وعلوم الحكم والآداب.
فالمحذوف هى هذه الجملة الطويلة بدلالة السبب عليها كما ترى. وهكذا قوله تعالى:
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ
[القصص: ٤٦] فذكر الرحمة التى هى السبب فى إرساله إلى الخلق، ودل بها على المسبب، وهو الإرسال.
الوجه الثانى: [حذف السبب وإبقاء المسبب]
، دلالة عليه ومثاله قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨)
[النحل: ٩٨] والمعنى «إذا أردت القراءة»
стр. 268
فاكتفى بذكر المسبب الذى هو القراءة عن السبب الذى هو الإرادة وهكذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
[المائدة: ٦] والمعنى إذا أردتم القيام، فوضع مسبّبها مكانها ودل به عليها، وقوله ﷺ : «إذا قام أحدكم إلى الصّلاة فليتوضّأ» يريد إذا أراد أحدكم؛ لأن الفعل مسبّب عن الإرادة، ومن هذا قوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ
[البقرة: ٦٠] والمعنى «فضرب فانفجرت» وأمثال ذلك كثيرة.
الضرب الثالث: [الحذف الوارد على شريطة التفسير]
، وتقرير هذا أن تحذف جملة من صدر الكلام، ثم يؤتى فى آخره بما له تعلق به، فيكون دليلا عليه، ثم إنه يرد على أوجه ثلاثة، أولها: أن يكون واردا على وجه الاستفهام، وهذا كقوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[الزمر: ٢٢] لأن التقدير فى الآية أفمن شرح الله صدره كمن جعل قلبه قاسيا، وقد دل عليها بقوله: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
وثانيها: أن يكون واردا على جهة النفى والإثبات ومثله قوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا
[الحديد: ١٠] لأن تقدير الآية لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، وقد دل على هذا المحذوف بقوله: أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا
وثالثها: أن يكون واردا على غير هذين الوجهين، وهذا كقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠)
[المؤمنون: ٦٠] فالمعنى فى الآية والذين يعطون ما أعطوا من الصدقات وسائر القرب الخالصة لوجه الله تعالى: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
أى خائفة من أن ترد عليهم صدقاتهم فحذف قوله ويخافون أن ترد عليهم هذه النفقات، ودل عليه بقوله: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
فظاهر الآية أنهم وجلون من الصدقة وليس وجلهم لأجل الصدقة، وإنما وجلهم لأجل خوف الرد المتصل بالصدقة، وعلى هذا المعنى يحمل قول أبى نواس:
سنّة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن
فحذف الاستكانة من الأول وذكرها فى المصراع الثانى، لأن التقدير، سنة العاشقين واحدة وهى أن يستكينوا ويتضرعوا، فإذا أحببت فاستكن، ونحو هذا ما قال أبو تمام:
يتجنّب الآثام ثمّ يخافها ... فكأنما حسناته آثام
стр. 269
والتقدير فيه أنه يتجنب الآثام فإذا تجنبها فقد أتى بحسنة ثم يخاف أن لا تكون تلك الحسنة مقبولة، فكأنما حسناته آثام. فلم يخف الحسنة لكونها حسنة، وإنما خاف ما يتصل بها من الرد فكأنها مخوفة كما تخاف الآثام، وهذا يأتى على طبق الآية ووفقها، وهذا من بديع الأسرار والمعانى التى فاق بها على نظرائه أبو تمام وابن هانىء، وحكى عن ابن الأثير أنه سئل عن هذا البيت، وقيل كيف تكون حسناته آثاما، وكيف ينطبق صدر البيت على عجزه فتحير فيه ثم فكر، ونزّله على ما ذكرناه.
الضرب الرابع: ما ليس من قبيل الاستئناف، ولا من جهة التسبب، ولا من الحذف على شريطة التفسير
، وهذا فى القرآن كثير الورود، وخاصة فى سورة يوسف، فإنها مشتملة على الإيجاز البالغ بالحذف وغيره، ومنها قوله تعالى: قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ
[يوسف: ٤٧] إلى قوله: وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ٤٩
[يوسف: ٤٩] ثم قال: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي
[يوسف: ٥٠] فإنه قد حذف من هذا الكلام جملة مفيدة، تقديرها فرجع الرسول إليهم فأخبرهم بمقالة يوسف فعجبوا لها، أو فصدقوه عليها، وقال الملك ائتونى به، وفى قصة. بلقيس. فى قوله: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا
[النمل: ٢٨] إلى قوله: فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨)
[النمل: ٢٨] ثم قال بعد ذلك: قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩)
[النمل: ٢٩] وفى هذا حذف، تقديره فأخذ الكتاب فذهب به، فلما ألقاه إلى بلقيس وقرأته، قالت يأيها الملأ إنى ألقى إلى كتاب كريم. ومما ورد على هذا المعنى قول أبى الطيب المتنبى «١» :
لا أبغض العيس لكنى وقيت بها ... قلبى من الهم أو جسمى من السقم
وهذا البيت فيه محذوف، تقديره لا أبغض العيس لما يلحقنى بسببها من ألم السفر ومشقته، ولكن وقيت به كذا وكذا، وهو من الشعر الذى يحير الأفهام عجبا، ويهز الأعطاف طربا، ومن الحذف قول القائل «الله أكبر» لأن التقدير الله أكبر من كل شىء، وعلى هذا ورد قول البحترى:
الله أعطاك المحبّة فى الورى ... وحباك بالفضل الذى لا ينكر
ولأنت أملأ فى العيون لديهم ... وأجلّ قدرا فى الصدور وأكبر
فالتقدير فيه أملأ فى العيون من غيرك، وأجلّ، وأكبر ممن سواك، والحذف فى الجمل واسع، وفيما ذكرناه كفاية فى التنبيه على غيره.
стр. 270
القسم الثانى فى بيان [الإيجاز بحذف المفردات]
اعلم أن الإيجاز بحذف المفردات أوسع مجالا من حذف الجمل، لأن المفردات أخف فى الاستعمال، فلهذا كثر فيها، ويضبطه فى غرضنا أنواع سبعة.
النوع الأول منها [حذف الفعل وما يتعلق به]
من فاعله، ومفعوله، وكل واحدة من هذه قد تطرّق إليها الحذف على حياله، فهذه صور ثلاث، نذكر ما يتعلق بالكلام فيها.
الصورة الأولى [حذف الفعل بانفراده]
إما على أن يبقى فاعله دليلا عليه، وهذا كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا
[الحجرات: ٥] أعنى ولو ثبت أنهم صبروا، كقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ
[التوبة: ٦] والتقدير فيه، وإن استجارك أحد من المشركين، وغير ذلك، وإما على أن يبقى مفعوله دليلا عليه وهذا كقولهم: «أهلك والليل» أى بادر أهلك، وبادر الليل أن يحول بينك وبينهم، وكقوله تعالى: فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣)
[الشمس: ١٣] الغرض احذروا ناقة الله، وما جاء فى حديث جابر رضى الله عنه لما سأله رسول الله ﷺ هل تزوجت، فقال له «نعم» فقال: بكرا أم ثيبا، فقال بل ثيب فقال: «هلّا بكرا تلاعبها وتلاعبك» ومن حذف الفعل حذفا لازما فى المصادر كقولك: حمدا وشكرا، وما ذاك إلّا لأنهم جعلوا هذه المصادر عوضا عن أفعالها، فلا جرم التزموا حذفها معا، وهذا يكون على طريقة السماع، ومن حذف الفعل على جهة القياس ما ورد على جهة التشبيه كقولك: مررت به فإذا له صوت صوت حمار وصراخ صراخ الثكلى، وما ورد على جهة التثنية كقولك: «لبيك، وسعديك ودواليك» ، إلى غير ذلك من المصادر المثنّاة، إلى غير ذلك من الأمور القياسية، وقد فصلناها تفصيلا شافيا فى شرحنا لكتاب المفصّل، ومن حذف الفعل قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ
[الإسراء: ٧١] لأنه لما قال: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠)
[الإسراء: ٧٠] كأن قائلا قال متى يكون التفضيل الأكثر، قيل يوم ندعو كل أناس، ومن حذف الفعل قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ
[يونس: ٧١] والتقدير فيه وادعوا شركاءكم، ويؤيد ما قلناه قراءة أبىّ فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم وإذا كان ههنا قراءة لها تأويلان، وكان
стр. 271
أحد التأولين تعضده قراءة أخرى وجب حملها على التأويل المعضود بقراءة أخرى، ولا يكون. شركاءكم عطفا، لأنه لا يقال أجمعت شركائى وإنما يقال أجمعت أمرى، لأن معنى أجمع الأمر، نواه وعزم عليه، وحذف الفعل كثير فى القرآن وحذفه إنما يكون على جهة الإيجاز بالحذف من أجل البلاغة.
الصورة الثانية: [حذف الفاعل] ،
وحذفه إنما يكون إذا دلت عليه دلالة، وقد منع الشيخ عثمان بن جنى من النحاة حذف الفاعل، ونص على استحالة ذلك، والمختار هو المنع من حذفه من غير دلالة تدل عليه حالية أو مقالية، فأما مع القرينة، فلا يمتنع جوازه، ويدل على حذفه قوله تعالى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦)
[القيامة: ٢٦] فحذف فاعل بلغت والغرض النفس، وليس مضمرا لأنه لم يتقدم له ظاهر يفسره، وإنما دلت القرينة الحالية عليه، لأنه فى ذكر الموت ولا يبلغ التراقى عند الموت إلّا النفس، وقوله تعالى:
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
[الأنعام: ٩٤] فى قراءة من قرأ بينكم بالنصب، والمراد لقد تقطّع الأمر بينكم، وقوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)
[يوسف:
٣٥] والغرض ثم بدا لهم أمر، وقول حاتم «١» .
أماوىّ ما يغنى الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
ومنه قول العرب «أرسلت المطر» والمراد أرسلت السماء المطر، وهذه الكلمة إنما تقال عند نزول المطر، فدل ظاهر القرينة الحالية على ذلك، فإذن لا وجه لكلام ابن جنى فى المنع من حذف الفاعل مع هذه الشواهد.
الصورة الثالثة: [حذف المفعول] ،
والحذف فيه قد يكون على وجهين، أحدهما أن يحذف على جهة الاطّراد، وينسى فعله، ويجعل كأنه من جملة الأفعال اللازمة، لأن الغرض هو ذكر الفعل دون متعلّقه، ومن هذا قولهم فلان يعطى ويمنع، ويصل ويقطع، ويحل ويعقد، وينقض ويبرم، وينفع ويضر، فلما كان المقصود ذكر الفعل على جهة الإطلاق لم يحتج إلى ذكر مفعوله ومتعلّقه، وعلى هذا ورد قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤)
[النجم: ٤٣- ٤٤] وثانيهما أن يحذف من جهة اللفظ ويراد من طريق المعنى والتقدير، وهذا كقوله تعالى فى قصة موسى مع بنتى شعيب، فإنه حذف المفعول فى
стр. 272
أربع جمل، فقال: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما
[القصص: ٢٢- ٢٣] التقدير يسقون مواشيهم، وامرأتين تذودان أغنامهما فسقى لهما مواشيهما، بعد قولهما لا نسقى مواشينا، ومن هذا قوله تعالى:
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
[البقرة: ٢٠] اى لو شاء أن يذهب لأذهب، وقوله: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ
[يونس: ٩٩] وغير ذلك من آيات المشيئة والإرادة، فإن حذف المفاعيل فيها كثير الجريان والورود، ومن هذا قول أبى عبادة البحترى «١» :
ولو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد
ولا تكاد ترد مفاعيل المشيئة إلّا فى الأشياء المستغربة المتعجّب من حالها كقوله تعالى:
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً
[الأنبياء: ١٧] وقوله تعالى لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ
[الزمر: ٤] .
النوع الثانى حذف الإضافة ،
ووروده يكون على أوجه ثلاثة،
أولها [حذف المضاف] نفسه ،
وهذا كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ
[يوسف: ٨٢] أى أهل القرية وأهل العير، وقوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى
[البقرة: ١٨٩] أى بر من اتقى وقوله تعالى:
حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ
[الأنبياء: ٩٦] والمراد سدّهما، ومن أبيات الحماسة ما قاله بعض الشعراء «٢» :
إذا لاقيت قومى فاسأليهم ... كفى قوما لصاحبهم خبيرا
هل اعفو عن أصول الحق فيهم ... إذا عثروا وأقتطع الصدورا
أراد أنه يقتطع أو غار الصدور وضغائنها وأحقادها، أى يزيلها بعفوه وصفحه وكرمه، وحذف المضاف كثير الدّور والجرى فى كلام الله تعالى وكلام الفصحاء، وحكى عن أبى
стр. 273
الحسن الأخفش أنه يقره حيث ورد ولا يقاس عليه، وما قاله الأخفش جيد لا غبار عليه، لأنه من المحذوفات المجازية، ومن حق المجاز أن يقر حيث ورد، فلا يجوز أن يقال:
أكلت السّفرة، أى طعام السفرة. ولا أن يقال واسأل الأفراس، أى أهلها.
و ثانيها [حذف المضاف إليه] ،
وهو يأتى على القلة والندرة، وهذا كقوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
[الروم: ٣] أى من قبل الأشياء ومن بعدها، ومن هذا قولهم يومئذ، وحينئذ، وساعتئذ، قال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤)
[الزلزلة: ٤] فحذف الجملة المتقدمة المضاف إليها «إذ» وعوض التنوين عنها، فما هذا حاله، هل يعد من الإيجاز؛ أو لا، والأقرب عده من الإيجاز لأنه وإن كان قد عوض من الجمل المتقدمة، التنوين، لكنه يكون إيجازا لا محالة، لأنه حذفت هذه الجمل الطويلة وأقيم حرف واحد مقامها، وأى إيجاز أبلغ من هذا الإيجاز، وأدخل منه فى البلاغة، والتفرقة بين المضاف نفسه، والمضاف إليه فى الحذف حيث كان حذف المضاف إليه على القلة، وحذف المضاف نفسه كثير الوقوع، هو أن المضاف إليه يكتسى منه المضاف تعريفا، وتخصيصا فحذفه لا محالة يخل بالكلام لإذهاب فائدته بخلاف المضاف نفسه، فإنه لا يخل حذفه من جهة أن المضاف إليه يذهب بفائدته، ويقوم مقامه.
و ثالثها [حذفهما جميعا]
وهذا نادر أيضا، ومن أمثلته قوله تعالى فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
[طه: ٩٦] أى من أثر حافر فرس الرسول، ولا يكاد يوجد إلا حيث دلالة الكلام عليه.
النوع الثالث حذف الموصوف دون صفته وإقامتها مقامه، وحذف الصفة دون موصوفها ،
فهذان وجهان يرد الحذف فيهما،
الوجه الأول: [حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه] ،
وهذا كثير الدور والجرى فى كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢)
[ص: ٥٢] أى حور قاصرات الطرف، وقوله تعالى: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً
[الإسراء: ٥٩] مبصرة، أى آية مبصرة ولم يرد الناقة، فإنها لا معنى لوصفها بالبصر، وإنما أراد أنها معجزة واضحة لم يفكّر فيها، وأكثر ما يرد حذف الموصوف فى النداء فى نحو قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ
، يا أَيُّهَا النَّبِيُ
[التحريم: ١] ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
[التحريم: ٨] ، ومن حذف الموصوف قول البحترى:
стр. 274
فى اخضرار من اللباس على اص ... فر يختال فى صبيغة ورس
أراد على فرس أصفر فحذفه للعلم به.
الوجه الثانى [حذف الصفة وإقامة الموصوف مقامها]
، وهذا يكون على القلة، ولا يكاد يقع فى الكلام إلا نادرا، فمن ذلك ما قاله شيخ الصناعة فى الإعراب «سيبويه» حكاية عن العرب «سير عليه ليل» وهم يريدون، ليل طويل، ومن ذلك أن يتقدم مدح إنسان والثناء عليه فتقول بعد ذلك، «كان والله رجلا» أى فاضلا جوادا كريما، وهكذا تقول «سألناه فوجدناه إنسانا» أى عالما خبيرا بالعلوم، والتفرقة بين الصفة والموصوف حيث كان حذف الموصوف أكثر دون صفته، هو أن الصفة من حقها أن تأتى من أجل إيضاح الموصوف وبيانه، فلما كانت الصفة مختصة بالإيضاح والبيان، كثر لا شك قيامها مقام الموصوف، بخلاف الموصوف، فإنه يكثر إبهامه من غير ذكر الصفة، فلا جرم كان قيامه مقام الصفة قليلا نادرا يرد حيث ذكرناه.
النوع الرابع حذف الحروف ،
ولما كانت أحرف المعانى كثيرة الدور والاستعمال فى الكلام، توسعوا فى الإيجاز بحذفها، وذلك يأتى على أوجه.
أولها [حذف «لا» ] من الكلام وهى مرادة
، وذلك كقوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
[يوسف: ٨٥] أراد لا تفتأ ومعناه لا تزال، فحذفت توسعا وإيجازا وهى مرادة، وعلى هذا ورد قول امرىء القيس «١» :
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطّعوا رأسى لديك وأوصالى
أى لا أبرح، فحذفت وهى مرادة، وكقول أبى محجن الثقفى لما نهاه سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه عن شرب الخمر وهو يومئذ فى قتال الفرس بالقادسية:
رأيت الخمر صالحة وفيها ... مناقب تهلك الرجل الحليما
فلا والله أشربها حياتى ... ولا أسقى بها أبدا نديما
وثانيها [حذف الواو] وإثباتها فى الكلام
فمتى وجدت فى الكلام فإنها تؤذن بالتغاير بين الجملتين، لأن الواو تقتضى المغايرة، ومتى كانت محذوفة فإنها تدل على البلاغة بالإيجاز،
стр. 275
وتصير الجملة جملة واحدة، ويصدّق ما قلناه حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال:
«كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون لا يتوضئون» وفى حديث آخر بإثبات الواو. وفى قوله: «ولا يتوضئون» فالواو دالة على انفصال الجملة عما قبلها وعلى مغايرتها له، وحذف الواو فيه دلالة على اتصال الجملة الثانية بالأولى والتحامها بها، حتى كأنها أحد متعلقاتها؛ لأنها إذا كانت الواو محذوفة فيها كانت فى موضع نصب على حال، وكان الجملتان كأنهما أفرغا فى قالب واحد، كأنه قال: «ينامون ثم يصلون غير متوضئين» ومع هذا يكون الكلام أشد إيجازا وأعظم بلاغة. ومن أعجب مثال فيما نحن بصدده قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
[آل عمران: ١١٨] لأن التقدير وودوا ما عنتم وقد بدت البغضاء من أفواههم، فلما حذفت هذه الواو كان الكلام مع حذفها أدخل فى الإعجاز، وأحسن فى الاختصار والإيجاز، وأبلغ فى تأليفه ونظمه، وأحلى فى سياقه وعذوبة طعمه، لا يقال: فإن الواو قد جاءت ثابتة فى قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤)
[الحجر: ٤] وجاءت محذوفة فى مثل قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨)
[الشعراء: ٢٠٨] فهل من تفرقة بين إثباتها وحذفها، وما ضابط الحذف والإثبات فيما هذا حاله، لأنا نقول: أما التفرقة فهى ظاهرة: فإن الواو إذا كانت محذوفة فهى فى حكم التكملة والتتمة لما قبلها، تنزل منزلة الجزء منها كما أوضحناه، وإذا كانت الواو موجودة كانت فى حكم الاستقلال بنفسها، فعلى هذا تقول:
ما جاءنى زيد إلا وهو ضاحك وما لقيته إلا وهو راكب، فتثبت الواو وتحذفها على التنزيل الذى ذكرناه، وما هذا حاله فهو تفريغ فى الصفات فى الاستثناء كما ورد فى الآيتين جميعا بالواو وحذفها على الجواز فيهما، وأما الضابط لدخولها فى الصحة والامتناع فنقول: كل اسم نكرة جاء قبل «إلا» فإنك تنظر إلى العامل فى تلك النكرة، فإن كان ناقصا فإنه يمنع الإتيان بالواو، وهذا كقولك ما أظن درهما إلا هو كافيك، ولا يجوز بالواو فلا تقول: إن رجلا وهو قائم لما كان العامل الأول يفتقر إلى تمام؛ لأن الظن يفتقر إلى مفعولين ويحتاج إلى خبر فلهذا استحال وجود الواو ههنا لما قررناه، وإن كان العامل فى النكرة تاما، فإنه يجوز الإتيان بالواو وتركها، وعلى هذا تقول: ما جاءنى رجل إلا وهو ضاحك بإثبات الواو وحذفها كما أشرنا إليه.
стр. 276
وثالثها الإيجاز ب [حذف بعض اللفظ] ،
وهذا إنما يكون واردا على جهة السماع لا يقاس، وهذا إنما يكون فى الألفاظ التى تستعمل على جهة الكثرة دون ما عداها وهذا كقولهم:
عم صباحا، فى «انعم صباحا» وقوله لم يك حاصلا لك درهم، قال الله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ
[غافر: ٨٥] لأن الجازم إنما يحذف الواو كما يحذف من قولنا: لم يقل لالتقاء الساكنين، والنون حذفها من أجل الإيجاز والاختصار، وهكذا قولنا «لم أبل» فإن الأصل فيه أبالى فحذفت الياء للجازم كما تحذف من قولنا «لم أمار» فى، أمارى، ثم حذف الألف على غير قياس على جهة التخفيف، وقد جاء فى المنظوم حذف بعض الكلمة كما قال بعض الشعراء «١» :
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف ... مفدّم، بسبا الكتّان ملثوم
أراد بسبائب الكتان فحذف إيجازا وهذا كله لا يقاس عليه، وإنما يقر حيث ورد.
النوع الخامس فى الإيجاز بحذف الأجوبة ،
وذلك يأتى فى أمكنة كثيرة،
أولها [حذف جواب «لولا» ]
وذلك نحو قوله تعالى فى آخر آية اللعان: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)
[النور: ١٠] فجواب لولا ههنا محذوف تقديره لما ستر عليكم هذه الفاحشة ولما هداكم إلى مصلحة اللعان بالحكم فيه بهذا الحد، ولهذا عقبه بقوله: وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ
بالستر عليكم، حَكِيمٌ
بإعلامكم بما يتوجه على الملاعن، ومثله قوله تعالى عقيب حديث الإفك: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
[النور: ٢٠] وتقديره لعجّل لكم العذاب بسبب افتراء الكذب والتقول بما لم يكن، ولهذا قال عقيبها: وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠)
[النور: ٢٠] حيث لم يعاجل بالعقوبة: رَحِيمٌ
بما ألهم من المصلحة بالحد فى القذف،
وثانيها [حذف جواب «لما» ]
وهذا كقوله تعالى: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ
[الصفات: ١٠٣- ١٠٤] فإن جواب لأمّا ههنا محذوف، تقديره فلما أسلما وتله للجبين، كان هناك ما كان مما تنطق به الحال، ولا يحيط به الوصف، من رفع البلاء وكشف الكربة،
стр. 277
وإزالة المحنة العظيمة، والغبطة والسرور بامتثال أمر الله تعالى والزلفة عنده والفوز برضوان الله
وثالثها [حذف جواب «أما» ]
ومثاله قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
[آل عمران: ١٠٦] لأن التقدير فيه فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، فحذف القول وأقام المقول مقامه.
ورابعها [جواب «إذا» ]
ومثاله قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ
[يس: ٤٥] إلى قوله معرضين، والتقدير فيه وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا وأصروا على تكذيبهم، وقد دل عليه قوله تعالى: إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦)
[يس: ٤٦] .
وخامسها [حذف جواب لو]
وهو وارد على الكثرة، وهو من محاسن الإيجاز ومواقعه البديعة، كقولك: لو زرتنى، لو أكرمتنى، والتقدير لفعلت وصنعت، قال الله تعالى:
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ
[سبأ: ٥١] والتقدير فيه لرأيت أمرا بديعا، أو حالة منكرة، وقوله: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)
[الأنبياء: ٣٩] إلى قوله: يُنْصَرُونَ (٣٩)
والتقدير فيه لو يعملون هذه الأمور لما كانوا على تلك الصفات من الكفر والاستهزاء والصدود والإنكار وهكذا قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى
[الرعد: ٣١] والتقدير فيه لكان هذا القرآن، وهو كثير الورود فى القرآن، وحيث ساغ حذفه فإنه إنما يسوغ إذا كان هناك دلالة عليه، فأما من غير دلالة فلا يجوز بحال.
وسادسها [حذف جواب القسم] ،
ومثاله قوله تعالى: وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)
فجوابه ههنا يحتمل أن يكون موجودا وهو قوله: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥
[الفجر: ٥] لأنه قد تمت به الفائدة، ويحتمل أن يكون محذوفا تقديره لتعذبنّ، ويدل عليه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧)
[الفجر: ٦- ٧] ونحوه قوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١)
[الشمس: ١] فيحتمل أن يكون جوابه مذكورا، وهو قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩)
[الشمس: ٩] وقد ظهرت به الفائدة، ويحتمل أن يكون محذوفا أيضا تقديره ليعذّبن، بدليل قوله تعالى: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤)
[الشمس: ١٤] والحذف فيه كثير لقيام القرينة على حذفه، وتختلف أحوال القرائن بحسب ما تدل عليه الدلالة.
стр. 278
النوع السادس حذف ما يكون معتمدا للجزءين ،
القسم، والشرط، ولو، فهذه أمور ثلاثة،
أولها [حذف القسم] نفسه ،
ومثاله قولك: لأخرجن، والتقدير والله لأخرجن، قال الله تعالى:
لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ
[الحشر: ١٢] فهذه اللام هى اللام الموطئة، والمعنى بذلك أنها وطأت الشرط وجعلته حشوا وصيرت الكلام موجها للقسم، لهذا جاءت هذه الأفعال مرفوعة بالنون، ولو كانت جوابا للشرط لكانت مجزومة، فلهذا قضينا بحذف القسم.
وثانيها [حذف الشرط] نفسه
ومثاله قوله: إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)
[العنكبوت: ٥٦] والتقدير فيه، إن لم تخلصوا لى العبادة فى هذه الأرض، فأخلصوها فى غيرها. ومن هذا قولهم: الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، والتقدير فيه إن كان خيرا عمله فجزاؤه خير.
وثالثها [حذف لو] نفسها
ومثاله قوله تعالى: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ
[المؤمنون: ٩١] فإن الشرط فى هذا محذوف، والتقدير فيه فلو كان معه إله إذن لذهب كل إله بما خلق، وقوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)
[العنكبوت: ٤٨] والتقدير فيه إذن لو فعلت ذلك لارتاب المبطلون.
النوع السابع [حذف المبتدأ وخبره] ،
فمن المواضع ما يحسن فيه حذف المبتدأ، ومنها ما يحسن فيه حذف الخبر، ومنها ما يمكن فيه الأمران جميعا، فمن المواضع التى يحسن فيها حذف المبتدأ على طريق الإيجاز قولهم: الهلال والله، أى هذا الهلال والله، وقولك إذا شممت ريحا: المسك والله، أى هذا المسك، ولا يكون إلا مفردا لأنه لا يبتدأ إلا بالأسماء المفردة، ويتعذر تقدير الجمل فى المفردات، وقد ترد جملة على تقدير المفرد على جهة الشذوذ كقولهم «تسمع بالمعيدى خير من أن تراه» والذى حسّنه كونه فى تأويل المصدر أى
стр. 279
سماعك، فأما قوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ
[البقرة: ١٨٤] فإنما جاز ذلك من أجل «أن» لأنها فى تأويل المصدر أى صومكم، ومن المواضع التى يصح فيها حذف الخبر قولك: لولا زيد لكان كذا، ومنه قولهم: لولا علىّ لهلك عمر، والقصة مشهورة فإن عمر أراد أن يرجم حاملا لما زنت، فقال له أمير المؤمنين على هذا سلطانك عليها، فما سلطانك على ما فى بطنها، فكف عن ذلك، وقال «لولا على لهلك عمر» وهذا صحيح، فإن قتل الجنين من غير بصيرة خطأ عظيم، وفى الحديث «من أعان على قتل رجل مسلم ولو بنصف كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آئس، من رحمة الله» وكما يكون الخبر مفردا فقد يكون جملة، والأصل أن يكون مفردا، وحذف الخبر أكثر من حذف المبتدأ، ووجه ذلك هو أن المبتدأ طريق إلى معرفة الخبر، فإذا كان الخبر محذوفا، ففى الكلام ما يدل عليه وهو المبتدأ، وإذا حذف المبتدأ لم يكن فى الكلام ما يدل عليه؛ لأن الخبر لا يكون دليلا على المبتدأ.
ومن المواضع التى تحتمل أن يكون المحذوف فيها، إما المبتدأ، وإما الخبر قوله تعالى:
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
[يوسف: ١٨] فيحتمل أن يكون المبتدأ محذوفا، وتقديره فأمرى صبر جميل، ويحتمل أن يكون من باب حذف الخبر، وتقديره فصبر جميل أجمل، وحذف الخبر وإن كان واردا على جهة الكثرة، لكن حذف المبتدأ ههنا يكون أبلغ، لأن الآية وردت فى شأن «يعقوب» فلابد من أن يكون هناك اختصاص به، فإذا كان تقديره فأمرى صبر جميل كان أخص به وأدخل فى احتماله للصبر واختصاصه به، وقد يحذف المبتدأ والخبر جميعا إذا دل عليهما دليل، وهذا كما يقال أزيد قائم، فتقول: نعم أى نعم زيد قائم فحذفا لما دل قولك نعم عليهما، وكقوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ
[الطلاق: ٤] لأن تقديره واللّائى لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، وهذا لا يكون إلا مع القرينة الدالة على ذلك، فهذا ما أردنا ذكره فى الإيجاز بحذف المفردات فى هذه الأنواع السبعة وبالله التوفيق.
стр. 280
القسم الثالث فى بيان الإيجاز من غير حذف فيه
اعلم أن من الإيجاز ما لا يكون فيه حذف يقدر، من مفرد ولا جملة، ويقال له إيجاز البلاغة، وينقسم إلى ما يساوى لفظه معناه من غير زيادة، ويسمى التقدير، وإلى ما يزيد معناه على لفظه، ويسمى القصر، فهذان ضربان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما، وهذا القسم من الإيجاز له فى البلاغة موقع عظيم، دقيق المجرى، صعب المرتقى، لا يختص به من أهل الصناعة إلا واحد بعد واحد «ومهما عظم المطلوب قل المساعد» .
الضرب الأول فى بيان [الإيجاز بالتقدير]
وهو الذى تكون ألفاظه مساوية لمعناه لا يزيد أحدهما على الآخر بحيث لو قدر نقص من لفظه لتطرق الخرم إلى معناه على قدر ذلك النقصان، ولنشر منه إلى أمثلة خمسة.
المثال الأول: ما ورد من كتاب الله تعالى وهذا كقوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣)
[عبس: ١٧- ٢٣] فقوله قتل الإنسان، أبلغ دعاء على الإنسان، لما فيه من إذهاب الروح بسرعة وفجأة، وهو أعظم فى الفجيعة وقوله ما أكفره، تعجّب من شدة الإفراط فى كفره لنعم الله، فلا يكاد يقرع السمع أسلوب أغلظ من هذا الدعاء والتعجب، ولا أبلغ فى الملامة ولا أقطع للمعذرة، ولا أعظم دلالة على السخط مع تقارب أطرافه وقصر متنه، ثم أخذ فى صفة حاله من مبدإ حدوثه إلى منتهى زمانه فقال. من أى شىء خلقه؟ استفهام وارد على جهة التهكم والتقرير، ثم قال من نطفة خلقه، كأنه قال تأمل وانظر من أى شىء خلقتك على عظم هذه المخالفة وكفران أنعمى عليك، إنما خلقتك من نطفة وأى نطفة فى الغلظ والبشاعة ونتن الرائحة، فقدره، فأحكم قوام خلقته وسواها على جهة التعديل فى مطابقة المنافع، ثم السبيل يسره، إما سهّل خروجه من بطن أمه، وإما يسر سبيله إلى ثدى أمه، وإما يسر سبيله من سلوك طريق الخير والشر، كما قال: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)
[البلد: ١٠] ، ثُمَّ أَماتَهُ
نزع منه ما ركّب فيه من الروح، لما يريد من إعادته «فأقبره» أى جعله فى قبره يوارى فيه جيفته كيلا تمزقه السباع
стр. 281
وتقطع أوصاله «ثم إذا شاء أنشره» فى الآخرة للجزاء على الأعمال «كلا» ردع وزجر، عقّبها فى آخر الكلام تنبيها على أن الإنسان على ما هو فيه مما وصف من حاله «لما يقض» شيئا مما أمره الله وأنه مقصر فى حق الله لا يألو جهدا فى الإصرار والمخالفة، فقد حصل هذا الكلام على نهاية المطابقة للمقصود منه، فلو أردت زيادة عليه لكانت فضلا، ولو أردت نقصانا منه لكان إخلالا، ومنه قوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ
[البقرة: ٢٣٦] وقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
[الروم: ٤٤] وقوله تعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)
[الطور: ٢١] وقوله تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ
[البقرة: ٢٧٥] ومواقعه فى التنزيل كثيرة.
المثال الثانى: ما ورد من السنة الشريفة كقوله ﷺ : «الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك مشتبهات» فهذا من أجمع ما يكون للمعانى البالغة، ومن هذا قوله ﵇ «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى» وقوله ﷺ : «الضعيف أمير الركب» وفى حديث آخر «سيروا بسير أضعفكم» وقوله لمعاذ «صلّ بهم صلاة أضعفهم» وقوله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ومن ذلك ما قاله خطابا لقريش «يا ويح قريش لقد نهكتهم الحرب ما ضرهم لو ماددناهم مدة ويدعوا بينى وبين الناس فإن أظهر عليهم دخلوا فى دين الله وافرين وإلا كانوا قد حموا وإن أبوا فو الذى نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى هذه أو لينفذن الله أمره» وهذا الحديث قد جمع من المحاسن والإحاطة فى بلاغة المعانى وفصاحة الألفاظ ما لا يقدر على وصفه قائل، ولا يستولى على حصر لطائفه مجيب ولا سائل.
المثال الثالث: من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه يخاطب فيه معاوية: «فاتّق الله وانظر فى حقه عليك، وارجع إلى معرفة مالا تعذر بجهالته، فنفسك نفسك، فقد بين الله لك سبيلك، وحيث تاهت بك أمرك فقد أجريت إلى غاية خسر ومحلة كفر، وإنّ نفسك قد أوصلتك شرا وأقحمتك عيا وأوردتك المهالك، وأوعرت عليك المسالك» . وقال ﵇: «عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته، قد بصرتم إن أبصرتم، وهديتم إن اهتديتم، عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه، من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن، لا ينال العبد نعمة ٧ لا بفراق أخرى، ولا يستفيد يوما من عمره إلا بفراق آخر من أجله، من أين ترجو البقاء وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شىء شرفا إلا أسرعا الكرة فى هدم ما بنيا وتفريق ما جمعا» . فهذا الكلام ما ترك للإيجاز غاية إلا وصلها، ولا نكتة
стр. 282
شريفة إلا حازها وحصّلها، ومن أعجب ما فيه أنه مشتمل على هذه الأسرار بألفاظه، ولو حذفت واحدة منها أخللت بمعناها الذى جاءت من أجل الدلالة عليه.
المثال الرابع: ما أثر فى ذلك من كلام البلغاء. فمن ذلك ما كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون، وكان واليه على عماله بعد لقائه بعيسى بن ماهان وهزمه لعسكره وقتله إياه، فكتب إلى المأمون يخبره بما كان منه فى ذلك فقال: «كتابى إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى ابن ماهان بين يدى وخاتمه فى يدى، وعسكره مصرّف تحت أمرى والسلام» . وهذا من عجائب الإيجاز وبليغ الاختصار التى حوت المطلوب، وحازت المقصود. ولما أرسل المهلّب بن أبى صفرة أبا الحسن المدائنى إلى الحجاج بن يوسف يخبره أخبار ما هو عليه فى ولايته فقال له الحجاج: «كيف تركت المهلّب» فقال له: «أدرك ما أمّل، وأمن مما خاف» فقال: «كيف هو تجده بجنده» . فقال: والد رءوف، فقال: «كيف جنده» له فقال: «أولاد بررة» ، قال: «كيف رضاهم عنه» . فقال: «وسعهم بفضله، وأغناهم بعدله» ، قال: «كيف تصنعون إذا لقيتم العدو» . قال: «نلقاهم بجدنا ويلقونا بجدهم» قال: «كذلك الجد إذا لقى الجد» . قال: «فأخبرنى عن بنى المهلب» قال: «هم أحلاس القتال بالليل حماة السّرح بالنهار» ، قال: «أيهم أفضل» . قال: «هم كحلقة مبهمة مضروبة لا يعرف طرفاها» قال الحجاج لجلسائه: «هذا والله الكلام الفصل الذى ليس بمصنوع ولا متكلف» .
المثال الخامس: ما ورد من الأبيات الشعرية. وهذا كقول أبى نواس فى صفة الخمر فى أوعيتها «١» :
تدار علينا الراح فى عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى وفى جنباتها ... مها تدّريها بالقسىّ الفوارس
فللراح ما زرّت عليها جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس
فما هذا حاله من الشعر الفائق والنظم الجيد الرائق. وحكى عن الجاحظ أبى عثمان أنه قال: «لا أعرف شعرا يفضل هذه الأبيات لابن هانىء، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلال، فقال: والله يا أبا عثمان إن هذا هو الشعر الذى لو نقر لطنّ، ومهما حركت أو تار نغماته لحنّ» . وحسبك به إعجابا اعتراف الجاحظ بحسنه، فإنه الماهر فى البلاغة والخريت فى
стр. 283
الفصاحة. ومن الإيجاز بالتقدير ما قاله على بن جبلة:
وما لامرىء حاولته منك مهرب ... ولو حملته فى السماء المطالع
بلى هارب لا يهتدى لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
ومن ذلك ما قاله النابغة الذبيانى «١» :
فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
ومن ذلك ما قاله الأعشى فى اعتذاره إلى أوس بن لأم لما هجاه:
وإنى على ما كان منى لنادم ... وإنى إلى أوس بن لأم لتائب
وإنى إلى أوس ليقبل عذرتى ... ويصفح عنى ما جنيت لراغب
فهب لى حياتى والحياة لقائم ... بسرك منها خير ما أنت واهب
سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق ... كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب
ولقد أتى الأعشى فى شعره هذا بالعجب العجاب وحير فيه الأفئدة وسحر الألباب، لما ضمنه فيه من رقة الألفاظ، التى تولّع بها كلّ ذكى حفّاظ.
الضرب الثانى فى بيان [الإيجاز بالقصر] ،
وهو الذى تزيد فيه المعانى على الألفاظ وتفوق، وكتاب الله تعالى مملوء منه، ولنورد فيه أمثلة خمسة كما فعلنا بالضرب الأول بمعونة الله تعالى.
«المثال الأول» قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)
[الأعراف: ١٩٩] فقد جمع فى هذه الآية جميع مكارم الأخلاق؛ لأن فى العفو الصفح عمن أساء، والرفق فى كل الأمور، والمسامحة والإغضاء، وفى قوله وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
صلة الأرحام، ومنع اللسان عن الكذب والغيبة، وغض الطرف عن كل مّحرم، وغير ذلك، وفى الإعراض عن الجهال، والصبر والحلم، وكظم الغيظ. فهذه الألفاظ وإن قلّت فقد أنافت معانيها على الغاية، ولم تقف على حد ونهاية، وهذا النوع هو أعلى طبقات الفصاحة مكانا، وأعوزها إمكانا. ومن هذا قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[البقرة: ١٧٩] فانظر إلى هذه اللفظة الجميلة كم يندرج تحتها من المعانى التى لا يمكن حصرها، ولا ينتهى أحد إلى
стр. 284
ضبطها، فأين هذه عما أثر عن العرب من قولهم «القتل أنفى للقتل» . وقد تميزت الآية عنه بوجوه ثلاثة، أما أولا فلأن قوله: الْقِصاصِ حَياةٌ
لفظتان، وما نقل عنهم فيه أربع كلمات. وأما ثانيا فالتكرير فيما قالوه، وليس فى الآية تكرير، وأما ثالثا فلأنه ليس كل قتل نافيا للقتل، وإنما يكون نافيا إذا كان على جهة القصاص، وكم فى القرآن من هذا القبيل.
«المثال الثانى» ما ورد عن الرسول ﷺ وهذا كقوله ﵇ «الخراج بالضّمان» .
والسبب فى ذلك هو أن رجلا اشترى من غيره عبدا فأقام عنده مدة ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله، إنى أستغل عبدى. فقال: «الخراج بالضمان» ومعنى هذا أن غلّته تكون للمشترى، لأنه لو تلف قبل الرد كان تالفا من ضمانه، فلهذا كان ضمانه عليه، ومن هذا قوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار فى الإسلام» ومعنى قوله: «لا ضرر» أى لا ينبغى لأحد أن يضر غيره، ومعنى قوله: «لا ضرار فى الإسلام» أنه لا ينبغى لك أن تضر أحدا، ولا ينبغى له أن يضرك. ومن هذا قوله ﷺ :
«المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء، وعوّدوا كلّ جسم ما اعتاد» فهذه الألفاظ الثلاثة قد جمعت من المعانى الحكمية، والأسرار الطيبة، ما لا يحيط بوصفه إلا الله. ومن هذا قوله ﵇ «الطمع فقر واليأس غنى» فهذا من جوامع الكلم التى خصّ بها.
«المثال الثالث» ما ورد من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه من الكلام القصير كقوله ﵇ من عرف نفسه فقد عرف قدره، من فكّر فى العواقب لم يشجع، الناس أعداء لما جهلوا، من استقبل وجوه الآراء عرف وجوه الخطاء، من أحدّ سنان الغضب لله قوى على قتل أسد الباطل، وقوله: إذا هبت أمرا فقع فيه، فإنّ وقوعك فيه أهون من توقّيه، آلة الرّياسة سعة الصدر، الطمع رق مؤبّد، ثمرة التفريط الندامة، وقال ﵇ أغض على القذى، وإلّا لم ترض أبدا، وقال: لكل مقبل إدبار، وما أدبر كان كأن لم يكن، لا يعدو من الصبور الظّفر وإن طال به الزمان، إلى غير ذلك من الكلمات القصيرة التى قصرت أطرافها وفاتت العد فى معانيها.
«المثال الرابع» ما أثر عن أهل البلاغة قال بعض الأعراب: اللهم هب لى حقك، وأرض عنى خلقك، فقال الرسول ﷺ : هذا هو البلاغة، وكما أثر عن الحريرى فى مقاماته استعمال المداراة، توجب المصافاة، وقوله ملك الخلائق شين الخلائق، التزام الحزامة ذمام السلامة، تطلب المثالب من المعايب، عند الأوجال، يتفاصل الرجال،
стр. 285
موجب الصبر، ثمرة النصر، إلى غير ذلك ولا يكاد يوجد إلا على القلة فى كلام الفصحاء، والقرآن يوجد فيه كثير، وما ذاك إلا لأنه قد حاز معظم البلاغة.
المثال الخامس ما ورد فيه من المنظوم وهذا كقول السموأل بن عادياء الغسانى «١» :
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
فهذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق من سماحة، وشجاعة، وتواضع، وحلم، وصبر، وتكلّف، واحتمال المكاره، فإن هذه الأمور كلها مما تضيم النفوس لما يحصل فى تحملها من المشقة والعناء، ومن ذلك ما قاله أبو تمام:
وظلمت نفسك طالبا إنصافها ... فعجبت من مظلومة لم تظلم
وأراد بقوله: ظلمت نفسك طالبا إنصافها، أنك أكرمتها على تحمل الأثقال فى مشاق الأمور، فإذا فعلت ذلك فقد ظلمتها، ثم إنك مع ظلمك إياها فقد أنصفتها؛ لأنك جلبت إليها أشياء حسنة تكسبها ذكرا جميلا، ومجدا مؤثّلا، فكنت منصفا لها فى صورة ظالم، ومعنى قوله فعجبت من مظلومة لم تظلم، أنك ظلمتها وما ظلمتها فى الحقيقة، فقد أعجب فى بيته هذا بجمعه فيه بين النقيضين الظلم، والإنصاف كما ترى، ولنقتصر على هذا من حقائق الإيجاز ففيه كفاية.
следующие страницы →