← Баляга

Баляга · id 23788

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المؤيد العلوي

Полный текст (682 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وتقطع أوصاله «ثم إذا شاء أنشره» فى الآخرة للجزاء على الأعمال «كلا» ردع وزجر، عقّبها فى آخر الكلام تنبيها على أن الإنسان على ما هو فيه مما وصف من حاله «لما يقض» شيئا مما أمره الله وأنه مقصر فى حق الله لا يألو جهدا فى الإصرار والمخالفة، فقد حصل هذا الكلام على نهاية المطابقة للمقصود منه، فلو أردت زيادة عليه لكانت فضلا، ولو أردت نقصانا منه لكان إخلالا، ومنه قوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة: ٢٣٦] وقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [الروم: ٤٤] وقوله تعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) [الطور: ٢١] وقوله تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ [البقرة: ٢٧٥] ومواقعه فى التنزيل كثيرة. المثال الثانى: ما ورد من السنة الشريفة كقوله ﷺ : «الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك مشتبهات» فهذا من أجمع ما يكون للمعانى البالغة، ومن هذا قوله ﵇ «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى» وقوله ﷺ : «الضعيف أمير الركب» وفى حديث آخر «سيروا بسير أضعفكم» وقوله لمعاذ «صلّ بهم صلاة أضعفهم» وقوله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ومن ذلك ما قاله خطابا لقريش «يا ويح قريش لقد نهكتهم الحرب ما ضرهم لو ماددناهم مدة ويدعوا بينى وبين الناس فإن أظهر عليهم دخلوا فى دين الله وافرين وإلا كانوا قد حموا وإن أبوا فو الذى نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى هذه أو لينفذن الله أمره» وهذا الحديث قد جمع من المحاسن والإحاطة فى بلاغة المعانى وفصاحة الألفاظ ما لا يقدر على وصفه قائل، ولا يستولى على حصر لطائفه مجيب ولا سائل. المثال الثالث: من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه يخاطب فيه معاوية: «فاتّق الله وانظر فى حقه عليك، وارجع إلى معرفة مالا تعذر بجهالته، فنفسك نفسك، فقد بين الله لك سبيلك، وحيث تاهت بك أمرك فقد أجريت إلى غاية خسر ومحلة كفر، وإنّ نفسك قد أوصلتك شرا وأقحمتك عيا وأوردتك المهالك، وأوعرت عليك المسالك» . وقال ﵇: «عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته، قد بصرتم إن أبصرتم، وهديتم إن اهتديتم، عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه، من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن، لا ينال العبد نعمة ٧ لا بفراق أخرى، ولا يستفيد يوما من عمره إلا بفراق آخر من أجله، من أين ترجو البقاء وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شىء شرفا إلا أسرعا الكرة فى هدم ما بنيا وتفريق ما جمعا» . فهذا الكلام ما ترك للإيجاز غاية إلا وصلها، ولا نكتة

стр. 282

شريفة إلا حازها وحصّلها، ومن أعجب ما فيه أنه مشتمل على هذه الأسرار بألفاظه، ولو حذفت واحدة منها أخللت بمعناها الذى جاءت من أجل الدلالة عليه. المثال الرابع: ما أثر فى ذلك من كلام البلغاء. فمن ذلك ما كتبه طاهر بن الحسين إلى المأمون، وكان واليه على عماله بعد لقائه بعيسى بن ماهان وهزمه لعسكره وقتله إياه، فكتب إلى المأمون يخبره بما كان منه فى ذلك فقال: «كتابى إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى ابن ماهان بين يدى وخاتمه فى يدى، وعسكره مصرّف تحت أمرى والسلام» . وهذا من عجائب الإيجاز وبليغ الاختصار التى حوت المطلوب، وحازت المقصود. ولما أرسل المهلّب بن أبى صفرة أبا الحسن المدائنى إلى الحجاج بن يوسف يخبره أخبار ما هو عليه فى ولايته فقال له الحجاج: «كيف تركت المهلّب» فقال له: «أدرك ما أمّل، وأمن مما خاف» فقال: «كيف هو تجده بجنده» . فقال: والد رءوف، فقال: «كيف جنده» له فقال: «أولاد بررة» ، قال: «كيف رضاهم عنه» . فقال: «وسعهم بفضله، وأغناهم بعدله» ، قال: «كيف تصنعون إذا لقيتم العدو» . قال: «نلقاهم بجدنا ويلقونا بجدهم» قال: «كذلك الجد إذا لقى الجد» . قال: «فأخبرنى عن بنى المهلب» قال: «هم أحلاس القتال بالليل حماة السّرح بالنهار» ، قال: «أيهم أفضل» . قال: «هم كحلقة مبهمة مضروبة لا يعرف طرفاها» قال الحجاج لجلسائه: «هذا والله الكلام الفصل الذى ليس بمصنوع ولا متكلف» . المثال الخامس: ما ورد من الأبيات الشعرية. وهذا كقول أبى نواس فى صفة الخمر فى أوعيتها «١» : تدار علينا الراح فى عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس قرارتها كسرى وفى جنباتها ... مها تدّريها بالقسىّ الفوارس فللراح ما زرّت عليها جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس فما هذا حاله من الشعر الفائق والنظم الجيد الرائق. وحكى عن الجاحظ أبى عثمان أنه قال: «لا أعرف شعرا يفضل هذه الأبيات لابن هانىء، ولقد أنشدتها أبا شعيب القلال، فقال: والله يا أبا عثمان إن هذا هو الشعر الذى لو نقر لطنّ، ومهما حركت أو تار نغماته لحنّ» . وحسبك به إعجابا اعتراف الجاحظ بحسنه، فإنه الماهر فى البلاغة والخريت فى

стр. 283

الفصاحة. ومن الإيجاز بالتقدير ما قاله على بن جبلة: وما لامرىء حاولته منك مهرب ... ولو حملته فى السماء المطالع بلى هارب لا يهتدى لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع ومن ذلك ما قاله النابغة الذبيانى «١» : فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع ومن ذلك ما قاله الأعشى فى اعتذاره إلى أوس بن لأم لما هجاه: وإنى على ما كان منى لنادم ... وإنى إلى أوس بن لأم لتائب وإنى إلى أوس ليقبل عذرتى ... ويصفح عنى ما جنيت لراغب فهب لى حياتى والحياة لقائم ... بسرك منها خير ما أنت واهب سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادق ... كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب ولقد أتى الأعشى فى شعره هذا بالعجب العجاب وحير فيه الأفئدة وسحر الألباب، لما ضمنه فيه من رقة الألفاظ، التى تولّع بها كلّ ذكى حفّاظ. الضرب الثانى فى بيان [الإيجاز بالقصر] ، وهو الذى تزيد فيه المعانى على الألفاظ وتفوق، وكتاب الله تعالى مملوء منه، ولنورد فيه أمثلة خمسة كما فعلنا بالضرب الأول بمعونة الله تعالى. «المثال الأول» قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) [الأعراف: ١٩٩] فقد جمع فى هذه الآية جميع مكارم الأخلاق؛ لأن فى العفو الصفح عمن أساء، والرفق فى كل الأمور، والمسامحة والإغضاء، وفى قوله وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ صلة الأرحام، ومنع اللسان عن الكذب والغيبة، وغض الطرف عن كل مّحرم، وغير ذلك، وفى الإعراض عن الجهال، والصبر والحلم، وكظم الغيظ. فهذه الألفاظ وإن قلّت فقد أنافت معانيها على الغاية، ولم تقف على حد ونهاية، وهذا النوع هو أعلى طبقات الفصاحة مكانا، وأعوزها إمكانا. ومن هذا قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [البقرة: ١٧٩] فانظر إلى هذه اللفظة الجميلة كم يندرج تحتها من المعانى التى لا يمكن حصرها، ولا ينتهى أحد إلى

стр. 284

ضبطها، فأين هذه عما أثر عن العرب من قولهم «القتل أنفى للقتل» . وقد تميزت الآية عنه بوجوه ثلاثة، أما أولا فلأن قوله: الْقِصاصِ حَياةٌ لفظتان، وما نقل عنهم فيه أربع كلمات. وأما ثانيا فالتكرير فيما قالوه، وليس فى الآية تكرير، وأما ثالثا فلأنه ليس كل قتل نافيا للقتل، وإنما يكون نافيا إذا كان على جهة القصاص، وكم فى القرآن من هذا القبيل. «المثال الثانى» ما ورد عن الرسول ﷺ وهذا كقوله ﵇ «الخراج بالضّمان» . والسبب فى ذلك هو أن رجلا اشترى من غيره عبدا فأقام عنده مدة ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله، إنى أستغل عبدى. فقال: «الخراج بالضمان» ومعنى هذا أن غلّته تكون للمشترى، لأنه لو تلف قبل الرد كان تالفا من ضمانه، فلهذا كان ضمانه عليه، ومن هذا قوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار فى الإسلام» ومعنى قوله: «لا ضرر» أى لا ينبغى لأحد أن يضر غيره، ومعنى قوله: «لا ضرار فى الإسلام» أنه لا ينبغى لك أن تضر أحدا، ولا ينبغى له أن يضرك. ومن هذا قوله ﷺ : «المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء، وعوّدوا كلّ جسم ما اعتاد» فهذه الألفاظ الثلاثة قد جمعت من المعانى الحكمية، والأسرار الطيبة، ما لا يحيط بوصفه إلا الله. ومن هذا قوله ﵇ «الطمع فقر واليأس غنى» فهذا من جوامع الكلم التى خصّ بها. «المثال الثالث» ما ورد من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه من الكلام القصير كقوله ﵇ من عرف نفسه فقد عرف قدره، من فكّر فى العواقب لم يشجع، الناس أعداء لما جهلوا، من استقبل وجوه الآراء عرف وجوه الخطاء، من أحدّ سنان الغضب لله قوى على قتل أسد الباطل، وقوله: إذا هبت أمرا فقع فيه، فإنّ وقوعك فيه أهون من توقّيه، آلة الرّياسة سعة الصدر، الطمع رق مؤبّد، ثمرة التفريط الندامة، وقال ﵇ أغض على القذى، وإلّا لم ترض أبدا، وقال: لكل مقبل إدبار، وما أدبر كان كأن لم يكن، لا يعدو من الصبور الظّفر وإن طال به الزمان، إلى غير ذلك من الكلمات القصيرة التى قصرت أطرافها وفاتت العد فى معانيها. «المثال الرابع» ما أثر عن أهل البلاغة قال بعض الأعراب: اللهم هب لى حقك، وأرض عنى خلقك، فقال الرسول ﷺ : هذا هو البلاغة، وكما أثر عن الحريرى فى مقاماته استعمال المداراة، توجب المصافاة، وقوله ملك الخلائق شين الخلائق، التزام الحزامة ذمام السلامة، تطلب المثالب من المعايب، عند الأوجال، يتفاصل الرجال،

стр. 285

موجب الصبر، ثمرة النصر، إلى غير ذلك ولا يكاد يوجد إلا على القلة فى كلام الفصحاء، والقرآن يوجد فيه كثير، وما ذاك إلا لأنه قد حاز معظم البلاغة. المثال الخامس ما ورد فيه من المنظوم وهذا كقول السموأل بن عادياء الغسانى «١» : وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل فهذا البيت قد اشتمل على مكارم الأخلاق من سماحة، وشجاعة، وتواضع، وحلم، وصبر، وتكلّف، واحتمال المكاره، فإن هذه الأمور كلها مما تضيم النفوس لما يحصل فى تحملها من المشقة والعناء، ومن ذلك ما قاله أبو تمام: وظلمت نفسك طالبا إنصافها ... فعجبت من مظلومة لم تظلم وأراد بقوله: ظلمت نفسك طالبا إنصافها، أنك أكرمتها على تحمل الأثقال فى مشاق الأمور، فإذا فعلت ذلك فقد ظلمتها، ثم إنك مع ظلمك إياها فقد أنصفتها؛ لأنك جلبت إليها أشياء حسنة تكسبها ذكرا جميلا، ومجدا مؤثّلا، فكنت منصفا لها فى صورة ظالم، ومعنى قوله فعجبت من مظلومة لم تظلم، أنك ظلمتها وما ظلمتها فى الحقيقة، فقد أعجب فى بيته هذا بجمعه فيه بين النقيضين الظلم، والإنصاف كما ترى، ولنقتصر على هذا من حقائق الإيجاز ففيه كفاية.

стр. 286

الفصل السابع فى بيان [الالتفات] اعلم أن الالتفات من أجل علوم البلاغة وهو أمير جنودها، والواسطة فى قلائدها وعقودها، وسمى بذلك أخذا له من التفات الإنسان يمينا وشمالا، فتارة يقبل بوجهه وتارة كذا، وتارة كذا، فهكذا حال هذا النوع من علم المعانى، فإنه فى الكلام ينتقل من صيغة إلى صيغة، ومن خطاب إلى غيبة، ومن غيبة إلى خطاب إلى غير ذلك من أنواع الالتفات، كما سنوضحه، وقد يلقب بشجاعة العربية، والسبب فى تلقيبه بذلك، هو أن الشجاعة هى الإقدام، والرجل إذا كان شجاعا فإنه يرد الموارد الصعبة، ويقتحم الورط العظيمة حيث لا يردها غيره، ولا يقتحمها سواه، ولا شك أن الالتفات مخصوص بهذه اللغة العربية دون غيرها، ومعناه فى مصطلح علماء البلاغة، هو العدول من أسلوب فى الكلام إلى أسلوب آخر مخالف للأول، وهذا أحسن من قولنا: هو العدول من غيبة إلى خطاب، ومن خطاب إلى غيبة؛ لأن الأول يعم سائر الالتفاتات كلها، والحد الثانى إنما هو مقصور، على الغيبة والخطاب لا غير، ولا شك أن الالتفات قد يكون من الماضى إلى المضارع، وقد يكون على عكس ذلك، فلهذا كان الحد الأول هو أقوى دون غيره، فإذا عرفت هذا فاعلم أن لعلماء البلاغة فى الوجه الذى لأجله دخل الالتفات فى الكلام أقوالا ثلاثة، فالقول الأول وهو الذى عول عليه ابن الأثير، وحاصل ما قاله هو أنه لا يختص بضابط يجمعه، ولكنه يكون على حسب مواقعه فى البلاغة، وموارده فى الخطاب، وآل كلامه إلى أن الناظر إنما يعرف حسن مواقع الالتفات إذا نظر فى كل موضع يكون فيه الالتفات، فيعرف قدر بلاغته بالإضافة إلى ذلك الموقع بعينه، فأما أن يكون مضبوطا بضابط واحد فلا وجه له، هذا ملخص كلامه بعد حذف أكثر فضلاته. القول الثانى محكى عن بعض من خاض فى علوم البيان، وتقرير ما قاله: هو أن ذلك من عادة العرب وأساليبها فى الكلام، وزيّف ابن الأثير هذه المقالة، وقال هذا التعليل هو مثل عكاز العميان، وأراد بما قاله من عكّاز العميان، هو أن عكاز الأعمى لا يسئل عن علة حاجته إليه، فإن علة حاجته إليه ظاهرة لا تحتاج إلى بيان وكشف، فكذا ما قالوه من تعليل ورود الالتفات بكونه أسلوبا من أساليب الكلام، فإن كونه أسلوبا من أساليب الكلام ظاهر لا يحتاج إلى بيان، وهو لعمرى كما قاله، فإن كلامه لا فائدة فيه.

стр. 287

القول الثالث محكى عن الزمخشرى، وحاصل مقالته هو أن ورود الالتفات فى الكلام إنما يكون إيقاظا للسامع عن الغفلة، وتطريبا له بنقله من خطاب إلى خطاب آخر، فإن السامع ربما ملّ من أسلوب فينقله إلى أسلوب آخر، تنشيطا له فى الاستماع، واستمالة له فى الإصغاء إلى ما يقوله، وما ذكره الزمخشرى لا غبار على وجهه، وهو قول سديد يشير إلى مقاصد البلاغة، ويعتضد بتصرف أهل الخطاب، ومن مارس طرفا من علوم الفصاحة لاح له على القرب، أن ما قاله الزمخشرى قوى من جهة النظر، يدرى كنهه النظّار، ويتقاعد عن فهمه الأغمار، وقد زعم ابن الأثير ردا لكلام الزمخشرى بوجهين، أحدهما أنه قال إنما جاز الالتفات من أجل التنشيط للسامع، واعترضه بأن الكلام لو كان فصيحا لم يكن مملولا، وهذا خطأ وجهل بمقاصد البلاغة، فإن مثل هذا لا يزيل فصاحة الكلام، ولا ينقص من بلاغته، ولهذا فإنه لو ترك فيه الالتفات فإنه باق على الفصاحة، ولكن الغرض أن خروجه من أسلوب الخطاب إلى الغيبة، يزيد فى البلاغة ويحسّنها، ويكون الخطاب مع ما ذكرناه أوقع وأكشف عن المراد وأرفع. وثانيهما قوله: إن ما قاله الزمخشرى إنما يوجد فى الكلام المطول، والالتفات كما يستعمل فى الطويل فهو يستعمل فى القصير، وهذا فاسد أيضا فإن الزمخشرى لم يشترط التطويل فى حسن الالتفات، فينتقض بما ذكرته، وإنما أراد تحصيل الإيقاظ وازدياد النشاط بذكر الالتفات، وهذا حاصل فى الكلام سواء كان طويلا أو قصيرا، فإذن لا وجه لكلام ابن الأثير على ما قصده الزمخشرى وانتحاه، ومن العجب أنه شنّع فيما أورده على الزمخشرى وقال: كيف ذهب عنه معرفته مع إحاطته بفن البلاغة والفصاحة، وما درى أن ما قاله خير مما أتى به ابن الأثير، فإن ما أراده الزمخشرى معنى يليق بالبلاغة، ويزيدها قوة، وما ذكره ابن الأثير رد إلى عماية، وقول ليس له حاصل، ولا يدرك له نهاية، وما عابه إلا لأنه لم يطلع على أغواره، ولا أحاط بكنهه، ودقيق أسراره، ولقد صدق من قال «١» : وكم من عائب قولا سليما ... وآفته من الفهم السقيم وإذا تم ما ذكرناه فلنرجع إلى تقرير الالتفات وتقرير أساسه، فنقول الالتفات يرد على أضرب ثلاثة: الضرب الأول ما يرجع إلى [الغيبة، والخطاب، والتكلم] ، فأما الرجوع من الغيبة إلى

стр. 288

الخطاب فكقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) [الفاتحة: ٢] ثم قال بعد ذلك: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) [الفاتحة: ٥] لأن ما تقدم من قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ إنما هو للغائب ولو أراد الخطاب، لقال الحمد لك، لأنك أنت رب العالمين، وقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) [مريم: ٨٨- ٨٩] ولو أراد الغيبة لقال لقد جاءوا شيئا إدا، وإنما عدل عنه إلى الخطاب لما ذكرناه من الإيقاظ والتنشيط، ومن ذلك قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: ١] فهذا وارد على جهة الغيبة، ثم قال: الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ [الإسراء: ١] وهذا وارد على جهة التكلم، ثم قال: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) [الإسراء: ١] وهذا غيبة أيضا، ولو جاء به على أسلوب واحد من غير الالتفات لقال «سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير» ، وإنما فعل ذلك من الالتفات دلالة على ما قلناه. ومن هذا قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [فصلت: ١١] فهذا كلام على جهة الغيبة إلى قوله: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [فصلت: ١٢] ثم قال: وَزَيَّنَّا السَّماءَ [فصلت: ١٢] وهذا على جهة التكلم بعد الغيبة. ثم قال: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) [فصلت: ١٢] وهو غيبة أيضا. وقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس: ٢٢] خطاب لهم، ثم قوله بعده: وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: ٢٢] غيبة بعد الخطاب، وهذا كثير الدور فى القرآن الكريم لمن تأمله. الضرب الثانى مختص بالأفعال [الالتفات من الافعال الخبريه الى الافعال الانشائيه] وهو الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وهذا كقوله تعالى فى قصة هود قال: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ [هود: ٥٤- ٥٥] ولو أراد المساواة بين الفعلين، لقال أشهد الله وأشهدكم. وقد يكون رجوعا عن الفعل الماضى إلى فعل الأمر، وهذا مثاله قوله تعالى: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٢٩] ولو جاء به على أسلوب واحد لقال: أمر ربّى بالقسط وأمركم أن تقيموا وجوهكم، فعلى الناظر إعمال نظره وحك قريحته فيما أوردناه من هذه الأمثلة وأن يضع فى نفسه أن الانتقال من صيغة إلى صيغة إنما يكون من أجل الالتفات ليكمل أمر الخطاب وتتفاوت درجته فى البلاغة، وهذا إنما يدرك بالذوق الصافى الخالص عن شوب البلادة، وما هذا حاله فهو من دقيق علم البلاغة وغامضها. الضرب الثالث مختص بالأفعال كالأول [الالتفات من الافعال الخبريه الى الافعال الخبريه] ، خلا أن الأول كان الانتقال فيه من الماضى إلى

стр. 289

المستقبل، وهما خبران إلى الإنشاء، وهو فعل الأمر، وههنا أخبار كلها، المنتقل عنه، والمنتقل إليه، وذلك يأتى على وجهين. الوجه الأول: [الانتقال عن الماضى إلى المضارع] ، ومثاله قوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩) [فاطر: ٩] فوسّط قوله: فَتُثِيرُ سَحاباً ، وجاء به على جهة المضارعة والاستقبال بين فعلين ماضيين، وهما قوله: أَرْسَلَ ، فَسُقْناهُ ، والسر فى مثل هذا، هو أن الفعل المستقبل يوضح الحال، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن الإنسان يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضى إذا عطف؛ لأنه لا يعطى هذا المعنى ولا يدل عليه، فإذا قال فتثير، على جهة الاستقبال بعد ما مضى قوله: «أرسل» . فإنما يكون دالا على حكاية الحال التى تقع فيها إثارة الريح للسحاب، واستحضار لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة، وكذلك تفعل فيما هذا حاله، فإنك تقرره على هذا الضابط، وهكذا ورد قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج: ٢٥] وإنما جاء به على صيغة المضارع، وعدل عن عطف الماضى على الماضى تنبيها على أن كفرهم ثابت مستمر غير متجدد، بخلاف الصّد، فإنه متجدد على ممر الأوقات، وتكرر الساعات، فلهذا جاء به على صيغة المضارع، منبها على ذلك. ومن هذا النوع قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [الحج: ٦٣] ولم يقل «فأصبحت» عطفا على أَنْزَلَ ، إشارة إلى أن إنزال الماء قد انقضى ومضى، واخضرار الأرض متجدد كما تقول «أنعم علّى فلان، فأروح وأغدو شاكرا له» ، ولو قلت «فغدوت شاكرا له» لم يفد تلك الفائدة. لا يقال: فهب أن الفعل جاء مضارعا من أجل التنبيه على الذى ذكرتموه فأراه لم يكن منصوبا جوابا للاستفهام بالهمزة فى قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ وعدل به عن القياس المطرد وهو النصب، لأنا نقول: النصب إنما يكون إذا كان الأول سببا للثانى كقولك: «أتقوم فأقوم» وههنا ليست الرؤية سببا فى كون الأرض تصبح مخضرة، فلهذا وجب رفعه للدلالة على أنها تكون مخضرة عقيب الإنزال للماء عليه من غير إشارة إلى السببية، وعلى هذا يكون المعنى فيه نهاية البلاغة. ومما ينخرط فى هذا السلك: ما روى من حديث الزبير بن العوام فى غزوة بدر فإنه قال: لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص وهو على فرس وعليه لأمة كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول أنا أبو ذات الكرش، وفى يدى عنزة فأطعن بها فى عينه فوقع، ثم

стр. 290

أطأ برجلى على خده حتى خرجت العنزة من عنقه، فقوله «أطعن» ، «وأطأ» ، على صيغة الفعل المضارع إنما جرى على قصد المبالغة. الوجه الثانى: [الانتقال من المضارع إلى الماضى] ، وهذا كقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [النمل: ٨٧] لأن إيثار الماضى والعدول إليه دال على مبالغة فى الثبوت والاستقرار، ومن هذا قوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ [الكهف: ٤٧] ولم يقل: «ونحشرهم» . وقد يعدل إلى لفظ اسم المفعول عن الفعل الماضى، إجراء له مجرى الفعل المضارع، ومثاله قوله تعالى: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) [هود: ١٠٣] لأن التقدير فيه، «ذلك يوم يجمع فيه الناس» ، ويؤيده قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [التغابن: ٩] . ومما جاء فى الالتفاتات من الأبيات الشعرية قول جرير «١» : متى كان الخيام بذى طلوح ... سقيت الغيث أيّتها الخيام فهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب. وكقول امرىء القيس «٢» : تطاول ليلك بالإثمد ... ونام الخلّى ولم ترقد وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذى العائر الأرمد وذلك من نبأ جاءنى ... وخبّرته عن أبى الأسود الأبيات، فتحصل من مجموع ما ذكرناه أن أهل البلاغة من العرب دأبهم الالتفات، ويستكثرون منه، وما ذاك إلا لأنهم يرون الانتقال من أسلوب إلى أسلوب أدخل فى القبول عند السامع وأكثر لنشاطه، وأعظم فى إصغائه، وإذا كانوا يستحسنون قرى الأضياف وهو دأبهم وعليه هجيرهم وعادتهم فيخالفون فيه بين لون ولون، وطعم وطعم، أفلا يستحسنون نشاط الأفئدة وملاءمة القلوب بالمخالفة بين أسلوب. وأسلوب، بل يكون هذا أجدر فإن اقتدارهم على مخالفة أساليب الكلام أكثر من اقتدارهم على مخالفة الأطعمة؛ لأن البلاغة فى الكلام عليهم أيسر، وهم عليها أمكن وأقدر، فهذا ما أردناه من إيراد ما يتعلق بالالتفات من الخطاب.

стр. 291

الفصل الثامن ما يتعلق بالإضمار اعلم أن هذه الضمائر لها جانبان، أحدهما يتعلق بجانب الإعراب، والآخر يتعلق بجانب المعانى، فالذى يتعلق بالإعراب قد ذكرناه فى موضعه وأودعناه أسرارا بديعة كلها مختصة بحقائق الإعراب. والذى نذكره ههنا ما يتعلق بعلوم البلاغة وحقائقها، وتمام المقصود منه يحصل برسم مسائل: المسئلة الأولى: فى [ضمير الشأن والقصة] ، ويكون مرفوعا، ومنصوبا، لاتصاله بالعوامل الرافعة والناصبة، فإذا وقع مرفوعا فتارة يكون منفصلا كقولك «هو زيد قائم» ، وقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: ١] وقوله تعالى: فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنبياء: ٩٧] فى أحد وجهيه. ومرة يكون متصلا كقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ [الحج: ٤٦] وقوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن: ١٩] ونحو قولك: «ظننته زيد قائم» ، هذا كله فى متصل المنصوب. فأما متصل المرفوع فكقولك: «كان زيد قائم» وقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ [التوبة: ١١٧] وإنما خلطناهما فى التمثيل أعنى المنصوب والمرفوع لاشتراكهما فى الاتصال، فإذا تقرر هذا فاعلم أن ضمير الشأن والقصة على اختلاف أحواله، إنما يرد على جهة المبالغة فى تعظيم تلك القصة وتفخيم شأنها وتحصيل البلاغة فيه من جهة إضماره أولا، وتفسيره ثانيا، لأن الشىء إذا كان مبهما فالنفوس متطلعة إلى فهمه ولها تشوق إليه، فلأجل هذا حصلت فيه البلاغة، ولأجل ما فيه من الاختصاص بالإبهام لا يكاد يرد إلا فى المواضع البليغة المختصة بالفخامة. المسئلة الثانية: فى [الضمير فى «نعم وبئس» ] هو قولك «نعم رجلا زيد» «وبئس غلاما عمرو» ، فانتصاب ما بعدهما من النكرات إنما يكون على جهة التفسير لما تضمنا من الضمائر الدالة على الحقيقة الذهنية، ولهذا فإنه إذا ظهر فلا بد من اشتراط كونه جنسا فتقول فيه: «نعم الرجل زيد» ، «وبئس الغلام عمرو» ، وفى هذا دلالة على كون الضمير دالا على الأمر الذهنى، لما فسر بالجنس لما فيه من الدلالة على الحقيقة الذهنية، وهو إنما أضمر على جهة المبالغة فى المدح والذم وهو من الباب الذى أبهم ثم فسر، فتوجّه البلاغة

стр. 292

فيه من حيث كان مبهما، فكان للأفئدة تطلّع إلى فهمه وللقلوب تعلّق به ولها غرام بإيضاحه، وقول النحاة «نعم وبئس» موضوعان لإفادة المدح العام والذم العام يشيرون به إلى ما قلناه من دلالته على الحقيقة الذهنية. المسئلة الثالثة فى [الضمير المتوسط بين المبتدأ والخبر] وعواملهما ، وهذا كقولك كان زيد هو القائم، وزيد هو القائم، وظننت زيدا هو القائم قال الله تعالى: وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) [القصص: ٥٨] ، إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَ [الكهف: ٣٩] وقوله تعالى: وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) [الزخرف: ٧٦] والكسائى وغيره من نحاة الكوفة يسمونه العماد، لمطابقته لما قبله، وسيبويه وغيره من نحاة البصرة يسمونه الفصل؛ لأنه ورد فاصلا بين كونه وصفا وغير وصف، فأما الدلالة على اسميته وموضعه من الإعراب فذكره إنما يليق بالمباحث الإعرابية، والذى نتعرض لذكره ههنا ما يختص بالبلاغة والفصاحة، وقد ورد فى كتاب الله تعالى وفى غيره كما تلونا من هذه الآيات، فوروده إنما كان من أجل التأكيد المعنوى، وفيه دلالة على الاختصاص فقوله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) [البقرة: ٢٥٤] وقوله تعالى: وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) [الزخرف: ٧٦] ، إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَ [الكهف: ٣٩] إلى غير ذلك من الضمائر التى وردت على هذه الصفة فإنها مفيدة للتأكيد كما ترى، لأن الكلام مع ذكرها أبلغ، فأنت لو قلت والكافرون الظالمون، ولكن كانوا الظالمين، وأسقطت هذه الضمائر، فإنك تجد فرقا بين الحالتين فى التأكيد وعدمه، وكما هى مفيدة للتأكيد كما ترى ففيها دلالة على الاختصاص؛ لأنه إذا قال والكافرون هم الظالمون، فإنما جاء بالضمير ليدل على أنهم لكفرهم اختصوا بمزيد الظلم الفاحش، وقوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: ٤] فيه دلالة على مزيد اختصاصهم بالإيمان واستحقاقهم لصفته من بين سائر الخلق فيؤخذ الاختصاص والتأكيد من هذا الضمير كما أشرنا إليه. المسألة الرابعة فى [توكيد الضمائر] اعلم أن دخول التأكيد فى الكلام ليس أمرا حتما، ولا يكون على جهة الوجوب، وإنما يكون وروده على وجهين، أحدهما: أن يكون المعنى

стр. 293

معلوما فى النفس لا يقع فيه شك، فما هذا حاله أنت فيه بالخيار بين تأكيده وتركه، وثانيهما: أن يكون غير معلوم أو يكون مشكوكا فيه، وما هذا حاله فالأولى تأكيده، لإزالة احتماله، ثم التأكيد فى الضمائر بالإضافة إلى الاتصال والانفصال على أوجه ثلاثة، أولها تأكيد المنفصل بمثله، وهذا كقولك أنت أنت وأنا أنا. قال أبو الطيب المتنبى «١» : قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدّك بشر الملك الهمام فقوله أنت أنت من تأكيد المنفصل بمثله، وفائدته المبالغة فى مدحه بأبلغ ما يكون، فإنه لو مدحه بما شاء الله من الأوصاف الدالة على الثناء لما سدّ مسدّ قوله أنت أنت، كأنه قال أنت المشار إليه بالفضل دون غيره، فأما قوله وأنت منهم، فإنه وإن كان دالا على المدح، لكنه خارج عما نحن فيه من التأكيد وأراد وأنت من هذا القبيل، يريد مدح قبيلته بكونه منهم، فتأمل ما تضمنه هذا البيت من مدحه، ومدح القبيلة ومدح جده، وهذا من بدائع أبى الطيب ونفيس معانيه. وثانيها تأكيد المتصل بمثله فى الاتصال ومثاله قولك: وإنك إنك لعالم، وكقوله تعالى فى سورة الكهف فى آية السفينة بعد المخالفة: قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢) [الكهف: ٧٢] من غير تأكيد ثم قال فى آية القتل الثانية: قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ [الكهف: ٧٥] بالتأكيد، والتفرقة بين الأمرين هو أنه أكد الضمير فى الثانية دون الأولى، لأن المخالفة فى الثانية أعظم جرما، وأدخل فى التعنيف لأجل الإصرار على المخالفة، فلهذا ورد العتاب مؤكدا بعد الخلاف لما ذكرناه. وثالثها توكيد المتصل بالمنفصل ومثاله قوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) [طه: ٦٧- ٦٨] فهذا التوكيد قد دل على طمأنينة نفس موسى، وعلى الغلبة بالقهر والنصر، وفى قوله: إنك أنت الأعلى، نهاية البلاغة، بدليل أمور ستة، أما أولا فإتيان «إن» المشددة فى أول الخطاب لتأكيد الأمر وتقدير ثبوته، وأما ثانيا فتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل مبالغة فى تخصيصه بالقهر والغلبة، وأما ثالثا: فالإتيان بلام التعريف فى قوله الأعلى، ولم يقل أعلى ولا عال؛ لأنها دالة على الاختصاص كأنه قال أنت الأعلى دون غيرك، وفيه تعريض بأمرهم، وتهكم بحالهم، وإبطال لما هم عليه من

стр. 294

أمر السحر، وأما رابعا: فقوله الأعلى، إنما جاء بلفظة أفعل، ولم يقل العالى لأن مجيئها على جهة الزيادة فى تلك الخصلة للمبالغة، وأما خامسا: فتحقيق الغلبة بقوله الأعلى، لأن معناه الأغلب، وعدل إلى لفظ الأعلى لما فيه من الدلالة على الغلبة بالفوقية لا بالمساواة، وأما سادسا: فلأنه أتى بقوله إنك أنت الأعلى، على جهة الاستئناف، ولم يقل قلنا لا تخف لأنك أنت الأعلى؛ لأنه لم يجعل عدم الخوف سببا لكونه غالبا عليهم، وإنما نفى عنه الخوف بقوله لا تخف، ثم استأنف الكلام بقوله إنك أنت الأعلى، فلا جرم كان أبلغ فى شرح صدر موسى وأقر لعينه فى القهر والاستيلاء، فينحلّ من مجموع ما ذكرناه إفادة البلاغة من التأكيد كما أشرنا إليه، وهذا من لطيف علم البيان، ومما تكثر فيه النكت والغرائب البديعة، فأما تأكيد المنفصل بالمتصل فلم يرد فى كلام العرب فلا حاجة بنا إلى الكلام عليه. المسألة الخامسة [الإظهار فى موضع الإضمار] ، واعلم أن هذا وإن كان معدودا من علم الإعراب لكن له تعلّق بعلم المعانى، وذلك أن الإفصاح بإظهاره فى موضع الإضمار له موقع عظيم وفائدة جزلة، وهو تعظيم حال الأمر المظهر والعناية بحقه، ومثاله قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [العنكبوت: ١٩] ثم قال بعد ذلك ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ [العنكبوت: ٢٠] فانظرا إلى إظهاره اسمه ﷻ فى قوله: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ وكان قياس الإعراب ثم ينشىء النشأة الآخرة، لأنه قد تقدم ما يفسر هذا الضمير وهو قوله: كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ والفائدة فى ذلك هو المبالغة فى الأمر المظهر وإظهار الفخامة فيه، كقوله تعالى: الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) [القارعة: ١- ٢] وقوله: الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) [الحاقة: ١- ٢] وقد يرد الإظهار على جهه الإنكار وشدة الغضب والتهكم بحالهم والتعجب من عنادهم وجحدهم، وهذا كقوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا [ص: ١- ٢] ثم قال بعد ذلك وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) [ص: ٤] والغرض هو إفراط النكير عليهم والتعريض بأنهم الكفرة حقا أهل التمرد الذى لا شك فيه، والمراء الذى لا مدفع له، وفى التنزيل كثير من هذا، ليدركه من كان له ذهن حاضر وفؤاد حديد وحظى من الله بتوفيق وألقى السمع وهو شهيد.

стр. 295

الفصل التاسع فى بيان منزلة اللفظ من معناه وكيفية إضافته إلى قائله، وكيفية دلالته على معناه وبيان قوة المعنى لقوة اللفظ . اعلم أن هذا الفصل إنما أوردناه ههنا لكونه مشتملا على قوانين تتعلق بالدلائل الإفرادية، ولها تعلق بما نحن فيه من علة المعانى، وتفيد فيه فائدة جزلة غير خافية، وجملتها أربعة: القانون الأول فى بيان منزلة اللفظ من معناه، وبيان درجته منه اعلم أن الذى عليه علماء الأدب من أهل اللغة وعلم الإعراب وهو الذى عول عليه جماهير الأصوليين أن دلالة الألفاظ على معانيها، إنما هو من جهة المواضعة، وخالف فى ذلك طوائف. واستقصاء الكلام يليق بالمباحث الكلامية، فإذا قلت: قام زيد فإنه يفيد بالوضع أمورا ثلاثة، القيام، وزيد، واتصاف زيد بالقيام، فإذا كانت الألفاظ مفيدة للمعانى كما ترى لكونها موضوعة من أجلها، فاعلم أن الذى عليه أهل التحقيق أن الألفاظ تابعة للمعانى، وقد صار صائرون إلى أن المعانى تابعة للألفاظ، والذى أوقعهم فى هذا الوهم وقرر عندهم هذا الخيال، هو أنهم لما رأوا المعانى لا يرسخ معقولها فى الأفئدة إلا بعد أن تخرق الألفاظ قراطيس أسماعهم، فتوهموا من أجل ذلك أنها تابعة للألفاظ، والمعتمد فى بطلان هذه المقالة أوجه ثلاثة، أولها: هو أن معنى الفرس، والأسد، والإنسان، مفهوم عند العقلاء لا يتغير، والعبارات عن كل واحد من هذه الحقائق تختلف عليه بحسب اختلاف اللغات من العربية، والفارسية، والتركية، والرومية، والسريانية، فلو كانت المعانى تابعة للألفاظ كما زعموه لوجب أن تكون مختلفة لاختلاف هذه الألفاظ، فلما عرفنا خلاف ذلك دل على صحة ما قلناه، من كون المعانى أصلا للألفاظ، وثانيا: أن المعانى منها ما يكون معنى واحدا، ثم توضع له ألفاظ كثيرة تدل عليه وتشعر به، فلو كانت المعانى تابعة للألفاظ لكان يلزم إذا كانت الألفاظ مختلفة أن يكون المعانى مختلفة أيضا، فلما كان المعنى واحدا والألفاظ متغايرة بطل ما قالوه، وثالثها أن المعانى لو

стр. 296

كانت تابعة للألفاظ للزم فى كل معنى أن يكون له لفظ يدل عليه، وهذا باطل، فإن المعانى لا نهاية لها، والألفاظ متناهية، وما يكون بغير نهاية لا يكون تابعا لما له نهاية، وإنما كانت الألفاظ متناهية، لأنها داخلة فى الوجود، وكل ما داخله الوجود من المكونات فله نهاية لاستحالة وجود ما لا نهاية له، وموضعه الكتب العقلية، وقد رمزنا إلى دليله هناك، وإنما كانت المعانى بلا نهاية؛ لأنها غير موجودة وإنما هى حاصلة فى الذهن، وما وجد فقد تناهى، فأما مالا يوجد فليس له غاية، كالحقائق الذهنية، والأمور المتصورة، فإنه لا نهاية لها قبل تعلق العلم بها، فأما بعد تعلق العلوم بها فهى منحصرة بانحصار علومها. لا يقال فإذا كانت المعانى، سابقة على الألفاظ، وهى أصل لها، فما تريدون بقولكم إن الألفاظ دالة على المعانى وهذا يشعر بأن المعانى تابعة للألفاظ، لأنا نقول: هذا فاسد، فإنا قد أوضحنا أن الألفاظ تابعة للمعانى بما سبق من الأدلة فلا وجه لتكريره، قوله فما تريدون بقولكم إن الألفاظ دالة على المعانى، قلنا الغرض من قولنا إن الألفاظ دالة على المعانى، هو أن المعانى سابقة فى الثبوت والاستقرار على الألفاظ، وهى بلا نهاية لكن احتيج إلى معرفة بعض تلك المعانى التى بلا نهاية من أجل التصرفات، وإحراز مقاصد الخلق، فلأجل هذا وضعوا لما تمسّ الحاجة إليه من المعانى ألفاظا تدل عليها وتكون مشعرة بها، لتواضعهم على إفادتها ليمكن التخاطب بها ويسهل قضاء الأوطار بسبب ذلك، وما كان عنه غنية فلا حاجة إلى أن يضعوا له ألفاظا تدل عليه لوقوع الاستغناء عنه بما ذكرناه، فينحل من مجموع ما ذكرناه أن الألفاظ تابعة للمعانى، وأنها بلا نهاية، وأن الألفاظ متناهية بما شرحناه والحمد لله. القانون الثانى فى كيفية دلالته على معناه اعلم أن الألفاظ من دلالتها على ما تدل عليه من المعانى لا يخلو حالها فى الدلالة، إما أن تكون مما يدخلها المجاز، أو مما لا يدخله المجاز فإن كان الثانى فهو الأعلام كزيد وعمرو، وليس من همنا ذكرها، وإنما غرضنا أن نذكر أسماء الأجناس، وما لا يجوز تغييره عن وضعه الأصلى، ثم هى فى ذلك على مراتب.

стр. 297

المرتبة الأولى [الألفاظ المتواطئة] وهى اللفظة الدالة على أفراد متعددة باعتبار أمر جامع لها، فقولنا هى اللفظة نحترز به عن المتباينة، فإنها لا تكون متباينة إلا إذا كانت الألفاظ متعددة، وقولنا الدالة على أفراد متعددة، نحترز به عن المترادفة، فإنها دالة على معنى واحد لا غير، وقولنا باعتبار أمر جامع لها، نحترز به عن المشتركة، فإنها دالة على أفراد متعددة على جهة البدلية، لا باعتبار أمر جامع لها، وإنما يجمعها جامع اللفظ لا غير، ومثاله قولنا رجل، وفرس، وأسد، فإن كل واحد من هذه الألفاظ دال على أفراد متعددة باعتبار أمر جامع لها، كالرجولية فى قولنا رجل وهكذا الفرسية والأسدية، وتنقسم إلى مستغرقة، وصالحة، فالمستغرقة هى قولنا: الرجال، والإنسان، والصالحة وهى ما تدل عليه من غير استغراق كقولنا إنسان، وفرس. والتفرقة بين الألفاظ العامة والصالحة هو أن العام دال على جهة الاستغراق، كالرجال، بخلاف الصالحة فإن دلالتها إنما هو على جهة الصلاحية دون الاستغراق، فالعامة يندرج تحتها الأفراد التى بلا نهاية على جهة الوجوب، والصالحة يندرج تحتها الأفراد التى بلا نهاية على جهة الصلاحية لا غير، فأما الكلام فيما يعمّ من الألفاظ وما لا يعم، وكيفية عمومه فإنما يليق بمقاصد أصول الفقه. وقد أوردنا فيه تفصيلا شافيا. المرتبة الثانية فى بيان [الألفاظ المتباينة] ، وهى الألفاظ المتعددة الدالة على المعانى المختلفة، فقولنا: هى الألفاظ، نحترز به عن اللفظة الواحدة، فإنه لا يقال فيها إنها متباينة، والتباين إنما يكون واقعا فى الألفاظ المتعددة، وقولنا الدالة على المعانى المختلفة، نحترز به عن المترادفة، فإنها ألفاظ مختلفة دالة على معنى واحد، ومثاله قولنا: سماء، وأرض، وجسم، وعرض، فإنها ألفاظ مختلفة دالة على حقائق مختلفة. المرتبة الثالثة [المترادفة] ، وهى الألفاظ المختلفة فى أنفسها دون معانيها، وهذا كقولنا: نظر، وفكر، وعلم، ومعرفة، وليث، وأسد إلى غير ذلك من أنواع الترادف. وهكذا قولنا: سيف، وصارم، ومهند، فهذه الألفاظ متفقة فى كونها دالة على حقيقة واحدة لا تختلف أحوالها فى

стр. 298

الدلالة عليها كما مثلنا. نعم، قد يقع الاختلاف فى أمور عارضة لها، وهذا كقولنا: صارم، ومهند، فإنهما وإن كانا دالين على حقيقة السيف لا يختلفان فيها، لكن الصارم فيه دلالة على القطع، وقولنا مهند، فيه دلالة على نسبته إلى الهند، وقولنا علم، ومعرفة، فإنهما وإن اتفقا فى دلالتهما على معقول حقيقة العلم، لكن أحدهما يتعدى إلى مفعول واحد وهو المعرفة، والعلم يتعدى إلى مفعولين، فهذه أمور عارضة يقع فيها الاختلاف، وقد يقعان موقعا واحدا لا يتطرق إليهما اختلاف على حال، كقولنا ليث، وأسد. المرتبة الرابعة فى بيان [الألفاظ المشتركة] ، وهى اللفظة الواحدة الدالة على أزيد من معنى واحد مختلفة فى حقائقها على الظهور بوضع واحد، فقولنا هى اللفظة الواحدة، ولم نقل هى الألفاظ لأن الاشتراك قد يكون فى اللفظة الواحدة، وفى الألفاظ المجتمعة، بخلاف التباين، والترادف، فإنهما لا يقعان إلا فى مجموع الألفاظ، لفظتين فصاعدا، وقولنا الدالة على أزيد من معنى واحد، نحترز به عن اللفظة المفردة التى لا تدل إلا على معنى واحد، فإنها لا تكون مشتركة، وأكثر الكلام على الوضع فى الدلالات الإفرادية؛ لأن الاشتراك على خلاف الأصل. وقولنا مختلفة فى حقائقها، نحترز به عن المتواطئة، فإن اختلافها ليس فى الحقائق، وإنما اختلافها فى العدد كرجل، وإنسان، فإنهما دالان على أفراد متعددة لكنها غير مختلفة فى حقائقها؛ لأنها اتفقت فى أمر جامع لها، كالرجولية، والإنسانية. وقولنا على الظهور، نحترز به عن الألفاظ المشتبهة كالفظة النور، فإنها تطلق على الشمس والنار، والعقل، فقد دلت على أكثر من حقيقة واحدة مختلفة فى حقائقها، فإن حقيقة النار مغايرة لحقيقة الشمس والعقل، لكن اختلافها فى هذه الحقائق، ليس أمرا ظاهرا كظهور الأسماء المشتركة، بل لا يمتنع اتفاقها فى أمر جامع لها، وإن خفى على الأذهان وكان فى غاية الدقة المعنى المفهوم من حقيقة النور، متفقة فيه، وإن كانت حقائقها مختلفة كما أشرنا إليه. وقولنا بوضع واحد، نحترز به عما يدل على شىء بالحقيقة، وعلى ما يخالفه بالمجاز، كقولنا أسد، وحمار، فإنهما قد دلا على أمرين مختلفين، ولكن بوضعين. فإن وضح ما ذكرناه من الأمر الجامع لها على خفائه فذكر الاحتراز جيد لا غنى عنه، وإن خفى وكان فى غاية الدقة ولم يكن له هناك حقيقة فلا وجه للاحتراز، وكانت المشتبهة داخلة تحت اللفظة المشتركة من غير تفرقة بينهما.

стр. 299

المرتبة الخامسة فى بيان [الألفاظ المستغرقة] ، ومن جملة ما يعرض لألفاظ الاستغراق، فإنه من الأمور المهمة لتعلقه بالمسائل الدينية الوعيدية، وفيه مضطرب النظار من الأصوليين فى المباحث الفقهية، ويشم رائحة من علوم المعانى، فلا ينبغى إغفاله وهى ألفاظ العموم، ثم معناها ما دل على معنيين فصاعدا من غير حصر، فقولنا «ما دل على معنيين» ، عام فى الاستغراق والاشتراك، وقولنا «من غير حصر» ، تخرج عنه الأسماء المشتركة، فإن ما تدل عليه منحصر، وهى منقسمة إلى ما يكون مستعملا فى حق العقلاء كمن، والذين، والمسلمين، والرجال، وفى غير العقلاء كما، والأفراس، وإلى ما يكون للعقلاء وغير العقلاء كأى، وكل. فهذه الألفاظ كلها مستغرقة لما تصلح له ويندرج تحتها، وإنما ذكرناها لما ذكرنا منازل الألفاظ ودرجها، وإلا فموضعها اللائق بها أصول الفقه، ونذكر على أثرها ما يكون لائقا بها من ذكر الفروق بينها وذكر ما هو مندرج تحتها ونردفه بالمراتب. المرتبة السادسة فى إيراد الفروق بين هذه الألفاظ اعلم أن كل من أحاط علما بما ذكرناه من ماهيتها، فإنه لا يقع عليه لبس فى كل واحد منها بغيرها، وإنما نورد التفرقة على جهة الإيضاح والبيان، وجملة ما نورده من ذلك فروق خمسة: «الفرق الأول» بين المشتركة والمتشابهة اعلم أن الشيخ أبا حامد الغزالى قدّر أمر التفرقة بينهما بما حكيناه من قبل، وهو أن المشتبهة متفقة فى أمر يجمعها كما قلناه فى لفظة النور، بخلاف اللفظة المشتركة، فإنه لا اشتراك بينها فى أمر معنوى بحال، فإن صح ما قاله الغزالى فى اشتراكها فى أمر معنوى وإن خفى ودق فهما مفترقان. ويمكن أن يقال إن الأمر الذى قاله ليس أمرا حقيقيا، وإنما هو خيال، فيجب اندراجها تحت المشتركة، وينزّل الخلاف فى لفظة النور على ما ذكرناه من تلك الأنوار منزلة إطلاق لفظة اللون على جميع أنواع اللون، فإن حصلت تفرقة بينها وبين

стр. 300

لفظ اللون فما قاله الشيخ أبو حامد مقبول، وإن لم يكن تفرقة بينهما معقولة فلا وجه للتفرقة بينهما وكانا مشتركين كليهما، فينبغى التعويل على ما أشرنا إليه فى ذلك. «الفرق الثانى» بين المتواطئة والمشتركة ، وهو أن المتواطئة دالة على الاشتراك بين المفردات فى أمر معنوى يجمعها، كرجل، وفرس، بخلاف المشتركة، فإنه لا اشتراك بين المفردات إلا فى أمر لفظى كالقرء، على الطهر والحيض، والشفق على الحمرة والبياض. «الفرق الثالث» بين المتباينة من الألفاظ والمترادفة ، وذلك إنما تكون التفرقة بينهما من جهة أن الاختلاف فى الألفاظ المتباينة تابع لاختلاف معانيها، فهى مختلفة الألفاظ والمعانى جميعا، بخلاف المترادفة فإن ألفاظها وإن كانت مختلفة متباينة، لكن المعانى فيها متفقة، فإنها دالة على معنى واحد، وإن تكررت عليه الألفاظ كما مر بيانه. «الفرق الرابع» التفرقة بين المتواطئة والمستغرقة ، وهى إنما تكون من جهة أن المتواطئة دالة على المفردات من جهة الصلاحية دون الشمول، ودلالة المستغرقة إنما هو من جهة دخولها تحتها واندراجها فيها على جهة الاستغراق، ومن ثمّ جاز الاستثناء من الألفاظ المستغرقة، كالرجال والمسلمين، ولم يجز فى المتواطئة كرجال، ومسلمين، تقول «جاءنى الرجال إلا زيدا» ، ولا تقول «جاءنى رجال إلا زيدا» ، نعم التواطؤ لابد من أن يكون سابقا على الاستغراق، فلا يرد إلا حيث يكون متقدما عليه. «الفرق الخامس» بين المتواطئة والمشتبهة ، وحاصله أنا نقول إن صح ما قاله الشيخ أبو حامد من كونها مجتمعة فى أمر معنوى على دقته وغموضه فهى تكون من جملة المتواطئة، فلا وجه للتفرقة بينهما بحال، وإن صح ما ذكرناه من الاحتمال، وهو أنها غير متفقة فى أمر معنوى فهى لاحقة بالألفاظ المشتركة، والتفرقة بين المتواطئة والمشتركة قد ذكرناه فلا وجه لتكريره. فهذا ما أردنا ذكره من معرفة هذه الفروق وتقريرها، وإن أهملنا شيئا من ذكر الفروق فهو مندرج تحت ما أشرنا إليه.

стр. 301

المرتبة السابعة فى بيان ما ألحق بهذه الألفاظ وليس منها اعلم أن ما ذكرناه من الألفاظ كالمتواطئة والمتباينة، والمترادفة، والمشتركة، فلا خلاف بين النظار فى تغايرها، وأن كل واحد منها مستعمل فيما ذكرناه، وإنما يؤثر الخلاف فى المتشابهة، وقد ذكرنا وجه النظر فيها، وهل تكون لا حقة بالمتواطئة، أو بالمشتركة، فأما ما وراء ذلك من المترادفة، كالناهل للعطشان والريان، والمشكّكة، كقولنا: سدفة فى الضوء، والظلام، والمبهمة، كقولنا: القسط، فإنه يستعمل فى العدل، والجور، فيقال فيه: قسط: إذا عدل وقسط: إذا جار، فكلها مندرجة تحت ما ذكرناه من المشتركة، وإنما هى عبارات مختلفة على معنى واحد، لهذا فإن ألفاظها مشعرة بالاشتراك فإن التردد إنما يكون فيها من أجل عدم القرينة على ما أريد منها من معانيها، وهكذا ما قلناه من التشكك، فإن الشك إنما حصل لما كان لا يعلم المقصود منها، والمبهمة إنما عرض الإبهام فيها من جهة ما ذكرناه من الاحتمال فيها، فصارت مشتركة فيما أشرنا إليه، فالكلام فيها كالكلام فى المشتركة من غير تفرقة، وإنما الخلاف فى عبارة فيها. القانون الثالث فى بيان قوة اللفظ لقوة المعنى اعلم أن هذا الباب له حظ وافر من علوم المعانى، وله فيها قدم راسخة، وقد ذكره ابن جنى فى كتاب «الخصائص» ، وأورده ابن الأثير فى كتابه «المثل السائر» وما ذاك إلا لعلمهما بعلو مكانه فى أبواب المعانى فنقول: قوة اللفظ لأجل قوة المعنى، إنما تكون بنقل اللفظ من صيغة إلى صيغة أكثر منها حروفا، فلأجل ذلك يقوى المعنى لأجل زيادة اللفظ، وإلا كانت زيادة الحروف لغوا لا فائدة وراءها، وذلك يكون فى الأسماء، والأفعال، والحروف، فهذه ثلاثة أمثلة نذكر ما يتعلق بكل واحد منها على حياله.

стр. 302

«المثال الأول» فى الأسماء وهذا كقوله تعالى: الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥] فإنه أبلغ من قائم وقوله تعالى: عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) [سبأ: ٤٨] فإنه أبلغ من عالم وقوله تعالى: مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٥] فإنه أبلغ من قادر ونحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) [البقرة: ٢٢٢] فإن فعالا أبلغ من فاعل، ومتطهر أبلغ من طاهر؛ لأن التواب هو الذى تتكرر منه التوبة مرة بعد أخرى، وهكذا المتطهر، فإنه الذى يكثر منه فعل الطهارة مرة بعد مرة، هكذا القول فيما كان مشتقا من الفعل، فإن زيادة لفظه دالة على زيادة معناه قال أبو نواس: فعفوت عنى عفو مقتدر ... جلّت له نقم فألغاها ولم يقل قادر، مبالغة فى الأمر، وهكذا حال الأوصاف الجارية على الله تعالى إذا عدل بها عن منهاج الاشتقاق على جهة المبالغة، وحكى ابن الأثير عن جماهير النحاة أنهم يقولون إن «عليما» أبلغ من عالم، واستضعف هذه المقالة، وزعم أن الأمر على خلاف ذلك وأن عالما أبلغ من عليم؛ لأن عالما متعد وعليم غير متعد، فلهذا كان أبلغ لما ذكرناه، فأما عدة أحرفها فهى سواء، وهذا الذى ذكره فاسد، فإن الدلالة على بلاغة «عليم» ليس من جهة عد الأحرف ولا من جهة التعدى واللزوم، فيصح ما ذكره، وإنما حصلت المبالغة فيه من جهة الاستعمال؛ لأنهم لا يستعملونه إلا فى مواضع البلاغة، بخلاف قولنا عالم، فبطل ما توهمه. المثال الثانى فى الأفعال وهذا كقوله تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها [الشعراء: ٩٤] فإنه مأخوذ من الكب وهو القلب، لكنه كرر الباء للمبالغة فيه، ومن هذا قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] وهذا من لطف الله ورحمته، فإنه جعل الثواب على أدنى ملابسة للطاعة، فلهذا أتى فيه بالثلاثى المجرد، وجعل العقاب على مزاولة عظيمة للفعل، وعلاج، فلهذا خصه ببناء المبالغة بالزيادة على الثلاثى، ومن هذا قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [البقرة: ١٣٧] ولو قال: فكفاك إياهم لم يكن فيه بلاغة، وهكذا قولهم: اخشوشن، فى خشن، واعشوشب المكان، إذا أعشب وكثر شجره، وإنما عدل عن بنائه الثانى للمبالغة فى ذلك المعنى.

стр. 303

«المثال الثالث» فى الحروف وهو قليل الاستعمال، وهذا كقولنا: سأفعل، وسوف أفعل، فإن زمان «سوف» أوسع من زمان السين، وما ذاك إلا لأجل امتداد حروفها وهكذا فإن التأكيد بإنّ الشديدة آكد من التأكيد بإن المخففة، ونحو «لكنّ» فإنها مع التضعيف آكد منها مع التخفيف، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن المبالغة فى الألفاظ إنما تكون تبعا للبلاغة فى المعانى، فلا جرم تكثرت الألفاظ لأجل ذلك. القانون الرابع فى جهة إضافة الكلام إلى من يضاف إليه اعلم أن كل نثر ونظم من جميع الكلمات فله جهتان، الجهة الأولى أن يكون فاعلا له فى الحال، فإذا قال الواحد منا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) [الفاتحة: ٢] «وقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل» فإن هذا الكلام يضاف إليه على جهة أنه فعله وأوجده بقدرته، ولهذا فإنه واقف على حسب قصده وداعيته كسائر أفعاله، فإنه لا فرق بين إيجاده لما قلناه بلسانه، وبين تحريك يده فى أن كل واحد منهما مضاف إليه على معنى أنه فعله واخترعه. الجهة الثانية أن يكون مضافا إليه على معنى أنه ابتدأه وأنشأه أولا، فإن الحمد لله رب العالمين، مضاف إلى الله تعالى على معنى أنه أنشأه، وهكذا قوله «قفا نبك من ذكرى» فإنه مضاف إلى امرىء القيس، وكل واحد من هاتين الإضافتين حقيقة فى الإضافة؛ لأنهما يسبقان إلى الفهم فلا وجه لجعل أحدهما حقيقة، والآخر مجازا، فإذا تمهّدت هذه القاعدة، فالبلاغة إنما تحصل بتأليف الكلام ونظمه وإعطائه ما يستحقه من الإعراب، وإعمال العوامل، وتوخى جميع معانى النحو ومجاريه التى يستحقها، وبيان ذلك هو أن وضع الكلم المفردة بالإضافة إلى واضع اللغة لا تغيير لها، والتصرف لأهل البلاغة إنما هو فى التأليف، ألا ترى أن أفراد قولنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) [الفاتحة: ٢] مقولة على ألسنة الناس، والإعجاز إنما كان من أجل نظمها وتأليفها بحيث كان الحمد مبتدأ، ولله متأخرا عنه خبره، ورب العالمين، مضاف، وإجراؤه صفة لما قبله فى الإعجاز من جهة الانتظام، فإذن حال أنفس الكلم مع المؤلف كحال الإبريسم مع ناسج الديباج، والذهب مع صائغ التاج، فحظه من ذلك إنما هو تأليفهما ونظمهما لا غير.

стр. 304

الفصل العاشر فى [الاعتراض] ، وبعضهم يسميه الحشو، وقبل الخوض فيما نريده من خصائصه نذكر ماهية الاعتراض والمعترض فيه، فنقول: أما الاعتراض فهو كل كلام أدخل فى غيره أجنبى بحيث لو أسقط لم تختل فائدة الكلام، وأما المعترض فيه فهو كل كلام أدخل فيه لفظ مفرد أو مركب بحيث لو أسقط لبقى الكلام على حاله فى الإفادة، مثال ذلك قولنا: زيد قائم فهذا لا محالة كلام مفيد، وهو مبتدأ وخبر، فإذا أدخلنا عليه لفظا مفردا فقلنا: زيد والله قائم، جاز، فإذا أزلنا القسم، بقى الأول على حاله، وهكذا إذا أدخلنا فى هذا الكلام كلاما مركبا فقلنا: زيد على ما به من قلة ذات اليد كريم، فقد أدخلنا بين المبتدأ وخبره كلاما مركبا، وهو قولنا على ما به من قلة ذات يده، فهذا هو حد المعترض فيه والاعتراض، فإذا عرفت هذا فاعلم أن للاعتراض مدخلين: المدخل الأول يتعلق بعلم الإعراب ، ثم هو ينقسم إلى ما يكون جائزا وغير جائز، فأما الجائز فهو ما يكون فاصلا بين الصفة والموصوف، وبين المعطوف والمعطوف عليه، وبين القسم وجوابه، إلى غير ذلك مما يحسن استعماله فى اللغة العربية، وأما غير الجائز فهو الاعتراض بين المضاف والمضاف إليه، وبين حرف الجر ومجروره إلى غير ذلك مما يقبح استعماله، وليس من همنا ذكر ما هذا حاله؛ لأن هذا إنما يليق بالمباحث الإعرابية، وكتابنا إنما نذكر فيه ما يتعلق بعلوم المعانى دون ما عداه، فلا يمزج أحدهما بالآخر، وأيضا فإن هذا الكتاب لا يخوض فيه إلا من له وطأة فى علم الإعراب، وحظوة فى الإحاطة بحقائق العربية فلا جرم أغنانا ذلك عن الكلام فى الأسرار النحوية والمباحث الإعرابية. المدخل الثانى يتعلق بالبلاغة والفصاحة اعلم أن الاعتراض قد يدخل لفائدة جارية مجرى التأكيد، وقد يكون داخلا لغير فائدة، فهذان ضربان.

стр. 305

الضرب الأول ما يكون دخوله من أجل الفائدة التى تليق بالبلاغة ، وهذا كقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) [الواقعة: ٧٥- ٧٦] ففى هذه الآية اعتراضان، أحدهما بجملة اسمية ابتدائية، وهى قوله: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) فأتى بها اعتراضا بين القسم وجوابه، وإنما أتى به على قصد المبالغة للمقسم به واهتماما بذكر حاله قبل جواب القسم، وفيه الإعظام له والتفخيم لشأنه، وذلك يكون أوقع فى النفوس، وأدخل فى البلاغة، وثانيهما بجملة فعلية بين الصفة والموصوف، وهو قوله تعالى: لَوْ تَعْلَمُونَ فإنه وسطه بين الصفة وموصوفها تفخيما لشأنه وتعظيما لأمره، كأنه قال وإنه لقسم لو علمتم حاله أو تحققتم أمره، لعرفتم عظمه، وفخامة شأنه، فهذان الاعتراضان قد اختصا بمزيد البلاغة وموقع الفخامة مبلغا لا ينال، ومن هذا قوله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) [النحل: ٥٧] فقوله: «سبحانه» كلمة تنزيه أوردها اعتراضا بين الجملتين مبالغة فى التنزيه عما نسبوه إليه من اتخاذ البنات ومبالغة فى الإنكار عليهم فى هذه المقالة، فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه اللفظة أعنى قوله «سبحانه» من حسن الموقع بكونها واردة على جهة الاعتراض، وما تضمنته من الفوائد الشريفة والأسرار الخفية، من الإنكار والرد والتهكم، وإظهار التعجب من حالهم وغير ذلك من اللطائف، فسبحان الله لقد أنشأت هذه الآية للعارفين استطرافا وعجبا، وحركت فى قلوبهم أشواقا وطربا، لما اشتملت عليه من عجائب الفصاحة التى لا ينطق بها لسان ومن غرائب البلاغة ما لا يطلع فجها إنسان. ومن الاعتراض الرشيق قوله تعالى: فى سورة يوسف: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ [يوسف: ٧٣] فقوله: لَقَدْ عَلِمْتُمْ اعتراض بين القسم وجوابه، وفائدته تقرير علمهم بالبراءة عن الفساد والبعد عن تهمة السرقة، ثم إنهم مع إثبات علمهم بذلك أكدوا ذلك بالقسم مبالغة فى الأمر. ومن الاعتراض الذى طبّق مفصل البلاغة قوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي [لقمان: ١٤] فقوله حملته أمه إلى قوله عامين، وارد على جهة الاعتراض بين الفعل ومتعلقه، وسر ذلك هو أنه لما ذكر توصية الوالدين عقبه بما يؤكد أمر الوصية. ويؤذن باستحقاقها من أجل ما تكابده الأم من

стр. 306

المشاق فى حمل الولد وفصاله، وما فى أثناء ذلك من مشقة التربية والمزاولة لمصالحه، والحنو والتعطّف عليه، وخص الأم بالذكر، تنبيها على اختصاصها بمزيد المشقة وتعاطى المباشرة له فى كل أحواله، فتوسّط هذا الاعتراض بما ذكرناه، قد اشتمل على الإشارة إلى ما قررناه مع احتوائه على حسن الوصف وجودة السياق كما ترى، ومن شريفه قوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ [النحل: ١٠١] فقوله والله أعلم بما ينزل، اعتراض بين إذا وجوابها، وفائدته تقرير لمصلحة التبديل، وتعريض بجهلهم بمعرفة ذلك، وإعلام لهم بأن الله تعالى هو المتولى لذلك، فهذه الجملة الابتدائية الواردة اعتراضا قد قامت مقام ما ذكرناه من هذه الأسرار. ومن غريبه وعجيبه قوله جل وعلا: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا [٢ لبقرة: ٧٢- ٧٣] فقوله: والله مخرج، جملة ابتدائية وردت معترضة بين الكلامين وفائدتها التقرير فى نفوس السامعين بأن تدافع بنى إسرائيل فى قتل النفس ليس نافعا فى إخفائه وكتمانه، لأن الله تعالى مظهره وتعريف بأنه تعالى: مطلع على كل خافية، وأكرم بمعانى التنزيل، فما أنفعها وأعلى مكانها وأرفعها، والاعتراض فى القرآن أكثر من أن يحصى، ومما ورد من المنظوم فى الاعتراض قول امرىء القيس «١» : فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفانى ولم أطلب قليل من المال فقوله «ولم أطلب» وارد على جهة الاعتراض بين الفعل وفاعله، وإنما أورده، تعريفا بتحقير أمر المعيشة وإعراضا عنها وأنه يأتى بأسهل أمر، وإنما الذى يحتاج إلى العناية هو طلب الملك والمجد المؤثّل كما قال «٢» : ولكنما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالى

стр. 307

ومن ذلك ما قاله أبو تمام «١» : وإن الغنى لى إن لحظت مطالبى ... من الشعر إلا فى مديحك أطوع فقد اشتمل على اعتراضين، أحدهما قوله إن لحظت مطالبى، والآخر قوله «إلا فى مديحك» والمعنى فى البيت كله أن الغنى أطوع لى من الشعر لو لحظت مطالبى، وقوله إلا فى مديحك، جاء بالجملة الاستثنائية مقدمة، وموضعها التأخير، فاعترض بها بين الجملة الشرطية، وخبر إن، والمراد من هذا هو أن مطالبه من الشعر إذا لحظ نجاحها فالغنى بها أسهل من الشعر فى مدح كل أحد إلا فى مديحك، فإن الشعر أسهل علىّ، وهذا من محاسن ما يوجد فى الاعتراض، ومن ذلك قول كثيّر عزة: لو أن الباخلين وأنت منهم ... رأوك لعلّموا الناس المطالا فقوله: «وأنت منهم» ، اعتراض بين لو وجوابها، وفائدته التصريح بما هو المقصود من ذمّه وتأكيد انصراف الذم إليه، ومنه قول أبى تمام «٢» : رددت رونق وجهى فى صحيفته ... ردّ الصقال بهاء الصارم الخذم وما أبالى وخير القول أصدقه ... حقنت لى ماء وجهى أم حقنت دمى فقوله «وخير القول أصدقه» من الاعتراض الرائق وفائدته تحقيق المماثلة بين صيانة الوجه وحقن الدم. «الضرب الثانى» «من الاعتراض» وهو الذى يأتى لغير فائدة ، ثم هو على وجهين، الوجه الأول منهما أن يكون غير مفيد لكنه لا يكسب الكلام حسنا ولا قبحا ، وهذا كقول زهير «٣» : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبالك يسأم فقوله «لا أبالك» من الاعتراض الذى ليس فيه فائدة توكيد، وليس فيه قبح، وهكذا

стр. 308

ورد فى قول النابغة «١» : تقول رجال يجهلون خليقتى ... لعل زيادا لا أبا لك غافل فهذا وأمثاله يغتفر فيه هذا الاعتراض وإن كان لا فائدة تحته، و الوجه الثانى أن يكون من غير فائدة، لكنه يكون قبيحا لخروجه عن قوانين العربية وانحرافه عن أقيستها كقول من قال «٢» : فقد والشكّ بيّن لى عناء ... بوشك فراقهم صرد، يصيح وإنما كان قبيحا لأنه اعترض بين قد وفعلها بقوله «والشك» ومثل هذا قبيح لا يغتفر وهو فى النثر أقبح منه فى النظم؛ لأن الناظم يضطره الوزن فيعذر فيه بعض معذرة، فأما الناثر فلا عذر له فى مثل هذا؛ لأنه لا يراعى وزنا يلزمه استقامته. وكتاب الله تعالى والسنة الشريفة، وكلام أمير المؤمنين منزه عن مثل هذا الاعتراض؛ لأنه غير لائق بالكلمات البليغة.

стр. 309

الفصل الحادى عشر فى [التأكيد] اعلم أن التأكيد تمكين الشىء فى النفس وتقوية أمره، وفائدته إزالة الشكوك وإماطة الشبهات عما أنت بصدده، وهو دقيق المأخذ، كثير الفوائد، وله مجريان. «المجرى الأول» عام وهو ما يتعلق بالمعانى الإعرابية ، وينقسم إلى لفظى ومعنوى، وليس من همنا إيراده ههنا لأمرين، أما أولا فلانحراف ما يتعلق بمقاصد الإعراب عما يتعلق بمقاصد البلاغة، وما نحن فيه إنما هو كلام فى مقاصد البلاغة، وأما ثانيا فلأن كتابنا إنما يخوض فيه من له ذوق فى علم العربية وكانت له حظوة وافرة فيها. «المجرى الثانى» خاص يتعلق بعلوم البيان ، ويقال له التكرير أيضا، وليس يخفى موقعه البليغ ولا علو مكانه الرفيع، وكم من كلام هو عن التحقيق طريد، حتى يخالطه صفو التأكيد، فعند ذاك يصير قلادة فى الجيد، وقاعدة للتجويد، ثم ما يكون متعلقا بعلوم البيان قد يكون تأكيدا فى اللفظ والمعنى، وقد يتعلق بالمعنى دون اللفظ، فهذان قسمان القسم الأول ما يكون تأكيدا فى اللفظ والمعنى جميعا اعلم أن ما نورده فى هذا القسم ينبغى إمعان النظر فيه لغموضه ودقة مجاريه، ومن أجل ورود التأكيد من جهة اللفظ والمعنى والتكرير فى كتاب الله تعالى ظن بعض من ضاقت حوصلته، وضعفت بصيرته عن إدراك الحقائق، والتطلّع إلى مآخذ الدقائق أنه خال عن الفائدة، وأنه لا معنى تحته إلا مجرد التكرير لا غير، وهذا خطأ وزلل، فإن كتاب الله تعالى لم يبلغ حد الإعجاز فى البلاغة والفصاحة سواه من بين سائر الكلمات، ولو كان فيه ما هو خال عن الفائدة بالتكرير لم يكن بالغا هذه الدرجة ولا كان مختصا بهذه المزية، وأيضا فإن سائر الكلمات التى هى دونه فى الرتبة قد يوجد فيه التكرير مع اشتمالها على الفائدة فكيف هو؟! ونحن الآن نعلو ذروة لا ينال حضيضها فى بيان معانى الألفاظ المكررة، فى لفظها ومعناها فى كتاب الله تعالى، ونظهر أنها مع أن تكريرها، إنما كان لمعان

стр. 310

جزلة، ومقاصد سنيّة بمعونة الله تعالى، فمن ذلك قوله تعالى فى سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) [الرحمن: ١٣] فهذا تكرير من جهة اللفظ والمعنى، ووجه ذلك أن الله تعالى إنما أوردها فى خطاب الثقلين الجن والإنس، فكل نعمة يذكرها، أو ما يئول إلى النعمة، فإنه يردفها بقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) تقريرا للآلاء، وإعظاما لحالها، ومن ذلك فى سورة القمر قوله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) [القمر: ١٧- ١٨] وإنما كرره لما يحصل فيه من إيقاظ النفوس بذكر قصص الأولين، والاتّعاظ بما أصابهم من المثلات، وحل بهم من أنواع العقوبات، فيكون بمنزلة قرع العصا، لئلا تستولى عليهم الغفلة، ويغلب عليهم الذهول والنسيان، وهكذا ما ورد فى سورة المرسلات وغيرها، وإنما كرر ذلك لأنه لما ذكر يوم القيامة وأنه كائن لا محالة، ثم عدد هذه الأمور كلها، وأنها كالدلالة عليه، وما من واحدة منها إلا ويعقبها بقوله: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) [المرسلات: ١٩] مبالغة فى الإنكار عليهم وتأكيدا لوقوع السخط والغضب لأجل تكذيبهم، وحذارا عن الإتيان بمثل ما أتوا به من إنكار هذا اليوم العظيم، وهكذا القول فيما ورد من الآيات المكررة، فإنها لم تتكرر إلا لمقصد عظيم فى الرمز إلى ذلك المعنى الذى سيقت من أجله، فليحكّ الناظر قلبه فى إدراك تلك اللطائف، وليجعلها منه على بال وخاطر، ولا يتساهل فى إحرازها فيلمحها بمؤخر عينه، فإنها مشتملة على أسرار ورموز، ومن أحاط بها فقد أوتى من البلاغة مفاتيح الكنوز، هذا كله فيما تكرر لفظه مرات كثيرة، من آى التنزيل، فأما ما كان تكريره مرتين فهو غير خال عن فائدة ظاهرة، وهذا كقوله تعالى: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ [الأنفال: ٧] ثم قال بعد ذلك لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ [الأنفال: ٨] فهذا وإن تكرر لفظه ومعناه، فلا يخلو عن حال لأجله وقع التغاير، وذلك من وجهين، أما أولا فلأن الأول وارد على جهة الإنشاء، والثانى وارد على جهة الخبر، وأما ثانيا فلأن الأول وارد فى الإرادة، والثانى وارد فى الفعل نفسه، ولأن الأول الغرض به إظهار أمر الدين بنصرة الرسول بقتل من ناوأه، ولهذا قال بعده وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) [الأنفال: ٧] والغرض بالثانى التمييز بين ما يدعو الرسول إليه من التوحيد، وإخلاص العبادة لله، وبين أمر الشرك وعبادة الأصنام، ولهذا قال بعده وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) [الأنفال: ٨] ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات: ١٥] ثم قال بعد ذلك إِنَ

стр. 311

الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النور: ٦٢] فظاهر هذه الآية التكرير، وليس الأمر كذلك فإن الحصر وإن كان شاملا لهما، لكنه مختلف، فالآية الأولى إنما وردت فى حصر الإيمان، وأنه لا إيمان حقيقة إلا الإيمان بالله ورسوله، وما عداهما لا يعد من الإيمان، ولا يكون داخلا فى ماهيته، وتعريضا بحال من أنكر التوحيد والنبوة، فإنه غير داخل فى هذه الصفة بحال، والآية الثانية فإنما وردت على جهة الحصر فى المستأذنين، كأنه قال صفة الاستئذان مقصورة على كل من آمن بالله ورسوله، فلا يتأخر إلا بأمر من جهتك، ولا يقدم ولا يحجم إلا عن رأيك، لاطمئنان نفسه بالإيمان، ورسوخ قدمه فيه، فهذا هو المستأذن حقيقة، فأما من كان غير مؤمن بالله ولا معرج على التصديق بك، فليس من استئذانك فى ورد ولا صدر، فقد ظهر بما ذكرناه تغاير الآيتين بما أبرزناه من معناهما، فهكذا تفعل فى كل ما ورد عليك من الآى القرآنية، فإن التكرير فيه كثير، ورب كلام يكون الإطناب فيه أبلغ من الإيجاز، وتصير البساطة له كالعلم والطراز، ولولا خشية الإطالة لأوردنا جميع التكريرات كلها، وأظهرنا تغايرها، وفيما أشرنا إليه كفاية لما نريده من ذلك، ومن التكرير الفائق ما ورد فى السنة الشريفة كقوله ﷺ فى وصف يوسف الصديق ﵇ «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم» يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، يعنى أنه نبى ابن نبى ابن نبى ابن نبى، فقد تنوسخ من الأصلاب الشريفة إلى الأرحام الطاهرة، فهذا تكرير بالغ دال على نهاية الشرف، وإعظام المنزلة، ورفع الرتبة عند الله، ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه «اللهم إنى أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمى وصغّروا عظيم قدرى، وأجمعوا على منازعتى أمرا هو لى ثم قالوا ألا فى الحق أن نأخذه، وفى الحق أن نمنعه» وإنما كرر قوله فى الحق، مبالغة فى التوجّع، وإعظاما فى التهكّم بهم، حيث اعتقدوا أن منعه هو الحق بزعمهم، فهذا من التكرير الذى قد بلغ فى الفصاحة أعلاها، وأصعد فى ذروتها وحل أقصاها كما ترى، ومن الأبيات الشعرية ما يليق ذكره ههنا، فمن ذلك قول المتنبى «١» : العارض الهتن بن العارض الهتن ب ... ن العارض الهتن بن العارض الهتن فهذا من باب التكرير، ثم من الناس من صوبه فى تكريره هذا. ومنهم من قال إنه قد

стр. 312

أساء فيما أورده من ذلك، والأقرب أنه مجيد فى مطلق التكرير كما حكيناه فيما أوردناه من آى التنزيل، فإن ما أورده من هذا التكرير دال على إغراق الممدوح فى الكرم، لكن إنما عرض فيه ما عرض لمن أنكره، ورغم أنه غير محمود فيما جاء به من جهة أن لفظة العارض، ولفظة الهتن، ليستا واردتين على جهة البلاغة فيهما لقلة الاستعمال لهما، فمن أجل هذا كان ما قاله ليس بالغا فى البلاغة مبلغا عظيما لامن جهة التكرير، فإنه محمود لا محالة كما أشرنا إليه، ومن ذلك ما قاله أبو نواس «١» : أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما ويوم للترحل خامس والمراد من هذا أنه أقام بها أربعة أيام، وهذا تكرير ليس وراءه كبير فائدة ولا اختص بحلاوة، ومن عجيب أمره أنه جعل هذا فى عجز أبياته السينية التى حكيناها عنه فى الإيجاز التى مطلعها قوله «٢» : ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر، منهم جديد، ودارس فلقد جمع فيها بين الكر والدر وبين البعر، والمسك الأذفر، ومن هذا قول أبى الطيب «٣» : وقلقلت بالهمّ الذى قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلهنّ قلاقل وقوله أيضا «٤» : ولم أر مثل جيرانى ومثلى ... لمثلى عند مثلهم مقام فهذا وما شاكله ليس من التكرير الحسن كما أسلفناه فى غيره. القسم الثانى من التكرير فى المعنى دون اللفظ ، وهذا القسم يستعمل كثيرا فى القرآن وغيره، ويجىء مفيدا وغير مفيد، فهذان ضربان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما.

стр. 313

الضرب الأول ما يرد على جهة الفائدة ، وهذا كقوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ [الأحزاب: ٧٢] فقوله تعالى: وَالْجِبالِ وارد على جهة التأكيد المعنوى، وفائدته تعظيم شأن هذه الأمانة المشار إليها وتفخيم حالها، وقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: ١٠٤] فقوله: «يدعون إلى الخير» عام فى كل شىء، وإنما كرر الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على جهة التأكيد والمبالغة، وقوله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) [الرحمن: ٦٨] فإنما خص النخل والرمان بالذكر، وإن كانا داخلين تحت الفاكهة، تعظيما لأمرهما ومبالغة فى رفع قدرهما، وهكذا ما ورد فى السنة فى حديث حاطب بن أبى بلتعة حيث كتب إلى قريش يشعرهم بأمر الرسول ﷺ وما كان منه من إخفاء أمره فى غزوة بدر، فإنه كتب مع امرأة تشعرهم، فأمر النبى ﷺ أمير المؤمنين والزبير والمقداد فأدركوها وجاءوا بالكتاب، فقرأ الرسول فقال ما هذا يا حاطب، فقال يا رسول الله: والله ما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن دينى ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، وقد زعم بعض من لا دربة له أن هذا من باب التكرير، لأن الكفر والردة والرضا بالكفر كلها أمور كفرية، وهذا فاسد فإنها أمور متغايرة؛ لأن مراده بقوله: «ما فعلت ذلك كفرا» أى وأنا باق على الكفر وقوله: «ولا ارتدادا» أى أنى ما كفرت بعد إسلامى، وقوله «ولا رضا بالكفر» معناه ولا آثرت جانب الكفار على جانب المسلمين، وهذه معان متغايرة واقعة موقعا حسنا، ومن ذلك ما روى عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه من قوله «فمن شواهد خلقه خلق السموات موطّدات بلا عمد، قائمات بلا سند» فالقيام والتوطيد، وقوله بلا عمد، وقوله بلا سند، متقاربة فى المعنى يجمعهن جامع التوكيد المعنوى، وقوله ﵇ «دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات غير متلكّئات ولا مبطئات، والتلكؤ هو نوع من الإبطاء، ومن التوكيد المعنوى ما قاله المقنّع الكندى فى الحماسة «١» : وإنّ الذى بينى وبين بنى أبى ... وبين بنى عمّى لمختلف جدّا إذا أكلوا لحمى وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدى بنيت لهم مجدا

стр. 314

وإن ضيّعوا غيبى حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا عنى هويت لهم رشدا فانظر إلى هذه الأبيات، ما أجمعها لفنون الإنصاف، وأبلغها فى مراعاة جانب الحق والاعتراف، فهذه الألفاظ وإن كانت متغايرة، لكنها متطابقة فى المقصود دالة عليه، وكما يرد التأكيد المعنوى على ما ذكرناه فقد يرد ببرهان يشهد له، وتارة يرد على جهة العزيمة، ومرة بغير ذلك، فهذه وجوه ثلاثة، أولها ما يرد ببرهان دال عليه وهذا كقول أبى نواس «١» : قل للذى بصروف الدهر عيّرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر أما ترى البحر يعلو فوقه جيف ... وتستقّر بأقصى قعره الدّرر وفى السماء نجوم، لا عديد لها ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر فقوله: «أما ترى البحر» ، وقوله: «وفى السماء نجوم» ، إنما أوردهما على جهة الاستدلال والتقرير لما ادعاه من معاندة الدهر لذوى الأخطار وأهل المراتب العالية. وثانيها أن يكون واردا على جهة العزيمة والاهتمام بأمره، وهذا كقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) [الواقعة: ٧٥- ٧٦] فقوله «وإنه لقسم» إنما ورد على جهة التأكيد لقوله «فلا أقسم» على جهة العزيمة لكونه قسما بالغا عظيما. وثالثها أن يكون واردا على خلاف هذين الوجهين وهذا كقوله «٢» : فدعوا نزال فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل؟ فقوله «فعلام أركبه» وارد على جهة التأكيد لقوله «فكنت أول نازل» بالاستفهام على جهة التقرير وكقوله «٣» : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول، من قراع الكتائب فقوله: «غير أن سيوفهم» إنما ورد على جهة التأكيد المعنوى، لكونهم شجعانا، فأورده

стр. 315

على صيغة الاستثناء، وكقول طرفة «١» : فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة، تهمى فقوله: «غير مفسدها» وارد على جهة التأكيد بصيغة الاستثناء، فهذا ما أردنا ذكره من التأكيد المعنوى الذى ورد لفائدة. الضرب الثانى من التأكيد من غير فائدة وهو أن ترد لفظتان مختلفتان يدلان على معنى واحد، وهذا كقول أبى تمام «٢» : قسم الزمان ربوعنا بين الصّبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا فالصبا والقبول، لفظتان يدلان على معنى واحد، وهما اسمان للريح التى تهب من ناحية المشرق، ونحو قول الخطيب: قالت أمامة لا تجزع فقلت لها ... إن العزاء وإنّ الصبر قد غلبا فالعزاء هو الصبر، لأن معناهما واحد، كقول عنترة «٣» : حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم فقوله «أقوى وأقفر» لفظان دالان على معنى واحد كما ترى وكقول بعض الشعراء من أهل الحماسة: إنى وإن كان ابن عمى غائبا ... لمقاذف، من خلفه وورائه فقوله «من خلفه وورائه» كلمتان دالّتان على معنى واحد، هذا ما ذكره ابن الأثير، والأقرب أن وراء، قد يستعمل بمعنى قدّام كما قال تعالى: وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] أى قدامهم، ولأنه إذا كان بمعنى قدام، كان أدخل فى المدح وأعظم، لتضمنه تعميم الأحوال فى الحياطة والدفاع عنه، فهذا وما شاكله قد وقع فيه نزاع بين علماء البيان، فمنهم من رده وقال إن ما هذا حاله بمنزلة التكرار اللفظى، فإذا كان التكرار معيبا فلا

стр. 316

فرق بين أن يكون من جهة اللفظ، أو يكون حاصلا من جهة المعنى، ومنهم من قبله محتجّا بأن الألفاظ إذا كان فيها تغاير فليس معيبا، وقد استعمله الفصحاء، فدل ذلك على جوازه، والمختار عندنا فيه تفصيل، وحاصله أنا نقول: أما الناثر فلا يغتفر له مثل هذا، وهو أن يأتى بكلمتين دالتين على معنى واحد من غير فائدة، وليس هناك ضرورة تلجئه إلى ذلك، فلهذا كان معدودا فى النثر من العىّ المردود فلا نقبله، وأما الناظم فإنه إن أتى بهما فى صدر البيت فلا عذر له فى ذلك؛ لأنه مخالف للبلاغة والبراعة فى الفصاحة، ويدل على ضيق العطن فى الطلاقة والذلاقة، وإن كان فى عجز الأبيات فما هذا حاله يغتفر له من أجل الضرورة الشعرية، وقد اغتفر أئمة الأدب للشعراء كثيرا من الضرورات قد قررناها فى الكتب الأدبية وأظهرنا الجائز منها والممتنع والحسن والأحسن، وهذا الذى ذكرناه هو الذى يشير إليه كلام ابن الأثير فى كتابه المثل السائر وبتمامه يتم الكلام فى التوكيد.

стр. 317

الفصل الثانى عشر فى بيان المفردات التى خرجت عن هذه الفصول العشرة اعلم أن من الألفاظ المفردة ما يتعلق بالبلاغة، ويستعمل فى مواطن الفصاحة، ولم يمكن إيراده فى أثناء هذه الفصول، لاختلافها لكونها غير مندرجة تحت ضابط واحد، فلا جرم أفردناها بكلام يخصها، وهى منقسمة باعتبار الكلمة إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول ما يتعلق بالأسماء ونورد منها صورا الصورة الأولى قولهم [ «هذا» ] وهو من أسماء الإشارة، وهو إنما يرد على جهة الإشارة إلى كلام سابق، ومثاله قوله تعالى: هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) [ص: ٤٩] فإنه لما قص ما ذكره من حديث الأنبياء أيوب وإسماعيل واليسع وذى الكفل، أكد تلك القصص باسم الإشارة، والعطف بذكرها على ما سبق، ليؤكد أمرها ويوضح حالها من أجل أن لا يخالج فيها لبس أن يعتريها ريب، ومصداق ما قلته من إفادتها للتأكيد هو أنها لا تأتى إلا وتعقّبها إنّ المؤكدة كما فى ظاهر الآية من أجل إفصاح ما قلته من تأكيدها، وهذا كقولك لبعض إخوانك: رأيى لك أن تفعل كذا وكذا، ثم تقول بعد ذلك: هذا وإن الأمر إليك فافعل ما ترى، والمعنى هذا الذى أراه مصلحة لك فى الدين والدنيا، وإليك الخيرة بعد فى أمرك، وكقوله تعالى: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) [ص: ٥٥] فإنه ذكرها عقيب قوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) [ص: ٥٠- ٥١] أى هذا نعيم، وملك مقيم، وشرف وعلو مرتبة، والجملة التى بعدها ليس لها موضع من الإعراب؛ لأنها واردة على جهة الابتداء، ولهذا جاءت متصلة بها، لتدل على تأكيدها، وقد يجىء بعدها جملة حالية، وهذا كقولك لمن يفشل ويضطرب حاله وينزعج قبل ملابسة الحرب: «هذا ولم تشجر الرماح» ، ولا وقعت المكافحة بالصفاح، ومثل قولك لمن لا ثبات له فى الأمر الذى يحاوله، ولا ترسخ قدمه عند مشارفة ما هو بصدده: «هذا ولم يطر الذباب» ، والمعنى هذا حالك إذا كلمتك شفارها، وأصابك لهبها وشرارها، ويتصدى فى قولنا: هذا من جهة الإعراب وجهان، أحدهما الرفع على أنه

стр. 318

مبتدأ وخبره محذوف، تقديره هذا على ما قررته، وثانيهما النصب على أنه مفعول لفعل محذوف، تقديره اعرف هذا، وكلا الوجهين لا غبار عليه. الصورة الثانية قولنا: [ «اللهم» ] فأما الكلام على لفظها، وكيفية تركيبها فقد ذكرناه فى حقائق الإعراب فلا وجه لإيراده ههنا، وإنما نذكر ما يتعلق بخصوصية البلاغة ومجيئها على أثر عموم، حشوا فى الكلام، حثا للسامع على رعاية القيد، وتنبيها له على جريان العموم إلا فى حالة القيد، ومثاله قولنا أنا لا أنقطع عن زيارتك، اللهم إلا أن يمنعنى مانع ولا أترك الإحسان إليك، اللهم إلا أن يحول بينى وبينك البعد، وقد وقع فى الحريريات: وما قيل فى المثل الذى سار سائره، خير العشاء سوافره، إلا ليعجّل التعشّى، ويجتنب أكل الليل الذى يعشى، اللهم إلا أن تقد نار الجوع، وتحول دون الهجوع، فهى كما ترى واقعة بين كلامين منبهة على مراعاة القيد الذى ذكرناه. الصورة الثالثة [ «كل» ] فإنه دال على الشمول. اعلم أنك إذا قلت: جاءنى القوم كلهم، فإنه دال بحقيقة وضعه على أن كل واحد منهم قد وقع منه المجىء، ويرفع أن تكون متجوزا فى نسبة المجىء إلى جميع القوم بأن يكون الجائى بعضهم لكون المختلف عنهم واحدا أو اثنين، أو لكون المتخلفين لا يعتد بهم، كما يقال أجمعت الأمة على كذا، وأنت تريد العلماء منهم؛ لأن من عداهم لا اعتداد به، أو أن تكون نسيت المجىء إلى جميعهم لأجل صدوره من بعضهم كما قال تعالى: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ [الأعراف: ٧٧] والعاقر لها من قوم صالح هو «قدار» لتنزلهم فى الرضا منزلته، وإذا قلت: ما جاءنى القوم كلهم، فإنه يفيد أن واحدا منهم قد جاء لأجل الشمول، فالنفى والإثبات يقعان على ما ذكرناه، نعم إنما يقع الخلاف إذا كان النفى واقعا على لفظة «كل» كقولك «ما كل القوم جاءنى» أو غير واقع عليها كقولك «كلّ القوم ما جاءنى» فهذان تقريران، التقرير الأول فى حكم النفى إذا وليته لفظة الشمول وكانت مندرجة تحته، سواء كانت عاملة فيه فى مثل قولك: ما كل طعامك مأكولا، أو غير عاملة كقولك: ما مأكول كل طعامك، فالنفى فى هذه الصورة واقع على الشمول فلا يناقضه مجىء بعض القوم، ولا أكل بعض الطعام؛ لأن النفى على الشمول والإثبات واقع على

стр. 319

بعضه فلا تناقض هناك، لاختلاف تعلّقهما بما يتعلقان به، وإنما تقع المناقضة إذا كان متعلقهما واحدا، وعلى هذا يحمل بيت أبى الطيب المتنبى «١» : ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه ... تجرى الرياح بما لا تشتهى السّفن فالنفى واقع على «كل» المفيد للشمول، وعلى هذا يجوز أن يكون الإنسان مدركا بعض متمناه، فلا مناقضة فيه لما ذكرناه وهكذا قول من قال «ما كل رأى الفتى يدعو إلى الرشد» ومنه قول بعض الشعراء «ما كل ماشية بالرحل شملال» والشملال الناقة السريعة، وأراد أن بعض ما يمشى بالرحل ليس سريعا فى سيره، ومنه قولهم «ما كل سوداء تمرة» يعنى أن بعض ما يكون أسود ليس تمرا، وليس منه الحديث النبوى حين سلّم على ثلاث من الظهر، فقال له ذو اليدين يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت، فقال ﵇ كل ذلك لم يكن، وأراد ما كان شىء من ذلك، فقال ذو اليدين تقريرا لما قد تحققه من الحال، بعض ذلك قد كان، فجواب الرسول ﷺ على غير ظاهر الحال، وجواب ذى اليدين على ما تحققه من الأمر فى التغيير، وغرضه أن بعضه قد كان وهو النسيان دون القصر، فلما كان حرف النفى غير متصدر على «كل» وهو «لم» جاء نفيا للفعل على جهة العموم كما ذكرته. التقرير الثانى أن يكون النفى واقعا على غير «كل» كقولك كل الأصحاب ما جاءنى، وكل الرجال ما أكرمت، وكل القوم ما لقيت، فمتى كان الأمر كما قلناه كان نفيا للفعل متصلا بالكل، فيناقضه ما جاء على خلافه، فإذا قلت: كل الإخوان ما جاءنى، وكل الرجال ما أكرمت، فإنه يناقضه، بل جاءنى بعضهم؛ لأنك نفيت الفعل على جهة الإطلاق، فلأجل هذا ضادّه ما جاء على عكسه، ومنه قوله ﵇ لذى اليدين كل ذلك لم يكن، وقد قررناه من قبل، وقول أبى النجم «٢» : قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علّى ذنبا كله لم أصنع فإنه أراد أنه لم يصنع شيئا منه، وإنما كان المعنى هكذا، لما كان النفى واقعا على الفعل،

стр. 320

وليس واقعا على «كلّ» فلهذا كان عاما، ومنه قول بعضهم: فكيف وكلّ، ليس بعدو حمامه ... وما لامرىء عمّا قضى الله مزحل فالنفى متصل بالفعل، فلهذا كان عاما ولو قلت: وليس كل يعدو حمامه، لأفسدت المعنى؛ لأنه يوهم أن بعض الناس يسلم من ملاقاة الحمام، وهو محال، ومنه قول دعبل: فو الله ما أدرى بأى سهامها ... رمتنى وكلّ، عندنا ليس بالمكدى أبا لجيد أم مجرى الوشاح وإننى ... لأتهم عينيها مع الفاحم الجعد أراد أن سهامها كلها قاتلة لا يوجد فيها مكد بكل حال، وأكداه إذا نقصه، وأكداه، إذا منعه، فينحل من مجموع ما ذكرناه ههنا أن «كلّا» إذا ولى حرف النفى فى قولك: ما كل الرجال قائم، وما كل الرجال جاءنى، فإنه واقع على شموله، سواء كان عاملا فيه أو غير عامل، كقولك: ما كل الرجال لقيت أو أكرمت، وما كل الرجال قام، فإذا كان النفى واقعا على الشمول كان مؤثرا فيه النفى، فلا يناقضه ما جاء على عكسه، فعلى هذا تقول فى: ما كل الرجال جاءنى بل جاءنى بعضهم، فلا مناقضة فيه، بخلاف ما إذا كان حرف النفى واقعا حشوا فى نحو قولك: كل الرجال ما لقيت، وكل الرجال ما أكرمت، فإنه يكون واقعا على نفى الإكرام معلّقا بالشمول، فلهذا ٧ ذا وقع ما يخالفه، كان مناقضا له، فإذا قلت: كل الرجال ما جاءنى، فإنه يناقضه بل جاءنى بعضهم، وسر التفرقة ما ذكرناه من تصدير حرف النفى ووقوعه حشوا وتوجّه النفى إلى الشمول خاصة، وأفاد ثبوت الفعل أو الوصف لبعض، أو تعلّقه به، وما كان على خلاف ذلك كان عاما فى الشمول والآحاد، وما ذكره الشيخ عبد القاهر حيث قال: إن كانت كلمة «كلّ» داخلة فى حيز النفى بأن تأخرت عن أداته كقوله: ماكل ما يتمنى المرء يدركه، أو معمولة للفعل المنفى نحو ما جاءنى القوم كلهم، أو لم آخذ كل الدراهم، أو كل الدراهم لم آخذ، فالمعنى على نفى الشمول، مطابق لما ذكرناه فى هذين التقريرين وضابط لما كان من النفى متعلقا بالشمول دون الآحاد وما كان عاما فيها. الصنف الثانى ما يتعلق بالأفعال ، وأكثرها متعلق بعلوم الإعراب، فلا حاجة بنا إلى ذكره، وإنما نذكر منها صورة واحدة وهى لفظة «كاد» وهى موضوعة للمقاربة دالة عليها، وقد وقع
следующие страницы →