Полный текст (682 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الصنف الثالث عشر فى المعاظلة
اعلم أن المعاظلة قد تكون وصفا عارضا للمعنى، وقد تكون من عوارض الألفاظ، فأما تعلقها بالمعانى فسنذكره عند ذكرنا الأحاجى المعنوية، فذكرها هناك أخص من غيره ولكنا إنما نذكر ههنا ما يختص بالمعاظلة وهى من عوارض التركيب والتأليف فى الكلام، وقد اختلف فى معناها على قولين:
فالقول الأول منهما يحكى عن قدامة بن جعفر الكاتب قال المعاظلة فى الكلام هو إدخالك فيه ما ليس من جنسه وإلزامه إياه، ومثله بقول أوس بن حجر:
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا «١»
فسمى الصبى تولبا، والتولب ولد الحمار، وهذا لا وجه له لأمرين، أما أولا فلأنه يلزم أن تكون الاستعارة معاظلة، وهو فاسد، وأما ثانيا فلأنه إنما يكون الاعتراض والاستطراد وغير ذلك من الكلمات الدخيلة معاظلة، فبطل ما قاله.
القول الثانى أن المعاظلة هى تركيب الكلام وترادف ألفاظه على جهة التكرير، واشتقاقه من قولهم: تعاظلت الجراد، إذا ركب بعضها بعضا عند الازدحام، وغالب الظن أن «قدامة» إنما سمى ما ذكره معاظلة، اشتقاقا له من قولهم تعاظلت الكلاب إذا لزم بعضها بعضا عند السفاد، فلما ألزم الكلام ما ليس منه كان عظالا، فإذن المعاظلة إنما تكون عارضة فى تركيب الكلام وتأليفه، وتنحصر فى خمسة أضرب.
الضرب الأول منها فى المعاظلة بتكرير الأحرف المفردة
اعلم أن العرب الذين هم الأصل فى هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف المتماثلة فى كثير من كلامهم إلى الإدغام وما ذاك إلا لأجل ثقله على ألسنتهم، وهكذا فعلوا فى المتقاربين أيضا فقالوا: مد وشد، والأصل فيه مدد وشدد إلى غير ذلك من الأحرف المتماثلة، ومن أجل شدة كراهيتهم لتلك أبدلوا من أحد حرفى التضعيف حرف لين حذرا من ذلك، وهذا كما قالوا: تسريت فى تسررت وتطبيت فى تطببت وفى نحو ديوان وديباج والأصل فيه
стр. 457
دوّان ودبّاج، فإذا تكرر الحرف الواحد فى الكلام المنظوم والمنثور، كان ثقيلا على الأنفس نازلا عن الفصاحة، معيبا فى البلاغة، فمن ذلك ما قاله بعض الشعراء:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر «١»
فهذه القافات والراءات من الأحرف قد تكررت وتقاربت فأكسبت الكلام ثقلا وركة تبعد به عن الفصاحة وتنأى لأجله عن البلاغة، وقد قيل إن هذا البيت من شعر الجن، ولهذا قيل إن أحدا لا يكاد ينشده ثلاث دفعات إلا عثر لسانه، وفى هذا دلالة على بعده عن السلاسة وقربه من الغثاثة، وهكذا ورد فى الحريريات وعد من ركيكها قوله:
وازورّ من كان له زائرا ... وعاف عافى العرف عرفانه
فلما تكررت الراء والفاء فيه، كان محتاجا إلى بيكار يضعه الناطق به فى شدقه حتى يديره على تأليفه الذى خرج عن حد الاعتدال، وهكذا ما فعله فى رسالتيه اللتين جعل إحداهما على حرف السين، والأخرى على حرف الشين، فنالهما الثقل ومستهما البرودة من أجل ذلك، ويحكى عن بعض الوعاظ أنه قال فى كلام له أورده: حتى جنأت وجنات الحبيب، فصاح رجل من الحلقة وماد وغشى عليه، فقيل له ما حدث عليك فقال سمعت جيما فى جيم فى جيم فصحت، وفى هذا دلالة على أنه يجب على البلغاء تجنبه والإعراض عنه.
الضرب الثانى فى بيان المعاظلة فى الألفاظ المفردة
وهذا يخالف ما سبقه لأن الأول معاظلة فى حروف مفردة كما مر بيانه، وهذه معاظلة فى الكلم المفردة كالأدوات نحو من، وإلى، وعن، وعلى، وما شاكلها من أحرف المعانى، فإذا وقعت فى الكلام وكان السبك بها تاما جاريا على جهة الانتظام فهو حسن، ومتى جاءت متقاربة أفادت التنافر والثقل على اللسان وكان ذلك مجانبا لجيد البلاغة وملح الكلام ورشيقه، ومثاله قول المتنبى:
وتسعدنى فى غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد «٢»
стр. 458
فقوله: لها منها عليها، من قبيح السبك وسوء التأليف، وما ذاك إلا لأجل تكرر أحرف المعانى فأكسبته هذا الثقل الذى تعافه النفوس، وهكذا ورد فى قوله أيضا وإن كان بالضرب الأول أشبه:
وقلقلت بالهمّ الذى قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلّهنّ قلاقل «١»
فالقاف وإن كانت من أنصع حروف العربية وأثبتها جرسا وأصفاها فى النطق وأوضحها مخرجا، خلا أنها لما تكررت كانت بمنزلة مشى البغل يتقدم وهو يخطو إلى الوراء، ومن ذلك ما ورد فى شعر أبى تمام قوله «٢» :
كأنه فى اجتماع الرّوح فيه له ... فى كل جارحة من جسمه روح
فقوله: فيه له فى كل، من الردىء المستثقل، وليس ذلك إلا من أجل تكرر حروف المعانى.
الضرب الثالث فى بيان المعاظلة بالصيغ المفردة من غير الأدوات
وهذا نحو توارد الصيغ المتماثلة من الأوامر الفعلية، وهو فى ذلك على وجهين، أحدهما: أن ترد مجردة عن العطف، ومثاله قول أبى الطيب المتنبى «٣» :
أقل أنل أقطع احمل علّ سلّ أعد ... زد هشّ بشّ تفضّل أدن سرّ صل
فهذه الألفاظ جاءت على صيغة واحدة وهى مثال الأمر، كأنه قال افعل افعل وهكذا إلى آخر البيت، فما هذا حاله فتكرير للصيغة، وإن لم يكن تكريرا لحروف المعانى، وفيها ما ترى من الثقل على المسموع من أجل تكريرها على هذا الوجه، وقد تضمن سياقها تركيبا وتداخلا مكروها، وثانيهما: أن يرد مع واو العطف، ومثاله ما يحكى عن عبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن قال:
احل وامرر وضرّ وانفع ولن واخ ... شن ورش وأمر وانتدب للمعالى
стр. 459
فهذا كالأول فى التكرير، خلا أن هذا ليس فى الكراهة كالوجه الأول فى الثقل، وما ذاك إلا من أجل توسط الواو فأكسبته خفة ورقة، لا يقال فلو كان هذا مكروها لم يرد فى كتاب الله تعالى: وقد ورد كقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ
[التوبة: ٥] لأنا نقول هذا فاسد فإنه لم يتكرر مع الواو إلا قوله: وخذوهم واحصروهم، فأما الجملة الأولى فهى مغايرة لتعلقها بقوله حيث وجدتموهم، وهكذا حال الرابعة، فإنها متعلقة بغيرها فلم يبق إلا قوله: وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ
وقد تضمنا الواو، وفيهما من حسن السبك وجودة التأليف وخفته على الآذان ما لا يخفى، فأين هذا من ذاك.
الضرب الرابع فى بيان المعاظلة بالصفات المتعددة
ومثاله قوله أبى الطيب المتنبى «١» :
دان بعيد مبغض بهج ... أغرّ حلو ممرّ ليّن شرس
ند أبى غر واف أخى ثقة ... جعد سرىّ نه ندب رضى ندس
ومن هذا قول أبى تمام يصف رمحا «٢» :
مارنه لدنه مثقفه ... عراصه فى الأكف مطّرده
وقال أيضا يصف سحابة:
مسفّة ثرّة مسحسحة ... وابلة مخضلّة برده
فلما حصلت هذه الأوصاف على هذه الصفة ثقلت على الألسنة ومجتها الآذان، وصارت بمنزلة سلسلة بلا شك، وقطع فضة أو ذهب مبددة من غير سبك، وليس يخفى على من له أدنى ذوق مخالفة هذا لقوله تعالى: السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
[الحشر: ٢٣] ، مع كونها أوصافا متعددة من غير واو، لكن بينها بعد لا يدرك أمده، ولا ينال حصره ولا عدده، فى حسن التأليف وجودة السبك ولذة المسموع وسهولة الأسلوب.
стр. 460
الضرب الخامس فى بيان المعاظلة بالإضافة المتعددة
ومثاله قولك لبد، سرج، فرس، غلام، دابة، زيد وما هذا حاله فإنه يثقل على الأذن فى سماعه، وتنفر النفوس عن تأليفه، ونحوه قول من قال من الشعراء «١» :
حمامة جرعى حومة الجندل اسجعى ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع
فلما أضاف حمامة إلى جرعى، وأضاف جرعى إلى حومة، وأضاف حومة إلى الجندل، أكسبه ذلك ركة، ونزولا، فهذا ما أردنا ذكره فى المعاظلة، وهى وإن كانت مكروهة فى بليغ الكلام وفصيحه، لكن غيرها ربما كان أدخل فى الكراهة، وأبعد عن أساليب الفصاحة.
стр. 461
الصنف الرابع عشر فى بيان المنافرة بين الألفاظ ومراعاة حسن مواقعها
اعلم أن حسن التأليف وجودة السبك له موقع عظيم فى البلاغة، والفرق بين هذا الصنف والذى قبله، هو أن المعاظلة آئلة إلى البعد عن تراكب الألفاظ وترادفها كما فصلنا أمثلته، وهذا النوع ليس فيه تراكب ولا تداخل، وإنما حاصله هو أن إيراد اللفظة غير لائق بموضعها التى وردت فيه فتورث فى الكلام تنافرا، وتكون بمنزلة نواة فى عقد در، وبعرة بين لآلىء إلى غير ذلك من المباينة، فحاصل الأمر فى المنافرة أن معناها وقوع الكلام غير ملائم لما قبله ولا مناسب له، ثم هى فى وقوعها فى الكلام على وجهين:
الوجه الأول منهما أن يكون التنافر واقعا فى كلمة واحدة ومثاله قول أبى الطيب المتنبى «١» :
لا يبرم الأمر الذى هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذى هو يبرم
فقوله: «حالل» ينبو الفهم عنها لكونها غير لائقة لأجل لفظها؛ فأما معناها فهو مستقيم، ولهذا فإنه لو أبدلها بقوله فلا يبرم الأمر الذى هو ناقض ولا ينقض الأمر الذى هو يبرم لكانت صحيحة غير نافرة، فظهر بما قررناه أن النفار عنها إنما كان من أجل صيغتها وهو تفكيك الإدغام الذى كان فيها لا غير، ولهذا فإن لفظة «يحلل» مخالف «لحالل» فإنه جاء الفك فى الفعل المضارع كقوله تعالى: وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي
[طه: ١١] والسر فى ذلك هو أن حركة اللام فى الإسم لازمة لأجل الإعراب، فلهذا التزم إدغامه لأن الإدغام إنما يكون بساكن فى متحرك، بخلاف الفعل، فإن حركة اللام غير لازمة لأجل الجازم، فلهذا جاء فيه الفك، وقد وضح ذلك بما ذكرناه لك أن تبديل «حالل» «بناقض» هو الوجه، وأن حاللا ليس فصيحا كما قررناه، وحكى عن المعرى أنه كان كثير الغرام بشعر أبى الطيب المتنبى، وكان يسميه الشاعر، ومن عداه يسميه باسمه، وكان يقول ليس فى شعره لفظة يكون غيرها أحسن منها، وهذا لا وجه له، فإن الحق أحق أن يتبع، فإن الأفصح خلاف ما أتى به فى هذا البيت كما أشرنا إليه، ومن ذلك ما أنشده بعض الأدباء لدعبل:
شفيعك فاشكر فى الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
стр. 462
فالفاء فى قوله «فاشكر» لا موقع لها وهى فى اعتراضها بمنزلة ركبة البعير، وقد زعم بعضهم أن الفاء فى قوله «شفيعك فاشكر» بمنزلة الفاء فى قوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)
[المدثر: ٣] وهذا فاسد لأمرين أما أولا: فلأن الفاء فى قوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)
جاءت مؤذنة بعطف الفعل على ما قبله، فى قوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)
[المدثر: ٢- ٣] بخلاف هذه، فإن ما قبلها ليس صالحا للعطف عليه، وأما ثانيا: فلما ترى فيها من الخفة على اللسان والسلاسة فى الحلق، بخلاف قوله «شفيعك فاشكر» فإنها غير مريئة على الفؤاد، ولا عهد لها بالعذوبة.
الوجه الثانى: أن توجد فى الألفاظ المتعددة ومثاله قول أبى الطيب المتنبى «١» :
لا خلق أكرم منك إلّا عارف ... بك داء نفسك لم يقل لك هاتها
فإن صدر هذا البيت فى غاية الرقة واللطافة، خلا أن عجزه ليس ملائما لصدره، ولكنه وقع منافرا له كما ترى ومنه قوله أيضا «٢» :
وما بلّد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق
وقوله أيضا:
كلّ آخائه كرام بنى الدنيا «٣» ... وكان الأحسن إخوانه
فهذا البيت مما يعد فى الوجه الأول، ثم أقول إن هذه الأبيات التى أوردها أهل البلاغة نقما على المتنبى وتمثيلا للمنافرة فى هذه الألفاظ هى عندى فى غاية الرقة والرشاقة، وما فيها عيب إلا كما يقال فى الخبيص إنه كثير سكره، أو فى طبيخ إنه زاد زعفرانه، نعم التعريف بموقع هذا الصنف مقصود، وأنه ينبغى للناظم والناثر تجنبه وتوخى الألفاظ الرقيقة وحسن مواقعها فى التأليف.
стр. 463
الصنف الخامس عشر فى التورية
اعلم أن هذا الاسم عبارة عن كل ما يفهم منه معنى لا يدل عليه ظاهر لفظه ويكون مفهوما عند اللفظ به، واشتقاقه من قولهم وريت عن كذا إذا سترته، وفى الحديث كان إذا أراد سفرا ورى بغيره، أى ستره وكنى عنه وأوهم أنه يريد غيره، وهذا نحو الكناية والتعريض، والمغالطة والأحاجى والألغاز، فهذه الأمور كلها مشتركة فى كونها دالة على أمور بظاهرها، ويفهم عند ذكرها أمور أخر غير ما تعطيه بظواهرها، فأما الكناية والتعريض فقد قدمنا الكلام فيهما، وذكرنا أمثلتهما، وأظهرنا التفرقة بينهما فأغنى ذلك عن إعادته، والذى نذكره ههنا، إنما هو المغالطة والإلغاز والأحجية وهى مندرجة تحت الإلغاز، وليس بينهما تفرقة، فهذان ضربان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما، وهذه الأمور كلها، وإن كانت قريبة المأخذ سهلة المدرك، وليس يتعلق بها كبير بلاغة ولا عظيم فصاحة، ولكنها غير خالية عن تفنن فى الكلام واتساع فيه، وتدل على تصرف بالغ وقوة على تصريف الألفاظ واقتدار على المعانى فهى غير خالية عن فن من فنون البلاغة وعلم البديع، وقد جرت عادة العلماء من أهل البلاغة على ذكرها والكلام عليها، فلا جرم أوردناها ولم نخل هذا الكتاب عنها.
الضرب الأول فى المغالطة المعنوية
اعلم أن المغالطة المعنوية هى أن تكون اللفظة الواحدة دالة على معنيين على جهة الاشتراك فيكونان مرادين بالنية دون اللفظ، وذلك لأن الوضع فى اللفظة المشتركة أن تكون دالة على معنيين فصاعدا على جهة البدلية، هذا هو الأصل فى وضع اللفظ المشترك، فإذا كان المعنيان مرادين عند إطلاقها، فإنما هو بالقصد دون اللفظ، والتفرقة بين المغالطة والإلغاز هو أن المغالطة كما ذكرناه إنما تكون بالألفاظ المشتركة وهى دالة على أحدهما على جهة البدلية وضعا، وقد يرادان جميعا بالقصد والنية، بخلاف الإلغاز، فإنه ليس دالا على معنيين بطريق الاشتراك ولكنه دال على معنى من جهة لفظه وعلى المعنى الآخر من جهة الحدس لا بطريق اللفظ فافترقا بما ذكرناه، ويتضح الحال فى المغالطة المعنوية بذكر أمثلتها، المثال الأول ما قاله أبو الطيب المتنبى «١» :
يشلّهم بكلّ أقبّ نهد ... لفارسه على الخيل الخيار
стр. 464
وكلّ أصمّ يعسل جانباه ... على الكعبين منه دم ممار
يغادر كلّ ملتفت إليه ... ولبّته لثعلبه وجار
فالثعلب هو الحيوان المعروف، والثعلب هو طرف سنان الرمح مما يلى الصعدة، فلما اتفق الاسمان حسن لا محالة ذكر الوجار. لما كان الوجار يصلح لهما جميعا، فاللبة وجار ثعلب السنان وهو بمنزلة جحر الثعلب أيضا، ومن ذلك ما أنشد لبعض العراقيين يهجو رجلا كان على مذهب أحمد بن حنبل ثم انتقل إلى مذهب الشافعى قال فيه:
فمن مبلغ عنى الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدى لديه الرسائل
تمذهبت للنّعمان بعد ابن حنبل ... وفارقته إذ أعوزتك المآكل
وما اخترت رأى الشافعى تديّنا ... ولكنّما تهوى الذى هو حاصل
وعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى مالك فاسمع لما أنا قائل
فمالك ههنا يصلح أن يكون مالك بن أنس صاحب المذهب ويصلح أن يكون مالكا خازن النار، فهذه مغالطة لطيفة كما ترى على الوصف الذى ذكرناه، ومن ألطف ما قيل فى المغالطات المعنوية ما قاله بعضهم يهجو الشعراء:
فخلطتم بعض القرآن ببعضه ... فجعلتم الشّعراء فى الأنعام
فالشعراء ههنا كما يصلح اسمه للسورة المعروفة، والأنعام أيضا اسم للسورة، فهما يصلحان أن يكون الشعراء جمع شاعر، وأن الأنعام جمع نعم، وهى البقر والغنم والإبل، فهذه مغالطة رشيقة لاشتمالها على ذكر الأمرين جميعا، ومن ذلك قوله فى صفة الإبل:
صلب العصا بالضرب قد أدماها ... تودّ أن الله قد أفناها
إذا أرادت رشدا أغواها ... تخاله من رقّة أباها
فالضرب لفظ مشترك يطلق على الضرب بالعصا وعلى السير فى الأرض، وهكذا قوله قد أدماها فإنه يقال: أدماه إذا أسال دمه، وأدماه إذا جعله كالدمية، وهى الصورة، وقوله أفناها. يقال أفناه إذا أذهبه، وأفناه إذا أطعمه الفناء وهو عنب الثعلب، وقوله أغواها.
يقال أغواه إذا أطعمه الغوىّ، وأغواه إذا أزاله عن رشده، فالفناء والغوى شجران كما ترى، فهذه هى أمثلة المغالطة المعنوية وهى مقررة على الاشتراك كما أشرنا إليه.
стр. 465
الضرب الثانى فى أمثلة الإلغاز وهو الأحجية
وهو ميلك بالشىء عن وجهه، واشتقاقه من قولهم طريق لغز إذا كان يلتوى ويشكل على سالكه، ويقال له المعمى أيضا ويفارق ما ذكرناه من المغالطة المعنوية فإنها مبنية على اشتراك اللفظ بين معنيين كما أسلفنا تقريره، بخلاف اللغز، فإنه إنما يوجد من جهة الحدس والحزر لا من جهة دلالة اللفظ بحقيقته، ولا بمجازه، ومثاله قول بعض الشعراء فى الضرس:
وصاحب لا أملّ الدهر صحبته ... يسعى لنفعى ويسعى سعى مجتهد
ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت ... عينى عليه افترقنا فرقة الأبد
فما هذا حاله من الكلام ليس فيه دلالة على الضرس لا من جهة حقيقة اللفظ ولا من جهة مجازه، وإنما هو شىء يعرف بدقة الذكاء وجودة الفطنة، ومن أجل هذا تختلف القرائح فى السرعة والإبطاء فى فهمه، ومن الأمثلة ما قال بعض الشعراء فى أيام الأسبوع ولياليه:
سبع رواحل ما ينخن من الونى ... شيم تساق بسبعة زهر
متواصلات لا الدّءوب يملّها ... باق تعاقبها على الدهر
فما ذكره لا يفهم من طريق الحقيقة ولا من جهة المجاز ولا من جهة المفهوم، وإنما يفهم بطريق الحدس والحزر، ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبى يصف السفن فى قصيدته التى يمدح بها سيف الدولة عند ذكره لصورة الفرات التى مطلعها (الرأى قبل شجاعة الشجعان) قال فيها:
وحشاه عادية بغير قوائم ... عقم البطون حوالك الألوان
تأتى بما سبت الخيول كأنها ... تحت الحسان مرابض الغزلان «١»
وهذا من جيد ما يذكر فى الإلغاز وبديعه لما فيه من الرشاقة والحسن، ومن ذلك ما قاله بعضهم يصف حجر المحكّ الذى تستعمله الصاغة:
ومدّرع من صبغة الليل برده ... يفوق طورا بالنّضار ويطلس
إذا سألوه عن عويصين أشكلا ... أجاب بما أعيى الورى وهو أخرس
стр. 466
وقد أجاب بعض الشعراء عن لغز هذين البيتين فقال:
سؤالك جلمود من الصخر أسود ... خفيف لطيف ناعم الجسم أملس
أقيم بسوق الصّرف حكما كأنه ... من الزّنج فاض بالخلوق مطلّس
ومن لطيف الإلغاز ورشيقه ما قاله بعض الشعراء فى الخلخال:
ومضروب بلا جرم ... مليح اللون معشوق
له قدّ الهلال على ... مليح القد ممشوق
وأكثر ما يرى أبدا ... على الأمشاط فى السّوق
فهذا ما أردنا ذكره من أمثله الإلغاز فى المنظوم، فأما أمثلته من المنثور فهى كثيرة، وقد ورد فى الحريريات كالذى ضمنه المقامة الثامنة فى الإبرة والمرود وغير ذلك فيها، فأما القرآن الكريم فليس فيه شىء من ذلك، لأن ما هذا حاله إنما يعرف بالحدس والنظر، والقرآن خال عن ذلك، لأن معرفة معانيه مقررة على ما يكون صريحا لا يحتمل سواه من المعانى، أو ظاهرا يحتمل غيره، أو مجملا يفتقر إلى بيان، فأما ما يعلم بالحزر والحدس فلا وجه له فى القرآن، وأما السنة فقد روى أن الرسول ﷺ كان سائرا بأصحابه يريد بدرا فلقيه بعض العرب فقال لهم ممن القوم؟ فقال الرسول ﷺ : «نحن من ماء» ، فأخذ الرجل يفكر ويقول من ماء من ماء لينظر أى العرب يقال له ماء؟، وهذا ليس يعد من الإلغاز وإنما يعد من المغالطة المعنوية، لأن قوله «ماء» يحتمل أن يكون بعض بطون العرب يقال له «ماء» كما يقال هو «ماء السماء» ويحتمل أن يكون مراده أنهم مخلوقون من الماء، أى النطفة، فهو كما ذكرناه صالح للأمرين على جهة الاشتراك، ودلالة الإلغاز إنما هى من جهة الحدس لا من جهة اللفظ كما أشرنا إليه، فإذن فالقرآن والسنة جميعا منزهان عما ذكرناه من الإلغاز، ويحكى عن امرىء القيس أنه تزوج امرأة فأراد امتحانها من هذه الإلغازات، فقال لها قبل أن يتزوجها ما اثنان، وما ثلاثة، وما ثمانية، فقالت: أما الاثنان فثديا المرأة، وأما الثلاثة فأخلاف الناقة، وأما الثمانية فأطباء الكلبة، وهو كثير فى كلام العرب فى منظومها ومنثورها كما أشرنا إليه.
стр. 467
الصنف السادس عشر فى التوشيح
اعلم أن هذا النوع إنما لقب بالتوشيح لأن معناه أن يبنى الشاعر قصيدته على بحرين من البحور الشعرية، فإذا وقف على القافية الأولى فهو شعر كامل مستقيم، وإذا وقف على الثانية كان بحرا آخر، وكان أيضا شعرا مستقيما من بحر آخر، فلما كان ما يضاف إلى القافية الأولى زائدا على الثانية سمى توشيحا، لأن الوشاح ما يكون من الحلى على الكشح زائدا عليه، ويقال له التشريع أيضا، لأن ما هذا حاله من الشعر فإن النفس تشرع إلى تمام القافية وكمالها، وقد يقع فى المنثور أيضا على معنى أن الفقرة الأولى تكون مختصة بتسجيعتين وتكون الثانية تابعة لها على هذا الحد، وهذا التوشيح إنما يقع ممن كان يتعاطى التمكن من صناعة النظم، عظيم البراعة فى ذلك مقتدرا على كثير من الأساليب، ومن أمثلته ما قاله بعض الشعراء:
اسلم ودمت على الحوادث ما رسا ... ركنا ثبير أو هضاب حراء
ونل المراد ممكّنا منه على ... رغم الدهور وفز بطول بقاء
فإذا اقتصرت على القافية الأولى وهى ما رسا ركنا ثبير، كان شعرا تاما قد اختص ببحر مخصوص، وإذا زدت عليه قولك أو هضاب حراء، كان شعرا آخر مختصا ببحر آخر، وهكذا حال البيت الثانى كما ترى، وهكذا قوله «١» :
وإذا الرّياح مع العشىّ تناوحت ... هدج الرّئال تكبّهنّ شمالا
ألفيتنا نقرى العبيط لضيفنا ... قبل العيال ونقتل الأبطالا
فالاقتصار على قوله هدج الرئال بيت على حياله على بحر من بحور الشعر، فإذا زدت قوله تكبهن شمالا، كان شعرا وخرج عن البحر الأول، وهكذا حال البيت الثانى فى قوله قبل العيال مع قوله ونقتل الأبطالا، وقد وقع فى الحريريات كقوله «٢» :
يا خاطب الدنيا الدّنية إنها ... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
فقوله شرك الردى، بيت كامل على بحر مخصوص، وإذا أضفت إليه قوله وقرارة الأكدار، كان شعرا وكان من بحر آخر، وقد روى عن بعض الشعراء أنه كان ينظم القصيدة على ثلاثة أبحر من الشعر ثم ينشد كل واحد منها على حياله مخالفا للآخر، واقترح عليه بعض أصحابه أن يصنع مثل ذلك فصنعه وأجاد فيه، نعم وإن كان واردا فى المنظوم والمنثور كما ذكرناه، ولكن وروده فى المنظوم أحسن بهجة وأرسخ عرقا فى البلاغة.
стр. 468
الصنف السابع عشر فى التجريد
اعلم أن التجريد فى أصل اللغة هو إزالة الشىء عن غيره فى الاتصال، فيقال: جرّدت السيف عن غمده، وجردت الرجل عن ثيابه، إذا أزلتهما عنهما، ومنه قوله ﵇ «لا مد ولا تجريد» يعنى فى حد القذف وحد الشرب، وأراد أن المحدود لا يمد على الأرض ولا يجرد عن ثيابه، فأما فى مصطلح علماء البيان فهو مقول على إخلاص الخطاب إلى غيرك وأنت تريد به نفسك، وقد يطلق على إخلاص الخطاب على نفسك خاصة دون غيرها، وهو من محاسن علوم البيان ولطائفه، وقد استعمل على ألسنة الفصحاء كثيرا فصار مقولا على هذين الوجهين، فلنقصر الكلام فيه عليهما، ونذكر له تقريرين.
التقرير الأول فى التجريد المحض
وهو أن تأتى بكلام يكون ظاهره خطابا لغيرك وأنت تريده خطابا لنفسك فتكون قد جردت الخطاب عن نفسك وأخلصته لغيرك، فلهذا يكون تجريدا محققا، وهذا كقول بعض الشعراء فى مطلع قصيدة له:
إلام يراك المجد فى زىّ شاعر ... وقد نحلت شوقا فروع المنابر
كتمت بعيب الشعر حلما وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر
أما وأبيك الخير إنّك فارس ل ... مقال ومحيى الدارسات الغوائر
وإنّك أعييت المسامع والنّهى ... بقولك عمّا فى بطون الدّفاتر
فهذا وما شاكله من أحسن ما يوجد فى التجريد، ألا تراه فى جميع هذه الخطابات ظاهرها يشعر بأنه يخاطب غيره والغرض خطاب نفسه، وهذا هو السر واللباب فى التجريد كما أسلفنا تقريره.
التقرير الثانى فى بيان التجريد غير المحض
وهو أن تجعل الخطاب لنفسك على جهة الخصوص دون غيرها، والتفرقة بين هذا، والأول ظاهرة، فإنك فى الأول جردت الخطاب لغيرك وأنت تريد به نفسك، فإطلاق اسم التجريد عليه ظاهر، بخلاف الثانى، فإنه خطاب لنفسك لا غير، وإنما قيل له تجريد لأن نفس الإنسان لما كانت منفصلة عن هذه الأبعاض والأوصال، صارت كأنها منفصلة عنها فلهذا سمى تجريدا، ومثاله ما قاله عمرو بن الإطنابة «١» :
стр. 469
أقول لها وقد جشأت وجأشت ... مكانك تحمدى أو تستريحى
ومن هذا ما قاله بعض الشعراء:
أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدىّ أصابتنى ولم ترد «١»
ومن ذلك ما قاله الأعشى «٢» :
ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل
فهو فى هذه الأبيات كلها خطابه مقصور على نفسه دون غيره، فإذا تمهدت هذه القاعدة فهل يطلق اسم التجريد على النوع الثانى على جهة الحقيقة أم لا، وفيه مذهبان،
المذهب الأول أنه لا يطلق عليه اسم التجريد، وإنما يقال له نصف تجريد، وهذا هو الذى زعمه ابن الأثير ،
فإن التجريد الحقيقى هو ما ذكرناه فى النوع الأول، وهو أن تخاطب غيرك وتوجه الخطاب إليه وأنت تريد نفسك، وأما ما هذا حاله فإنك توجه الخطاب فيه إلى نفسك، فلهذا كان نصف تجريد كما ترى، والحقيقة هى أن الإنسان لا يخاطب نفسه، وإنما يخاطب غيره.
المذهب الثانى أن اسم التجريد يطلق عليه وهذا هو الذى ذكره أبو على الفارسى
وهذا وهو الأقرب، وتقريره هو أن الإنسان حقيقة ليس عبارة عن هذه الصورة المدركة من الأبعاض والأوصال، وإنما هو أمر وراء ذلك، وللعلماء فيه خوض عظيم وتفاصيل طويلة، وأقربها مذهبان، أحدهما وهو الذى عول عليه المعتزلة وهو مذهب أئمة الزيدية، أن حقيقة الإنسان عبارة عن مجموع آسان متصلة به تقصد بالمدح والذم والثواب والعقاب والأمر والنهى وغير ذلك مخالفة لسائر الحقائق وهى الإنسانية، وهى مؤلفة من أجزاء جسمانية، وثانيهما مذهب أكثر الفلاسفة، وهو أن الإنسانية عبارة عن النفس الناطقة، وهى أمر حاصل فى الإنسان ليست جسما ولا عرضا، ولكنها حقيقة معقولة إلى غير ذلك من التفاصيل لمذهبهم، فإذا كان الأمر كما قلناه فحاصل كلام الفارسى أن العرب تعتقد
стр. 470
أن فى الإنسان معنى كامنا فيه، فتعتقد أنه أمر خارج عن الإنسان فتخاطبه بالخطاب والغرض غيره، فلهذا كان هذا تجريدا مشبها للأول، وهذا الذى يمكن أن يقرر عليه كلام الفارسى فى تسمية ما هذا حاله تجريدا، وقد عاب ابن الأثير على الفارسى هذه المقالة ووجه الخطأ عليه من وجهين، الوجه الأول منهما أنه قال: إن حقيقة الإنسان معنى كامن فيه، هو حقيقته، ولا وجه لذلك، فإن المعقول من صفة الإنسان هو هذه البنية المشار إليها من غير تخصيص هناك فيها، وهذا فاسد فإن الحق ما قاله الفارسى كما حكيناه عن أهل الإسلام، والمعتزلة وغيرهم، وعن الفلاسفة من أن حقيقة الإنسان هى أمر حاصل فيه، ولم ينكره ابن الأثير إلا لأنه قليل الخلطة بالمباحث الكلامية والعلوم العقلية، ولو اطلع على مقالة العقلاء من المسلمين والفلاسفة واضطراب أقوالهم فيها، لم ينكر على الفارسى هذه المقالة ولتحقق يقينا لا شك فيه أن فى الزوايا خبايا، وأن فى الخبايا خفايا، الوجه الثانى أنه قال: إنه قد أدخل فى التجريد ما ليس منه، وهذا فاسد أيضا فإنه إذا تحقق ما قلناه من أن حقيقة الإنسان أمر مخالف لهذه البنية المدركة المحسوسة عقل التجريد، وكأنها هى المخاطبة بالخطابات والمراد غيرها كما قلناه فى التجريد المحقق من أن الخطاب موجه إلى غيرك وأنت فى الحقيقة تريد به نفسك، فهذا ما أردنا ذكره من حقائق التجريد وذكر وجوهه والخلاف فيه والله أعلم.
стр. 471
الصنف الثامن عشر التدبيج
ومعناه أن تذكر فى الكلام ألوانا من الأصباغ تدل على المدح والذم، واشتقاقه من الديباج، وهو نوع من الحرير وله فى البلاغة موقع عظيم وهو يكسب الكلام بلاغة ويزيده حلاوة، ويرد على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون واردا فى المدح ،
وهذا كقول أبى تمام «١» :
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهى من سندس خضر
يعنى أنه لبس ثياب الدنيا وهى حمر من الدماء فى الجهاد ثم استشهد بعد ذلك فما أتى الليل إلا وقد خرجت روحه من الدنيا وفارق الحياة وصار إلى الجنة لابسا ثياب السندس من عبقرى الجنان، فكنى عن حال القتال بالثياب الحمر، وكنى عن دخول الجنة بالثياب الخضر، ففيه من الحسن ما فيه، ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء يمدح أقواما بالكرم وشرف الخصال:
إن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم يوم نائل أو نزال
تلق بيض الوجوه سود مثار ... النّقع خضر الأكناف حمر النّصال «٢»
الوجه الثانى: أن يكون واردا فى الذم ،
ومثاله ما قاله بعض الشعراء:
وأحببت من حبّها الباخلين ... حتى ومقت ابن سلم سعيدا
إذا سيل عرفا كسا وجهه ... ثيابا من اللّؤم بيضا وسودا
ومما شاكل ذلك ما ورد فى الحريريات: «فمذ ازور المحبوب الأصفر، واغبر العيش الأخضر اسود يومى الأبيض، وابيض فودى الأسود، حتى رثى لنا العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر» .
وله أصل فى البلاغة راسخ، وفرع فى الفصاحة باسق شامخ.
стр. 472
الصنف التاسع عشر التجاهل
اعلم أن هذه الصيغة أعنى «تفاعل» موضوعة على أن تريك الفاعل على صفة ليس هو عليها، وهذا كقولك لغيرك تضارر وما به ضرر، وتعامى عن الحق وما به عمى، وتجاهل وما به جهل، هذا ما تفيده باعتبار وضعها، والتجاهل مصدر تجاهل، فالتجاهل يعطى ما يعطيه قولنا تجاهل، وهو ما ذكرناه، وأما وضعه فى اصطلاح علماء البيان، فهو منقول إلى فن من فنون البديع، وهو أن تسأل عن شىء تعلمه موهما أنك لا تعرفه وأنه مما خالجك فيه الشك والريبة وشبهة عرضت بين المذكورين، وهو مقصد من مقاصد الاستعارة، يبلغ به الكلام الذروة العليا، ويحله فى الفصاحة المحل الأعلى، ومثاله قول بعض الشعراء:
أياظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا آنت أم أمّ سالم
فانظر إلى عمله فى هذا البيت كيف جهل نفسه وأنزلها منزلة غبى لا يفرق بين أم سالم وبين الظبية الوحشية فى الصورة، وأنها متلبسة عليه بها، وأوهم فى كلامه هذا أنه أشكل عليه المسمى باسم الظبية على جهة الحقيقة، وأنه لا يميز بين الأمرين، هل اسم الظبية مستعار لأم سالم من الظبية الوحشية، أو يكون الأمر على العكس من ذلك، فلما كان الأمر كما قلناه سأل عن ذلك واستفهم عنه، فمتى سيق الكلام على هذا المساق، بلغ فى الفصاحة مكانا رفيعا، ويقرب من ذلك ما قاله بعضهم «١» :
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر
فانظر إلى تحيره هل ليلاه من الإنس، أم من الوحش، وهمزة الاستفهام محذوفة، وقد دل عليها بقوله أم، لأنها تشعربها وتحذف معها كثيرا، إلا أن تكون أم منقطعة، فقد تأتى بغير همزة كما هو محقق فى علم الإعراب، ومن ذلك ما قاله زهير «٢» :
وما أدرى وسوف إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء
стр. 473
فلما أشكل عليه الأمر هل لهم صفة الذكورة أو صفة الأنوثة، سأل عن حقيقة الأمر فى ذلك واستفهم عنه.
ومما يلحق بأذيال هذا الصنف ويجىء على أثره الهزل الذى يراد به الجد، مثاله قول بعضهم:
إذا ما تميمىّ أتاك مفاخرا ... فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضّب
فالاستفهام جامع لهما جميعا، لكنه أورده على جهة التهكم به والهزء والسخرية، والغرض به الجد، والمعنى فى هذا عد عن المفاخرة التى أنت تطلبها فإنها مرتبة عالية سنية، ولكن حدثنى عن أكلك للضب كما هى عادتك، فهو يماثل التجاهل كما ترى وإن كان بينهما تفرقة ظاهرة.
стр. 474
الصنف الموفى عشرين وهو الترديد
والترديد تفعيل من قولهم: ردد الثوب من جانب إلى جانب، وردد الحديث ترديدا أى كرره، ومعناه فى مصطلح علماء البيان أن تعلّق اللفظة بمعنى من المعانى ثم تردّها بعينها وتعلقها بمعنى آخر، وعند هذا يحسن رصفه ويعجب تأليفه هذا كقول أبى نواس فى وصف الخمر «١» :
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسّها حجر مسّته سرّاء
فأضاف المس الأول إلى الحجر فى الأول ثم أضاف المس إلى السراء فى الثانى ليكون الكلام متناسبا مفيدا لفائدة جديدة وكقول ابن جبلة:
مضطرب يرتجّ من أقطاره ... كالماء جالت فيه ريح فاضطرب
إذا تظنّينا به صدّقنا ... وإن تظنّى فوقه الدهر كذب
لا يبلغ الجهد به راكبه ... ويبلغ الريح به حيث طلب
ففى كل واحد من هذه الأبيات لفظة مكررة قد علق عليها فى الأول ما لم يعلق عليها فى الثناء كما تراه حاصلا فى صورته، وما هذا حاله يقال له التعطف لأنه يتعطف على الكلمة الواحدة فيوردها مرتين، ومنه تعطفت الناقة على ولدها إذا كانت ترضعه مرة بعد مرة، فهذا ما أردنا ذكره فى هذا النمط من أنواع البديع المتعلقة بالفصاحة اللفظية، قد اقتصرنا فيه على هذا القدر ففيه كفاية، ونحن وإن أخللنا بشىء من أوصافه فإنه مندرج تحت ما ذكرناه من هذه الأصناف بمعونة الله تعالى.
стр. 475
النمط الثانى من أنواع البديع وأصنافه مما يتعلق بالفصاحة المعنوية
اعلم أنا قد اخترنا إيراد أنواع البديع على هذين النمطين وهما فى الحقيقة متقاربان، لأنه لا بد من اعتبار اللفظ والمعنى فيهما جميعا، خلا أن الأول الغرض فيه الاعتماد على فصاحة الألفاظ وعلى هذا يكون المعنى تابعا، النمط الثانى المقصود منه هو الاعتماد على بلاغة المعانى وتكون الألفاظ تابعة، وعلى هذا يعقل التغاير بين النمطين، وكل ما ذكرناه خوض فى علم البديع وبيان أنواعه،
ويشتمل هذا النمط على خمسة وثلاثين صنفا نوردها الأول فالأول .
الصنف الأول التفويف
وهو فى علم البديع فى الذروة العليا، وهو فى مصطلح علماء البيان ما يدل على معنى آخر بقرينة أخرى كما ستراه موضحا بالأمثلة، واشتقاقه من قولهم برد مفوّف، وهو الذى يكون على لون ثم يخالطه لون أبيض، وقد يرد التفويف فيه تارة من جهة لفظه وتارة من جهة معناه، فهذان ضربان نذكر ما يتعلق بكل واحد منهما ونمثله بمعونة الله تعالى
الضرب الأول منهما راجع إلى المعنى ،
وضابطه هو أن تصف الممدوح بما يدل على مدحه من صفات المكارم وسمات المحامد، ثم تورد صفات دالة على ذمه، لكن اقترن بها ما يرشد إلى كونها مدحا، فالتفويف داخل فى هذه الجهة، ومثاله قول جرير «١» :
هم الأخيار منسكة وهديا ... وفى الهيجاء كأنّهم صقور
بهم حدب الكرام على المعالى ... وفيهم عن مساويهم فتور
خلائق بعضهم فيها كبعض ... يؤمّ كبيرهم فيها الصّغير
عن النّكراء كلهم غبىّ ... وبالمعروف كلّهم بصير
فكل واحد من هذه الأبيات قد تضمن ما يرشد إلى الذم، لكنه اقترن به ما أخرجه إلى المدح فقوله «كأنهم صقور» صفة ذم لأن من شأن الصقور الخطف والبغى لكنه لما اقترن بقوله «الهيجا» كان مدحا لأن الإنسان إذا كان فى الحرب كالصقر يغلب غيره ويسلبه فهو
стр. 476
مدح لا محالة، وهكذا قوله «وفيهم عن مساويهم فتور» لأن الفتور هو الضعف والعجز وهما ذمان، خلا أنه اقترن بقوله «بهم حدب الكرام على المعالى» فصيره مدحا لأن الإنسان إذا كان عظيم الولوع بالخصال السامية والمراتب العالية وكان ضعيفا متكاسلا عن المساوى ففيه نهاية المدح وهكذا قوله «يؤم كبيرهم فيها الصغير» فإنه يكون ذما لأنه لا خير فى الكبير إذا كان مقتديا بالصغير، وإنما المدح هو عكسه لكنه لما اقترن بقوله «خلائق بعضهم فيها كبعض» أفهم أن الصغير والكبير فيهم سواء فى فعل المعروف والإحسان، وهكذا قوله: «عن النكراء كلهم غبى وبالمعروف كلهم بصير» فإن الغباوة صفة ذم، خلا أنه لما اقترن به قوله: «وبالمعروف كلهم بصير» كان دليلا على المدح فهذا ما يحتمله هذا الضرب.
الضرب الثانى أن يكون راجعا الى الألفاظ
وهو أن تأتى بجمل مقطعة، وهذا كقول من قال يصف السحاب «١» :
تسربل وشيا من حرير تطرّزت ... مطارفها لمعا من البرق كالتبر
فوشى بلا رقم ونقش بلا يد ... ودمع بلا عين وضحك بلا ثغر
فهذا وأمثاله يعد فى التفويف لما جاء مقطعا على أوزانه فى العروض.
الصنف الثانى التنبيه
وحاصله أن تطلق كلاما ثم تردفه بما يؤيده ويقرر معناه، ومثاله قول من قال:
هو الذئب أو للذئب أوفى أمانة ... وما منهما إلّا أذلّ خؤون
فأطلق قوله هو الذئب للإخبار عنه بالغدر والمكر، ثم أردفه بقوله «أو للذئب أوفى أمانة» تنبيها على قول من يقول وأى أمانة للذئب، فقال مستدركا مقررا للمعنى «وما منهما إلا أذل خؤون» فالتنبيه إنما كان بقوله «أو للذئب أوفى أمانة» ليستدعى قوله «وما منهما إلا أذل خؤون» ومنه قول الآخر:
وقد أعددت للحدثان حصنا ... لو انّ المرء تنفعه العقول
فقوله «أعددت للحدثان حصنا» تنبيه على قول قائل: وهل يمنع من الحدثان حصن؟
فتلافاه بقوله «لو أن المرء تنفعه العقول» وقال بعض الشعراء:
стр. 477
إذا ما ظمئت إلى ريقها ... جعلت المدامة عنها بديلا
وأين المدامة من ريقها ... ولكن أعلّل قلبا عليلا
فنبه بقوله: «وأين المدامة من ريقها» على قول قائل: هل تكون المدامة بدلا عن ريقها، فاستدرك عند ذلك بقوله: «ولكن أعلل قلبا عليلا» .
ومما هو منسحب فى أذيال التنبيه «التتميم» وهو أن تأخذ فى بيان معنى فيقع فى نفسك أن السامع لم يتصوره على حد حقيقته وإيضاح معناه فتعود إليه مؤكدا له فيندرج تحت ما ذكرناه من خاصة التنبيه، وهذا كقول ابن الرومى «١» :
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... فى الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصباح ... تجلو الدّجى والأخريات رجوم
فقوله «نجوم» ورد غير مشروح، لأنه لا يفهم منه ما ذكره من التفصيل فى البيت الآخر، فلهذا كان مبهما، فلما شرح تقاسيم النجوم فى البيت الثانى جاء متمما له ومكملا لمعناه فلا جرم كان معنى التتميم فيه حاصلا، وكان فيه التنبيه على ما ذكرناه، فلهذا أوردناه على أثر التنبيه لما كان قريبا منه وملتصقا به فكان أحق بالإيراد على أثره وبالله التوفيق.
الصنف الثالث التوشيع
ويقال له التوسيع، فأما التوشيع بالشين المثلثة الفوقانية، فاشتقاقه من توشيع الشجرة وهو تفريع أصلها، وأما التوسيع بالسين المهملة فاشتقاقه من قولهم وسع فى حفر البئر إذا فسح فيه، ومنه فسح فى المجلس، إذا وسعه لمن يجلس فيه، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن أن يأتى المتكلم بمثنى يفسره بمعطوف ومعطوف عليه، وذلك من أجل أن التثنية أصلها العطف، فيوسع الاسم المثنى بما يدل على معناه ويرشد إليه على جهة العطف، ومثاله قوله ﵇ يكبر ابن آدم ويشب معه خصلتان، الحرص وطول الأمل، وقوله ﵇ خصلتان لا يجتمعان فى مؤمن، البخل وسوء الخلق، ومنه قول ابن الرومى يمدح عبد الله بن سليمان بن وهب:
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوار غرّته ... تضاءل النّيران الشمس والقمر
стр. 478
وإن نضا حدّه أوسلّ عزمته ... تأخّر الماضيان السيف والقدر
من لم يبت حذرا من سطو سطوته ... لم يدر ما المزعجان الخوف والحذر
ينال بالظنّ ما يعيا العيان به ... والشّاهدان عليه العين والأثر
كأنه وزمام الدهر فى يده ... يدرى عواقب ما يأتى وما يذر «١»
وأحسن منه نظما وأرق جلدة وأدق فهما ما قال بعض المتأخرين:
يا من له الأطيبان المجد والكرم ... ومن له الماضيان السيف والقلم
ومن خلائقه كالروض ضاحكة ... فطبّعه الأحسنان الجود والشّيم
أنت الجواد وأنت البدر لا كذب ... يمحى بك الأسودان الظلم والظلم
هناك ربّك ما أولاك من نعم ... لا مسّك المؤذيان السقم والألم
وعادك الشهر أعواما مكرّرة ... ما عظّم الأشرفان البيت والحرم
فهذه الأبيات من أعجب ما يأتى فى أمثلة التوشيع، وهى من أرق الشعر وأمدحه، وأدخله فى حسن الانتظام وأفصحه.
الصنف الرابع التطريز
وهو تفعيل من طرزت الثوب إذا أتيت فيه بنقوش مختلفة، واشتقاقه من الطراز، وهو فارسى معرب، وهو فى مصطلح علماء البيان مقول على ما يكون صدر الكلام والشعر مشتملا على ثلاثة أسماء مختلفة المعانى ثم يؤتى بالعجز فتكرر فيه الثلاثة بلفظ واحد، ومن أمثلته ما قاله بعضهم:
وتسقينى وتشرب من رحيق ... خليق أن يلقّب بالخلوق
كأنّ الكأس فى يدها وفيها ... عقيق فى عقيق فى عقيق «٢»
وأراد بالثلاثة يدها، والكأس، والخمر، وكلها محمرة فكرر لفظة العقيق إشارة إلى ما ذكرناه، قال ابن الرومى يذم بنى خاقان:
أمور من بنى خاقان عندى ... عجاب فى عجاب فى عجاب
قرون فى رءوس فى وجوه ... صلاب فى صلاب فى صلاب «٣»
стр. 479
ولأبى نواس:
فثوبى مثل شعرى مثل نحرى ... بياض فى بياض فى بياض
ومن عجيب ما جاء فى التطريز من أبيات: ... فثوبك مثل شعرك مثل بختى
سواد فى سواد فى سواد
فالأول مقول فى لابس ثوب أبيض والثانى فى لابس ثوب أسود، ولقد أحسنا فى ذلك غاية الإحسان.
الصنف الخامس فى الاطّراد
وهو مخالف لما ذكرناه من قبل من الاستطراد، فإنا قد ذكرنا أن الاستطراد يكون كلام ثم تدخل عليه كلاما أجنبيا عنه ثم ترجع إلى الأول، بخلاف الاطراد، فإنه ذكر اسم الممدوح بعينه ليزداد إبانة وتوضيحا على ترتيب صحيح ونسق مستقيم من غير تكلف فى النظم ولا تعسف فى السبك حتى يكون ذكر الاسم فى سهولته كاطراد الماء وسهولة جريه وسيلانه ومثاله ما قال بعض الشعراء «١» :
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب
قال الأعشى «٢» :
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ يرجو شبابك وائل
وقال دريد بن الصمة «٣» :
قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب
وقال آخر:
من يكن رام حاجة بعدت عن ... هـ وأعيت عليه كل العياء
فلها أحمد المرحّى ابن يحيى ب ... ن معاذ بن مسلم بن رجاء»
فأما ذكر الأمهات والجدات فليس محمودا عند البلغاء وأهل العلم بالمدائح الشعرية لما فيه من الركة وإنزال قدر الممدوح، وقد عيب على أبى نواس فى مدحه لمحمد الأمين ذكره
стр. 480
لأمه فى مدحه حيث قال:
أصبحت بابن زبيدة ابنة جعفر ... أملا لعقد حباله استحكام
فإن مثل هذا مما يعد فى القبح فى مثل هذا المقام، وهكذا قوله:
وليس كجدّتيه أمّ موسى ... اذا نسبت ولا كالخيزران
وإنما كان هذا مكروها، لأن شرف الإنسان إنما يكون بالرجال لا من جهة النساء.
الصنف السادس: القلب
وهو من جملة أفانين البلاغة، وفيه دلالة على الاقتدار فى الكلام والإغراق فيه، ويأتى على أوجه خمسة:
أولها «التبديل»
وهو عكس الكلمات فى نظامها وترتيبها، ومثاله قولهم كلام الملوك ملوك الكلام، وفى الحريريات قوله الإنسان صنيعة الإحسان ورب الجميل فعل الندب، وشيمة الخير ذخيرة الحمد، وكسب الشكر استثمار السعادة، وعنوان الكرم تباشير البشر، وكقول المتنبى «١» :
فلا مجد فى الدّنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال فى الدنيا لمن قلّ مجده
ومنه قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ
[يونس: ٣١] .
وثانيهما قلب البعض
ومثاله قوله:
وقالوا أىّ شىء منه أحلى ... فقلت المقلتان المقتلان
فأخر ما قدمه فى أحدهما، وقدم ما أخره كما ترى.
وثالثها قلب الكل من الكلمة
ومثاله قوله «٢»
حسامك منه للأحباب فتح ... ورمحك فيه للأعداء حتف
«ففتح» مقلوبه من آخره «حتف» ويخالف ما سبقه فإن القلب فى المقلتين والمقتلين ليس إلا بعض الكلمة لا غير،
ورابعها «المجنح»
وهو أن يكون القلب فى أول كلمة من البيت وآخر كلمة منه وهذا كقوله «٣» :
لاح أنوار الهدى ... فى كفّه فى كلّ حال
فقوله «لاح» فى أول البيت مقلوبه «حال» فى آخره.
стр. 481
وخامسها «المستوى»
وهو الذى من أوله وآخره على جهة الاستواء، وهو قليل نادر صعب المسلك، وعر المرتقى لا يكاد يأتى به إلا من أفلق فى البلاغة، وتقدم فى الفصاحة، وقد يأتى فى النثر والنظم، فمما جاء فى كتاب الله تعالى قوله: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)
[الأنبياء: ٣٣] وقوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)
[المدثر: ٣] ومنه قول بعضهم مودتى لعلى تدوم، وقال آخر دام على العماد، وفى الحريريات قوله: من يرب إذا بر ينم، وقوله سكت كل من نم لك تكس، وقوله كبر رجاء أجر ربك، ومن الشعر قوله «١» :
أس أرملا إذا عرا ... وارع إذا المرء أسا
أسند أخا نباهة ... أبن إخاء دنّسا
اسل جناب غاشم ... مشاغب إن جلسا
أسر إذا هبّ مرا ... وارم به إذا رسا
اسكن تقوّ فعسى ... يسعف وقت نكسا
وأعجب الحسن فى هذه الأمور أن تكون الألفاظ تابعة للمعانى، فعند هذا تروق وتحسن، فأما إذا جاءت على العكس من هذا نزل قدره ولم يكن معجبا كل الإعجاب
الصنف السابع: التسميط
اعلم أن من الناس من يعد هذا النوع من أنواع التسجيع، والحق ما قاله الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى: إنّه مخالف لأنواع السجع، وهو أن يؤتى بالبيت من الشعر على أربعة مقاطع، فثلاثة منها على سجع واحد مع مراعاة القافية فى الرابعة إلى أن تنقضى القصيدة على هذه الصفة، واشتقاقه من قولهم: عقد مسمط إذا روعى فيه هذه الحال، ومن أمثلته قول جنوب الهذلية:
وحرب وردت وثغر سددت ... وعلج شددت عليه الحبالا
ومال حويت وخيل حميت ... وضيف قريب يخاف الوكلا
وكقول امرىء القيس يصف رجلا قتله «٢» :
ومستلئم كشّفت بالرّمح ذيله ... أقمت بعضب ذى سفاسق ميله
فجعتبه فى ملتقى الحىّ خيله ... تركت عتاق الطير تحجل حوله
стр. 482
كأنّ على سرباله نضح جريال
فهذا حباء على أربعة مقاطيع، والخامسة هى القافية، والأول أربعة رابعتها القافية، ومن الخمسة قوله:
يا خليلىّ اسقيانى بالزّجاج ... حلب الكرمة من غير مزاج
أنا لا ألتذّ سمعا باللّجاج ... فاسقنيها قبل تغريد الدّجاج
قبل أن يؤذن صبحى بانبلاج ... إن أردت الرّاح فاشربها صباحا
ومن ذلك ما ورد فى الحريريات قوله:
لزمت السّفار وجبت القفار ... وعفت النفار لأجنى الفرح
وخضت السّيول ورضت الخيول ... بجرّ ذيول الصّبا والمرح
وقوله:
أيا من يدّعى الفهم ... إلى كم يا أخا الوهم
تعبّى الذنب والذّم ... وتخطى الخطأ الجم
الصنف الثامن كمال البيان ومراعاة حسنه
اعلم أن لهذا الصنف من المكانة فى البلاغة موقعا عظيما، وحاصله فى لسان أهل البلاغة أنه كشف المعنى وإيضاحه حتى يصل إلى النفوس على أحسن شىء وأسهله، وهو يأتى على ثلاثة أوجه نفصلها بمعونة الله تعالى، وينقسم إلى ما يكون قبيحا فى البيان وإلى ما يكون حسنا، وإلى ما يكون متوسطا فهذه وجوه ثلاثة،
الوجه الأول أن يكون قبيحا ،
وهو ما يكون فيه دلالة على العى، وهذا كالذى يحكى عن «باقل» وقد سئل عن ثمن ظبى وهو ممسك له، فقيل له كم ثمن هذا الظبى، فأراد أن يقول أحد عشر درهما فأدركه العى والحمق فأرسل الظبى وفرق بين أصابع يديه وأدلع لسانه إشارة إلى أنه بأحد عشر درهما فأفلت الظبى عن يده، ومن ركيك البيان ونازل القدر فيه أن رجلا كانت فى يده محبرة من زجاج فقيل كم أصحاب الكسا، ففتح كفه وأشار بأصابعه الخمس فسقطت المحبرة من يده وانكسرت، ولقد كان يغنيه عن ذلك أن يحرك لسانه وينطق بلفظة الخمسة فيسلم من ذلك، فهذا وما شاكله من البيانات معدود فى غاية القبح والركة، ولا يكاد يفعله إلا أهل البلاهة، ومن لا لب له،
الوجه الثانى ما يعد فى الحسن ،
وهو ما يأتى موضحا للمعنى من غير زيادة فيكون فضلا، ولا نقصان فيكون فيه إخلال، وتارة يأتى مع الإيجاز وتارة
стр. 483
مع الإطناب، فهاتان خاصتان، الخاصة الأولى مجيئه مع الإيجاز ومثاله قول الشاعر:
له لحظات عن حفافى سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل «١»
فإنه قد جمع إلى إيجازه وصف الممدوح بالخلافة ومدحه بالقدرة وشدة الانتقام وإعطاء المعروف والهيبة والجلالة والعظمة والأبهة، الخاصة الثانية مجيئه مع الإطناب ومثاله قول بعض الشعراء يمدح رجلا فأطنب فى مدحه ووصفه بالخصال الباهرة:
لقد وقفت عليه فى الجموع ضحى ... وقد تعرّضت الحجّاب والخدم
حييته بسلام وهو مرتفق ... وضجّة الناس عند الباب تزدحم
فى كفّه خيزران ريحه عبق ... فى كف أروع فى عرنينه شمم
يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم «٢»
فانظر إلى ما أودعه فى هذه الأبيات من الإطناب فى مدحه بهذه الخصال كلها، وذكرها مفصلة فيه أقوى دلالة على الإطناب، فهذه أمثلة البيان الحسن،
الوجه الثالث فى المتوسط من البيان ،
وهو ما ليس فيه قبح كالذى حكيناه عن «باقل» ولا فيه دلالة على الإيجاز والإطناب فيكون بالغا فى الحسن، ومثاله إذا قيل: كم أصحاب الكسا، فقيل خمسة، وكم المبشرون بالجنة من الصحابة، فقلت عشرة، فهذا بيان متوسط.
الصنف التاسع: الإيضاح
وهو إفعال من أوضحت الكلام إذا بينته ودرهم وضح، إذا كان مضروبا، فاشتقاقه من الظهور، يقال وضح الفجر إذا كان بينا، وفى مصطلح علماء البيان عبارة عن أن يرى فى كلامك لبسا يكون موجها، أو خفى الحكم فتردفه بكلام يوضح توجيهه ويظهر المراد منه، فهذان وجهان، الوجه الأول أن يكون الذى يؤتى به من الكلام موضحا لتوجيهه، ومثاله قول الشاعر:
يذكّرنيك الخير والشّرّ كلّه ... وفيك الحيا والعلم والحلم والجهل
فألفاك عن مكروهها متنزّها ... وألقاك فى محبوبها ولك الفضل «٣»
стр. 484
فالبيت الأول دال على التوجيه بمعنى أنه يحتمل أن يريد مدحه وأن يريد ذمه لأنه صرح بأن فيه الخير والشر، وفيه الحلم والجهل، فيحتمل أن يكون المراد مدحه، ويحتمل أن يريد ذمه، فإذا قال بعد ذلك فى البيت الثانى إنه برىء عن مكروهها، ومنزه عنه، وأنه فى محبوبها له الزيادة على غيره فى الصفات المحمودة، أزال ما يحتمله الأول من الذم، وأزال توجيهه الذى يحتمله. الوجه الثانى أن يكون الذى يؤتى به من الكلام موضحا لحكم خفى ومثاله ما يقوله بعض الشعراء:
ومقرطق يغنى النديم بوجهه ... عن كأسه المملى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... فى مقلتيه ووجنتيه وريقه «١»
فالبيت الأول حكمه خفى لإيراد القصد فيه، لأنه لم يفصح بمقصوده عن كون النديم يغنى بوجهه، وما الذى أغناه عن حمل الكأس والإبريق، فلما قال فى البيت الثانى:
فعل المدام ولونها ومذاقها ... فى مقلتيه ووجنتيه وريقه
وأراد أن المقلتين يسكران من نظر إليهما ويخجلانه كما تسكر الخمر العقول وتحيرها وتدهشها وحمرة المدام تشبهها حمرة خديه، ومذاق المدام يشبه ريقه، صار البيت موضحا لهذه الأمور الثلاثة مبينا لها ولحكمها، والمقرطق بالقافين، لابس القباء، والمقرطف. بقاف وفاء هو اللابس لثوب له خمل والله أعلم.
الصنف العاشر التتميم
وهو تفعيل من قولهم تممه إذا أكمله، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن تقييد الكلام بفضلة لقصد المبالغة، أو للصيانة عن احتمال الخطأ، أو لتقويم الوزن، فهذا تقرير معناه فى مراد علماء البلاغة، ثم يرد على أوجه ثلاثة، إما للمبالغة، وإما للصيانة، وإما لإقامة الزنة على حد ما ذكرناه فى شرح ماهيته، أولها أن يكون واردا على جهة المبالغة بأن تكون الفائدة فى تلك الفضلة إنما هى المبالغة لا غير، ومثاله قول زهير:
من يلق يوما على علّاته هرما ... يلق السّماحة منه والنّدى خلقا «٢»
стр. 485
فقوله «على علاته» تتميم للمبالغة، فوقعت فى غاية الحسن والرشاقة كما ترى، والمراد بقوله على علاته أى على حالاته وكقوله يمدح هرما أيضا:
إن الكريم على علاته هرم
فهذه اللفظة حصل من أجلها مبالغة فى المدح لا يخفى. وثانيها أن تكون واردة على جهة الصيانة عن احتمال الخطأ فترد رافعة له، ومثاله ما قاله بعض الشعراء:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الرّبيع وديمة تهمى «١»
فقوله غير مفسدها فضلة واردة لرفع الإيهام الحاصل ممن يدعو على الديار بكثرة المطر ليكون مفسدا لها، فانظر إلى موقع هذه اللفظة ما أرقه وما ذاك إلا من أجل ما اشتملت عليه من هذا الاحتراز الذى ذكرناه، وهكذا قول من قال:
لئن كان باقى عشينا مثل ما مضى ... فللحبّ إن لم يدخل النار أروح «٢»
فقوله إن لم يدخل النار معناه سلامة العاقبة، وأراد أن أول الحب كان فيه بلهنية وخفض عيش ولذة وراحة، فإن كان آخره مثل أوله فالحب لا محالة أحمد عاقبة، لكن بشرط أن تكون العاقبة فيه سليمة عما يشوبها، لأن الحب الأكثر فيه أن يكون خطأ تكاد أن تكون عقابه وخيمة يدخل بسببها النار، فإذا كان هذا سليمة عواقبة فهو أروح، يعنى مشتهى لسلامته عما لا يكاد ينفك عنه. وثالثها أن يكون واردا على جهة الاستقامة للوزن ولا يحتاج إليه فى المبالغة ولا للاحتراز، ومثاله قول المتنبى:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتى لرأيت فيه جهنّما «٣»
فإن المعنى تام، لكنه لما كان الوزن غير مستقيم لو انخرم عن قوله يا جنتى، أتى بها من أجل استقامة الزنة لا غير، فحصل طباق وحسن موقع لا يوجد مع حذفها، ولو قال عوضها «يا منيتى» لاستقام الوزن، لكن لا طباق فيها ولا يكون لها موقع حسن، وقد ذكرنا فيما سلف الاعتراض، وبينا ما يحسن منه وما يقبح، فأغنى عن الإعادة وبالله التوفيق.
стр. 486
الصنف الحادى عشر الاستيعاب
وهو استفعال من قولهم: استوعبت ما فى القدح من اللبن شربا، إذا أتيت عليه. وهو فى لسان أهل البلاغة عبارة عن أن يتعلق بالكلام معنى له أقسام متعددة فيستوعبها فى الذكر ويأتى عليها، ومثاله قول عمر بن أبى ربيعة:
تهيم إلى نعم فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا أنت تقصر
ولا قرب نعم إن دنت لك نافع ... ولا نأيها يسلى ولا أنت تصبر «١»
فانظر إلى استيعابه جميع متعلقات قوله «تهيم بحيث لو عددها بحرف العطف لكان ذلك صحيحا جامعا، وقد جاء فى القرآن ما هذا حاله كقوله تعالى: يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً
[الشورى: ٤٩] فهذا التقسيم حاصر لا مزيد على حصره مع ما فيه من البلاغة التى ليس وراءها غاية، لأنه فى معنى، الناس على طبقاتهم واختلاف أحوالهم على أربعة أصناف، فمنهم من له بنات لا غير، ومنهم من له بنون، ومنهم ذو بنات وبنين، ومنهم من هو عقيم لا ولد له من ابن ولا بنت فهذه الآية مستوعبة لما ذكرناه، وكقول بشار:
فراح فريق فى الأسارى ومثله ... قتيل وقسم لاذ بالبحر هاربه «٢»
فاستوعب أنواع التنكيل وتفريق الشمل، كأنه قال صاروا بين أسير ومقتول وهارب فى البحار لعله ينجو، وكما فعله عمرو بن الأهتم بهذيل فى قوله:
اشربا لا شربتما فهذيل ... من قتيل وهارب وأسير «٣»
فاستوعب ما وقعوا فيه من أنواع العذاب بالقتل والأسر والتطريد، وكما قال بعض أهل الحماسة:
فهبها كشىء لم يكن أو كنازح ... به الدّار أو من غيّبته المقابر «٤»
فجمع فى ذلك بين أنواع العدم حتى استوعبها، وكما قال نصيب:
فقال فريق القوم لمّا سألتهم ... نعم وفريق أيمن الله ما ندرى «٥»
стр. 487
فاستوعب جميع نوعى الجواب فى النفى والإثبات، فلم يبق بعد ذلك شىء، فما هذا حاله إذا ورد فى الكلام فى نظمه أو نثره كان أدل ما يكون على البلاغة وأقوم شىء فى الفصاحة، ولا يكاد يختص به إلا من رسخت قدمه فيها.
الصنف الثانى عشر الإكمال
وهو إفعال، من أكمل الشىء إذا حصله على حالة لا زيادة عليها فى تمامه، وهو فى مصطلح علماء البيان مقول على أن تذكر شيئا من أفانين الكلام، فترى فى إفادته المدح كأنه ناقص لكونه موهما بعيب من جهة دلالة مفهومه فتأتى بجملة فتكمله بها تكون رافعة لذلك العيب المتوهم، وهذا مثاله أن تذكر من كان مشهورا بالشجاعة دون الكرم، ومن كان عالما بالبلاغة دون سداد الرأى ونفاذ العزيمة، فترى فى ظاهر الحال أنه ناقص بالإضافة إلى عدم تلك الصفة المفقودة عنه، فتذكر كلاما يكمل المدح ويرفع ذلك التوهم كما قال كعب بن سعد الغنوى فى ذلك:
حليم إذا ما الحلم زيّن أهله ... مع الحلم فى عين العدوّ مهيب «١»
فإنه لو اقتصر على قوله «حليم إذا ما الحلم زين أهله» لأوهم إلى السامع أنه غير واف بالمدح، لأن كل من لا يعرف منه إلا الحلم ربما طمع فيه عدوه فنال منه ما يذم به، فلما كان ذلك متوهما عند إطلاقه أردفه بما يكون رافعا للاحتمال مكملا للفائدة بوصف الحلم، وهو قوله «مع الحلم فى عين العدو مهيب» ليدفع به ما ذكرناه من التوهم، وكقول السموءل بن عادياء:
وما مات منا سيّد فى فراشه ... ولا طلّ منا حيث كان قتيل «٢»
فلو اقتصر على قوله: «وما مات منا سيد فى فراشه» لأوهم أنهم صبر على الحروب والقتل دون الانتصار من أعدائهم فلا جرم أكمله بقوله «ولا طل منا حيث كان قتيل» فارتفع ذلك الاحتمال المتوهم وزال، وكما قال ابن الرومى نثرا: إنى وليّك الذى لم يزل تنقاد إليك مودته من غير طمع ولا جزع، وإن كنت ولذى الرغبة مطلبا، ولذى الرهبة مهربا، فلو سكت على قوله إنى وليك الذى لم يزل تنقاد إليك مودته من غير طمع ولا
стр. 488
جزع، لأوهم أنه لا يطمع فيه لقلة ذات يده ولا يرهب منه لعجزه، فلما قال وإن كنت لذى الرغبة مطلبا لذى الرهبة مهربا، أكمله ورفع الاحتمال الذى ذكرناه، والتفرقة بين الإكمال والتتميم ظاهرة مع كونهما مشتركين فى أنهما إنما زيدا من أجل رفع الوهم عن تخيل ما يحط من المدح ويسقطه، وحاصلها من جهة اللفظ ومن جهة المعنى، أما من جهة اللفظ فهو أن التتميم إنما يقال فى شىء نقص ثم تمم بغيره، بخلاف الإكمال فإنه تام لم ينقص منه شىء، خلا أنه أكمل بغيره، فصار الأول بالزيادة تاما، وصار الثانى بالزيادة كاملا، وأما من جهة المعنى فهو أن التتميم إنما يذكر من أجل رفع احتمال متوهم، فلهذا افترقا، فالإتمام يرفع الخطأ مما ليس ذما، والإكمال يرفع الذم المتوهم إذا لم يذكر، فهذا تقرير ما يمكن من التفرقة بينهما، ومن عرف أمثلتهما تحقق ما ذكرناه.
الصنف الثالث عشر فى التذييل
وهو تفعيل من قولهم ذيّل كلامه إذا عقّبه بكلام بعد كمال غرضه منه، فأما معناه فى اصطلاح علماء البلاغة فهو عبارة عن الإتيان بجملة مستقلة بعد إتمام الكلام لإفادة التوكيد وتقرير لحقيقة الكلام، وذلك التحقيق قد يكون لمنطوق الكلام، وتارة يكون لمفهومه فهذان وجهان، الوجه الأول أن يكون سوقه من أجل تأكيد منطوق الكلام، ومثاله قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)
[سبأ: ١٧] لأن حاصل قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا
ظاهره وصريحه يدلان على أن الوجه فى استحقاقهم لما استحقوه من نزول العذاب، إنما كان من أجل كفرهم لأن قوله: بِما كَفَرُوا
تعليل للجزاء من أجل الكفر، فقوله بعده وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)
تقرير وتأكيد لما سبق من الجملة الأولى وتحقيق لها، لأنه دال عليها ومحقق لفائدتها وهكذا قوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[الأنبياء: ٣٤- ٣٥] فلما قال وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
ذيلها بتذييلين، كل واحد منهما محقق لفائدتها ودال على مضمونها، الأول منهما قوله: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤)
فهذا الاستفهام وارد على جهة الإنكار عليهم فى زعمهم الخلود، وأراد أنه لا تتصور أن تكون أنت ميتا، وهم خالدون بعدك فإذا كان لا خلود لك مع ما اختصصت به من المكانة والزلفة عند الله تعالى فهم أحق بالانقطاع والزوال لا محالة، والثانى قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
فهذا أيضا توكيد لقوله: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ
لأن هذا العموم قاطع لكل ظن ويأس عن كل أمر يطمع بالخلود، ومن الأمثلة فى ذلك ما قاله بعض الشعراء فى ممدوحه:
стр. 489
لم يبق جودك لى شيئا أؤمّله ... تركتنى أصحب الدنيا بلا أمل «١»
فقوله «تركتنى أصحب الدنيا بلا أمل» مؤكد لما دلت عليه الجملة الأولى بظاهرها، وهو قوله «لم يبق جودك لى شيئا أؤمله» لأنه مصرح بأن جوده لم يترك له أمنية يتمناها. فلم يبق له أمل فى الدنيا يرجو حصوله بحال، وهذا نهاية المدح، وقد أخذه المتنبى وزاد عليه فى قوله من قصيدة يمدح بها سيف الدولة:
تمسى الأمانىّ صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشىء ليت ذلك لى «٢»
وهذا أعظم من الأول فى المدح وأدخل فى الأدب مع الممدوح، حيث جعله فى قبيل من لا يتمنى شيئا أصلا. الوجه الثانى أن تكون الجملة الثانية مسوقة من أجل تأكيد مفهوم الكلام، ومثاله بيت النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أىّ الرّجال المهذّب «٣»
فقوله «ولست بمستبق أخا لا تلمه» دال من جهة مفهومه على نفى الكامل من الرجال، ثم أكد هذا المفهوم بقوله «أى الرجال المهذب» لأن معناه أنا أستفهمك عنه فإنى لا أكاد أجده، ومن ذلك ما قاله الحطيئة:
نزور فتى يعطى على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المكارم يحمد «٤»
فمفهوم قوله «يعطى على الحمد ماله» أنه لا يعطى ماله إلا لأجل أن يحمد، وقوله بعد ذلك «ومن يعط أثمان المكارم يحمد» محقق له ومؤكد لفائدته، فلأجل هذا كان ما هذا حاله تذييلا، واشتقاقه من ذيل الفرس، إما لأنه زائد على كمال خلقها، كما أن هذا مزيد على جهة التوكيد، وإما لأنه فى عجزها كما أن هذا إنما يأتى على أدبار الجمل مقررا لها.
الصنف الرابع عشر فى التفسير
وهو تفعيل من الفسر، وهو البيان، يقال فسر الكلام يفسره إذا بيّنه، ويقال لنظر الطبيب إلى بول الرجل فسر لأنه يتبين به حاله، وهو فى مصطلح علماء البيان عبارة عن أن يقع فى مفردات كلامك لفظ مبهم أو عدد مجمل أو غير ذلك مما يفتقر إلى بيان، فتأتى بما يقرر ذلك ويكون شرحا له من بيان وكشف، ثم إن وقوعه يكون على وجهين،
стр. 490
الوجه الأول أن يكون الإبهام واقعا فى أحد ركنى الإسناد ،
فيكون بيانه بالركن الآخر ومثاله قول بعض الشعراء:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
يحكى أفاعيله فى كلّ نائبة ... الغيث والليث والصمصامة الذّكر «١»
فالإبهام إنما وقع فى قوله ثلاثة تشرق الدنيا، وهو واقع فى موضع المبتدأ وبيانه إنما وقع بركنه الثانى وهو خبر المبتدأ، وهكذا قوله «يحكى أفاعيله» فإن الإبهام واقع فيه، وقد فسره بقوله الغيث والليث والصمصامة الذكر، فهذه الأمور كلها فاعلة لقوله يحكى أفاعيله، فلأجل هذا قضينا فيها بأن الركن الثانى وهو الفاعل يفسر الركن الأول، وهو قوله يحكى أفاعيله، فلأجل ملازمة أحد الركنين لصاحبه لا جرم جاز أن يكون أحدهما مفسرا للآخر كما أشرنا إليه،
الوجه الثانى أن يأتى على خلاف الأول ،
وهو أن يكون الثانى مفسرا للأول بالصفة، وهذا كقول الفرزدق يمدح أقواما:
لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم
لألفيت منهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوّم «٢»
فلما عدّد تلك الأمور الثلاثة المجحفة بالإنسان الطّرد والثّقل والإعدام على من رواه «معدم» فأما من رواه بالراء وهو الصحيح فهما أمران، الطرد وحمل الثقل الذى يغرم لأجله عقّبه بأمرين كل واحد منهما موضح لما قاله على جهة المقابلة بما يصلح له فقابل الطّرد بالطعان حوله حتى يستنصر من حقه، وقابل قوله حمل ثقل المعدم، بقوله معطبا ليجبر فقره فهكذا حال التفسير يأتى على هذين الوجهين وما أشبههما، فإذا حصل على الصفة التى يكون فيها بيان لما سبقه فهو تفسير، وإن اختلفت فيه الأمثلة.
الصنف الخامس عشر فى المبالغة
وهى مصدر من قولك بالغت فى الشىء مبالغة إذا بلغت أقصى الغرض منه، وفى مصطلح علماء البيان هى أن تثبت للشىء وصفا من الأوصاف تقصد فيه الزيادة على غيره، إما على جهة الإمكان، أو التعذر، أو الاستحالة. فقوله أن تثبت للشىء وصفا عن الأوصاف عام يندرج فيه ما فيه مبالغة، وما ليس فيه مبالغة، وقوله تقصد فيه الزيادة على
стр. 491
غيره، يخرج عنه ما ليس كذلك، فإن حقيقة المبالغة الزيادة لا محالة وقوله وصفا من الأوصاف، عام فى المدح والذم، والحمد، والشكر وسائر الأوصاف التى يمكن فيها الزيادة وقوله إما على جهة الإمكان، أو التعذر، أو الاستحالة، يشمل أنواع المبالغة، لأن ما ذكرناه يقال له مبالغة إذا كان يصح وقوعه، أو يكون متعذرا مع إمكانه، أو مستحيلا لا يمكن وقوعه فكله معدود فى المبالغة، فإذا عرفت هذا فلنذكر مذاهب الناس فيها، ثم نذكر طرقها، ثم نردفه بذكر أنواعها فهذه فوائد ثلاث نفصلها بمعونة الله تعالى.
الفائدة الأولى فى ذكر مذاهب الناس فيها
اعلم أن لعلماء البيان فى المبالغة مذاهب ثلاثة فى كيفية مدخلها فى الكلام وإفادتها لما تفيده، وهل تعد من فنون علم البديع أم لا:
المذهب الأول أنها غير معدودة من محاسن الكلام ،
ولا من جملة فضائله، وحجتهم على هذا هو أن خير الكلام ما خرج مخرج الحق وجاء على منهاج الصدق من غير إفراط ولا تفريط، والمبالغة لا تخلو عن ذلك كما جاء فى أشعار المتأخرين من الإغراق والغلو، وجه آخر وهو أن المبالغة لا يكاد يستعملها إلا من عجز عن استعمال المألوف والاختراع الجارى على الأساليب المعهودة، فلا جرم عمد إلى المبالغة ليسد خلل بلادته بما يظهر فيه من التهويل ولهذا تراها مخرجة للكلام إلى حد الاستحالة، فهذا تقرير كلام من منع المبالغة.
المذهب الثانى على عكس هذا وهو أن المبالغة من أجل المقاصد فى الفصاحة ،
وأعظمها فى البراعة، ومن أجلها نشأت المحاسن فى المعانى الشعرية، وحجتهم على هذا أن خير الشعر أكذبه، وأفضل الكلام ما بولغ فيه، ولهذا فإنك ترى الكلام إذا خلا عنها وبعد عن استعمالها كان ركيكا نازلا قدره، ومتى خلط بها ظهرت فصاحته وراق رونقه وحسن بهاؤه وبريقه، فهذا تقرير مقالة من قبلها واستعملها.
المذهب الثالث مذهب من توسط، وهو أن المبالغة فن من فنون الكلام ونوع من محاسنه ،
ولا شك أن
стр. 492
للكلام بها فضل بهاء وجودة رونق وصفاء لا يخفى على من كان له أدنى ذوق، ولكن ليس على جهة الإطلاق، فإن الصدق فضله لا يجحد، وحسنه لا ينكر، فمهما كانت المبالغة جارية على جهة الاعتدال بالصدق فهى حسنة جميلة، ومهما كانت جارية على جهة الغلو والإغراق فهى مذمومة، فهذه مذاهب المتكلمين فى حكم المبالغة قد حصرناها وضبطناها ليتضح الحق ويظهر أمره، والمختار عندنا وعليه تعويل أهل التحقيق من علماء البيان تقرير نشير إلى مباديه، ونرمز إلى أسراره ومعانيه، فنقول أما من عاب المبالغة فقد أخطأ، فإن المبالغة فضيلة عظيمة لا يمكن دفعها ولولا أنها فى أعلى مراتب علم البيان لما جاء القرآن ملاحظا لها فى أكثر أحواله، وجاءت فيه على وجوه مختلفة لا يمكن حصرها، فقد أخطأ من عابها على الإطلاق، وأما من استجادها على الإطلاق فغير مصيب على الإطلاق أيضا لأن منها ما يخرج عن الحد فيعظم فيه الغلو والإغراق فيكون مذموما كما سيحكى عن أقوام أغرقوا فيها وتجاوزوا الحد بحيث لا يمكن تصور ما قالوه على حال قرب ولا بعد، لكن خير الأمور أوساطها، فما كان من الكلام جاريا على حد الاستقامة من غير إفراط ولا تفريط فهو الحسن لا مراء فيه، فيكون فيه نوع من المبالغة من غير خروج ولا تجاوز حد، وأحسن بيت ما قاله زهير وهو من بدائع حكمه الشعرية:
ومهما تكن عند امرىء من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم «١»
فما هذا حاله من أعجب الأبيات وأصدقها حكمة، وأدخلها فى معرفة أخلاق الناس، ومن ذلك ما قاله حسان بن ثابت فى حسن الصدق:
وإنما الشعر لبّ المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا
فإنّ أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا «٢»
ومن أجل الإخلال بالمبالغة ومراعاتها عيب على حسان فى قوله:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
«٣» فعيب عليه قوله الجفنات، وهو جمع قلّة، وليس هذا من مواضع القلة، وكان الأحسن فيه الجفان وقوله «الغر» والغر إنما تستعمل فى مدح الشىء بالوضوح، وليس هذا من
стр. 493
مواضعه، وكان الأحسن «يمرعن» من كثرة الدهن وقوله يلمعن بالضحى، فإن كل شىء يلمع عند طلوع الشمس عليه، وكان الأفصح فيه، يلمعن فى سواد الليل من كثرة الأصباغ، وقوله وأسيافنا جمع قلة، وهذا ليس من مواضعه وكان الأفصح ذكر جمع الكثرة كالسيوف، وقوله «يقطرن» لأن القطرة قليلة حقيرة وكان الأفصح «يسلن» عوض يقطرن، فعرفت بما ذكرناه أن الكلام متى عرى عن استعمال المبالغة كان مذموما نازل القدر، فينحل من مجموع ما ذكرنا هاهنا معرفة ما يقبل فى المبالغة وما يردّ، وما يكون محمودا أو مذموما بما قررناه والله أعلم بالصواب.
الفائدة الثانية فى ذكر طرق المبالغة
اعلم أن المبالغة إذا كانت مستعملة فى الكلام مكسبة له رونقا وحلاوة، فلا بد فيها من طريق يوصل إليها، وجملة ما يذكر من ذلك طرق ثلاث:
الطريق الأولى أن يستعمل اللفظ فى غير ما وضع له فى الأصل
إما على جهة الاستعارة، أو الكناية، أو التمثيل، على ما سبق تقريره فى الأنواع المجازية، فإنه إنما استعمل فيها على تلك الأوجه من أجل المبالغة فى معناها، فإن قولنا مررت بالرجل الأسد يخالف قولنا مررت بالرجل الشجاع البالغ فى الشجاعة كل مبلغ، وما ذاك إلا لما فيه من المبالغة بكونه مجازا، وكما قال بعض الشعراء فى وصف القرطاس:
ويرى الصحيفة حلبة وجيادها ... أقلامه وصريرهنّ صهيلا
وكقول المتنبى:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا «١»
إلى غير ذلك من رقيق الاستعارة وبديعها.
الطريق الثانية أن ترادف الصفات
وتكون متكررة لإعظام حال الموصوف ورفع شأنه، ومن أجل
стр. 494
قصد التهويل فى المعنى المقصود وإشادة أمره من مدح أو ذم كقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ
[النور: ٣٥] فانظر إلى تعديد هذه الجمل ومجيئها من غير حرف عطف، كيف أفادت المبالغة فى حال الموصوف، وأشادت من قدره ورفعت من حاله، وأبانت المقصود على أحسن هيئة، وكقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
[النور: ٤٠] فتأمل هذه الأوصاف فى نعت النور والظلمة، كيف أصابت المجزّ، وطبّقت المفصل فى تحصيل المقصود وإظهار المبالغة فيه كما ترى.
الطريق الثالثة إتمام الكلام بما يوجب حصول المبالغة فيه وإكماله به
وهذا كقول من قال يمدح نفسه وقومه:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث كانا «١»
فإنه لم يكتف بما صدّره فى أول البيت من مقدار ما هو عليه وقومه من الإحسان إلى الجار والقيام بحقه وبذل الجهد فى المعروف إليه، حتى شفعه بقوله «ونتبعه الكرامة حيث كانا» مشتملا على زيادتين، الزيادة الأولى لحوق الكرامة له من الإتحاف والإلطاف وكثرة الإحسان والتبجيل والتعظيم، والزيادة الثانية قوله «حيث كانا» وأراد به حيث يسير من سائر الجهات من برّ أو بحر أو سهل أو جبل، فحصول هاتين الزيادتين قد اشتمل على المبالغة فيما ذكرناه، وكقول أبى تمام فى صفة الفرس ومدحه بصبره وتجلده على الجرى:
وأصرع أىّ الوحش قفّيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب»
فلما مدحه بأنه يلحق كل وحش عليه ولم يستثن شيئا من ذلك عقبه بأعظم منه مدحا وأكثر مبالغة بقوله «وأنزل عنه مثله حين أركب» فى جموم جريه وكثرة نشاطه، أو أنه لا يعرق مع كثرة جريه لمزيد القوة وشدة صلابته.
стр. 495
الفائدة الثالثة فى ذكر أنواع المبالغة
اعلم أن المبالغة ترجع حقيقة أمرها إلى دعوى المتكلم للوصف اشتدادا فيما سيق من أجله على مقدار فوق ما يسلّمه العقل ويستقر به، ثم ذلك المقدار فى نفسه إما أن يكون ممكنا أو غير ممكن، والممكن إما أن يكون واقعا أو غير واقع، فدعوى كون الوصف على مقدار مستبعد يصح وقوعه عادة، يسمى مبالغة، ودعوى كون الوصف على مقدار ممكن يمتنع وقوعه عادة، يسمى إغراقا، ودعوى كون الوصف على مقدار غير ممكن يسمى غلوّا، فهذه ضروب ثلاثة نذكر ما يتوجه فى كل واحد منها بمعونة الله تعالى.
الضرب الأول منها ما يستبعد فى العقل، لكن وقوعه صحيح وهو المبالغة ،
ومثاله قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
[الإسراء: ٢٤] وقوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[النحل: ١١٢] فما هذا حاله معدود فى المبالغة، ولو قال عوض هذه المقالة تواضع لوالديك وللمؤمنين لرأيته خاليا عن ديباج البلاغة وعاريا عن ثوبها وكقول زهير:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلّا صورة اللحم والدّم «١»
فلقد بالغ فيما قاله حتى جعل حقيقة الإنسان إنما تكون بلسانه وقلبه، وبهما يحصل تمييزه عن سائر الحيوانات، ولو قال عوض هذا الكلام، تميّز الإنسان عن أصناف الحيوان هو بقلبه ولسانه لعزل البلاغة عن سلطانها، وأزالها عن رفيع محلها ومكانها، وكقول ابن دريد:
والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف إن أمر عنا
فانظر إلى مبالغته فيما ذكره من جعله ألفا من الناس كالواحد فى الإغناء وأنهم مع كثرتهم بمنزلة واحد من الخلق، وأن الواحد بمنزلة الألف فى كونه كافيا عنهم، كل ذلك مبالغة فى مدح الواحد من الناس لما كان مغنيا عن الكثير لجمعه للأوصاف الجميلة والمحامد الحسنة، وفى ذمه للكثير من الناس حيث كانوا فى الإغناء لا يسدون مسد واحد وإن كانوا عدة كثيرة، فهذه الأمثلة كلها دالة على المبالغة من غير إغراق ولا غلو، وهو المحمود فى المبالغة كما مر بيانه.
следующие страницы →