← Баляга

Баляга · id 23788

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المؤيد العلوي

Полный текст (682 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

من الإرصاد التام، فإن كل كلمة من هذا الكلام مناسبة لما بعدها وملائمة له على أكمل نظام، وأعجب إتمام، فلو وقف على قوله «فإنك ممن استظهر به» لفهم ما بعدها ولو وقف على قوله «وأقمع به» لفهم ما وراءها، لأن الاستظهار تقوية واعتماد، والقمع هو الكف وهو ملائم للنخوة وهو العلو والكبر وهكذا قوله: وَاخْفِضْ فلو وقف عليه لفهم منه الجناح، لأنه يستعار كثيرا فى لين الجانب كما قال تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) [الحجر: ٨٨] وهكذا القول فى سائر ألفاظه، فإنها متلائمة متناسبة يدل بعضها على بعض. المثال الرابع ما ورد من كلام أهل البلاغة واعلم أن الشعراء المفلقين يفتخرون بما كان أول البيت دالا على آخره، وفى هذا يقول بعضهم: خذها إذا أنشدت فى القوم من طرب ... صدورها عرفت منها قوافيها ينسى لها الراكب العجلان حاجته ... ويصبح الحاسد الغضبان يطريها وهذا هو الإرصاد كما قلناه، ومن جيد الإرصاد ما قاله البحترى: أحلّت دمى من غير جرم وحرّمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامى فليس الذى حلّلته بمحلل ... وليس الذى حرّمته بحرام «١» فليس يذهب على السامع وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثانى أن عجزه ما قاله البحترى، وقد جرت العادة عند إنشاد الشعر بانتهاب عجز البيت من لسان منشده قبل ذكره ويسبق إليه فينشده قبل إنشاده له لما كان المعنى مفهوما قبل ذكره، وهذا هو الذى نريده بالإرصاد ومن هذا قول بعض البلغاء: ولربما اعتصم الحليم بجاهل ... لا خير فى يمنى بغير يسار فهذا إذا قرع السامع صدر البيت ووقف على قوله «لا خير فى يمنى» فإنه يتحقق أن لا بد من ذكر اليسار لا محالة، لما فيه من الملائمة له والمناسبة، ومن ذلك ما قاله زهير وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله ... ولكننى عن علم ما فى غد عم «٢» فالأزمنة ثلاثة، الماضى، والحاضر، والمستقبل، فلما ذكر حكم الماضى، والحاضر،

стр. 387

عرف من حاله أن لا بد من ذكر المستقبل بحكمه، وهو الجهل بما يكون غدا، فلأجل هذا كان الإرصاد فيه سابقا معلوما، ومن ذلك ما قاله أبو تمام: فإن يك جرم، أو أتيت بهفوة ... على خطأ منّى فعذرى على عمد فما هذا حاله من أحسن ما يأتى فى الإرصاد فإنه لما ذكر الخطأ حسن وقوع العمد بعده وكان مفهوما عند الوقوف على قوله «على خطأ منى» بلا مرية، ومن ذلك ما قاله أيضا: خرقاء تلعب بالعقول مزاجها ... كتلعّب الأفعال بالأسماء فإنه لما ذكر الأفعال علم لا محالة أن عجز البيت أن يأتى بلفظة الأسماء لما سبق ذكر الأفعال، فمن قرع مسامعه هذا البيت وكان له ذوق فى العربية، فإنه يعرفه قطعا. وقال أيضا: مودّة، ذهب، أثمارها شبه ... وهمة جوهر، معروفها عرض فإنه لما ذكر الذهب جعل فى مقابله الشبه، ولما ذكر الجوهر علم أن مقابله العرض، وهذا إرصاد حسن، وحكى ابن الأثير عن بعض علماء البيان أنه ينبغى لمن يتكلم فى المنظوم والمنثور أن يجنب كلامه الألفاظ المصطلح عليها بين النحاة والمتكلمين وأهل الصناعات وغيرهم، وهذا فاسد لا وجه له فإن الشاعر والكاتب يخوضان فى كل شىء ولا يقتصر خوضهما على فن دون فن، ولا اصطلاح دون اصطلاح، ولهذا فإنك تراهم إذا استعملوا شيئا من الكلمات المصطلح عليها فى العلوم أو فى الصناعات فى أشعارهم ورقائقهم، وجدت له أحسن موقع، وازداد جمالها، وظهر رونقها وكمالها، فهذا ما أردنا ذكره فى معانى الإرصاد.

стр. 388

الفصل السادس فى ذكر التخلص والاقتضاب وهما واديان من أودية البلاغة، ومن حكمهما يظهر فضل الناظم والناثر، وكل واحد منهما يرد فى منثور الكلام ومنظومه، لأن معناهما حاصل فيهما، فأما الاقتضاب فلا يظهر خلاف فى وروده فى القرآن الكريم، وإنما الخلاف فى ورود التخلص فى القرآن، وحكى عن أبى العلاء محمد الغانمى أنه أنكر وروده فى التنزيل، وزعم أن كتاب الله تعالى خال عنه، وهذا فاسد، فإن كتاب الله تعالى لا واد من أودية البلاغة إلا وهو آخذ منه بنصيب، وسنورد من ذلك ما يدل على وقوعه فيه، فإذا عرفت هذا فلنذكر التخلص، ثم نردفه. بذكر الاقتضاب فهذان ضربان نفصلهما بمعونة الله تعالى. الضرب الأول فى [التخلص] ومعناه فى ألسنة علماء البيان، أن يسرد الناظم والناثر كلامهما فى مقصد من المقاصد غير قاصد إليه بانفراده، ولكنه سبب إليه، ثم يخرج فيه إلى كلام هو المقصود، بينه وبين الأول علقة، ومناسبة وهذا نحو أن يكون الشاعر مستطلعا لقصيدته بالغزل، حتى إذا فرغ منه خرج إلى المدح على مخرج مناسب للأول، بينهما أعظم القرب والملائمة بحيث يكون الكلام آخذا بعضه برقاب بعض كأنه أفرغ فى قالب واحد، ثم يتفاضل الناس فى التخلص، فعلى قدر الاقتدار فى النظم والنثر يكون حسن التخلص، والتخلص فى النثر أسهل منه فى النظم، لأن الناظم يراعى القافية والوزن، فيكون فى ذلك صعوبة بخلاف الناثر، فإنه لا يراعى قافية ولا يحافظ على وزن، بل هو مطلق العنان يضع قدمه حيث شاء، فمن أجل ذلك كان أشق على الناظم منه على الناثر، لما ذكرناه، ولنذكر فى إيضاحه أمثلة أربعة. المثال الأول من كتاب الله تعالى وهو قوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)

стр. 389

فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) [الشعراء: ٦٩- ٨١] ثم قال رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) [الشعراء: ٨٣] ثم أردفه بقوله وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) [الشعراء: ٩٠- ٩١] ثم قال فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) [الشعراء: ٩٤- ٩٥] إلى قوله فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) [الشعراء: ١٠٢] فلينظر إلى هذا الكلام الذى يسكر العقول رحيقه، ويسحر الألباب تحقيقه، وهو غاية منية الراغب، ونهاية مقصد الطالب، فإنه متى أنعم النظر فى مبانيه، وتدبر أسراره ومعانيه، علم قطعا أن فيه غنى عن تصفّح الكتب المؤلفة، وكفاية عن الدفاتر المؤتلفة، فيما يقصد من معرفة هذا الأسلوب من علوم البلاغة، وقد اشتمل على تخلّصات عشرة منتظمة نوضحها بمعونة الله تعالى. التخلص الأول هو أنه لما أمر رسول الله ﷺ بتلاوة نبأ إبراهيم صلوات الله عليه، وما كان له مع أبيه وقومه من الخصومة والجدال فى عبادة الأوثان والأصنام، صدر القصة بذلك شرحا لصدره وتسلية له فيما يلاقى من قريش، ثم خرج إلى شرح حال إبراهيم وما جرى له، فانظر إلى حسن ما رتّب إبرهيم كلامه مع أهل الشرك حين سألهم عما يعبدون سؤال مقرر، لا سؤال مستفهم، فأجابوه بما هم عليه من ذلك، وبالغوا فى الجهل والإفراط فى الغى، فقالوا: نعبد أصناما ولقد كان يكفيهم ذلك فى الإجابة عما سألهم، لكنهم تعمقوا تهالكا فى الإصرار وتماديا فى نفارهم عما دعاهم إليه بقولهم فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) . التخلص الثانى أنهم لما أجابوه أراد أن يحقق عليهم الأمر حتى لا يكون لهم سبيل إلى الجحود، فخرج عن ذلك إلى إبطال ما قالوه من عبادة آلهتهم وأنحى عليها من البرهان جرازا مقضبا، ومن الإفحام كلاما منظما مهذبا، فصدره بالاستفهام تأدبا منه وملاطفة لهم، ولم يأت بحجته على جهة القطع منه بها، كمن ينكر الحدوث فى العالم فتقول له هل يجوز عليه التغير، ولم يقل من أول وهلة إن قولكم هذا باطل لا حقيقة له، ثم أورد فى إبطال إلهيتها أدلة ثلاثة، أولها أنها لا تسمع دعاء، ولا تدرك نداء، لكونها جمادا حجارة صلدة لا حياة لها ولا حراك بها، ومن هذه حاله فكيف يكون أهلا للعبادة، وثانيها قوله: أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ لأن

стр. 390

من كان فيه نفع فهو حقيق بما يفعل فى حقه من رفع المنزلة وعلو الدرجة، وثالثها قوله: أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) لأن كل من قدر على النفع فهو قادر على الضرر وعكسه أيضا، لأن حق من كان قادرا على شىء أن يكون قادرا على ضده، لأن القدرة صالحة للأمرين الضدين جميعا والمختلفين، فهذه إلزامات ثلاثة لا محيص لهم عنها، فإذا كان حالها هذه الحال من عدم السمع، واستحالة النفع والضر منها، فلا يليق بحالها العبادة التى هى نهاية الخضوع والذلة للمعبود، مع عدم الأهلية والاستحقاق، هذا محال فى العقول بلا مرية، ثم أجابوه بالإقرار بما ألزمهم من عدم ذلك منها فزاد إقرارهم الإلزام تأكيدا وإفحاما فقالوا الأمر فيها كما قلته لكنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، فنادوا على أنفسهم بالجهالة، وأقروا بركوب الضلالة، وأنهم ما فعلوا ذلك عن نظر وتفكر وتدبر، فوصفوا نفوسهم بالقصور عن مراتب النظار، وانخرطوا فى سلك أهل الغباوة والأغمار، وزعموا أنه لا عمدة لهم فى ذلك إلا وجدان الآباء، واقتفاء آثار الأسلاف والرؤساء. التخلص الثالث أنه لما تحقق تعويلهم على التقليد خرج إلى إبطال أمره وتزييفه بقوله: قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) [الشعراء: ٧٥- ٧٦] فأورد الرد عليهم بالاستفهام على جهة الإنكار متعجبا من حالهم حيث جعلوا ما لا يكون، حجة وبرهانا، وليس حجة، بل هو شبهة منكرة، وأخرجه عن أن يكون حجة، كأنه قال أفلا ترون ما جعلتموه مستندا لعبادتكم أنتم ومن سلف من آبائكم القدماء، هل مثله يعبد مع كونه لا يسمع ولا ينفع ولا يضر ولا يملك شيئا، وفيه تعريض بحالهم وتجهيل لهم وأن من هذه حاله من عبادة حجر لا يضر ولا ينفع فلا عقل له، ولا يكون معدودا من العقلاء. التخلص الرابع هو أنه لما ذكر أنهم لا يستحقون العبادة خرج إلى ذكر عداوته لمن هذه حاله، فلهذا قال عقيب ذلك فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ كأنه صور المسئلة فى نفسه على معنى إنى فكرت فى أمرى ونظرت فى حالى، فرأيت أن عبادتى لها عبادة للشيطان العدو فاجتنبتها، وإنما قال: «فإنهم عدوّ لى» بالإضافة إلى نفسه ولم يقل فإنهم عدو لهم، ليريهم بذلك أنها نصيحة ينصح بها نفسه ليكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله، وأبعث إلى الاستماع لخطابه، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يفد هذه الفائدة، وكان القياس فى الخطاب بالضمير أن يقول: فإنها

стр. 391

عدو لى، أو فإنهن، لأنه راجع إلى الأصنام، والضمير فى من لا يعلم أن يكون على هذه الصورة، ولكنه أورده على ضمير العقلاء لأمرين، أما أولا فلأنهم لما زعموا أنها تستحق العبادة، وأنها يوجد من جهتها النفع، ودفع الضر، صارت لذلك بمنزلة العقلاء، وأما ثانيا فلأنهم لما كانوا فى الإنكار على سواء، وجه الخطاب إليهم على جهة تغليب حالهم على حالها. التخلص الخامس هو أنه لما ذكر أنها غير مستحقة للعبادة وذكر العداوة لها خرج إلى ذكر الله تعالى فأجرى عليه تلك الصفات اللائقة بذاته من إعظام حاله، وإظهار جلاله، وتفخيم شأنه، وتعديد نعمه من لدن إنشائه، وإبداع ذاته إلى حين مرضه، ودنو وفاته، مع ما يرجى فى الآخرة من عفوه ورحمته، ليعلم أن كل من هذه حاله فهو حقيق بالعبادة واجب على الخلق الخضوع له، والاستكانة لعظمته، وفيه تعريض بحال ما يعبد من دونه فى الاتصاف بنقائض هذه الصفات كما ترى. التخلص السادس هو أنه لما فرغ مما ذكرناه خرج إلى ما يكون ملائما له ومناسبا فدعا إلى الله تعالى: بدعوات أهل الإخلاص، وابتهل إليه ابتهال أهل الأمانة، لأن الطالب من مولاه إذا قدّم قبل سؤاله والتضرع إليه ذكره بالصفات الحسنى والاعتراف بنعمه، كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح للمطلوب، ولهذا فإن كل من أراد حاجة إلى الله تعالى فإنه يستحب له تقديم الثناء على الله بما هو أهله، وذكر صفاته وحمده وشكره، ثم يسأل حاجته بعد ذلك، فإن ذلك يكون أقرب للإجابة وأسنى لإنجاح الرغبة وإنجازها كما ورد ذلك فى الآداب الشرعية. التخلص السابع هو أنه لما فرغ مما يخصه من الدعاء لنفسه ولأبيه بالدعوات الصالحة خرج عنه إلى ذكر البعث يوم القيامة ومجازاة الله من آمن به واتقاه وأخلص له العبادة بالجنة وأن كل من عصاه وعبد غيره فإنه مجازيه بالنار، فجمع فى ذلك بين الترغيب فى الطاعة والترهيب من المعصية، وضمّ إليه ذكر الجنة وإزلافها لأهلها من أهل التقوى وذكر النار وتبريزها لأهلها من أهل الغواية كعادته تعالى فى كتابه الكريم، إذا ذكر وعدا أتبعه بالوعيد، وعكسه أيضا

стр. 392

ليكون حاصلا على الكمال ومراعاة المطابقة فى كل الأحوال. التخلص الثامن هو أنه لما فرغ مما ذكره عاد إلى سؤال المشركين ثانيا عند معاينة الأهوال فى يوم الجزاء بقوله: وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) [الشعراء: ٩٢- ٩٣] وإنما أورده على جهة التوبيخ والاستهزاء وأنهم لا ينصرونكم فى دفع السوء عنكم، ولا ينتصرون فى دفع ما يخصهم أنفسهم بحال، ثم وصف حالهم فى النار بقوله «فكبكبوا» أى الآلهة والغاوون، والكبكبة تكرير الكب، لأنه إذا ألقى فى النار فإنه يكب فيها مرة بعد مرة حتى يستقر فى قعرها، فجعل تكرير اللفظ دلالة على تكرير المعنى على جهة المطابقة، اللهم أجرنا من عذابك برحمتك الواسعة. التخلص التاسع هو أنه لما فرغ من ذلك خرج إلى حكاية ما يقول أهل النار فى النار من الخصومة الناشئة بينهم، وإظهار الحسرة والندامة المفرطة على ما كان منهم من عبادة غير الله ومساواته بمن لا يساويه، وانقطاع ما فى أيديهم من شفاعة شافع أو صداقة صديق كما يكون للمؤمنين، فإن شفعاءهم الملائكة والأنبياء، وأصدقاؤهم هم أهل الإيمان والتقوى، فأما الكفار فلا شىء لهم من ذلك، فعند هذا تعظم الحسرات وتنقطع الأفئدة حسرة وإياسا عن النفع والخلاص عما هم فيه. التخلص العاشر هو أنه لما فرغ من ذلك خرج إلى ذكر تمنيهم الرجعة إلى الدنيا بقوله «فلو أنّ لنا كرّة» فننزع عما كنا عليه من عبادة غير الله وسلوك طريق التقوى، والكون من جملة المؤمنين فى ذلك، و «لو» ههنا بمعنى ليت فلا تفتقر إلى جواب مقدر وجوابها فتكون، أو تكون باقية على بابها، وجوابها يحذف كثيرا وتقديره فلو رجعنا لفعلنا كيت وكيت من الأفعال الصالحة، فانظر إلى هذه الآية الشريفة كيف اشتملت على هذه التخلصات اللطيفة مع ما حازته من العجائب الحسان والأسرار ذوات الأفنان. والعجب من الغانمى حيث أنكر التخلص أن يكون واقعا فى كتاب الله تعالى، وما ذاك إلا من أجل اشتغاله بفن الشعر والكتابة عن الاطلاع إلى أسرار كتاب الله تعالى، وهو أظهر من أن يحتاج إلى طلب وعناية

стр. 393

خاصة فى سورة الأعراف وسورة يوسف، فإنه سلك فيهما فنونا كثيرة، وتخلص إلى أودية مختلفة، والقرآن كله مملوء منه، لأنه لا يزال تكرير الكلام من وعد إلى وعيد، ومن ذكر قصص إلى ذكر أمثال، ومن ذكر أمر إلى نواه، ومن ترغيب إلى ترهيب، إلى غير ذلك فكيف يمكن إنكار ما هذا حاله وهو أوسع ما يكون فى التنزيل. المثال الثانى من السنة النبوية وهذا كقوله ﵇: وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود ثم قال بعد ذلك فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع وشاهد مصدق فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، هو أوضح دليل إلى خير سبيل. فانظر إلى ما أودعه فى هذا الكلام من التخلص الرائق، فبينا هو يذكر حال الليل والنهار وحكمهما فى المكونات إذ خرج إلى حال القرآن ووصفه، وأنه فيه الإيضاح لكل مشكل، وبيان لكل أمر ملتبس، تخلص إلى ذكره بأحسن تخلص، وهكذا قوله ﵇: كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب، إلى أن قال طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس. فبينا هو يذكر الموت وأهواله وإعراض الخلق عن ذكره إذ خرج إلى ذكر الندب إلى اشتغال الإنسان بعيب نفسه و ٧ همال عيوب الخلق، فهذا من المخالص البديعة إلى غير ذلك فى كلامه ﵇. المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه وهو فى كلامه أكثر من أن يحصر، وخاصة فى العهود الطويلة والكتب المنتشرة، والكلمات الواسعة، فإنه يخرج فيها إلى أودية كثيرة، فبينا يتكلم فى أسلوب الوعظ، إذ خرج إلى وصف الرسول ﷺ ، أو إلى وصف القرآن أو إلى غير ذلك من الأساليب المختلفة فيما يكون معدودا من محاسن التخلصات، ومن أراد الوقوف من كلامه على محاسن التخليص فليطالع من ذلك ما أوصى به الحسن بن على فى وصية له، فإنه جمع له من محاسن الآداب وأجمعها، وأعظم الحكم وأنفعها، ما لا يحتمله حصر، ولا يشتمله عد،

стр. 394

ومن ذلك العهد، الذى كتبه للأشتر النخعى لما أعطاه عمالة مصر، وأدّبه بهذا العهد، وجمع له فيه من محاسن الآداب وصفة الحكمة وفصل الخطاب. ومن ذلك خطبته المسماة بالغراء فإنه جمع فيها من الثناء على الله تعالى وذكره بالصفات اللائقة به وتنزيهه عما لا يليق بحاله، ومن جيد كلامه فى التخلص قوله: أرسله على حين فترة من الرسل وانقطاع من الوحى وطول هجعة من الأمم واعتزام من الفتن وانتشار من الأمور وتلظّ من الحروب، والدنيا كاسفة النور، ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها، وإغوار من مائها، قد درست أعلام الهدى، وظهرت أعلام الردى، فهى متجهمة لأهلها، عابسة فى وجه طالبها، ثمرها الفتنة وطعامها الخيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السيف، فاعتبروا عباد الله واذكروا تيك التى آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون، وعليها محاسبون، ولعمرى ما تقادمت بهم ولا بكم العهود، ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب والقرون. فهذا الكلام مشتمل على تخلصات متعددة، فبينا هو يذكر حال الرسول ﷺ وما منّ الله به على الأمم، إذ خرج إلى حال الدنيا وصفتها وانقطاعها، إذ خرج إلى الوعظ والتذكير، وما من كلام من كلامه وإن كان بسيطا إلا وتخلص فيه مخالص كثيرة، كل ذلك فيه دلالة على تفننه فى الكلام وملكه لزمامه، واستيلائه على خاصه وعامه. المثال الرابع ما ورد من كلام البلغاء فمن ذلك ما قاله ابن الأثير فى كتاب كتبه إلى بعض إخوانه يذكر فيه الربيع فقال فيه: وكما أن هذه الأوصاف فى شأنها بديعة فكذلك شأنى فى شوقه بديع، غير أنه فى حرة فصل مصيف، وهذا فصل ربيع، فأنا أملى أحاديثه العجيبة على النوى وقد عرفت حديث من قتله الشوق فلا أستقصى حديث من قتله الهوى. فبينا هو يذكر الربيع إذ خرج إلى ذكر الأشواق، ومن هذا قوله أيضا يصف البرد لما كان فى بلاد الروم فقال: ومما أشكوه من بردها أن الفرو لا يلبس بها إلا فى شهر ناجر، وهو قائم مقام الظل الذى يتبرد به من لفح الهواجر، ولفرط شدته لم أجد ما يخففه فضلا عما يذهبه، فإن النار المعدة له تطلب من الدفء أيضا ما أطلبه، لكن وجدت نار أشواقى أشد حرا فاصطليت بجمرتها التى لا تذكى بزناد، ولا تؤول إلى رماد، ولا يدفع البرد الوارد على الجسد بأشد من حر الفؤاد غير

стр. 395

أنى كنت فى ذلك كمن شد خلّة، واستشفى من علة بعلة، فما ظنك بمن يصطلى نار الأشواق، وقد قنع من أخيه بالأوراق، فضنّ عليه بالأوراق. فبينا هو يتكلم فى وصف البرد إذ خرج إلى وصف الأشواق. ومما ورد فى التخلص من المنظوم قول أبى الطيب المتنبى فى بعض قصائد: خليلىّ إنى لا أرى غير شاعر ... فلم منهم الدعوى ومنّى القصائد فلا تعجبا إنّ السيوف كثيرة ... ولكنّ سيف الدولة اليوم واحد «١» فانظر كيف تخلص من الغزل إلى المديح بأحسن خلاص وأعجبه. كما ترى، ومن عجيب ما جاء به فى كلامه هذا، هو أنه جمع بين مدح نفسه ومدح سيف الدولة فى بيت واحد، وهو من بدائعه المأثورة عنه فى غير موضع، ومن ذلك ما قاله أبو تمام فى بعض قصائده: خلق أطلّ من الربيع كأنّه ... خلق الإمام وهديه المتيسّر فى الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن الشّباب الغضّ شرح يزهر ينسى الرياض وما يروّض فعله ... أبدا على مرّ الليالى يذكر فهذا وأمثاله من لطائف التخليصات وأعجبها، والشعراء يتفاوتون فى هذا الباب، فربما اختص بعض الشعراء بالإجادة فى شعره من جزالة ألفاظه، ودقة معانيه، لكنه مع هذا لم يفق فى التخليص كما فاق غيره من الشعراء كما يحكى عن البحترى، فإن مكانه فى الشعراء لا يجهل، وشعره هو السهل الممتنع الذى تراه كالشمس قريبا ضوءها، بعيدا مكانها، أو يكون كالقناة، لينا مسّها، خشنا سنانها، وقالوا أيضا إنه فى الحقيقة قينة الشعراء فى الإطراب، وعنقاؤهم فى الإغراب، ومع ما حكيناه فإنه لم يجد فى التخليص من الغزل إلى المديح بل اقتضبه اقتضابا على وجه لا ملائمة بينه وبين الأول، وله مواضع قليلة أحسن فيها التخلص، لكنها حقيرة بالإضافة إلى ما أساء فيها الخلاص. ومن أعجب ما يذكر فى مثال التخلص ما حكاه ابن الأثير: أن قرواشا الملقب بشرف الدولة ملك العرب صاحب الموصل، اتفق أنه كان جالسا مع ندمائه فى ليلة من ليالى الشتاء، وفى جملتهم رجال منهم البرقعيدى وكان مغنيا وسليمان بن فهد، وكان وزيرا، وأبو جابر، وكان حاجبا، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجو هؤلاء ويمدحه فأنشد هذه الأبيات ارتجالا قال فيها:

стр. 396

وليل كوجه البرقعيدىّ مظلم ... وبرد أغانيه وطول قرونه سريت ونومى فيه نوم مشرّد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه على أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر فى خبطه وجنونه إلى أن بدا وجه الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه فانظر إلى ما أودعه فى هذه الأبيات من هجاء هؤلاء الثلاثة فى أبيات ثلاثة وتخلص فى البيت الرابع بأحسن الخلاص فى مدح شرف الدولة، وهذه الأبيات أحسن ما يورد فى أمثلة التخليص. فهذا ما أردنا ذكره فى أمثلة التخليصات. الضرب الثانى فى [الاقتضاب] وهو نقيض التخليص، وذلك أن يقطع الشاعر كلامه الذى هو بصدده ثم يستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك من أفانين الكلام، لا يكون بين الأول والثانى ملائمة ولا مناسبة، وهذا هو مذهب الشعراء المتقدمين من العرب كامرىء القيس والنابغة وطرفة ولبيد، ومن تلاهم من طبقات الشعراء، فأما المحدثون من الشعراء كأبى تمام وأبى الطيب وغيرهم ممن تأخر فإنهم تصرفوا فى التخليصات فأبدعوا فيها وأظهروا كل غريبة كما أسلفنا تقريره، ولنذكر أمثلة الاقتضاب، فمن كتاب الله تعالى: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) [ص: ٤٥- ٥٠] فصدر الكلام أولا بذكر الأنبياء والثناء عليهم ثم ذكر بعده بابا آخر غير ذلك لا تعلق له بالأول، وهو ذكر الجنة وأهلها، ثم لما أتم ذكره عقبه بذكر النار وأهلها بقوله هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) [ص: ٥٥] فانظر إلى هذا الاقتضاب الرائق، والذى حسن من موقعه لفظة «هذا» فإنها جعلت له موقعا أحسن من التخليص، وورودها فى المنثور أكثر من ورودها فى المنظوم، وقد قررنا فيما سبق حسن موقعها، ومن محاسن الاقتضاب قول القائل: أما بعد حمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على رسوله فإنها تأتى لقطع الكلام الأول عن الثانى، وهذه اللفظة قد أجمع أهل التحقيق من علماء البيان على أنها هى فصل الخطاب الذى أراد

стр. 397

الله فى قوله: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) [ص: ٢٠] «وأما مثاله» من السنة النبوية فقوله ﷺ : فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت، بعد قوله ألا وإن المرء بين مخافتين، بين أجل قد مضى لا يدرى ما الله صانع به وبين أجل قد بقى لا يدرى ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد لنفسه من نفسه، فانظر إلى هذا الاقتضاب ما أعجبه وألطفه يكاد يقرب من التخليص، ومن تتبع كلامه فى الخطب والمواعظ فإنه يجد فيه من حسن الاقتضاب شيئا كثيرا. وأما مثاله من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فكقوله: ثم إن الدنيا دار فناء وعناء وعبر وغير، فمن الفناء أن الدهر موتر قوسه لا يخطىء سهامه، ولا يوسى جراحه، يرمى الحى بالموت، والصحيح بالسقم، والناجى بالعطب، آكل لا يشبع، وشارب لا ينفع، ومن العناء أن المرء يجمع ما لا يأكل، ويبنى ما لا يسكن، ثم يخرج إلى الله تعالى لا مالا حمل، ولا بناء نقل، ومن عبرها أنك ترى المغبوط مرحوما، والمرحوم مغبوطا، ليس ذلك إلا نعيما زلّ، وبؤسا نزل، ومن غيرها أن المرء يشرف على أمله، فيقتطعه حضور أجله، فلا أمل يدرك، ولا مؤمّل يترك، فسبحان الله ما أغرّ سرورها، وأظمأ ريّها، وأطحى فيئها، لا جاء يرد، ولا ماض يرتد، فسبحان الله ما أقرب الحى من الميت للحاقه به، وأبعد الميت من الحى لا نقطاعه منه، إنه ليس شر من الشر إلا عقابه، ولا خير من الخير إلا ثوابه، وكل شىء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه، وكل شىء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه، فليكفكم من العيان السماع، ومن الغيب الخبر، واعلموا أن كل ما نقص من الدنيا وزاد فى الآخرة خير مما نقص فى الآخرة وزاد فى الدنيا، فكم من منقوص رابح، ومزيد خاسر، إن الذى أمرتم به أوسع من الذى نهيتم عنه، وما أحلّ لكم أكثر مما حرم عليكم، فذروا ما قل لما كثر، وما ضاق لما اتسع، قد تكفّل لكم بالرزق، وأمرتم بالعمل، فلا يكونن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله، مع أنه والله لقد اعترض الشك ودخل اليقين، حتى كأن الذى قد ضمن لكم قد فرض عليكم، وكأن الذى قد فرض عليكم قد وضع عنكم، فبادروا العمل، وخافوا بغتة الأجل، فإنه لا يرجى من رجعة العمل ما يرجى من رجعة الرزق، ما فات اليوم من الرزق رجى غدا زيادته، وما فات أمس من العمر لم ترج اليوم رجعته، الرجاء مع الجائى واليأس مع الماضى، فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

стр. 398

وأقول إن هذا الكلام هو الشفاء بعد كلام الله، والذى ينبغى أن يكون عليه الاعتماد بعد سنة رسول الله، فلقد ضمّنه من محاسن الاقتضاب من أبلغ الوعظ أعجب العجاب، وما فيه بلاغ وذكرى لأولى الألباب، فانظر أيها المتأمل كيف افتتح الكلام بذم الدنيا وما اشتملت عليه من صروف المحن والبلوى، ثم خرج منه إلى الخروج عن الدنيا، ثم خرج منه إلى ذكر غرورها، ثم خرج منه إلى ذكر منزلة الحى من الميت فى بعدها وقربها، ثم أردفه بذكر حال الثواب والعقاب، ثم رجع إلى ذكر حال الدنيا بوصف آخر مع الآخرة من زيادة أو نقصان، ثم خرج إلى ذكر الرزق وما ضمن منه، ثم ذكر التكليف وما حملنا منه، ثم خرج إلى ذكر الأمل وما حملنا منه، ثم خرج منه إلى ذكر الأمل وغروره، وذكر الأجل وحضوره، يقتضب كل واحد من هذه الآداب اقتضابا ربما كان أحسن من التخلص، لما فيه من الرقة واللطافة، ثم ختم هذا الكلام بختام هو لباب سره، ونظام سلكه وعبقات عبيره. ونفحات مسكه، وهو قوله فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، فهى جامعة لجميع ما أسلفه، ومؤكدة لما عدده ورصفه، فلو كان من كلام البشر معجزة لكان هذا هو الأول، ولو أعجز شىء من الكلام بعد كلام الله لكان هذا هو الثانى، ومن بديع ما جاء فى الاقتضاب قول البحترى يمدح الفتح بن خاقان بعد انخساف الجسر به فى قصيدته التى مطلعها: متى لاح برق، أو بدا طلل، قفر ... جرى مستهل لا بكىء، ولا نزر وبعده: فتى لا يزال الدهر بين رباعه ... أيادله بيض، وأفنية، خضر فبينا هو فى غزلها إذ خرج إلى المديح على جهة الاقتضاب بقوله: لعمرك ما الدّنيا بناقصة الجدا ... إذا بقى الفتح بن خاقان والقطر فخرج إلى المديح من غير أن يكون هناك له سبب من الأسباب كما ترى. ومن ذلك ما قاله أبو نواس فى قصيدته التى مطلعها قوله «يا كثير النّوح فى الدّمن» فضمّنها غزلا كثيرا ثم قال بعد ذلك: تضحك الدنيا إلى ملك ... قام بالآثار والسّنن سنّ للناس النّدى فندوا ... فكأنّ المحل لم يكن وأكثر مدائح أبى نواس مؤسسة على الاقتضاب من غير ذكر التخلص. وفيما ذكرناه كفاية عن إبانة التخلص والاقتضاب فهذا ما أردنا ذكره فيما يختص بالدلائل المركبة وهو الباب الثالث.

стр. 399

الباب الرابع من فن المقاصد فى ذكر أنواع علم البديع وبيان أقسامه اعلم أن ما أسلفنا ذكره فى الباب الأول إنما هو كلام فيما يتعلق بكيفية الوضع، إما فى الأصل فيكون حقيقة، أو فى غيره فيكون مجازا، والباب الثانى إنما هو كلام فى الدلائل من جهة الألفاظ الإفرادية، والباب الثالث إنما هو كلام فى الدلالات المركبة، وأما الباب الرابع فإنما هو كلام فيما يعرض لجوهر اللفظ من الألقاب بحسب تأليفه، لا من جهة دلالته على معناه، وإنما دلالته على معناه تابعة لذلك، وهذا هو الذى يلقب بعلم البديع فى ألسنة علماء البيان، وينقسم إلى ما يكون متعلقا بالفصاحة اللفظية، وإلى ما يكون متعلقا بالفصاحة المعنوية، فهذان نمطان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما بمعونة الله تعالى. النمط الأول ما يتعلق بذكر الفصاحة اللفظية وبيانها اعلم أنا قد ذكرنا أن الفصاحة من عوارض الألفاظ، وأن البلاغة من عوارض المعانى، ومنهم من قال إنهما مستويتان دالتان على مقصود واحد فلا يكون الكلام فصيحا إلا وهو بليغ، ولا يكون بليغا إلا وقد حاز الفصاحة، ومنهم من زعم أن الفصاحة أعم من البلاغة فالكلام يوصف بالفصاحة وإن لم يكن بليغا، ولا يعقل كون الكلام بليغا إلا مع كونه فصيحا، والأمر فى ذلك قريب، خلا أن أكثر أهل البلاغة قائلون بأنهما مقولان على جهة الترادف أعنى البلاغة والفصاحة، وإلى هذا ذهب الشيخ عبد القاهر الجرجانى، والأقلون على أن البلاغة من أوصاف المعانى والفصاحة من وصف الألفاظ، وهذا هو الأقرب كما قررناه فى أول الكتاب فلا وجه لتكريره، فإذا عرفت هذا فلنذكر ما يتعلق بالفصاحة اللفظية من علم البديع وهو مشتمل على أصناف عشرين، نذكرها بأمثلتها بمشيئة الله تعالى.

стр. 400

الصنف الأول التجنيس وهو تفعيل من التجانس وهو التماثل، وإنما سمى هذا النوع جناسا لأن التجنيس الكامل أن تكون اللفظة تصلح لمعنيين مختلفين فالمعنى الذى تدل عليه هذه اللفظة هى بعينها تدل على المعنى الآخر من غير مخالفة بينهما، فلما كانت اللفظة الواحدة صالحة لهما جميعا كان جناسا، وهو من ألطف مجارى الكلام ومن محاسن مداخله، وهو من الكلام كالغرة فى وجه الفرس، فالجنس فى اللغة هو الضرب من الشىء وهو أعم من النوع، والمجانسة المماثلة، وسمى هذا النوع جناسا لما فيه من المماثلة اللفظية، وزعم ابن دريد أن الأصمعى يدفع قول العامة هذا مجانس لهذا ويقول إنه مولد، وحقيقته فى مصطلح علماء البيان هو أن يتفق اللفظتان فى وجه من الوجوه ويختلف معناهما، فما هذا حاله عام فى التجنيس التام، والتجنيس الناقص، ثم إنه ينقسم قسمين نورد ما يتعلق بكل واحد منهما بأمثلته بمعونة الله تعالى. القسم الأول [التجنيس التام] ويقال له المستوفى، والكامل، وهو أن تتفق الكلمتان فى لفظهما، ووزنهما، وحركتهما، ولا يختلفان إلا من جهة المعنى، وأكثر ما يقع فى الألفاظ المشتركة، ومثاله من كتاب الله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ [الروم: ٥٥] وليس فى القرآن من التجنيس الكامل إلا هذه الآية، فالساعة الأولى عبارة عن القيامة، والساعة الثانية هى واحدة الساعات، لكنهما اتفقا لفظا فلهذا كان جناسا تاما، ومن السنة النبوية قوله صلى الله عليه وآله لما نازع الصحابة جرير بن عبد الله فى أحد زمام ناقة الرسول ﷺ أيهم يقبضه، فقال ﵇: خلوا بين جرير، والجرير لا يقال كيف يكون ما ذكرتموه من الكتاب والسنة مثالا للتجنيس التام مع اختلافهما فى التعريف والتنكير، لأنا نقول هذا فيه وجهان، أحدهما أن يقال إنه لم يقع الاختلاف إلا فى لام للتعريف وهى زائدة، وما هذا حاله فليس مغيّرا للتمثيل، وثانيهما أن يقال كما أن اختلاف الحركة يبطل جعله من التجنيس التام فهكذا زيادة الحرف تخرجه عن التجنيس

стр. 401

التام أيضا، والحق أنه معدود منه، وأنشد ابن الأثير لأبى تمام قال: فأصبحت غرر الأيام مشرقة ... بالنصر تضحك عن أيّامك الغرر فعدّه تجنيسا تاما مع أن الأول مضاف والثانى معرف باللام، ومن ذلك ما قاله أيضا: ما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيى لدى يحيى بن عبد الله «١» ومنه قولهم: لولا اليمين لقبلت اليمين، فاليمين الأولى الألية، واليمين الثانية هى الجارحة، ومنه قولهم: ما ملأ الراحة من استوطن الراحة، فالراحة الأولى هى الجارحة، والراحة الثانية هى نقيض الشقاء، وقد أكثر من هذا النوع أبو تمام فأحسن فيه كل الإحسان ومنه قوله: إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدّعوا ... صدور العوالى فى صدور الكتائب ومن ذلك ما قاله أبو جعفر النامى: لشئون عينى فى البكاء شئون ... وجفون عينك للبلاء جفون ومن أحسن ما وجدته فى ذلك للشاعر المعروف بالمغربى وقد أكثر منه: لو زارنا طيف ذات الخال أحيانا ... ونحن فى حفر الأجداث أحيانا تقول أنت امرؤ، جاف مغالطة ... فقلت لا هوّمت أجفان أجفانا لم يبق غيرك إنسان يلاذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا فالكلمتان كما ترى فى هذه الأمثلة لا اختلاف فيها إلا من جهة المعنى، يستويان فى الانتظام فى الحروف، والحركات، كما ترى وله أمثله كثيرة: القسم الثانى من [التجنيس ويقال له الناقص] ، والمشبه ، وهو يأتى على أنحاء مختلفة، وحاصله أنه يتطرف إليه الاختلاف بوجه من الوجوه كما تراه، وهو يأتى على أضرب عشرة. الضرب الأول يلقب ب [المختلف] ، وما هذا حاله يكون اختلافه بالحركات لا غير، فأما الأحرف فيه فإنها متماثلة، ومثاله قولهم: لا تنال الغرر، إلا بركوب الغرر، وقولهم: البدعة شرك

стр. 402

الشرك، وقولهم: الجاهل إما مفرط أو مفرط، وقد وقع فى الحريريات كقوله، فلما استأذنه فى المراح إلى المراح على كاهل المراح، فقد وجد فى الميم ثلاث حركات كما ترى، ومنه قوله نظما: فقلت للائمى أقصر فإنى ... سأختار المقام على المقام الضرب الثانى المختلف بالأحرف وتتفق الكلمتان فى أصل واحد يجمعهما الاشتقاق، [المطلق] وما هذا حاله يقال له المطلق، ومثاله قول جرير: فما زال معقولا عقال، عن النّدى ... وما زال محبوسا عن المجد حابس وإنما سّمى مطلقا لأنه لما كانت حروفه مختلفة ولم يشترط فيه أمر سواه قيل له مطلق. الضرب الثالث أن لا يجمعهما الاشتقاق لكن بينهما موافقة من جهة الصورة مع أن إحداهما من كلمتين، والأخرى من كلمة واحدة، [المركب] وما هذا حاله يلقب بالمركب لما يظهر فيه من أحد الشقين من التركيب، ثم هو على وجهين، الوجه الأول [المفروق] أن يكون متشابها من جهة اللفظ لا من جهة الخط، وما هذا حاله يقال له المفروق، ومثاله قولهم من ظلم نمله، فنم له، وقولهم لا تقعد تحت رقّ، تحترق، وفى الحريريات: أزمعت الشخوص من برقعيد، وقد شمت برق عيد، ومن النظم ما قاله البستىّ: إذا ملك، لم يكن ذا هبه ... فدعه فدولته ذاهبه ومن ذلك ما قاله بعضهم. وكم لجباه الراغبين لديه من ... مجال سجود فى مجالس جود وفى الحريريات فمحرابى أحرى بى، وأسمالى أسمى لى، وقول بعضهم فهمنا لما فهمنا، فالأول من الهيام والثانى من الفهم. الوجه الثانى [المرفوّ] أن تكون المشابهة بينهما من جهة اللفظ والخط، وما هذا حاله فإنه يلقب بالمرفوّ، وإنما لقّب به لأن المقصود هو الجمع بين كلمتين، أحدهما أقصر من الأخرى، فيضم إلى القصيرة ما يوازى الكلمة ويرفوها بذلك حتى يعتدل ركنا التجنيس، ومثاله قول بعض البلغاء: يا مغرور أمسك، وقس يومك بأمسك، فزيدت كاف الضمير فى الثانية من أجل أن تساوى الأولى، ومن ذلك قول البستى:

стр. 403

فهمت كتابك يا سيّدى ... فهمت ولا عجب أن أهيما ومن ذلك ما قاله أيضا: إذا ملك، لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه ومنه قول بعضهم فهمنا لما فهمنا، فاللفظتان متساويتان من جهة لفظهما وخطهما، وما أوردناه من هذه الأمثلة أمثلة المرفو، فى المفروق، فإنما كان على جهة الذهول والنسيان والحقيقة أنها أمثلة المرفوّ. الضرب الرابع [المذيّل] ، بالذال المعجمة، وهو أن تجىء الكلمتان متجانستى اللفظ متفقتى الحركات والزنة، خلا أنه ربما وقع بينهما مخالفة، ثم تلك المخالفة على وجهين، الوجه الأول منهما أن تختص إحدى الكلمتين بحرف يخالف الأخرى من عجزها، ومثاله قولهم فلان سال من أحزانه، سالم من زمانه، حام لعرضه، حامل لغرضه، فآخر سال يآء، وآخر سالم ميم، مع اتفاقهما فيما عدا ذلك من الحروف والحركات، ومن ذلك ما قاله أبو تمام: يمدّون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب «١» فآخر عواص ياء، وآخر عواصم ميم، وآخر قواض ياء، وآخر قواضب الباء، ومن ذلك ما قاله البحترى «٢» : لئن صدفت عنا فربّت أنفس ... صواد إلى تلك النفوس الصّوادف فآخر صواد هى الياء، وعجز صوادف الفاء، مع اتفاقهما فيما عدا ذلك، الوجه الثانى أن تختلف الكلمتان من أولهما، ومثاله قوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) [القيامة: ٢٩- ٣٠] فلم يختلف الساق والمساق إلا بزيادة الميم فى المساق، ومن ذلك ما وقع فى الحريريات قوله: يسخو بموجوده، ويسمو عند جوده، فلم يختلفا فى نظم ولا زنة إلا بزيادة الميم فى موجوده، والواو أيضا، وقوله أيضا نظما: لم يبق صاف ولا مصاف ... ولا معين، ولا معين

стр. 404

فلم يختلف صاف، ولا مصاف إلا بزيادة الميم لا غير، ومن ذلك ما أنشده الشيخ عبد القاهر الجرجانى: وكم سبقت منه إلى عوارف ... ثنائى من تلك العوارف وارف وكم غرر من برّه ولطائف ... لشكرى على تلك اللطائف طائف وقد يلقب ما ذكرناه بالتجنيس الزائد والناقص كما مر تقريره بالأمثلة. الضرب الخامس [المزدوج] وهو أن تأتى فى أواخر الأسجاع فى الكلام المنثور، أو القوافى من المنظوم، بلفظتين متجانستين، إحداهما ضميمة، إلى الأخرى على جهة التتمة والتكملة لمعناها، ومثاله من النثر قولهم: من طلب شيئا وجدّ وجد، ومن قرع بابا ولجّ ولج، ومن الحريريات قوله: إذا باع انباع، وإذا ملأ الصّاع انصاع، فتجد الكلمة الثانية مردفة على جهة التجانس ليكمل معناها وتقرّر فائدتها، ومن النظم ما قاله البستى: أبا العبّاس لا تحسب لشيبى ... بأنى من حلا الأشعار عار فلى طبع، كسلسال معين ... زلال من ذرى الأحجار جار إذا ما أكبت الأدوار زندا ... فلى زند، على الأدوار وار ومن هذا ما قيل فى الحريريات: بنىّ استقم فالعود تنمى عروقه ... قويما ويغشاه إذا ما التوى التّوى ولا تطع الحرص المذلّ وكن فتى ... إذا التهبت أحشاؤه بالطّوى طوى وإنما لقب هذا بالمزدوج لما يظهر بين الكلمتين من الاستواء، ومنه الازدواج، وهو الاستواء، ويقال له التجنيس المردّد، ويقال له المكرر أيضا، وينقسم إلى ما يكون الازدواج واردا على جهة الانفصال، فى الكلمتين جميعا، كقولك: من جد وجد، ومن لج ولج، وإلى ما يكون الازدواج واردا على جهة الانفصال فى إحداهما والاتصال فى الأخرى، كقولك إذا ملأ الصّاع انصاع، وكالأبيات التى حكيناها عن البستى.

стр. 405

الضرب السادس [المصحّف] وهو عبارة عن الإتيان بكلمتين متشابهتين خطا لا لفظا، ويقال له تجنيس الخط أيضا، ومثاله من كتاب الله تعالى: قوله: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) [الكهف: ١٠٤] ومن السنة النبوية قوله ﷺ : عليكم بالأبكار فإنهن أشد حبا وأقل خّبا، والخبّ الخداع، وقول أمير المؤمنين: قصّر من ثيابك فإنه أبقى وأتقى وأنقى، ومنه قول البحترى يمدح المعتز بالله: ولم يكن المغتزّ بالله إذ شرى ... ليعجز والمعتزّ بالله طالبه وإنما لقّب ما هذا حاله بالمصحّف، لأن من لا يفهم المعنى فإنه يصحّف أحدهما إلى الآخر لأجل تشابههما فى وضع الخط كما ترى ويقال له المرسوم أيضا، ومن هذا قول بعضهم غرك عزك فصار قصارى ذلك ذلّك، فاخش فاحش فعلك، فعلّك بهذا تهدى، وقوله فى الحريريات فملت لمجاورته إلى محاورته، ولا يزكو بالخيف من يرغب فى الحيف، ومن ذلك ما قاله أبو فراس: من بحر شعرك أغترف ... وبفضل علمك أعترف وغير ذلك. الضرب السابع [المضارع] وهو أن يجمع بين كلمتين هما متجانستان لا تفاوت بينهما إلا بحرف واحد سواء وقع أولا أو آخرا أو وسطا حشوا، والمضارعة المشابهة وسمى الضّرع ضرعا، لأنه يشابه أخاه فى الصورة، فلما تشابها فى هذا الحرف لقب بالمضارع لما ذكرناه، ثم يقع على وجهين، الوجه الأول أن يقع الاتفاق فى الحروف المتقاربة، [التجنيس اللاحق] ومثاله قوله ﵇: الخيل معقود بنواصيها الخير، فاللام والراء متقاربان، وفى الحريريات لهم فى السير جرى السيل، وإلى الخير جرى الخيل، وقوله وبينى وبين كنى ليل دامس، وطريق طامس، وقوله ويطفى حر

стр. 406

بلبالى، بسريال وسربال. الوجه الثانى أن يقع فى الحروف التى لا تقارب فيها، [التجنيس الناقص] ومثاله قوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ [النساء: ٨٣] فالنون والراء متباعدان، ومن ذلك قولهم: المكارم بالمكاره، والتواضع شرك الشرف، وفى الحريريات ولا أعطى زمامى، من يخفر ذمامى، ولا أغرس الأيادى، فى أرض الأعادى، ومن ذلك ما قاله البحترى: ألما فات من تلاق تلاف ... أم لشاك من الصبابة شاف وما هذا حاله يقال له التجنيس اللاحق، والتجنيس الناقص، والأمر فيه قريب بعد الوقوف على القيود التى يتميز بها عن غيره كما أشرنا إليه. الضرب الثامن [المشوّش] وهو عبارة عن كل جنس من التجنيس يجاذبه طرفان من الصيغة، ولا يمكن إطلاق اسم أحدهما عليه دون الآخر، واشتقاقه من قولهم تشوّش الأمر إذا مزج واختلط بعضه ببعض، ومنه قولهم فلان متشوّش، إذا كان به مرض من اختلاط المزاج وتغيره ومثاله قولهم: فلان مليح البلاغة، لبيق البراعة، فلو اتفق العينان فى الكلمتين وكانتا من حرف واحد لكان ذلك من تجنيس التصحيف أو كان اللامان متفقين لكان ذلك من المضارع، فلما لم يكن كما ذكرناه بقى مذبذبا بين الأمرين، ينجذب إلى كل واحد منهما بشبه، ومنه قولهم: صدّعنى مذ صدّ عنّى فلولا تشديد النون لكان معدودا من تجنيس المركب، ومن الحريريات قوله وندمنا على ما ندّ منّا. الضرب التاسع [المعكوس] وله فى التجنيس حلاوة ويفيد الكلام رونقا وطلاوة، وقد سماه قدامة الكاتب بالتبديل، وكل واحد من اللقبين يصدق عليه، لأن صاحبه يقدم المؤخر من الكلام ويؤخر المقدم منه، فلهذا لقبه بالعكس، وهكذا فإنه يبدّل الألفاظ فيقدّم ما كان منها مؤخرا ويؤخر ما كان منها مقدما، ويقع فى الألفاظ، والحروف جميعا فهذان وجهان، الوجه الأول منهما أن يكون واقعا فى الألفاظ ، ومثاله قول بعضهم: عادات السادات، سادات العادات، وكقول الآخر شيم الأحرار أحرار الشيم ومنه قول الأضبط:

стр. 407

قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه ويقطع الثوب غير لا بسه ... ويلبس الثوب غير من قطعه ومن ذلك ما قاله الشريف المرتضى يذم الزمان وأهله: أسفّ بمن يطير إلى المعالى ... وطار بمن يسفّ إلى الدنايا وكقول الآخر: إن الليالى للأنام مناهل ... تطوى وتنشر بينها الأعمار فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهنّ مع السّرور قصار «١» ومن هذا قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ [الروم: ١٩] وقوله ﷺ : جار الدار أحق بدار الجار، ومن ذلك ما قاله أمير المؤمنين كرم الله وجهه من كتاب كتبه إلى عبد الله بن العباس أما بعد فإن الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحا، ولا بما فاتك منها ترحا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول أمل، قال ابن عباس: ما انتفعت بكلام بعد كلام الله تعالى مثل هذا الكلام، وأنا أقول أيضا ما قرع مسامعى مرة بعد مرة إلا وأحدث لى موعظة، وأنشأ لى عن الغفلة يقظة، وحكى عن أبى تمام أنه لما قصد عبد الله بن طاهر بخراسان وامتدحه بقصيدته المشهورة التى مطلعها «هن عوادى يوسف وصواحبه» أنكر عليه أبو سعيد الضرير وأبو العميثل هذا المطلع، وقالا له، ما لك تقول مالا تفهم فقال لم لا تفهما ما يقال، فاستحسن منه هذا الجواب على الفور، فهذا معكوس الألفاظ. الوجه الثانى أن يكون واقعا فى الأحرف وهذا كقوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ [يس: ٤٠] فما هذا معكوسه ومستويه متماثلان كما ترى، وليس مما نحن به، وإنما الذى نريد ذكره ههنا هو أن مستويه يفيد معنى، ومعكوسه يفيد معنى آخر، ومثاله ما قاله بعض الأذكياء من أهل الشعر: أهديت شيئا يقلّ لولا ... أحدوثة الفال والتبرّك كرسى تفاءلت فيه لما ... رأيت مقلوبه يسرّك

стр. 408

وهكذا قال غيره: كيف السرور بإقبال وآخره ... إذا تأملته مقلوب إقبال وأراد أن مقلوب إقبال لا بقاء، ولقد صدق فيما قال فإنه لا سرور فى الحقيقة بإقبال آخره التغير والانتقال، ومن هذا ما قاله بعضهم: جاذبتها والريح تجذب عقربا ... من فوق خدّ مثل قلب العقرب وطفقت ألثم ثغرها فتمنّعت ... وتحجبّت عنّى بقلب العقرب فقلب العقرب الأول هو عبارة عن الكوكب الأحمر، وقلب العقرب الثانى هو عبارة عن البرقع، لأنه قلبه إذا قلبته إليه. الضرب العاشر [تجنيس الإشارة] وهو أن لا يذكر أحد المتجانسين فى الكلام، ولكن يشار إليه بما يدل عليه وهذا كقول بعضهم: حلقت لحية موسى باسمه ... وبهرون إذا ما قلبا ولا شك أنك إذا قلبت هرون من آخره فهو يكون نوره، لكنه لم يذكر لفظ النّوره ولكنه أشار إليها إشارة بقوله «وبهرون إذا ما قلبا» ومن ذلك ما قال بعضهم «١» : وما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقّفة حرون يطيف بها الرّماة فتتّقيهم ... بأوعال معطّفة القرون فقوله «أروى» المذكورة فى البيت هى المرأة وقوله موقفة حرون، يشير بها إلى «أروى» الأوعال وأراد أن هذه المرأة التى اسمها «أروى» ليست بأقرب من التى فى الجبال، لكنه أعرض عن ذكرها، فهذا ما أردنا ذكره فى التجنيس.

стр. 409

الصنف الثانى [الترصيع] وهو فى لسان علمآء البيان مقول على ما كان من المنظوم والمنثور من الكلام، ألفاظ الفصل الأول فيه مساوية لألفاظ الفصل الثانى فى الأوزان واتفاق الأعجاز، واشتقاقه من قولهم تاج مرصّع، إذا كان فيه حلية، والترصيع التركيب، ويرد فى الكلام على وجهين، الوجه الأول منهما أن يكون [كاملا] ، وهو أن تكون كل لفظة من ألفاظ الفصل الأول مساوية لكل لفظة من ألفاظ الفصل الثانى فى الأوزان والقوافى من غير مخالفة لأحدهما للثانى فى زيادة ولا نقصان، وما هذا حاله فإنه يعز وجوده، وقليلا ما يقع فى كلام البلغاء لصعوبة مأخذه، وضيق مسلكه ولم يوجد فى القرآن شىء منه، وما ذاك إلا لأنه جاء بالأخف والأسهل، دون التعمق النادر، مع أنه قد أخرس الجن والإنس، وأيس كل واحد منهم أن يأتى بلفظة من ألفاظه أو بأقصر سورة من سوره، وقد زعم بعض الناس أنه يوجد فيه شىء منه، ومثّله بقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) [الانفطار: ١٣- ١٤] وهذا جهل بمعنى الترصيع وتركيبه، فإن الفجار لا يماثل الأبرار فى وزنه، وهكذا قوله «لفى» فإنه كررها فى الفقرتين جميعا، فما هذا حاله فإنما هو تجنيس، وليس ترصيعا، وإنما يكون من الترصيع لو قال: إن الأبرار لفى نعيم وإن الأشرار لمن جحيم، فيكون الأشرار مقابلا للفظ الأبرار، والجحيم مقابلا للنعيم، «ومن» مقابله «لفى» فى الوزن والقافية، فهو إنما يؤثر على جهة النّدرة على الشرط الذى ذكرناه، فمن ذلك ما وقع فى الحريريات من قوله: يطبع الأشجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه، فجميع ما وقع فى السجعة الثانية مطابق لما وقع فى السجعة الأولى فى الوزن والتقفية من غير زيادة ولا نقصان «فيقرع» بإزاء «يطبع» والأسماع فى مقابلة «الأسجاع» «وزواجر» بإزاء «جواهر» و «وعظه» فى مقابلة «لفظه» . ومن ذلك ما قاله الشيخ عبد الرحيم بن نباتة الخطيب: الحمد لله عاقد أزمة الأمور بعزائم أمره، وحاصد أئمة الغرور

стр. 410

بقواصم مكره، ثم قال فى أثناء هذه الخطبة أولئك الذين رحلوا فأقمتم، وأفلوا فنجمتم، فما هذا حاله ترصيع بالمعنى الذى ذكرته من غير مخالفة، ومن ذلك ما حكى عن ابن الأثير فى كلام له قال فيه: والحسن ما وشته فطرة التصوير، لا ما حسّنته فكرة التزوير، ومن كلامه قوله من قوّم أود أولاده، ضرّم كمد حسّاده، وفى كلام ابن الأثير ههنا نظر، لأن الأولاد ليس مماثلا للحساد، ومن ذلك ما قاله بعض العرب: من أطاع غضبه، أضاع أدبه ومن المنظوم ما قاله بعض الشعراء «١» : فمكارم أوليتها متبرعا ... وجرائم، ألغيتها متورّعا فقوله مكارم، بإزاء جرائم، وأوليتها فى مقابل ألغيتها، ومتبرعا فى مقابلة متورعا، فما هذا حاله لا يقع فيه نزاع بين أهل البلاغة فى كونه معدودا من باب الترصيع، لاجتماع الفقرتين فى الوزن والقافية. الوجه الثانى ويقال له [الناقص] ، وهو أن يختلف الوزن وتستوى الأعجاز، ومثاله قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) [الانفطار: ١٣- ١٤] فاختلاف الوزنين فى الأبرار، والفجار، لا يخرجه عن كونه ترصيعا، وهكذا ما حكى عن ابن نباتة من قوله: وموفّق عبيده لمغانم ذكره، ومحقّق مواعيده بلوازم شكره، وقوله: أيها الناس أسيموا القلوب فى رياض الحكم، وأديموا النحيب على البياض اللّمم، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم، وأجيلوا الأفكار فى انقراض الأمم، فما هذا حاله لم تتفق فيه الأوزان ولكن استوت فيه الأعجاز، وكقول الخنساء فى أخيها صخر «٢» : حامى الحقيقة محمود الطريقة ... مهدىّ الخليقة نفّاع، وضرّار جوّاب قاصية جزّاز ناصية ... عقّاد ألوية للخيل جرّار

стр. 411

ومن هذا قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦) [الغاشية: ٢٥- ٢٦] ومنه قول الآخر «١» : سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت من الكرم فقوله ذوائبها، وترائبها، مختلف، فى الوزن كما ترى، ومنه قول ذى الرمة «٢» : كحلاء فى برج صفراء فى دعج ... كأنها فضة، قد مسّها ذهب فهذا وأمثاله هل يكون معدودا من التصريع أم لا، فالذى عليه الأكثر من أهل البلاغة كالمطرزى وعبد الكريم صاحب البيان وغيرهما أنه لا محالة معدود منه وإن كان مخالفا فى الزنة، فأما ابن الأثير فقد أبى عدّه منه، وزعم أنه لا يعدّ فى الترصيع إلا الوجه الأول، والأمر فيه قريب، والمختار ما عليه الأكثر، لأنه لا يعد فى التجنيس كما مر بيانه، وإذا بطل كونه تجنيسا وجب القضاء بكونه ترصيعا إذ لا قائل بكونه خارجا عن البابين.

стр. 412

الصنف الثالث التطبيق [ويقال له التضاد، والتكافؤ، والطباق والمقابلة] ويقال له التضاد، والتكافؤ، والطباق، وهو أن يؤتى بالشىء وبضده فى الكلام كقوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً [التوبة: ٨٢] واعلم أن هذا النوع من علم البديع متفق على صحة معناه وعلى تسميته بالتضاد والتكافؤ، وإنما وقع الخلاف فى تسميته بالطباق والمطابقة والتطبيق، فأكثر علماء البيان على تلقيبه بما ذكرناه، إلا قدامة الكاتب، فإنه قال لقب المطابقة يليق بالتجنيس، لأنها مأخوذة من مطابقة الفرس والبعير لوضع رجله مكان يده عند السير، وليس هذا منه، وزعموا أنه يسمى طباقا من غير اشتقاق، والأجود تلقيبه بالمقابلة، لأن الضدين يتقابلان، كالسواد والبياض، والحركة والسكون، وغير ذلك من الأضداد من غير حاجة إلى تلقيبه بالطباق والمطابقة، لأنهما يشعران بالتماثل بدليل قوله تعالى: سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) [نوح: ١٥] أى متساويات، ومنه طابقت النعل، أى جعلته طاقات مترادفات، فإذن الأخلق تلقيب هذا النوع بما ذكرناه من المقابلة، ولا يلقب بالطباق كما قاله جوّاب البلاغة ونقّادها البصير والمهيمن على معانيها وخريتها الخبير قدامة ابن جعفر الكاتب فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر كيفية التقابل فى الكلام، لأن الشىء ربما قوبل بضده لفظا، وربما قوبل بضده من جهة المعنى، وتارة يقابل بمخالفه، ومرة يقابل بما يماثله، فهذه ضروب أربعة لابد من تقديرها وتفصيلها بمعونة الله تعالى. الضرب الأول فى مقابلة الشىء بضده من جهة لفظه ومعناه ومثاله قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: ٩٠] فانظر إلى هذا التقابل العجيب فى هذه الآية ما أحسن تأليفه وأعجب تصريفه، فلقد جمع فيه بين مقابلات ثلاث، الأولى منها مأمور بها والثلاث التوابع منهى عنها، ثم هى فيما بينها متقابلة أيضا، ومن ذلك قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً فهذا وما شاكله فيه مقابلتان، الضحك بالبكاء، والقليل بالكثير، ومن ذلك قوله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [الحديد: ٢٣] فقابل الفرح بالحزن إلى غير ذلك من الآيات الدالة على الأضداد، ومنه قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [النساء: ٣٦] فقابل الأمر

стр. 413

بالنهى وهما ضدان، وقوله تعالى فى قصة لقمان وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ [لقمان: ١٩] وقال: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً [لقمان: ١٨] فنهاه عن المصاعرة، والمشى فى الأرض مرحا، وأمره بالقصد فى المشى والغض من الصوت، إلى أمثال له فى القرآن كثيرة، ومن السنة النبوية قوله ﷺ : خير المال عين ساهرة لعين نائمة، فجمع فيه بين السهر والنوم وهما ضدان، وأراد بالحديث أن أفضل الأموال هو هذه الأنهار الجارية فإنها تجرى ليلا ونهارا وصاحبها نائم، لا يشعر بحالها، ومن ذلك ما روته عائشة عن النبى ﷺ أنه قال لها: عليك بالرفق يا عائشة، فإنه ما كان فى شىء إلا زانه، ولا نزع من شىء إلا شانه، فجمع بين الزين والشين وهما ضدان، ومن ذلك ما ورد فى كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه قال فى بعض خطبه: الحمد لله الذى لم يسبق له حال حالا، فيكون أولا قبل أن يكون آخرا، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا، كل مسمى بالوحدة غيره قليل، وكل عزيز غيره ذليل، وكل قوىّ غيره ضعيف، وكل مالك غيره مملوك، وكل قادر غيره يقدر ويعجز، وكل سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات، ويصمه كثيرها، وكل بصير غيره يعمى عن خفىّ الألوان ولطيف الأجسام، وكل ظاهر غيره غير باطن وكل باطن غيره غير ظاهر، فهذه مقابلات ثمانية قد جمع بينها فى صدر هذه الخطبة مع ما فيه من السلاسة وجودة السبك، ومن ذلك ما قاله خطابا لعثمان: إن الحق ثقيل، مرىء، والباطل خفيف وبىء، وأنت رجل إن صدقتك سخطت وإن كذبتك رضيت، فقابل الحق بالباطل، والثقيل المرىء بالخفيف الوبىء، والصدق بالكذب، والسخط بالرضا، فهذه خمس مقابلات قد اشتمل هذا الكلام القصير الذى أناف على كل غاية فى بلاغته، ورقة لفظه وسلاسته، وله ﵇ من الطباق والجمع بين الأمور المتضادة خاصة فى علوم التوحيد وأحوال القيامة شىء كثير، وقال الحجاج بن يوسف حين أراد قتل سعيد بن جبير: فلما أحضر إليه أمر من كبه، ثم قال من أنت فقال أنا سعيد بن جبير فقال له: بل أنت شقى بن كسير. فقابل سعيد بشقى وجبير بكسير، وكان الخبيث من المعدودين فى الفصاحة، والمشار إليهم فى البلاغة، ومن كلام البلغاء قولهم: من أقعدته نكاية اللئام، أقامته إعانة الكرام، ومن ألبسه الليل لون ظلمائه، نزعه النهار عنه بضيائه، ومن الحريريات قوله لا رفع نعشك، ولا وضع عرشك، وقوله: ومن حكم

стр. 414

بأن أبذل ويخزن، وألين ويخشن، وأذوب ويجمد، وأذكو ويخمد فهذه كلها نقائض قد جمعها، وقال بعض وزراء الفرس لما مات الأمير: حركنا بسكونه، ومن ذلك ما قاله ابن الأثير فى بعض رسائله قال فيه: صدر هذا الكتاب عن قلب مأنوس بلقائه وطرف مستوحش لفراقه، ومن المنظوم ما قاله البحترى «١» : أما والذى أبكى وأضحك والذى ... أمات وأحيا والذى أمره الأمر ومنه قول دعبل «٢» : لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى فانظر كيف جمع فى الأول بين الضحك والبكاء، وبين الإحياء والإماتة، وفى الثانى بين الضحك والبكاء لا غير، ومنه ما قاله أبو تمام «٣» : ما إن ترى الأحساب بيضا وضّحا ... إلا بحيث ترى المنايا سودا ومنه قول الفرزدق «٤» : قبح الإله بنى كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون بجار ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى والطباق قليل فى شعره قال «٥» : ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدّوا قليل إذا عدّوا فهذا ما يتعلق بهذا الضرب.

стр. 415

الضرب الثانى فى مقابلة الشىء بضده من جهة معناه دون لفظه ومثاله قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [الأنعام: ١٢٥] فقوله يهدى ويضل من باب الطباق اللفظى، وقوله يشرح صدره مع قوله يجعل صدره ضيقا حرجا من الطباق المعنوى، لأن المعنى بقوله يشرح يوسعه بالإيمان ويفسحه بالنور حتى يطابق قوله ضيقا حرجا وهكذا قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) [الليل: ٥- ١٠] فقوله كذب وصدق، وقوله اليسرى والعسرى من باب الطباق اللفظى، وقوله أعطى مع قوله بخل، فإنما هو من الطباق المعنوى، لأن المعنى فى أعطى، كرم، ليطابق «بخل» فى معناه دون لفظه، ومن ذلك ما قاله البحترى «١» : يقيض لى من حيث لا أعلم النّوى ... ويسرى إلىّ الشوق من حيث أعلم فقوله: لا أعلم مطابق لقوله «أعلم» من جهة معناه، لأن معناه من حيث أجهل، ومن التقابل فى الأضداد من جهة المعنى قول أبى تمام «٢» : مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخطّ إلا أن تلك ذوابل فأحد الإشارتين للحاضر، وهو قوله «هاتا» وأحدهما للغائب وهو قوله «تلك» فالضدية حاصلة فيهما من جهة معناهما، ومن ذلك ما قاله المقنّع الكندى من أبيات الحماسة: لهم جلّ مالى إن تتابع لى غنى ... وإن قلّ مالى لم أكلفهم رفدا فهذا من الطباق المعنوى، لأن قوله: إن تتابع لى غنى، معناه إن كثر مالى، وعلى هذا يناقض قوله «قلّ مالى» . الضرب الثالث فى مقابلة الشىء بما يخالفه من غير مضادة وذلك يأتى على وجهين، الوجه الأول منهما أن يكون أحدهما مخالفا للآخر، خلا أن بينهما مناسبة ،

стр. 416

وهذا نحو قوله تعالى: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ [التوبة: ٥٠] فالمصيبة مخالفة للحسنة من غير مضادة، إلا أن المصيبة لا تقارب الحسنة، وإنما تقارب السيئة، لأن كل مصيبة سيئة، وليس كل سيئة مصيبة، فالتقارب بينهما من جهة العموم والخصوص، وهكذا قوله تعالى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] فإن الرحمة ليست ضدّا للشدة، وإنما ضد الشدة اللين، خلا أنه لما كانت الرحمة من مسببات اللين، حسنت المطابقة بينهما، وكانت المقابلة لائقة ومن هذا ما قاله بعض الشعراء: يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا فقابل الظلم بالمغفرة، وليس ضدا لها، وإنما ضده العدل، إلا أنه لما كانت المغفرة قريبة من العدل من جهة أن العدل إنصاف الغير بما يجب له أو يستحق عليه أو ترك ما لا يستحق عليه، والعفو هو المغفرة وهو الصفح والتجاوز، وهو أعظم أنواع العدل وأعلاها حسنت المطابقة أيضا. الوجه الثانى ما لا يكون بينهما مقاربة وبينهما بعد، لا يتقاربان، ولا مناسبة بينهما ، ومثاله ما قاله أبو الطيب المتنبى «١» : لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محبّ أو إساءة مجرم فالمقابلة الصحيحة أن تكون بين محب ومبغض، لا بين محب ومجرم، فإن بين المحب والمجرم تباعدا كبيرا، فإنه ليس كل من أجرم إليك فهو مبغض لك، ومما يجرى هذا المجرى ما قاله بعض الشعراء: فكم من كريم قد مناه إلهه ... بمذمومة الأخلاق واسعة الهن فقوله: بمذمومة الأخلاق واسعة الهن، من باب المقابلة البعيدة التى لا مناسبة فيها وكان الأخلق «بضيّقة الأخلاق واسعة الهن» . الضرب الرابع المقابلة للشىء بما يماثله وذلك يكون على وجهين: الوجه الأول منهما مقابلة المفرد بالمفرد ، وهذا كقوله تعالى:

стр. 417

وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠] وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها [يونس: ٢٧] وقوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠) [الرحمن: ٦٠] وقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [الروم: ٤٤] وغير ذلك من الأمور المفردة وإنما أوردنا ما ذكرناه فى أمثلة المفردات، لأن كل ما ذكرناه فى الأمثلة إما مبتدأ وخبر كقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها وإما شرط، ومشروط كقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وكله معدود فى حيز المفردات، فلهذا عددناه فى قسم المفرد، فضابط المماثلة أن كل كلام كان مفتقرا إلى الجواب، فإن جوابه يكون مماثلا كما قررناه، وإن كان غير جواب جاز وروده من غير مماثلة لفظية، ولهذا ورد قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولو قال من كفر فعليه جرمه، جاز ذلك، لكن الأحسن المماثلة كما أسلفناه فأما إذا كان واردا فى غير جواب، فإنه لا يلتزم فيه هذه المراعاة اللفظية ومثاله قوله تعالى: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) [الزمر: ٧٠] ولو أراد المشاكلة اللفظية لقال: وهو أعلم بما يعلمون، لأن العمل والفعل مستويان من جهة المعنى، وهكذا قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) [التوبة: ٦٥] لأن الخوض واللعب هما من جهة المعنى استهزاء بالله، وإعراض عن أمره وأمر رسوله، ولو أراد المشاكلة لقال: أفى الله وآياته ورسوله كنتم تخوضون وتلعبون، فهذا ما يتعلق بالمفرد. الوجه الثانى مقابلة الجملة بالجملة وهذا كقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) [آل عمران: ٥٤] وقوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً [النمل: ٥٠] وقوله تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي [سبأ: ٥٠] والجمل الشرطية مترددة بين عدها فى باب المفرد والجملة، فإن عدت فى المفردات فلأنها وإن كانت جملا لكنها قد نقصت عن الاستقلال بعقد حرف الشرط لها عقدا واحدا، وإن عدت فى الجملة فلأن الظاهر من الشرط والجزاء جملتان، فلما كان الأمر كما قلناه جاز فيها الوجهان، وقد تكون الجملتان ماضيتين أو مضارعتين، أو تكون الأولى مضارعة، والثانية ماضية، وبالعكس من هذا، وأمثلة ذلك موجودة فى القرآن كثيرة فهذا ما أردنا ذكره فى المقابلة.

стр. 418

تنبيه اعلم أنا لما فرغنا من تقسيم المقابلة وبيان أمثلتها فلنذكر على أثره الكلام فى المؤاخاة بين المعانى، والمؤاخاة بين الألفاظ، فأما المؤاخاة اللفظية فإنه ينبغى ويحسن مراعاتها، كالإفراد والتثنية والجمع وغير ذلك من الأحكام اللفظية، فإذا كان الأول مفردا استحب فى مقابله أن يكون مفردا مثله، وهكذا إذا كان مجموعا، ومن ثم عيب على أبى تمام قوله فى وصف الرماح «١» : مثقّفات سلبن العرب سمرتها ... والروم زرقتها والعاشق القصفا فلما ذكر العرب الروم كان الأخلق به أن يقول «والعشاق» ليوافق الأول فى كونها جموعا كلها، وكذلك لما ذكر الزرقة والسمرة كان الأولى أن يقول «دقّتها» أو يقول «قصفها» ليطابق ما سبق من ذلك، وهكذا ورد فى قول أبى نواس فى وصف الخمر قال «٢» : صفراء مجّدها مرازبها ... جلّت عن النّظراء والمثل فجمع ثم أفرد فى معنى، فكان الأحسن أن يقول «والأمثال» ليطابق النظراء، أو يقول «النظير» ليطابق «المثل» وهكذا ورد قوله أيضا على مثل ذلك «٣» : ألا يابن الذين فنوا فماتوا ... أما والله ما ماتوا لتبقى وما لك فاعلمن فيها مقام ... إذا استكملت آجالا ورزقا وكان الأحسن أن يقول: إما أجلا ورزقا فيفردهما جميعا، وإما أن يقول: آجالا وأرزاقا، فيجمعها جميعا من غير مخالفة بينهما، وهذا الذى ذكرناه من هذه المراعاة ليست على جهة الوجوب، بل المراد من ذلك طريقة الحسن والإعجاب، ولهذا ورد فى كتاب الله تعالى كقوله تعالى: طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [النحل: ١٠٨] وقوله تعالى: شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ [فصلت: ٢٠] وقوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة: ٧] فلو كان ركيكا لما ورد فى القرآن، وهو أفصح

стр. 419

الكلام كله، هذا كله فى اعتبار المؤاخاة اللفظية، وأما المؤاخاة المعنوية فهى واردة فى القرآن كثيرا، وهذا إنما يكون فى فواصل الآى، فإنها تأتى مطابقة على ما سبق من معنى الآية ومثاله قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) [الحج: ٦٣] وكقوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) [الحج: ٦٤] وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) [الحج: ٦٥] فالآية الأولى إنما فصلها بقوله: لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لما فيه من المطابقة لمعناها، لأنه ضمّنها ذكر الرحمة للخلق بإنزال الغيث لما فيه من المعاش لهم ولأنعامهم، فكان لطيفا بهم خبيرا بمقادير مصالحهم، وأما الآية الثانية فإنما فصلها بقوله الغنى الحميد، ليطابق ما أودعه فيها، لأنه لما ذكر أنه مالك لما فى السموات والأرض لا لحاجة، قابله بقوله لهو الغنى، أى عن كل شىء لأن كل غنى لا يكون نافعا بغناه إلا إذا كان جوادا به منعما على غيره فإنه يحمده المنعم عليه، فذكر الغنى ليدل به على كونه غير مفتقر إليها، وذكر «الحميد» لما كان جوادا بها على خلقه، فلا جرم استحق الحمد من جهتهم، وأما الآية الثالثة فإنما فصلها «برؤوف رحيم» لأنه لما عدّد جلائل نعمه وكانت كلها مسخّرة مدبّرة وكانوا لولا رحمته متعرضين بصددها لمتالف عظيمة من الأهوال البحرية والآفات السماوية، فلما كانت فى أنفسها متعرضة لهذه الأمور عقبها بذكر الرأفة والرحمة لينبه على كمال لطفه وعظيم رحمته بالخلق، وهكذا القول فى سائر الفواصل القرآنية، فإنك لا تزال تطلع منها على فوائد مناسبة لتلك الفاصلة كما أشرنا إليه.

стр. 420

الصنف الرابع [رد العجز على الصدر] اعلم أنا قد ذكرنا الاشتقاق فيما سلف وقررنا أسراره، فأما رد العجز على الصدر فظاهر كلام المطرزى وعبد الكريم صاحب التبيان أن أحدهما مخالف للآخر، ولهذا أفردا لكل واحد منهما باب على حياله، وكلاهما معدود فى علم البديع، والذى عندى أنهما متقاربان، وأن رد العجز على الصدر أعم من الاشتقاق، لأن رد العجز على الصدر كما يرد فى مختلف اللفظ، فقد يكون واردا فى التساوى، بخلاف الاشتقاق، فإنه إنما يكون واردا فيما اختلف لفظه وبينهما جامع فى الاشتقاق وقد مر فلا وجه لتكريره، والذى نتعرض لذكره إنما هو رد العجز على الصدر كما نقرره بمعونة الله، وهو وارد فى النظم تارة، وفى النثر أخرى، ويأتى على ضروب. الضرب الأول أن يكون الصدر والعجز متفقين فى الصورة ، وهذا كقوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: ٣٧] وقوله تعالى: لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) [طه: ٦١] ومن كلام البلغاء: الحيلة ترك الحيلة، وقولهم: القتل أنفى للقتل وفى الحريريات: وتحمى عن المنكر ولا تتحاماه، ومن النظم ما قاله بعض الشعراء «١» : سكران سكر هوى وسكر مدامة ... أنّى يفيق فتى به سكران الضرب الثانى أن يتفقا صورة ويختلف معناهما ، وهو يأتى أحسن من الأول وأدخل فى الإعجاب، وهذا كما قاله بعضهم: يسار من سجيتها المنايا ... ويمنى من عطيّتها اليسار فاليسار الأول هو الجارحة، واليسار الثانى من الميسرة، وهو نقيض الإعسار.

стр. 421

الضرب الثالث أن يتفقا فى المعنى ويختلفا صورة ، وهذا كقول عمر بن أبى ربيعة القرشى «١» : واستبدّت مرّة واحدة ... إنّما العاجز من لا يستبدّ وقال آخر: تمنّيت أن ألقى سليما ومالكا ... على ساعة ينسى الحمام الأمانيا فقوله تمنيت مع الأمانى متفقان فى المعنى مختلفان فى الصورة كما ترى. الضرب الرابع أن يتفقا فى الاشتقاق ويختلفا فى الصورة ، وهذا مثاله ما قال بعض الشعراء: ضرائب أبدعتها فى السما ... ح فلسنا نرى لك فيها ضريبا ومنه قول جرير: أخلبتنا وصددت أمّ محلّم ... أفتجمعين خلابة وصدودا الضرب الخامس أن لا يلتقيا فى الاشتقاق ويتفقا فى الصورة ، وهذا كقوله فى الحريريات: ولاح يلحى على جرى العنان إلى ... ملهى فسحقا له من لائح لاح لأن قوله لاح بالشىء، إذا ذهب به، فالأول بمعنى الذهاب، وقوله بعد ذلك لاح اسم الفاعل من قولهم لحاه إذا ذمه، ولحاه إذا نازعه الأمر، فالصدر من ذوات الثلاثة، والعجز من ذوات الأربعة. الضرب السادس أن يقع أحد اللفظين فى حشو المصراع الأول من البيت ثم يقع الآخر فى عجز المصراع الثانى ، وما هذا حاله يقع على أوجه ثلاثة، أولها أن يكونا متفقين صورة ومعنى، وهذا كقول أبى تمام «٢» : ولم يحفظ مضاع العلم شىء ... من الأشياء كالمال المضاع وثانيها أن يقعا على هذا الحد، ويتفقا صورة لا معنى، ومثاله قول من قال:

стр. 422

لا كان إنسان، تيمّم صائدا ... صيد المها فاصطاده إنسانها وثالثها أن يقعا على هذه الصفة لكنهما يتفقان معنى، ويختلفان من جهة الصورة، ومثاله قول امرىء القيس «١» : إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شىء سواه بخزّان وفى الحريريات: ولو استقامت كانت ال ... أحوال فيها مستقيمه الضرب السابع أن تقع إحدى الكلمتين فى آخر المصراع الأول موافقة لما فى عجز المصراع الثانى ، ومتى كان الأمر كما قلناه فهو على وجهين، أحدهما أن تكون الموافقة فى المعنى والصورة، ومثاله ما قاله أبو تمام فى بعض مدائحه «٢» : ومن كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما فالغرام بالشىء، الولوع به، وهما متفقان فى هذا المعنى كما ترى مع اتفاقهما فى الصورة والبناء. وثانيهما أن تكون الموافقة بينهما فى الصورة دون المعنى، مثاله ما ورد فى الحريريات «٣» : فمشغوف بآيات المثانى ... ومفتون برنّات المثانى فالمثانى الأول هو آيات الفاتحة، وسميت مثانى لأنها تثنى فى الصلاة، والمثانى الثانى هو ما يثنى من الأوتار. الضرب الثامن أن يلاقى أحد اللفظين الآخر فى الاشتقاق ويخالفه فى الصورة ، ومثاله قول البحترى: ففعلك إن سئلت لنا مطيع ... وقولك إن سألت لنا مطاع فكلاهما مشتق من الطاعة، لكن الأول اسم فاعل من أطاع، والثانى اسم مفعول من

стр. 423

أطاع أيضا. الضرب التاسع أن يقع أحدهما فى أول المصراع الثانى موافقا لما فى عجزه صورة ومعنى ، ومثاله قول بعضهم «١» : وإن لم يكن إلا معرّج ساعة ... قليلا فإنى نافع لى قليلها فالقليل الأول والثانى مستويان فى لفظهما ومعناهما، ولا يقدح كون أحدهما معرفة والآخر نكرة فيما نحن فيه، فإن ذلك بمعزل عما نريده فى المثال. الضرب العاشر أن يكونا مشتبهين فى الاشتقاق لفظا، والمعنى بخلافه ، ومثاله ما ورد فى الحريريات وهو قوله: ومضطلع، بتلخيص المعانى ... ومطّلع، إلى تخليص عانى فالمعانى الأول، اشتقاقها من عناه الأمر يعنيه إذا ألم به بقلبه ولامه ياء كما ترى، والعانى الثانى، اشتقاقه من عنا يعنو إذا هلك والعناء هو الهلاك، ولامه واو فهما يشتبهان فى اللفظ، وبينهما ما ترى من المخالفة وقوله مضطلع، وزنه «مفتعل» من قولهم اضطلع الأمر، إذا نهض به وقوله «مطّلع» وزنه «مفتعل» من اطّلع على الشىء إذا أشرف عليه، فهذا ما أردنا ذكره فى كيفية رد العجز على الصدر على هذه الكيفيات المختلفة، وقد عدّ علماء البيان فى ذلك أنواعا كثيرة لم ترد فى كلام البلغاء فأعرضنا عن ذكرها كما أعرض عنها غيرنا من أرباب هذه الصناعة وبالله التوفيق.

стр. 424

الصنف الخامس [لزوم ما لا يلزم] ويقال له الإعنات، ويرد فى المنظوم والمنثور من الكلام، ومعناه فى لسان علماء البيان أن يلتزم الناظم قبل حرف الروى حرفا مخصوصا، أو حركة مخصوصة من الحركات قبل حرف الروى أيضا، وهكذا القول فى الرّدف، فإنه يجعله على حد حرف متماثل، وهكذا إذا ورد فى النثر يكون على هذه الطريقة كما سنوضحه بالأمثلة، فحاصل الأمر فى لزوم ما لا يلزم، هو أن يلتزم حرفا مخصوصا قبل حرف الروى من المنظوم أو حركة مخصوصة، فما هذا حاله إذا التزمه الناثر أو الناظم فهو إعنات لنفسه وكد لقريحته، وتوسع فى فصاحته وبلاغته، وإن خالفه فلا عيب عليه فى ذلك، وكان له فى تغييره مندوحة بخلاف ما إذا كان قبل حرف الروى ردفا وهو الواو والياء، فإن ما هذا حاله لا يجوز تغييره إلى غيره، فلا يقال إنه من باب لزوم ما لا يلزم، بل لازم للناثر والناظم أن يأتى به على حاله، خلا أنه يجوز معاقبة الواو للياء، ومعاقبة الياء للواو ولا يجوز معاقبة الألف لهما، فعلى هذا يجوز عمود، وشديد، ولا يجوز ميعاد، فى تقابل الأسجاع، ولهذا جاء قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) [العاديات: ٦- ٨] فحرف الردف ليس من باب لزوم ما لا يلزم، بل هو لازم بكل حال، فإذا عرفت هذا فلنورد أمثلته لينكشف أمره، فمما جاء منه فى التنزيل قوله تعالى: وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) [الطور: ١- ٢] وقوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) [العلق: ١- ٢] وقوله تعالى: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) [الطور: ٢٩- ٣٠] وقوله تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) [الواقعة: ٢٧- ٢٩] وقوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) [الأنفال: ٣٩- ٤٠] وقوله تعالى: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) [مريم: ٤٥- ٤٦] وهذا الأسلوب فى القرآن على القلة، وما

стр. 425

ذاك إلا لأنه غير لازم من الإتيان به فى البلاغة والفصاحة، وقد عاب ابن الأثير على من قال إن قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) [الطور: ١٧- ١٨] من باب لزوم ما لا يلزم لما ذكرناه، من أن حرف الروى يجب التزامه بكل حال على الناثر والناظم، فلا يعد من هذا الباب، وإنما يعد قوله تعالى: قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) [ق: ٢٧- ٢٨] وهذا بعينه يعد فى أمثلة لزوم ما لا يلزم، ومن السنة النبوية قوله ﵇: فإن كان كريما أكرمك وإن كان لئيما أسلمك، ومن ذلك قوله: وليحسن عمله، وليقصر أمله، وقوله ﷺ فلا يغنى عنكم ٧ لا عمل صالح، قدمتموه، أو حسن ثواب حزتموه، وقوله: تبوّئهم أجداثهم وتأكل تراثهم وقوله: حسنت خليقته وصلحت سريرته، وقوله: إن أفضل الناس عبد، أخذ من الدنيا الكفاف، وصاحب فيها العفاف، ومنه قوله فى صفة الدنيا: واهجروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها، إلى غير ذلك من الأمثلة الواردة فى كلامه، ولا تكاد توجد فى السنة إلا على القلة كما ذكرنا أنه فى القرآن قليل، ومن طلبه فيها وجده، ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى مثاله، وكلامه مملوء منه، منه فى صفة الموت: فكأن قد أتاكم بغتة، فأسكت نجيّكم وفرق نديّكم، وعفّى آثاركم، وعطّل دياركم، وبعث ورّاثكم يقتسمون تراثكم، وقال فى صفة التقوى: وهى عتق من كل ملكة ونجاة من كل هلكة، ومن ذلك قوله: واعلموا أنكم فى زمان القائل فيه بالحق قليل، واللسان عن الصدق كليل، واللازم للحق ذليل، وقال فى خطبة: لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، وقوله فى وصف الفتنة وأهلها: قوم شديد كلبهم قليل سلبهم، وقوله ﵇ فى صفة الدنيا: قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود، وصادفتموها والله كالطلح المنضود، ومن ذلك ما ورد فى كلام البلغاء وهذا كقول عمر رضى الله عنه: ولا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا، ومن ذلك ما قاله ابن الأثير فى ذم رجل يوصف بالجبن: إذا نزل به خطب ملكه الفرق، وإذا ضل فى أمر لم يؤمن إلا إذا أدركه الغرق، فمراعاة الراء قبل القاف من باب لزوم ما لا يلزم كما قررناه أولا، ومن ذلك قوله أيضا فى كتاب إلى بعض إخوانه: الخادم يهدى من دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضا، ويصون أحدهما نفسا والآخر عرضا، فالتزام الراء قبل الضاد لزوم ما لا يلزم، ومن ذلك ما قاله فى كتاب آخر له: ومهما شدّ به
следующие страницы →