← Баляга

Баляга · id 23788

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المؤيد العلوي

Полный текст (682 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ومختبى البعوض بين سوق الأشجار وألحيتها، ومغرز الأوراق من الأفنان، ومحط الأمشاج من مسارب الأصلاب، وناشئة الغيوم ومتلاحمها، ودرور قطر السحاب ومتراكمها، وما تسفى الأعاصير بذيولها، وتعفو الأمطار بسيولها، وعوم نبات الأرض فى كثبان الرمال ومستقر ذاوت الأجنحة. بذرا شناخيب الجبال، وتغريد ذوات المنطق فى دياجير الأوكار، وما أودعته الأصداف وحضنت عليه أمواج البحار، وما غشيته سدفة ليل، وذر عليه شارق من نهار، وما اعتقبت عليه أطباق الدياجير وسبحات الأنوار، وأثر كل خطوة وحس كل حركة، ورجع كل كلمة، وتحريك كل شفة، ومستقر كل نسمة، ومثقال كل ذرة، وهماهم كل نفس همامة، وما عليه من ثمرة شجرة أو ساقط ورقة، أو قرار نطفة، أو نقاعة دم، أو مضغة، أو ناشئة خلق وسلالة، فلينظر الناظر ما تضمنه كلامه ههنا من الإشارة إلى كيفية الإحاطة له تعالى بالمعلومات بألطف عبارة وأرشقها، وهذا من أعجب أماكن الإطناب وأرفع مراتبه. النكتة السادسة فى تنزيه الله تعالى عن مشابهة الممكنات واستحالة الأعضاء عليه ، قال فأشهد أنّ من شبهك بتباين أعضاء خلقك وتلاحم حقائق مفاصلهم المحتجبة بتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ند لك، فكأنه لم يسمع تبرؤ التابعين من المتبوعين إذ يقولون: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) [الشعراء: ٩٧- ٩٨] كذب العادلون بك إذ شبهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزأوك تجزئة المجسمات بخواطرهم، وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم، فأشهد أن من ساواك بشىء من خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافر بما تنزلت به محكم آياتك ونطقت عنه شواهد حجج بيناتك، وأنك أنت الله لم تتناه فى العقول فتكون فى مهب فكرها مكيفا، ولا فى روايات خواطرها محدودا مصرفا، فظاهر كلامه دال على إكفار المشبهة، وقد رمزنا فى شرحنا لكلامه هذا إلى تفاصيل القول فى التشبيه وذكرنا من يكفر ومن لا يكفر من المشبهة ما خلا القول فى إكفار من يكفر من أهل القبلة، وحقيقة الإكفار بالتأويل، فقد أودعناه كتابنا الذى أمليناه فى الإكفار وذكرنا فيه ما يكفى ويشفى والحمد لله.

стр. 352

النكتة السابعة فى الإشارة إلى كيفية خلق آدم قال فيه: ثم جمع من حزن الأرض وسهلها، وعذبها وسبخها، تربة سنّها بالماء حتى خلصت، ولاطها بالبلة حتى لزبت، فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول، وأعضاء وفصول، أجمدها حتى استمسكت، وأصلدها حتى صلصلت، لوقت معدود، وأمد معلوم، ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها، وفكر يتصرف بها وجوارح يستخدمها، وأدوات يقلبها، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل، والأذواق، والمشام، والألوان، والأجناس، معجونا بطينة الأكوان المختلفة، والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية، والأخلاط المتباينة، من الحر والبرد، والبلة والجمود، والمساءة والسرور، واستأدى الله سبحانه الملائكة وديعته لديهم، وعهد وصيته إليهم فى الإذعان بالسجود له، والخشوع لتكرمته، فقال سبحانه اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [البقرة: ٣٤] ثم أسكنه دارا أرغد فيها عيشه، وأقر فيها محلته، فهذا كلام من أخذ البلاغة بزمامها وكان هو المدعو بصاحبها وإمامها، لا يقصر عن بلوغ شأوها ولا يصعب عليه نخوة بأوها. النكتة الثامنة فى ذكر إبليس وإغوائه لآدم قال: ثم ٧ ن إبليس اعترته الحمية، وغلبت عليه الشقوة وتعزز بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال، فأعطاه الله النّظرة استحقاقا للسخطة، واستتماما للبلية، وإنجازا للعدة فقال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) [سورة ص: ٨٠- ٨١] فلما أسكنه جنته، وحذره إبليس وعداوته، فاغتره إبليس نفاسة عليه بدار المقام، ومرافقة الأبرار، فباع اليقين بشكه، والعزيمة بوهنه، واستبدل بالجذل وجلا، وبالاغترار ندما، ثم بسط الله سبحانه له فى توبته، ولقاه كلمة رحمته ووعده المرد إلى جنته، وأهبطه إلى دار البلية وتناسل الذرية. النكتة التاسعة يذكر فيها بعثة الأنبياء قال: ثم إنه تعالى اصطفى من ذريته يعنى آدم أنبياء أخذ على الوحى ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم، فجهلوا حقه، واتخذوا الأنداد معه واجتالهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث

стр. 353

فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسى نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة، من سقف فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتابع عليهم، ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبى مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة، رسل لا تقصر بهم قلة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم من سابق سمى له من بعده، أو غابر عرفه من قبله، على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، وسلفت الآباء، وخلقت الأنباء، فهذه نكتة عجيبة ضمنها ما كان من بعثة الأنبياء وتبليغهم للشرائع وصبرهم على أداء ما حملوه النكتة العاشرة يذكر فيها بعث الرسول ﷺ ، واصطفاء الله له قال ثم إن الله بعث محمدا ﷺ لإنجاز عدته، وإتمام نبوته، مأخوذا على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريما ميلاده، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة، وأهواء منتشرة، وطوائف متشتتة، بين مشبه لله بخلقه، أو ملحد فى اسمه، أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة، ثم اختار سبحانه لمحمد ﷺ لقاءه، ورضى له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مقام البلوى، فقبضه إليه كريما، صلى الله عليه وعلى آله، ثم خلف فيكم ما خلفت الأنبياء فى أممها، كتاب ربكم مبينا حلاله، وحرامه، وفضائله وفرائضه وناسخه، ومنسوخه ورخصه وعزائمه، فهذه النكت قد جمعناها من كلامه ههنا مثالا للإطناب ليتفطن الناظر أنه لا وادى من أودية البلاغة إلا وقد سلكه، ولا زمام من أزمة الفصاحة إلا وقد استولى عليه بفكره وملكه فصار أوفر البلغاء فى البلاغة نصيبا وسهما، وأكثرهم بها فى الإحاطة علما وفهما، وحق لكلامه عند ذاك أن يقال فيه إنه كنيف ملىء علما. النوع الرابع فيما ورد من كلام البلغاء فى الإطناب ، فمن ذلك ما قاله ابن الأثير فى وصف بستان: هو جنة ذات ثمار مختلفة الغرابة، وتربة منجبة وما كل تربة توصف بالنجابة، ففيها المشمش الذى يسبق غيره بقدومه، ويقذف أيدى الجانين بنجومه، فهو يسمو بطيب الفرع والنجار، ولو نظم فى جيد الحسناء لاشتبه بقلادة من نضار، وله زمن الربيع الذى هو

стр. 354

أعدل الأزمان، قد شبه بسن الصبا فى الأسنان، وفيها التفاح الذى رق جلده، وعظم قده، وتورد خده، وطابت أنفاسه، فلا بان الوادى ولا رنده، وإذا نظر إليه وجد منه حظ الشم والنظر، ونسبته من سرر الغزلان أولى من نسبته إلى منابت الشجر، وفيها العنب الذى هو أكرم الثمار طينة، وأكثرها ألوان زينة، وأول غرس اغترسه نوح ﵇ عند خروجه من السفينة، فقطفه يميل بكف قاطفه، ويغرى بالوصف لسان واصفه، وفيها الرمان الذى هو طعام وشراب، وبه شبهت نهود الكعاب، ومن فضله أنه لا نوى له فيرمى نواه، ولا يخرج اللؤلؤ والمرجان من فاكهة سواه، وفيها التين الذى أقسم الله به تنويها بذكره، واستتر آدم بورقه إذ كشفت المعصية من ستره، وخص بطول الأعناق، فما يرى بها من ميل فذاك من نشوة سكره، وقد وصف بأنه راق طعما، ونعم جسما وقيل هذا كنيف ملىء شهدا، لا كنيف ملىء علما، وفيها من ثمرات النخيل ما يزهى بلونه وشكله، ويشغل بلذة منظره عن لذة أكله، وهو الذى فضل ذوات الأفنان بعرجونه، ولا تماثل بينه وبين الحلواء فيقال: هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه، وفيها غير ذلك من أشكال الفاكهة وأصنافها، وكلها معدود من أوساطها لا من أطرافها، ولقد دخلتها فاستهوتنى حسدا، ولم ألم صاحبها على قوله «لن تبيد هذه أبدا» . فما هذا حاله من الأوصاف يقال له إطناب، لأن كل صفة لم تخل عن فائدة جديدة. ومن الأمثلة الرائقة فى الإطناب ما قاله ابن الأثير أيضا على جهة المقابلة لإيجاز كتاب طاهر بن حسين إلى المأمون لما هزم عسكر عيسى بن ماهان وقتله، وقد ذكرنا كتابه الذى أوجز فيه إلى المأمون فقال ابن الأثير مقابلا له بالإطناب فيه، وهو قوله: صدر الكتاب وقد نصرنا بالفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وانقلبنا باليد الملأى والعين القريرة، وكان انتصاره بحد أمير المؤمنين لا بحد نصله، والجد أغنى عن الجيش وإن كثر إمداد خيله ورجله، وجىء برأس عيسى بن ماهان وهو على جسد غير جسده، وليس له قدم تسعى ولا يد فيقال يبطش بيده، ولقد طال وطوله مؤذن بقصر شأنه، وحسدت الضباع الطير على مكانها منه وهو غير محسود على مكانه، وأحضر خاتمه وهو الخاتم الذى كان الأمر يجرى على نقش أسطره، وكان يرجو أن يصدر كتاب الفتح بختمه فحال ورود المنية دون مصدره، وكذلك البغى مرتعه وبيل، ومصرعه جليل، وسيفه وإن مضى فإنه عند الضرب كليل، وقد نطق الفأل بأن الخاتم والرأس مبشران بالحصول على خاتم الملك

стр. 355

ورأسه، وهذا الفتح أساس لما يستقبل بناؤه ولا يستقر البناء إلا على أساسه، والعساكر التى كانت على أمير المؤمنين حربا صارت له سلما، وأعطته البيعة علما بفضله، وليس من بايع تقليدا كمن بايع علما، وهم الآن مصروفون تحت الأوامر، ممتحنون بكشف السرائر، مطيفون باللواء الذى خصه الله باستفتاح المقالد واستيطاء المنابر، وكما سرت خطوات القلم فى أثناء هذا القرطاس، فكذلك سرت طلائع الرعب قبل الطلائع فى قلوب الناس، وليس فى البلاد ما يغلق بمشيئة الله بابا، ولا يحسر نقابا، وعلى الله تمام النعمة التى افتتحها، وإجابة أمير المؤمنين إلى مقترحاته التى اقترحها. ولنكتف بهذا القدر من أمثلة الإطناب ففيه كفاية، فأما الإطنابات الشعرية فتشتمل عليها الدواوين، ومن أراد الاطلاع على الإطناب الشعرى فى المدح فليطالع ديوان أبى الطيب المتنبى فإنه يجد فيه فى الكافوريات والسيفيات إطالة فى الإطناب كثيرة وغيره من الدواوين كأبى تمام وأبى عبادة البحترى.

стр. 356

الفصل الثانى فى المبادى و [الافتتاحات] اعلم أن هذا الفصل ركن من أركان البلاغة، وحقيقة آئلة إلى أنه ينبغى لكل من تصدى لمقصد من المقاصد وأراد شرحه بكلام أن يكون مفتتح كلامه ملائما لذلك المقصد دالا عليه، فما هذا حاله يحب مراعاته فى النظم والنثر جميعا، ويستحب التزامه فى الخطب والرسائل والتصانيف، وهكذا حال التهانى والتعازى يكون مبدؤها وتصديرها بما يناسب ذلك المعنى ليكون معلوما من أول وهلة، فحيث يكون المطلع جاريا على ما ذكرناه فهو من الافتتاح الحسن، وحيث يكون جاريا على عكسه فهو معدود من القبيح، فهذان طرفان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما. الطرف الأول فى ذكر الافتتاحات الرائعة ولنورد فيها أمثلة أربعة المثال الأول من كتاب الله تعالى وذلك أن الله تعالى لما أذن بالفتح على رسوله ﷺ وكان هو الغاية والمنتهى بطى بساط الرسالة لما ظهر نور الإسلام. ومد بجرانه على جميع الأديان، فأنزل الله تعالى على رسوله آية هى مناسبة لما هو فيه من إشارة الإيمان، وبلوغه الغاية ويذكر منه عليه بما أظهر على يديه من ذلك فقال فيها إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) [الفتح: ١- ٣] فانظر إلى هذه الآية ما أعجب ملائمتها لهذه الحالة، وأشد تصريحها بالمقصود من أول وهلة، فصدر الآية بذكر الفتح إظهارا للمنة، وتكملة للنعمة، ثم أردفه بذكر المغفرة إعظاما لحاله، ورفعا من منزلته، وتقريرا لنفسه وتسلية لما كابد قبله من عظم المشقة وشدة المحنة، ثم وجه التعليل بالمغفرة إلى الفتح، إيذانا بأنه إنما استحق الغفران لما كان منه من الصغائر من أجل ما استحق على العناية فى الفتح ومكابدة شدائده، فلأجل ذلك كان مستحقا للأجر الأعظم الذى يكون ثوابه مكفرا لتلك الصغائر التى صرح بها الشرع وجوزها عليه، «فأما» الزمخشرى فقد قال فى تفسيره إنه ليس واردا على جهة التعليل على أحد وجهته، وإنما هو وارد على جهة التعديد لما أنعم الله عليه من غفران ذنوبه، وإتمام نعمته عليه والهداية والنصر.

стр. 357

فأما من قال إن اللام للعاقبة كالتى فى قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: ٨] فإنما كان ذلك من أجل ضيق العطن، وعدم الوطأة ورسوخ القدم فى علوم البيان، وبعدهم عن الإحاطة بحقائق التشبيه والاستعارة، فلا جرم عولوا على هذه التأويلات الركيكة والمعانى المبادرة، ونزول هذه الآية إنما كان قبل الفتح بعد رجوعه من الحديبية، وبعد عمرة القضاء، أنزلها الله تعالى عليه بشارة له وشرحا لصدره، وتسلية على قلبه بما وعده من النصر والفتح والهداية والإعزاز، وإنما جاء بلفظ الماضى مبالغة فيه وتوكيدا، وكأنه لشدة تحققه وثبوته كأنه قد مضى وتقضى فأشبه الماضى فى تقريره، ومن هذا قوله تعالى فى افتتاح سورة النساء يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [النساء: ١] لأنه لما كان غرضه بيان الأحكام المشروعة فى حقهن من الطلاق، والميراث، وغير ذلك من الأحكام، صدر السورة بما يكون فيه دلالة وتنبيه على ذلك، وخالف ما ذكره فى صدر سورة الحج لما ذكره فى سورة النساء حيث قال يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) [الحج: ١] لأنه لما كان غرضه ذكر البعث والاحتجاج عليه والنعى على منكريه صدره بما يلائمه ويناسبه من ذلك، فافتتاح كل واحدة من السورتين مخالف للأخرى؛ لكنه مناسب لما يريد ذكره من كل واحد منهما من الأغراض والمقاصد التى ضمنها فيهما، فافتتاحهما، ملائم لهما كما ترى، ولهذا فإن الله تعالى لما أراد شهر السيف وأذن للرسول فى القتال وكان بينه وبين ناس من العرب عهود وإخلاف صدر سورة التوبة بذكر البراءة لما أراده من قطع تلك العهود ونبذها، فافتتاحها مناسب لما يريد ذكره فيها من المباينة وشن الغارات وسل السيف. المثال الثانى ما ورد من السنة الشريفة ، فمن ذلك ما رواه ابن عمر رضى الله عنه قال: كان يعلمنا خطبة الحاجة بقوله الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، فهذه الكلمات كان يذكرها إذا أراد حاجة من الحوائج من نكاح، أو موعظة، أو فصل قضية، أو غير ذلك من سائر الحاجات، فانظر إلى اختياره ﷺ فى افتتاح كل أمر كيف صار ملائما للمطلوب من جميع الأفعال المطلوبة، فافتتح بالتعريف والإقرار باستحقاق الحمد لله فى كل حال لا يختص

стр. 358

وقتا دون وقت، ثم أردفه بتجديد الحمد فى مستقبل الزمان وحاله، ولهذا وجه الأول بالاسم، والثانى بالفعل المضارع، ليدل بالأول على الثبوت والاستقرار، ويدل بالثانى على التجدد والحدوث، ثم عقب بذكر الاستعانة لما كان محتاجا إليها فى كل فعل، وهى الألطاف الخفية من جهة الله تعالى؛ لأن اللطف من الله تعالى من أجله يسهل كل عسير، ويلين كل قاس، ثم أردفه بالاستعاذة بالله من شرور الأنفس، لما فيه من الضرر العظيم من أجل دعاء النفوس إلى كل شر، وهى مطبوعة على أنها أمارة بالسوء فى كل أحوالها، ثم عقبه بالاستعاذة من السيئات، فإنها مبعدة عن الخير، داعية إلى الشر، فمن أجل هذه المناسبة جعل هذا الدعاء ديباجة لكل مطلوب لما اختص من الملاءمة بما يذكر بعده. ومن ذلك افتتاحه ﷺ فى الدعاء لأبى سلمة عند موته حيث قال: اللهم ارفع درجته فى المهديين واخلفه فى عقبه من الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين. فانظر إلى مناسبة هذا الافتتاح للحالة التى وقع فيها فافتتحه بذكر المهم الذى يفتقر إليه المدعو له فى تلك الحال، من رفع الدرجة فى الآخرة، ثم أردفه بذكر المهم الذى يؤثره المدعو له من صلاح حال عقبه من بعده فى الدنيا، ثم ختمه بالجمع بين الداعى والمدعو له، وهذا من الافتتاح البليغ الذى يعجز عن الإتيان بمثله كل بليغ، ومن أنس بالأحاديث النبوية وكان له مطالعة لها فإنه يجد فيها ما يكفى ويشفى. المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه وله ﵇ من الافتتاحات الرشيقة فى خطبه، ومواعظه، وكتبه، ما يفوق على كل كلام فمن ذلك ما ذكره بعد تلاوته أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) [التكاثر: ١] فإن السبب فى نزولها هو أن بنى عبد مناف من قريش وبنى سهم، أكثروا المماراة، أيهم أكثر عددا، وأعظم جمعا، فكثرهم بنو عبد مناف، فقال بنو سهم: إن البغى أهلكنا فى الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم، فنزلت الآية ذما لهم على ذلك فقال ﵇ فى معنى ذلك: يا مراما ما أبعده، وزورا ما أغفله، وخطرا ما أفظعه، لقد استخلوا منهم أىّ مذكر، وتناوشوهم من مكان بعيد، بمصارع آبائهم يفخرون، أم بعديد الهلكى يتكاثرون؟ فتأمل هذا الافتتاح، ما أجمعه للمقصود وأشد ملائمته لمراد الآية، مع الاختصار البالغ والإيجاز البديع الذى يزيد تفصيله من بعد فى أثناء الخطبة.

стр. 359

ومن ذلك ما ذكره عند تلاوته: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور: ٣٧] وما برح لله، عزت آلاؤه فى البرهة بعد البرهة، وفى أزمان الفترات عباد ناجاهم فى فكرهم وكلمهم فى ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة فى الأسماع والأبصار والأفئدة، يذكرون بأيام الله، ويخوفون مقامه، بمنزلة الأدلة فى فلوات القلوب، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه وبشروه بالنجاة، ومن أخذ يمينا وشمالا ذموا إليه الطريق، وحذروه من الهلكة، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات، وأدلة تلك الشبهات. ومن ذلك ما ذكره عند تلاوته قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) [الأنفطار: ٦] أدحض مسئول حجة، وأقطع مفتر معذرة، لقد أبرح جهالة بنفسه، يأيها الإنسان ما جرأك على ذنبك، وما غرك بربك، وما آنسك بهلكة نفسك، أما من دائك بلول، أليس من نومتك يقظة، أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك، فانظر أيها المتأمل إلى هذه المطالع فى الوعظ والزجر، وهذه الافتتاحات بمعانى هذه الآى كيف طبق مفاصلها ولم يخالف مجراها، ولا أخذ فى غير طريقها، وأتى بما يلائم معناها، ويوافق مجراها، ويحقق مغزاها بالكلام الذى تبهر القرائح فصاحته، وتدهش العقول جزالته وبلاغته، ولله در أمير المؤمنين لقد فاق فى كل خصاله، ونكص كل بليغ أن يحذو على مثاله، خاصة فيما يتعلق بالخطب فى التوحيد فإنها افتتاحات ملائمة للمقصود أشد الملاءمة. المثال الرابع ما ورد من كلام البلغاء فى ذلك ، وأحسن ما قيل فى الافتتاح ما قاله أبو تمام فى قصيدته التى امتدح بها المعتصم عند فتحه لمدينة عمّوريّة، وقد كان أهل التنجيم زعموا أنها لا تفتح عليه فى ذلك الوقت، وأفاض الناس فى ذلك حتى شاع الأمر وصار أحدوثة بين الخلق، فلما فتحت عليه، بنى أبو تمام مطلع القصيدة على هذا المعنى مكذبا لهم فيما قالوه، ومادحا للمعتصم فى شدة البأس وإعراضه عن التطير بالنجوم فقال. السيف أصدق أنباء من الكتب ... فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب «١» بيض الصّفائح لا سود الصحائف فى ... متونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب وقال معرضا بأهل النجوم وأنه لا عبرة بما قالوه فى ذلك: والعلم فى شعب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا فى السبعة الشهب أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب

стр. 360

تخرصا وأقاويلا ملفقة ... ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب «١» فهذا المطلع من أجود ما يأتى فى هذا المعنى ومن مستظرفاته ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى فى قصيدة يمدح بها كافورا وكان جرت بينه وبين سيده سيف الدول وحشة فقال فى ذلك: حسم الصلح ما اشتهته الأعادى ... وأذاعته ألسن الحسّاد فهذا وما شاكله من بديع الافتتاحات ونادرها لما فيه من إفادة الغرض المطلوب من أول وهلة، ومن جيد ما يذكر فى المطالع الحسنة ما حكاه أبو العباس المبرد أن هارون الرشيد غزا يعفور ملك الروم وكان نصرانيا فخضع له وبذل الجزية، فلما عاد هارون واستقر بمدينة الرقة، وسقط الثلج، نقض يعفور الذمة والعهد فلم يجسر أحد على إعلام هارون لأجل هيبته فى صدور الناس، وبذل يحيى بن خالد للشعراء الأموال النفسية على أن يقولوا أشعارا فى إعلامه، فكلهم أشفق من لقائه بمثل ذلك إلا شاعرا من أهل جدة يكنى أبا محمد وكان مغلقا فنظم قصيدة وأنشدها الرشيد مضمنة لهذا المعنى، قال فيها: نقض الذى أعطيته يعفور ... فعليه دائرة البوار تدور أبشر أمير المؤمنين فإنّه ... فتح أتاك به الإله كبير يعفور إنّك حين تغدر إن نأى ... عنك الإمام فجاهل مغرور أظننت حين غدرت أنّك مفلت ... هبلتك أمّك ما ظننت غرور فلما أنهى الأبيات إلى الرشيد قال أوقد فعل، ثم غزاه فأخذه وفتح مدينته، ومن غريب الافتتاح وعجيبه ما قاله المتنبى فى سيف الدولة وقد كان ابن الشمقمق أقسم ليقتلنه كفاحا، فلما التقى به لم يطق ذلك وولى هاربا، فقال فيه: عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك فى إقدامك القسم وفى اليمين على ما أنت واعده ... ما دلّ أنّك فى الميعاد متّهم ومن ذلك ما قاله أبو تمام يمدح المعتصم فيها: الحقّ أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار «٢» وهذه القصيدة من لطائف قصائده وعجائبها، ومطلعها يناسب ما ذكره فيها من ثنائه

стр. 361

عليه وظفره ببابك الخرمى. ومن ذلك ما قاله السلمى فى مطلع قصيدة له قال فيها قصر عليه تحية وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيام «١» وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء، فقال من أجاد الابتداء والمطلع، وهذا يدلك على أن لهما موقعا عظيما فى الفصاحة والبلاغة، فهذا ما أردنا ذكره فى الافتتاحات الحسنة. الطرف الثانى فى ذكر الافتتاحات المستقبحة اعلم أنه ليس فى كتاب الله تعالى ولا فى السنة النبوية ولا فى كلام أمير المؤمنين شىء من الافتتاحات المستكرهة فنورده، وما ذاك إلا من اختصاصها بأرفع محل فى البلاغة وبلوغها فى أعلا مراتبها، وإنما ورد ذلك فى كلام البلغاء ونحن نورد ما استكره منه وكان مستقبحا. نعم القرآن وإن كان مستحسنا فى كل حالة لكنه قد يكره ذكر الآيات المشعرة بالموت عند عروض الأفراح، وهذا كمن يستفتح بقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ١٨٥] عند نكاح أو غير ذلك من الأفراح وكمن يستفتح فى قدوم تجارة له يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها [التوبة: ٣٥] الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على العذاب، ووقوع الوعيد الشديد، فما جرى هذا المجرى فإنه مستكره تلاوته فى هذه الأحوال، لما فيه من قبح التفأؤل فلا يصلح ذكره، وإنما يذكر فى الأفراح الآيات الدالة على السرور كقوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ [التوبة: ٢١] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على نعيم أهل الجنة وسرورهم، وهكذا القول فى كتب التهانى والتعازى، فإنه يجب أن يكون افتتاحها ملائما لمقصودها ومطلوبها من الآيات والأخبار، ولنرجع إلى أمثلة المطالع والافتتاحات السيئة، ويحكى أن المعتصم لما فرغ من بناء قصرة بالميدان وأعجب به جميع أهله وأصحابه فيه وأمرهم أن يخرجوا فى زينتهم فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم واستأذنه إبراهيم بن إسحق الموصلى فى الإنشاد فأذن له، فأنشده قصيدة أجاد فيها كل الإجادة خلا أنه افتتحها بافتتاح قبيح لا يلائم ما هو فيه فابتدأها بتعفية الديار وبلائها فقال: يا دار غيّرك البلى ومحاك ... يا ليت شعرى ما الذى أبلاك؟ «٢»

стр. 362

فتغامز الناس به وتطير به المعتصم وعجبوا من غفلة إبراهيم عن مثل ذلك مع معرفته وعلمه وطول مخالطته للملوك، فأقاموا أياما وانصرفوا فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس، وخرب القصر بعد ذلك، وما كان أخلق هذا المقام ببيت السلمى الذى حكيناه عنه من قبل الذى مطلعه «قصر عليه تحية وسلام» فانظر ما بين هذين الافتتاحين، وكم بين المطلعين، ومن ذلك ما قاله أبو نواس: يا دار ما فعلت بك الأيام ... لم تبق فيك بشاشة تستام وهذه القصيدة هى من محاسن شعره وغرائبه، خلا أنه أساء فيها الافتتاح والمطلع، أنشأها ممتدحا بها الأمين ابن هارون، وتعفية الديار ودثورها مما تكره مقابلة الخلفاء والملوك به، لما فيه من الطيرة وقبح الفأل، ومن الافتتاحات المكروهة ما قاله البحترى فى قصيدة أنشأها مدحا، فأذهب روحها بهذا الافتتاح السيىء ومطلع هذا الافتتاح بأن يكون مرثية أحق من أن يكون مديحا قال: فؤاد ملاه الحزن حتى تصدّعا فمثل هذا يتطير به وتنبو عنه الأسماع، ومن قبيح الافتتاح وشنيعه ما قاله ذو الرمة: ما بال عينك منها الماء ينسكب «١» فما هذا حاله لا خفاء بقبحه إذ كان موجها للمدح، ولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التى مطلعها «خفّ القطين فراحوا منك أبو بكروا» فقال له عبد الملك: بل منك فغيره ذو الرمة فقال فيه «خفّ القطين فراحوا اليوم أو بكروا» ومن قبيحه ما قاله البحترى: إنّ للبين منّة لا تؤدّى ... ويدا فى تماضر بيضاء فما هذا حاله أعنى ذكر النساء بأسمائهن مما يثقل على اللسان، فإيراده فى الغزل مما يشوه رقته، ويحط من خفته، وإنما يستحسن من الغزل بأسماء النساء من كان خفيفا على اللسان، كأميم، وسعاد، وقد عيب على الأخطل أيضا تغزله بقذور، لما فيها من الثقل فى المنطق، فما هذا حاله ينبغى تجنبه فى الأشعار، فقد عرفت بما ذكرناه ما تجب مراعاته فى الافتتاحات والمطلع وما يجب تجنبه فى ذلك منها.

стр. 363

الفصل الثالث فى ذكر [الاستدراجات] الاستدراج، استفعال من قولهم: استدرجته إلى كذا إذا نزلته درجة درجة حتى تستدعيه إليك وينقاد لما قلته من ذلك، قال الله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) [القلم: ٤٤] فالاستدراج لهم إنما هو بإعطاء الصحة والنعمة والإمهال ليزدادوا فى الكفر والفسوق، وهذا اللقب إنما يطلق على بعض أساليب الكلام، وهو ما يكون موضوعا لتقريب المخاطب والتلطف به والاحتيال عليه بالإذعان إلى المقصود منه ومساعدته له بالقول الرقيق والعبارة الرشيقة، كما يحتال على خصمه عند الجدال والمناظرة بأنواع الإلزامات، والانتماء إليه بفنون الإفحامات، ليكون مسرعا إلى قبول المسألة والعمل عليها، وكمن يتلطف فى اقتناص الصيد فإنه يعمل فى الحبالة كل حيلة ليكون ذلك سبيلا إلى ما يقصده من الاصطياد، فهكذا ما نحن فيه، إذا أراد تحصيل مقصد من المقاصد فإنه يحتال بإيراد ألطف القول وأحسنه، فما هذا حاله من الكلام يقال له الاستدراج، ولنضرب له أمثلة بمعونة الله تعالى. المثال الأول من كتاب الله تعالى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) [غافر: ٢٨] فانظر إلى حسن مأخذ هذا الكلام، وما تضمنه من النزول فى الملاطفة، فصدر الكلام بالإنكار عليهم فى قتله واستقباحه، لأمرين: أما أولا فلأنه قائل بالتوحيد لله تعالى، وأما ثانيا فلأنه قد جاءكم بالمعجزات الواضحة فى هدايتكم إلى الخير، فمن هذه حاله كيف يقدم على قتله، هذا مما لا يتسع له العقل ولا يقبله، ثم أخذ بعد ذلك فى الاحتجاج عليهم على جهة التقسيم فقال: ليس يخلو حاله إما أن يكون كاذبا فضر كذبه يعود عليه، وأنتم خالصون عنه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم إن تعرضتم لقتله، وفى سياق هذا الكلام من الملاطفة وحسن الأدب وكمال الإنصاف ما يربو على كل غاية، وبيانه من أوجه: أما أولا فلأنه صدر الكلام بكونه كاذبا على جهة التقدير ملاطفة واستنزالا للخصم عن نخوة

стр. 364

المكابرة ودعاء له إلى الإذعان والانقياد للحق، وقدمه على كونه صادقا دلالة على كونه صادقا دلالة على ذلك، وأما ثانيا فلأنه فرض صدقه على جهة التقدير مع كونه مقطوعا بصدقه، تقريبا للخصم وتسليما لما يدعيه من ذلك، وهضما لجانب الرسول زيادة فى الإنصاف ومبالغة فيه، وأما ثالثا فإنه أردفه بقوله يصبكم بعض الذى يعدكم، وإن كان التحقيق أنه يصيبهم كل ما يعدهم به لا محالة من أجل الملاطفة أيضا وأما رابعا فإنه أتى «بإن» للشرط، وهى موضوعة للأمور المشكوك فيها، ليدل بذلك على أنه غير مقطوع بما يقوله على جهة الفرض، وإذعانا للخصم على التقدير لإرادة هضمه لحقه وأنه غير معط له ما يستحقه من التعظيم، وأما خامسا فقوله تعالى: فى آخر الآية إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب، إنما أتى به على التلطف والإنصاف مخافة أن يبعدوا عن الهداية ومحاذرة عن نفارهم عن طريق الصواب فرضا وتقديرا، وإلا فلو كان مسرفا كذابا، لما هداه الله إلى النبوة، ولما أعطاه إياها، وفى هذا الكلام من الاستدراج للخصم وتقريبه وإدنائه إلى الحق ما لا يخفى على أحد من الأكياس، وقد تضمن من اللطائف ما لا سبيل إلى جحده، ومن هذا قوله تعالى: فى قصة خليله إبراهيم صلوات الله عليه فى خطابه لأبيه وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) [مريم: ٤١- ٤٥] فهذا كلام يهز الأعطاف ويأخذ بمجامع القلوب فى الاستدراج والإذعان والانقياد بألطف العبارات وأرشقها، وهو مشتمل على حسن الملاطفة من أوجه: أما أولا فلأن إبراهيم صلوات الله عليه لما أراد هداية أبيه إلى الخير وإنقاذه مما هو متورط فيه من الكفر والضلال الذى خالف فيه العقل، ساق معه الكلام على أحسن هيئة، ورتبه على أعجب ترتيب، من حسن الملاطفة والاستدراج والرفق فى الخصمة والحجاج، والأدب العالى وحسن الخلق الحميد، وذلك أنه بدأ بطلب الباعث له على عبادة الأوثان والأصنام، ليتوصل بذلك إلى قطعه وإفحامه، ثم إنه تكايس معه بأن عرض إليه بأن من لا يسمع ولا يبصر لا يغنى شيئا من الأشياء لا يكون حقيقا بالعبادة وأن من كان حيّا سميعا بصيرا مقتدرا على الإثابة والعقاب متمكنا من العطاء والإنعام والتفضل، من الملائكة وسائر الأنبياء من جملة الخلق فإنه لا يستحق العبادة ويستسخف

стр. 365

عقل من عبده، فكيف من هذه حاله فى عدم الحياة والسمع والبصر من جملة الجمادات والأحجار التى لا حراك لها ولا حياة بها، وأما ثانيا فلأنه دعاه إلى التماس الهداية من جهته على جهة التنبيه والرفق به وسلوك جانب التواضع، فلم يخاطب أباه بالجهل عما يدعوه إليه، ولا وصف نفسه بالاطلاع على كنه الحقائق، والاختصاص بالعلم الفائق، ولكنه قال: معى لطائف من العلم وبعض منه، وذلك هو علم الدلالة على سلوك طريق الهداية، فاتبعنى أنجك مما أنت فيه، وقال له، أهدك صراطا سويا، ولم يقل أنجيك من ورطة الكفر وأنقذك من عماء الحيرة، تأدبا منه، واعتصاء عن مباداته بقبيح كفره، وتسامحا عن ذكره ما يغيظه، وأما ثالثا فلأنه ثبطه عما كان عليه ونهاه عنه، فقال إن الشيطان الذى عصى ربك وكان عدوا لك ولأبيك آدم، هو الذى أوقعك فى هذه الحبائل، وورطك فى هذه الورط وألقاك فى بحر الضلالة، وإنما خص إبراهيم ذكر معصية الشيطان لله تعالى فى مخالفته لأمره واستكباره، ولم يذكر عداوته لآدم وحواء، وما ذاك إلا من أجل إمعانه فى نصيحته فذكر له ما هو الأصل تحذيرا له عن ذلك وعن مواقعته، وأما رابعا فلأنه خوفه من سوء العاقبة بالعذاب السرمدى، ثم إنه لم يصرح له بمماسة العذاب له إكبارا له، وإعظاما لحرمة الأبوة، ولكنه أتى بما يشعر بالشك فى ذلك تأدبا له فقال له: إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ ثم إنه نكر العذاب تحاشيا عن أن يكون هناك عذاب معهود يخاف منه، كأنه قال وما يؤمنك إن بقيت على الكفر أن تستحق عذابا عظيما عليه، وأما خامسا فلأنه صدر كل نصيحة من هذه النصائح بذكر الأبوة، توسلا إليه بحنو الأبوة واستعطافا له برفق الرحمية، ليكون ذلك أسرع إلى الانقياد، وأدعى إلى مفارقة ما هو عليه من الجحود والعناد، فلما سمع كلامه هذا وتفطن لما دعاه إليه، أقبل عليه بفظاظة الكفر، وجلافة الجهل، وغلظ العناد، فناداه باسمه ولم يقل يا بنى كما قال إبراهيم، يا أبت، إعراضا عن مقالته وإصرارا على ما هو فيه، ثم إنه قدم خبر المبتدأ بقوله: أَراغِبٌ أَنْتَ [مريم: ٤٥] اهتماما بالإنكار وتماديا فى المبالغة فى التعجب عن أن يكون من إبراهيم مثل هذا، فانظر ما بين الخطابين من التفاوت فى الرقة والرحمة وحسن الاستدراج، فلله در الأنبياء! فما أسجح خلائقهم، وأرق شمائلهم، وفى القرآن سعة من هذا، ومملوء من حسن الحجاج والملاطفة، خاصة لمنكرى المعاد الأخروى، وعبادى الأوثان والأصنام، فإن الله تعالى نعى عليهم فعالهم، وسجل عليهم، فانظر إلى حجاجه

стр. 366

لمنكرى البعث بقوله: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس: ٧٨] كيف أفحمهم بالإلزامات، وإلى حجاجه لعباد الأصنام بقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣] إلى آخر الآية ولولا أنه يخرجنا عن المقصد الذى تصدينا له لذكرنا فيه أمثلة رائقة ونبهنا فيه على أسرار بديعة. المثال الثانى من السنة الشريفة ، ولا شك أن له صلى الله عليه مع الكفار من عبدة الأوثان والأصنام وغيرهم من أهل الكتب كاليهود والنصارى ملاطفة فى حسن الاستدراج ولين العريكة، والتهالك فى دعائهم إلى الدين، والإمعان فى الانقياد له، شىء كثير لا يحصر عدده، ولا يتجاوز أمده، فمن ذلك ما حكاه ابن هشام فى سيرته عن ابن إسحق: أن النبى صلى الله عليه وآله كتب إلى أحبار اليهود فقال: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صاحب موسى وأخيه، والمصدق لما جاء به موسى، ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة، وإنكم لتجدون ذلك فى كتابكم، محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم فى وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما، وإنى أنشدكم بالله، وأنشدكم بما أنزل عليكم، وأنشدكم بالذى أطعم من كان قبلكم من أسباطكم، والمن والسلوى، وأنشدكم بالذى أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعون وعمله، إلا أخبرتمونا: هل تجدون فيما أنزل عليكم أن تؤمنوا بمحمد، وإن كنتم لا تجدون ذلك فى كتابكم فلا كره عليكم قد تبين الرشد من الغى، فأدعوكم إلى الله وإلى نبيه، فلينظر الناظر ما اشتمل عليه هذا الكتاب من لطيف المحاورة وحسن الاستدراج المزيل للأحقاد والضغائن، والمؤثر فى إزالة السخائم عن القلوب، وذلك من أوجه، أما أولا فلأنه صدر كتابه بقوله صاحب موسى وأخيه يعنى هارون، وإنما فعل ذلك إزالة للوحشة عنهم، وتقريرا لخواطرهم، وإيناسا لقلوبهم عن

стр. 367

نفارها عنه بكونه صاحبا لنبيهم وأخا له ومصدقا لما جاء به موسى، كل ذلك إنما يفعله على جهة الملاطفة ليستدرجهم إلى تصديقه بالمحاورة اللطيفة، والخطابات المؤنسة، وأما ثانيا فلأنه قال: يا معشر أهل التوراة، تشريفا لهم ورفعا لمكانهم، حيث صاروا مختصين بكتاب الله تعالى من بين سائر الخلق، وأما ثالثا فهو أنه احتج عليهم بما لا يجدون سبيلا إلى إنكاره من كونه مكتوبا عندهم فى التوارة، ولم يقل لهم انظروا فى معجزتى، ولكنه وكلهم إلى معرفته بما يعرفونه، رفقا بهم ومناصحة وتقريرا لما هم عليه من ذلك، ثم إنه تلا وصفه فى التوراة ليذعنوا بالتصديق على سهولة وقرب، أما رابعا فلأنه قد أورد ذكر وصفه ووصف أصحابه فى الإنجيل ليعرفهم بذلك، إيناسا لهم وتقريبا، وأما خامسا فلأنه ذكر المناشدة، تذكيرا لهم بالآلاء العظيمة، والنعم المترادفة. بإكرامهم، فأولها المنة عليهم بإنزال التوراة وما شرع لهم فيها من الشرائع، وثانيها بإطعامهم المن والسلوى، وثالثها فلق البحر وشقه حتى جازوا فيه وأنجاهم من عدوهم بذلك، فانظر إلى ما اشتمل عليه هذا الكتاب من الاستدراج الحسن، واللطف المستحسن، والبسط الذى يؤنس القلوب عن نفارها، ويكسبها الإقرار بعد إنكارها، ولو قال فى كتابه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الناسخ لشريعة موسى بن عمران، والماحى لآثارها، والطامس لأعلامها، إلى معشر اليهود الذين خالفوا وبدلوا أحكام التوراة وكذبوا بما جاء من عند الله. وخانوا عهد الله، واشتروا بآياته ثمنا قليلا، أنشدكم بالله الذى مسخكم قردة، وأنزل بكم نكاله، وضرب عليكم الذلة والمسكنة، وأهانكم بالتزام الجزية، وأقعدكم مقاعد الهوان، حيث جحدتم نبوتى، وأنتم تعرفون بها حقيقة. لا لبس فيها، كما تعرفون أبناءكم- لكانت تنفيرا ولم يكن استدراجا، ولصار لجاجا، أحق من أن يكون تقريبا وحجاجا، ثم أقول لقد كان الرسول الله ﷺ بمكان من الملاطفة وحسن الحجاج قبل الهجرة بالمشركين من أهل مكة وغيرهم من سائر القبائل ثم ما كان منه من الملاطفة بعد الهجرة باليهود بنى قريظة وبنى النضير حتى هلك من هلك عن بينة وحى من حى عن بينة.

стр. 368

المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، ولقد كان له ﵇ من الاستدراجات الرائقة خاصة مع معاوية، وفرق الخوارج وغيرهم ممن نكص عن الإسلام على عقبيه، ولغيرهم من أصحابه من العنايات الحسنة ما يشفى غليل الصدور، ويوضح ملتبسات الأمور، فمن ذلك ما ذكرناه خطابا لمعاوية فاتق الله يا معاوية فى نفسك، وجاذب الشيطان قيادك، فإن الدنيا منقطعة عنك، والآخرة قريبة منك، فكيف أنت إذا انكشف عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد بهجت بزينتها، وخدعت بلذتها، دعتك فأجبتها، وقادتك فأتبعتها، وأمرتك فأطعتها، وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه منج، فاقعس عن هذا الأمر، وخذ أهبة الحساب، وشمر لما نزل بك، ولا تمكن الغواة من سمعك، فهذا وما شاكله استدراج وحسن ملاطفة، وله ﵇ فى غير هذا الموضع كلام فيه خشونة عظيمة، ومن ذلك ما قاله لعبد الله بن عباس عند استخلافه إياه على البصرة: سع الناس بوجهك ومجلسك وحلمك، وإياك والغضب فإنه طيرة من الشيطان، واعلم أن ما قربك من الله بعدك من الشيطان والنار، وما باعدك من الله يقربك من النار والسلام، ومن ذلك يخاطب به معاوية، مناصحة له وتقريبا له من الحق: أما بعد فإن الله جعل الدنيا لما بعدها، وابتلى فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملا، ولسنا للدنيا خلقنا، ولا للسعى فيها أمرنا، وإنما وضعنا فيها لنبتلى بها، وقد ابتلانى الله بك وابتلاك بى، فجعل أحدنا حجة على الآخر، فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن، فطلبتنى بما لم تجن يدى ولا لسانى، وعصيته أنت وأهل الشأم، وألب عالمكم جاهلكم، وقائمكم قاعدكم، فاتق الله فى نفسك، ونازع الشيطان قيادك، واصرف إلى الآخرة وجهك، فهى طريقنا وطريقك، واحذر أن يصيبك الله بعاجل قارعة تمس الأصل، وتقطع الدابر، فإنى أولى لك بالله ألية غير فاجرة، لئن جمعتنى وإياك جوامع الأقدار لا أزال بساحتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. وقال أيضا مخاطبا له أما بعد، فقد علمت إعذارى فيكم، وإعراضى عنكم، حتى كان ما لا بد منه، ولا مدفع له، والحديث

стр. 369

طويل، والكلام كثير. وقد أدبر من أدبر وأقبل من أقبل، فتابع من قبلك، وأقبل إلى فى وفد من أصحابك والسلام، وقال يخاطبه بالاستدراج: أما بعد فإنى على التردد فى جوابك، والاستماع إلى كتابك، لموهن رأيى ومخطىء فراستى، وإنك إذ تحاولنى الأمور، وتراجعنى السطور، كالمشتغل النائم، تكذبه أحلامه، والمتحير القائم ينهضه مقامه لا يدرى أله ما يأتى أم عليه، ولست به، غير أنه كل شبيه، وأقسم بالله لولا بغض الاستبقاء لوصلت منى إليك قوارع تقرع العظم، وتنهس اللحم، واعلم أن الشيطان قد ثبطك عن أن تراجع أحسن أمورك، وتأذن لمقال نصيحك والسلام، وقال يخاطب طلحة والزبير بالملاطفة العجيبة: أما بعد فقد علمتما وإن كتمتما أنى لم أرد الناس حتى أرادونى، ولم أبايعهم حتى بايعونى، وأنكما ممن أرادنى وبايعنى، وأن العامة لم تبايعنى لسلطان غالب، غاضب، ولا لغرض حاضر، فإن كنتما بايعتمانى طائعين، فارجعا وتوبا إلى الله من قريب، وإن كنتما بايعتمانى كارهين فقد جعلتما لى عليكما السبيل، بإظهاركما الطاعة، وإسراركما المعصية، ولعمرى ما كنتما بأحق من المهاجرين بالتقية والكتمان، وإن دفعكما هذا الأمر من قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بغير إقراركما به، وقد زعمتما أنى قتلت عثمان، فبينى وبينكما من تخلف عنى وعنكما من أهل المدينة، ثم يلزم كل امرىء بقدر ما احتمل، فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما فإن الآن أعظم أمركما العار من قبل أن يجتمع العار والنار والسلام، وقال أيضا يخاطب محمد بن أبى بكر لما بلغه توجده عليه حين عزله بالأشتر: وقد بلغنى موجدتك من تسريح الأشتر إلى عملك وإنى لم أفعل ذلك استبطاء لك فى الجهد، ولا ازديادا فى الحد، ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر عليك مؤنة وأعجب إليك ولاية، إن الرجل الذى كنت وليته أمر مصر كان رجلا لنا ناصحا، وعلى عدونا شديدا ناقما، فرحمه الله، فلقد استكمل أيامه، ولاقى حمامه، ونحن عنه راضون، أولاه الله رضوانه، وضاعف الثواب له، فاصحر لعدوك وامض على بصيرتك، وشمر لحرب من حاربك، وادع إلى سبيل ربك، وأكثر الاستعانة بالله، يكفك ما أهمك ويعنك على ما

стр. 370

ينزل بك والسلام. فهذا ما أردنا ذكره من كلام أمير المؤمنين فى الاستدراجات اللطيفة، وكم له فى هذا النوع من الكلمات لأنه كان قد بلى بحرب أهل القبلة وخروجهم عليه، فكان حريصا على إبانة الحجة، وإيضاح المحجة، بالأقوال اللطيفة، والخطابات الرقيقة، إبلاغا للحجة، وقطعا للمعذرة، ولله در أمير المؤمنين، فلقد كان قوالا للحق، فعالا له، موضح السنن والمعالم، والناصح لله وللدين لا تأخذه فيه لومة لائم. المثال الرابع ما ورد عن البلغاء فى الاستدراج ، يحكى أنه وقعت بين الحسين بن على صلوات الله عليه، وبين معاوية بن أبى سفيان مفاوضة فى أمر ولده يزيد، وذلك أن معاوية قال للحسين بن على: أما أمك فإنها خير من أمه، وفاطمة بنت رسول الله خير من أمرأة من كلب، وأما حبى يزيد فإنى لو أعطيت به مثلك ملء الغوطة ما رضيت، وأما أبوك وأبوه، فإنهما تحاكما إلى الله فحكم لأبيه على أبيك، فلينظر الناظر ما اشتمل عليه كلام معاوية من المراوغة عن الحق وتلبيس الأمر فى ذلك عن السامع بلطيف الاستدراج وحسن الإجمال مع ما فيه من البلاغة والفصاحة، فانظر إلى عظم دهائه، وإغراقه فى الحذق والكياسة، حيث علم وتفطن ما كان لأمير المؤمنين من السبق فى الإسلام، وحسن الإبلاء فى الجهاد لأعداء الله، وما خصه الله به من العلم الباهر والقدم الراسخ فى الزهد والعبادة فلم يتعرض للمفاخرة فى ذلك، ولا دعا إلى المنافرة، ولو قال إن الله قد أعطانى الدنيا، ونزعها منكم، لأن مثل هذا لا فضل فيه، لأن الدنيا لها البر والفاجر، ولكن صفح عن ذلك كله، وأعرض عنه، وأتى بكلام مبهم لا يفهم منه المقصود، وهو قوله: إن أباك وأباه تحاكما إلى الله فحكم لأبيه على أبيك، فإنما أتى بهذا الكلام ليسكت خصمه، ويستدرجه إلى الإصمات، وهذا من غدره ودهائه قليل، ومن لطيف ما جاء فى الاستدراج من المنظوم ما قاله أبو الطيب المتنبى: وذلك أن سيف الدولة كان مخيما بأرض الديار البكرية على مدينة ميّا فارقين، ليأخذها فعصفت الريح خيمته فأسقطتها فتطير الناس لذلك، وقالوا إنه لا يأخذها فامتدحه أبو الطيب بقصيدة لامية يعتذر فيها عن

стр. 371

سقوط الخيمة، ويستدرج ما أثر ذلك فى صدره بالإزالة والمحو، تقريبا لخاطره، وتطييبا لنفسه، فأجاد فيها كل الإجادة، وأحسن فى الاعتذار والاستدراج غاية الإحسان، مطلعها: «أينفع فى الخيمة العذل» ومنها قوله: تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض فى الواحد الجحفل وتقصر ما كنت فى جوفها ... وتركز فيها القنا الذبل ثم قال: وإن لها شرفا باذخا ... وإن الخيام بها تخجل فلا تنكرن لها صرعة ... فمن فرح النفس ما يقتل ولما أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنك لا ترحل فما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل وعرف أنك من همه ... وأنك فى نصره ترفل فما العاندون وما أملوا ... وما الحاسدون وما قوّلوا هم يطلبون فمن أدركوا ... وهم يكذبون فمن يقبل وهم يتمنون ما يشتهو ... ن ومن دونه جدك المقبل «١» فهذه الأبيات من أعظم الأمثلة فى الاستدراج وإزالة ما يقع فى النفوس، ولو لم يكن فى شعره إلا هذه القصيدة، لكانت كافية فى معرفة فضله، وكونه فائقا فيه، ولنقتصر على هذا القدر من أمثلة الاستدراج ففيه كفاية.

стр. 372

الفصل الرابع فى [الامتحان] اعلم أن من المعانى ما يكون متوسطا فيما أتى به من أجله، فيكون اقتصادا، ومنها ما يكون قاصرا عن الغرض فيقال له تفريط، ومنها ما يكون زائدا عن الحد فيكون إفراطا، فهذا الفصل يسمى الامتحان لما كان فيه الإفادة لمعرفة هذه الأمور الثلاثة، فإذا عرفت هذا فاعلم أن هذه الأمور الثلاثة، أعنى الاقتصاد، والتفريط، والإفراط، لها مدخل فى كل شىء من العلوم والصناعات، والأخلاق والطباع، ولابد من بيان معانيها فى الأوضاع اللغوية، ثم نظهر نقلها إلى المعانى. فأما الاقتصاد فاشتقاقه من القصد وهو العدل الذى لا يميل إلى أحد الطرفين، قال الله تعالى: فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ [لقمان: ٣٢] فوسطه بين قوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [فاطر: ٣٢] فظلم النفس، والسبق بالخيرات هما طرفان، والاقتصاد أوسطهما، وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) [الفرقان: ٦٧] فالإسراف، والإقتار طرفان، والقوام، هو الوسط والاقتصاد، لأن الوسط لابد له من طرفين، ولهذا قال ﵇: خير الأمور أوساطها، ونهى رسول الله ﷺ عن لباس الشهرتين، فلا بد هناك من وسط مأمور به، وهو لباس أهل الصلاح، فلا يكون لباس أهل الفخر والخيلاء ولا لباس أهل الإدقاع والفقر والمسكنة، ولهذا قال بعضهم: عليك بالقصد فى كل الأمور تفز ... إن التخلق يأتى دونه الخلق والوسط مستحسن عقلا، وشرعا، وعرفا، وأما التفريط فهو التقصير والتضييع، ولهذا قال تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٣٨] أى ما أهملنا من إيداعه المصالح الدينية، ولا ضيعناها منه، وأما الإفراط، فهو الإسراف فى الشىء والتجاوز للحد فيه يقال أفرط فى الشىء، إذا تجاوز الحد، فصار التفريط والإفراط هما الطرفان الضدان، والاقتصاد هو الوسط فى الاعتدال، فهذه هى المعانى التى تفيدها هذه الألفاظ من جهة اللغة، فإذا عرفتها فنقول قد نقلت هذه المعانى الثلاثة إلى أمور مصطلح عليها فى علوم البيان، نوضحها ونجعلها على مراتب ثلاث:

стр. 373

المرتبة الأولى فى [الاقتصاد] ومعناه أن يكون المعنى المندرج تحت العبارة على حسب ما يقتضيه المعبر عنه مساويا له من غير زيادة فيكون إفراطا، ولا نقصان فيكون تفريطا ولنورد فيه أمثلة أربعة توضح المقصود منه بمعونة الله تعالى. المثال الأول من كتاب الله تعالى وهذا كقوله تعالى فى صدر سورة البقرة فى صفة المتقين: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) [البقرة: ٢- ٥] فهذه الأوصاف على نهاية الاقتصاد والتوسط من غير إفراط ولا تفريط، وقوله تعالى: فى افتتاح سورة المؤمنين فى صفة أهل الإيمان قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) [المؤمنون: ١- ٤] إلى قوله أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) [المؤمنون: ١٠] والقرآن وارد على هذه الطريقة، فإنه وارد على نهاية الاعتدال والتوسط، فهذا ما ورد فى المدح، فأما الذم فكقوله تعالى: فى سورة نون يخاطب به الوليد ابن المغيرة المخزومى، وقيل الأخنس بن شريق، وقيل الأسود بن عبد يغوث فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) [القلم: ٨- ١٣] فهذه أوصاف دالة على الذم، صادقة عما هم عليه من هذه السمات جارية على جهة الاعتدال والتوسط من غير إفراط ولا تفريط، وهكذا القول فى جميع علوم القرآن وأصوله من الأوامر، والنواهى والوعد، والوعيد، والقصص، والأمثال، فإنها جارية على جهة التوسط والاعتدال لا تخرج عن حد فيما تناولته من مدح ولا ذم ولا غيره كما يكون الخروج فى غيره. المثال الثانى من السنة النبوية ، فمن ذلك قوله صلى الله عليه: ألا أحدثكم بأحبكم إلى وأقربكم منى مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إلى وأبعدكم منى مجالس يوم القيامة، الثرثارون المتفيهقون. فانظر إلى حبه. فما أعدله، وإلى بغضه ما أقومه، فأعطى المحب ما يليق به، وأعطى المبغض ما

стр. 374

يستحقه من غير إفراط فى الجانبين، ولا تفريط فى حقهما. ومن ذلك قوله ﷺ البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب من النار، والسخى قريب من الله قريب من الناس، بعيد من النار، وقال ﵇: إن مع العز ذلا، وإن مع الحياة موتا، وإن مع الدنيا آخرة، وإن لكل شىء حسيبا، وإن على كل شىء رقيبا، وإن لكل أحد كتابا ولكل حسنة ثوابا، ولكل سيئة عقابا، وقوله ﷺ : اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وقوله ﷺ : إنه من خاف البيات أدلج، ومن أدلج فى المسير وصل، وإنما تعرفون عواقب أعمالكم لو قد طويت صحائف آجالكم، أيها الناس. إن نية المؤمن خير من عمله ونية الفاسق شر من عمله، فليتأمل المتأمل فى كلامه ﵇ من الاقتصاد فى الوعظ، وفى وصف المحبة والبغض، وغير ذلك من كلامه فإنه لامرية فى كونه سالكا فيها طريقة القصد، وناهجا منهج العدل لا يغلو فيفرط ولا يحيف فيفرط. المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، وهو جار فيما هو فيه على قانون النصفة، وسالك لطريق الحق والمعدلة، من ذلك ما قاله فى صفة المؤمنين وأهل التقوى: وإن للذكر لأهلا أخذوه من الدنيا بدلا، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه، يقطعون به أيام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله فى أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة، وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك فكأنما اطلعوا على غيوب أهل البرزخ فى طول الإقامة فيه، وحققت القيامة عليهم عذابها فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا، حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون، فلو مثلتهم لعقلك فى مقاومهم المحمودة ومجالسهم المشهودة، وقد نشروا دواوين أعمالهم، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم: على كل صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصروا عنها، أو نهوا عنها ففرطوا فيها، وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم، فضعفوا عن الاستقلال بها، فنشجوا نشيجا وتجاوبوا نحيبا يعجون إلى ربهم من مقاوم ندم واعتراف، لرأيت أعلام هدى ومصابيح دجى، قد حفت بهم الملائكة، وتنزلت عليهم السكينة، وفتحت لهم أبواب السماء، وأعدت لهم مقاعد الكرامات، فى مقعد اطلع الله عليهم فيه فرضى سعيهم، وحمد مقامهم، رهائن فاقة إلى فضله، وأسارى ذلة لعظمته، جرح طول

стр. 375

الأسى قلوبهم، وطول البكاء عيونهم، لكل باب رغبة إلى الله يد قارعة، يسألون من لا تضيق لديه المنادح، ولا يخيب عليه الراغبون. ومن كلام له ﵇ يصف فيه أهل النفاق قال فيه: أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحذركم أهل النفاق، فإنهم الضالون المضلون، والزالون المزلون، يتلونون ألوانا، ويفتنون افتنانا، ويعمدونكم بكل عماد، ويرصدونكم بكل مرصاد، قلوبهم دوية، وصفاتهم نقية، يمشون الحفا، ويدنون الضرا، وصفهم دواء وقلوبهم شفاء، وفعلهم الداء العياء، حسدة الرخاء، ومؤكدو البلاء، ومقنطو الرجاء، لهم بكل طريق صريع، وإلى كل قلب شفيع، ولكل شجو دموع، يتقارضون الثناء، ويتراقبون الجزاء، إن سألوا ألحفوا، وإن عذبوا كشفوا، وإن حكموا أسرفوا، قد أعدوا لكل حق باطلا، ولكل قائم مائلا، ولكل حى قاتلا، ولكل باب مفتاحا، ولكل ليل صباحا، فهم لمة الشيطان، وحمة النيران، أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون. فانظر إلى كلامه فى الفريقين كيف أبرز من كل واحد منهما حقيقة حاله وميز أحدهما عن الآخر ومثله بأعجب مثاله، قد طابق بكلامه المراد، من غير نقصان فيه ولا ازدياد، وأقول لقد ضربت عليه البلاغة سرادقها، وأحاط من الفصاحة بمكنونها وأسرار حقائقها. المثال الرابع ما كان من كلام البلغاء فى ذلك وهذا كقول الفرزدق يمدح زين العابدين على بن الحسين: هذا الذى تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقى النقى الطاهر العلم يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم «١» ومن هذا قول البحترى: ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... فى وسعه لسعى إليك المنبر فهذا مدح مقتصد ليس فيه إسراف ولا تقتير ولا ركب صاحبه إفراطا ولا تفريطا، ومن هذا قول بعضهم يهجو غيره:

стр. 376

لقد صبرت فى الذل أعواد منبر ... تقوم عليها فى يديك قضيب «١» فهذا ذم لم يرتكب فيه شططا، ولا رام فيه فرطا بل وصفها بالذل لكونها حاملة له، لأن من هوانها كونه راكبا لها عاليا عليها، فهذا تقرير الأمثلة فيما جرى من الكلام على جهة الاقتصاد. المرتبة الثانية فيما يجرى على جهة [التفريط] فيورد على جهة التقصير فى المعبر عنه، والتضييع والإهمال له، فمن ذلك ما قاله الفرزدق: ألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على حاضر إلا نشلّ ونقذف كلانا به عرّ يخاف قرافه ... على الناس مطلى المساعر أخشف «٢» فما هذا حاله من جملة التفريط لكونه من جملة الأمنيات النازلة، والمقاصد السخيفة، التى لا ثمرة لها ولا جدوى عندها، فإن حاصل ما قال فى هذين البيتين أنه قصر أمنيته على أن يكون هو ومحبوبه، كبعيرين أجربين لا يقربهما أحد، ولا يقربان أحدا، إلا طردهما، نفارا منهما، وعيفة لمقاربتهما، لما فيهما من العر، وهو داء يصيب الإبل فى مشافرها، والأخشف بالخاء والشين المعجمتين. البعير الذى يجترىء على المسير بالليل، والقراف: المداناة والقرب، وغرضه من ذلك كله البعد عن الناس بمنزلة من به داء عظيم يتأفف منه ويبعد عنه، ولقد كان له مندوحة عن مثل هذه الأمانى السخيفة البعيدة، فأين هذا من قول من قال فى الأمانى الرقيقة، والطرائف الرشيقة: يارب إن قدّرته لمقبّل ... غيرى فللمسواك أو للأكؤس وإذا حكمت لنا بعين مراقب ... فى الدهر فلتك من عيون النرجس فانظر ما بين الأمنيتين من التفاوت العظيم ومن أمثلة التفريط ما قاله أبو تمام يمدح رجلا: يتقى الحرب منه حين تغلى ... مراجلها بشيطان رجيم «٣»

стр. 377

فما هذا حاله فى المديح، من التفريط والإهمال والتضييع الذى لا يمدح بمثله بحال، لما فيه من مقابلة الممدوح بأقبح الأسماء، وأسوإ الصفات وكقوله أيضا يمدح رجلا: ما زال يهذى بالمكارم والعلا ... حتى ظننا أنه محموم «١» وكقوله أيضا: أنت دلو وذو السماح أبو مو ... سى قليب وأنت دلو القليب فما هذا حاله من المدائح التى نزلت فى الركة وكانت معدودة فى التفريط البالغ، ومن أمثلة التفريط ما قاله البحترى يمتدح الفتح بن خاقان فى قصيدته المشهورة ويذكر فيها لقاءه للأسد وقتله له: شهدت لقد أنصفته حين تبترى ... له مصلتا عضبا من البيض مقضبا فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عركا إذا الهيّابة النّكس كذّبا «٢» فقوله: إذا الهيابة النكس كذبا. ليس فيه مدح، وقد فرط فى إيراده مدحا لهذا الرجل، وكان الأخلق بالمدح أن يقول، إذا البطل كذب، لأنه الأمدح فى إقدام المقدم فى الموضع الذى يفر منه الجبان، إذ لا فضل فى مثل هذا، وإنما الفضل فيما قاله أبو تمام: فتى كلما ارتاد الشجاع من الردى ... مفرا غداة المأزق ارتاد مصرعا ومن التفريط ما قاله بعض الشعراء: وتلحقه عند المكارم هزة ... كما انتقض المحموم من أم ملدم فهذه الأمثلة كلها من المدائح التى وقع التفريط فيها ولا يجوز استعمالها، فالمعنى فيها وإن كان حسنا جيدا، ولكنه لأجل العبارة كان مستقبحا مسترذلا، تعافه الطباع، وتمجه الأسماع، وليس من التفريط شىء فى كتاب الله تعالى:، ولا فى السنة النبوية، ولا ورد فيه شىء من كلام أمير المؤمنين، حراسة من الله تعالى: لها وكلاءة منه عنها، فأين ما ذكره هذا الشاعر مما قاله ابن الرومى يمدح أقواما: ذهب الذين تهزهم مدّاحهم ... هزّ الكماة عوالى المرّان كانوا إذا مدحوا رأوا ما فيهم ... فالأريحية منهم بمكان

стр. 378

المرتبة الثالثة ما يكون على جهة [الإفراط] وهو كما ذكر تجاوز الحد فى المدح والذم وغيرهما من المقاصد، وهل يجوز استعماله فى الكلام أم لا، فيه مذهبان، المذهب الأول جواز استعماله ، وقالوا ٧ ن أحسن الشعر أكذبه، بل أكذبه يكون أصدقه، ويصدّق ذلك الشعر قوله تعالى: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٣٦) [الشعراء: ٢٢٦] فظاهر الآية وإن كان واردا على جهة الذم لهم بدليل ما قبلها، لكنه محتمل للإباحة كأنه جعل ذلك من دأبهم ومن عادتهم، وأنه لا شاعر يوجد إلا وهذه صفته كما قال تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) [الشعراء: ٢٢٤] كأنه صار متابعة الغاوين لهم من جملة أوصافهم، وقد تهالك الشعراء فى ذلك وأتوا فيه بكل معجب مما يخجل الأذهان، ويصمّ الآذان لغرابته، ويحير الأفهام لشدة الإعجاب به. المذهب الثانى منعه آخرون، وزعموا أن الأمور لها حدود ونهايات مما يدخل تحت الإمكان، فأما ما كان من الأمور ما لا يدخل تحت الإمكان ولا يعقل وجوده فلا وجه له، والمذموم من الإفراط ما لا يدخل له فى الوجود على حال، والمختار عندنا جوازه على كل أحواله، لأنه إذا كان جائز الوجود فهو معجب لا محالة، لاشتماله على المبالغة فى المدائح وأنواع الذم، وإن لم يكن جائز الوجود فالإعجاب به أشد، والملاحة فيه أدخل، وقد ورد مثل ذلك فى كتاب الله تعالى قال الله تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦) [إبراهيم: ٤٦] . على قراءة من قرأ بفتح اللام فى تزول؛ لأنها هى الفارقة بين المؤكدة والنافية، وعلى هذا يكون معنى الآية وإن مكرهم لتزول منه الجبال، فأمّا من قرأ بكسر اللام فإنها هى المؤكدة للجحد، وليس فيها دلالة، ولا شك أن من المحال فى العقول أن المكر يزيل الجبال ويزحزحها عن مستقرّاتها، وهكذا قوله جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [الكهف: ٧٧] ، ومن المحال حصول الإرادة فى الجدار، وقوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ [الحج: ٤٠] ويستحيل الهدم فى الصلوات، وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ [النحل: ١١٢] ويستحيل فى القرية أن تذوق، وقوله: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف: ١٨] ، والدم لا يكون كذبا إلى غير ذلك من

стр. 379

الاستعارات الرائقة، فإن كان الإفراط كله يكون قبيحا فما هذا حاله مما ورد فى القرآن ليس إفراطا وإن كان الإفراط منقسما إلى حسن وقبيح، فهذا الذى ورد فى القرآن من أحسنه وأعجبه، ولنورد أمثلة الإفراط من المنظوم قال عنترة: وأنا المنية فى المواطن كلّها ... والطعن منى سائق الآجال ومن ذلك ما قاله بشار: إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما «١» ومن ذلك ما قاله النابغة الذبيانى: إذا ارتعثت خاف الجبان ارتعاثها ... ومن يتعلّق حيث علق يفرق «٢» يصف امرأة بطول عنقها، والرعاث جمع رعث وهو القرط المعلق بالأذن ومن ذلك ما قاله أبو نواس يمدح رجلا قال: وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق «٣» ويحكى أن العتّابى لقى أبا نواس فقال: أما خفت الله تعالى: واستحييت منه حيث تقول «وأخفت أهل الشرك» البيت فقال له أبو نواس وأنت ما راقبت الله حيث قلت: ما زلت فى غمرات الموت مطّرحا ... يضيق عنى وسيع الرأى من حيلى فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لى ... حتى اختلست حياتى من يدى أجلى فقال له العتابى قد علم الله وعلمت أن هذا ليس من مثل قولك، ولكنك تعدّ لكل ناصح جوابا، وقد أورد أبو نواس هذا المعنى فى قالب آخر فقال: كثرت منادمة الدماء سيوفه ... فلقلّ ما تحتازها الأجفان حتى الذى فى الرّحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان فانظر إلى هذه المعانى ما أكذبها وما ألطفها وأرقها وأرشقها، وكل من خرقت قرطاس سمعه فإنه يعجب منها غاية الإعجاب، فأما أبو الطيب المتنبى. فإن له فى الإفراط اليد

стр. 380

البيضاء، والطريقة المثلى قال: كأن الهام فى الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد وقد صغت الأسنّة من هموم ... فما يخطرن إلا فى فؤاد فانظر إلى هذه الاستعارة الرائقة التى أنافت على كل غاية، وجاوزت فى الحسن والديباجة كل نهاية، ومن ذلك ما قاله: طوال الردينيات يقصفها دمى ... وبيض السّريجيات يقطعها لحمى ومن ذلك ما قاله أيضا: أمضى إرادته «فسوف» له «قد» ... واستقرب الأقصى «فثمّ» له «هنا» وارشق مما ذكرناه وأدق قوله: عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا وأعجب من هذا وأدق، ما قاله أيضا: كأنها تتلقاهم لتسلكهم ... فالطعن يفتح فى الأجواف ما تسع إلى غير ذلك من الرقائق الرائقة والعجائب الفائقة التى فاق فيها على نظرائه، وسبق إلى غايتها قبل وصول شعرائه ومن وقف على حكمه وأمثاله، عرف أن أحدا ممن كان فى عصره لم ينسج على منواله. تنبيه اعلم أن من جملة الآداب الحسنة، واللطائف المستحسنة، أن تترك الخطاب لأهل المدائح بالأمر له بكذا وكذا، وإنما تخرجه مخرج الاستفهام، إعظاما للممدوح وإجلالا له، عن أن يكون مأمورا، وما حاله إذا فعل فإنه يكسب الكلام جمالا ويزيده أبّهة ويعطيه كمالا، كما فعل البحترى فى قصيدة أنشدها قال: فهل أنت يا بن الراشدين مختّمى ... بياقوتة تبهى علىّ وتشرق ولو قال ختّمنى يابن الراشدين بياقوتة، لم يكن فى الرشاقة والإجلال للخليفة كالأول، ومن هذا قول بعضهم يمدح بعض خلفاء بنى العباس: أمقبولة، يابن الخلائف من فمى ... لديك بوصفى غادة الشعر روده

стр. 381

فهكذا يصلح خطاب الملوك والخلفاء على هذا الوجه من حسن الأدب، ولقد غلا بعض من يدعى البلاغة، وزعم أنه لا ينبغى مخاطبة الملوك والخلفاء والأكابر بكاف الخطاب، وهذا فاسد، فإن الله تعالى هو مالك الملك والمتعالى بصفات الكمال، قد خوطب بكاف الخطاب كقوله تعالى لرسوله ﷺ : وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً [آل عمران: ٤١] ، وقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) [الحجر: ٩٩] وقد جاء ذلك على ألسنة الفصحاء كثيرا ومنه قول النابغة: وإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع «١» ومن هذا قوله أيضا: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب «٢» نعم إنما يكره ذلك فى المكاتبات، دون الأقوال، وإنما يؤتى فى الكتابة على جهة الغيبة فى مخاطبة الملوك وأهل الرفعة لا غير، ومن الآداب الحسنة أن لا تخاطب الملوك بأسماء أمهاتهم وجدّاتهم، وقد عيب على أبى نواس ما أورده فى قصيدته الميمية التى امتدح بها الأمين محمد بن هارون الرشيد حيث قال: أصبحت يا بن زبيدة ابنة جعفر ... أملا لعقد حباله استحكام فإن ذكر الله الخليفة فى هذا الموضع قبيح، وكان له مندوحة عن ذكر مثل ذلك بأبيه أو بجده أو غير ذلك من سائر المدائح المعروفة عند الشعراء المفلقين، وقد أخذ عليه أيضا قوله فى قصيدة اخرى: وليس كجدّتيه أم موسى ... إذا نسبت ولا كالخيزران فإن مثل هذا يعد فى الركيك من الشعر فضلا عن أن يكون معدودا من فصيحه، وهكذا فإنه قد أخذ على جرير فى مدح عمر بن عبد العزيز بذكر أمه حيث قال: وتبنى المجد يا عمر بن ليلى ... وتكفى الممحل السّنة الجمادا فهذا وأمثاله مما يعاب ذكره، وينبغى للشاعر والخطيب تجنّبه كما أشرنا إليه، لا يقال فكيف قال رسول الله ﷺ فى الزبير لما أخبر أنه سيقتل: بشّر قاتل ابن صفية بالنار، فنسبه

стр. 382

إلى أمه، لأنا نقول هذا مخالف لما نحن فيه، فإنه لا مدح بذكر أمهات الخلفاء والملوك، لأنه لا فضل فيهن، بخلاف حديث الزبير، فإن الرسول ﷺ ما قال ذلك إلا ليرفع قدره فى قرب نسبه منه، لكونه ابن عمته وهكذا العذر فى قوله تعالى: يا عيسى بن مريم، فإن الله تعالى إنما خاطبه بذكر أمه، لمّا كان لا أب له، فيذكر باسم أبيه فكان ذكر الأم ضرورة فى حقه.

стр. 383

الفصل الخامس فى [الإرصاد] اعلم أن الإرصاد فى اللغة مصدر أرصد الشىء، إذا أعده، ومنه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) [الفجر: ١٤] وهو مفعال، من رصده، كالميقات، من وقّته، والغرض أن الله تعالى أعد العقاب للعصاة من غير أن يفوتوه بهرب ولا امتناع، وأرصدت السلاح للحرب، وهو فى لسان علماء البيان مقبول فى المنظوم والمنثور على أن يكون أول الكلام مرصدا لفهم آخره، ويكون مشعرا به، فمتى قرع سمع السامع أول الكلام فإنه يفهم آخره لا محالة، فما هذا حاله من منثور اللفظ ومنظومه يقال له الإرصاد، واشتقاقه هو مما ذكرناه، فهذا هو الأخلق فى تلقيبه بالإرصاد لما ذكرناه، وقد حكى عن أبى هلال العسكرى وكان متقدما فى علم البلاغة على غيره آخذا منها بحظ وافر، أنه لقّب هذا النوع من الكلام بالترشيح، وهذا لا وجه له، بل تلقيبه بالإرصاد أخلق لما أشرنا إليه فى الاشتقاق، ولنورد أمثلته ليتضح الأمر فيه: المثال الأول من كتاب الله تعالى ، وهذا كقوله تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) [يونس: ١٩] فإذا قرع سمع السامع قوله تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ثم وقف على قوله: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [يونس: ١٩] فإنه يعرف لا محالة لما سبق من تصدير الآية أن تتمتها وتكملتها فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) لما تقدم ما يشعر بذلك ويدل عليه، ومن ذلك قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ [العنكبوت: ٤٠] فإذا وقف السامع على قوله: وَلكِنْ كانُوا عرف لا محالة أن بعده ذكر ظلم النفوس لما كان فى الكلام الأول ما يدل عليه دلالة ظاهرة، وأمارة قوية، وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [العنكبوت: ٤١] فإذا وقف السامع على قوله: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ فإنه يعلم لا محالة أن بعده بيت العنكبوت، ومن هنا قوله تعالى:

стр. 384

ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) [سبأ: ١٧] فإذا وقف السامع على قوله تعالى: «وهل يجازى» بعد ما تقدم من الكلام والإحاطة به، فإنه يعلم لا محالة أنه ليس بعد قوله وهل يجازى إلا «الكفور» وعلى هذا ورد قوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠) [الرحمن: ٦٠] فإذا وقف السامع على قوله هل جزاء الإحسان، تحقق لا محالة أن ما بعده قوله إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠) لما فى ذلك من الملائمة وشدة التناسب، ومثل هذا محمود فى الكلام كله نثره، ونظمه، وهو فى كتاب الله تعالى: أكثر من أن يحصى، وما ذاك إلا لأن خير الكلام ما دل بعضه على بعض، وأحق الكلام بهذه الصفة هو كلام الله، فإنه البالغ فى الذروة العليا من الفصاحة فى ألفاظه، والبلاغة فى معناه. المثال الثانى من السنة الشريفة ، وهذا كقوله ﷺ : فما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فإن السامع إذا وقف على قوله: فما بعد الدنيا من دار، فإنه يتحقق لا محالة أن ما بعده «إلا الجنة أو النار» لما بينهما من شدة الملائمة وعظيم المناسبة، ومن هذا قوله ﵇ لما سار لفتح خيبر، فلما رآها قال الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، فإن السامع إذا وقف على قوله: نزلنا بساحة قوم، عرف أن ما بعده، فساء صباح المنذرين، لأن قوله إذا نزلنا بساحة قوم فيه وعيد عظيم لهم بالبوار والإهلاك فهو دال على قوله فساء صباح المنذرين، لأنه لا صباح أعظم فى البلاء من ذلك اليوم لما اشتمل عليه من القتل والأخذ، ونهب المال، ولا بلاء مثل هذا، وهذا وإن كان قد سبق به القرآن لكنه قد تكلم به فى ذلك اليوم، فلا جرم أوردناه فى أمثلة السنة، وإنما عظم موقع الآية وكان لها من الفخامة وعلو الشأن فى البلاغة، لما كانت واردة على جهة التمثيل، مثل حالهم فى عدم التفاتهم إلى ما أنذروا من العذاب الأليم بحال من أنذر بحصول الجيش فلم يلتفتوا ولا أخذوا أهبة الحذر منه حتى نزل بدارهم فقطع دابرهم واستأصل شأفتهم، فمن أجل هذا لاءم قوله فإذا نزل بساحتهم إلى آخر الآية، حتى فهم آخرها قبل ذكره، ومن هذا قوله ﵇ فى صفة القرآن: فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفّع وشاهد مصدّق من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو أوضح دليل ٧ لى خير سبيل، من قال به

стр. 385

صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، فانظر إلى هذا الكلام ما أعجب تلاؤمه وأعظم تناسبه، فكان بعضه آخذا بأعناق بعض، فلو سكت على كل كلمة لكانت معربة بأختها قبل ذكرها، وهذا هو شأن الإرصاد وحقيقة أمره، فلو سكت على قوله «فإذا التبست عليكم الأمور» لأفهم بقوله «كقطع الليل المظلم» لأن اللبس هو أن لا يهتدى فيه للأمر، كما أن الظلمة لا يهتدى فيها للطريق وقوله «شافع» دال على القبول لأنه فى معرض المدح، وإعلام بكونه مشفعا وقوله «شاهد مصدق» لأن الصدق أحسن ما يعرض للشهادة عند الحكام، فإذا كانت المدح فأحسن أحوالها كونها صادقة وقوله «من جعله أمامه» لأن كل من كان أمامك فهو آخذ بزمامك كما يقاد الجمل بزمامه من قدامه، وهو كناية عن العمل بأوامره ونواهيه وقوله «ومن جعله خلفه ساقه إلى النار» لأن من كان خلفك فهو يسوقك كما تساق الدابة من خلفها، وهو كناية عن إهماله وتضييع أحكامه وترك العمل بها، فلو سكت على قوله «أمام» و «خلف» لأفهما ما وراءهما من ذلك، ثم قال «وهو أوضح دليل» فأفهم خير السبيل من جهة أن الدليل لابد له من ثمرة وهو الهداية إلى الطريق، ثم قال «من قال به صدق» لأنه لا يعرض للقول الحسن إلا صدقه «ومن عمل به أجر» لأنه لا ثمرة للعمل إلا الأجر، وقوله «ومن حكم به عدل» لأنه لا جدوى للحكم إلا إذا كان عادلا فحصل من هذا أن الأمر على ما قلناه من أن هذه الكلمات كلها ملتئمة كأنها أفرغت فى قالب واحد وفى هذا كفاية ليقاس عليه غيره. المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، فمن ذلك كتاب كتبه إلى بعض عماله يوصيه بما هو بصدده، أما بعد فإنك ممن استظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وسدّ به أفواه الثغر المخوف، فاستعن بالله على ما أهمك، واخلط الشدة بضغث من اللين، وارفق ما كان الرفق أرفق، واعتزم بالشدة حيث لا تغنى عنك إلا الشدة، واخفض للرعية جناحك، وألن لهم جانبك، وآس بينهم فى اللحظة، والنظرة، والإشارة، والتحية، حتى لا يطمع العظماء فى حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك والسلام. فانظر إلى كلامه هذا لقد جمع فيه محامد الأخلاق الشريفة وأتى فيه بمحاسن الشيم السامية مع ما أشار إليه من حسن الإيالة وجميل السياسة، وضم فيه من آداب الولاة وتعليم معاملة الخلق، والرفق بالرعية. والإرشاد إلى مصالح السيرة فيهم مع ما أشار إليه

стр. 386

من الإرصاد التام، فإن كل كلمة من هذا الكلام مناسبة لما بعدها وملائمة له على أكمل نظام، وأعجب إتمام، فلو وقف على قوله «فإنك ممن استظهر به» لفهم ما بعدها ولو وقف على قوله «وأقمع به» لفهم ما وراءها، لأن الاستظهار تقوية واعتماد، والقمع هو الكف وهو ملائم للنخوة وهو العلو والكبر وهكذا قوله: وَاخْفِضْ فلو وقف عليه لفهم منه الجناح، لأنه يستعار كثيرا فى لين الجانب كما قال تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) [الحجر: ٨٨] وهكذا القول فى سائر ألفاظه، فإنها متلائمة متناسبة يدل بعضها على بعض. المثال الرابع ما ورد من كلام أهل البلاغة واعلم أن الشعراء المفلقين يفتخرون بما كان أول البيت دالا على آخره، وفى هذا يقول بعضهم: خذها إذا أنشدت فى القوم من طرب ... صدورها عرفت منها قوافيها ينسى لها الراكب العجلان حاجته ... ويصبح الحاسد الغضبان يطريها وهذا هو الإرصاد كما قلناه، ومن جيد الإرصاد ما قاله البحترى: أحلّت دمى من غير جرم وحرّمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامى فليس الذى حلّلته بمحلل ... وليس الذى حرّمته بحرام «١» فليس يذهب على السامع وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثانى أن عجزه ما قاله البحترى، وقد جرت العادة عند إنشاد الشعر بانتهاب عجز البيت من لسان منشده قبل ذكره ويسبق إليه فينشده قبل إنشاده له لما كان المعنى مفهوما قبل ذكره، وهذا هو الذى نريده بالإرصاد ومن هذا قول بعض البلغاء: ولربما اعتصم الحليم بجاهل ... لا خير فى يمنى بغير يسار فهذا إذا قرع السامع صدر البيت ووقف على قوله «لا خير فى يمنى» فإنه يتحقق أن لا بد من ذكر اليسار لا محالة، لما فيه من الملائمة له والمناسبة، ومن ذلك ما قاله زهير وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله ... ولكننى عن علم ما فى غد عم «٢» فالأزمنة ثلاثة، الماضى، والحاضر، والمستقبل، فلما ذكر حكم الماضى، والحاضر،

стр. 387

عرف من حاله أن لا بد من ذكر المستقبل بحكمه، وهو الجهل بما يكون غدا، فلأجل هذا كان الإرصاد فيه سابقا معلوما، ومن ذلك ما قاله أبو تمام: فإن يك جرم، أو أتيت بهفوة ... على خطأ منّى فعذرى على عمد فما هذا حاله من أحسن ما يأتى فى الإرصاد فإنه لما ذكر الخطأ حسن وقوع العمد بعده وكان مفهوما عند الوقوف على قوله «على خطأ منى» بلا مرية، ومن ذلك ما قاله أيضا: خرقاء تلعب بالعقول مزاجها ... كتلعّب الأفعال بالأسماء فإنه لما ذكر الأفعال علم لا محالة أن عجز البيت أن يأتى بلفظة الأسماء لما سبق ذكر الأفعال، فمن قرع مسامعه هذا البيت وكان له ذوق فى العربية، فإنه يعرفه قطعا. وقال أيضا: مودّة، ذهب، أثمارها شبه ... وهمة جوهر، معروفها عرض فإنه لما ذكر الذهب جعل فى مقابله الشبه، ولما ذكر الجوهر علم أن مقابله العرض، وهذا إرصاد حسن، وحكى ابن الأثير عن بعض علماء البيان أنه ينبغى لمن يتكلم فى المنظوم والمنثور أن يجنب كلامه الألفاظ المصطلح عليها بين النحاة والمتكلمين وأهل الصناعات وغيرهم، وهذا فاسد لا وجه له فإن الشاعر والكاتب يخوضان فى كل شىء ولا يقتصر خوضهما على فن دون فن، ولا اصطلاح دون اصطلاح، ولهذا فإنك تراهم إذا استعملوا شيئا من الكلمات المصطلح عليها فى العلوم أو فى الصناعات فى أشعارهم ورقائقهم، وجدت له أحسن موقع، وازداد جمالها، وظهر رونقها وكمالها، فهذا ما أردنا ذكره فى معانى الإرصاد.

стр. 388

الفصل السادس فى ذكر التخلص والاقتضاب وهما واديان من أودية البلاغة، ومن حكمهما يظهر فضل الناظم والناثر، وكل واحد منهما يرد فى منثور الكلام ومنظومه، لأن معناهما حاصل فيهما، فأما الاقتضاب فلا يظهر خلاف فى وروده فى القرآن الكريم، وإنما الخلاف فى ورود التخلص فى القرآن، وحكى عن أبى العلاء محمد الغانمى أنه أنكر وروده فى التنزيل، وزعم أن كتاب الله تعالى خال عنه، وهذا فاسد، فإن كتاب الله تعالى لا واد من أودية البلاغة إلا وهو آخذ منه بنصيب، وسنورد من ذلك ما يدل على وقوعه فيه، فإذا عرفت هذا فلنذكر التخلص، ثم نردفه. بذكر الاقتضاب فهذان ضربان نفصلهما بمعونة الله تعالى. الضرب الأول فى [التخلص] ومعناه فى ألسنة علماء البيان، أن يسرد الناظم والناثر كلامهما فى مقصد من المقاصد غير قاصد إليه بانفراده، ولكنه سبب إليه، ثم يخرج فيه إلى كلام هو المقصود، بينه وبين الأول علقة، ومناسبة وهذا نحو أن يكون الشاعر مستطلعا لقصيدته بالغزل، حتى إذا فرغ منه خرج إلى المدح على مخرج مناسب للأول، بينهما أعظم القرب والملائمة بحيث يكون الكلام آخذا بعضه برقاب بعض كأنه أفرغ فى قالب واحد، ثم يتفاضل الناس فى التخلص، فعلى قدر الاقتدار فى النظم والنثر يكون حسن التخلص، والتخلص فى النثر أسهل منه فى النظم، لأن الناظم يراعى القافية والوزن، فيكون فى ذلك صعوبة بخلاف الناثر، فإنه لا يراعى قافية ولا يحافظ على وزن، بل هو مطلق العنان يضع قدمه حيث شاء، فمن أجل ذلك كان أشق على الناظم منه على الناثر، لما ذكرناه، ولنذكر فى إيضاحه أمثلة أربعة. المثال الأول من كتاب الله تعالى وهو قوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)

стр. 389

فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) [الشعراء: ٦٩- ٨١] ثم قال رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) [الشعراء: ٨٣] ثم أردفه بقوله وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) [الشعراء: ٩٠- ٩١] ثم قال فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) [الشعراء: ٩٤- ٩٥] إلى قوله فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) [الشعراء: ١٠٢] فلينظر إلى هذا الكلام الذى يسكر العقول رحيقه، ويسحر الألباب تحقيقه، وهو غاية منية الراغب، ونهاية مقصد الطالب، فإنه متى أنعم النظر فى مبانيه، وتدبر أسراره ومعانيه، علم قطعا أن فيه غنى عن تصفّح الكتب المؤلفة، وكفاية عن الدفاتر المؤتلفة، فيما يقصد من معرفة هذا الأسلوب من علوم البلاغة، وقد اشتمل على تخلّصات عشرة منتظمة نوضحها بمعونة الله تعالى. التخلص الأول هو أنه لما أمر رسول الله ﷺ بتلاوة نبأ إبراهيم صلوات الله عليه، وما كان له مع أبيه وقومه من الخصومة والجدال فى عبادة الأوثان والأصنام، صدر القصة بذلك شرحا لصدره وتسلية له فيما يلاقى من قريش، ثم خرج إلى شرح حال إبراهيم وما جرى له، فانظر إلى حسن ما رتّب إبرهيم كلامه مع أهل الشرك حين سألهم عما يعبدون سؤال مقرر، لا سؤال مستفهم، فأجابوه بما هم عليه من ذلك، وبالغوا فى الجهل والإفراط فى الغى، فقالوا: نعبد أصناما ولقد كان يكفيهم ذلك فى الإجابة عما سألهم، لكنهم تعمقوا تهالكا فى الإصرار وتماديا فى نفارهم عما دعاهم إليه بقولهم فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) . التخلص الثانى أنهم لما أجابوه أراد أن يحقق عليهم الأمر حتى لا يكون لهم سبيل إلى الجحود، فخرج عن ذلك إلى إبطال ما قالوه من عبادة آلهتهم وأنحى عليها من البرهان جرازا مقضبا، ومن الإفحام كلاما منظما مهذبا، فصدره بالاستفهام تأدبا منه وملاطفة لهم، ولم يأت بحجته على جهة القطع منه بها، كمن ينكر الحدوث فى العالم فتقول له هل يجوز عليه التغير، ولم يقل من أول وهلة إن قولكم هذا باطل لا حقيقة له، ثم أورد فى إبطال إلهيتها أدلة ثلاثة، أولها أنها لا تسمع دعاء، ولا تدرك نداء، لكونها جمادا حجارة صلدة لا حياة لها ولا حراك بها، ومن هذه حاله فكيف يكون أهلا للعبادة، وثانيها قوله: أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ لأن

стр. 390

من كان فيه نفع فهو حقيق بما يفعل فى حقه من رفع المنزلة وعلو الدرجة، وثالثها قوله: أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) لأن كل من قدر على النفع فهو قادر على الضرر وعكسه أيضا، لأن حق من كان قادرا على شىء أن يكون قادرا على ضده، لأن القدرة صالحة للأمرين الضدين جميعا والمختلفين، فهذه إلزامات ثلاثة لا محيص لهم عنها، فإذا كان حالها هذه الحال من عدم السمع، واستحالة النفع والضر منها، فلا يليق بحالها العبادة التى هى نهاية الخضوع والذلة للمعبود، مع عدم الأهلية والاستحقاق، هذا محال فى العقول بلا مرية، ثم أجابوه بالإقرار بما ألزمهم من عدم ذلك منها فزاد إقرارهم الإلزام تأكيدا وإفحاما فقالوا الأمر فيها كما قلته لكنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، فنادوا على أنفسهم بالجهالة، وأقروا بركوب الضلالة، وأنهم ما فعلوا ذلك عن نظر وتفكر وتدبر، فوصفوا نفوسهم بالقصور عن مراتب النظار، وانخرطوا فى سلك أهل الغباوة والأغمار، وزعموا أنه لا عمدة لهم فى ذلك إلا وجدان الآباء، واقتفاء آثار الأسلاف والرؤساء. التخلص الثالث أنه لما تحقق تعويلهم على التقليد خرج إلى إبطال أمره وتزييفه بقوله: قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) [الشعراء: ٧٥- ٧٦] فأورد الرد عليهم بالاستفهام على جهة الإنكار متعجبا من حالهم حيث جعلوا ما لا يكون، حجة وبرهانا، وليس حجة، بل هو شبهة منكرة، وأخرجه عن أن يكون حجة، كأنه قال أفلا ترون ما جعلتموه مستندا لعبادتكم أنتم ومن سلف من آبائكم القدماء، هل مثله يعبد مع كونه لا يسمع ولا ينفع ولا يضر ولا يملك شيئا، وفيه تعريض بحالهم وتجهيل لهم وأن من هذه حاله من عبادة حجر لا يضر ولا ينفع فلا عقل له، ولا يكون معدودا من العقلاء. التخلص الرابع هو أنه لما ذكر أنهم لا يستحقون العبادة خرج إلى ذكر عداوته لمن هذه حاله، فلهذا قال عقيب ذلك فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ كأنه صور المسئلة فى نفسه على معنى إنى فكرت فى أمرى ونظرت فى حالى، فرأيت أن عبادتى لها عبادة للشيطان العدو فاجتنبتها، وإنما قال: «فإنهم عدوّ لى» بالإضافة إلى نفسه ولم يقل فإنهم عدو لهم، ليريهم بذلك أنها نصيحة ينصح بها نفسه ليكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله، وأبعث إلى الاستماع لخطابه، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يفد هذه الفائدة، وكان القياس فى الخطاب بالضمير أن يقول: فإنها
следующие страницы →