← Баляга

Баляга · id 23788

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المؤيد العلوي

Полный текст (682 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فرق بين أن يكون من جهة اللفظ، أو يكون حاصلا من جهة المعنى، ومنهم من قبله محتجّا بأن الألفاظ إذا كان فيها تغاير فليس معيبا، وقد استعمله الفصحاء، فدل ذلك على جوازه، والمختار عندنا فيه تفصيل، وحاصله أنا نقول: أما الناثر فلا يغتفر له مثل هذا، وهو أن يأتى بكلمتين دالتين على معنى واحد من غير فائدة، وليس هناك ضرورة تلجئه إلى ذلك، فلهذا كان معدودا فى النثر من العىّ المردود فلا نقبله، وأما الناظم فإنه إن أتى بهما فى صدر البيت فلا عذر له فى ذلك؛ لأنه مخالف للبلاغة والبراعة فى الفصاحة، ويدل على ضيق العطن فى الطلاقة والذلاقة، وإن كان فى عجز الأبيات فما هذا حاله يغتفر له من أجل الضرورة الشعرية، وقد اغتفر أئمة الأدب للشعراء كثيرا من الضرورات قد قررناها فى الكتب الأدبية وأظهرنا الجائز منها والممتنع والحسن والأحسن، وهذا الذى ذكرناه هو الذى يشير إليه كلام ابن الأثير فى كتابه المثل السائر وبتمامه يتم الكلام فى التوكيد.

стр. 317

الفصل الثانى عشر فى بيان المفردات التى خرجت عن هذه الفصول العشرة اعلم أن من الألفاظ المفردة ما يتعلق بالبلاغة، ويستعمل فى مواطن الفصاحة، ولم يمكن إيراده فى أثناء هذه الفصول، لاختلافها لكونها غير مندرجة تحت ضابط واحد، فلا جرم أفردناها بكلام يخصها، وهى منقسمة باعتبار الكلمة إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول ما يتعلق بالأسماء ونورد منها صورا الصورة الأولى قولهم [ «هذا» ] وهو من أسماء الإشارة، وهو إنما يرد على جهة الإشارة إلى كلام سابق، ومثاله قوله تعالى: هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) [ص: ٤٩] فإنه لما قص ما ذكره من حديث الأنبياء أيوب وإسماعيل واليسع وذى الكفل، أكد تلك القصص باسم الإشارة، والعطف بذكرها على ما سبق، ليؤكد أمرها ويوضح حالها من أجل أن لا يخالج فيها لبس أن يعتريها ريب، ومصداق ما قلته من إفادتها للتأكيد هو أنها لا تأتى إلا وتعقّبها إنّ المؤكدة كما فى ظاهر الآية من أجل إفصاح ما قلته من تأكيدها، وهذا كقولك لبعض إخوانك: رأيى لك أن تفعل كذا وكذا، ثم تقول بعد ذلك: هذا وإن الأمر إليك فافعل ما ترى، والمعنى هذا الذى أراه مصلحة لك فى الدين والدنيا، وإليك الخيرة بعد فى أمرك، وكقوله تعالى: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) [ص: ٥٥] فإنه ذكرها عقيب قوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) [ص: ٥٠- ٥١] أى هذا نعيم، وملك مقيم، وشرف وعلو مرتبة، والجملة التى بعدها ليس لها موضع من الإعراب؛ لأنها واردة على جهة الابتداء، ولهذا جاءت متصلة بها، لتدل على تأكيدها، وقد يجىء بعدها جملة حالية، وهذا كقولك لمن يفشل ويضطرب حاله وينزعج قبل ملابسة الحرب: «هذا ولم تشجر الرماح» ، ولا وقعت المكافحة بالصفاح، ومثل قولك لمن لا ثبات له فى الأمر الذى يحاوله، ولا ترسخ قدمه عند مشارفة ما هو بصدده: «هذا ولم يطر الذباب» ، والمعنى هذا حالك إذا كلمتك شفارها، وأصابك لهبها وشرارها، ويتصدى فى قولنا: هذا من جهة الإعراب وجهان، أحدهما الرفع على أنه

стр. 318

مبتدأ وخبره محذوف، تقديره هذا على ما قررته، وثانيهما النصب على أنه مفعول لفعل محذوف، تقديره اعرف هذا، وكلا الوجهين لا غبار عليه. الصورة الثانية قولنا: [ «اللهم» ] فأما الكلام على لفظها، وكيفية تركيبها فقد ذكرناه فى حقائق الإعراب فلا وجه لإيراده ههنا، وإنما نذكر ما يتعلق بخصوصية البلاغة ومجيئها على أثر عموم، حشوا فى الكلام، حثا للسامع على رعاية القيد، وتنبيها له على جريان العموم إلا فى حالة القيد، ومثاله قولنا أنا لا أنقطع عن زيارتك، اللهم إلا أن يمنعنى مانع ولا أترك الإحسان إليك، اللهم إلا أن يحول بينى وبينك البعد، وقد وقع فى الحريريات: وما قيل فى المثل الذى سار سائره، خير العشاء سوافره، إلا ليعجّل التعشّى، ويجتنب أكل الليل الذى يعشى، اللهم إلا أن تقد نار الجوع، وتحول دون الهجوع، فهى كما ترى واقعة بين كلامين منبهة على مراعاة القيد الذى ذكرناه. الصورة الثالثة [ «كل» ] فإنه دال على الشمول. اعلم أنك إذا قلت: جاءنى القوم كلهم، فإنه دال بحقيقة وضعه على أن كل واحد منهم قد وقع منه المجىء، ويرفع أن تكون متجوزا فى نسبة المجىء إلى جميع القوم بأن يكون الجائى بعضهم لكون المختلف عنهم واحدا أو اثنين، أو لكون المتخلفين لا يعتد بهم، كما يقال أجمعت الأمة على كذا، وأنت تريد العلماء منهم؛ لأن من عداهم لا اعتداد به، أو أن تكون نسيت المجىء إلى جميعهم لأجل صدوره من بعضهم كما قال تعالى: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ [الأعراف: ٧٧] والعاقر لها من قوم صالح هو «قدار» لتنزلهم فى الرضا منزلته، وإذا قلت: ما جاءنى القوم كلهم، فإنه يفيد أن واحدا منهم قد جاء لأجل الشمول، فالنفى والإثبات يقعان على ما ذكرناه، نعم إنما يقع الخلاف إذا كان النفى واقعا على لفظة «كل» كقولك «ما كل القوم جاءنى» أو غير واقع عليها كقولك «كلّ القوم ما جاءنى» فهذان تقريران، التقرير الأول فى حكم النفى إذا وليته لفظة الشمول وكانت مندرجة تحته، سواء كانت عاملة فيه فى مثل قولك: ما كل طعامك مأكولا، أو غير عاملة كقولك: ما مأكول كل طعامك، فالنفى فى هذه الصورة واقع على الشمول فلا يناقضه مجىء بعض القوم، ولا أكل بعض الطعام؛ لأن النفى على الشمول والإثبات واقع على

стр. 319

بعضه فلا تناقض هناك، لاختلاف تعلّقهما بما يتعلقان به، وإنما تقع المناقضة إذا كان متعلقهما واحدا، وعلى هذا يحمل بيت أبى الطيب المتنبى «١» : ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه ... تجرى الرياح بما لا تشتهى السّفن فالنفى واقع على «كل» المفيد للشمول، وعلى هذا يجوز أن يكون الإنسان مدركا بعض متمناه، فلا مناقضة فيه لما ذكرناه وهكذا قول من قال «ما كل رأى الفتى يدعو إلى الرشد» ومنه قول بعض الشعراء «ما كل ماشية بالرحل شملال» والشملال الناقة السريعة، وأراد أن بعض ما يمشى بالرحل ليس سريعا فى سيره، ومنه قولهم «ما كل سوداء تمرة» يعنى أن بعض ما يكون أسود ليس تمرا، وليس منه الحديث النبوى حين سلّم على ثلاث من الظهر، فقال له ذو اليدين يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت، فقال ﵇ كل ذلك لم يكن، وأراد ما كان شىء من ذلك، فقال ذو اليدين تقريرا لما قد تحققه من الحال، بعض ذلك قد كان، فجواب الرسول ﷺ على غير ظاهر الحال، وجواب ذى اليدين على ما تحققه من الأمر فى التغيير، وغرضه أن بعضه قد كان وهو النسيان دون القصر، فلما كان حرف النفى غير متصدر على «كل» وهو «لم» جاء نفيا للفعل على جهة العموم كما ذكرته. التقرير الثانى أن يكون النفى واقعا على غير «كل» كقولك كل الأصحاب ما جاءنى، وكل الرجال ما أكرمت، وكل القوم ما لقيت، فمتى كان الأمر كما قلناه كان نفيا للفعل متصلا بالكل، فيناقضه ما جاء على خلافه، فإذا قلت: كل الإخوان ما جاءنى، وكل الرجال ما أكرمت، فإنه يناقضه، بل جاءنى بعضهم؛ لأنك نفيت الفعل على جهة الإطلاق، فلأجل هذا ضادّه ما جاء على عكسه، ومنه قوله ﵇ لذى اليدين كل ذلك لم يكن، وقد قررناه من قبل، وقول أبى النجم «٢» : قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى ... علّى ذنبا كله لم أصنع فإنه أراد أنه لم يصنع شيئا منه، وإنما كان المعنى هكذا، لما كان النفى واقعا على الفعل،

стр. 320

وليس واقعا على «كلّ» فلهذا كان عاما، ومنه قول بعضهم: فكيف وكلّ، ليس بعدو حمامه ... وما لامرىء عمّا قضى الله مزحل فالنفى متصل بالفعل، فلهذا كان عاما ولو قلت: وليس كل يعدو حمامه، لأفسدت المعنى؛ لأنه يوهم أن بعض الناس يسلم من ملاقاة الحمام، وهو محال، ومنه قول دعبل: فو الله ما أدرى بأى سهامها ... رمتنى وكلّ، عندنا ليس بالمكدى أبا لجيد أم مجرى الوشاح وإننى ... لأتهم عينيها مع الفاحم الجعد أراد أن سهامها كلها قاتلة لا يوجد فيها مكد بكل حال، وأكداه إذا نقصه، وأكداه، إذا منعه، فينحل من مجموع ما ذكرناه ههنا أن «كلّا» إذا ولى حرف النفى فى قولك: ما كل الرجال قائم، وما كل الرجال جاءنى، فإنه واقع على شموله، سواء كان عاملا فيه أو غير عامل، كقولك: ما كل الرجال لقيت أو أكرمت، وما كل الرجال قام، فإذا كان النفى واقعا على الشمول كان مؤثرا فيه النفى، فلا يناقضه ما جاء على عكسه، فعلى هذا تقول فى: ما كل الرجال جاءنى بل جاءنى بعضهم، فلا مناقضة فيه، بخلاف ما إذا كان حرف النفى واقعا حشوا فى نحو قولك: كل الرجال ما لقيت، وكل الرجال ما أكرمت، فإنه يكون واقعا على نفى الإكرام معلّقا بالشمول، فلهذا ٧ ذا وقع ما يخالفه، كان مناقضا له، فإذا قلت: كل الرجال ما جاءنى، فإنه يناقضه بل جاءنى بعضهم، وسر التفرقة ما ذكرناه من تصدير حرف النفى ووقوعه حشوا وتوجّه النفى إلى الشمول خاصة، وأفاد ثبوت الفعل أو الوصف لبعض، أو تعلّقه به، وما كان على خلاف ذلك كان عاما فى الشمول والآحاد، وما ذكره الشيخ عبد القاهر حيث قال: إن كانت كلمة «كلّ» داخلة فى حيز النفى بأن تأخرت عن أداته كقوله: ماكل ما يتمنى المرء يدركه، أو معمولة للفعل المنفى نحو ما جاءنى القوم كلهم، أو لم آخذ كل الدراهم، أو كل الدراهم لم آخذ، فالمعنى على نفى الشمول، مطابق لما ذكرناه فى هذين التقريرين وضابط لما كان من النفى متعلقا بالشمول دون الآحاد وما كان عاما فيها. الصنف الثانى ما يتعلق بالأفعال ، وأكثرها متعلق بعلوم الإعراب، فلا حاجة بنا إلى ذكره، وإنما نذكر منها صورة واحدة وهى لفظة «كاد» وهى موضوعة للمقاربة دالة عليها، وقد وقع

стр. 321

فيها خلاف بين النحاة، فمن قائل إنها كالأفعال فتكون فى الإثبات إثباتا، وفى النفى نفيا، ومن قائل إنها تخالف الأفعال، فتكون فى الإثبات للنفى وفى النفى للإثبات، وصار صائرون إلى التفرقة، فتكون فى الماضى إذا نفى للإثبات، وفى المستقبل كالأفعال، تمسّكا بقوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) [البقرة: ٧١] وقد فعلوا، والمختار أنها جارية على حكم الأفعال فى النفى والإثبات، فإذا قلت: ما كاد يفعل، فالغرض أنه لم يفعل ولا قارب الفعل، وإذا قيل: يكاد يفعل، فالمراد من ذلك أنه قارب فعله ولم يفعله، فتجدها مطابقة للأفعال فى نفيها وإثباتها، فأما ما قاله ذو الرمة فى قصيدته الحائية «١» : إذا غيّر النأى المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح فإنه يحكى أنه لما أنشد هذا البيت، ناداه ابن شبرمة ياغيلان أراه الآن قد برح، فشنق ناقته، وجعل يتأخر بها ويفكر ثم قال: إذا غيّر النأى المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح قال عنبسة فحكيت لأبى القصة فقال أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذى الرمة، وأخطأ ذو الرمة، حيث غيّر شعره لقول ابن شبرمة، إنما هذا كقول الله تعالى: ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها [النور: ٤٠] والمعنى أنه لم يرها ولم يقارب رؤيتها، وهكذا القول فى جميع مواردها يكون وضعها على هذا الوضع من غير مخالفة للأفعال. الصنف الثالث فى الحروف واعلم أن الكلام فى أسرار الحروف يتعلق بعلم الإعراب، وإنما نذكر أفرادا من الحروف لها تعلق بالبلاغة ومواطن الفصاحة، ونورد من ذلك صورا: «الصورة الأولى» [ «إنما» ] فى قولك: إنما أنت الكريم، وهى ترد للحصر فيما هى فيه، فمعنى إنما فى قوله تعالى: أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [الكهف: ١١٠] ما إلهكم إلا إله واحد، قال أبو على الفارسى فى الشيرازيات، يقول جماعة من النحاة فى قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما

стр. 322

ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [الأعراف: ٣٣] إن المعنى فيها ما حرم ربى إلا الفواحش، وقد رأيت ما يدل على ذلك ويؤذن بصحته، كقول الفرزدق «١» : أنا الذّائد الحامى الذّمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى فانفصال الضمير دال على ذلك، كما لو قال ما يدافع عنهم إلا أنا أو مثلى، وقال أبو إسحاق الزجاج والذى أختاره فى قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [البقرة: ١٧٣] أنه فى معنى ما حرم عليكم إلا الميتة؛ لأن «إنما» إنما تأتى إثباتا لما يذكر بعدها، ونفيا لما سواه، قال الشيخ عبد القاهر لم يعنوا بذلك أنهما يكونان بمنزلة المترادفين؛ لأنه ربما يصلح أحدهما حيث لا يصلح الآخر، لهذا فإنك تقول: ما من إله إلا الله، وما أحد إلّا يقول ذاك، فما هذا حاله يصلح فيه «ما» و «إلا» ولا يصلح فيه «إنما» وتقول إنما هو درهم لا دينار، فيصلح فيه «إنما» ولا تقول: ما هو إلا درهم لا دينار. دقيقة اعلم أن «إنما» الأصل فى وضعها أن تكون لما لا يجهله المخاطب أو ما ينزل منزلته، فأما الأول فمثاله قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ [هود: ١٢] وقوله إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ [الرعد: ٧] وإِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ [طه: ٩٨] وإِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) [النازعات: ٤٥] وقوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] إلى غير ذلك مما يتضح الأمر فيه ويكون ظاهرا، وأما مثال الثانى فقولك: إنما هو أخوك، وإنما هو صاحبك القديم، فتذكر هذا لمن يعترف بحقه ويقرّ به، غير أنك تريد أن تنبيه إلى ما يجب من حق الأخوة وحرمة الصحبة، قال الشاعر «٢» : إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظلماء وتقول: إنما هو أسد وسيف صارم، أى أن هذه الصفات ثابتة لازمة له.

стр. 323

الصورة الثانية [حرف الإثبات «أنّ» ] وهو «أنّ» وإنما ترد على جهة التأكيد للجملة الابتدائية، وتدخل الفاء عليها وقد لا تدخل، وهو الأكثر المستعمل فى كتاب الله تعالى، والضابط لدخولها وعدم دخولها هو أنها إذا كانت مذكورة للربط بين الجملتين حتى كأنهما قد أفرغا فى قالب واحد وسبكا سبكا منتظما، فإنها تأتى بغير فاء وهذا كقوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) [لقمان: ١٧] وقوله تعالى: اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ [الحج: ١] وقوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة: ١٠٣] وقوله تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) [هود: ٣٧] وقوله تعالى: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) [يوسف: ٥٣] وهذا وارد فى التنزيل كثير لا يحصى كثرة أعنى زوال الفاء عنها كما مثلناه فأما كلام علماء البيان فالفاء إنما حذفت وهى مما تؤذن بالوصل لأن الحال محمول على تقدير سؤال كأنه قال قائل: هل صلاة الرسول سكن لهم، فقيل له: إنها سكن لهم، وهكذا القول فى جميع ما أوردناه من الأمثلة فإنه وارد على هذه الطريقة وعلى ما ذكرناه- فإنه يخالف ما قرروه فى ذلك، والغرض من زوالها ما قررناه من كون الجملتين مزجا مزجا واحدا وكقول من قال «١» : فغنّها وهى لك الفداء ... إنّ غناء الإبل الحداء وقول بعضهم: عليك باليأس من الناس ... إنّ غنى الأنفس فى الياس وقول بعض الشعراء «٢» : جاء شقيق عارضا رمحه ... إنّ بنى عّمك فيهم رماح وحيث تكون الجملة الثانية مغايرة للجملة الأولى فإن الفاء تأتى متصلة بها وهذا كقوله تعالى: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) [الصافات: ١٦١] وقوله تعالى: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا

стр. 324

الْبُطُونَ (٦٦) [الصافات: ٦٦] ومن خواص هذا الحرف أن له من المكانة ما يكسو ضمير الشأن أبهة وبلاغة يعرى عنها إذا هو فارق ظله، ومثاله قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ [يوسف: ٩٠] وقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ [الحج: ٤٦] وحكى عن الأخفش أن الضمير فى «إنّها» راجع إلى الأبصار، ويكون من قبيل الإضمار قبل الذكر على شريطة التفسير. الصورة الثالثة [همزة الاستفهام] ، وتختلف معانيها بحسب اختلاف مواقعها، فمن وجه الاستفهام أن تستفهم عما تكون شاكا فيه، فإذا وليت الهمزة الأسماء فالشك يكون فى الفاعل، فتقول: أأنت فعلت هذا، إذا كان الشك فى الفاعل من هو، فإذا قلت: أأنت كتبت هذا الكتاب، كنت غير شاك فى الكتب نفسه، وإنما وقع الشك فى الكاتب، وتقول: أأنت قلت شعرا لمن تحقق قول الشعر، وإنما وقع شكه فى قائله، قال الله تعالى: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) [الأنبياء: ٦٢] فلم يقع شكهم فى الفعل أصلا، وإنما وقع فى الفاعل، ولهذا كان جواب إبراهيم بذكر الفاعل مطابقا لما قالوه من ذلك، وهكذا قوله تعالى: لعيسى ﵇ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: ١١٦] على جهة التقرير من جهة الفاعل، وإن وليت الفعل كان الشك واقعا فيه كقولك: أخرجت من الدار؟ وأقلت شعرا؟ فالاستفهام إنما وقع فى الفعل كما ترى، ولهذا كان جوابه «بنعم أو لا» وهذا كله إن كان الواقع ماضيا، فأما إذا كان مضارعا فهو على وجهين، الوجه الأول منهما أن يكون للحال، ثم إما أن تكون الجملة مصدّرة بالفعل أو بالاسم، فإن صدّرت الجملة بالفعل، ومثاله أن تقول لمن هو مشتغل بالفعل أتفعل هذا، ويكون المعنى معه أنك أردت أن تنبيهه على فعل وهو يفعله موهما أنه لا يعلم كنه حقيقة وجوده وأنه جاهل به، وإن كانت الجملة مصدرة بالاسم كقولك: أأنت تفعل هذا، يكون المعنى فيه أنك تكون مقرا له بأنه هو الفاعل، وكان وجود ذلك الفعل ظاهرا لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن وموجود، هذا كله إذا كان الفعل المضارع للحال ومنه قول الشاعر «١» : أيقتلنى والمشرفى مضاجعى ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال كأنه أراد تكذيبه وأنه لا يقدر على ما قاله ولا يستطيعه.

стр. 325

الوجه الثانى أن يكون للاستقبال ثم إما أن تكون الجملة مصدرة بالفعل كقولك: أتفعل هذا فى أمر مستقبل، ويكون معناه إنكار الفعل نفسه، وتزعم أنه غير كائن، وأنه لا ينبغى أن يكون أبدا، وإما أن تكون مصدرة بالاسم كقولك: أأنت تفعل كذا وأنت موجه الإنكار إلى الفاعل أى أنه لا يتأتى منه ذلك الفعل ولا يستطيعه، ويوضحه أنك إذا قلت: أأنت تمنعنى عن الفعل، كنت منكرا منعه وأنه غير قادر وإنما يقدر على ذلك غيره قال «١» : أأترك إن قلّت دراهم خالد ... زيارته؟ إنّى إذن للئيم هكذا قرّر علماء البيان دخول الهمزة على هذه الأوجه كما ترى. الصورة الرابعة فى [حروف النفى وهى ما، ولن، ولا، ولم] واعلم أن لحروف النفى تعلقا بالبلاغة لما يلحقها من الأسرار القرآنية والمعانى الشعرية بحسب مواقعها ومواردها لها بالإضافة إلى الأزمنة التى تدخل عليها ثلاث حالات: الحالة الأولى أن تكون داخلة على الفعل لنفى الأزمنة الماضية وهذا نحو قولنا: لم، ولما، فإنهما موضوعان من أجل نفى الماضى، خلا أنّ «لمّا» مفارقة «للم» من وجهين، أما أولا فلأن «لم» لنفى فعل ليس معه قد، «ولما» لنفى فعل معه قد، فلم لنفى قولنا: فعل فتقول فى جوابه لم يفعل، وأما ثانيا فلأن نفى «لما» أبلغ من نفى لم، ولهذا فإنك تقول: ندم ولم ينفعه الندم، أى نفى ندمه وتقول ندم ولما ينفعه الندم أى إلى وقته، فحصل من هذا أن نفى «لمّا» أبلغ من نفى «لم» لما قررناه والسبب فى ذلك أن «لما» أنفس فى حروفها من «لم» فلا جرم حصلت المبالغة فيها من أجل ذلك. الحالة الثانية أن تكون داخلة لنفى الحال وهى «ما» فتقول ما يفعل زيد، وما زيد منطلقا ومنطلق، فالرفع لغة بنى تميم، والنصب فى الخبر لغة أهل الحجاز، وهى فى جميع مداخلها لنفى الحال سواء كان دخولها على الفعل، أو على الاسم رافعة للخبر أو ناصبة له، ومصداق كونها واردة فى أصل وضعها لنفى الحال، امتناع قولنا: إن تكرمنى ما أكرمك، لأن الشرط للاستقبال، فلو كانت لنفى المستقبل لجاز ذلك كما جاز فى نحو لن أكرمك إن

стр. 326

أكرمتنى لما كانت مطابقة للشرط فى صلاحية الاستقبال، فإن وردت لنفى المستقبل فإنما هى على المجاز، والحقيقة ما ذكرناه من نفى الحال، واستغراق الكلام فى أسرارها إنما يليق بالمقاصد الإعرابية وفيما ذكرناه غنية فيما نريده ههنا. الحالة الثالثة «لا» و «لن» وهما موضوعان لنفى الأزمنة المستقبلة، فإن استعملا فى غير الأزمنة فإنما يكون على جهة المجاز والاستعارة، فيشتركان جميعا فى كونهما دالتين على النفى مطلقا، وفى كونهما لنفى الأزمنة المستقبلة، وهذا لا يقع فيه خلاف بين أئمة الأدب من أهل اللغة والنحاة فى وضعهما حقيقة لما ذكرناه، وإنما يفترقان من جهة أن «لن» آكد من «لا» فى نفى المستقبل مطلقا، قال الزمخشرى فيما عمله فى مفصله و «لن» للنفى لتأكيد ما يعطيه «لا» من نفى المستقبل، وأراد بما قاله أن «لن» فى النفى مرشدة إلى التأكيد، وأن نفيها أبلغ من نفى «لا» ولهذا جاءت على أنها معطية لما أعطته «لا» مع زيادة بلاغة فى تلك الفائدة التى أدتها «لا» ويقوى ما ذكره الشيخ من طرق ثلاثة. الطريق الأول قوله تعالى فى آية: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] فنفى الإدراك عن ذاته على جهة العموم فى الأزمنة المستقبلة، فلما أراد المبالغة فى النفى بأبلغ من ذلك قال جوابا لسؤال موسى حيث قال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣] فأتى بالجواب على جهة المبالغة بقطع الرجاء وحسما لمادة الطمع والتشويق إلى ذلك لأحد، ويؤيد كونه واردا على جهة المبالغة، هو أنه عقبه بالتعليق على أمر محال حيث قال وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف: ١٤٣] الآية فتعقيبه بالمحال عقيب ما قرره من المبالغة بالنفى فيه دلالة قاطعة على ما ذكرناه من مقالة الشيخ بلا مرية. الطريق الثانى قوله تعالى فى آية: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) [الجمعة: ٦] ثم قال وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً [الجمعة: ٧] فجاء فى الجواب ههنا بلا، وقال فى آية أخرى قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) [البقرة: ٩٤] ثم قال فى هذه الآية وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة: ٩٥] فجاء فى الأولى «بلا» وجاء فى الثانية «بلن» لأنه لما لوحظ فى الثانية معنى البلاغة من جهة أنه أكده، بلكم، على جهة الملك والاختصاص من بين سائر الناس ووصف الدار بكونها آخرة مبالغة فى أمرها وإيضاحا لشأنها، وقرره بقوله «عند الله» إيضاحا للأمر أيضا ثم قال «خالصة» يعنى مختصين بها

стр. 327

دون غيركم، وهكذا قوله مِنْ دُونِ النَّاسِ [الجمعة: ٦] فيه نهاية الاختصاص، فلما حصل تأكيد هذا الخطاب بهذه الأنواع من التوكيد، أتى بالنفى «بلن» لما بالغ فى إتيانه بالغ فى نفيه «بلن» وهذا كله دال على كونها موضوعة للمبالغة. الطريق الثالث هو أنه بالغ فى ما نفى «بلن» بأن أكّده بقوله «أبدا» وفى هذا أعظم دلالة على أن وضعها للمبالغة فى النفى، فهذه الطرق الثلاث كلها مقررة لما ذكره الشيخ من أن «لن» لتأكيد ما تعطيه «لا» من نفى المستقبل، فأما ابن الخطيب أبو المكارم صاحب التبيان فقد يتلكأ فى قبول ما ذكرناه، وزعم أن الأمر على العكس مما أوردناه، وأن النفى «بلا» آكد من النفى «بلن» وقال: إن الزمخشرى إنما ذهب إلى هذه المقالة بناء على مذهبه فى الاعتزال، من نفى الرؤية واستحالتها على الله تعالى، وهذا خطأ منه، فإنا قد دللنا على كون «لن» دالة على مبالغة النفى بها فى الأزمنة المستقبلة، ومن العجب أنه قال: إنما صار الزمخشرى إلى ما حكيناه عنه لأجل الاعتزال، فليس الأمر كما زعمه، وإنما صار إليه للدليل الواضح من جهة نص الأدباء واستعمال أهل اللغة على ذلك، ومما يؤيد ما ذكرناه ويوضحه هو أن الله تعالى لما نفى «بلا» إدراك الأبصار عن ذاته بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] أى المبصرون بالأبصار على جهة العموم والاستغراق فى الأزمنة المستقبلة من غير مبالغة هناك وقال ردا لسؤال موسى حيث قال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣] «فجاء بهذه اللفظة قطعا لطمع الرؤية وإحالة لها بكونه أجابه بما يفيد الاستغراق والتأبيد، واستقصاء الكلام فى استحالة الرؤية من الأدلة النقلية يليق بالعلوم الدينية وقد أشرنا إليها فى كتاب «النهاية» وبالله التوفيق. الصورة الخامسة [ «لو» ] ووضعها فى الشرط للماضى كما كانت «إن» شرطا فى المستقبل خلافا للفراء فإنه زعم أنها شرط فى المستقبل كإن، وتطلب فعلين تعلق الثانى منهما بالأول تعليق المسبب بالسبب، فإن كانا منفيين لفظا فهما مثبتان من جهة المعنى، وإن كانا مثبتين لفظا فهما منفيان من جهة المعنى، وإن كان الأول مثبتا والثانى منفيا، أو بالعكس فهما فى المعنى على المناقضة من لفظهما: لا يقال: فإذا كان الأمر كما قلتموه فى «لو» فكيف يمكن تنزيل الحديث النبوى الوارد فى حق «صهيب» فى قوله ﵇ «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» فإنه إذا كان الأمر على ما قررتموه فى «لو» كان حاصله أنه خاف الله فعصاه،

стр. 328

وهذا يفيد أن يكون الخوف سببا فى المعصية، والحقيقة على خلاف ذلك: لأنا نقول: أما القانون المعتبر فى «لو» والجارى على الاطراد فهو ما ذكرناه، فإذا ورد ما يخالفه، وجب تأويله على ما يوافق مجراه وله تأويلات ثلاثة، التأويل الأول أن جريها على ما ذكرناه من الأوجه الأربعة هو المطرد لكن قد يعرض من ذلك بسبب القرائن ما يوجب كون النفى باقيا على حاله من إفادته للنفى، وللقرائن تأثير عظيم فى تغيير الألفاظ فى العموم، والخصوص، والحقائق، والمجازات، وعلى هذا يكون المعنى فى الخبر أن الله تعالى: خصه بطهارة فى باطنه وقوة فى عزيمته بحيث إنه لو انتفى الخوف عن قلبه فإنه لا يلابس معصية، فكيف به وقد حصل فى أرفع مكان من الخوف وأعلاه، وعلى هذا يكون النفى على حاله من غير تقرير كونه ثابتا من أجل القرينة وهذا كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧] فظاهر الآية دال على ثبوت النفاد لكلمات الله تعالى؛ لأنه منفى فى ضمن «لو» فلهذا لم يكن بد من بقائه على حاله لأجل القرينة كما ذكرناه فى مسئلة صهيب، والله أعلم. التأويل الثانى أن «لو» وضعها للتقدير، والتقدير هو أن يعطى الموجود معنى المعدوم أو المعدوم معنى الموجود كما فى قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] فإنه قدر وجود الآلهة ثم رتب على وجودهم الفساد، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أنه قد يؤتى بها لقصد الإثبات للحكم على تقدير لا يناسب الحكم ليفيد ثبوت الحكم على خلاف الذى فيه مناسبة ويكون ذلك من طريق الأولى، فيعلم ثبوت الحكم مطلقا، فيجب تنزيل مسئلة «صهيب» على هذا، فإنه إذا لم يخف الله لم يصدر منه عصيان، لما أعطاه الله تعالى من تزكية النفس، وطهارة القلب، فكيف به وقد استمسك بالعروة الوثقى من الخوف، فعلى هذا يكون انتفاء العصيان أولى وأحق، ومثاله قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) [الأنفال: ٢٣] فعلى هذا يجب تنزيل معنى الآية على ما قررناه من قبل، فيكون التقدير فيها لو فهّمهم الله تعالى: لما أجدى فى حقهم التفهيم، لما اختصوا به من التمرّد والعناد فكيف حالهم وقد سلبهم القوة الفاهمة، فيكون مع هذا أبلغ فى انتفاء الفهم وأدخل فى عدم القبول والهداية لا محالة،

стр. 329

وتقول لألزمنّ صحبتك ولو أقصيتنى ولأشكرنك ولو لم تعطنى، إلى غير ذلك من الأمثلة، وكقول امرىء القيس «١» : فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى فإذا كان ملازما لها مع تقطيع الأوصال فملازمتها مع المحبة والألفة تكون أدخل لا محالة، وهذه الواو هى المطلعة على هذه الأسرار، فإذا قدّر زوالها زالت البلاغة، وكقول زهير «٢» : ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلّم والمعنى فى هذا أن كل من كان هائبا لأن تناله المنايا فى غاية البعد عنها، فهى لا محالة واقعة به ومصيبة له، فكيف حال من لا يدخل فى قلبه هيبة لها، هى فى الإصابة له أدخل وأقرب إلى هلاكه وأسرع. التأويل الثالث أن تكون «لو» فى بابها بمنزلة إن الشرطية كما قاله الفراء، وعلى هذا يكون دخول حرف النفى مفيدا لمعناه من النفى من غير قلب له كما كان ذلك فى إن الشرطية من غير فرق بينهما، وعلى هذا يكون معناه أنه إن لم يخف الله فلا يعصيه بحال كما تقول إن لم تكرمنى لم أكرمك، فالإكرامان منفيان، وعلى هذا يكون الخوف منفيا والعصيان مثله فى النفى أيضا، والتأويلان الأوّلان عليهما يكون التعويل؛ لأن «لو» شرط فيما مضى بخلاف إن، خلافا لما زعمه الفراء، وقد قررنا معناها فى الكتب الإعرابية. الصورة السادسة [ما، وإلا] ، اعلم أن «ما» و «إلا» إذا تركبا فى الكلام فإنهما يفيدان الحصر لا محالة، إما فى الأسماء، وإما فى الصفات، فهذان وجهان، الوجه الأول الحصر فى الأسماء، إما فى الفاعل كقولك ما ضرب عمرا إلا زيد، فالمعنى فى هذا أنه لا ضارب لعمرو إلا زيد، و ٧ ما فى المفعول كقولك، ما ضرب زيد إلا عمرا، فالمعنى فيه أنه لا مضروب لزيد إلا عمرو، ولو قلت ما ضرب إلا عمرا زيد، كانا سواء؛ لأن الغرض هو حصر المفعول، وهو ما يلى

стр. 330

«إلا» سواء تقدم الفاعل أو تأخر عن المفعول، ومما جاء فى حصر الفاعل قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] فالمعنى أنه لا خاشى لله إلا هم، وأنهم هم المستبدون بمراقبة الله تعالى: وتعظيم شأنه من بين سائر الخلق، ولو كان الحصر واقعا فى المفعول لانعكس المعنى، فلو قال إنما يخشى العلماء الله، لكان تقديره ما خشى العلماء إلا الله، وعلى هذا يكون الحصر فى المخشّى لا فى الخاشى ويفيد أن المخشى هو الله دون غيره، وعند هذا لا يمتنع أن يشارك العلماء غيرهم فى خشية الله، فعلى المعنى الأول الخشية محصورة فى العلماء، وعلى المعنى الثانى الله المخشى دون غيره، ومع هذا يكون مخشيا للعلماء ولغيرهم، وسرّ التفرقة بين المعنيين إنما يحصل من جهة ما ذكرناه من انحصار الفاعل، والمفعول بعد «إلا» كما قررناه، وإنما كان الحصر مختصا بإلا، ولم يكن حاصلا قبلها؛ لأن الحصر من أثر «إلّا» وأثر الحرف لا يحصل إلا بعده، ولا يكون حاصلا قبله، الوجه الثانى الحصر فى الصفات، أما حصر الأسماء عليها، فكقولك: ما زيد إلا قائما، فإنك نفيت أن يكون زيد على صفة من الصفات إلا صفة القيام، وأما حصرها على الأسماء فكقولك: ما قائم إلا زيد فإنك نفيت أن يكون القيام لأحد إلا لزيد، فالحصر إنما يتناول ما بعد «إلا» كما قررناه، فعلى هذا يكون اعتبار المسائل فى الأسماء والصفات فى الحصر، فإن قال قائل هل يكون قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ [الأنعام: ١٠٠] من باب التقديم والتأخير، أو يكون من باب الحصر، فإن كان من باب الحصر فليس هنا ما يوجب الحصر ويقتضيه من الأحرف التى تدل عليه، وإن جعلتموه من باب التقديم والتأخير، فأظهروا التفرقة بين المعانى فى التقديم والتأخير، والجواب أما الحصر فلا مدخل له ههنا، لفقد ما يكون دالا على الحصر من أحرف المعانى وهى، إنما، وما، وإلا، وإذا بطل أن تكون الآية من باب الحصر وجب جعلها من باب التقديم والتأخير، وعلى هذا يكون لها فى الإعراب تفسيران، ويكون المعنى فيها تابعا للإعراب كما نوضحه. التفسير الأول أن يكون الجعل من باب التصيير كقوله تعالى: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً

стр. 331

وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً [النمل: ٦١] وهو كثير الدور والاستعمال فى كتاب الله تعالى، وعلى هذا يكون له مفعولان، فالمفعول الأول هو الشركاء، والثانى هو الظرف، وهو قوله «لله» وعلى هذا يكون الإنكار متوجها على أن يكون لله تعالى: شركاء على الإطلاق، ويكون انتصاب «الجن» على إضمار فعل محذوف، كأنه قيل فمن جعلوا لله شركاء؟ قيل جعلوا الجن، فالأولى جملة على حيالها، والثانية جملة على حيالها، وعلى هذا لا يكون فيه تقديم ولا تأخير بالإضافة إلى الجن والشركاء، لانقطاع أحدهما عن الآخر كما ترى، نعم يمكن تقدير التقديم والتأخير بالإضافة إلى الظرف نفسه، فيقال: هل من فرق بين تقديم الظرف على الشركاء وتأخيره، والذى يمكن من التفرقة فيه هو أن يقال: إن الظرف إذا كان متقدما كما فى نظم الآية وسياقها، فإن الإنكار متوجه من الله حيث جعلوا له شريكا مع أن فيه دلالة على أنهم لم يجعلوا لغيره شركاء، بخلاف ما لو قال: وجعلوا شركاء لله، فإن الإنكار حاصل فيه، لكن ليس فيه دلالة على أنهم ما جعلوا لغيره شركاء، ونظير ذلك قولك: ما أمرتك بهذا، وما بهذا أمرتك، فإنك إذا أخّرت الظرف كان حاصله نفى الأمر عن نفسك من غير أن يكون فيه دلالة على أنك أمرته بشىء آخر، بخلاف ما إذا قلت: ما بهذا أمرتك، فإنه كما هو دال على نفى الأمر عن نفسك، فإنه دال على أنك قد أمرته بشىء آخر، وهكذا تكون الآية كما قررته. التفسير الثانى أن يكون المفعول الأول لجعل، هو الجن، والمفعول الثانى هو الشركاء، وعلى هذا يكون الظرف ليس بمعتمد ويكون متعلقا بشركاء ومن ههنا يظهر سر التفرقة بين التفسيرين، فأنت على التفسير الأول يظهر لك أن الإنكار إنما توجه عليهم من جهة إضافة الشركاء إلى الله تعالى على جهة الإطلاق، سواء كان من جهة الجن، أو من جهة غيرهم؛ لأن المعنى أنه لا شريك لله فى الإلهية، لا من الجن، ولا من غير الجن، بخلاف المعنى الثانى، فإن الإنكار إنما كان متوجها من جهة مشاركة الجن لا غير، ولا شك أن الإطلاق مخالف للتقييد، وعلى هذا يكون التفسير الأول أخلق بالآية وأدلّ على المبالغة من التفسير الثانى، وبما ذكرناه تدرك التفرقة بينهما. ولقد كان إيراد هذه الآية حقيقا بفصل التقديم والتأخير لكونها منه وأخص به، والذى جر من إيرادها ههنا هو ما عرض فيها من الإشكال، هل هى من باب الحصر، أو من

стр. 332

باب التقديم والتأخير، فقس على هذا ما يرد عليك من أسرار النظم، فإن تحته أسرارا جمة، ونكتا غزيرة، تنبهك على كثير من الفوائد، وتطلعك على المناظم والمعاقد، هذا إذا لحظت من الله بتوفيق، يهدى إلى كل طريق من الخير والتحقيق. الصورة السابعة بيان فوائد [ «إنّ» ] وجملتها أربع الفائدة الأولى أنها كما أشرنا إليه تربط الجملة الثانية بالأولى، وبسببها يحصل التأليف بينهما، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغا واحدا، ولو أسقطتها ظهر التنافر بينهما وبطلت الملاءمة، وهذا كقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) [الدخان: ٥١] بعد قوله: إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) [الدخان: ٥٠] فلو قال: فالمتقون فى مقام أمين، كان من حسن النظام بمعزل. الفائدة الثانية أن لضمير الشأن والقصة معها من حسن الموقع، وجودة النظام، ورشاقة التأليف، ما لا يمكن وصفه، وهذا كقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ [يوسف: ٩٠] وقوله تعالى: أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة: ٦٣] وقوله تعالى: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ [الأنعام: ٥٤] وقوله تعالى: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) [المؤمنون: ١١٧] . الفائدة الثالثة أنها تهيىء النكرة وتجعلها صالحة لأن يحدّث عنها وهذا كقوله «١» : إنّ دهرا يضمّ شملى بسعدى ... لزمان، يهمّ بالإحسان وكقوله «٢» : إنّ شواء ونشوة ... وخبب البازل الأمون وسر ذلك هو أنها لما كانت موضوعة لتأكيد الجملة الابتدائية لا جرم اغتفر دخولها على النكرات وهيئاتها للحديث عنها كما ذكرناه.

стр. 333

الفائدة الرابعة هو أنها إذا دخلت على الجملة الابتدائية فقد يجوز الاقتصار على الاسم دون الخبر وهذا كقوله «١» : إنّ محلّا وإنّ مرتحلا ... وإنّ فى السفر إذ مضوا مهلا وهذا إنما يكون حيث يكون الخبر معمولا مدلولا عليه بالقرينة؛ لأن المعنى إن لنا محلا فى الدنيا وإن لنا مرتحلا إلى الآخرة، فهذا ما أردنا ذكره من هذه الصور الخارجة عن الضوابط، وبتمامه يتم الكلام فى الفصل العاشر من الباب الثانى من فن المقاصد، وهو الكلام فى الدلائل الإفرادية وبالله التوفيق.

стр. 334

الباب الثالث فى مراعاة أحوال التأليف وبيان ظهور المعانى المركبة اعلم أن جميع ما أسلفناه إنما هو كلام فى الأمور الإفرادية إلا أن يعرض عارض فيجرى فى الأمور المركبة، والذى نذكره الآن إنما هو كلام فى الأمور المركبة، إلا أن يعرض ما يوجب الإفراد، وقبل الخوض فيما نريده من ذلك نذكر تمهيدا لما نريد ذكره من بعد، وينبنى على قواعد ثلاث. القاعدة الأولى [مراعاة ما يقتضيه علم النحو] يجب على الناظم والناثر فيما يقصد من أساليب الكلام مراعاة ما يقتضيه علم النحو أصوله وفروعه من تعريف المبتدأ وتقديمه وجوبا، إذا كان استفهاما، أو شرطا، وجوازا فى غير ذلك، ومراعاة تنكير الخبر، وتقديمه إذا كان المبتدأ نكرة، وأن يراعى فى الشرط والجزاء، كون الجملة الأولى فعلية وجوبا، والثانية بالفاء إذا كانت جملة اسمية، أو فعلية إنشائية، كالأمر والنهى، أو خبرية ماضية، وأن يأتى بالواو فى الجملة الاسمية إذا وقعت حالا، وتحذف مع المضارع المثبت، وأن يضع كل حرف لما يقتضيه معناه بالأصالة، فيأتى «بما» لنفى الحال و «بلا» لنفى الاستقبال و «بإن» الشرطية فى المواضع المحتملة المشكوك فيها و «بإذا» فى المواضع الصريحة و «بإذ» لما مضى وينظر فى الجمل، وما يجب من مراعاة عود الضمير فيها وما لا يجب، ويتصرف فى التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، والإضمار، والإظهار ومواضع الاتصال والانفصال فى الضمائر، وتعلقات الحروف إلى غير ذلك مما توجبه صناعة علم الإعراب، ويوجبه حكمه. القاعدة الثانية [مراعاة ما يقتضيه اللفظ من الحقيقة والمجاز] يجب عليهما مراعاة ما يقتضيه اللفظ من الحقيقة والمجاز، واعلم أن المجاز يدخل دخولا أوليا، وله مدخل عظيم، وهو أحق بالاستعمال فى باب الفصاحة والبلاغة، وقد شرحنا قوانينه فيما سبق فأغنى ذلك عن الإعادة، والذى نريد ذكره ههنا هو أن فائدة الكلام الخطابى إنما يكون لإثبات الغرض المقصود فى نفس السامع، وتمكنه فى نفسه على جهة التخيل والتصور، حتى يكاد ينظر إليه عيانا، وبيان ذلك أنا إذا قلنا زيد أسد، فإنه يفيد فائدة قولنا زيد شجاع، لكن التفرقة بين القولين فى التصور والتخيل ظاهرة، فإن

стр. 335

قولنا: زيد شجاع، لا يتخيل منه السامع سوى أنه رجل جرىء فى الحروب، مقدام على الأبطال، وإذا قلنا، زيد أسد، فإنه يتخيل عند ذاك صورة الأسد وهيئته وما هو متصف به من الشجاعة والبطش، والقوة والاستطالة على كل حيوان، واختصاصه بدقّ الفرائس وهضمها، وهذا لا نزاع فيه، ومما يوضح ما ذكرناه هو أن العبارة المجازية تكسب الإنسان عند سماعها هزة وتحرك النشاط، وتمايل الأعطاف، ولأجل ذلك يقدم الجبان، ويسخو البخيل، ويحلم الطائش، ويبذل الكريم نهاية البذل، ويجد المخاطب بها نشوة كنشوة الخمر، حتى إذا قطع ذلك الكلام أفاق من تلك السكرة، وهب من سنة تيك النومة، وندم على ما كان منه من بذل مال، أو ترك عقوبة، أو إقدام على أمر هائل، وهذه هى فائدة سحر لسان الفصيح اللوذعىّ، المستغنى عن إلقاء الحبال والعصىّ، ومصداق هذه المقالة قوله ﷺ : إنّ من البيان لسحرا، يشير به إلى ما قلناه، فهذه هى فائدة المجاز، نعم إذا ورد كلام يكون محتملا للحقيقة والمجاز جميعا فى موارد الشريعة، كان حمله على حقيقته أحق من حمله على مجازه، لأنها هى الأصل، والمجاز فرع، وقد قررنا هذا المأخذ فى الكتب الأصولية، وهمنا ما يتعلق بعلوم البلاغة. القاعدة الثالثة [مراعاة أحوال التأليف بين الألفاظ المفردة، والجمل المركبة] يجب مراعاة أحوال التأليف بين الألفاظ المفردة، والجمل المركبة، حتى تكون أجزاء الكلام متلائمة آخذا بعضها بأعناق بعض، وعند ذلك يقوى الارتباط، ويصفو جوهر نظام التأليف، ويصير حاله بمنزلة البناء المحكم المرصوص المتلائم الأجزاء، أو كالعقد من الدر فصلت أسماطه بالجواهر واللآلىء، فخلص على أتم تأليف، وأرشق نظام، ولنضرب فى ذلك مثالين: المثال الأول فى المدح وهذا كقول البحترى: بلونا ضرائب من قد مضى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا هو المرء أبدت له الحادثا ... ت عزما وشيكا ورأيا صليبا تنقّل فى خلقى سؤدد ... سماحا مرجّى وبأسا مهيبا فكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا «١» فانظر إلى إجادته فى تأليف هذه الكلمات التى صارت كالأصباغ التى يعمل منها

стр. 336

النقوش، فما أحسن موقع قوله هو المرء، كأنه قال «فتح» هو الرجل الكامل فى الرجولية، ثم تأمل إلى تنكيره السؤدد وإضافة الخلقين إليه، ثم عقّبه بقوله: فكالسيف، فلقد أجاد فى التشبيه وأحسن فى صوغه «وليس كلّ آذان تسمع القيل» فليس إذا راق التنكير فى موضع يروق فى كل موضع، بل ذاك على حسب الانتظام، ومأخذ السياق يفوق ويزداد إعجابا وحسنا، فأنت إذا فكرت فى هذه الأبيات وجدتها قد اشتملت على نهاية المدح مع ما حازته من جودة السبك وحسن الرصف فى أسهل مأخذ وأعجبه، وهكذا يكون الإعجاب فى القلة والكثرة بحسب ما ذكرناه. المثال الثانى فى الذم وهذا كقول الشاعر: قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم بولى على النار «١» فتأليف هذا البيت مشتمل على نهاية الهجاء حتى لا تكاد لفظة من ألفاظه إلا ولها حظ فى الذم والنقص لهؤلاء، فقوله «قوم» هو مخصوص بالرجال، وفيه دلالة على أنهم أعراب جفاة ليس لهم ثروة ولا تمكن فلا يألفون شيئا من مكارم الأخلاق، ثم إنه أتى «بإذا» التى تؤذن بالشرط المؤقت المعينّ، ليدل به على أن الأضياف لا يعتادونهم إلا فى الأوقات القليلة، ثم إنه عقبه بسين الاستفعال لتوذن أن كلبهم ليس من عادته النّباح، وإنما يقع منه ذلك على جهة الندرة لإنكاره للضيف، وأنه لا عهد له بهم، ثم جاء بالأضياف على جمع القلة، لما كانوا لا يقصدهم إلا نفر، قليل، ثم عرّفه باللام إشارة إلى أنهم قوم معهودون لا يقصدهم كل أحد، وفيه دلالة أيضا على أن كلبهم لا ينبح إلا بالاستنباح لهزاله وقلة قوته من الجوع والضعف، ثم أفرد الكلب ليدل على أنهم لا يملكون سواه لحقارة الحال، وكثرة الفقر، ثم إنه أضاف الكلب إليهم استحقارا لحالهم، ثم إنه أتى بقالوا، ليعرف من حالهم أنهم لا خادم لهم يقوم مقامهم فى ذلك، وأنهم يباشرون حوائجهم بأنفسهم، ثم جعل القول منهم مباشرة لأمهم، ليدل على أنه لم يكن هناك من يخلفها من خادمة وغيرها فى إطفاء النار، فأقام أمهم مقام الأمة والخادمة فى قضاء الحوائج لهم، ولم يشرّفوها عن ذلك، ثم جعلهم قائلين لما يستنكر من لفظ البول لأن ذكره يشعر بذكر مخرجه من العورة فى حق الأم فلم يكن هناك حشمة لهم ولا مروءة فى إضافة ما أضيف إليها من ذلك، ثم

стр. 337

قال على النار، فيه دلالة على ضعف نارهم لقلة زادهم، وأنه يطفئها بولة، وأنها إنما أمرت بذلك، كى لا يهتدى الأضياف إليهم ولا يعرفوا مكانهم، ثم أتى بلفظة على، ولم يقل فوق النار، ليدل بحرف الاستعلاء على أنها قصدت حقيقة الاستعلاء بالبول قائمة من غير مبالاة فى التستر ولا مروءة فى تغطية العورة، فقد وضح لك بما قررناه أن التأليف هو العمدة العظمى والقانون الأكبر فى حسن المعانى وعظم شأنها وفخامة أمرها، ومن الأمثلة الرائقة ما يؤثر عن أمير المؤمنين قاله فى أول خلافته: «إن الله سبحانه أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشرّ، فخذوا نهج الخير تهتدوا، واصدفوا عن سمت الشرّ تقصدوا، الفرائض الفرائض، أدّوها إلى الله تؤدّكم إلى الجنّة، إن الله تعالى حرّم حراما غير مجهول، وفضّل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشدّ بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين فى معاقدها، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم وهو الموت فإن الناس أمامكم وإن الساعة تحدوكم من خلفكم، تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بأوّلكم آخركم، اتقوا الله فى عباده وبلاده، فإنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم، وأطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه» . فلينظر الناظر ما اشتمل عليه هذا الكلام من حسن التأليف وبديع التصريف، وليلحظ ما تضمنه قوله: تخففوا تلحقوا، بعين البصيرة وما اشتمل عليه من بلاغة المعانى وجزالة الألفاظ، وإنه لكلام من استوى على عرش البلاغة واستولى، ودل بالإرشاد على مصالح الدين والدنيا، فعليك بمراعاة جانب التأليف فإنه القطب الذى تدور عليه أرحية البلاغة، ولا سبيل إلى جذبه بزمامه، والاستيلاء على كماله وتمامه، إلا بعد إحراز فصول تكون محتوية على أسراره، ومستولية على المقصود منه.

стр. 338

الفصل الأول فى ذكر [الإطناب] وبيان معناه اعلم أن الإطناب واد من أودية البلاغة، ولا يرد إلا فى الكلام المؤتلف، ولا يختص بالمفردات، لأن معناه لا يحصل إلا فى الأمور المركبة، فمن أجل هذا خصصناه بالإيراد فى هذا الباب، والإطناب مصدر أطنب فى كلامه إطنابا، إذا بالغ فيه وطوّل ذيوله لإفادة المعانى، واشتقاقه من قولهم: أطنب بالمكان إذا طال مقامه فيه، وفرس مطنب إذا طال متنه، ومن أجل ذلك سمى حبل الخيمة طنبا لطوله، وهو نقيض الإيجاز فى الكلام، فلنذكر ماهيته والتفرقة بينه وبين التطويل، ثم نذكر أقسامه، ثم نردفه بذكر الأمثلة فيه، فهذه مباحث ثلاثة نفصلها بمعونة الله تعالى. البحث الأول فى ماهيته والتفرقة بينه وبين التطويل ومعناه فى لسان علماء البيان هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة جديدة من غير ترديد فقولنا: هو زيادة اللفظ على المعنى، عام فى الإطناب، وفى الألفاظ المترادفة كقولنا: ليث وأسد، فإنه كله من باب زيادة اللفظ على معناه، وقولنا لفائدة، يخرج عنه التطويل، فإنه زيادة من غير فائدة، وقولنا جديدة، تخرج عنه الألفاظ المترادفة، فإنها زيادة فى اللفظ على المعنى لفائدة لغوية، ولكنها ليست جديدة، وقولنا من غير ترديد يحترز به عن التواكيد اللفظية كقولنا: اضرب اضرب، فإنها زيادة اللفظ على المعنى لفائدة جديدة، وهو التأكيد، لكنه ترديد اللفظ وتكريره، بخلاف الإطناب فإنه خارج عن التأكيد، فوضح بما ذكرناه شرح ماهية الإطناب بهذه القيود التى أشرنا إليها، فصارت الأمور التى يلبس بها الإطناب ثلاثة، التطويل، وهو مزيد من غير فائدة، والتكرير، والترادف، وقد خرج التكرير بقيد الترديد، وخرج المترادف بقيد الفائدة الجديدة، وخلص باعتبار هذه القيود عن غيره من سائر الحقائق، فكان حاصل الإطناب الاشتداد فى المبالغة فى المعانى، أخذا من قولهم: أطنبت الريح، إذا اشتد هبوبها، وأطنب الرجل فى سيره، إذا اشتد فيه، وهو غير مناقض لما ذكرناه فى اشتقاقه فى صدر الباب. «وأما» التفرقة بينه وبين التطويل فاعلم أن علماء البيان لهم فى ذلك مذهبان، المذهب

стр. 339

الأول أن الإطناب هو التطويل، وهذا هو المحكى عن أبى هلال العسكرى، وعن الغانمى أيضا وقالا: إن كتب الفتوح والتقاليد كلها ينبغى أن تكون مطولة كثيرة الإطناب، لأنها مما يقرأ على عوام الناس لافتقارها إلى البيان، فكلامهما يقضى بأنه لا تفرقة بين الإطناب والتطويل، المذهب الثانى أنهما يفترقان، فإن الإطناب يذكر لفائدة عظيمة بخلاف التطويل، فإنه لا فائدة وراءه، وهذا هو الذى عليه الأكثر من علماء البلاغة، وإليه يشير كلام ابن الأثير وهذا هو المختار، ويدل على ما قلناه من التفرقة بينهما هو أن الإطناب صفة محمودة فى البلاغة، بخلاف التطويل، فإنه صفة مذمومة فى الكلام، وما ذاك إلا لأن الإطناب يجىء من أجل الفائدة بخلاف التطويل، فإنه يكون من غير فائدة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن ما يتوصل به إلى البغية من معانى الكلام أمور ثلاثة، الإيجاز، والإطناب، والتطويل. فأما الإيجاز فهو دلالة اللفظ على معناه من غير نقصان فيخلّ، ولا زيادة فيملّ، وقد رمزنا إلى أسراره فيما سبق، وأما التطويل والإطناب فهما متساويان فى تأدية المعنى، خلا أن الإطناب مختص بفائدة جديدة، ولأجلها كان ممتازا عن التطويل، ومثال ما قلناه من ذلك كمن سلك لطلب مقصد من المقاصد ثلاث طرق فإنها كلها موصلة إلى ما يريده، فأحدها أقرب الطرق، وهو نظير الإيجاز، والطريقان الأخريان متساويتان فى الإطالة، وهما نظيرا الإطناب، والتطويل، خلا أن أحدهما مختص إما بمتنزّه حسن، أو بمياه عذبة، أو زيارة صديق أو غير ذلك من الفوائد، فهو نظير الإطناب كما لخصناه، وأصدق مثال فى الإيجاز، والإطناب، والتطويل، ما حكاه ابن الأثير وهو: أن المأمون لما وجّه طاهر بن الحسين فى عسكر لحرب عيسى بن ماهان فقتله وهزم عسكره، واستولى على جنده ثم كتب إليه طاهر يخبره بذلك فقال: كتابى إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى بن ماهان بين يدى وخاتمه فى يدى، وعسكره متصرّف تحت أمرى والسلام. فهذا كتاب قد أوجز فيه غاية الإيجاز وأتى فيه بالغرض المقصود من غير تطويل ولا إطناب، لاشتماله على تفاصيل القصة وإجمالها، وهو من أحسن أمثلة الإيجاز، وإن وجهته على جهة الاطناب فإنك لتشرح القصة مفصلة وتودع التفاصيل زبدا عظيمة من تعظيم المأمون وقوة سلطانه، ونهضة جند الإسلام واستطالته على الكفار من أهل الردة، لأن عيسى بن ماهان كان نصرانيا فيما قيل، ويحكى صفة الواقعة وما كان، مع فوائد عظيمة، ونكت جمة، فما هذا حاله يكون إطنابا لاحتوائه على ما ذكرناه من الفوائد، وإن

стр. 340

حكاها بصفة التطويل العرىّ عن الفوائد بأن يقول صدر الكتاب يوم كذا من مكان كذا فى شهر كذا والتقى عسكرنا وعسكره، وتزاحف الجمعان، وتطاعن الفريقان، وحمى القتال واشتد النزال مع تفاصيل كثيرة ثم قتل عيسى بن ماهان واحتز رأسه ونزع الخاتم من يده، وترك جسده طعاما للطيور والسباع والذئاب وغير ذلك من تفاصيل الواقعة، فهذا يقال له التطويل من جهة أن تفاصيل الوقعة خالية عن الفوائد الغزيرة التى يحتاج إلى مثلها فهذه هى أمثلة الأمور الثلاثة قد فصلناها ليحصل التمييز بينها. البحث الثانى فى ذكر تقسيم الإطناب واعلم أن الإطناب قد يكون واقعا فى الجملة الواحدة، وقد يرد فى الجمل المتعددة، فهذان القسمان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما بمعونة الله تعالى: القسم الأول ما يكون متعلقا بالجملة الواحدة ، وتارة يرد على جهة الحقيقة، وتارة يرد على جهة المجاز، فهذان وجهان: الوجه الأول ما يرد من الإطناب على جهة الحقيقة وهذا كقولنا: رأيته بعينى، وقبضته بيدى، ووطئته بقدمى وذقته بلسانى إلى غير ذلك من تعليق هذه الأفعال بما ذكرناه من الأدوات وقد يظن الظان أن التعليق بهذه الآلات إنما هو لغو لا حاجة إليه، فإن تلك الأفعال لا تفعل إلا بها، وليس الأمر كما ظن بل هذا إنما يقال فى كل شىء يعظم مناله ويعز الوصول إليه، فيؤتى بذكر هذه الأدوات على جهة الإطناب دلالة على نيله، وأن حصوله غير متعذر، وعلى هذا ورد قوله تعالى: ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ [الأحزاب: ٤] وقوله تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور: ١٥] لأن هذه الآيات إنما وردت فى شأن الإفك وفى جعل الزوجات أمهات، وفى جعل الأدعياء أبناء، فأعظم الله الرد والإنكار فى ذلك بقوله: وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ [النور: ١٥] على أهل الإفك فى الرمى بفاحشة الزنا لمن هى ظاهرة والعفاف والستر وبقوله: ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ [الأحزاب: ٤] على من قال لزوجته هى عليه كظهر أمه، أو لمن قال لمملوكه يا بنى فبالغ فى الرد بهذه المقالة والنكير

стр. 341

عليها عن أن تكون الزوجة أمّا، والعبد ابنا وأن مثل هذا يكون محالا، وهو أن يجمع بين الزوجية والأمومة وبين النبوّة والعبودية. ومن هذا قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: ٤] فقد علم أن القلب لا يكون إلا فى الجوف ولكن الغرض المبالغة فى الإنكار بأن يكون للإنسان قلبان، أكّد ذلك بقوله فى جوفه، ومن هذا قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: ٢٦] فإن المعلوم من حال السقف أنه لا يكون إلا من فوق، وإنما الغرض المبالغة فى الترهيب والتخويف والإنكار والرد كما أشار إليه: بقوله قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [النحل: ٢٦] يعنى بالخراب والهدم فخر عليهم السقف من فوقهم، تشديدا فى الأمر، وتهويلا لهم، وإعظاما لحاله وهكذا قوله تعالى فى سورة الحاقة نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) [الحاقة: ١٣] فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) [الحاقة: ١٤] فإن التاء مؤذنة بالوحدة، ولكنه أتى بالصفة على جهة المبالغة بالإطناب فى فخامة الأمر وعظمه، فأما قوله تعالى: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) [النجم: ٢٠] فليس هذا من باب الإطناب بالتأكيد، وإنما هو من أجل مراعاة سجع الآى، فإنها من أول السورة على الألف، فلأجل هذا قال «الثالثة الأخرى» مراعاة لما ذكرناه. الوجه الثانى فيما يرد على جهة المجاز فى الإطناب ، وهذا كقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) [الحج: ٤٦] فالفائدة بذكر الصدور ههنا وإن كانت القلوب حاصلة فى الصدور على جهة الإطناب بذكر المجاز، وبيانه هو أنه لما علم وتحقق أنّ العمى على جهة الحقيقة إنما يكون فى البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يذهب نورها ويزيله، واستعماله فى القلوب إنما يكون على جهة التجوز بالتشبيه، فلما أريد ما هو على خلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب ونفيه عن الأبصار، لا جرم احتاج الأمر فيه إلى زيادة تصوير وتعريف، ليتقرر أن مكان العمى هو القلوب، لا الأبصار، ولو قال فإنها لا تعمى الأبصار ولكنها تعمى الأبصار التى فى الصدور، لكان مفتقرا إلى ذكر الصدور، كافتقار القلوب، لكن القلوب أدخل فى الحاجة، ولهذا وردت الآية عليه لأنه قد يتجوز بلفظة الأبصار فى العقول، ولا يتجوز بالقلوب عن العقول، فلأجل هذا كان ذكر قوله فى الصدور عقيب القلوب أحسن من ذكرها عقيب الأبصار لما ذكرناه، وهذا من لطائف علم البيان ومحاسنه.

стр. 342

القسم الثانى فى بيان ما يرد فى الجمل المتعددة ، ويرد على صور مختلفة، وكلّها وإن اختلفت فإنها ترجع إلى الضابط الذى ذكرناه من قبل، ونشير منه ههنا إلى ضروب أربعة، وفيها دلالة على غيرها بمعونة الله تعالى. الضرب الأول ما يكون عائدا إلى النفى والإثبات ، وحاصله راجع إلى أن يذكر الشىء على جهة النفى، ثم يذكر على جهة الإثبات أو بالعكس من ذلك، ولابدّ أن يكون فى أحدهما زيادة فائدة ليست فى الآخر يؤكد ذلك المعنى المقصود، وإلّا كان تكريرا، ومثاله قوله تعالى: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) [التوبة: ٤٤] ثم قال تعالى: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) [التوبة: ٤٥] فالآية الثانية كالآية الأولى إلّا فى النفى والإثبات، فإن الأولى من جهة الإثبات، والثانية من جهة النفى، فلا مخالفة بينهما إلا فيما ذكرناه، خلا أن الثانية اختصت بمزيد فائدة، وهى قوله وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) إعلاما بحالهم فى عدم الإيمان بالله واليوم الآخر، وأنهم فى وجل وإشفاق من تكذيبهم، حيارى فى ظلم الجهل، لا يخلصون إلى نور وهدى، ولولا هذه الفائدة لكان ذلك تكريرا ولم يكن من باب الإطناب، ومن هذا قوله تعالى: وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) [الروم: ٦- ٧] فقوله: يَعْلَمُونَ بعد قوله: لا يَعْلَمُونَ (٦) ، من الباب الذى نحن بصدده، ولهذا فإنه نفى عنهم العلم بما خفى عنهم من تحقيق وعده ثم أثبت لهم العلم بظاهر الحياة الدنيا، فكأنه قال: علموا، وما علموا، لأن العلم بظاهر الأمور ليس علما على الحقيقة، وإنما العلم هو ما كان علما بطريق الآخرة ومؤديا إلى الجنة، فلولا اختصاص قوله يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون لكان تكريرا لا فائدة تحته، فلأجل ما ذكرناه عد من الإطناب لاشتماله على ما ذكرناه من الفائدة التى لخصناها. الضرب الثانى أن يصدر الكلام بذكر المعنى الواحد على الكمال والتمام، ثم يردف بذكر التشبيه على جهة الإيضاح والبيان ومثاله قول أبى عبادة البحترى:

стр. 343

ذات حسن لو استزادت من الحس ... ن إليه لما أصابت مزيدا. فهى كالشمس بهجة والقضيب الل ... دن قدّا والرئم طرفا وجيدا فالبيت الأول كان كافيا فى إفادة المدح، وبالغا غاية الحسن، لأنه لما قال لو استزادت لما أصابت مزيدا، دخل تحته كل الأشياء الحسنة، خلا أن للتشبيه مزية أخرى تفيد السامع تصورا وتخيلا لا تحصل من المدح المطلق، وهذا الضرب له موقع بديع فى الإطناب وهكذا ورد قوله أيضا تردد فى خلقى سؤدد ... سماحا مرجى وبأسا مهيبا فكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا «١» فالبيت الأول دالّ على نهاية المدح، لكن البيت الثانى موضح ومبين لمعناه، لأن البحر للسماح، والسيف للبأس المهيب، مع اختصاصه بالتشبيه الفائق الذى يكسب الكلام رونقا وجمالا، ويزيده قوة وكمالا، وله وقع فى البلاغة وتأكيد فى المعنى، والتفرقة بين هذا الضرب وما قبله ظاهرة لا خفاء بها، فإن هذا وارد على جهة التشبيه بعد تقدم ما يرشد إلى المعنى ويقويه، بخلاف الضرب الأول، فإن الإطناب فيه من جهة المفهوم المعنوى، وبيانه هو أنه لما قال فى الآية الأولى: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [التوبة: ٤٤] أشعر ظاهرها من جهة المفهوم أن غير هؤلاء بخلافهم، وأنهم المخصوصون بالإذن، فإذا قال بعد ذلك إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٤٥] كان هذا مؤكدا لمفهوم الآية الأولى موضحا له، مع ما أفاد من تلك الفائدة التى ذكرناها، وهو اختصاصهم بالريب والوجل والتردد والحيرة، وهكذا الكلام فى الآية الثانية فإنه لما قال وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) [الروم: ٦] ، فنفى نفيا عاما أشعر ظاهره أنهم غير عالمين بعلم الدين، وحقائق علم الآخرة، ومفهومها أن معهم علما من ظاهر الدنيا، فإذا قال بعد ذلك يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الروم: ٧] كان إطنابا لمفهومها مؤكدا مع زيادة فائدة فيه، وهو غفلتهم عن أمور الآخرة وإعراضهم عنها، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الإطناب فى الضرب الأول

стр. 344

إنما يظهر من جهة ما ذكرناه من المعنى المفهوم، وأن الإطناب فى الضرب الثانى إنما يظهر من جهة اللفظ بإيراد التشبيه للإيضاح والتقرير كما أشرنا إليه. الضرب الثالث أن يذكر الموصوف فيؤتى فى ذلك بمعان متداخلة خلا أن كل واحد من تلك المعانى مختص بخصيصة لا تكون للآخر، ومثاله قول أبى تمام يصف رجلا أنعم عليه: من منّة مشهورة وصنيعة ... بكر وإحسان أغر محجّل فقوله منة مشهورة، وصنيعة بكر، وإحسان أغر محجل، معان متداخلة، لأن المنة والإحسان والصنيعة كلها أمور متقاربة بعضها من بعض، وليس ذلك من قبيل التكرير، لأنها إنما تكون تكريرا لو اقتصر على ذكرها مطلقة من غير صفة كأن يقول منة وصنيعة وإحسان ولكنه وصف كل واحدة منها بصفة تخالف صفة الآخر، فلا جرم أخرجها ذلك عن حكم التكرير، فقال «منة مشهورة» لكونها عظيمة الظهور لا يمكن كتمانها، وقوله «صنيعة بكر» فوصفها بالبكارة، أى أن أحدا من الخلق لا يأتى بمثلها من قبل ومن بعد، وقوله «وإحسان أغر محجل» فوصفه بالغرة ليدل بذلك على تعداد محاسنه وكثرة فوائده، فلما وصف هذه المعانى المتداخلة الدالة على شىء واحد بأوصاف متباينة صار ذلك إطنابا ولم يكن تكريرا، وكقول أبى تمام أيضا: ذكىّ سجاياه تضيف ضيوفه ... ويرجى مرجيه ويسأل سائله «١» فإن غرضه فيما قاله ذكر الممدوح بالكرم وكثرة العطاء خلا أنه وصفه بأوصاف متعددة، فجعل ضيوفه تضيف، وراجيه يراجى، وسائله يسأل، وليس هذا من باب التكرير، لأن كل واحد منها دال على خلاف ما دل عليه الآخر لأن ضيفه يستصحب ضيفا طمعا فى كرم مضيفه، وسائله يسأل، أى أنه يعطى السائلين عطاء جزلا يصيرون به معطين غيرهم، وراجيه يرجى، أراد أنه إذا تعلق به رجاء راج فقد ظفر بنجاح حاجته وفاز بإنجاز مطلبه، وهذا أعظم وصف وأبلغه. الضرب الرابع من الإطناب أن المتكلم إذا أراد الإطناب فإنه يستوفى معانى الغرض المقصود من رسالة، أو خطبة، أو تأليف كتاب، أو قصيدة، أو قرطاس، أو غير ذلك من فنون الكلام ، وهذا هو أصعب هذه الضروب الأربعة، وأدقها مسلكا، وأضيقها جريا،

стр. 345

لكونه مشتملا على لطائف كثيرة، ويتفرع إلى فنون واسعة، تتفاضل فيها المراتب، وتتفاوت فيها الدّرج فى أساليب النظم والنثر، والتبريز فيه قليل، فما قلت ألفاظه وكثرت معانيه فهو الإيجاز، وما كثرت ألفاظه وكان فيها دلالة على الفوائد فهو الإطناب، وما كثرت ألفاظه من غير فائدة فهو التطويل، وما تكررت ألفاظه المتماثلة فهو التكرير، وقد قررنا هذه المعانى من قبل فأغنى عن إعادتها، فهذا ما أردنا ذكره فى تقسيم الإطناب والله الموفق. المبحث الثالث فى ذكره أمثلة الإطناب اعلم أن هذا النوع من علم البيان كثير المحاسن واسع الخطو لطائفه بديعة، ومداخله دقيقة، فلنورد أمثلته من كتاب الله تعالى ثم من السنة الشريفة، ثم من كلام أمير المؤمنين ومن كلام البلغاء، فهذه أنواع أربعة: النوع الأول ما ورد فيه من كتاب الله تعالى فمن ذلك ما ورد فى صفة الجنة على جهة الإيجاز قوله تعالى: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) [الزخرف: ٧١] فهذه نهاية الإيجاز، فإنه قد استولى على جميع اللذات كلها من غير إشارة إلى تفصيل، وكذلك قوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] فهذا أيضا دال على غاية اللذة بأوجز عبارة وألطفها، ومنه قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) [الإنسان: ٢٠] وقوله تعالى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) [المطففين: ٢٤] إلى غير ذلك من الإيجاز البالغ، والإطناب كقوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥] وقوله تعالى: فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) [الغاشية: ١٠- ١٦] وقوله تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) [الواقعة: ١٧- ٢٢] ومن ذلك قوله تعالى: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً (٣٠) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ

стр. 346

وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) [النبأ: ٣١- ٣٥] وقوله تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) [الإنسان: ١٢- ١٩] ثم قال عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) [الإنسان: ٢١] وقوله تعالى فى سورة الرحمن فإنه أوجز أولا، ثم أطنب فى وصف الجنة، فقال فى الإيجاز وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) [الرحمن: ٤٦] ثم قال فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) [الرحمن: ٥٢] ثم أطنب بعد ذلك بقوله مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) [الرحمن: ٥٤] ثم قال بعد ذلك مُدْهامَّتانِ (٦٤) ... يهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦) [الرحمن: ٦٤، ٦٦] وقال: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) [الرحمن: ٥٠] وقال فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) [الرحمن: ٦٨] ثم قال حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) [الرحمن: ٧٢] وقال فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) [الرحمن: ٧٠] ثم قال مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) [الرحمن: ٧٦] فهذه كلها أوصاف جارية على جهة الإطناب، فأما الإيجاز فى صفة أهل النار فقوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) [الزخرف: ٧٤- ٧٥] وقوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) [القمر: ٤٧] إلى غير ذلك مما يدل على الهوان من جهة الإجمال، وأما الإطناب فكقوله تعالى: وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) [المؤمنون: ١٠٣- ١٠٤] وقوله تعالى: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) [الحج: ١٩- ٢١] وهكذا القول فى الإيمان والكفر، وصفة المؤمنين والكفار، فإنه قد ورد فى حقهم الإيجاز والإطناب، وهو ظاهر لا يحتاج فيه إلى التكثير، فأما التطويل، فكتاب الله تعالى منزه عنه، لكونه تكثيرا من غير فائدة مستجدة، ومثاله لو أريد وصف بستان يتضمن فواكه، لقيل فيه الرمان الذى ورقه أخضر مستطيل وله قضبان لدنة لها شجون وفنون مشتملة على حب مدور فى وسطها أعطاف مشحونة ببنادق حمر إلى غير ذلك، فما هذا حاله يعد من التطويل الذى لا ثمرة له ولا فائدة تحته.

стр. 347

النوع الثانى ما ورد من جهة السنة النبوية فأما الإيجاز فمثاله قوله ﷺ حكاية عن الله تعالى: أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بله ما ادخرت لهم، وفى حديث آخر فى الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة على جهة الإجمال، وأما الإطناب فكقوله ﷺ : «من لذّذ أخاه بما يشتهيه رفع الله له ألف ألف درجة وكتب له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة وأطعمه من ثلاث جنان، من جنة الفردوس، ومن جنة الخلد، ومن جنة عدن» ، ومن ذلك قوله ﷺ : «من سقى مؤمنا شربة سقاه الله من الرحيق المختوم، أو قال من نهر الكوثر، ومن كسا مؤمنا كساه الله من سندس الجنة، ومن أطعم مؤمنا لقمة أطعمة الله من طيبات الجنة وفواكهها» وقوله ﷺ فى الإيمان إنه بضع وسبعون بابا أعلاه لا إله إلا الله وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، فهذا وما شاكله من باب الإيجاز الرائق والاختصار الفائق لاندراج الخصال الكثيرة والشعب المنتشرة تحت ما ذكره فى حق الإيمان. ومن الإطناب قوله ﷺ : «لا يكمل إيمان العبد بالله، حتى يكون فيه خمس خصال، التوكل على الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لأمر الله، والرضا بقضاء الله، والصبر على بلاء الله، إنه من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان» ، فانظر إلى ذكره تلك الخصال الخمس التى جعلها أصلا فى كمال الإيمان كيف أردفها بما هو كالثمرة لها، والمصداق لأمرها بقوله: إنه من أحب لله، لأن كل من كملت فيه تلك الخصال فلا شك فى كون أعماله تكون لله من حب أو بغض أو إعطاء أو منع، ومن الإطناب الحسن قوله ﷺ : «إن العبد لا يكتب فى المسلمين حتى تسلم الناس من يده ولسانه، ولا يعد من المؤمنين حتى يأمن أخوه بوائقه، وجاره بوادره، ولا ينال درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذارا ما به البأس» ، ومن الإيجاز الرشيق قوله ﷺ فى طلب الرزق: «إن الرزق ليطلب الرجل كما يطلبه أجله» ، وقوله ﷺ : «الرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك» ، ومن الإطناب قوله ﷺ : «يابن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن وينقص كلّ يوم من أجلك وأنت تفرح تعطى ما يكفيك وتطلب ما يطغيك، لا من كثير تشبع، ولا بقليل تقنع» ، فأصغ سمعك أيها الناظر إلى هذا الإطناب البالغ فى الموعظة كل غاية، والمتجاوز فى النصيحة كل حد ونهاية.

стр. 348

النوع الثالث ما ورد من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، فممّا ورد من كلامه على جهة الإيجاز قوله فى التوحيد كل ما حكاه الفهم، أو تصوره الوهم فالله تعالى بخلافه، فهذه الكلمة على قصرها وتقارب أطرافها قد جمعت محاسن التنزيه لذات الله تعالى عما لا يليق بها من مشابهة الممكنات ومماثلة المحدثات، لأن الوهم إنما يتصور ما له نظائر فى الوجود، والله تعالى ليس لذاته مماثل، ولا يعقل له مشابه، وكلامه هذا دال على أن حقيقة ذاته ليس معلومة للبشر، ولهذا قال: كل ما حكاه الفهم، يشير به إلى أن العقول قاصرة عن تصور تلك الماهية وتعقل أصل تيك المفهومية، وهذا هو المختار عندنا كما قررناه فى المباحث العقلية، وإليه يشير كلام الشيخ أبى الحسين البصرى من المعتزلة وهو الرجل فيهم، وهو رأى الحذاق من الأشعرية كأبى حامد الغزالى وابن الخطيب الرازى وغيرهم من جملة المتكلمين، خلافا لطوائف من المعتزلة والزيدية. ومن الكلمات الوجيزة قوله ﵇: «التوحيد ألّا تتوهمه والعدل ألّا تتّهمه» هاتان الكلمتان قد جمعتا وحازتا علوم التوحيد على كثرتها، وعلوم الحكمة على غرارتها، بألطف عبارة وأوجزها ولو لم يكن فى كلام أمير المؤمنين فى علوم التوحيد والعدل إلا هاتان الكلمتان لكانتا كافيتين فى معرفة فضله، وإحرازه لدقيق علم البلاغة وجزله، فضلا عما وراءهما من بوالغ الحكم الدينية، ونواصع الآداب الحكمية، وقد أشرنا إلى لطائف كلامه وأوضحنا ما رزقنا الله من علوم أسراره فى شرحنا لكتاب نهج البلاغة، وإنه لكتاب جامع للصفات الحسنى وحائز لخصال الدين والدنيا، وأما الإطناب فهو أوسع ما يكون وأكثر فى خطبه وكتبه، وما ذاك إلا لما تضمنه من المعانى واشتماله على الجم الغفير من النكت والأسرار، ولننقل من كلامه نكتا تكون فى الأيام غررا وفى نحو الرواة ذررا. النكتة الأولى فى التوحيد قال: أول الدين معرفته، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده التصديق به، وكمال التصديق به الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن

стр. 349

أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال فيم فقد ضمنه، ومن قال علام فقد أخلى منه، فانظر إلى هذا التوحيد الذى لم يسبق إليه، وإلى هذا الإخلاص الذى لم يزاحم عليه، بل استبد به من بين سائر الخلائق، وتميز بالإحاطة والاستيلاء على تلك الحقائق، وقد أشرنا إلى هذه الرموز بهذه الأحرف وكيفية دلالتها على التوحيد، والتنزيه فى كتابنا الديباج الذى أمليناه شرحا لكلامه فليطالع من هناك، ثم قال: أنشأ الخلق إنشاء، وابتدأه ابتداء بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها، فهذه نكتة شريفة من كلامه أشار فيها إلى التوحيد، وخلق العوالم كلها وإبداع المكونات. النكتة الثانية فى الإشارة من كلامه إلى خلق السموات: ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء وشق الأرجاء وسكائك الهواء، فأجرى فيها ماء متلاطما تياره، متراكما زخاره، حمله على متن الريح العاصفة، والزعزع القاصفة، فأمرها برده، وسلطها على شده، وقرنها إلى حده، الهوى من تحتها فتيق، والماء من فوقها دفيق، ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها، وأدام مريها، وأعصف مجراها، وأبعد منشاها، فأمرها بتصفيق الماء الزخار، وإثارة موج البحار، فمخضته مخض السقاء، وعصفت به عصفها بالفضاء، ترد أوله على آخره، وساجيه على مائره، حتى عب عبابه، ورمى بالزبد ركامه، فرفعه فى هواء منفتق، وجو منفهق، فسوى منه سبع سموات، جعل سفلاهن موجا مكفوفا، وعلياهن سقفا محفوظا، وسمكا مرفوعا بغير عمد يدعمها، ولا دسار ينظمها، ثم زينها بزينة الكواكب، وضياء الثواقب، وأجرى فيها سراجا مستطيرا، وقمرا منيرا، فى فلك دائر، وسقف سائر، ورقيم حائر، فهذه نبذة من كلامه أشار بها إلى كيفية إبداع السموات النكتة الثالثة فى صفة الأرض ودحوها على المآء قال: كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة ولجج بحار زاخرة تلتطم أواذى أمواجها، وتصفق متقاذفات أثباجها، وترغو زبدا كالفحول عند هياجها، فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها، وسكن هيج ارتمائه إذ وطئته بكلكلها، وذل مستخذيا إذ تمعكت عليه بكواهلها، فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجيا مقهورا، وفى حكمة الذل منقادا أسيرا، وسكنت الأرض مدحوة فى لجة تياره، وردت من نخوة

стр. 350

بأوه واعتلائه، وشموخ أنفه وسمو غلوائه، وكعمته على كظة جريته فهمد بعد نزواته، وبعد زيفان وثباته، فسكن هيج الماء من تحت أكنافها، وحمل شواهق الجبال البذّخ على أكتافها فهذه منه إشارة إلى خلقة الأرض كما ترى. النكتة الرابعة فى خلق الملائكة ثم خلق سبحانه لإسكان سمواته وعمارة الصفيح الأعلا من ملكوته خلقا بديعا من ملائكته، وملأ بهم فروج فجاجها، وحشا بهم فتوق أجوائها، وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم فى حظائر القدس وسترات الحجب وسرادقات المجد، ووراء ذلك الرجيج الذى تستك منه الأسماع، سبحانه نور تردع الأبصار عن بلوغها، فتقف على حدودها، أنشأهم على صور مختلفات، وأقدار متفاوتات، أولى أجنحة تسبح جلال عزته، لا ينتحلون ما ظهر فى الخلق من صنعته، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا مما انفرد به، بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، جعلهم فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشبهات، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته، وأمدهم بفوائد المعونة، وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة، وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده، ونصب لهم منارا واضحا على أعلام توحيده، لم تثقلهم مؤصرات الآثام، ولم ترتحلهم عقب الليالى والأيام، ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم، ولا قدحت قادحة الإحن فيما بينهم، ولا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم، وما سكن من عظمته وهيبة جلالته فى أثناء صدورهم، فلم تطمع فيهم الوساوس فتفترع برينها على فكرهم.. إلى آخر كلامه فى أحوالهم وصفاتهم، ولولا خوف الإطالة لنقلنا كل كلامه فى ذكر خواصهم. النكتة الخامسة فى ذكر علم الله وإحاطته بكل المعلومات قال: عالم السر من ضمائر المضمرين، ونجوى المتخافتين، وخواطر رجم الظنون، وعقد عزيمات اليقين، ومسارب إيماض الجفون وما ضمنته أكناف القلوب، وغايات الغيوب، وما أصغت لاستراقه مصايخ الأسماع، ومصائف الذّر ومشاتى الهوام، ورجع الحنين من المولهات، وهمس الأقدام، ومنفتح الثمرة من ولائج غلف الأكمام، ومنقمع الوحوش من غيران الجبال وأوديتها،

стр. 351

ومختبى البعوض بين سوق الأشجار وألحيتها، ومغرز الأوراق من الأفنان، ومحط الأمشاج من مسارب الأصلاب، وناشئة الغيوم ومتلاحمها، ودرور قطر السحاب ومتراكمها، وما تسفى الأعاصير بذيولها، وتعفو الأمطار بسيولها، وعوم نبات الأرض فى كثبان الرمال ومستقر ذاوت الأجنحة. بذرا شناخيب الجبال، وتغريد ذوات المنطق فى دياجير الأوكار، وما أودعته الأصداف وحضنت عليه أمواج البحار، وما غشيته سدفة ليل، وذر عليه شارق من نهار، وما اعتقبت عليه أطباق الدياجير وسبحات الأنوار، وأثر كل خطوة وحس كل حركة، ورجع كل كلمة، وتحريك كل شفة، ومستقر كل نسمة، ومثقال كل ذرة، وهماهم كل نفس همامة، وما عليه من ثمرة شجرة أو ساقط ورقة، أو قرار نطفة، أو نقاعة دم، أو مضغة، أو ناشئة خلق وسلالة، فلينظر الناظر ما تضمنه كلامه ههنا من الإشارة إلى كيفية الإحاطة له تعالى بالمعلومات بألطف عبارة وأرشقها، وهذا من أعجب أماكن الإطناب وأرفع مراتبه. النكتة السادسة فى تنزيه الله تعالى عن مشابهة الممكنات واستحالة الأعضاء عليه ، قال فأشهد أنّ من شبهك بتباين أعضاء خلقك وتلاحم حقائق مفاصلهم المحتجبة بتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ند لك، فكأنه لم يسمع تبرؤ التابعين من المتبوعين إذ يقولون: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) [الشعراء: ٩٧- ٩٨] كذب العادلون بك إذ شبهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزأوك تجزئة المجسمات بخواطرهم، وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم، فأشهد أن من ساواك بشىء من خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافر بما تنزلت به محكم آياتك ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك، وأنك أنت الله لم تتناه فى العقول فتكون فى مهب فكرها مكيفا، ولا فى روايات خواطرها محدودا مصرفا، فظاهر كلامه دال على إكفار المشبهة، وقد رمزنا فى شرحنا لكلامه هذا إلى تفاصيل القول فى التشبيه وذكرنا من يكفر ومن لا يكفر من المشبهة ما خلا القول فى إكفار من يكفر من أهل القبلة، وحقيقة الإكفار بالتأويل، فقد أودعناه كتابنا الذى أمليناه فى الإكفار وذكرنا فيه ما يكفى ويشفى والحمد لله.

стр. 352

النكتة السابعة فى الإشارة إلى كيفية خلق آدم قال فيه: ثم جمع من حزن الأرض وسهلها، وعذبها وسبخها، تربة سنّها بالماء حتى خلصت، ولاطها بالبلة حتى لزبت، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول، وأعضاء وفصول، أجمدها حتى استمسكت، وأصلدها حتى صلصلت، لوقت معدود، وأمد معلوم، ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها، وفكر يتصرف بها وجوارح يستخدمها، وأدوات يقلبها، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل، والأذواق، والمشام، والألوان، والأجناس، معجونا بطينة الأكوان المختلفة، والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية، والأخلاط المتباينة، من الحر والبرد، والبلة والجمود، والمساءة والسرور، واستأدى الله سبحانه الملائكة وديعته لديهم، وعهد وصيته إليهم فى الإذعان بالسجود له، والخشوع لتكرمته، فقال سبحانه اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [البقرة: ٣٤] ثم أسكنه دارا أرغد فيها عيشه، وأقر فيها محلته، فهذا كلام من أخذ البلاغة بزمامها وكان هو المدعو بصاحبها وإمامها، لا يقصر عن بلوغ شأوها ولا يصعب عليه نخوة بأوها. النكتة الثامنة فى ذكر إبليس وإغوائه لآدم قال: ثم ٧ ن إبليس اعترته الحمية، وغلبت عليه الشقوة وتعزز بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال، فأعطاه الله النّظرة استحقاقا للسخطة، واستتماما للبلية، وإنجازا للعدة فقال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) [سورة ص: ٨٠- ٨١] فلما أسكنه جنته، وحذره إبليس وعداوته، فاغتره إبليس نفاسة عليه بدار المقام، ومرافقة الأبرار، فباع اليقين بشكه، والعزيمة بوهنه، واستبدل بالجذل وجلا، وبالاغترار ندما، ثم بسط الله سبحانه له فى توبته، ولقاه كلمة رحمته ووعده المرد إلى جنته، وأهبطه إلى دار البلية وتناسل الذرية. النكتة التاسعة يذكر فيها بعثة الأنبياء قال: ثم إنه تعالى اصطفى من ذريته يعنى آدم أنبياء أخذ على الوحى ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم، فجهلوا حقه، واتخذوا الأنداد معه واجتالهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث

стр. 353

فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسى نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة، من سقف فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم، ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبى مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة، رسل لا تقصر بهم قلة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم من سابق سمى له من بعده، أو غابر عرفه من قبله، على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، وسلفت الآباء، وخلقت الأنباء، فهذه نكتة عجيبة ضمنها ما كان من بعثة الأنبياء وتبليغهم للشرائع وصبرهم على أداء ما حملوه النكتة العاشرة يذكر فيها بعث الرسول ﷺ ، واصطفاء الله له قال ثم إن الله بعث محمدا ﷺ لإنجاز عدته، وإتمام نبوته، مأخوذا على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريما ميلاده، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة، وأهواء منتشرة، وطوائف متشتتة، بين مشبه لله بخلقه، أو ملحد فى اسمه، أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة، ثم اختار سبحانه لمحمد ﷺ لقاءه، ورضى له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مقام البلوى، فقبضه إليه كريما، صلى الله عليه وعلى آله، ثم خلف فيكم ما خلفت الأنبياء فى أممها، كتاب ربكم مبينا حلاله، وحرامه، وفضائله وفرائضه وناسخه، ومنسوخه ورخصه وعزائمه، فهذه النكت قد جمعناها من كلامه ههنا مثالا للإطناب ليتفطن الناظر أنه لا وادى من أودية البلاغة إلا وقد سلكه، ولا زمام من أزمة الفصاحة إلا وقد استولى عليه بفكره وملكه فصار أوفر البلغاء فى البلاغة نصيبا وسهما، وأكثرهم بها فى الإحاطة علما وفهما، وحق لكلامه عند ذاك أن يقال فيه إنه كنيف ملىء علما. النوع الرابع فيما ورد من كلام البلغاء فى الإطناب ، فمن ذلك ما قاله ابن الأثير فى وصف بستان: هو جنة ذات ثمار مختلفة الغرابة، وتربة منجبة وما كل تربة توصف بالنجابة، ففيها المشمش الذى يسبق غيره بقدومه، ويقذف أيدى الجانين بنجومه، فهو يسمو بطيب الفرع والنجار، ولو نظم فى جيد الحسناء لاشتبه بقلادة من نضار، وله زمن الربيع الذى هو

стр. 354

أعدل الأزمان، قد شبه بسن الصبا فى الأسنان، وفيها التفاح الذى رق جلده، وعظم قده، وتورد خده، وطابت أنفاسه، فلا بان الوادى ولا رنده، وإذا نظر إليه وجد منه حظ الشم والنظر، ونسبته من سرر الغزلان أولى من نسبته إلى منابت الشجر، وفيها العنب الذى هو أكرم الثمار طينة، وأكثرها ألوان زينة، وأول غرس اغترسه نوح ﵇ عند خروجه من السفينة، فقطفه يميل بكف قاطفه، ويغرى بالوصف لسان واصفه، وفيها الرمان الذى هو طعام وشراب، وبه شبهت نهود الكعاب، ومن فضله أنه لا نوى له فيرمى نواه، ولا يخرج اللؤلؤ والمرجان من فاكهة سواه، وفيها التين الذى أقسم الله به تنويها بذكره، واستتر آدم بورقه إذ كشفت المعصية من ستره، وخص بطول الأعناق، فما يرى بها من ميل فذاك من نشوة سكره، وقد وصف بأنه راق طعما، ونعم جسما وقيل هذا كنيف ملىء شهدا، لا كنيف ملىء علما، وفيها من ثمرات النخيل ما يزهى بلونه وشكله، ويشغل بلذة منظره عن لذة أكله، وهو الذى فضل ذوات الأفنان بعرجونه، ولا تماثل بينه وبين الحلواء فيقال: هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه، وفيها غير ذلك من أشكال الفاكهة وأصنافها، وكلها معدود من أوساطها لا من أطرافها، ولقد دخلتها فاستهوتنى حسدا، ولم ألم صاحبها على قوله «لن تبيد هذه أبدا» . فما هذا حاله من الأوصاف يقال له إطناب، لأن كل صفة لم تخل عن فائدة جديدة. ومن الأمثلة الرائقة فى الإطناب ما قاله ابن الأثير أيضا على جهة المقابلة لإيجاز كتاب طاهر بن حسين إلى المأمون لما هزم عسكر عيسى بن ماهان وقتله، وقد ذكرنا كتابه الذى أوجز فيه إلى المأمون فقال ابن الأثير مقابلا له بالإطناب فيه، وهو قوله: صدر الكتاب وقد نصرنا بالفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وانقلبنا باليد الملأى والعين القريرة، وكان انتصاره بحد أمير المؤمنين لا بحد نصله، والجد أغنى عن الجيش وإن كثر إمداد خيله ورجله، وجىء برأس عيسى بن ماهان وهو على جسد غير جسده، وليس له قدم تسعى ولا يد فيقال يبطش بيده، ولقد طال وطوله مؤذن بقصر شأنه، وحسدت الضباع الطير على مكانها منه وهو غير محسود على مكانه، وأحضر خاتمه وهو الخاتم الذى كان الأمر يجرى على نقش أسطره، وكان يرجو أن يصدر كتاب الفتح بختمه فحال ورود المنية دون مصدره، وكذلك البغى مرتعه وبيل، ومصرعه جليل، وسيفه وإن مضى فإنه عند الضرب كليل، وقد نطق الفأل بأن الخاتم والرأس مبشران بالحصول على خاتم الملك

стр. 355

ورأسه، وهذا الفتح أساس لما يستقبل بناؤه ولا يستقر البناء إلا على أساسه، والعساكر التى كانت على أمير المؤمنين حربا صارت له سلما، وأعطته البيعة علما بفضله، وليس من بايع تقليدا كمن بايع علما، وهم الآن مصروفون تحت الأوامر، ممتحنون بكشف السرائر، مطيفون باللواء الذى خصه الله باستفتاح المقالد واستيطاء المنابر، وكما سرت خطوات القلم فى أثناء هذا القرطاس، فكذلك سرت طلائع الرعب قبل الطلائع فى قلوب الناس، وليس فى البلاد ما يغلق بمشيئة الله بابا، ولا يحسر نقابا، وعلى الله تمام النعمة التى افتتحها، وإجابة أمير المؤمنين إلى مقترحاته التى اقترحها. ولنكتف بهذا القدر من أمثلة الإطناب ففيه كفاية، فأما الإطنابات الشعرية فتشتمل عليها الدواوين، ومن أراد الاطلاع على الإطناب الشعرى فى المدح فليطالع ديوان أبى الطيب المتنبى فإنه يجد فيه فى الكافوريات والسيفيات إطالة فى الإطناب كثيرة وغيره من الدواوين كأبى تمام وأبى عبادة البحترى.
следующие страницы →