Полный текст (682 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الضرب الثالث أن يتفقا فى المعنى ويختلفا صورة ،
وهذا كقول عمر بن أبى ربيعة القرشى «١» :
واستبدّت مرّة واحدة ... إنّما العاجز من لا يستبدّ
وقال آخر:
تمنّيت أن ألقى سليما ومالكا ... على ساعة ينسى الحمام الأمانيا
فقوله تمنيت مع الأمانى متفقان فى المعنى مختلفان فى الصورة كما ترى.
الضرب الرابع أن يتفقا فى الاشتقاق ويختلفا فى الصورة ،
وهذا مثاله ما قال بعض الشعراء:
ضرائب أبدعتها فى السما ... ح فلسنا نرى لك فيها ضريبا
ومنه قول جرير:
أخلبتنا وصددت أمّ محلّم ... أفتجمعين خلابة وصدودا
الضرب الخامس أن لا يلتقيا فى الاشتقاق ويتفقا فى الصورة ،
وهذا كقوله فى الحريريات:
ولاح يلحى على جرى العنان إلى ... ملهى فسحقا له من لائح لاح
لأن قوله لاح بالشىء، إذا ذهب به، فالأول بمعنى الذهاب، وقوله بعد ذلك لاح اسم الفاعل من قولهم لحاه إذا ذمه، ولحاه إذا نازعه الأمر، فالصدر من ذوات الثلاثة، والعجز من ذوات الأربعة.
الضرب السادس أن يقع أحد اللفظين فى حشو المصراع الأول من البيت ثم يقع الآخر فى عجز المصراع الثانى ،
وما هذا حاله يقع على أوجه ثلاثة، أولها أن يكونا متفقين صورة ومعنى، وهذا كقول أبى تمام «٢» :
ولم يحفظ مضاع العلم شىء ... من الأشياء كالمال المضاع
وثانيها أن يقعا على هذا الحد، ويتفقا صورة لا معنى، ومثاله قول من قال:
стр. 422
لا كان إنسان، تيمّم صائدا ... صيد المها فاصطاده إنسانها
وثالثها أن يقعا على هذه الصفة لكنهما يتفقان معنى، ويختلفان من جهة الصورة، ومثاله قول امرىء القيس «١» :
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شىء سواه بخزّان
وفى الحريريات:
ولو استقامت كانت ال ... أحوال فيها مستقيمه
الضرب السابع أن تقع إحدى الكلمتين فى آخر المصراع الأول موافقة لما فى عجز المصراع الثانى ،
ومتى كان الأمر كما قلناه فهو على وجهين، أحدهما أن تكون الموافقة فى المعنى والصورة، ومثاله ما قاله أبو تمام فى بعض مدائحه «٢» :
ومن كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما
فالغرام بالشىء، الولوع به، وهما متفقان فى هذا المعنى كما ترى مع اتفاقهما فى الصورة والبناء. وثانيهما أن تكون الموافقة بينهما فى الصورة دون المعنى، مثاله ما ورد فى الحريريات «٣» :
فمشغوف بآيات المثانى ... ومفتون برنّات المثانى
فالمثانى الأول هو آيات الفاتحة، وسميت مثانى لأنها تثنى فى الصلاة، والمثانى الثانى هو ما يثنى من الأوتار.
الضرب الثامن أن يلاقى أحد اللفظين الآخر فى الاشتقاق ويخالفه فى الصورة ،
ومثاله قول البحترى:
ففعلك إن سئلت لنا مطيع ... وقولك إن سألت لنا مطاع
فكلاهما مشتق من الطاعة، لكن الأول اسم فاعل من أطاع، والثانى اسم مفعول من
стр. 423
أطاع أيضا.
الضرب التاسع أن يقع أحدهما فى أول المصراع الثانى موافقا لما فى عجزه صورة ومعنى ،
ومثاله قول بعضهم «١» :
وإن لم يكن إلا معرّج ساعة ... قليلا فإنى نافع لى قليلها
فالقليل الأول والثانى مستويان فى لفظهما ومعناهما، ولا يقدح كون أحدهما معرفة والآخر نكرة فيما نحن فيه، فإن ذلك بمعزل عما نريده فى المثال.
الضرب العاشر أن يكونا مشتبهين فى الاشتقاق لفظا، والمعنى بخلافه ،
ومثاله ما ورد فى الحريريات وهو قوله:
ومضطلع، بتلخيص المعانى ... ومطّلع، إلى تخليص عانى
فالمعانى الأول، اشتقاقها من عناه الأمر يعنيه إذا ألم به بقلبه ولامه ياء كما ترى، والعانى الثانى، اشتقاقه من عنا يعنو إذا هلك والعناء هو الهلاك، ولامه واو فهما يشتبهان فى اللفظ، وبينهما ما ترى من المخالفة وقوله مضطلع، وزنه «مفتعل» من قولهم اضطلع الأمر، إذا نهض به وقوله «مطّلع» وزنه «مفتعل» من اطّلع على الشىء إذا أشرف عليه، فهذا ما أردنا ذكره فى كيفية رد العجز على الصدر على هذه الكيفيات المختلفة، وقد عدّ علماء البيان فى ذلك أنواعا كثيرة لم ترد فى كلام البلغاء فأعرضنا عن ذكرها كما أعرض عنها غيرنا من أرباب هذه الصناعة وبالله التوفيق.
стр. 424
الصنف الخامس [لزوم ما لا يلزم]
ويقال له الإعنات، ويرد فى المنظوم والمنثور من الكلام، ومعناه فى لسان علماء البيان أن يلتزم الناظم قبل حرف الروى حرفا مخصوصا، أو حركة مخصوصة من الحركات قبل حرف الروى أيضا، وهكذا القول فى الرّدف، فإنه يجعله على حد حرف متماثل، وهكذا إذا ورد فى النثر يكون على هذه الطريقة كما سنوضحه بالأمثلة، فحاصل الأمر فى لزوم ما لا يلزم، هو أن يلتزم حرفا مخصوصا قبل حرف الروى من المنظوم أو حركة مخصوصة، فما هذا حاله إذا التزمه الناثر أو الناظم فهو إعنات لنفسه وكد لقريحته، وتوسع فى فصاحته وبلاغته، وإن خالفه فلا عيب عليه فى ذلك، وكان له فى تغييره مندوحة بخلاف ما إذا كان قبل حرف الروى ردفا وهو الواو والياء، فإن ما هذا حاله لا يجوز تغييره إلى غيره، فلا يقال إنه من باب لزوم ما لا يلزم، بل لازم للناثر والناظم أن يأتى به على حاله، خلا أنه يجوز معاقبة الواو للياء، ومعاقبة الياء للواو ولا يجوز معاقبة الألف لهما، فعلى هذا يجوز عمود، وشديد، ولا يجوز ميعاد، فى تقابل الأسجاع، ولهذا جاء قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)
[العاديات: ٦- ٨] فحرف الردف ليس من باب لزوم ما لا يلزم، بل هو لازم بكل حال، فإذا عرفت هذا فلنورد أمثلته لينكشف أمره، فمما جاء منه فى التنزيل قوله تعالى: وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢)
[الطور: ١- ٢] وقوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)
[العلق: ١- ٢] وقوله تعالى: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)
[الطور: ٢٩- ٣٠] وقوله تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)
[الواقعة:
٢٧- ٢٩] وقوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)
[الأنفال: ٣٩- ٤٠] وقوله تعالى: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)
[مريم: ٤٥- ٤٦] وهذا الأسلوب فى القرآن على القلة، وما
стр. 425
ذاك إلا لأنه غير لازم من الإتيان به فى البلاغة والفصاحة، وقد عاب ابن الأثير على من قال إن قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨)
[الطور: ١٧- ١٨] من باب لزوم ما لا يلزم لما ذكرناه، من أن حرف الروى يجب التزامه بكل حال على الناثر والناظم، فلا يعد من هذا الباب، وإنما يعد قوله تعالى: قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)
[ق: ٢٧- ٢٨] وهذا بعينه يعد فى أمثلة لزوم ما لا يلزم، ومن السنة النبوية قوله ﵇: فإن كان كريما أكرمك وإن كان لئيما أسلمك، ومن ذلك قوله: وليحسن عمله، وليقصر أمله، وقوله ﷺ فلا يغنى عنكم ٧ لا عمل صالح، قدمتموه، أو حسن ثواب حزتموه، وقوله: تبوّئهم أجداثهم وتأكل تراثهم وقوله: حسنت خليقته وصلحت سريرته، وقوله: إن أفضل الناس عبد، أخذ من الدنيا الكفاف، وصاحب فيها العفاف، ومنه قوله فى صفة الدنيا: واهجروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها، إلى غير ذلك من الأمثلة الواردة فى كلامه، ولا تكاد توجد فى السنة إلا على القلة كما ذكرنا أنه فى القرآن قليل، ومن طلبه فيها وجده، ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى مثاله، وكلامه مملوء منه، منه فى صفة الموت: فكأن قد أتاكم بغتة، فأسكت نجيّكم وفرق نديّكم، وعفّى آثاركم، وعطّل دياركم، وبعث ورّاثكم يقتسمون تراثكم، وقال فى صفة التقوى: وهى عتق من كل ملكة ونجاة من كل هلكة، ومن ذلك قوله: واعلموا أنكم فى زمان القائل فيه بالحق قليل، واللسان عن الصدق كليل، واللازم للحق ذليل، وقال فى خطبة: لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، وقوله فى وصف الفتنة وأهلها: قوم شديد كلبهم قليل سلبهم، وقوله ﵇ فى صفة الدنيا: قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود، وصادفتموها والله كالطلح المنضود، ومن ذلك ما ورد فى كلام البلغاء وهذا كقول عمر رضى الله عنه: ولا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا، ومن ذلك ما قاله ابن الأثير فى ذم رجل يوصف بالجبن: إذا نزل به خطب ملكه الفرق، وإذا ضل فى أمر لم يؤمن إلا إذا أدركه الغرق، فمراعاة الراء قبل القاف من باب لزوم ما لا يلزم كما قررناه أولا، ومن ذلك قوله أيضا فى كتاب إلى بعض إخوانه: الخادم يهدى من دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضا، ويصون أحدهما نفسا والآخر عرضا، فالتزام الراء قبل الضاد لزوم ما لا يلزم، ومن ذلك ما قاله فى كتاب آخر له: ومهما شدّ به
стр. 426
عضد الخادم من الإنعام فإنه قوة لليد التى خولته، ولا يقوى تصعّد السحب إلا بكثرة غيثها الذى أنزلته، وغير خاف أن عبيد الدولة لها كالعمد من طرافها، ومركز الدائرة من أطرافها، ولا يؤيد السيف إلا بقائمة، ولا ينهض الجناح إلا بقوادمه، فهذه الفواقر كلها من باب لزوم ما لا يلزم، ومن ذلك ما قالته امرأة لقيط بن زرارة تثنى عليه بعد قتله، واستخلافها لغيره إنه خرج يوما وقد تطيب وشرب فطرد البقر وصرع منها، ثم أتانى وبه نضح دم فضمّنى ضمة، وشمّنى شمة، فليتنى مت ثمّة، فهذا الكلام من الباب الذى نحن بصدده، ومن المنظوم ما قاله ابن الرومى وكان من أكثر الناس ولعا بلزوم ما لا يلزم فى أشعاره «١» :
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلّا فما يبكيه منها وإنّه ... لأوسع مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنّه ... بها سوف يلقى من أذاها يهدّد
فإلزام حركة الفتح قبل حرف الروى من باب لزوم ما لا يلزم كما مر تقريره وقال المعرى «٢» :
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحقّ لسكّان البسيطة أن يبكوا
يحطّمنا صرف الزمان كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد له السّبك
وقال فى الحريريات:
من ضامه أو ضاره دهره ... فليقصد القاضى فى صعده
سماحه أزرى بمن قبله ... وعدله أتعب من بعده
وهذا وأمثاله من باب لزوم ما لا يلزم فى الحركة والحرف جميعا كما ترى، ومن أبيات الحماسة قوله:
إن التى زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقّها وأجلّها
حجبت تحيّتها فقلت لصاحبى ... ما كان أكثرها لنا وأقلّها
فإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الفؤاد إلى الضمير فسلّها
стр. 427
الصنف السادس فى ذكر [اللف والنشر]
وهو فى لسان علماء البيان عبارة عن ذكر الشيئين على جهة الاجتماع مطلقين عن التقييد ثم يوفّى بما يليق بكل واحد منهما اتكالا على أن السامع لوضوح الحال يرد إلى كل واحد منهما ما يليق به، وهو فى الحقيقة جمع ثم تفريق، واشتقاقهما من قولهم: لف الثوب إذا جمعه، ونشر الثياب إذا فرقها، ومنه قوله تعالى: وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ
[الشورى: ٢٨] أى يفرقها فى عباده على قدر ما يعلمه من الصلاح، ومثاله من التنزيل قوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[القصص: ٧٣] فجمع بين الليل والنهار بواو العطف، ثم بعد ذلك أضاف إلى كل واحد منهما ما يليق به، فأضاف السكون إلى الليل، لأن حركات الخلق تسكن ليلا لأجل النوم، ثم قال بعد ذلك وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
أضافه إلى النهار، لأن ابتغاء الأرزاق إنما يكون نهارا بالتصرف والاضطراب، واكتفى فى الإضافة بما يعلم من ظاهر الحال، وهو أن السكون مضاف، إلى الليل، لما فيه من الاستراحة بترك التصرفات، وأن الابتغاء مضاف إلى النهار لما يظهر فيه من الحركة، ولم يقل جعل لكم الليل لتسكنوا فيه، والنهار لتبتغوا من فضله، إيثارا لما يظهر فى اللف بعده النشر، من البلاغة وحسن التأليف، ومنه قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
[البقرة: ١١١] فقوله وقالوا أراد به اليهود والنصارى فجمعهما فى الضمير ولفهما بذكره، ثم إنه نشرهما بعد ذلك بقوله: مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
والتقدير فيه وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا، فجمعه بما ذكرنا، ثم فصله ولم يقل ذلك كل واحدة من الطائفتين، بل أراد التكرير كما أشرنا إليه، ومن السنة النبوية قوله صلى الله عليه وآله: فإن المرء بين يومين يوم قد مضى أحصى فيه عمله فحتّم عليه. ويوم قد بقى لا يدرى لعله لا يصل إليه، فقوله بين يومين، يكون من اللف، لاشتمالهما على ما
стр. 428
يكون ماضيا ومستقبلا، وهذه هى فائدة اللف ثم إنه نشرهما بعد ذلك بقوله: يوم قد مضى أحصى فيه عمله، فهذا يتناول الماضى، ويوم قد بقى لا يدرى ما يفعل فيه، وهذا يتناول المستقبل، فهذه هى حقيقة اللف والنشر كما قررناه، ولو لم يرد اللف والنشر لقال فيه: إن المرء بين يومين، يوم قد مضى ويوم قد بقى، وهو إذا كان على هذه الصورة لم يكن من هذا الباب فى ورد ولا صدر، ومن هذا قوله صلى الله عليه وآله: وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فلفّ الليل والنهار جميعا، ثم فصّل أحكامهما بعد ذلك، وهذا إنما يكون لفا ونشرا إذا كان بلى أحدهما مخالفا لبلى الآخر، وهكذا حال التقريب، فأما إذا تماثلا فليس منه، وفيه تعسف، والأحق فى المثال غيره، ولو لم يرد اللف والنشر لقال: وقد رأيتم الليل كيف يبلى كل جديد ويقرب كل بعيد ويأتى بكل موعود، ورأيتم النهار كيف يبلى كل جديد ويقرب كل بعيد ويأتى بكل موعود لم يكن من باب اللف والنشر، ومن ذلك قوله ﵇: إنما يؤتى الناس يوم القيامة من إحدى ثلاث، إما من شبهة فى الدين ارتكبوها، أو شهوة للذة آثروها، أو عصبية لحمية أعملوها، فإذا لاحت لكم شبهة فاجلوها باليقين، وإذا عرضت لكم شهوة فاقمعوها بالزهد، واذا عنت لكم عصبية فادرأوها بالعفو، فانظر أيها المتأمل ما حواه هذا الكلام من لطائف الإجمال والتفصيل، واشتمل عليه من محاسن اللف والنشر، ومن تأمل كلامه ﵇ وجد فيه ما يكفى ويشفى من ذلك. ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه قوله: وما أعد الله للمطيعين منهم والعصاة من جنة ونار وكرامة وهو ان، فقوله للمطيعين والعصاة هذا هو اللف وقوله من جنة ونار أراد الجنة لأهل الطاعة والنار لأهل المعصية وقوله كرامة وهوان، أراد الكرامة لأهل الطاعة والهوان لأهل المعصية، فما هذا حاله يطلق اتكالا على قريحة السامع فى رد كل شىء إلى ما يليق به، ومن ذلك قوله ﵇: الناس ثلاثة، عالم ربانى، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، فأشار بقوله ثلاثة إلى اللف، ثم نشره بعد ذلك بما أشار إليه من التفاصيل. ومن الأمثلة فى المنظوم، ما قاله بعض الشعراء:
стр. 429
ألست أنت الذى من ورد نعمته ... وورد حشمته أجنبى وأغترف
فقوله: أجنى وأغترف نشر لما تقدم من اللف فقوله أجنى بيان للورد الذى استعاره للنعمة. وقوله أغترف بيان للورد الذى استعاره للحشمة، ومن الحريريات قوله:
وبنوها ومغاني ... هم نجوم وبروج
فالنجوم للأبناء، والبروج للمغانى.
وقوله:
وكم من قارىء منها وقارى ... أضرّا بالجفون وبالجفان
فقوله بالجفون، راجع إلى القارىء لما يحصل من الخشوع ولين القلب بقراءته، وقوله بالجفان راجع إلى القارى من القرى، فلفهما أولا، ثم نشرهما بعد ذلك. ومن ذلك ما قاله ابن الرومى «١» :
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... فى الحادثات إذا دجون نجوم
فيها معالم للهدى ومصالح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم
تم الجزء الثانى ويليه الجزء الثالث وأوله الصنف السابع التخييل
стр. 430
الجزء الثالث
[تتمة الفن الثانى من علوم هذا الكتاب وهو فن المقاصد اللائقة]
[تتمة باب الرابع من فن المقاصد في ذكر أنواع البديع وبيان أقسامه]
[تتمة النمط الاول ما يتعلق بذكر الفصاحة اللفظية وبيانها]
الصنف السابع التخييل
اعلم أن هذا النوع من علم البديع من مرامى سهام البلاغة المسددة، وعقد من عقود لآليه وجمانه المبددة، كثير التدوار فى كتاب الله تعالى، والسنة الشريفة، لما فيه من الدقة والرموز، واستيلائه على إثارة المعادن والكنوز، ومن أجل ذلك ضل من ضل من الجبرية بسبب آيات الهدى والضلال، وعمل من أجله على الانسلاخ عن الحكمة والانسلال، وزل من زل من المشبهة باعتقاد التشبيه، وزال عن اعتقاد التوحيد باعتقاد ظاهر الأعضاء والجوارح فى الآى فارتطم فى بحر التمويه، فهو أحق علوم البلاغة بالإتقان، وأولاها بالفحص عن لطائفه والإمعان، ولو لم يكن فى الإحاطة به إلا السلامة عما ذكرناه من زيغ الجهال، والخلاص عن ورط الزيغ والضلال، لكان ذلك بغية النظار والضالة التى يطلبها غاصة البحار، فضلا عما وراء ذلك من درر مكنونة، وأسرار مودعة فيه مخزونة، ومن ثم قال الشيخ النحرير محمود بن عمر الزمخشرى نوّر الله حفرته: ولا نرى بابا فى علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع لى عونا على تعاطى المشتبهات من كلام الله تعالى وكلام الأنبياء، ولعمرى لقد قال حقا ونطق صدقا. ثم أقول: إن السبب فى حسن موقعه فى البلاغة هو ما اختص به هذا النوع من كونه موضوعا على تشبيه غير المحسوس بالمحسوس، كقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[المائدة: ٦٤] وقوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[القمر: ١٤] إلى غير ذلك وفى ذلك من البلاغة ما لا يخفى، فلأجل ما ذكرناه كان واقعا فى أرفع موضع، فلا جرم إن نحن خصصناه بازدياد بسط وتكثير أمثلة، وسببه ما نبهنا عليه من عظم قدره، وعلو شأنه، وظهور أمره، والتخييل مصدر من قولك تخيلت الأمر إذا ظننته على خلاف ما هو عليه، أو من قولك: خيلت فيك خيرا إذا ظننته فيه، فهو مصدر لهذين الفعلين كما ترى، ومنه الخيال، وهو خشبة توضع عليها ثياب سود تنصب للطير والبهائم فتظنه إنسانا فتبعد عنه وتهابه، قال الشاعر:
أخى لا أخا لى بعده غير أننى ... كراعى خيال يستطيف بلا فكر
فنذكر معناه ثم نذكر أمثلته، فهذان تقريران:
стр. 431
التقرير الأول فى بيان معناه
وله فى اصطلاح علماء البيان تعريفات ثلاثة:
التعريف الأول ذكره الشيخ عبد الكريم صاحب التبيان
قال: هو تصوير حقيقة الشىء حتى يتوهم أنه ذو صورة تشاهد، وأنه مما يظهر فى العيان، ومثله بقوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[الزمر: ٦٧] .
التعريف الثانى ذكره المطرزى
وحاصل ما قاله: هو أن تذكر ألفاظا لكل واحد منها معنيان، أحدهما قريب، والآخر بعيد، فإذا سمعه الإنسان سبق فهمه إلى القريب، ومراد المتكلم فهم البعيد، وهذا كقوله تعالى: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[الحجر: ٢٩] فالظاهر الذى يسبق من هذا الكلام هو الروح المتردد فى الخلق، وليس مقصودا ههنا، وإنما المقصود روح الحياة، وهكذا ما أشبهه من قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
[المائدة: ٦٤] وغيره.
التعريف الثالث
أن يقال هو اللفظ الدال بظاهره على معنى، والمراد غيره على جهة التصوير، فقوله:
«هو اللفظ الدال على معنى بظاهره» ، يحترز به عن اللفظ المشترك، فإنه غير دال على معنى بظاهره فإنه لا ظاهر فيه، وإنما دلالته على جهة البدلية وقوله: «والمراد غيره» ، يحترز به عن البصر، فإنه دال على معنى بظاهره وهو المراد بنفسه لا يراد غيره. وقوله: «على جهة التصوير» ، يحترز به عن سائر المجازات كلها، فهذا أقرب لفظ يؤنس بذكر معناه ويضبطه، فأما ما ذكره المطرزى فليس على جهة التحديد، وإنما هو وارد على جهة شرح أحكامه وضبطها. وعلى الجملة فإنه متميز فى نفسه عن سائر أنواع علم البديع بما أشرنا إليه، وهو ما يكسب الكلام الفصاحة والبلاغة والبيان، ويلحق مرأى البصيرة بمرأى البصر والعيان.
стр. 432
التقرير الثانى فى بيان أمثلته
وهى واسعة الخطو ممتدة الحواشى فى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وكلام البلغاء كأمير المؤمنين كرم الله وجهه وغيره من أرباب البلاغة الذين خاضوا بحر عمانها، وغاصوا على لآلئها ومرجانها، وميزوا فيها بين خرزها وجمانها، وحصلها ومجانها، وفصلوا منها بين هجينها وهجانها، فمن أمثلة التنزيل قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
[المائدة: ٦٤] وقوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[القمر: ١٤] وقوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧)
[الرحمن: ٢٧] وقوله تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَ
[ص: ٧٥] وقوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
[طه: ٣٩] وقوله تعالى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[الحجر: ٢٩] وقوله تعالى: فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
[الزمر: ٥٦] إلى غير ذلك من الآيات الموهمة بظاهرها للأعضاء والجوارح، فإذا قام البرهان العقلى على استحالة هذه الأعضاء على الله تعالى وأنه منزه عن جميع أنواع التشبيهات المكونات الجسمية والعرضية وتوابعهما كالكون فى الجهات، والأعضاء والجوارح، والحلول والمجىء والذهاب وغير ذلك من توابع الجسمية والعرضية، فلا بد من تأويل هذه الظواهر على ما تكون موافقة للعقل، وإعطاء للبلاغة حقها لأن مخالفة العقل غير محتملة، وحمل الكلام على غير ظاهره محتمل، وتأويل المحتمل أحق من تأويل غير المحتمل، فلهذا وجب تأويلها، وللعلماء فى تأويلها مجريان:
فالمجرى الأول الذى ينتجه علماء الكلام من الزيدية والمعتزلة وغيرهم من المنزهة، وهو أنهم يتأولون هذه الظواهر على تأويلات وإن بعدت حذرا عن مخالفة العقل، واغتفر بعدها لأجل مخالفة العقل، ويعضدون تأويلاتهم بأمور لغوية، فيقولون المراد باليد النعمة، وإن المراد بالعين العلم، إلى غير ذلك، وحملهم لها على هذه التأويلات لما لم يأنسوا بشىء من علوم البيان، ولا ولعوا بشىء من مصطلحاته، فجاءوا بهذه التأويلات الركيكة التى يأنف منها كل محصّل، ويزدريها نظر أهل البلاغة.
المجرى الثانى وهو الذى عول عليه علماء البلاغة والمحققون من أهل البيان، وهى أنها جارية على نعت التخييل، فهى فى الحقيقة دالة على ما وضعت له فى الأصل، لكن معناها غير متحقق، وإنما هو أمر خيالى، فاليد مثلا دالة على الجارحة، والعين كذلك لكن تحقق
стр. 433
اليد والعين فى حق الله تعالى غير معقول، ولكنه جار على جهة التخيل، كمن يظن شبحا من بعيد أنه رجل فإذا هو حجر، ومن يتخيل سوادا أنه حيوان فإذا هو شجر، إلى غير ذلك من الخيالات، فما هذا حاله من التأويلات أسهل على الفؤاد وأجرى وأدخل فى البلاغة من التأويلات البعيدة التى لا يعضدها عقل، ولا يشهد بصحتها نقل، ثم أثر عن هذيان الأشعرية أن المراد بهذه الأعضاء صفات أخبر عنها باليد، والعين، والجنب، وسائر الأعضاء، فما هذا حاله لا دلالة عليه، وأبعد من هذا تهويس المشبهة من أن المراد بها ظاهرها من الأعضاء والجوارح. والرد عليهم إنما يليق بالكتب الكلامية، وقد أوردنا هذه المسألة فى الكتب العقلية وزيفنا هذه الآراء، وأبطلنا هذه الأهواء فليطالع من هناك. ومن الأمثلة الواردة فى السنة النبوية: قوله ﷺ : «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله» «١» ، وقوله ﷺ : «يد الفقير يد الله، فمن أعطى الفقير فكأنما يعطى الله» ، وقوله ﵇: «الحجر الأسود يمين الله فى الأرض» «٢» ، وقوله ﷺ فيما ورد فى (صحيح البخارى) فى صفة النار: «وإن الجبار يضع قدمه فى النار» ، والمراد به غير الجارحة، أى من سلف من الأمم الماضية الخارجين عن الدين بإنكار القيامة والمعاد الأخروى، وإن أريد به الجارحة كان من باب التخييل، فهذه الأخبار وما شاكلها مما يدل على الأعضاء والجوارح يجب حمله على ما ذكرناه من التخييل.
لا يقال فبأى شىء تكون التفرقة بين تأويل المتكلمين لظواهر هذه الآى وظواهر هذه الأخبار الدالة على الأعضاء والجوارح، وبين تأويل علماء البيان لهذا إذا حملوها على التخييل كما ذكرتم، لأن كل واحد منهما يكون تأويلا لا محالة، لأنا نقول التفرقة بينهما ظاهرة، فإن المتكلمين حملوها على تأويلات بعيدة، واغتفروا بعدها حذرا من مخالفة الأدلة العقلية، وكان بعدها عندهم أهون من مخالفة العقل، حيث كان دالا على التنزيه دلالة قاطعة. فأما علماء البيان فإنهم وضعوها على معانيها اللغوية فى كونها دالة على هذه الجوارح، لكنهم قالوا إن الجارحة خيالية غير متحققة، فلا جرم كان تأويلا منهم لها على ذلك، ولهذا كان تأويلهم لها أقرب لما كانت دالة على ما وضعت له فى الأصل من غير عدول ولا مخالفة، وإن جاءت المخالفة من جهة أن الجارحة خيالية دون أن تكون حقيقية،
стр. 434
فهذه هى التفرقة بين التأويلين. ومن الأمثلة ما ورد عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه، وهذا كقوله ﵇: «الحمد لله الفاشى حمده، الغالب جنده، المتعالى جده» .
وقوله: «الذى بعد فنأى، وقرب فدنا، وعلا بحوله، ودنا بطوله» ، وقوله: «والسموات ممسكات بيده مطويات بيمينه » ، وقوله: «ناصيتى بيدك ماض فىّ حكمك عدل فىّ قضاؤك» . وقوله ﵇: «فاتقوا الله الذى أنتم بنعمته ونواصيكم بيده، وتقلبكم فى قبضته» . ومن الأمثلة فى كلام البلغاء قول بعضهم:
رأيت عرابة الأوسىّ يسمو ... إلى العلياء منقطع القرين
إذا ما راية نصبت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين «١»
فليس الغرض باليمين ههنا الجارحة على جهة الحقيقة، وإنما أراد ما يكون على جهة التخييل كما مرّ بيانه، وفى «الحريريات» قوله:
يا قوم كم من عاتق عانس ... ممدوحة الأوصاف فى الأنديه
قتلتها لا أتّقى وارثا ... يطلب منى قودا أودية
فقوله العانس، والقتل، يظن من جهة الظاهر أن غرضه البكر، وليس غرضه ذلك وإنما أراد الخمر، فالعانس هى التى يكثر مقامها مع أبويها، استعاره للخمر، والقتل هو إزهاق الروح، وأراد به ههنا مزجها، ومنه قوله أيضا «لم يزل أهلى وبعلى يحلون الصدر ويمتطون الظهر ويولون اليد، فلما أردى الدهر الأعضاد، وفجع بالجوارح والأكباد، وانقلب ظهرا لبطن نبا الناظر، وجفا الحاجب، وصلد الزّند، ووهت اليمين، وبانت المرافق، ولم يبق لنا ثنية ولا ناب» ، فليس المراد بهذه الأشياء هى الجوارح كما هو المفهوم من ظاهرها، وإنما أراد الجدب على جهة الخيال، ولم يرد حقيقتها كما مر فى غيره من المواضع.
стр. 435
الصنف الثامن الاستطراد
وهو نوع من علم البلاغة دقيق المجرى، غزير الفوائد، يستعمله الفصحاء، ويعول عليه أكثر البلغاء، وهو قريب من الاعتراض الذى قدمنا ذكره، خلا أن الاعتراض منه ما يقبح، ويحسن، ويتوسط، بخلاف الاستطراد فإنه حسن كله، ومعناه فى مصطلح علماء البيان أن يشرع المتكلم فى شىء من فنون الكلام، ثم يستمر عليه فيخرج إلى غيره، ثم يرجع إلى ما كان عليه من قبل، فإن تمادى فهو الخروج، وإن عاد فهو الاستطراد، واشتقاقه من قولهم: أطرده السلطان، إذا أخرجه من بلده، لأن المتكلم يخرج من كلامه إلى كلام آخر كما ذكرناه. ومنه الحديث: «التهجد مطردة للحسد» ، أى أنه يخرج الحسد من الإنسان.
أو يكون اشتقاقه من الاتساق. وفى حديث الإسراء: «فإذا هران يطردان منه طراد الفرسان» . وفى حديث ابن عباس حين تكلم أمير المؤمنين فى الخلافة فعرض له عارض فى أثناء الخطبة، فقال له ابن عباس: «لو أطردت مقالتك يا أمير المؤمنين» ، فقال: «يا ابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرّت» ، ومعناه: لو اتسقت مقالتك الأولى. لأن المتكلم يرجع من كلامه الذى أدخله على كلامه الأول وينسقه عليه فيتلاءم ويتسق، فيمكن تقرير اشتقاقه على هذين الوجهين. وشبهه علماء البيان بمن يطرد صيدا ثم يعنّ له صيد آخر فيطرده، ثم يرجع إلى الأول فيشتغل به، ومنه الحديث: «كنت أطارد حية لأصيدها» «١» .
ويقال له المطاردة أيضا، والألقاب قريبة لا يعرّج عليها. وتمام المقصود إنما يكون بذكر الأمثلة وإيرادها، لأن المثال هو تلو الماهية فى الإبانة عن حقيقة الشىء ومعرفة ذاته، فمن الأمثلة من كتاب الله تعالى: قوله : أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)
[هود: ٩٥] فقوله: كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)
استطراد بعد ذكره مدين، لأنه عارض عند ذكره حال مدين، وما كان منهم من التكذيب للرسل، ثم قال «٢» : وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
[الأعراف: ١٠١] فإن كانت الضمائر راجعة إلى مدين، فهو من باب الاستطراد كما ذكرناه، وإن كانت الضمائر، راجعة إلى ثمود فهو خروج، لأن حقيقة المطاردة خارجة عنه، ومنه
стр. 436
قوله تعالى: فى سورة المزمل قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣)
[المزمل: ٢- ٣] فقوله إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)
[المزمل: ٥] استطراد لأنه وسطه بين أوصاف الليل، وما ذكره من أحكامه، ثم رجع إلى حال الليل بعد ذكره بقوله: إِنَّا سَنُلْقِي
وهذه هى فائدة الاستطراد ومعناه. ومنه قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ
[الإسراء: ٧٨- ٧٩] فقوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
من الاستطراد الرائق لأنه خرج من ذكر الليل إلى ذكر قرآن الفجر ثم عاد بعده إلى ذكر الليل، وهذه هى فائدة الاستطراد وحقيقته، ومن تأمل آى التنزيل فإنه يجد فيها شيئا كثيرا من هذه الأمثلة. فأما الخروج من قصة إلى قصة وأسلوب إلى أسلوب آخر فعليه أكثر القرآن، ومن السنة النبوية قوله ﷺ فى رواية جابر: أنه سمع رسول الله ﷺ عام الفتح وهو بمكة يقول: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» «١» ثم قال رسول الله ﷺ : «قاتل الله اليهود حرّمت عليهم شحومها فباعوه وجملوه» ، فقيل يا رسول الله: أرأيت شحوم الميتة تطلى بها السفن، ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام. فقوله: «قاتل الله اليهود» «٢» من باب الاستطراد لأنه قطعه عن حديث ما قبله، ثم رجع إلى حديث ما كان تركه، وهذه هى فائدة الاستطراد، وقوله ﵇: «لا تكونوا ممن خدعته العاجلة وغرته الأمنية، واستهوته الخدعة فركن إلى دار سريعة الزوال، وشيكة الانتقال إنه لم يبق من دنياكم هذه فى جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، أو صرّ حالب، فعلام تفرحون؟ وماذا تنتظرون؟، فكأنكم بما قد أصبحتم فيه من الدنيا كأن لم يكن، وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل» فقوله: «فعلام تفرحون؟ وماذا تنتظرون؟» من الاستطراد، الذى أناف على الغاية فى الرشاقة والحسن وزاد، لأن ما قبله وما بعده ذكر الدنيا بما فيها من النفاد والزوال ولكنه وسطه على جهة الاستطراد، ثم رجع إلى ما شرع فيه من ذم الدنيا والإخبار عن نفادها وغرورها وزوالها.
ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى الاستطراد فى بعض أيام صفّين: «معاشر المسلمين استشعروا الخشية وتجلببوا السكينة وعضّوا على النواجذ، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، وأكملوا اللأمة، وقلقلوا السيوف فى أغمادها قبل سلها، والحظوا الخزر واطعنوا
стр. 437
الشزر، ونافحوا بالظّبا، وصلوا السيوف بالخطا، واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله فعاودوا الكر، واستحيوا عن الفر، فإنه عار فى الأعقاب، ونار يوم لحساب» .
فقوله: «واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله» استطراد، ومنه قوله أيضا: «أما بعد يا أهل العراق فإنما أنتم كالمرأة الحامل، حملت فلما أتمت أملصت ومات قيّمها، وطال تأيمها، وورثها أبعدها، أما والله ما أتيتكم اختيارا، ولكن جئت إليكم سوقا، ولقد بلغنى أنكم تقولون: علىّ يكذب، قاتلكم الله فعلى من أكذب، أعلى الله فأنا أول من آمن به، أم على رسوله فأنا أول من صدقه، كلّا والله» ، فقوله: «قاتلكم الله» من الاستطراد الذى أخذ من الحسن حظا وافرا، وحل من البلاغة مكانا رفيعا. وما أشبه هذا الاستطراد فى كلامه هذا بقوله تعالى: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)
[المنافقون: ٤] فإن ما هذا حاله فى الآية من أعجب الاستطراد وأرقه، وألطف معانيه وأدقه، ومن تتبع كلامه ﵇ فى المواعظ والكتب فى الآداب والحكم وجد فيه من ذلك شفاء العلل من دائها وكفاية لتلك الأفئدة من حر رمضائها. ومن كلام البلغاء فى ذلك ما قاله بعض الشعراء:
وأحببت من حبّها الباخلين ... حتى ومقت ابن سلم سعيدا
إذا سيل عرفا كسا وجهه ... ثيابا من اللؤم بيضا وسودا
فقوله: «حتى ومقت ابن سلم سعيدا» ، من الاستطراد لأنه صدر البيت بذكر كونه محبا لكل بخيل فصار أجنبيا، بالإضافة إلى ما صدر به الكلام، هكذا أورده عبد الكريم فى أمثلته، وليس منه لأن من حقه أن يكون واردا بين كلامين متلائمين، فأما عده فى الخروج لكونه مشتملا على معناه وحقيقته كما تراه فى ظاهره فهو جيد لا غبار عليه، بالإضافة إلى المقصد الذى قصده كما أوضحناه. ومن ذلك ما قاله السموءل بن عادياء «١» :
وإنّا لقوم ما نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول
فقوله: «إذا ما رأته عامر وسلول» ، من باب الاستطراد لخروجه عما صدر به الكلام الأول. ومن ذلك ما قاله امرؤ القيس الطائى «٢» :
عوجا على الطلل المحيل لعلّنا ... نبكى الديار كما بكى ابن حذام
стр. 438
فقوله: «كما بكى ابن حذام» من باب الاستطراد لما خرج به عما كان عليه من صدر البيت. ومن ذلك ما قاله بكر بن النطاح يمدح أميره «١» :
فأقسم لو أصبحت فى عزّ مالك ... وقدرته أغنى بما رمت مطلبى
فتى شقيت أمواله بنواله ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب
فهذا وأمثاله من عجيب الاستطراد لأن قوله: «كما شقيت قيس بأرماح تغلب» كلام دخيل وارد على جهة الاستطراد، جمع فيه بين مدح الرجل بالكرم وقبيلته بالشجاعة والظفر وبين ذم أعدائهم بالضعف والجبن والخور، وهذا بديع فى سياقه وفائدته ومحصوله كما ترى والله اعلم.
стр. 439
الصنف التاسع التسجيع
اعلم أن هذا النوع من علوم البلاغة كثير التّدوار، عظيم الاستعمال فى ألسنة البلغاء، ويقع فى الكلام المنثور، وهو فى مقابلة التصريع فى الكلام المنظوم الموزون فى الشعر كما سنقرره، ومعناه فى ألسنة علماء البيان: «اتفاق الفواصل فى الكلام المنثور فى الحرف أو فى الوزن أو فى مجموعهما» كما سنفصل أنواعه، واشتقاقه من قولهم: «سجعت الناقة» إذا مدت حنينها على جهة واحدة، ومنه سجع الحمامة إذا هدرت، فإن اتفقت الأعجاز فى الفواصل مع اتفاق الوزن سمى المتوازى كقوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)
[الغاشية: ١٣- ١٤] وإن اتفقا فى الأعجاز من غير وزن سمى المطرف كقوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
[نوح: ١٣- ١٤] . وكقول بعض البلغاء: «من حسنت حاله استحسن محاله» . وإن اتفقا فى الوزن دون الحرف سمى المتوازن كقوله تعالى: وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)
[الغاشية: ١٥- ١٦] فإذا تقررت هذه القاعدة فلنذكر حكمه فى الاستعمال ثم نذكر شروطه، ثم نردفه بذكر أقسامه، ثم نذكر أمثلته فهذه فوائد أربع نفصلها بمعونة الله تعالى.
الفائدة الأولى فى ذكر حكمه فى الاستعمال
وفيه مذهبان:
المذهب الأول جوازه وحسنه ،
وهذا هو الذى عول عليه علماء أهل البيان، والحجة على ذلك هى أن كتاب الله تعالى والسنة النبوية وكلام أمير المؤمنين مملوء منه وكلام البلغاء أيضا كما سنوضحه فى الأمثلة، فلو كان مستكرها لما ورد فى هذا الكلام البالغ فى الفصاحة كل مبلغ، ولأجل كثرته فى ألسنة الفصحاء لا يكاد بليغ من البلغاء يرتجل خطبة ولا يحرر موعظة إلا ويكون أكثره مبنيا على التسجيع فى أكثره، وفى هذا دلالة قاطعة على كونه مقولا مستعملا فى ألسنة الفصحاء فى المقامات المشهورة والمحافل المعهودة.
المذهب الثانى استكراهه ،
وهذا شىء حكاه ابن الأثير، ولم أعرف قائله، ولا وجدته فيما طالعت من كتب البلاغة، ولعل الشبهة لهم فى استكراهه ما ورد عن الرسول ﷺ لما أوجب فى الجنين غرة، عبدا أو أمة، فقال الذى أوجبها عليه «كيف تدى من لا شرب ولا
стр. 440
أكل، ولا نطق ولا استهل، ومثل ذلك بطل» ، فقال ﷺ : «أسجعا كسجع الكهان» «١» ، فأنكر السجع على من تكلم به، وفى هذا دلالة على استكراهه. والجواب أنا نقول إنه لم ينكر السجع مطلقا، وإنما أنكر سجعا مخصوصا وهو سجع الكهان، لأن أكثر أخبارهم عن الأمور الكونية، والأوهام الظنية، على جهة السجع وتطابق أعجاز الألفاظ كما تراه يحكى عن شق وسطيح، وغيرهما من الكهان، والمختار قبوله، ولو لم يكن جائزا فى البلاغة لما أتى عليه أفصح الكلام وهو التنزيل، ولما جاء فى كلام سيد البشر وكلام أمير المؤمنين، لأن هذه هى أعظم الكلام بلاغة وأدخلها فى الفصاحة، فلا يمكن ترك هذا الأسلوب من الكلام لقصة عارضة من جهة الرسول يمكن حملها على وجه لائق كما أشرنا إليه.
الفائدة الثانية فى بيان شروطه
اعلم أن المقصود بالتسجيع فى الكلام إنما هو اعتدال مقاطعه وجريه على أسلوب متفق، لأن الاعتدال مقصد من مقاصد العقلاء يميل إليه الطبع وتتشوق إليه النفس، لكنه لا يحسن كل الحسن، ولا يصفو مشربه إلا باجتماع شرائط أربع:
الشريطة الأولى: ترجع إلى المفردات ،
وهى أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة المذاق رطبة طنانة، صافية على السماع حلوة طيبة رنانة، تشتاق إلى سماعها الأنفس، ويلذ سماعها على الآذان، مجنبة عن الغثاثة والرداءة، ونعنى بالغثاثة والرداءة أن الساجع يصرف نظره إلى مؤاخاة الأسجاع وتطابق الألفاظ، ويهمل رعاية حلاوة اللفظ وجودة التركيب وحسنه، فعند هذا تمسه الرداءة، وتفارقه الحلاوة ويصير فيما جاء به بمنزلة من ينظم عقدا من خزف ملون، أو ينقش بألوان الصباغ ثوبا من عهن، فهذه الشريطة لابد من مراعاتها، وإلا وقع مهملها فيما ذكرناه.
الشريطة الثانية راجعة إلى التركيب ،
وهى أن تكون الألفاظ المسجوعة فى تركّبها تابعة لمعناها، ولا يكون المعنى فيها تابعا للألفاظ فتكون ظاهرة التمويه وباطنة التشويه، ويصير مثاله كمثال عمد من ذهب على نصب من خشب، أو كرة محلاة أو بعرة مذهبة مطلية،
стр. 441
ومثال ذلك أنك إذا تصورت فى نفسك معنى من المعانى، فإنك إذا أردت أن تصوغه بلفظ مسجوع ولم يواتك ذلك، ولا سمحت قريحتك به إلا بزيادة فى ذلك اللفظ أو نقصان منه من غير حاجة إلى ذلك النقصان وتلك الزيادة، وإنما تأتى بالزيادة والنقصان من أجل تسوية السجع وإظهار جوهره لا من أجل المعنى، فما هذا حاله هو الذى يذم من التسجيع ويقبح، لما فيه من إصلاح اللفظ دون المعنى، ولما فيه من التكلف والتعسف المستغنى عنه، فأما إذا كان من غير تكلف فإنه يأتى فى غاية الحسن.
الشريطة الثالثة: أن تكون تلك المعانى الحاصلة عن التركيب مألوفة غير غريبة ولا مستنكرة ولا ركيكة مستبشعة ،
لأنها إذا كانت غريبة نفرت عنها الطباع وكانت غير قابلة لها، وإذا كانت ركيكة مجتها الأسماع، فكل واحدة من السجعتين دال على معنى حسن بانفراده، لكن انضمام إحداهما إلى الأخرى هو الذى ينافر من أجل التركيب.
الشريطة الرابعة: أن تكون كل واحدة من السجعتين دالة على معنى مغاير للمعنى الذى دلت عليه الأخرى ،
لأنه إذا يكون من باب التكرير فيكون على هذا لا فائدة فيه، فهذه الشرائط الأربع لابد من اعتبارها فى كل كلام مسجوع.
الفائدة الثالثة فى ذكر أقسامه
اعلم أن السجع منقسم إلى ما يكون طويلا، وإلى ما يكون قصيرا، فأما القصير فهو أوعر أنواع التسجيع مسلكا، وأصعبها مدركا، وأخفها على القلب، وأطيبها على السمع، لأن الألفاظ إذا كانت قليلة فهى أحسن وأرق، لأنها إذا كانت أطرافها متقاربة لذت على الآذان لقرب فواصلها ولين معاطفها، ومن هذا النوع القصير قوله تعالى وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤)
[المرسلات: ١- ٤] وقوله تعالى فى صدر سورة المدثر: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)
[المدثر: ١- ٧] وأقل ما يكون القصير من كلمتين لا غير، لأن ما نقص عن ذلك فليس مؤلفا مسجوعا، وأما الطويل فهو ما عدا ذلك، وكلما قلت كلماته وقرب من التعبير كان أحسن لما ذكرناه، وقد تكون السجعتان ثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، وخمسا خمسا، وقد تزيد على ذلك حتى تنتهى إلى عشرين كلمة، ومع ذلك فليس له حد مضبوط، فمن الثلاثية قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)
[النازعات: ٦] ثم قال: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨)
[النازعات: ٨] ومن الرباعية قوله تعالى:
стр. 442
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)
[القمر: ١] ثم قال: وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)
[القمر: ٣] ومن الخماسية قوله تعالى: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)
[القمر: ٥- ٦] ، ومن الطويل قوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)
[هود: ٩- ١٠] فالفقرة الأولى مبنية على إحدى عشرة كلمة، والفقرة الثانية مبنية على ثلاث عشرة كلمة، وأدخل منه فى التطويل قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)
[الأنفال: ٤٣- ٤٤] فالفقرة الأولى تنيف على عشرين لفظة والفقرة الثانية قريب من هذه العدة، فإذا عرفت هذا فاعلم أن أعداد ألفاظ الفقر، وإن كانت على هذه العدة، لكنها منقسمة، بالإضافة إلى الأولى والثانية إلى ما تكون الفقرة الأولى مساوية للثانية، وإلى ما تكون عكس هذا، فهذه أضرب ثلاثة، نذكر ما يتوجه فى كل واحد منها.
الضرب الأول: ما تكون فيه الفقرتان متساويتين لا تزيد إحداهما على الأخرى ،
وما هذا حاله فهو أعدل الأسجاع قواما، وأجودها اتساقا وانتظاما وأعلاها مكانا، وأوضحها بيانا، وأمثاله فى القرآن كثير، وهذا كقوله تعالى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠)
[الضحى: ٩- ١٠] وقوله تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥)
- العاديات ١- ٥] .
الضرب الثانى: أن تكون الفقرة الثانية أطول من الأولى بغاية قريبة ،
فإن طالت فهو غير محمود، وهذا كقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣)
[الفرقان: ١١- ١٣] فالفقرة الأولى عدتها ثمانى كلمات، والفقرة الثانية والثالثة كل واحدة منهما تسع كلمات وقوله تعالى: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠)
[مريم: ٨٩- ٩٠] فالثانية أطول من الأولى كما تراه ظاهرا، نعم إنما يقبح أن تكون الفقرة الثانية أطول من الأولى
стр. 443
طولا كثيرا إذا كان سجعتان، والثانية طويلة طولا عظيما، فأما إذا كان السجع على ثلاث فقر وكانت الفقرتان الأوليان فى عدة واحدة وتقارب، ثم يؤتى بالثالثة فعلى هذا التقدير يغتفر طول الثالثة، وإن كان كثيرا زائدا على الغاية، والسر فى ذلك هو أن الفقرتين الأوليين قد تنزلتا لقصرهما منزلة فقرة واحدة فلا جرم اغتفر طولها، وليس حتما أن تكون الثالثة فى الثلاث السجعات طويلة، بل ربما تكون الثلاث كلها متساوية، وهذا كقوله تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)
[الواقعة: ٢٧- ٣٠] فهذه السجعات كلها متساوية المقدار فى أن كل واحدة منها على فقرتين فقرتين من غير زيادة، ولو طالت الثالثة طولا كثيرا لم يكن معيبا، فلهذا كان الأمران سائغين فيهما.
الضرب الثالث: أن تكون الفقرة الثانية أقصر من الأولى
عكس ما ذكرناه فى الضرب الثانى، وما هذا حاله من أفانين التسجيع فهو معيب عند فرسان هذه الصناعة، ومتّرك حاله بين الجهابذة من أهل البراعة، والسر فى ذلك ما يجده الإنسان من التفرقة الحسية فى الفطرة الغريزية، وهو أن الفقرة الأولى إذا كانت طويلة فإن السجع يكون مستوفيا لمطلوبه وحاصلا على كنه مقصوده، فإذا كانت الفقرة الثانية ناقصة صار المطلوب ناقصا وانخرم ما كان يتوقعه من المماثلة بينهما والملاءمة، ويصير كالشىء المنقطع الميتور، وكمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها. فهذا تقرير تقسيم السجع على ما ذكرناه من هذه الضروب.
فالضرب الأول هو أعدلها، والضرب الثالث أبعدها، والضرب الثانى أوسطها فى التعديل، ولا يكاد يوجد الضرب الثالث فى القرآن، وإنما الكثير فيه هما الضربان الآخران لما ذكرناه من العيب فيه، وكتاب الله تعالى منزه عنه.
الفائدة الرابعة فى بيان الأمثلة فى التسجيع
قد وضح لك مما ذكرناه أن السجع من أرفع مراتب الكلام، وأعلاها وأجل علوم البلاغة وأسناها، ولهذا اختص به من بين سائر الأساليب البلاغية التنزيل، وأحاط بطويله وقصيره وكان الحسن فيه على أحسن هيئة وتنزيل، لا يقال فإذا كان التسجيع فى الكلام على ما ذكرتموه من علو شأنه، وارتفاع قدره ومكانه، فكيف لم يأت القرآن كله مسجوعا؟ وليس الأمر كذلك، فإن بعضه مسجوع وبعضه غير مسجوع، وأكثره وارد على جهة السجع، لأنا نقول إنما ورد على الأمرين جميعا لأمرين، أما أولا فلأن القرآن
стр. 444
إنما جاء مؤذنا بالإيجاز وبلوغ الغاية فى الاختصار، فلو أتى كله مسجوعا لأبطل إيجازه واختصاره، لأن السجع إذا كان ملتزما فى جميع المواضع كلها، فقد لا يتواتى الإيجاز معه والاختصار، فلهذا كان على الأمرين جميعا، وأما ثانيا: فلأن الكلام المسجع أفصح وأبلغ من غير المسجع، فإتيان ما ليس مسجوعا فى القرآن يؤذن مع كونه غير مسجوع أنه فى غاية الإعجاز مع عدم السجع وفى هذه دلالة على إعجازه من كل الوجوه، وقد ورد فيه التسجيع فى الطويل، والقصير، والمتوسط، فمن القصير قوله تعالى: فى سورة النجم وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧)
[النجم: ١- ٧] فأكثر السورة وارد على قصير السجع، وأما الطويل فكقوله تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤)
[الفرقان: ١٢- ١٣- ١٤] فانظر كم نظم كل واحدة من الفقرتين من الألفاظ. ويرد الطول فى السجع على أكثر ما ذكرناه ههنا حتى ينتهى إلى عشرين كلمة أو أكثر كما مر. وأما المتوسط فكقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧)
[الأعلى: ١- ٧] إلى غير ذلك من الأساجيع المتوسطة التى ليست طويلة ولا قصيرة، ولا حاجة بنا إلى تكثير الأمثلة السجعية من القرآن، لأنها أكثر من أن تحصى بعدّ، أو تحصر بحدّ. فأما ما ورد من القرآن غير مسجوع فهو كثير، لكنه بالإضافة إلى ما هو مسجوع منه قليل كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)
[الانفطار: ٦- ٩] فانظر إلى اختلاف رءوس هذه الآى كيف أتى من غير تسجيع، وما ذاك إلا لأجل السر الذى ذكرناه. فأما الأمثلة الواردة فى السنة النبوية فى التسجيع فهى كثيرة واسعة، وهذا كقوله ﷺ : «هو أوضح دليل، إلى خير سبيل» ، وقوله ﵇: «ألا وإن من علامات العقل التجافى عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور» ، وقوله: «وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود» وقوله ﵇: واعلموا أنكم عن قليل راحلون، وإلى الله صائرون، فلا يغنى عنكم هناك إلا عمل صالح
стр. 445
قدمتموه، أو حسن ثواب حزتموه، إنكم إنما تقدمون على ما قدمتم، وتجازون على ما أسلفتم، فلا تخدعنّكم زخارف دنيا دنية، عن مراتب جنات علية. إلى غير ذلك، فأما الأمثلة من كلام أمير المؤمنين فهى كثيرة، وله فيه اليد البيضاء والقدم السابقة، منها قوله فى خطبته الغراء: «الحمد لله الذى علا بحوله، ودنا بطوله، مانح كل غنيمة وفضل، وكاشف كل كريهة وأزل، أحمده على عواطف كرمه، وسوابغ نعمه وأومن به أولا باديا، وأستهديه قريبا هاديا، وأستعينه قاهرا قادرا، وأتوكل عليه كافيا ناصرا» ، ثم قال بعد ذلك:
«أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذى ضرب لكم الأمثال، ووقت لكم الآجال، وألبسكم الرياش، وأرفغ لكم المعاش» ، ثم قال فيها: «فإن الدنيا رنق مشربها، ردع مشرعها مونق منظرها موبق مخبرها، غرور حائل، وضوء آفل، وظل زائل، وسناد مائل» إلى غير ذلك من الكلام الذى تواخى سجعه، وعظم فى القلوب وقعه، وكثر إن صادف قلوبا واعية نفعه. فهذا ما يتعلق بالسجع القصير، وهو أكثر ما يكون فى الكتب والمواعظ والخطب المنسوبة إليه، وهو أضيق مسالك التسجيع كما مر بيانه ولكنه غير ضيق عليه لما أوتى من كنوز البلاغة ما إن مغالقه ليصعب على أكثر الخلق فتحها ثم قال «عباد الله الذين عمروا فنعموا، وعلموا ففهموا، ونظروا فلهوا وسلموا فنسوا، أمهلوا طويلا ومنحوا جميلا، وحذروا أليما ووعدوا جسيما، احذروا الذنوب المسخطة، والعيوب المورّطة، يا أولى الأبصار والأسماع، والعافية والمتاع، هل من خلاص، أو مناص، أو معاذ، أو ملاذ أو فرار أو مجاز، فأنى تؤفكون، أم أين تصرفون، أم بماذا تغترون» . فأما كلامه فى التطويل والمتوسط فهو كثير، ولنكتف بما ذكرناه من كلامه التقصير. فأما ما كان من البلغاء فى ذلك فلهم كلام واسع بليغ من التسجيع كالذى يكون فى المقامات الحريرية، والخطب النّباتية، وكلام ابن الجوزى فى مواعظه إلى غير ذلك فإن من يطالع هذه الكتب وغيرها فإنه يجد فيها من أفانين السجع وذكر أنواعه المختلفة ما يقنع الناظر وينشط الفاتر.
стр. 446
الصنف العاشر التصريع
اعلم أن التصريع فى المنظوم نظير التسجيع من كل كلام منثور، فإن التصريع إنما يرد فى الشعر لا غير، والسجع مخصوص بالمنثور، ومعناه فى الشعر أن يكون عجز النصف من البيت الأول من القصيدة مؤذن بقافيتها، فمتى عرفت تصريعها عرفت قافيتها، وأكثر ما يرد فى أشعار المتقدمين، وربما استعمله ناس من المتأخرين، ومن استعمله ممن تقدم أو تأخر فإنه دال على سعته فى فصاحته، واقتدار منه فى بلاغته، وهو إنما يحسن إذا كان قليلا فى القصيدة بحيث يكون جاريا مجرى الطراز للثوب، والغرة فى وجه الفرس، فأما إذا كان كثيرا فإنه لا يكاد يرضى لما يظهر فيه من أثر الكلفة فيكسب لفظه برودة ومعناه ركة، وظاهر كلام أبى بكر بن السراج أن التصريع إنما يكون إذا كان عروض النصف الأول مطابقا لعروض النصف الثانى، وتلك الموافقة إنما كانت لأجل التصريع، فأما إذا كان توافقهما لمعنى آخر غير التصريع فإنه ليس تصريعا، وإنما هو كلام مقفى وليس مصرعا، وظاهر كلام غيره أنه يكون مصرعا إذا حصل التطابق على كل حال، وما ذكره ابن السراج أحسن، ولهذا فإنه إذا كثر لم يكن حسنا، لأنه لا يظهر فيه أثر الكلفة إذا كان بالاعتبار الذى ذكره لا غير، ويرد على مراتب مختلفة متفاوتة فى الكمال والنقصان، ونحن نشير إلى درجاته بمعونة الله تعالى.
الدرجة الأولى [أن يكون كل مصراع من البيت مستقلا بنفسه فى فهم معناه]
منه وهى أعلى مراتب التصريع أن يكون كل مصراع من البيت مستقلا بنفسه فى فهم معناه غير محتاج إلى صاحبه الذى يليه مع ذكر فاصلة بينهما دالة على انقطاعه عنه، ومثاله قول امرىء القيس فى قصيدته اللامية «١» :
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمى فأجملى
فإن كل مصراع من هذا البيت مفهوم على الاستقلال من غير حاجة له إلى الآخر فى لفظ ولا معنى مع حصول الفاصلة بينهما وهى الواو، فإنه جىء بها دلالة على الانقطاع وكقول أبى الطيب المتنبى «٢» :
إذا كان مدح فالنسيب المقدّم ... أكلّ فصيح قال شعرا متيم
стр. 447
فكل واحد من هذين المصراعين على تمامه وحياله لا علقة بينهما مع حصول الفاصلة وهى الهمزة كما ترى.
الدرجة الثانية أن يكون المصراع الأول منقطعا عن الثانى مستقلا بنفسه غير محتاج إلى الثانى ،
لكن الثانى مرتبط بالأول لعلاقة بينهما، ومثاله قول امرىء القيس «١» :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط الّلوى بين الدّخول فحومل
فالأول منقطع عن الثانى، أما الثانى فمتصل بالأول لأجل حرف الجر فاتصاله بما قبله ظاهر كما ترى، وكقول أبى الطيب المتنبى «٢» :
الرأى قبل شجاعة الشّجعان ... هو أوّل وهى المحلّ الثانى
فالأول منقطع، فأما الثانى فهو متصل لأجل الضمير فإنه متصل بما قبله.
الدرجة الثالثة [التصريع الموجه]
أن يكون الشاعر مخيرا فى تقديم أحد المصراعين على الآخر أيهما شاء، وما هذا حاله يقال له التصريع الموجه ومثاله قول بعضهم:
من شروط الصّبوح فى المهرجان ... خفة الشّرب مع خلوّ المكان
فإن شئت جعلت الصدر عجزا والعجز صدرا وما هذا حاله فهو من الجودة بمكان رفيع، ولا يكاد يوجد إلا فى مقاصد الشعراء المفلقين.
الدرجة الرابعة [التصريع الناقص]
أن يكون المصراع الأول من البيت غير مستقل بنفسه ولا يفهم معناه إلا بوجود الثانى، ويقال له التصريع الناقص، وما هذا حاله فليس مرضيا ولا معدودا فى الحسن، لكون المصراع الأول مضمنا معناه فى وجود الثانى، ومثاله قول أبى الطيب المتنبى «٣» :
معانى الشعر طيبا فى المغانى ... بمنزلة الربيع من الزّمان
فالشطر الأول لا يستقل بنفسه دون أن يذكر الثانى.
стр. 448
الدرجة الخامسة [التصريع المكرر]
أن يقع التصريع فى البيت بلفظة واحدة وسطا وقافية، ويقال لما هذا حاله التصريع المكرر، ثم هو فى وقوعه فيما ذكرناه على وجهين، الوجه الأول منهما أن يكون التصريع بلفظة مجازية يختلف معناها، وهذا كقول أبى تمام «١» :
فتى كان سربا للعفاة ومربعا ... فأصبح للهندية البيض مربعا
فقد وقعت التقفية والتصريع بلفظة المربع، وهى مجازية كما هو ظاهر من معناها، الوجه الثانى أن يكون بلفظة واردة على جهة الحقيقة لا مجاز فيها ومثاله قول عبيد بن الأبرص «٢» :
فكلّ ذى غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
الدرجة السادسة [التصريع المعلق]
أن يذكر المصراع الأول ويكون معلقا على صفة يأتى ذكرها فى أول المصراع الثانى، ويسمى التصريع المعلق ومثاله قول امرىء القيس «٣» :
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فإن المصراع الأول المعلق على قوله بصبح وهذا معيب عند أهل العلم بالصناعة الشعرية.
الدرجة السابعة [التصريع المشطور]
أن يكون التصريع فى البيت مخالفا للقافية منه، ويسمى التصريع المشطور، وهو من أدنى درجات التصريع وأقبحها، لما تضمنه من اختلاف القافية ومثاله قول أبى نواس «٤» :
أقلبى قد ندمت على الذنوب ... وبالإقرار عذت من الجحود
فصرع بحرف الباء فى وسط البيت ثم قفاه بحرف الدال، وهذا لا يكاد يستعمل إلا على الندرة والقلة، وإنما لقب بالمشطور لأن كل واحد من المصراع الأول والثانى على شطر يمكن أن يضم إليه ما يلائمه فى قافية فيكون جاريا على المماثلة من غير اختلاف، فلهذا قيل له مشطور أخذا مما ذكرناه والله أعلم بالصواب.
стр. 449
الصنف الحادى عشر الموازنة
وورودها عام فى المنظوم والمنثور، والمراد بذلك هو أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية فى أوزانها، وأن يكون صدر البيت الشعرى وعجزه متساويى الألفاظ وزنا، ومتى كان الكلام فى المنظوم والمنثور خارجا على هذا المخرج كان متسق النظام رشيق الاعتدال، والموازنة هى أحد أنواع السجع، فإن السجع كما أسلفنا تقريره قد يكون مع اتفاق الأواخر واتفاق الوزن، وقد يكون مع اختلاف الأواخر لا غير، فإذن كل موازنة فهى سجع، وليس كل تسجيع موازنة، فالموازنة خاصة فى اتفاق الوزن من غير اعتبار شريطة، فأما أمثله الموازنة من كتاب الله تعالى فكقوله تعالى: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)
[الصافات: ١١٧- ١١٨] فالمستبين والمستقيم على زنة واحدة مع اختلاف الأعجاز كما ترى، وكقوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)
[مريم: ٨١- ٨٢] فقوله عزّا وضدّا متماثلان فى وزنهما، وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)
[مريم: ٨٣- ٨٤] فعدا وأزا متماثلان فى الزنة، وقوله تعالى: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (١٠١)
[طه: ١٠٠- ١٠١] وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها
[الشورى: ١٧- ١٨] ثم قال أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨)
[الشورى: ١٨] وقوله تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
[الشورى: ١٩- ٢٠] ثم قال: وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)
[الشورى: ٢٠] وأما مثاله من السنة النبوية فكقوله ﵇: «كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» «١» فسبيل وغريب مختلفان فى اللفظ متفقان فى الزنة، وقوله: «فإذا أصبحت نفسك فلا تحدثها بالمساء، وإذا أمست فلا تحدثها بالصباح» «٢» ، فالمساء والصباح مختلفان لفظا متفقان فى الوزن، وقوله: «خذ من صحتك لسقمك ومن شبابك لهرمك» «٣» ، فالسقم والهرم متفقان وزنا مع اختلافهما فى اللفظ، وقوله: ولقد
стр. 450
أبلغ فى الإعذار من تقدم بالإنذار، فالإعذار والإنذار مختلفان لفظا متماثلان فى الزنة، ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فى ذلك قوله: «حتى إذا انصرمت الأمور، ونقصت الدهور، وأزف النشور، أخرجهم من ضرائح القبور، وأوكار الطيور» ، وقوله:
«رعيلا صموتا قياما صفوفا» ، وقوله: «واحمر العرق، وعظم الشفق» ، فهذه الألفاظ متماثلة فى الأوزان مختلفة فى الألفاظ، وقوله: «وبادر من وجل، وأكمش فى مهل، ورغب فى طلب، فكفى بالله منتقما ونصيرا، وكفى بالقرآن حجيجا وخصيما» ، وقوله:
«وحذركم عدوا نفذ فى الصدور خفيا ونعب فى الآذان نجيا، إلى غير ذلك من الأمثلة الواردة فى كلامه على التقرير الذى ذكرناه، ومن الأمثال المنظومة قول أبى تمام «١» :
مها الوحش إلّا أنّ هاتا أوانس ... قنا الخط إلّا أنّ تلك ذوابل
فقوله أوانس وذوابل من الموازنة اللفظية، لأن أوزانهما متماثلة على فواعل، ومن هذا قول البحترى «٢» :
فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا
فالمهرب والمطمع متماثلان فى الزنة، ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
بأشدّهم بأسا على أعدائه ... وأعزّهم فقدا على الأصحاب
فقوله بأشدهم وأعزهم وقوله بأسا وفقدا متماثلان فى الأوزان ومن ذلك ما قالته الخنساء فى أخيها صخر ترثيه «٣» :
حامى الحقيقة محمود الخليلقة ... ميمون الطريقة نفّاع وضرّار
جوّاب قاصية جزّاز ناصية ... عقّاد ألوية للخيل جرّار
فقولها محمود، وميمون، من الموازنة وقولها نفاع وضرار، وجواب وجزاز وعقاد، من الموازنة أيضا، ولنكتف بهذا القدر فى الموازنة ففيه كفاية.
стр. 451
الصنف الثانى عشر فى تحويل الألفاظ واختلافها، بالإضافة إلى كيفية استعمالها
وهو من هذه الصناعة فى مكان مغبوط، ومحل محوط، ومن لم يكن فيه على قدم راسخة وحال مؤكدة، فإنه لا يأمن من وقوعه فى مكروهات الاستعمالات اللغوية، ويرد فى الموارد المستقبحة.
واعلم أن الألفاظ على وجهين فى استعمالها مفردة، أحدهما أن تكون فصيحة مستعملة فى كل أحوالها فى الإفراد والتثنية، والجمع، والتذكير والتأنيث، والإظهار، والإضمار وغير ذلك من الاستعمالات، وهذا هو الأكثر فى ألسنة العرب، وهذا كلفظ الدينار والدرهم والفرس والإنسان، وغير ذلك من الألفاظ العربية، وثانيهما: أن تكون أحوالها مختلفة بالإضافة إلى استعمالاتها، فتارة يقبح استعمالها فعلا ولا يقبح استعمالها اسما، ومرة يقبح استعمالها مفردة، ولا يقبح استعمالها مجموعة، وبالعكس من هذا.
ونحن نذكر من ذلك أمورا تقبح على وجه، وتحسن على وجه، ننبه بالقليل من ذلك على الكثير. وجملة ما نورده من ذلك أمور عشرة، أولها لفظة «خود» فإنها إذا كانت اسما، كان استعمالها فصيحا فى الاسمية، هى عبارة عن المرأة الناعمة، فهى إذا استعملت اسما حسنة رائقة لذيذة طيبة، وهى إذا كانت مستعملة على صيغة الفعل، لم يحسن استعمالها، ثم هى فى ذلك على وجهين، أحدهما أن تكون واردة على جهة الحقيقة فيعظم فيها القبح كما قال أبو تمام:
وإلى بنى عبد الكريم تواهقت ... رتك النّعام رأى الطريق فخوّدا «١»
وقد أخذ على أبى تمام، فى هذا البيت استعمال «خوّد» على صيغة الفعل، وهى مستكرهة، يقال فيها خود البعير «بتثقيل الحشو» إذا أسرع فى مشيه، ثم قوله رتك النعام، يقال رتك البعير إذا قارب خطوه فاستعمله فى النعام، واستعماله إنما يكون فى الإبل، فإذا كانت مستعملة على جهة الحقيقة فى الفعل كانت مستكرهة، وثانيهما أن تكون واردة على جهة المجاز كقول بعض الشعراء من أهل الحماسة:
أقول لنفسى حين خوّد رألها ... رويدك لما تشفقى حين مشفق
стр. 452
والرأل النعام، والمراد، ههنا أن نفسه فزعت وعظم فرارها، وشبهها فى فزعها وفرارها بإسراع النعام إذا فزع وفر، وهى إذا كانت مجازا فاستعمالها فعلا، وإن كان مستكرها، لكنه يخف قبحه، لما كان مستعملا استعمال المجاز، وإدراك ما ذكرناه من حسن الاستعمال وقبحه فى كونها اسما أو فعلا، يدرك بالذوق الصافى والقريحة المستقيمة عن شوائب البلادة، وثانيها: قولنا «وذر ودع» فإنهما من جملة الأفعال، ولا يستعملان فى الأزمنة الماضية استغناء عنهما بقولنا ترك، قال الله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧)
[البقرة: ١٧] فإذا استعملا فى الماضى كان فيهما ركة ونزول عن الكلام الفصيح، وهذا من غريب الاستعمال وبديعه، أن يكون الماضى وإن كان أصلا لغيره من الأفعال، بعيدا فى الاستعمال، وفى هذا دلالة على أن الفصيح لا يوجد بطريق الأصالة والفرعية، وإنما طريقه كثرة الاستعمال والاطراد، فأما استعمالهما على جهة الدلالة على الأزمنة المستقبلة، إما مضارعا كقوله تعالى: وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)
[الأنعام: ١١٠] وقوله تعالى: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
[الأعراف: ١٢٧] وإما على جهة الأمر كقوله: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا
[الحجر: ٣] وهكذا الأمر فى يدع، فإنه يستعمل للمضارع كقوله ﵇ لو مدّ لنا الشهر لو اصلنا وصالا يدع المتعمّقون له تعمقهم، وفى الأمر كقول أمير المؤمنين متمثلا بقوله:
«دع عنك نهبا صيح فى حجراته»
وكقول زهير:
«فدع ذا وعد القول فى هرم»
فأما استعمالها على جهة المضى فلا يرد فى كلام فصيح، واستعمال «وذر» فى الماضى أقبح من استعمال «ودع» ، وثالثها لفظة «الحبر» فإنها إذا وردت مجموعة أفصح من ورودها مفردة، ولهذا لم تأت فى القرآن إلا مجموعة كقوله تعالى: إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ
[التوبة: ٣٤] وقوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ
[التوبة: ٣١] ولم ترد مفردة فى القرآن فلا جرم حكمنا بأن موقعها فى الجموع أحسن من موقعها فى الإفراد، ومفردها حبر بكسر الحاء وفتحها، ورابعها عكس ذلك، وهو أن يكون استعمالها مفردة أحسن من استعمالها مجموعة، ومثاله لفظة «الأرض» فإنها لم ترد فى القرآن إلا مفردة، وجمعها إما على السلامة اللفظية كقولنا «أرضون» وإما على التكسير كأراض، وقد يستعمل
стр. 453
على أرضات أيضا، وأحسن الاستعمال فيها أن تكون مفردة كما ذكرناه، فإذا جىء بالسموات مجموعة جىء بها مفردة فى عدة من المواضع، فإن احتيج إلى جمعها أتى بما يدل على جمعها دون جمع لفظها، كقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ
[الطلاق: ١٢] والسر فى ذلك أن كل واحدة من السموات السبع مختصة بعالم من الملائكة يخالف الآخر فلهذا كانت متنوعة مغايرة فجمعت بخلاف الأرض فإنها وإن كانت سبعا كما ورد الشرع بذلك، فإن الانتفاع بما يلينا منها دون غيرها، فلهذا جرت مجرى الأرض الواحدة، فلا جرم كانت مفردة. وخامسها لفظة «البقعة» فإن الفصيح فى استعمالها إنما هو على جهة الإفراد، كما قال تعالى: فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ
[القصص: ٣٠] ولم يجر استعمالها على جهة الجمع، فإن جمعت كان استعمالها على الإضافة، فيقال بقاع الأرض، وفى الحديث، إذا تاب ابن آدم أنسى الله حافظيه وبقاع أرضه خطاياه، ولم يرد فى استعمالها جمعا وتعريفا باللام فى كلام فصيح، وإن ورد فإنما يرد على جهة الندرة والقلة وسادسها: لفظة «الأكواب والأباريق» فإن استعمالها على الجمع أكثر من استعمالها على جهة الإفراد، ولهذا فإنهما لم يردا فى القرآن إلا مجموعين، وهذا كقوله تعالى: بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ
[الواقعة: ١٨] ولم يستعمل فى الفصيح كوب وإبريق، وإنما تروى فى قول بعضهم.
ثلاثة تعطى الفرح ... كأس وكوب وقدح
فالذى حسن من وقوعه مفردا انضمامها مع الكأس والقدح، فلا جرم اغتفر إفرادها، وهذا بخلاف الكأس فإن الفصيح فى استعماله إنما يكون على جهة الإفراد كقوله تعالى:
وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)
[الواقعة: ١٨] وقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ
[الإنسان: ٥] .
وسابعها: لفظة «اللّبّ» وهى مقولة على معنيين، أحدهما عبارة عن اللب الذى هو العقل، والآخر عبارة عن اللب الذى تحت القشر من كل شىء، فأما لب العقل فأحسن استعمالاته إذا كان مفردا عن الإضافة أن يكون على جهة الجمع كقوله تعالى: وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)
[ص: ٢٩] وقوله: وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣)
[ص: ٤٣] وقد يستعمل مضافا إليه كقولك. لا يعقل هذا إلا ذو لب قال جرير «١» :
стр. 454
إنّ العيون التى فى طرفها حور ... قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّب حتى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله إنسانا
وقد يستعمل مضافا كما ورد فى الحديث فى ذكر النساء ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للب الحازم من إحداكن يا معشر النساء، فأحسن استعمالاته ما ورد على ما ذكرناه، فأما استعماله مفردا عن اللام والإضافة فلا يكون حسنا، وإذا تأملت القرآن وسائر الكلام الفصيح وجدتها على ما ذكرناه، وثامنها: لفظة «طيف» وهو طيف الخيال، فإنها لا تستعمل إلا مفردة، واستعمالها مجموعة فيه ركة وثقل على اللسان، لأن جمعها إما أطياف، وإما طيوف، وكلاهما فيه بشاعة، وهى تخالف أختها وهى قولنا «ضيف» فإنها تفيد رقة ولطافة، ومن أجل هذا استعملت مفردة كقوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ
[الذاريات: ٢٤] ومثناة كقولك: ضيفان، ومجموعة كقولك: ضيوف وأضياف، وهذا من عجائب الصيغة ودقيق الأسرار العجيبة، حيث كان ههنا لفظتان مستويتان فى العدة والوزن، فاستعملت إحداهما على ما ذكرناه دون الأخرى، وهذا مما يعلمك أن السر فى ذلك هو الذوق السليم والطبع المستقيم فى التفرقة بين اللفظتين، وتاسعها: لفظة «الصوف» فإن استعمالها مجموعة هو الفصيح كقوله تعالى: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها
[النحل: ٨٠] واستعمالها مفردة ليس لائقا بالفصاحة، ومن أجل هذا لما احتيج إلى استعمالها مفردة جاء بما يخالفها فى لفظها كقوله تعالى: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)
[القارعة: ٥] والعهن هو الصوف، فبدلها لما كانت غير فصيحة فى الإفراد، وفى قراءة ابن مسعود «كالصّوف المنفوش» فانظر ما بين العهن والصوف من التفاوت فى الذوق والرقة والرشاقة، وعاشرها: لفظة «الأمّة» بالضم، فإنها الجماعة من الناس وهى كلمة فصيحة قال الله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
[النحل: ١٢٠] ووَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ
[القصص: ٢٣] بخلاف الإمة بالكسر وهى النعمة، فإنها غير فصيحة، ولهذا لا تكاد تستعمل فى كلام فصيح، وحكى ابن الأثير أن صاحب الفصيح كان له إملاء سماه الفصيح أوردها فيه واستحسنها، وقد أنكر عليه فى إعجابه بها ولعمرى إن ما قاله
стр. 455
ابن الأثير هو الأجود اللائق بالفصاحة فإنها ركيكة جدا فلا وجه لعدها من الفصيح فضلا عن الأفصح، وهكذا قولنا «لهاميم» وهم الرؤساء فإن استعماله مجموعا أفصح من استعماله مفردا، وكذا بهاليل، فأما المفردان منهما فلا يكادان يستعملان فى الفصاحة، وهذا بخلاف عرجون وعراجين، وجمهور وهم الجماعة من الناس وجماهير، فإنهما يستعملان فى الفصيح فى الإفراد كما أشرنا إليه. ولنكتف بهذا القدر من التنبيه على ما يستعمل من الألفاظ المفردة على حال دون حال ليقاس على غيره مما يكون واردا على مثاله، ولقد كان هذا الصنف خليقا بإيراده فى الباب الثانى حيث تكلمنا فيه على الألفاظ المفردة وما يتعلق بأحكامها فى الإفراد، وليس يعد من أصناف البديع فيورد فيه لأن البديع إنما يتعلق بالمعانى دون الكلم المفردة، ويختص بالمركب من الكلام دون المفرد، وأكثر ما يرد فى الاستعارة من أبواب المجاز، لكنه محبوس بطرفين، أحدهما أنه كلام فيما يعرض للكلمة الواحدة من اختلاف الأحوال بحسب مواقعها فى البلاغة، وثانيهما أنه كلام فيما يتعلق بها من التركيب، وكلاهما مختص بعلم البديع، فلا جرم كان كل واحد من هذين الغرضين مصوبا لإيراده فى هذا الصنف، خلا أن موضعه الخاص به ما ذكرناه.
стр. 456
الصنف الثالث عشر فى المعاظلة
اعلم أن المعاظلة قد تكون وصفا عارضا للمعنى، وقد تكون من عوارض الألفاظ، فأما تعلقها بالمعانى فسنذكره عند ذكرنا الأحاجى المعنوية، فذكرها هناك أخص من غيره ولكنا إنما نذكر ههنا ما يختص بالمعاظلة وهى من عوارض التركيب والتأليف فى الكلام، وقد اختلف فى معناها على قولين:
فالقول الأول منهما يحكى عن قدامة بن جعفر الكاتب قال المعاظلة فى الكلام هو إدخالك فيه ما ليس من جنسه وإلزامه إياه، ومثله بقول أوس بن حجر:
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا «١»
فسمى الصبى تولبا، والتولب ولد الحمار، وهذا لا وجه له لأمرين، أما أولا فلأنه يلزم أن تكون الاستعارة معاظلة، وهو فاسد، وأما ثانيا فلأنه إنما يكون الاعتراض والاستطراد وغير ذلك من الكلمات الدخيلة معاظلة، فبطل ما قاله.
القول الثانى أن المعاظلة هى تركيب الكلام وترادف ألفاظه على جهة التكرير، واشتقاقه من قولهم: تعاظلت الجراد، إذا ركب بعضها بعضا عند الازدحام، وغالب الظن أن «قدامة» إنما سمى ما ذكره معاظلة، اشتقاقا له من قولهم تعاظلت الكلاب إذا لزم بعضها بعضا عند السفاد، فلما ألزم الكلام ما ليس منه كان عظالا، فإذن المعاظلة إنما تكون عارضة فى تركيب الكلام وتأليفه، وتنحصر فى خمسة أضرب.
الضرب الأول منها فى المعاظلة بتكرير الأحرف المفردة
اعلم أن العرب الذين هم الأصل فى هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف المتماثلة فى كثير من كلامهم إلى الإدغام وما ذاك إلا لأجل ثقله على ألسنتهم، وهكذا فعلوا فى المتقاربين أيضا فقالوا: مد وشد، والأصل فيه مدد وشدد إلى غير ذلك من الأحرف المتماثلة، ومن أجل شدة كراهيتهم لتلك أبدلوا من أحد حرفى التضعيف حرف لين حذرا من ذلك، وهذا كما قالوا: تسريت فى تسررت وتطبيت فى تطببت وفى نحو ديوان وديباج والأصل فيه
стр. 457
دوّان ودبّاج، فإذا تكرر الحرف الواحد فى الكلام المنظوم والمنثور، كان ثقيلا على الأنفس نازلا عن الفصاحة، معيبا فى البلاغة، فمن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر «١»
فهذه القافات والراءات من الأحرف قد تكررت وتقاربت فأكسبت الكلام ثقلا وركة تبعد به عن الفصاحة وتنأى لأجله عن البلاغة، وقد قيل إن هذا البيت من شعر الجن، ولهذا قيل إن أحدا لا يكاد ينشده ثلاث دفعات إلا عثر لسانه، وفى هذا دلالة على بعده عن السلاسة وقربه من الغثاثة، وهكذا ورد فى الحريريات وعد من ركيكها قوله:
وازورّ من كان له زائرا ... وعاف عافى العرف عرفانه
فلما تكررت الراء والفاء فيه، كان محتاجا إلى بيكار يضعه الناطق به فى شدقه حتى يديره على تأليفه الذى خرج عن حد الاعتدال، وهكذا ما فعله فى رسالتيه اللتين جعل إحداهما على حرف السين، والأخرى على حرف الشين، فنالهما الثقل ومستهما البرودة من أجل ذلك، ويحكى عن بعض الوعاظ أنه قال فى كلام له أورده: حتى جنأت وجنات الحبيب، فصاح رجل من الحلقة وماد وغشى عليه، فقيل له ما حدث عليك فقال سمعت جيما فى جيم فى جيم فصحت، وفى هذا دلالة على أنه يجب على البلغاء تجنبه والإعراض عنه.
الضرب الثانى فى بيان المعاظلة فى الألفاظ المفردة
وهذا يخالف ما سبقه لأن الأول معاظلة فى حروف مفردة كما مر بيانه، وهذه معاظلة فى الكلم المفردة كالأدوات نحو من، وإلى، وعن، وعلى، وما شاكلها من أحرف المعانى، فإذا وقعت فى الكلام وكان السبك بها تاما جاريا على جهة الانتظام فهو حسن، ومتى جاءت متقاربة أفادت التنافر والثقل على اللسان وكان ذلك مجانبا لجيد البلاغة وملح الكلام ورشيقه، ومثاله قول المتنبى:
وتسعدنى فى غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد «٢»
стр. 458
فقوله: لها منها عليها، من قبيح السبك وسوء التأليف، وما ذاك إلا لأجل تكرر أحرف المعانى فأكسبته هذا الثقل الذى تعافه النفوس، وهكذا ورد فى قوله أيضا وإن كان بالضرب الأول أشبه:
وقلقلت بالهمّ الذى قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلّهنّ قلاقل «١»
فالقاف وإن كانت من أنصع حروف العربية وأثبتها جرسا وأصفاها فى النطق وأوضحها مخرجا، خلا أنها لما تكررت كانت بمنزلة مشى البغل يتقدم وهو يخطو إلى الوراء، ومن ذلك ما ورد فى شعر أبى تمام قوله «٢» :
كأنه فى اجتماع الرّوح فيه له ... فى كل جارحة من جسمه روح
فقوله: فيه له فى كل، من الردىء المستثقل، وليس ذلك إلا من أجل تكرر حروف المعانى.
الضرب الثالث فى بيان المعاظلة بالصيغ المفردة من غير الأدوات
وهذا نحو توارد الصيغ المتماثلة من الأوامر الفعلية، وهو فى ذلك على وجهين، أحدهما: أن ترد مجردة عن العطف، ومثاله قول أبى الطيب المتنبى «٣» :
أقل أنل أقطع احمل علّ سلّ أعد ... زد هشّ بشّ تفضّل أدن سرّ صل
فهذه الألفاظ جاءت على صيغة واحدة وهى مثال الأمر، كأنه قال افعل افعل وهكذا إلى آخر البيت، فما هذا حاله فتكرير للصيغة، وإن لم يكن تكريرا لحروف المعانى، وفيها ما ترى من الثقل على المسموع من أجل تكريرها على هذا الوجه، وقد تضمن سياقها تركيبا وتداخلا مكروها، وثانيهما: أن يرد مع واو العطف، ومثاله ما يحكى عن عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن قال:
احل وامرر وضرّ وانفع ولن واخ ... شن ورش وأمر وانتدب للمعالى
стр. 459
فهذا كالأول فى التكرير، خلا أن هذا ليس فى الكراهة كالوجه الأول فى الثقل، وما ذاك إلا من أجل توسط الواو فأكسبته خفة ورقة، لا يقال فلو كان هذا مكروها لم يرد فى كتاب الله تعالى: وقد ورد كقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ
[التوبة: ٥] لأنا نقول هذا فاسد فإنه لم يتكرر مع الواو إلا قوله: وخذوهم واحصروهم، فأما الجملة الأولى فهى مغايرة لتعلقها بقوله حيث وجدتموهم، وهكذا حال الرابعة، فإنها متعلقة بغيرها فلم يبق إلا قوله: وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ
وقد تضمنا الواو، وفيهما من حسن السبك وجودة التأليف وخفته على الآذان ما لا يخفى، فأين هذا من ذاك.
الضرب الرابع فى بيان المعاظلة بالصفات المتعددة
ومثاله قوله أبى الطيب المتنبى «١» :
دان بعيد مبغض بهج ... أغرّ حلو ممرّ ليّن شرس
ند أبى غر واف أخى ثقة ... جعد سرىّ نه ندب رضى ندس
ومن هذا قول أبى تمام يصف رمحا «٢» :
مارنه لدنه مثقفه ... عراصه فى الأكف مطّرده
وقال أيضا يصف سحابة:
مسفّة ثرّة مسحسحة ... وابلة مخضلّة برده
فلما حصلت هذه الأوصاف على هذه الصفة ثقلت على الألسنة ومجتها الآذان، وصارت بمنزلة سلسلة بلا شك، وقطع فضة أو ذهب مبددة من غير سبك، وليس يخفى على من له أدنى ذوق مخالفة هذا لقوله تعالى: السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
[الحشر: ٢٣] ، مع كونها أوصافا متعددة من غير واو، لكن بينها بعد لا يدرك أمده، ولا ينال حصره ولا عدده، فى حسن التأليف وجودة السبك ولذة المسموع وسهولة الأسلوب.
стр. 460
الضرب الخامس فى بيان المعاظلة بالإضافة المتعددة
ومثاله قولك لبد، سرج، فرس، غلام، دابة، زيد وما هذا حاله فإنه يثقل على الأذن فى سماعه، وتنفر النفوس عن تأليفه، ونحوه قول من قال من الشعراء «١» :
حمامة جرعى حومة الجندل اسجعى ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع
فلما أضاف حمامة إلى جرعى، وأضاف جرعى إلى حومة، وأضاف حومة إلى الجندل، أكسبه ذلك ركة، ونزولا، فهذا ما أردنا ذكره فى المعاظلة، وهى وإن كانت مكروهة فى بليغ الكلام وفصيحه، لكن غيرها ربما كان أدخل فى الكراهة، وأبعد عن أساليب الفصاحة.
следующие страницы →